المساعد الشخصي الرقمي

اعرض النسخة الكاملة : إبداع اللامعقول عند الشاعر ياسر أبو سويلم الحرزني



ثناء حاج صالح
04-01-2020, 12:38 AM
إبداع اللامعقول في مثال شعري عند (ياسر أبو سويلم الحرزني)

قصيدة (ديانة لرئيسة القصائد والسداد قصيدة)

أمن عزيف الرمل في حومانة القرى
ذرفت ، أم لهسّة لبكرة السرى
مشارف الحيين في وادي الضحى
عضضت قلبي ، واعتراني ما اعترى
أم علّها وليّة الرحى
رمت نحيبها على الكلام فاستحى
يا حارس العرقوب دستورك
دلّني ، أّنا مدّاح داره وشاهدي
سلامه الّذي نقشت وشم صوته
في باطن اليد
يا صاحب الناس لك (النوماس)
قم وفوّج القطا
ودلّها على ظلّة دار سيّدي
ودلّني ، فساقي اليمنى كسيرة وأختها ضريرة الخطى
لا تهتدي
ديانة يا صاحب الناس
ورهنها دمي وبكرتي الّتي رهنتها
لخنساء القصائد
هلمْ .. هلمْ
يا شعر قم لسيّدي
يا شعر قمْ
هلمْ .. هلمْ
يكاد صوتي أن يتمْ
...
يا شعر قم لسيّدي واحجل له بحجلة الوصول
يا شعر قم لسيّدي وقل كما أقول
:
يا سيّدي ، يا عيبة الظلّ الّذي قد حجر الغياب مولاه ، ولم يحضر معي
هلمْ .. هلمْ
يا شعر
قمْ
...
يا شعر قم لسيّدي بنقلة الدخول
يا شعر قم لسيّدي وقل كما أقول
:
يا أيّها المبثوث في أعراسنا كما الفرحْ
يا أيها المبعوث في أقواسنا كما قزحْ
هلمْ .. هلمْ
تكاد تحفة الكلام أن تتمْ
يا أيّها المرجوّ في أبوابنا ضيفاً
وفي انتظارنا طيفاً
ومثلما تشاء
أو كما تريدْ
يا أيّها المرصود في أصواتنا وفي أغاني قمحنا
كما تراويد الحصيدْ
يا أيّها المنشود في عروق صومنا
وفي صدى الأذان
تمراً أو يزيدْ
يا أيّها المشهود في وقفتنا
هلال فطر ضاحك
لثوبنا الجديدْ
وعيدنا السعيدْ
وهكذا
كما تحبّ أو كما تشاء
لو أتيت إن أتيت من بعيدْ
أو هكذا
أو مثلما تريدْ
هلمْ .. هلمْ
يكاد صبحي فيك أن يتمْ
...

