المساعد الشخصي الرقمي

اعرض النسخة الكاملة : الرئيس ترامب



مهاجر
31-03-2020, 07:05 AM
أداء الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في النازلة الحالية يحكي طبيعة النظام الدولي الكائن ، بِغَضِّ النظرِ عن الحكم عليه بِحُسْنٍ أو قُبْحٍ ، فمحل الشاهد هو العبارة الواصفة لهذا النظام لا المعيار الحاكم على أدائه من وجهة نظر رسالية أو أخرى أخلاقية أو ثالثة براجماتية انتهازية ، والرئيس الأمريكي في هذا المشهد يجري مجرى المثال لعام ، فهو شاهد على قاعدة مطردة ، قاعدة النظام الدولي لا سيما السياسي والاقتصادي ، فهو تأويل صحيح في الخارج يحكي طبيعة الرأسمالية الليبرالية تحديدا ، لا رأسمالية الدولة المركزية كما في المثال الشيوعي وإن كانت كما يقول بعض الباحثين مما يحكي وجها آخر من الرأسمالية وهو رأسمالية القطاع الخاص الخاضع للدولة فلا يخرج عنها الخروج الكامل أو الغالب كما الليبرالية ولا يدخل في سلطان الدولة الدخول الكامل كما الحال في المثال الشيوعي ، فهو جامع بين وجهين من الرأسمالية : اللامركزية في القطاع الخاص والمركزية في في القطاع العام ، وذلك كالعنوان الجامع الذي يحتمل حقا وباطلا فقد يكون ذريعة احتكار يمارس باسم الدولة عبر وكلاء من الباطن يتقاسمون الثروة معها باحتكار يدخلها في وصف آخر اصطلح أنه رأسمالية المحاسيب فتلك دائرة ضيقة تحكمُ حكمَ الأقلية ، أو حكم اللصوص ، وهو نوع من أنواع الحكم اصطلح أنه "الكليبتوقراطية" ، وقد يكون العنوان السابق ، عنوان الرأسمالية الخاضعة للدولة ، قد يكون عنوان حق ، ولو في الجملة ، وهو ما اصطلح أنه رأسمالية الرَّفَاهِ فلا تخلو من دور اجتماعي بارز للدولة يخالف عن المثال آنف الذكر ، المثال الرأسمالي الليبرالي الذي يمثله الرَّئِيسُ الأمريكي ، محل الشاهد ، وهو ما اصطلح في أدبيات أخرى أنه الديمقراطية الليبرالية لا سائر الأنواع الأخرى : الديمقراطية الاشتراكية أو الاجتماعية ....... إلخ ، وهي الليبرالية التي تَقُومُ على مراكز احتكار للمال وصناعة القرار بما يُوَاطِئُ مصالحَه ذاتَ الأطر المحدودة التي تضيق عن مصالح المجتمع فلا تجاوز مصالح النخب المركزية ، وصانع القرار السياسي هو من يَنُوبُ عَنْهَا في خطاب السلم والحرب ، في خطاب السلامة أو الوباء ، وهو محل الشاهد كما تقدم ، فَصَانِعُ القرار الآن في المركز : رئيس لا خبرة له إلا بالاستثمار العقاري الذي يَتَّسِمُ بالأمان ، من وجه ، فلا إبداع فيه ، وَبِقِلَّةِ الجدوى من آخر فلا قيمة مضافة في المثال الاستثماري الليبرالي في النشاط العقاري إذ لا يصب في مصلحة عامة ، بل الاستثمار فيه انطلاقا من النظرية الليبرالية لا يخدم إلا الأثرياء ممن يسكنون في الأحياء الراقية ويستجمون في المنتجعات الفارهة ، فطبيعة التاجر المضارب تغلب على أداء السياسي الحاكم في شخص الرئيس ترامب ، وخطابه المستفز لأي عاقل ، أمريكيا أو غيره ، هذا الخطاب لا يصدر ارتجالا ، فطبيعة المحتكر الذي يروم الاستثمار في الأزمة ، ومثاله : مساومته للشركة الألمانية التي تبحث في إنتاج لقاح جديد ومحاولة احتكاره ليكون للشعب الأمريكي السيد حصرا ! ، فتلك حكاية لنظرية عنصرية تهيمن على الجنس الأبيض عامة ، والأمريكي الأنجلوساكسوني خاصة ، فهو يحتكر الدواء لنخبة ، وإن كانت أمة بِأَكْمَلِهَا ، فهي نخبة في بَقِيَّةِ الأمم ، كما الطبقة الحاكمة نخبة في أَيِّ أمةٍ ، فإذا كان تلك النظرة هي عنوان السياسة ، فلا عجب أن تحتكر النخبة أسباب الرَّفَاهِ في السلم ، وأسباب النجاة في الوباء ، فالتفاوت لا يقتصر على تفاوت الأكل والشرب والمسكن ..... إلخ ، بل ولا يجاوزه إلى التفاوت في العلاج ولو حال وباء لا يُفَرِّقُ ، فالوباء لا يُفَرِّقُ ، ولكن نخب السياسة والمال تفرِّق ، فثم أزمة أخلاقية في توصيف من هو الإنسان الذي يستحق أن يعالج ، ومن دونه ممن لا يستحق ؟! .
فالشعب الأمريكي في بقية الشعوب يعدل طبقة السياسة والحكم في بقية طبقات المجتمع ، فثم نخبوية لا تخلو من العنصرية إن الأمثلة الديمقراطية الليبرالية أو في الأمثلة الليبرالية عموما فمنها ما هو مستبد لا يقر ابتداء بمبدأ تداول السلطة ولو انطلاقا من قيم المركز العلمانية فَاجْتَزَأَ من الليبرالية : ليبراليةَ الاقتصاد الذي تحتكره النخبة ، فالنخبة أولا كما الشعب الأمريكي أولا ، وإن أخفى الرئيس ترمب في هذا التصريح ما لم يظهر ، فطبيعة التاجر الجشع لا تميل إلى توسيع دائرة المشاركة ، ولكن الأطر السياسية التي تحكم أمريكا تحول دون تحوله رسميا إلى زعيم من زعماء العالم الثالث ! ، وإن كان من ذات الفصيلة فِعْلِيًّا ، فما يعنيه في المقام الأول هو مصلحته الشخصية التي تحمل عنوان المصلحة العامة : مصلحة الأمة الأمريكية فاختزال المصلحة العامة في مصلحة شخص حقيقي كالرئيس أو الزعيم ، أو اعتباري كالدولة أو السلطة ، ذلك هو سمت الزعامة الكلاسيكية في دول العالم الثالث ! ، وعليها فَقِسْ في كلِّ الأمثلة النيوليبرالية وإن كان الأمر في النيوليبرالية المستبدة أظهر .
