المساعد الشخصي الرقمي

اعرض النسخة الكاملة : الوسيلة والغاية في التقديم والتأخير وعَوْدِ الضمير



أ.د. علي عبدالفتاح الحاج فرهود
21-02-2020, 06:33 PM
الوسيلة والغاية
في التقديم والتأخير وعود الضمير
بين اللهو والتجارة

دراسة نقدية دلالية في تأويل قوله تعالى:

وَإِذَا رَأَوْا تِجَارةً أَوْ لَهْـــوًا انفَضُّوا إِلَيْــــهَا وَتَرَكُـوكَ قَائِمًا قُـــلْ مَا عِنْــــدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنْ اللَّهْوِ وَمِنْ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ

[الجمعة/11]



علي عبد الفتاح الحاج فرهود

جامعة بابل / كلية التربية
قسم اللغة العربية

2005





توطئة:
لا تزال كلمات الوليد بن المغيرة التي وصف بها إحساسه بوقع آيات من القرآن الكريم موضع استشهاد وذكر ، لا تعني - أمام عظمة القرآن وإعجازه - شيئًا بقدْر ما يُستأنس بها دليلا على انبهار فصحاء العرب من المناوئين للرسالة المحمدية أول أمرها بهذا النص المعجز بلفظه ونظمه ، بمعناه وأسلوبه ، بوقعه الأخَّاذ ، بصوره التي يكل القلم عن تصويرها بالكلمات الخجلة المحتشمة. فأنى للمخلوق أن يصف كلام خالقه !!
انطلق ابن المغيرة إلى مجلس قومه بني مخزوم ، فقال: (( والله لقد سمعت من محمد آنفا كلامًا ما هو من كلام الإنس ولا من كلام الجن ، وإن له لحلاوةً ، وإن عليه لطُلاوةً ، وإن أعلاه لمثمرٌ ، وإن أسفلَه لمُغْدِقٌ ، وإنه ليعلو وما يُعلى ))(1).
فللقرآن الكريم – وهو بهذا الإعجاز الذي وقف المغيرةَ - بجاهليته - منصتًا إلى ما جاء منه بإعجاب وإجلال أخذ منه مأخذه – مزيةٌ على ما سواه من المعجزات التي أيد بها الله تعالى أنبياءه ورسله (d) تتمثل بأنه كلام الله الذي (( لا يشبه كلام الخلق ، كما لا يشبه أفعاله أفعالهم ، ولهذه العلة وأشباهها لا يبلغ أحد كنه معنى حقيقة تفسير كتاب الله تعالى وتأويله إلا نبيه (k) وأوصياؤه(d) ))(2). وبسبب من هذا الواقع سيبقى القرآن معينًا زاخرًا ومصدرًا وافرًا لبحوث لا تنتهي ، نتاجها آراء مختلفة ووجهات نظر متباينةٍ ، تنصهر كلها وعلى علاتها في بوتقة خدمة النص القرآني ، وخدمة الإنسان بعامة والمسلم بخاصةٍ لأن (( للقرآن بطنًا وللبطن بطن ، وله ظهر ، وللظهر ظهر...وليس شيء أبعد من عقول الرجال من تفسير القرآن إن الآية لتكون أولها في شيء وآخرها في شيء وهو كلام متصل يتصرف على وجوه ))(3) كما يقول الإمام الباقر (a). ونتيجة من هذا اللحاظ فإن الشوط التفسيري لا يقف (( عند مفسِّر معينٍ يكون كلامه هو الحق وما سواه باطلا ، أو أن ما يصل إليه هو الحقيقة المطلقة التي ليس وراءها حقيقة أخرى ، إذ لا معنى لفصل الخطاب ولا مكان للكلمة الفصل التي تغلق الشوط التفسيري في حركة التفسير ما دام التفسير يتحرك في إطار اجتهادي ويتجدد في نطاق الرأي المشروع ، وإن جميع الإجتهادات تعد مشروعة وهي تلتزم بالضوابط المألوفة في فهم المعرفة القرآنية ))(4) .
إن ما أردت أن أخلص إليـه مما سبق هو أننا لو سلمـنا بكل ما كتبه المفسرون واللغويون – وهم أهل لأن يسلَّم بكثير مما جاؤوا به ، فما آثارهم إلا معين لنا لا ينضب ، وما نحن إلا عيال عليهم ، عنهم تكون دراساتنا ، وبهم تقوم بحوثنا – لو سلمنا بما كتبوه في القرآن وما يتعلق بعلومه - على تفاوت هذا المكتوب - وتعبدنا بما ذكروا ، ولم نرض بديلا عن التقليد والسماع المطلق ، لَحَكَمْنا على معجزة القرآن الأبدية بالانتهاء ، ولأقرَرْنا أنه قـد تُمُكِّنَ منه وأنْ لم تعد في مباحثه - بميادينه كلِّها - ضالةٌ لم تُدرك أو فِكَرٌ لم تُستنبط أو ضوابط لم تُحدَّد! ولَكُنَّا قد التزمْنا بما وصل إلينا مما كُتب عـن القرآن وسلَّمـنا به سواءٌ أكـان غثا أم سمينًا وهذا مـا لـن يقع أبدًا فالقرآن الكريم  تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ [فصلت/42] ولا طاقة بالذليل الفاني لأن يحيط به علمًا.
إن (( آراء المفسرين حول الآية يجب أن لا تعيقنا عن التدبر من جديد في معناها ))(5) فقد يهدينا التدبر- وقد حثنا عليه تعالى في قوله: أَفَلا يَتَدَبَّـــرُونَ الْقُـــــرْآنَ أَمْ عَلَـــى قُلُــــوبٍ أَقْفَالُهَا[محمد/24] ، وقوله:كِتـــــَابٌ أَنزَلْنــَاهُ إِلَيْــــكَ مُبـــارَكٌ لِيــــَدَّبَّرُوا آيَــــاتِهِ وَلِيَتَـــذَكَّرَ أُوْلُــــوا الأَلْبَــــابِ[ص/29] – إلى جلاء ما فات على من سبق ، وبيان ما سها به من قد سلف. وهذا قوام البحث الراهن ، وما له علاقة به سوى الآية والمادة موضوعتي البحث. والله أعلم وهو ولي التوفيق.
في سبب النزول:
أجمع المفسرون على أن دحية بن خليفة الكلبي أقبل على المدينة بتجارة من الشام في وقت كان فيه أهل المدينة بحال اقتصادية ليست بالحسنة ، إذ أبطأ عليهم تجارهم بالبضائع المطلوبة التي تسير حياتهم. وكان دخول دحية بتجارته هذه متزامنا مع قيام النبي (k) وإلقائه خطبة الجمعة ، فلمــا علم أهل المدينـة - ومنهم الجالسون تحت منبر النبي (k) – بمقدم دحية نتيجة أصوات الطبول والمزامير التي كان ضربها إعلامًا بقدوم التجارة ووصولها إليهم هُرعوا مبتهجين بهذا الحدث غير آبهين بقداسة مَنْ بحضرتهم ، وبتركهم النبي (k) قائما يخطب. فنزل قوله تعالى: وَإِذَا رَأَوْا تِجَارةً أَوْ لَهْوًا انفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنْ اللَّهْوِ وَمِنْ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ [الجمعة/11] (6).
والواقع أن التجارة أمر مباح لا إشكال فيه ، بل هي من مقومات الحياة ، ولا يذم منها إلا ما خالف الشرع ، فهي مصدر قوت الشعوب ، وحلقة رئيسة من حلقات تواصلهم ، ولا تكون مذمومة منبوذة إلا في حالاتها التي تتنافى والشريعة الإسلامية السمحاء ، فإذا صلح وقتها ومنهجها فبها  فَإِذَا قُضِيَتْ الصَّلاةُ فَانتَشِرُوا فِي الأرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ  [الجمعة/10] ، وما كان ذمها في الآية موضوعة البحث إلا لأنها سببت انشغال الناس بها وأدت إلى إعراضهم وتفرقهم عن رسول الله (k)(7) ، على الرغم من علمهم بقداسته وقدسية الفريضة التي كانوا يؤدونها وما زالوا في أثنائها.
وبما أن سبب النزول يكون بعموم معناه لا بخصوص لفظه ، وأن كلمتي (تجارة) و(لهو) المذكورتين في أول الآية تشملان كل (تجارة) لا خير فيها وكل (لهو) ، بحكم تنكير كـل منهما لا أنهما مقصوران فقط على (تجارة) دحية المذكورة و(لهو) ضرب الطبول والمزاميز للإعلام فإن لتقديم (التجارة) على (اللهو) ولعود الضمير عليها دون (اللهو) في أول الآية دلالة ، وإن لتقديم (اللهو) على (التجارة) مفضولا عليهما في آخر الآية دلالة أيضا ، ومدار كلا الدلالتين هو الوسيلة والغاية ، أو السبب والنتيجة ، والله أعلم.