يا سيّدي ، تينتنا الخنساء لم تعد تزورنا ولم تبرح جدارها ، وتينها أبى إلا يدك
...
يا إسم ناد صوته وأت به من أبعدي
يا صوت قم مع إسمه وامض به إلى غدي
يا شعر قم لسيّدي
وارفع له قصيدتي
لعلّه يرمي لها سرب حمام
يا شعر قمْ
يا جرح صم عن نزفه لا تجرح الصيام
يا جرح صمْ
يا نوم قم من عينه واتركه في عيني ينام
يا نوم قمْ
يا إسم عد من صوته واتركه في سلام
هلمْ .. هلمْ
فالصوت من ميتته في إسمه ما شبعا
والإسم من ذهابه في صوته ما رجعا
هلمْ .. هلمْ
يا إسم قم لصوته وكن له كما يشاء
يا صوت هات إسمه المخبوء في الغناء
هلْم .. هلمْ
يكاد صوتي في صداه أن يتمْ
...
يا سيّدي ، يا وجد إبريق الوضوء وانتظار مائه لركعتي ضحاكْ / كأنّه أصغر إخوتي
...
يا شعر خذ صوتي وقل كما أقول
:
يا صوته
يا ذبح صبح
يا نفرة الإنصات في مداه
يا صوته
يا ملح جرح
يا شوط سمعي في صداه
يا صوته
موّاله يدمي فمي
يا صوته
يا مدية من ذهب تنام في دمي
هلم .. هلمْ
ذبحان من دمّين من
دم ودمْ
يا صوته
يا فرحاً أعزّه العمر فعزْ
يا نصل شوق شاقه دمي فحزْ
أؤمّ في عشائه صوتاً سجدْ
أضمّ في شتائه إسماً بردْ
هلمْ .. هلمْ
يا صاحب الذبحين قمْ
هلمْ .. هلمْ
أكاد عند الباب أن أتمْ
يا شعر قل صوتين من نزفين
من جرح وفمْ
:
اختانني صوتي وظلْ
اختانني إسمي وضلْ
صوتين من ذبحين
من دم ودمْ
يا صوته في البال لم يزلْ
وفي قصائدي له محلْ
ذبحان من صوتين
من فم وفمْ
هلمْ تعال وانزع السكّين قمْ
هلمْ تعال تمّم النداء فيك قمْ
هلمْ .. هلمْ
علّ نصاب الصوت في فمي يتمْ
...
يا سيّدي ، لقد رجعت لانتظارك الّذي تركته في العتبات واقفاً ، فقل له أن يستريح . يا طوله يا سيّدي ، كأنّه أكبر إخوتي
...
أهزجة تلك الّتي زجلتها
أم رجزة ببابك ارتجلتها
أم علّها
هاتفة الضحى رمت
عثرتها في خطوتي
يا رجسها يا سيّدي ، يا رجسها
كيف حدت لنفرتي
يا رجزها
قم بالدفوف
وانتظر لنقلتي
يا رجزها
أعلي الدلاء وارتجل
وحاجل الصفوف
واقتدي بحجلتي
هلمْ .. هلمْ
يا شعر
قمْ
يا شعر قم مع سيّدي واحمل له عصاه
وهات من سبحته شاهدها
يا شعر قم لسيّدي لعلّه يا شعر أو عساه
وهات من طيوفه أبعدها
وقل له قصيدتي وارفع له دلاءها
لعله يا شعر أو عساه
أو علّه يا شعر أو عساه

وهات من ضحكته علامة

هلمْ
هلمْ
يا شعر
قمْ

.
.

(مستفعلن / أو كما لو شاء سيّدي أن أقول له : مع السلامة)