فكان مبدأ الخطاب ، خطاب الرئيس ترامب ، هو التهوين من شأن الجائحة لئلا يتضرر الاقتصاد ، ورقته الرئيسة في انتخابات نوفمبر القادم ، وكأن الله ، جل وعلا ، قد أرسل الجائحة لتمحو في جملة ما تمحو إنجازه الاقتصادي الكبير في ولايته الأولى ، فَبَدَأَ يُهَوِّنُ من الأمر ، ومارس دور الطبيب الفقيه ، وذلك ، أيضا ، وجه شبه آخر ، والمعنى في بطن الشاعر ! ، فهو يفقه كل شيء فلا سبب يستوجب الخوف فهو كالأنفلونزا الموسمية ، ثم شرع في مؤتمر صحفي يقترح بعض النصائح الطبية من غسل الأيدي جيدا ..... إلخ ! ، ثم كان الانتقال إلى مرحلة التبرير فهو وباء قادم من خارج مع إلقاء التبعة على الصين وإلصاق الوباء بها فهو المرض الصيني على غرار الأنفلونزا الإسبانية ، بغض النظر عن جناية الصين العظمى سواء أكان الأمر عمدا بالتلاعب في الشفرات الوراثية لسلالات من الوباء كما يَتَرَدَّدُ في بعض التقارير ولا تخلو من شواهد لا تَرْقَى إلى الأدلة المؤكدة فذلك أمر يفتقر إلى بحث زائد أم كان عفوا بانتقال العدوى من خفاش مع أن تقرير منظمة الصحة العالمية يؤكد عدم انتقاله من الحيوان إلى الإنسان حتى الآن ، بل الحالة الوحيدة ، إن لم تخن الذاكرة ، الحالة الوحيدة المشتركة كان على ضده ، فقد انْتَقَلَ من إنسان إلى كلب في هونج كونج فضلا عن دراسات أجرتها بعض الجامعات تناولت المحتوى الجيني لهذا الوباء فهي تستبعد حد التصنيع وترجح أنه طفرة جينية من جِيلٍ مُتَقَدِّمٍ من نَفْسِ العائلة ، وطبيعة هذه المجتمعات التي تَتَعَاطَى من المطعومات ما تَتَعَاطَى سواء أكانت من المستقذرات التي يأنف منها الطبع أو الخبائث التي يحرمها الشرع ، هذه الطبيعة تمثل بيئة استراتيجية لانتقال الأوبئة .
فسواء أكان الأمر عمدا أم عفوا ، فجناية النظام الشمولي في الصين كعادة الأنظمة الشمولية ، وإن ليبرالية في اقتصادها كالصين ، جنايتها قد عظمت بالتكتم والإنكار ابتداء خشية الضرر الاقتصادي لا أكثر ! ، فماذا صنع الرئيس ترامب غير ذلك ؟! ، ألم يكن شغله الشاغل التهوين من شأن الجائحة لئلا يتضرر الاقتصاد الأمريكي الذي يمثل أبرز نجاحاته كَرَئِيسٍ ليبرالي وأبرز اهتماماته كمستثمر ليبرالي أيضا ! ، فعلام ينبز الصين بما قد تلبس به ؟! .
وهو أمر قد تكرر في إيران فكان التكتم في نظام شمولي ، وإيطاليا وإن كان الأمر فيها ابتداء استهتارا ، فَتَحَوُّلُهَا إلى بؤرة ثانوية في جنوب أوروبا يضاهي تحول إيران إلى بؤرة ثانوية في غرب آسيا وإن اختلف السبب ، فجمع الرئيس ترامب السوأتين : التكتم ابتداء ثم التهوين ثم الاعتراف كرها مع إلقاء اللوم على الخارج ، وذلك دأب أي سياسي فاشل أَنْ يُلْقِيَ التَّبِعَةَ على الخارج لا سيما الخارج المتآمر على التجربة المعجِزة والمثال أبدا في الشرق الأوسط ! ، فالوباء وافد من الخارج ، ولا مانع من تسجيل نقطة سياسية بإطلاق لقب المرض الصيني ، مع أن بعض الصحف الأمريكية قد اتهمته ابتداء بأنه هو المسئول عن تَفَشِّي الوباء في أمريكا وإن لم يكن مسئولا عن تفشيه في الصين ! ، فدائرة الاتهام لا تجاوز دائرة المسئولية ، ولا زال حتى الآن يكابر ويروم تهوين الأمر بعد أن أوشكت منظمة الصحة العالمية أن تصنف أمريكا كبؤرة ثانوية جديدة ، بل قد احتلت المركز الأول أخيرا ! وإن كان في كلام الرئيس ترامب ما يستوجب التدبر فإن الصين دولة لا تتمتع بالشفافية في بياناتها الرسمية فلا يلزم من ذلك ان أمريكا هي الأولى بالفعل وإن كانت الأولى في البيانات الرسمية والأرقام فيها تَتَزَايَدُ بمعدل سريع يحكي ، من وجه آخر ، دقة الإحصاء وشفافية الأرقام التي تزعج الرئيس ترامب فزيادتها دليل يتكرر على فشله في إدارة المشهد ، فخبرة الدولة الأمريكية الآن في غير صالحه ! ، وهو ، في المقابل ، يأمل بلا أي مستند علمي ! وهو ما أثار حفيظة المختصين ! ، يأمل أن ترجع الأمور إلى طبيعتها ويعود الناس إلى ممارسة حياتهم مع حلول عيد الفصح 12 إبريل المقبل ! ، وذلك أمر لا يُعْقَلُ بالنظر في الأسباب الموضوعية ولو انطلاقا من النظرية العلمانية الحاكمة في المركز ، ولكنه يُعْقَلُ في معيارِ رَئِيسٍ لا غاية له إلا إنقاذ ما يمكن إنقاذه من رصيده السياسي ، فعماده الرئيس هو الإنجاز الاقتصادي الذي توشك هذه الجائحة أن تذهب به ، فلا بد أن يرجع الناس إلى أعمالهم وتستأنف شركات الطيران رحلاتها ...... إلخ ، ليحظى الرئيس ترامب بفترة رئاسية ثانية بِغَضِّ النَّظَرِ عن حياة الناس ! ، كما الحال في لقطات سِيَاسِيَّةٍ في دول العالم الثالث والرئيس ترامب يَنْتَمِي إلى ذات الفصيلة السياسية الرديئة وإن كان رئيسا لأقوى دولة في العالم ، فثم لقطة سياسية تُلْتَقَطُ ولو على حساب المجتمع فلا مانع أن يُضَارَّ في سبيل الغاية العظمى ! : غاية السلطة الحاكمة أو الشخص الحاكم .