إخضاع عود الضمير للقول بالحذف والتقدير:
لم تسلم هذه الآية في قوله تعالى: (انفضوا إليها) ، شأنها - وهي جزء من القرآن – شأن القرآن نفسه من القول بالحذف والتقدير ، هذا الأمر الذي تناول به النحاة والمفسرون كلام الله تعالى ، وكلام العرب ، والتُزِمَ القولُ به جيلاً بعد جيل ، حتى ليظن من يقرأ كتابًا نحويا بعامةٍ أو كتاب تفسير بخاصةٍ أن فهم القرآن وبناء العربية لا يقوم إلا بأفكار الحذف والتقدير والتأويل ولا غرو فهذه الأفكار من نتائج قضية العامل ، والتزامِها ، بالشكل الذي قامت عليه نظرية النحو العربي كلُّها رويدًا رويدًا بشكلٍ يسير من كتاب سيبويه إلى ابن جني ، وبشكلٍ كبير من بعد ابن جني إلى يومنا هذا.
لقد ذهب معظم المفسرين – إن لم يكن كلهم – إلى أن تقدير هذا المقطع من الآية هو: ( إذا رأوا تجارة انفضوا إليها أو لهوًا انفضوا إليه) ، فحذف أحدهما وهو (انفضوا إليه) لدلالة الآخر عليه وهو (انفضوا إليها)(8)، مستندًا بعضهم في مذهبه هذا إلى قول الشاعر(9):
نحنُ بمَا عِندَنا وأنتَ بمــَا عندَكَ راضٍ والرَّأيُ مُختَلِــفُ
أي: (نحن بما عندنا راضون) اكتفاءً بقوله (راضٍ) الدال على (راضون) المحذوفة(10).
ولا أدري من أوحى إليهم هذا التأويل ؟ ومن أطلعهم على هذا الأصل الذي كان ، وماجرى عليه ؟ وما المانع من ذكره لو كانا مرادًا ؟ وهو كلام الله الذي له فعل ما يشاء ، وكيف يدل (انفضوا إليها) على (انفضوا إليه) ؟! فهل كانت رؤية الكواكب الأحدَ عشرَ مثلَ رؤية الشمس والقمر في قولـه تعالى:إِذْ قَالَ يُوسُفُ لأبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ ؟ [يوسف/4] ، وهل العسر واليسر ومعيتهما – مكررين – شيء واحد في قوله تعالى:فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا ، إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا [الشرح/5-6] ؟ ولـو كانت كذلك فلم كررت ؟ أكان التكرير فيما مرَّ للتوكيد فحسب ؟ وإذا قلنا: إن (انفضوا إليها) من كلام الله في القرآن ، فهل لنا أن نقول هذا عن (انفضوا إليه) المقدَّر ؟ إن (( علماء العربية وثقاتها يقررون في إجماع رائع أن القرآن أفصح كلام عربي وأنه في المكانة العليا من البلاغة ، فكيف يتفق هذا مع التأويل والتمحل والتقدير ؟))(11).
ولو بقي الأمر على هذا التدبر القائم على القول بالتأويل والحذف والتقدير لكفتنا دلالة النص وما يدرك من باطنه المستنبط من حدود ظاهره مؤونةَ الرد ، إلا أن المؤلم في هذا التقدير لكلام الخالق تعالى أن منهم من استند له إلى بيت شعر لإنسان مخلوق ، والشعر كما يقول ابن جني: (( موضع اضطرار وموقف اعتذار ، وكثيرًا ما يحرف فيه الكلم عن أبنيته وتحال المثل عن أوضاع صيغها لأجله))(12) وأنهم على علمٍ بأن (( ما جاء لضرورة شعر أو إقامة وزن أو قافية فلا حجة فيه))(13). فضلا عن أنه لا نسبةَ تذكر بين القرآن الكريم والشعر العربي لتجويز توجيه نص قرآني في ضوء بيت شعري ، ولو تسمحنا – افتراضًا – بقبول هذا التقدير فإن دلالة النص في ضوئه لن تعود كما هي مستقاة من حدود هذا الظاهر المعجز ، لذا فلا وجه لهذا التقدير والتأويل ، ولا وجاهةَ في الاستناد إلى بيت من الشعر لتأويل أية من الذكر.