تجربة متعة القراءة مع نصوص الشاعر والأديب المبدع الأستاذ (ياسر أبو سويلم) تبدو موازية لتجربة متعة الكتابة الإبداعية، عندما يتخذ القارئ موقف الملاحظ المراقب للوعي الشاعري، وهو يتخذ قراره بتلبس الحيرة الوجدانية لحظة إبداع المفارقة المعنوية بين المعقول واللامعقول سواء في الصورة الشعرية أو في الدلالة المعنوية المجازية. وهي حيرة آنيَّة يتاح للشاعر من خلالها أن يمدَّ برزخاً إبداعياً بين المعقول واللامعقول ليسمح بمعانقة ما بين الممكن والمستحيل وضبطهما معاً متلبسين بقرار الحيرة .
إنه يشكل من عناصر الموقف المتخيل في الصور الشعرية حالة مستحيلة التحقق، غير أنها في الوقت نفسه مقنعة سهلة ولا تقبل الشك .
هذه المقدمة قد توحي بأن الشاعر ينتمي إلى صف أولئك الذين يضحون بمسألة الترابط المعنوي والمنطقي لعناصر الموقف المتخيل في سبيل خلق المفارقة الإبداعية المختلفة، غير أن الأمر ليس كذلك . بل المفاجأة هنا أن أساس تميز الحضور الإبداعي لهذا الشاعر إنما يقوم على قدرته على استنباط هذه المفارقات الإبداعية في عقلنة اللامعقول .
أساليبه اللغوية في جمله الشعرية تدلِي دلاءها إلى المعين الغائر من الينابيع الجوفية لذاكرة الشعر الجاهلي في الوقت الذي ينسكب فيه النص في مجراه التفعيلي لا العمودي .
فتأثير الموروث من الشعر العمودي واضح في تصاميم الأبنية اللغوية لجمله الشعرية. ويعكس أصول ثقافته الشعرية ، غير أن المنحى الفني فيها يتبع لنوعٍ فريدٍ من حرية التعبير، يجعلنا متأكدين من تأثره بالمذهب السريالي.
غير أنها سريالية حكيمة لا عبثية ولا عدمية ، والجزء اللامعقول فيها ليس منبتاً ولا منفصلاً عن جوهر المعنى وحقيقته في سياقه . وهذه هي الميزة والسمة الأسلوبية الخاصة جداً بالشاعر والتي تجعله في نظري رائداً ومؤسسا لمدرسة إبداعية جديدة .
البيئة الاجتماعية في نصوصه الشعرية التفعيلية تدلنا مع توجيهات المنهج السيميائي إلى تأثير الحياة العربية البدوية البسيطة. ويظهر ذلك في اختياره نسبة كبيرة من الألفاظ من مفردات البادية أو الصحراء العربية. كما أنه يتمثل في أسلوب اقتباس الأشعار القديمة وتضمينها في سياق النص كعنصر فني حي يتفاعل معه الشاعر ويحاوره ويدور حوله .
في هذه القصيدة (، مثلاً: يبتدئ الشاعر السطر الأول بأسلوب استفهامي مقتبس من الشعر القديم ،كنا قد قرأناه عند الشاعر الجاهلي النابغة الذبياني وهو يقول :
أمن آل ميَّة أنت رائح أو مغتد *** عجلان ذا زادٍ وغير مزوَّد
كما قرأناه عند عمر بن أبي ربيعة في بيته
أمن آل نعم أنت غاد فمبكر ♦♦♦ غداة غد؟ أم رائح فمهجَّر؟
فيقول الشاعر ياسر أبو سويلم :
أمن عزيف الرمل في حومانة القرى ؟
وكأنه يعلن انتماءه للنص القديم. ويكرر السؤال بالطريقة نفسها ليبرهن على تواصله مع الأصل .
أمن عزيف الرمل في حومانة القرى
ذرفت ، أم لهسّة لبكرة السرى
مشارف الحيين في وادي الضحى
عضضت قلبي ، واعتراني ما اعترى
أم علّها وليّة الرحى
(بكرة السرى، مشارف الحيين ، وادي الضحى ، وليَة الرحى) يشعر القارئ بأن الشاعر قد أحيا هذه الألفاظ البعيدة عن الاستعمال المتكرر بعد أن استخرجها من قصائد جاهلية أو بدوية قديمة.
ولو تتبعنا النص من زاوية النظر هذه، فسنجد اقتباسات رائعة لتعابير وجمل شعرية قديمة شهيرة جداً، ولا تخطئ العين أبنيتها، يستوردها الشاعر ليعلن انتماءه إليها، عبر توظيفها في سياقات معنوية تطرح الأفكار وكأنها لقىً تذكارية استخرجت من مدائن الشعر المندثرة، لتُعرَض إلى جانب التصاميم المعاصرة والأكثر حداثة في مهرجانات ومعارض اللغة الشعرية الحداثوية.
رمتْ نحيبها على الكلام فاستحى
يا حارس العرقوب دستورك
دلّني ، أّنا مدّاح داره وشاهدي
سلامه الّذي نقشت وشم صوته
في باطن اليد
يا صاحب الناس لك (النوماس)
قم وفوّج القطا