وهو ما يكشف عن وصف آخر لهذا النمط من الحكم ، حكم الفرد وإن في المثال الديمقراطي القياسي ! ، فطبيعة هذا الفرد تَتَمَيَّزُ بالارتجال السياسي ، فرأي الخبراء يهدر أو يؤخر في أحسن أحواله ، كما صنع الرئيس ترامب الذي قلص من مخصصات البحث العلمي وإن في الدولة الأولى في العالم في تسجيل بَرَاءَاتِ الاختراع ! ، فَحَلَّ من فِرَقِ البحث والاستشارة ما كان في عهد سلفه ! استنادا إلى نظرية النسخ فهي تجري في السياسة كما الشرع ، وتلك خلية الأزمة التي تستشرف الأوبئة والنوازل البيولوجية فضلا عما قُدِّمَ من توصيات تحذر من خطر قادم فلم يقم لها البيت الأبيض وَزْنًا ، وفي مقابل ذلك كانت الزيادة في ميزانية الدفاع ، نحو 760 مليار دولار ! ، وهو لازم رئيس من لوازم الخطاب الشعبوي الذي يستفز في الجمهور غَرِيزَةَ القوةِ الَّتِي لا تجاوز في عقل الجمهور الساذج حد القوة العسكرية ، أداة الإمبراطورية الأمريكية في فَرْضِ أطروحتها الليبرالية ! ، وذلك أمر يُثِيرُ التندر أن تفرض قيم الحرية بالقوة ! ، ولكن التناقض يزول سريعا بتحرير مادة الحرية في الليبرالية الأمريكية ، فهي حرية السوق التي تكرس هيمنة رأس المال المركزي ، وإن في إطار سياسي وإداري لا مركزي كالإطار اللِّيبْرَالِيِّ ، فالدولة قد تَقَلَّصَ دورها في مقابل فَرَاغٍ يشغله رأس المال فهو المركز الجديد الذي يحكم السيطرة على المجتمع الأمريكي في الداخل ، وعلى سائر أرجاء العالم ، بأدوات الإقراض ، لا سيما الاستهلاكي الذي يستثمر في غريزة أخرى رئيسة من غرائز الليبرالية : غريزة اللذة ، فالقوة ومنها قوة المال وسيلة لغاية مركزية في الأطروحة الليبرالية وهي اللذة بمفهومها المادي المباشر الذي لا يجاوز هذه الحياة ، فَمَا بَعْدَهَا مُتَوَهَّمٌ أو مظنون وهي اليقين ، فلا يزول بالشك في حياة أخرى غيرها ! ، ولا يكون ذلك إلا وَثَمَّ جحود أو شك في دار أخرى بعد هذه الدار وهو الغالب على المركز الآن فهو بين جاحد قد حسم أمره وشاكٍّ يتردد وثالث قد توسط فأثبت آخرةً فِي هذه الدار وَصَاغَ ذلك في نظرية دينية هي عنوان رئيس من عناوين الطرح البروتستانتي الذي يهيمن على المركز فهو جزء رئيس من هويته السياسية والعسكرية وهو ما يواطئ نظرة المذهب في رأس المال وفلسفة الاستثمار وهو ما أفرز طفرة تكنولوجية لا يجحدها منصف ولكنها لم تشفع بالتأصيل الأيديولوجي الذي يجاوز بها عتبة الحس ، لا سيما مع تقادم العهد بالعنوان البروتستانتي الأول ، فتراجع المحتوى القيمي وتقدم نظيره المادي ، فكان من الطفرة التقنية ما استثمر في تحصيل اللذة ، فَتِلْكَ غريزة تعززها الأطروحة الليبرالية وتستثمر فيها استثمارَ الفكرة الباعثة فَهِيَ تُفَسِّرُ تكالب المجتمع الأمريكي على الاقتراض ، وهو ما يغلب عليه الاستهلاك ، سواء أكان أساسيا أم كماليا ، وذلك ما لا يجري ، بداهة ، إلا بالربا والزيادة ، فَثَمَّ فائدة تُسْتَقْطَعُ مِنْ دخل المقترِض فضلا عن أصل الدين ، وهي ، لو تدبر الناظر ، حصة من جهده يستقطعها المقرِض نظير الإقراض لا غير ، فهو يسطو على جهد المجتمع وحركته في الخارج إنتاجا في الزراعة والصناعة أو تجارة ..... إلخ ، فيتحول المجتمع إلى أداة ربحية يتراكم بها رأس المال في أرصدة الجهات المقرِضة ، فالمجتمع يعمل ورأس المال المقرِض يزيد بلا جهد أو مخاطرة فالمجتمع ينوب عنه في العمل ! ، وباعث المجتمع في الاقتراض : باعث استهلاكي في معظمه ، وإن كان المثال الاقتصادي مثالا مُنْتِجًا ، كما الحال في أمريكا ، خلاف نظائره في دول الوفرة غير المنتجة ، فالاستهلاك ظاهرة وليس ثم أدوات إنتاج تجدد الثروة وإنما يستنزف المجتمع من مدخراته واحتياطياته لا سيما ونخب الحكم قد سيطرت على مصادر الثروة دون تمثيل حقيقي للمجتمع وتلك ظاهرة في جميع الأطراف التابعة ، غنية أو فقيرة ، فأساء الجميعُ إدارةَ الموارد انطلاقا من قاعدة التَّبَعِيَّةِ التي تقدم المصلحة السياسية الخاصة على المصلحة الاجتماعية العامة فضلا عن الجهلِ بِطُرُقِ الإدارة الرشيدة لهذه الموارد والركون إلى أجناس الاستثمار غير المنتج ، وهو ما اصطلح أنه الاستثمار ذو الدورة القصيرة كالمضاربة في العقار أو البورصة أو الاستثمار في السندات التي تمد المركز برءوس أموال كبيرة تعزز اقتصاده ! فذلك دور التابع الذي لا يملك مشروع الاستقلال أو لا يملك الرغبة ابتداءً فَيَرْكَنُ إلى وفرة غير منتجة وهو ما يعزز النزعة