افتراضات في عود الضمير :
ليت شعري لماذا لا يقبل المفسرون والنحويون النصَّ كما هو ليدبروا فيه ويجعلوا مما يدرك من باطنه ما هو في حدود ظاهره ، إنهم يتناولونه وكأن في لفظه نقصًا لا يقوم إلا بافتراض ألفاظٍ وتراكيـب تمليها عليهم فكـرة التأويل والولـع بمبدأ القول بالحذف والتقدير لا وجود لها في المصحف الشريف ، إن وجودها إلا في مخيلاتهم وأذهانهم ، تملى عليهم نتيجة تمسكهم بالجدل والمنطق والافتراض البعيد عن سمت اللغة وروعتها وسحر نظمها وصفاء تركيبها ، وكأني بهم وهم يقدرون قد نسوا أن جانبًا من إعجاز القرأن كائن في (( حسن تركيبه وبديع ترتيب ألفاظه وعذوبة مساقها وجزالتها وفخامتها وفصل خطابها ))(14) ، ولا أرى أنهم بصنيعهم هذا قد بسطوا أو سهلوا ، بل ابتعدوا بالنص عما سيق ونظم له.
فمن افتراضاتهم في الآية موضوعة البحث قول الفراء: (( ولو قيل: (انفضوا إليه) يريد: (اللهو) كان صوابًا ، كما قال: وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا [ النساء/112] ولم يقل: (بها) ، ولو قيل: (بهما) و(انفضوا إليهما) كما قال: إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا [النساء/135] كان صوابًا ))(15). معتمدًا في بعض افتراضه هذا حجةً لا يطمأن إليها مفادها أن الأجود في (( العربية أن تجعل الراجع من الذكر للآخر من الاسمين ، وما بعد ذا فهو جائز))(16).
لقد افترض الفراء (إليه) عائدًا على (اللهو) وافترض (بهما) عائدًا على (الخطيئة) و(الأثم) وافترض (إليهما) عائدًا على (التجارة) و(اللهو) ، وخلص – بكل بساطة - إلى أن الأمر لو كان كما افترضه لكان صوابًا.
فأما افتراضه (إليه) عائدًا على (اللهو) فمردود لأنه بهذا الافتراض تحوَّل بدلالة باطنية مفهومة من ظاهر النص من كون التجارة وسيلة للهو بأشكاله المختلفة إلى كون اللهو وسيلة للتجارة وأنها نتيجة له ، وهذا أمر في غاية الضعف ، بل إنه في غاية الابتعاد عن المفهوم بجلاء من هذا المقطع من النص الكريم ، وكما سيأتي.
وأما حمله هذا الافتراض على قوله تعالى:وَمــــَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْــــمًا ثُـــمَّ يَــــرْمِ بِـــــــــهِ بَرِيـــــئًا [النساء/112] وأنه قال: (به) ولم يقل: (بها) أو (بهما) فمردود أيضًا ، فالنص - وهو: الآية بكاملها مع سابقتها-هـو: وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا(111) وَمَــنْ يَكْسِـبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمــًا ثُمَّ يَـــرْمِ بــــِهِ بَرِيئًا فَقَــــدِ احْتَمــَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا(112) [النساء] ، فمحور الآيتين هو (الإثم) ، في حال كسبه فقط وعاقبة ذلك على صاحبه في الآية الأولى ، وفي حال كسبه ورمي البريء به وجزاء هذا الفعل في الآية الثانية ، فهو الأخطر أمرًا والأعنى ذكرًا ، والنص موضع الاستشهاد والافتراض عند الفراء هو تركيب شرطي مؤلف من: (1) الشرط المركب من فعلَي شرط متعاطفين بـ(ثم) وهو: يكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا و(2) جوابه فقدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا والجواب فيه قائم على مجازاة الإنسان باحتماله البهتانَ والأثمَ المبين– فجزاء الرمي بالإثمِ لكِبَرِهِ إثمٌ أيضًا مع البهتان- نتيجة كسبه خطيئة أو إثمًا ثم رميه البريءَ بالإثم حصرًا كون الإثم يشمل الخطيئة وما هو أكبر جرمًا منها ، فلـو كان الإنسان قد اكتسب خطيئةً فقط ورمى بـها بريئًا لَمَا كان مستحقًا لاحتمالِ البُهْتَان وَالإِثْم المُبِين بدليـل الشرط الذي قامت عليه الآية ، قال الطبري: ((إنما فُرِّقَ بين الخطيئة والإثم أن الخطيئة تكون عن عمد وعن غير عمد والإثـم لا يكون إلا عن عمدٍ. وقيل:الخطيئة ما لم تتعمده خاصة كالقتل بالخطأ.وقيل:الخطيئة الصغيرة والإثم الكبيرة))(17)، لذا لا صوابَ من جهة الدلالة فيما ذهب إليه الفراء في افتراضه هذا.
إن ذكر الشاهد مبتورًا عن سياقه العام من أبرز عيوب كتب اللغة(18) والتفسير ، ولعل لذكر الفراء هذه الآية مبتورة عن سياقها – سابقها ولاحقها – أثرًا واضحًا في الدفع إلى هذا الافتراض.
وأما استدلاله بقوله تعالى: إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا [النساء/135] بالكناية عن (الغني) و(الفقير) في (بهما) فلا حجة فيه أيضًا لأن كلاً من (غني) و(فقير) مذكرٌ ، فلو قيل: (به) لا (بهما) لالتبس الأمر في عود الضمير: أعلى (الغني) عائدٌ ؟ فلا يكون الله تعالى وليا للفقير! أم على (الفقير) ؟ فلا يكون الله تعالى وليا للغني! حاشا لله فهو وليهما وولي سواهما.
وأما افتراضه (إليهما) بالعود على (التجارة) و(اللهو) معًا فتخيُّلٌ في غاية البعد عن دلالة النظم ، فهم أُعْلِمُوا بالتجارة بسبب ضرب الطبل والمزامير (اللهو) – كما في سبب النزول – فكان (اللهو) بهذا المعنى سببا لا يبتغى ولا يستحق أن يهرع إليه ، و(التجارة) هي المبتغاة والمنفض إليها إذ فُضِّلَ الإنشغال بها على أمر مقدسٍ بوعي أو بغير وعي. وهما بتنكيرهما واستنادًا إلى عموم المعنى لا إلى خصوص اللفظ في سبب التنزيل واضحا الدلالة ، فالتجارة هي المورد الاقتصادي الباعث على طلب اللهو وتحصيله وإشـباع الغرائز الشهوانية النَّهِمَة فالتجارة – لا تجارة دحية الكلبي – هي الوسيلة ، واللهو – لا ضرب الطبل والمزامير - هو الغاية ، كما سيأتي.
وأقول: إن كان الصواب الذي قصده الفراء في افتراضاته هذه موجهًا إلى النظم والتركيب خارج النص القرآني ودلالالته فلا إشكال في ما افترض ، وإن كان في معنى النص فلا معدى لنا عن إنكاره ورفضه كما مر بيانه.
ومن هذه الافتراضات ما عقده الثعالبي في (فقه اللغة وسر العربية) من فصل تحت عنوان: (الجمع بين شيئين اثنين ثم ذكر أحدهما في الكناية دون الآخر ، والمراد به كلاهما معًا)(19) مدلاًّ عليه بمثالٍ مصطنعٍ وشواهدَ قرآنيةٍ ، نحو (( رأيت عمرًا وزيدًا ، وسلمت عليه أي: عليهما))(20) ولا أدري كيف يفهم من (وسلمت عليه) أنه يريد بالضمير المفرد (عمرًا) و(زيدًا) كليهما ؟ ونحو قوله تعالى: وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ [التوبة/34] الذي قال فيه الثعالبي: (( وتقدير الكلام: ولا ينفقونهما في سبيل الله))(21).
إن في عود الضمير على (الفضة) دون (الذهب) تحقيرًا لهؤلاء الكانزين ، فهم لحرصهم الشديد على أقل الأشياء سعرًا وأبخسها ثمنًا وعدم إخراجها وإنفاقها في سبيل الله يستحقون هذه البشرى ، فإذا كانوا حريصين على الفضة وهي الأرخص والأبخس سعرًا فهم بلا ريب أشد حرصًا على الذهب الأغلى والأنفس ثمنًا ، ولو عاد الضمير على (الذهب) أي: (ولا ينفقونه) لاستلزم الكلام الدلالة على أنهم ينفقون الفضة ولا يمنعونها وأنها ليست بشيء عندهم إن كان الأمر في مجال الإنفاق في سبيل الله تعالى ، ولما كانوا ، إذن ، مستحقين البشرى بالعذاب الأليم فالله تعالى يثيب على أبسط أعمال الخير ، وإنفاق الفضة في سبيل الله من أعمال الخير. ولو كان الأمر كما قدره الثعالبي (ولا ينفقونهما) لما بان حرصهم على الأدنى – وهي حالهم المقصود ذكرها - ولَمَا كان تحقيرهم ظاهرًا جليًا لولا هذا النظم والتركيب المبين المعجز ولاستلزم أن يكون كلٌ من (الذهب) و (الفضة) بمستوى واحدٍ وقيمةٍ متطابقةٍ عند هؤلاء أو في حقيقتهما ، وهذا ما لا يقال.
ونحو قوله تعالى: وَإِذَا رَأَوْا تِجَارةً أَوْ لَهْوًا انفَضُّوا إِلَيْهَا الذي قال فيه الثعالبي: (( وتقديره: انفضوا إليهما))(22) وقد بينت سابقا ضعف القول بهذا التقدير في الرد على افتراض الفراء المشابه له.
ونحو قوله تعالى: وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ [التوبة/62] إذ قال فيـه الثعالبي: (( والمراد: أن يرضوهما ))(23)، وهو تقدير نأى كثيرًا عن الدلالة الرائعة التي سيق النص من أجلها بهذا التركيب ، فضمير المفرد يدل على أن رضا الله تعالى يعني رضا رسوله الكريم (k) ، وأن رضا الرسول (k) يعني رضا الله تعالى كما هو متجلٍّ من العطف بالواو التي للتشريك ، ومن اتحاد الخبر لكل من الله تعالى ورسوله (k) بقوله (أحق) ، فعلى أيهما أعيد الضمير كانت هذه دلالته ، أما إعادته علـى الاسمين السابقين كما قـدَّر الثعالبي (يرضوهما) ففيها – لو قيلت خارج النص - دلالة على اختلاف واضح وتباين جلي بين الرضائين وأن رضا أحدهما لا يعني رضا الآخر ، وأنه يجب أن يكون لهما كليهما بلا استثناء لأحدهما ، حاشا لله ولرسوله عن مثل هذه التصورات. فقد تجلت مكانة الرسول (k) عند الله تعالى في آيات كثيرةٍ جدًّا منها على سبيل المثال لا الحصر:فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ [البقرة/279] الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمْ الْقَرْحُ[آل عمران/172] ، وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (13) وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ(14) [النساء] ، يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا[النساء/59] ، مَنْ يُطِعْ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ [النساء/80] ، إِنَّمَا وَلِيُّكُمْ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ[المائدة/55] ، يَسْأَلُونَكَ عَنْ الْأَنْفَالِ قُلْ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ[الأنفال/1] ، وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ[الشرح/4]. أي: ذكر(أشهد أن محمدًا رسول الله) مع (أشهد ألا إله إلا اللهُ) في الأذان وغيره.
إن الابتعاد واضح بمثل هذه التقديرات عن دلالةِ النص المتجلية من حدود ظاهره في هذه الآية وفي الآيات المماثلة التي مرت قريبًا.
وأقول: ليتهم لم يقدروا ولم يؤولوا لأنهم أرادوا خدمة القرآن وسخروا لهذا الهدف السامي كل طاقاتهم فكان أن تحقق لهم ما أرادوا ، ولكنهم قابلوا إحسانهم هذا بهذه التأويلات والتقديرات وأمثالها مما لا مسوغ له ابدًا ، حتى أضحت بحجم القرآن كمًا ، من غير نسبة تذكر بينهما كيفًا. لأن (( من أعجب ما رأيناه في إعجاز القرآن وإحكام نظمه أنك تحسب ألفاظه هي التي تنقاد لمعانيه ، ثم تتعرف ذلك وتتغلغل قيه فتنتهي إلى أن معانيه منقادة لألفاظه ، ثم تحسب العكس وتتعرفه متثبتًا فتصير منه إلى عكس ما حسبت ))(24). هـذا في ألفاظ القرآن ومعانيه حسب لا في ألفاظ الافتراضات والتأويلات وما تجره من معانٍ ، فهي ليست بقرآنٍ أبدًا.