دلالات الألفاظ البيئية الاجتماعية والجغرافية، تخيِّم علينا بكل ما تحمله من أجواء بيئتها الثقافية الشعبية في موضعها الجغرافي الذي يتصل بالبداوة ؛كما في قوله (دستورك) : وهي كلمة تستخدم في بلاد الشام ( وربما في مصر وغيرها من البلدان العربية عند الطبقات الفقيرة والبسيطة في القرى أو في الأحياء الشعبية لطلب العفو عند ذكر أسماء أولياء الله مثلاً، أو عند الإتيان بذكر الأرواح مثلاً تحاشياً لإزعاجها.
كذلك في إشارته إلى قول طرفة بن العبد " لخولة أطلالٌ ببرقة ثهمد*** تلوح كباقي الوشم في ظاهر اليد " إذ يحاور الاقتباس ليقلب الوشم في ظاهر اليد إلى وشم في باطن اليد، لكنه وشم لصوت سلام (مصافحة) سيَّدِه (الذي علمنا أنه والده المتوفى-رحمه الله - وأن القصيدة كُتِبَت رثاءً له ) وقد نَقَشَ وشمَ صوتِ مصافحتِه في باطن يده، ليكون هذا الوشم الصوتي شاهداً على أنه هو(الابن) ليس فقط مدَّاح سيده، بل هو مَدَّاح دارِ سيِّده، كمبالغة غير مبالغ فيها تأتي في مكانها للتعبير عن الانتماء الوثيق لسيِّده.
ومن جهة ثانية تطلعنا كيفية إدارة هذا الاستقلاب الإبداعي لنص طرفة بن العبد في بيته القديم على تطور لاحق ممكن للاتصال السياقي الجاهلي مع التراث الديني الإسلامي. كما توحي بذلك دلالة لفظة ( مدَّاح ) والتي تعتبر من الألفاظ المخصوصة في مدائح النبي عليه الصلاة والسلام. فالمدَّاحون هم على وجه الخصوص من يكتبون قصائد المديح في حق النبي المكرَّم محمد عليه الصلاة والسلام.
دلّني ، أّنا مدّاح داره وشاهدي
سلامه الّذي نقشتُ وشمَ صوته
في باطن اليد.
إن دفء المعنى المنبعث من وشم الصوت في باطن اليد يفوق في دلالته الوجدانية ما كان قد أوحى به بيت طرفة، حينما ضرب الوشم في ظاهر اليد مثلاً على صورة اندثار ديار الحبيبة عن وجه الأرض، ذلك الاندثار الذي أصبحت فيه الديار أثراً سطحياً يلازم سطح الأرض، ولا يكاد يرتفع عنه .كما هو الحال في ملازمة الوشم سطح الجلد في ظاهر اليد وعدم ارتفاعه عنه.
ثم نأتي إلى كيفية اختلاق المفارقة المعنوية المعقولة واللامعقولة في آنٍ واحد، وأسلوب إبداعها عند الشاعر .يقول مثلاً
دلّها على ظلّة دار سيّدي
ودلّني ، فساقي اليمنى كسيرة وأختها ضريرة الخطى
لا تهتدي
نصَّب الشاعر الشعر دليلاً هادياً يدلُّه ويهديه الطريق إلى سيِّده ،وحاجته إلى هذا الدليل الهادي مُلِحَّة وأكيدة ، لأنه راغبٌ في الوصول على الرغم من كونه قد فقد القدرة على تحريك ساقيه الاثنتين ؛ فساقه اليمنى كسيرة، وساقه اليسرى ضريرة الخطى !
وإذا كنا نعدُّ انكسار إحدى الساقين سبباً معقولاً بدون ريب ، فإن قبولنا بمعقولية إصابة الساق الأخرى بعمى الخطى (ضريرة الخطى) يتوقف على جاهزيتنا لقراءة وميض وتوهج المفارقة المعنوية الإبداعية لحظة انبثاقها في السياق .
فالمشي بتلك الساق أو الخطو بها أمر ممكن ، ولكن الاهتداء للطريق عبر تلك الخطى الضريرة غير ممكن .لأن المشي بها يماثل مشي الضرير إلى هدفٍ لا يستدل عليه . ويحكم الشاعر عبر صفتي الساقين (كسيرة وضريرة) بالفشل التام على فعل الوصول، دون مساعدة الدليل.
بساطة الألفاظ وانقيادها لحمل المعنى العميق سمة أخرى من سمات خلق المفارقة المعنوية المعقولة من اللامعقول عند شاعرنا تتمثل بالاختلاف الإبداعي في التعبير عن المعنى عما هو سائد. فبأسلوبه التعبيري المختلف نراه يسوق الألفاظ البسيطة إلى مستويات مفاجئة في عمقها المعنوي، وملفتة في شدة ترابط دلالاتها المعنوية، حتى يبدو للقارئ وللوهلة الأولى أنه من السهل غض النظر عنها وتجاوزها، بتأثير وهم عدم توظيفها،هذا الوهم الذي كرِّسته في الذائقة العامة وأسست له النصوص الحداثوية التفكيكية.
غير أن البساطة المتناهية للألفاظ وسهولة انقيادها في الجملة الشعرية عند الشاعر قد تقود لاستحضار ذلك الوهم أيضاً ، فالبساطة المتناهية قد تشير إلى عدم التريث في تشكيل الجملة الشعرية. وهذا لعمري ما أراه ميزة إبداعية تعكس قوة تدفق معين القريحة وأصالة الشاعرية وعفويتها.
ونحن أمام حالة توهج إبداعي استثنائي ، تكتظ بها قصائد الشاعر و لا بد لنا من قراءتها قراءة استثنائية أيضاً لإيفائها حقها.
يا شعر قم لسيّدي واحجل له بحجلة الوصول
يا شعر قم لسيّدي وقل كما أقول

ثمة الانبثاق العفوي الطفولي الساذج في المفارقة المعنوية في المقطع أعلاه.
عندما يقول الشاعر
:يا شعر قم لسيّدي وقل كما أقول
فإنه يوصي الشعر بأن يلتزم بقول ما يقوله هو . وبهذه الوصية يفتح مجالاً للشك بوجود احتمال آخر، وهو احتمال أن يكون ما يقوله الشعر مختلفاً عما يريد الشاعر قوله. فإذا ذهب الشعر بالمعنى إلى إيحاءات لم يطلبها الشاعر فهو حتماً مغيِّر لمقولة الشاعر.والوصية له مستحقة.لكن الذي يهمُّنا هنا هو هذا المبلغ العميق من الشفافية الواضحة الذي وصل إليه الشاعر في التعامل مع المعنى الذكي والملفت بذكائه في جملة شعرية انقادت فيها ألفاظ ملفتة ببساطتها على الرغم من عمق وتعقيد محمولها المعنوي.
يا شعر قم لسيّدي وقل كما أقول
يا سيّدي ، يا عيبة الظلّ الّذي قد حجر الغياب مولاه ، ولم يحضر معي
هلمْ .. هلمْ
يا شعر
قمْ
قيام الشعر يعني وقوفه احتراماً لسيده. وعلينا تصور كائن الشعر يقوم ويقف احتراماً وإجلالاً لذلك السيد المبجل ، وبتلك السلطة التي تخوِّل الشاعر أن يفرض أمره على الشعر وكأنه تلميذ أو مجرد تابع مريد له، أوامر متلاحقة ملحَّة تأمر الشعر بالقيام (قم !) ثم الانقياد ( هلم ..هلم !) تتكرر كلازمة واثقة قوية مع المقاطع ، وتصب في مجرى تيار التصور الذي اختزله العنوان حينما أعلمنا أنه شاعر يتأهب لكتابة قصيدته. لكنها ليست قصيدة عادية ، بل هي ديانة أو دَيْن يدين به الشاعر لرئيسة القصائد ولا بد له من إيفاء دينه. فمن هي رئيسة القصائد ؟
لقد ترك الشاعر للنص مهمة الكشف عن هوية رئيسة القصائد ولم يصرح بذلك في العنوان. ليعطي العنوان فرصة في أن يلعب دور مفتاح القصيدة الذي لا بد للقارئ من استخدامه كي يصل إلى الداخل .ويعلم أنها الخنساء
ديانة يا صاحب الناس
ورهنها دمي وبكرتي الّتي رهنتها
لخنساء القصائد
فلماذا الخنساء دون غيرها من الشعراء ؟ ألأنها شاعرة المراثي ؟ ولأنه يكتب مرثية أبيه؟
إنها ليست (الخنساء) المجردة ، بل هو الإلحاح الذي تمارسه الخنساء عندما لا تكف عن التعلق بمن مضى وغادر ،ثم تستمر بالإضراب عن متابعة الحياة بعده.
يا سيّدي ، تينتنا الخنساء لم تعد تزورنا ولم تبرح جدارها ، وتينها أبى إلا يدك
لذا فقد أصبحت الخنساء تلك التينة ( شجرة التين ) التي يرى الشاعر أنه انقطعت عن زيارتهم (لم تعد تزورنا) مع أنها في الحقيقة لم تغادر مكانها ولم تبرح جدارها ، ولكن الشاعر يراها غير حاضرة في حضورها ، وتينها الذي يأبى التعامل إلا مع اليد التي كانت تقطفه يؤكد على أنها فعلا تينة خنساء.
من مثل هذا اللامعقول تنبثق الدلالية المعنوية المعقولة وتتخذ من المفارقة بين القصد واللفظ الظاهر حجتها التلميحية الإبداعية . وبمثل هذا الأسلوب يبرع الشاعر مراراً وتكراراً في تجهيز وتشكيل مفارقاته المعنوية السريالية المعقولة .فنراه يبدي عذره وخجله من عدم قدرته على الحضور بجسمه لمراسم وداع جثمان والده فيقول:
يا سيّدي ، يا عيبة الظلّ الّذي قد حجر الغياب مولاه ، ولم يحضر معي
فمولى الظل هو الجسد الذي يصنع الظل ، والغياب قد حبس (حَجَر) هذا الجسد عن الحضور فلم يحضر مع صاحبه . والظل حاضر ومولى الظل (الجسد ) غير حاضر ؟ معادلة ليست مستحيلة الحل، لأنه من الممكن أن يحضر الشاعر بروحه فقط متناسياً جسده الذي حضر ولكن الشاعر لم ينتبه إليه فأخذ ينكر حضوره ويتهمه بالغياب....
يا شعر قم لسيّدي بنقلة الدخول
يا شعر قم لسيّدي وقل كما أقول
ونقلة الدخول هي النقرة الموسيقية التي يبتدئ بها العزف . والشاعر يدرك أن قصيدته ترتدي قالب المعزوفة بما يتيحه لها من كثرة تكرار اللوازم من الجمل الشعرية وبما يقيمه فيها من علاقات إيقاعية تجاوبية وبين الألفاظ في داخل الأسطر وعند قوافيها.
وأساس هذا التكرار يتمثل بالجناس الناقص الذي اعتمده الشاعر في نصه هذا كما في كل نصوصه ،كسمة بديعية إيقاعية ثابتة.
يا صاحب الناس لك (النوماس)
.....
ودلّني ، فساقي اليمنى كسيرة وأختها ضريرة الخطى
وتتواشج الأسطر عبر موسيقاها الداخلية من خلال تكرار الفاظ الجناس الناقص التي تعيد نغمات القوافي الإيقاعي في الإيقاع الداخلي للأسطر . فالجناس الناقص متبادل ومتعاكس بين الألفاظ داخل السطر وبين قافية السطر نفسه من جهة ، وبين المواضع المتماثلة للتفعيلات في الأسطر المتعاقبة تعاقبا مباشر أو غير مباشر.
يا أيّها المرصود في أصواتنا وفي أغاني قمحنا
كما تراويد الحصيدْ
يا أيّها المنشود في عروق صومنا
وفي صدى الأذان
تمراً أو يزيدْ
يا أيّها المشهود في وقفتنا
هلال فطر ضاحك
لثوبنا الجديدْ
وعيدنا السعيدْ
وهكذا
كما تحبّ أو كما تشاء
لو أتيت إن أتيت من بعيدْ
...
يا جرح صم عن نزفه لا تجرح الصيام
يا جرح صمْ
يا نوم قم من عينه واتركه في عيني ينام
يا نوم قمْ
يا إسم عد من صوته واتركه في سلام
هلمْ .. هلمْ
........:
يا صوته
يا ذبح صبح
يا نفرة الإنصات في مداه
يا صوته
يا ملح جرح
...
يا صوته
يا فرحاً أعزّه العمر فعزْ
يا نصل شوق شاقه دمي فحزْ
أؤمّ في عشائه صوتاً سجدْ
أضمّ في شتائه إسماً بردْ
الخطاب في النص موجه لشخصيتين اثنتين إحداهما شخصية السيد الذي يرغب الشاعر بالوصول إليه لمدحه ."يا سيّدي " والأخرى شخصية الشعر الذي يحثه الشاعر كي يقوم ويوصله إلى سيده"يا شعر قم !".
هلمْ .. هلمْ
تكاد تحفة الكلام أن تتمْ
يا أيّها المرجوّ في أبوابنا ضيفاً
وفي انتظارنا طيفاً
ومثلما تشاء
أو كما تريدْ
يا أيّها المرصود في أصواتنا وفي أغاني قمحنا
كما تراويد الحصيدْ