الاستهلاكية دون أن يكون ثم ما يضاهيها من أخرى إنتاجية تسعى في امتلاك التقنية ، فضلا عن استنزاف الاحتياطات النقدية المباشرة في شراء الولاء السياسي إن في الداخل وهو ما اصطلح بعض الباحثين أن يُسَمِّيهِ "شراء السلم الاجتماعي" ، فلن تحدث اضطرابات طالما كان ثم وفرة مع نزعة استهلاك تعززها السلطة إذ بها تضمن السيطرة على المجتمع الذي اشتغل بالبحث عن سبل الرفاه والمتعة فلا يُعْنَى ، بداهة ، بأي شأن سيادي أو سياسي فَغَايَتُهُ هي الرفاه الاجتماعي لا أكثر ، وذلك هدف رئيس في أي مثال سياسي ناجح ولكنه لا يصلح غاية عظمى أو غاية أولى ، فلا يمكن أن يتحرك المجتمع بلا غاية رسالية أو أخلاقية فيكون الاستهلاك هو عنوانه ، بل إن الأمثلة الرأسمالية الانتهازية لا تَنْفَكُّ تُفَتِّشُ عن غطاء أخلاقي تُبَرِّرُ به سلوكها المادي ، الفلسفة البراجماتية مثالا فهي الغطاء الأيديولوجي لهذا المسلك النفعي المادي ، فلا يجد الناظر في الأطراف إلا استثمار فائض الثروة في حال وفرة يُشْتَرَى بها الولاء السياسي إن في الداخل ، كما تقدم ، أو في الإقليم بإحداث تغييرات سياسية في دول الأجوار تَصُبُّ في قَنَاةِ النظام أو السلطة الحاكمة ولو كانت تَغْيِيرَاتٍ حادة يُقْتَرَفُ فيها من الجرائم السياسية والجنائية ما يُقْتَرَفُ ، فَتَرْسِيخُ قَوَاعِدِ السلطة هدف رئيس لهذا الاستثمار البغيض ، فضلا عن آخر أوسع دائرة فَثَمَّ استثمار في دوائر صناعة القرار الدولي بما يكون من رشى سياسية تحمل عنوان الصفقات العسكرية أو التجارية ... إلخ فضلا عن الاستثمار في سندات البنوك الكبرى بما يدعم اقتصاد المركز على حساب الأطراف أو على حساب المجتمعات في الأطراف إن شئت الدقة ! ، فهي من يسدد هذه الفاتورة كاملة ، وإن على تفاوت ، فالأمر يختلف من طرف غني فالأعباء فيه لا تظهر ما تظهر في آخر فقير ، وإن كان الجميع على سنة واحدة : الدفع مقابل الحماية والدعم ! .
فالحال في الأطراف : استهلاك بلا إنتاج ، والحال في المركز أفضل ، وإن لم تَبْلُغِ الحد الأكمل ، فَثَمَّ قوة عاملة منتجة ولكنها في المقابل مستهلكة بما يجاوز حد الاعتدال انطلاقا من قيمة اللذة آنفة الذكر ، مع احتكارِ النخبة الرأسمالية لأدوات الإنتاج ، فالمجتمع أجير عندها لا مالك ، فهو يستيقظ في الصباح الباكر ليعمل أجيرا عند رأسِ المال الذي يقرِضه ، فيدير عجلة إنتاجه بما يزيد من أرباحه ، ولا يحظى بالمقابل الذي يوفر له الاستقلال المادي وإن وَفَّرَ له في المثال الأمريكي نوع رفاه في العيش ، ولكنه ، أبدا ، لا يخرجه من قيد الربا المحكم ، فما يأخذ باليمين يُؤْخَذُ منه بالشمال ، فَثَمَّ أقساط ديون واجبةُ السداد مع زيادة الفائدة فهي ثمن استمتاعه بالمنتجات الاستهلاكية التي يعرضها رأس المال في متاجره ! ، فرأس المال هو من يقرِض وهو من يتاجر ويحقق الأرباح ، وهو من يمتلك أداة الإنتاج التي يديرها المقرِض أجيرًا ، فإنتاجه يزيد من رأس المال المركزي ، فهو في كل ما تقدم بطل المشهد إن مقرِضا أو منتجا أو بَائِعًا ، والمجتمع لا دور له إلا أن يعمل أجيرا عند رأس المال ويستهلك ما يُنْتِجُ في مصانعه ومزارعه .... إلخ ، وإن كان هذا الأجيرُ هو المنتج الفعلي ، فهو الذي يعمل بيده ، وما دور رأس المال إلا أن يشتري جزءا من عمله بالمال ، ويستقطع آخر بالقرض ذي الفائدة الربوية ، فهو مهضوم في جميع حلقات السلسلة الاقتصادية ، ورأس المال في المقابل هو الرابح الأول والرابح الأكبر ، فضلا أنه قَدْ ضَمِنَ السيطرة على المجتمع بما حَرَّكَ فيه من غريزة الاستهلاك ، وبما يَسَّرَ له من سُبُلِ الاقتراض ، فظاهرها الرحمة وباطنها العذاب فهي أبدا تُبْقِيهِ في الأسر ، فحياته سلسلة متصلة من الاقتراض والسداد ، فَيَحْيَى مَدِينًا ويموت مدينا ، ورأس المال هو الدائن الذي يَزْدَادُ غِنًى على حسابه ، وهو ما يَتَفَاقَمُ أَثَرُهُ إذا دخلت الدولة على خط الاقتراض ، فَهِيَ مُلْزَمَةٌ بالسداد مع فائدة تستقطعها من مواردها ومنها ما تَفْرِضُ من الرسوم والضرائب ، وَالْقِيَاسُ فِي المثال الرأسمالي أَنْ تَتَوَجَّهَ إلى الخدمات العامة ، فإذا أفرطت الدولة في الاستدانة ، وتلك حال الدولة الأمريكية ، فذلك ، بداهة ، ما يفضي إلى تقليص الخدمات العامة ذات الطابع الاجتماعي الذي يخالف عن المثال الليبرالي ذي النَّوَازِعِ الفردية ولو على حساب المجتمع ، ولعل ذلك مما خاطب به الرئيس ترامب الجمهورَ الذي صَوَّتَ لِمَا يضره ، كما يَتَنَدَّرُ بعض الفضلاء ، فشعبوية الخطاب تَذْهَبُ بالألباب ، فكيف يصوت الناس لرئيس ذي ميل رأسمالي يصرح في برنامجه الانتخابي أنه سيوقف العمل بمنظومة التأمين الصحي الاجتماعي التي دَشَّنَهَا سلفه ، بل ويعتبرها من أسباب الفشل التي يتذرع بها الآن لتبرير فشله في إدارة هذه النازلة ، فَصَوَّتَ الجمهور لصالح هذا الطرح الذي يضره ، فضلا عن خطط تُقَلِّصُ الضرائب المستحقة على رءوس الأموال الكبيرة بذريعة تشجيع الاستثمار ، مع تحميل بقية المجتمع تبعات ذلك إما بضرائب تُفْرَضُ على الطبقات الأدنى ، أو بإلغاء برامج الدعم الاجتماعي التي كانت تُمَوَّلُ من ضرائب الأغنياء ، فضلا عما تقدم من استدانة الدولة فهي تسدد من الضرائب التي تحصلها من الجمهور ، وأغلبه من الشرائح المتوسطة وما دونها ، فتذهب لسداد الدين المحلي في المثال الأمريكي ، وللمحلي ونظيره الخارجي في أمثلة أخرى ! ، وهو ما يُقَلِّصُ من الخدمات العامة وبرامج الدعم الاجتماعي ، فالطبقات الأدنى هي من يدفع أكثر ، وهي من لا يحظى بالدعم ولا يجد مقابل ما يُحَصَّلُ من دخلِه في برامج حماية تؤمن عيشه ، وهو ما يلجئه إلى الاقتراض الاستهلاكي آنف الذكر ، فَيَزْدَادُ تحكم رأس المال فيه ، بل ما يدفع له كمعونات اجتماعية عاجلة حال النوازل ، كما في برنامج الرئيس ترامب الأخير الذي أطلق حزمة مساعدات عاجلة بقيمة ترليونين من الدولارات ، هذه المعونات ، كما يَتَنَدَّرُ بعض الفضلاء ، هي من دَيْنٍ يقترضه الرئيس ترامب من الهواء ! ، فهو يقترض من البنوك عاجلا ليغطي نفقات الأسر المتعطلة ، والقرض ، بداهة ، مما يستوجب السداد مع زيادة في الفائدة ، فذلك ما تَتَحَمَّلُهُ الأجيال القادمة ، كما الحال في الديون الخارجية المتراكمة في الأمثلة السياسية الفاشلة في دول العالم الثالث ! ، والحال فيها إبان هذه الجائحة أسوأ فإنها لا تملك من قوة العملة ما تملك أمريكا لتطبع بلا حساب فلا تخشى نسب التضخم الكبيرة ، فَقَدْ تَلْجَأُ الدول الفقيرة ، لا سيما مع هشاشة اقتصاداتها ، أَنْ تَطْبَعَ من النَّقْدِ مَا تُدَبِّرُ به حِزَمَ التمويل اللازمة لمواجهة هذه الجائحة ، ولو إعلاميا ! ، فيفضي الأمر إلى وفرة النقد المعروض وزيادة نسبة التضخم وهو ما يزيد الأعباء على المجتمع أكثر ، فضلا أن هذه الحزم لا تَتَوَجَّهُ ابتداء إلى مصالح الطبقات الْأَوْلَى بالعون في هذه النازلة ، فَحَشَفًا وسوء كَيْلَةٍ ! ، فلا تدبير لموارد حقيقية ولا توجيه لها أن تبلغ المستحق .

وفي جميع الأحوال ، ولو في أمثلة الرَّخَاءِ ، كما الحال في أمريكا في هذه الجائحة ، في جميع الأحوال يحمل المجتمع أعباء الدَّيْنِ ، فَمَنْ سيدفع هذين الترليونين من الدولارات من حزم المساعدات العاجلة هو المجتمع الأمريكي وإن آجلا مع أقساط الفائدة التي سَتُسْتَقْطَعُ من جُهْدِهِ مع قيمة الدين العام الأصلي نحو 21 تريليونا كما يذكر بعض الباحثين ! ، فضلا أن الإعانة التي سيحصل عليها ، أَلْفَا دولار لكل أسرة إن لم تخن الذاكرة ، فضلا أن هذه الإعانة سوف يُسَدِّدُ بِهَا الفرد ما عليه من ديون وأقساط لرأس المال الذي اقْتَرَضَ منه الرئيس ترامب ، فمنه وإليه ! ، فمن رأس المال قرضا وإليه في جميع الأحوال ربحا ! ، وأداة التربح خلال هذه الدور الاقتصادية الرأسمالية هي المجتمع فهو من يقترض ثم يعمل ليسدد ما اقترض ! ، وهكذا ، فمن قرض إلى آخر ، لا سيما ونزعة الاستهلاك آنفة الذكر تُعَزِّزُ هذه المنظومة الليبرالية المحكمة ، فَرَأْسُ المالِ قد ضمن السيطرة على المجتمع ، فضلا عن سيطرته على صانع القرار ، فهو الذي يمول حملة الانتخاب في الدول الديمقراطية فضلا عن احتكاره للآلة الدعائية والإعلامية التي تصنع العقل الجمعي السياسي كما تصنع العقل الاقتصادي الاستهلاكي آنف الذكر بما تَبْتَكِرُ من فنون الجذب والإغراء ، وهو ، أي رأس المال ، في الدولة غير الديمقراطية ! مَنْ يدعم السلطة المستبدة نظير ما تُقَدِّمُ له من تسهيلات في الاقتراض والاستثمار ..... إلخ فضلا عما يكون من تقاسمٍ للأرباح ، فتلك مركزية أخرى في الفروع تَنْسِجُ على مركزية رأس المال في الأصل ، فهي عليه تُقَاسُ قِيَاسَ الفرعِ على أصله ، فالنظرية واحدة وإن اختلف التطبيق تَبَعًا لجودة الطرح أو رَدَاءَتِهِ ، فَضَمِنَ رأسُ المالِ السيطرة على القرار السياسي ، وإن في المثال الديمقراطي الأمريكي القياسي .