الضمير بعد (أو) لا يعود إلا على مفرد:
لم يجوز اللغويون – وتابعهم معظم المفسرين – عود الضمير بصيغة المثنى على اسمين متعاطفين بـ(أو) بحجة أن العطف بها لا يثني الضمير ، بل يأتي مفردًا لأنها لأحد الشيئين في ضوء أي من دلالاتها ، وهذا ما رد به أبو حيان على ابن عطية ، إذ ذهب الأخير إلى أنه تعالى (( قال: (إليها) ولم يقل: (إليهما) تهممًا بالأهم ، إذ كانت هي سبب اللهو ، ولم يكن اللهو سببها...))(25) ، فقال أبـو حيان: (( ليس بشيء لأن العطف بـ(أو) لا يثنى فيه الضمير بـل يفرد ))(26) . وبمثل هذا الرد صرح الآلوسي في حديثه عن هذه الآية ، إذ قال: (( بعد العطف بـ(أو) لا يحتاج إلى الضمير لكل منهما ، بل يكفي الرجوع لأحدهما ))(27) ، ولو سلمنا جدلاً بهذه القاعدة لقلنا: عاد الضمير هنا علـى (التجارة) فلماذا ؟ ألدلالة بعينها أم لا ؟
ولعله من الحري بالذكر أن أبا حيان لم يلتزم بهذه القاعدة في حديثه عن قوله تعالى:وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنْ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمْ اللَّهُ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ [الأعراف/50] إذ قال: (( و(أو) على بابها من كونهم سألوا أحد الشيئين ))(28) أي أنها للماء فقط أو لبعضٍ من زرق الله أهلَ الجنةِ ، وكان العائد – بعدهما - عليهما كليهما في قوله تعالى: (حرمهما). وعن هذا قال الطبري: (( والهاء والميم في قوله: (إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا) عائدتان على (الماء) و على (ما) التي في قوله: (أو مما رزقكم الله) ))(29) فالضمير عائد على الاسمين المتعاطفين بـ(أو) بدليل القرآن الكريم ، وأي دليل يحتج به بعد القرآن ؟! سواءٌ في هذه الآية الكريمة أو في قوله تعالى:إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا [النساء/135] فالضمير (هما) فيها عاد على كلٍّ من (غنيًّا) و(فقيرًا) فضلاً عن وجوب عوده عليهما كما بينت سابقًا.
إن الدلالة هي التي تقتضي تخصيص عود الضمير كما أن النظم يبرز الدلالة الباطنة على وفقه ، لـذا عـاد الضمير علـى (التجارة) دون (اللهـو) لأهميتها كونـها وسيلة لـ(اللهو) ولا معنى للقول بعدم إرجاع الضمير على (التجارة) و(اللهو) بحجة اقتضائه بسبب (أو) لأحد الاسمين دون الآخر ، فقد قوض هذا الادعاءَ كلٌّ من النقل بدليل النص القرآني ، والعقل بموجب دلالة النص ، كما مر.