غير أن الخطابين يتداخلان في مناطق يتعذر على القارئ الفصل بينهما حينما يمزج الشاعر بينهما ليعبر عن انتمائه الاجتماعي إلى القرية التي هي حاضنة أصله وتاريخه ، ثم مع تحول ياء ضمير المتكلم في قوله "يا سيدي" لتصبح نا الفاعلين في الألفاظ (صومنا ، وقفتنا، ثوبنا ، عيدنا ...إلخ) يدرك القارئ أن هذا الانتماء للجماعة هو مداد شعر الشاعر ومصدره واستمراره .
يا أيّها المنشود في عروق صومنا
وفي صدى الأذان
تمراً أو يزيدْ
يا أيّها المشهود في وقفتنا
هلال فطر ضاحك
لثوبنا الجديدْ
وعيدنا السعيدْ
وهكذا
كما تحبّ أو كما تشاء
لو أتيت إن أتيت من بعيدْ
أو هكذا
أو مثلما تريدْ
هلمْ .. هلمْ
يكاد صبحي فيك أن يتمْ
يكاد صبحي فيك أن يتم .
لقد أوشك الليل أن ينقضي والشاعر يستحث الشعر ويستدعيه كي يأتي قبل أن يتم الصبح .
لكن البشارة أن الصبح يكاد أن يتم في الشعر ( يكاد صبحي فيك أن يتمْ) وهذا يعني أن القصيدة ما تزال رهن الكتابة.
وتبقى للشاعر أدواته التعبيرية الذاتية الخاصة والتي تجذبنا نصوصه لملاحظتها. وهي تحتمل الكثير من التحليل وتستحق التركيز والتأطير ، لعكس حضوره الإبداعي المميز.

ثناء حاج صالح