وَهُوَ ما يُضْرَبُ له المثل ، والشيء بالشيء يذكر ، بما يحدث الآن من حرب الأسعار في سوق النفط ، فمن أبرز الجهات الداعمة للرئيس ترامب : شركات النفط الصخري التي تضررت بما كان من إغراق لسوق النفط بوفرة المعروض ، وقد استدانت هي الأخرى من الجهات المقرِضة في أمريكا : ترليونًا من الدولارات ، وليس ثم الآن سوقٌ لِنِفْطِهَا الذي يزيد ثمنه كثيرا على السعر المتداول الآن ، دون الثلاثين دولار ، وقد بَنَى النفط الصخري اسثماره أن يكون سعر النفط المتداول في السوق من ستين إلى سبعين دولار ، فلا يجد الآن ما به يُسَدِّدُ ما عليه من ذلك المبلغ الضخم ، فضلا عن توقف عمله والرئيس ترامب على أعتاب الانتخابات ! ، وهو ما يرجح تدخله السريع لكبح هذا الإغراق وإن رَوَّجَ له أنه وفرة تحقق للمواطن الأمريكي الرفاه إذ انخفضت أسعار الطاقة ، فَثَمَّ إشكال أكبر وهو إنقاذ هذا القطاع الاستراتيجي في الاقتصاد الأمريكي : قطاع النفط الصخري الذي استدان هذا المبلغ الضخم ، فمن يسدد ؟! ، فلا بد أن تستجيب الأطراف فهي ، كما تقدم مرارا ، روافد الرفاه والاستثمار في المركز ، فدورها أن تكيف أحوالها بما يحقق صالح المركز وإن أضرت بمصالح المجتمعات التي تحكمها بل وإن أضرت بمصلحتها الذاتية ، فلا تملك من الاستقلال في قرار سياسة أو حرب أو اقتصاد ما به تطيقُ المناقشة فضلا عن المعارضة وإن كان ثم هامش من المساومة ضيقة الأفق فلا تحقق إلا غايات قريبة تَتَّسِمُ بالأنانية السياسية وقصور النظر فلا غايات استراتيجية بعيدة المدى .
وطباعة الدولار ابتداء بلا غطاء إنما كان بِنَاءً على الاتفاق المشهور أن يكون النفط هو الغطاء ، وذلك ما يمكن أمريكا ، كما يَتَنَدَّرُ بعض الفضلاء ، أن تسرق ثروة الأطراف من النفط ، فدول الوفرة من يدفع فاتورة الرفاه في المركز ، وتسرق معها جهد العالم وإنتاجه بما تطبع من الدولار كيف شاءت ، فتلك مركزية رأس المال : مركزية وول ستريت التي ضربها الوباء الآن ! ، وقد شهدت قبل ذلك مبادئ ثورة اجتماعية في سبتمبر 2011 حملت العنوان الشهير : احتلوا وول ستريت اقتباسا مما أطلق عليه بعد ذلك الربيع العربي ! ، فكانت الأطراف في تلك المشهد الباعث على التأمل ، كانت هي على غير العادة من أَلْهَمَ المركز ، ولكنها ، من وجه آخر ، لم تُلْهِمْ قيادة المركز وإنما ألهمت المجتمع الأمريكي الذي يشكو كما المجتمع في الأطراف من مركزية رأس المال المتحالف مع صانع القرار السياسي والعسكري ، الديمقراطي أو الجمهوري على تَفَاوُتٍ بَيْنَهُمَا ، وعلى تفاوت آخر من شكوى المجتمع الأمريكي ونظيره في الأطراف ! ، وإن كانت النظرية ، لو تدبر الناظر ، واحدة ، وإنما الاختلاف في التطبيق لا أكثر فهو ناعمٌ في مثال ، خشنٌ في آخر ، ولكلِّ مثال من الآليات ما يلائم ، والمعنى ، أيضا ، في بطن الشاعر ! .
فما يجد الناظر من القدر الفارق بين مثال الرئيس ترامب آنف الذكر : مثال الرئيس الذي يَزْدَرِي البحث العلمي ويقتصد في نفقته في مقابل ما يتوسع في نفقة الدفاع فهو أداة الحكم في السيطرة والقهر ، فضلا عن التخبط في إدارة النوازل ، كما في الجائحة الكائنة الآن ومحاولة التبرير والتلميع ، التبرير بإلقاء التَّبِعَةِ على الصين تارة وهي تَتَحَمَّلُ بالفعل قسطا وافرا من المسئولية الأخلاقية والجنائية في انتشار العدوى إن في أمريكا أو في غيرها فَثَمَّ تلاعب تَتَّسِمُ به شخصية الرئيس ترامب النرجسية فهي تَتَنَصَّلُ من أي مسئولية عن فشل أو تقصير كما يطهر من تبرير آخر للرئيس ترامب فارتفاع أعداد المصابين في أمريكا حتى باتت الآن على رأس القائمة متقدمة بِفَارِقٍ كبير على إيطاليا ، بؤرةِ التفشي في أوروبا ، فهذا الارتفاع علامة نجح لا فشل ! ، فهو نجاح المنظومة الصحية في إجراء أكبر عدد من الاختبارات وذلك حق فهو يكشف عن نقطة قوة في نظام أمريكا الصحي ولكنه لم يجب عن الأصل : فَمَا سبب انتشار الوباء ابتداء إلا استهتاره وتهوينه من شأنه وهو ما يصر عليه حتى الآن انطلاقا من مآرب شخصية ذات دوافع انتخابية يكسوها كعادة أي سياسي براجماتي ، يكسوها لحاء المصلحة الاقتصادية العامة .
فهو بين إلقاء التَّبِعَةِ على الصين تارةً وَعَلَى مَنْ تَقَدَّمَ ، لا سيما الرئيس أوباما الديمقراطي ، وإن وَسَّعَ الرئيس ترامب بعد ذلك دائرة التَّبِعَةِ لتستغرق جميع من تَقَدَّمَ ! ، ومسلك التَّبْرِيرِ مسلك رئيس من مسالك الشخصية النرجسية ، ومن يتعامل معها في حَيْرَةٍ من أمره ! ، فإن كان ثَمَّ نجاح فهو ينسبه إلى نفسه وإن لم يكن له منه شيء ، وإن كان ثَمَّ فشل فهو ينسبه إلى أي أحد ، ولو أقربَ مساعديه ممن يحظى بثقته فالتضحية بالآخر لينجو هو أسلوب النرجسي في إدارة الأزمة ، على وزان الزعيم الخالد بعد يونيو 67 : زعيم يتحمل المسئولية الإعلامية من باب الخداع الاستراتيجي وذلك ، لو تدبر الناظر ، استثناء من القاعدة ! ، فتلك خطوة استراتيجية متقدمة في خداع الجمهور ، فلا يوجد نرجسي يلجأ إلى هذه الخطوة فَيُقِرُّ بمسئوليته ولو دعاية ، إلا وثم كارثة عظمى لا محض نكسة ، ولكن الآمر آل إلى إلقاء التبعة على صف تال في القيادة ، القيادة العسكرية التنفيذية مع تَبْرِئَةِ القيادة السياسية بل قد عُدَّ قبولها مشكورة أن تقود الجماهير من جديد ! ، عُدَّ ذلك انتصارا ينسخ الهزيمة ، فقد ذهبت الأرض ولكن بَقِيَ الزعيم ، وألقيت التَّبِعَةُ على مَنْ سواه فآل الأمر إلى مسلك النرجسية الرئيس : إلقاء التبعة حال الفشل على أكباش الفداء ، وما أكثرهم ! ، وهم في الجملة ، لا سيما في الأنظمة الشمولية ، شخوص لا كرامة لها ولا حشمة فدورها لا يجاوز دور العبد المستذل الذي أذل الحرص على المنصب أو المخصصات المادية عنقه ، فلا يملك من أمره شيئا ، بل الأمر في يد سيده ، إن شاء أبقاه ، وإن شاء ضحى به ، فحياة السيد بداهة أشرف من حياة العبد ، ولو من أقرب المساعدين ، فلا يجاوز هذا الوصف : وصف العبد أو التابع في أحسن أحواله .