دلالة تقديم التجارة وعود الضمير عليها:
ذكرت سابقًا أن المفسرين قد أجمعوا على أن عود الضمير على (التجارة) دون (اللهو) كان بسبب أهميتها ومكانتها عندهم في مقابل (اللهو) ، وقد اكتسبت (التجارة) هذه الأهمية لأنها وسيلة اقتصادية كبرى تؤهل الإنسان إلى الاكتفاء والاستقرار والراحة في الحياة بشكل عام وتمكنه من تحقيق رغباته ، وإشباع غرائزه كالانغماس في اللهو بكل أصنافه والملذات بأنواعها ولولا (التجارة) - بأشكالها كافة – التي ينضوي تحت إطلاق لفظها الثراءُ والقدرة المادية والترف المعيشي لكان الإنسان قاصرًا عن هذا (اللهو) وهذه (الملذات) ، قاصرًا عن إشباع غرائزه.
لهذا قُدِّمت (التجارة) على (اللهو) في أول الآية: وَإِذَا رَأَوْا تِجَارةً أَوْ لَهْوًا انفَضُّوا إِلَيْهَا [الجمعة/11] وعاد إليها الضمير دون (اللهو) لأنها ((كانت هــي سبب (اللهو) ولم يكن (اللهو) سببها))(30) ولأن (اللهو) غاية تبتغَى وهدفًا يُرتَجَى ، وسيلتُه المال لا غير والمال بطبيعته لا يستحصل مـن العدم أو من ترك العمـل ومنه (التجارة) ، وعلى سبيل المثال – للتقريب – لو أن أناسًا غرتهم الدنيا بلهوها وانقادوا لأهوائهم نتيجة نهمهم الشيطاني أجمعوا على القيام برحلة إلى مكان يضم حاناتٍ للخمر ودورًا للدعارة وصالات للقمار ، أو أن فيه ألعابًا وعروضًا وتباريًا تبعد الإنسان عن خلقه ودينه ، أتراهم يفكرون أصلاً بهذه الرحلة وهم خِلْوٌ من المال ؟ إن مثل هذه الرحلة التي جعل (اللهو) – بصوره – غايتها ومبتغاها لا تقوم إلا بالمال ، وهو بدوره لا يأتي من قعود واتكال وعدم عملٍ. فـ(التجارة) وسيلة (اللهو) و(اللهو) غاية لمن ترك الحبل علـى غاربه وهذا من دلالات تقديم (التجارة) على (اللهو) في مطلع الآية ، ومن دلالات عود الضمير على (التجارة) دون (اللهو). وهي دلالة لا تتضح بغير هذا النظم وهذا الترتيب والله أعلم ، وهو المسدد للصواب.