فالنرجسي بين نسبة النجاح إلى نفسه ولو لم يكن له منه شيء ، ونسبة الفشل إلى غيره ولو كان هو المسئول الأول ، ومن تطوع فَتَقَدَّمَ ليحل الإشكال وحقق أي نجاح ، فثم حقد وحسد إذ قد خطف الأضواء منه ، فالنرجسي لا يطيق أحدا يجاوره في مشهد الدعاية والإعلام ، فإن كان يعلوه في الرتبة ، فالنرجسي يكظم حقده ، وإن كان تحته فلن يسلم من شره ، كل بحسب ظَرْفِهِ ، فقد لا يتيح الظرف الإطاحة به مباشرة ، كما يضرب المثل الآن بالرئيس ترامب أيضا ! ، فعمدة نيويورك الديمقراطي ! يحقق ، كما يرصد بعض الباحثين ، يحقق نجاحا كبيرا في إدارة الأزمة بعيدا عن قيادة الرئيس ترامب الرشيدة التي لا زالت تَتَخَبَّطُ وتصر أن الاقتصاد أهم من حياة الناس فما المانع أن ينزل الناس إلى أعمالهم في ذروة الوباء ! مع غسل أيديهم خمس مرات على سبيل المثال ؟! فضلا عن إقصاء أهل الاختصاص ، ومنهم مدير المعهد الوطني الأمريكي للحساسية والأمراض المعدية أنتوني فوتشي الذي يظهر في المؤتمرات الصحفية بجوار الرئيس ترامب ، وهو يتوقع أعدادا كبيرة من الإصابات على وجه ينسف ادعاءات الرئيس ترامب نسفا ، وهو ما قد فُسِّرَ به غياب الدكتور فوتشي عن المؤتمرات الصحفية الأخيرة وإن عَاوَدَ الظهور أخيرا بِوَصْفِهِ أَهْلَ الذكر في هذا الشأن الطبي المحض ، إذ لا يوافق بداهة على هذا المشهد العبثي الذي يتلاعب بحياة الناس .
وَخَطْفُ الأضواء من النرجسي أمر جَلَلٌ ولو في مشهد غير سياسي ، فالدكتور فوتشي ليس سياسيا فهو رجل من التكنوقراط وهو يفقه ما يقول ، ولكن نجاحه في تقييم الموقف في مقابل فشل الرئيس الملهم يوقع الرئيس في حرج ، والنرجسية ، كما تقدم ، لا تطيق هذا المشهد ، مشهد الإخفاق في مقابل أي نجاح سواء أكان ذا بعد سياسي كما هي حال عمدة نيويورك أم ذا بعد فني كما هي حال الدكتور فوتشي ، ولولا ما تبقى من مؤسسات الدولة الأمريكية ما نجحت الولايات في إدارة الأزمة ، ولو نسبيا ، كلٌّ بما تحت يده من صلاحيات فيدرالية واسعة ، ولولا ما تبقى من منظومة القيم السياسية الأمريكية التي تحول دون الاستبداد المباشر كذلك الذي يجده الناظر في أطراف العالم الثالث ، فلولا ما تقدم لَتَحَوَّلَ الرئيس ترامب إلى رئيس من رؤساء العالم الثالث من ذوي الصلاحيات المطلقة في الإطاحة بالمساعدين ، ولو من الفنيين التكنوقراط فهم أول خطوط الدفاع ! ، وهم أول من يُضَحَّى بهم قبل الانتقال إلى الصف السياسي ، فالجميع حرس يحوط الشخصية النرجسية في مركز السلطة ، فَهِيَ ، كَمَا تَقَدَّمَ ، تحقد على أي نجاح وتحرص أن تُقَلِّلَ منه إذا لم ينسب إليها وتقصي الناجح إن الإقصاء الخشن في الأمثلة الشمولية أو نظيره الناعم في الأمثلة الديمقراطية كالمثال الأمريكي الراهن ، وهي ، أي الشخصية النرجسية ، حَالَ عجزت فلا تملك صلاحيات الإقصاء والعزل ، هي تحقد أيضا ! ، ولكنها تكظم غيظها حتى تسنح فرصة .