دلالة تقديم (اللهو) على (التجارة) في آخر الآية:
لما كان ذكر رؤية (التجارة) و(اللهو) متعلقًا بالإنسان في أول الآية قُدمت (التجارة) على (اللهو) لأنها – كما بينتُ – وسيلة وعماد ، منها يتوصل إلى الغاية المرجوة والهدف النهائي فـ(التجارة) هي الأهم بالذكر لهذا السبب قطعًا. وقد أجمل هذا المقطع من الآية الكريمة القولَ في غاية الحياة عند الإنسان ونظرته إلى علاقته بها وأنه يسخر ماله المستحصل من عمله بأية طريقة كانت لـ(لهوه وملذاته وعبثه) غير مبالٍ بقداسة شارعٍ ولا بقدسيةِ تشريعٍ ، وهي دلالات بينة من هذا التقديم حصرًا .
أما في نهاية الآية الكريمة في قوله تعالى:قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنْ اللَّهْوِ وَمِنْ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ [الجمعة/11] فقد ذُكرت قيمة (اللهو) و(التجارة) موازنةً بـما عـند الله تعالى من نعـم لا تعد ولا تحصى مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب إنسان ، فأتى الله تعالى من أول أمر التفضيل على ما كان الغايةَ عند الإنسان وهو (اللهو) فبين حقارته موازنةً بتلك النعم وأنه مفضول عليه بلا أدنى ريب ، وهذا أمر مفروغ منه. فإذا كان الأمر مع الغاية بهذا الشكل فهل بقي للوسيلة شأن يذكر أو وزن يقام ؟!! إن الوسيلة بلا مراء مفضول على ما هو أكثر تفضيلاً منها ، فقد دل تقديم (اللهو) على (التجارة) في موضع التفضيل هذا على انهيار الغاية التي سخر لها الإنسان أمواله ، وأن الغاية إذا انهارت لم يعد للوسيلة من أثر يذكر. وقد أجمل هذا المقطع من الآية الكريمة – أيضًا – القولَ في أن ما يُعليه الإنسان بما أوتي من طاقات مما فيه ضرر عليه لا يعني شيئًا أمام نعيم الله تعالى ، وأن الخير الذي يسببه الله لخلقه لا يوازنه شيء ، لأن الله تعالى خير الرازقين.



الهوامش:

(1 ) المثل السائر، ابن الأثير ، تح: محمد محيي الدين عبد الحميد 108:2. وينظر: البداية والنهاية ، ابن كثير القرشي 78:3.
(2) الآيات الناسخة والمنسوخة ، علي بن الحسين بن موسى الشريف المرتضى ، تح: علي جهاد الحساني 58.
(3) بحار الأنوار ، العلامة الشيخ المجلسي20:62.
(4) التفسير الموضوعي: مقارنات بين السيد الصدر وآخرين ، جواد علي كسار21.
(5) بحوث في القرآن الحكيم ، آية الله العظمى السيد محمد تقي المدرسي 40.
(6) ينظر مثلاً: تفسير فرات الكوفي ، فرات بن ابراهيم الكوفي : تح: محمد الكاظم 484. ومجمع البيان في تفسير القرآن ، الشيخ أبو علي الفضل بن الحسن الطبرسي28: 73-74. وأسباب النزول ، أبو الحسن= =علي بن أحمد الواحدي النيسابوري286. ومفاتيح الغيب (التفسيرالكبير) ، فخر الدين الرازي 10:30 والجامع لأحكام القرآن ، أبو عبد الله القرطبي ، تح: أحمد عبد العليم البيروني 18: 109-111. وتفسير النسفي ، أبو البركات النسفي256:4. وتفسير الخازن (لباب التأويل في معاني التنزيل) ، علاء الدين الخازن268:4. والبحر المحيط ، أبو حيان الأندلسي265:8. وتفسير القرآن العظيم ، ابن كثير7: 13-14. وتنوير المقباس من تفسير ابن عباس ، الفيروزآبادي472. وروح المعاني ، الآلوسي م10 ج28: 104-105. والميزان في تفسير القرآن ، العلامة الطباطبائي274:19. وتفسير المراغي ، أحمد مصطفى المراغي م10 ج28: 103. والتفسير الكاشف ، محمد جواد مغنية327:7.
(7) ينظر: مختار تفسير القرطبي ، توفيق الحكيم 829.
(8) ينظر مثلاً: مجمع البيان78:28 . والتفسير الكبير11:30. وتفسير البيضاوي (أنوار التنزيل وأسرار التأويل) ، عبد الله البيضاوي493:2. وتفسير النسفي256:4. وفتح القدير ، محمد بن علي الشوكاني 227:5. وروح المعاني 105:28. والميزان 19: 274-275. و مختار تفسير القرطبي 829.
(9) البيت لعمرو بن امرئ القيس الأنصاري. لسان العرب ، ابن منظور الأفريقي/ باب الفاء/ مادة (فجر). لم أجد فيما اعتمدتُ من مصادر لهذا البحث نسبةً إلى قائل هذا البيت إلا في اللسان.
(10) ينظر مثلاً: الجامع لأحكام القرآن111:18. وفتح القدير ، محمد بن علي الشوكاني5: 227-228 . ولسان العرب/ باب القاف/مادة (قعد). والبحر المحيط 64:5. وإملاء ما من به الرحمن ، أبو البقاء العكبري ، تح: ابراهيم عطوة عوض17:2. والاسم الصحيح لهذا الكتاب هو (التبيان في إعراب القرآن).
(11) اللغة والنحو بين القديم والحديث ، عباس حسن 101.
(12) الخصائص 188:3.
(13) الإنصاف في مسائل الخلاف ، أبو البركات الأنباري ، تح: محمد محيي الدين عبد الحميد مسألة [78]:628. وينظر: التفسير الكبير193:3. وفي النحو العربي: نقد وتوجيه ، د. مهدي المخزومي166. والأصول لتمام حسان79.
(14) الفوائد المشوِّق إلى علوم القرآن وعلم البيان ، شمس الدين ابن القيم ( إمام الجوزية) 247.
(15) معاني القرآن ، تح: أحمد يوسف نجاتي ومحمد علي النجار157:3.
(16) نفسه. وينظر: الجامع لأحكام القرآن 111:18.
(17) عن: الجامع لأحكام القرآن5: 380-381.
(18) ينظر في هذا العيب في كتب اللغة والنحو بالذات: المنطلقات التأسيسية والفنية إلى النحو العربي ، د. عفيف دمشقية107. وفي حركة تجديد النحو وتيسيره ، د. نعمة رحيم العزاوي17.
(19) تح: مصطفى السقا وآخرين 328.
(20) نفسه.
(21) نفسه.
(22) نفسه.
(23) نفسه. وينظر من أعاجيب التقدير والتأويل في هذه الآية الكريمة: تبيان العكبري17:2.
(24) إعجاز القرآن والبلاغة النبوية ، مصطفى صادق الرافعي48.
(25) البحر المحيط 266:8.
(26) نفسه.
(27) روح المعاني 28 :104-105.
(28) البحر المحيط305:4.
(29) تفسير الطبري [الأعراف/50]. عن قرص ليزري عنوانه: جامع معاجم اللغة (تفسير الطبري).
(30) البحر المحيط266:8.





جريدة المصادر والمراجع
-- القرآن الكريم.
1- الآيات الناسخة والمنسوخة من رواية أبي عبد الله محمد بن ابراهيم النعماني ، علي بن الحسين ابن موسى الشريف المرتضى ، تح: علي جهاد الحساني ، ط1 ، مؤسسة البلاغ للطباعة والنشر والتوزيع ، بيروت – 1412هـ / 2000م.
2- الأصول : دراسة ابستيمولوجية للفكر اللغوي عند العرب ، النحو- فقه اللغة- البلاغة ، د. تمام حسان مطابع الفاروق الحديثة للطباعة والنشر ، القاهرة- 1425هـ/2004م.
3- إعجاز القرآن والبلاغة النبوية ، مصطفى صادق الرافعي ، مطبعة الاستقامة ، القاهرة-1955م.
4- إملاء ما من به الرحمن من وجوه الإعراب والقراءات في جميع القرآن ، أبو البقاء عبد الله بن الحسين ابن عبد الله العكبري ، تصحيح وتحقيق: إبراهيم عطوة عوض ، ط2 ، مصطفى البابي الحلبي وأولاده بمصر- 1389هـ/1969م.
5- الإنصاف في مسائل الخلاف بين النحويين البصريين والكوفيين ، كمال الدين عبد الرحمن محمد ابن سعيد الأنباري تح: محمد محيي الدين عبد الحميد ، ط4 ، القاهرة-1380هـ/1961م.
6- بحار الأنوار ، العلامة محمد باقر المجلسي ، دار الكتب الإسلامية ، مطبعة الحيدري – 1386هـ.
7- البحر المحيط ، أبو حيان الأندلسي ، الناشر: مكتبة ومطابع النصر الحديثة ، السعودية.
8- بحوث في القرآن الحكيم ، آية الله العظمى السيد محمد تقي المدرسي ، ط3 ، دار محبي الحسين (ع) – 1424هـ/ 2004م.
9- البداية والنهاية ، أبو الفداء الحافظ ابن كثير الدمشقي ، ، مطبعة السعادة ، القاهرة.
10- تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل وأسرار التأويل) ، عبد الله بن عمر بن محمد البيضاوي.
11- تفسير الخازن المسمى (لباب التأويل في معاني التنزيل) ، علاء الدين علي بن محمد بن إبراهيم البغدادي الصوفي المعروف بالخازن ، الناشر: محمد أمين دمج وشركاه ، بيروت.
12- تفسير فرات الكوفي ، أبو القاسم فرات بن إبراهيم بن فرات الكوفي : تح: محمد الكاظم ، ط2 مؤسسة الطباعة والنشر ، طهران- 1416هـ/1995م.
13- تفسير القرآن العظيم ، عماد الدين أبو الفداء إسماعيل بن كثير القرشي الدمشقي ، دار الأندلس للطباعة والنشر ، بيرت ، مطابع مايتوكرومو ، مدريد - إسبانيا.
14- التفسير الكاشف ، محمد جواد مغنية ، ط1 ، دار العلم للملايين ، بيروت- 1970م.
15- التفسير الكبير ، الإمام فخر الدين الرازي ، ط2 ، دار الكتب العلمية ، طهران.
16- تفسير المراغي ، أحمد مصطفى المراغي ، ط3 ، 1394هـ/1974م.
17- التفسير الموضوعي: مقارنات بين السيد الصدر وآخرين ، جواد علي كسار ، ط1 ، مؤسسة الثقلين الثقافية ، بيروت- 1421هـ /2000م.
18- تفسير النسفي ، أبو البركات عبد الله بن أحمد بن محمد النسفي ، دار إحياء الكتب العربية عيسى البابي الحلبي وشركاه.
19- تنوير المقباس من تفسير ابن عباس ، أبو طاهر محمد بن يعقوب الفيروزآبادي ، مطبعة الاستقامة ، القاهرة- 1960م.
20- جامع البيان عن تأويل القرآن (تفسير الطبري) ، أبو جعفر محمد بن جرير الطبري ، تح: محمود محمد شاكر ، دار المعارف بمصر. عن قرص ليزري عنوانه: (جامع معاجم اللغة).
21- الجامع لأحكام القرآن ، أبو عبد الله محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي ، تح: أحمد عبد العليم البيروني ، دار إحياء التراث العربي ، بيروت- 1966م.
22- الخصائص ، أبو الفتح عثمان بن جني ، تح: محمد علي النجار ، مطبعة دار الكتب المصرية القاهرة- 1376هـ/1956م.
23- روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني ، أبو الفضل شهاب الدين السيد محمود الآلوسي البغدادي ، دار الفكر ، بيروت- 1398هـ/1978م.
24- فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير ، محمد بن علي بن محمد الشوكاني الناشر: محفوظ العلي ، بيروت.
25- فقه اللغة وسر العربية ، أبو منصور الثعالبي ، تح: مصطفى السقا وابراهيم الأبياري وعبد الحفيظ شلبي ، الطبعة الأخيرة ، مصطفى البابي الحلبي وأولاده بمصر – 1392هـ/1972م.
26- الفوائد المشوِّق إلى علوم القرآن وعلم البيان ، شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أبي بكر بن أيوب الزرعي المعروف بابن القيم إمام الجوزية ، دار الكتب العلمية ، بيروت.
27- في حركة تجديد النحو وتيسيره في العصر الحديث ، د. نعمة رحيم العزاوي ، دار الشؤون الثقافية العامة ، بغداد-1995م.
28- في النحو العربي: نقد وتوجيه ، د. مهدي المخزومي ، المكتبة العصرية ، بيروت- 1964م.
29- لسان العرب ، أبو الفضل جمال الدين محمد بن مكرم ابن منظور الأفريقي ، المطبعة الأميرية بولاق- 1330هـ.
30- اللغة والنحو بين القديم والحديث ، عباس حسن ، ط2 ، دار المعارف بمصر- 1971م.
31- المثل السائر ، ابن الأثير أبو الفتح ضياء الدين نصر الله بن محمد بن محمد بن عبد الكريم الموصلي ، تح: محمد محيي الدين عبد الحميد ، المكتبة العصرية ، بيروت- 1995م.
32- مجمع البيان في تفسير القرآن ، الشيخ أبو علي الفضل بن الحسن الطبرسي ، مطابع دار الكشاف للنشر والطباعة والتوزيع ، بيروت- 1374هـ/1954م.
33- مختار تفسير القرطبي الجامع لأحكام القرآن ، توفيق الحكيم ، الهيئة المصرية العامة للكتاب- 1977م.
34- معاني القرآن ، أبو زكريا يحيى بن زياد الفراء ، تح: أحمد يوسف نجاتي ومحمد علي النجار دار الكتب المصرية ، القاهرة- 1955م
35- المنطلقات التأسيسية والفنية إلى النحو العربي ، د. عفيف دمشقية ، ط1 ، 1958م.
36- الميزان في تفسير القرآن ، العلامة السيد محمد حسين الطباطبائي ، ط2 ، منشورات مؤسسة الأعلمي للمطبوعات بيروت- 1394هـ/1974م.