والشخصية النرجسية مولعة بالإنجاز الخارج عن حد العادة لا سيما في الكوارث ، كما الحال الراهنة في أمريكا ، فالرئيس ترامب ، عنوان المشهد الأول وهو ، كما تقدم ، معيار تقييم للنظام الدولي في هذه النازلة ، الرئيس ترامب يُبَشِّرُ بجهد خارق تُوَظَّفُ فيه طاقات الشركات الكبرى ، شركة جنرال موتورز مثالا ، لصناعة أجهزة التنفس الصناعي ، 100 ألف جهاز في فترة قياسية لا يمكن بلوغها في الأحوال المعتادة قبل عام على أقل تقدير ، على وزان ما يَرَى الناظر في أمثلة العالم الثالث من المشاريع الكبرى ! التي تُنْجَزُ في أوقات قياسية مع افتقارها للدراسات الفنية وجودة التنفيذ ، فالمثال واحد ، مع القدر الفارق بداهة فالرئيس ترامب يستند إلى بنية قانونية وإدارية قوية ، قانون الإنتاج الدفاعي مثالا فهو يتيح له اتخاذ هذع القرار بطريقة مدروسة لا ارتجالية كما الحال في الدول المتخلفة : دول الإنجاز الإعلامي ، فالرئيس ترامب لا يجاوز هذه العنوان ، ولكنه يملك من الأدوات الإدارية والفنية ما يجعله يَتَحَدَّى ، فثم بِنْيَةُ إنتاجٍ صناعي عملاقة ، ولكن العنوان ، لو تدبر الناظر ، واحد : عنوان الإنجاز السريع مع محاولة إنقاذ ما يمكن إنقاذه مما تَبَقَّى من سمعة أمريكا فسوف تساعد الأصدقاء على الضفة الأخرى من الأطلنطي بعد أن تنكرت لهم وعلقت الرحلات الجوية معهم في مقابل ما تصنع الصين الآن من مد يد العون لوجه الله جل وعلا فهي ترجو الدار الآخرة ! ، كما صنعت مع إيطاليا في إطار الاستثمار السياسي المباشر بعد أن بدأت الصين في التَّعَافِي ، ولو جزئيا ، فهي تروم تحقيق أكبر ربح ولو من نازلة أوقعت بها خسائر فادحة في مقابل ما ترى من تراجع دور أمريكا التي لا زالت تتخبط وربما طلبت المساعدة من الصين قريبا ! ، فلولا الحياء لصرحت ، لا سيما والرئيس ترامب لا زال يصر على لمزها حتى بلغ الأمر حد الهزل ، كما يرصد بعض الباحثين ، فالوباء مؤامرة صينية ديمقراطية مشتركة ضد المرشح الجمهوري الرئيس ترامب ! ، ثم تراجع الخطاب بداهة ولم يخل أيضا من لمز مبطن فَقَرَارُ تعليق الرحلات مع الصين كان قرارا حكيما من إدارته ، فالصين هي المسئولة عن انتشار الوباء في أمريكا ، وذلك قول لا يخلو من صواب ، ولكنها مسئولة أيضا عن انتشاره في جميع أرجاء العالم ، والاختبار في كل بلد في تَعَاطِي حكومتها مع الوباء بوصفه معيارا يقيس جاهزية الدولة حالَ الكوارث ، أهي على بَيِّنَةٍ من أمرها أم ترتجل ارتجالا ، ألمانيا مثالا أوروبيا يحكي قوة النظام السياسي وقوة النظام الصحي ، وهي الجهة التكنوقراط المسئولة عن الجوانب الفنية ، في مقابل أمريكا ، على سبيل المثال ! فقد صارت مثال تقصير يُذَكِّرُ الناظر بالأمثلة المتخلفة في الأطراف فنرجسية القيادة قد جعلتها ، ولو مع القدر الفارق بداهة ، كالأمثلة السياسية الشمولية في الأطراف ، فالنظام السياسي الأمريكي مرتبك والمنظومة الصحية قوية ولكن الأمر قد جاوز طاقتها مع إصرار القيادة السياسية على المكابرة وإن بدأت تُقِرُّ بالكارثة ، وهو ما فَاقَمَ الأمر ، فكل ما يصنع الرئيس ترامب الآن هو حفظ ما تبقى من ماء وجهه السياسي قبل استحقاق نوفمبر القادم ! ، فهو في دائرة الاهتمام المباشر لرجل نرجسي كالرئيس ترامب لا يطيق الفشل وإن كان الآن أقرب إليه من أي وقت إذ أكثر ما وقع كان يمكن تفاديه بإجراءات احترازية مسبقة وهي تفتقر إلى القرار السياسي فأي توصية فنية لا قيمة لها إن لم يكن ثم إرادة سياسية حازمة ، فمحل البحوث والتقارير ... إلخ ، من أعمال التكنوقراط محلها سلات المهملات أو أرفف المراكز البحثية في أحسن أحوالها إن لم يكن ثم إرادة سياسية .
ولا يجد من يَتَعَاطَى مع هذه الشخصية فُرْجَةً أن يَنْصَحَ فضلا أن يَنْتَقِدَ وَيُوَجِّهَ ، وهو يخشى إن كان ذَا كفاءة ، فعنده حَلٌّ ، يخشى أن يصرح به فذلك ما يثير حسد الشخصية النرجسية ويحملها على مَزِيدٍ من العناد الطفولي ألا تَسْتَمِعَ إلى نصح الناصح أو نَقْدِ الناقد ، فضلا أن تخاصمه عَلَنًا كما يصنع الرئيس ترامب في مؤتمراته الصحفية ، إذ يخاصم رجالات الإعلام إن طرحوا من الأسئلة ما يحرجه ، فعلاقة السياسي النرجسي مع وسائل الإعلام علاقة شديدة التوتر إن كانت تحظى بهامش جيد من الحرية ، كما الحال في الديمقراطية الأمريكية ، فلولا أن ثم منظومة قانونية محكمة ما سَلِمَ كثير من أولئك الإعلاميين من التضييق وربما الملاحقة على غرار ما يحدث في دول العالم الثالث ! ، فماذا يصنع أي عاقل في التعاطي مع شخصية هذا وصفها ، فأمرها ، كما تقدم ، يدور بين التَّبْرِيرُ تَارَةً والتلميع أخرى ، كما يصنع الرئيس ترامب بِدَوَامِ التذكير بإنجازاته الاقتصادية التي عصفت بها الجائحة ، فما يجد الناظر من القدر الفارق بين مثال الرئيس ترامب ، بطل المشهد الآن ، وأي مثال لرئيس أو حاكم في الأطراف المتخلِّفَةِ ؟! ، مثالِ مَنْ يُقَلِّصُ نَفَقَاتِ البحث العلمي وَيَزْدَرِي التكنوقراط من ذوي الخبرة الفنية ، والمثال يضرب بمصر كالعادة ! ، في موضع بعينه يجري مجرى المثال الأخص وهو ما يدركه خبراء الزراعة في مصر وقد تقلصت ميزانية معهد البحوث الزراعية في موازنة سابقة ، من 70 مليون جنيه وهو ، بادي الرأي ، مبلغ زهيد في بلد يفترض أنه زراعي في المقام الأول فأولى ما ينفق في البحث والتجريب هو ما يعزز هذا القطاع الحيوي ، فَتَقَلَّصَتِ الميزانية إلى 3 ملايين جنيه فقط ! طبقا لنظرية : وما يصنع التعليم في بلد ضائع ؟! ، وهي إحدى النظريات الحاكمة الآن لمشهد السياسة والإدارة في مصر كما يظهر الآن من تعاطيها العلمي المحكم مع هذه الجائحة ! .

فالنظرية ، كما تقدم ، واحدة ، وإن اختلف التطبيق في الخارج ، فَيُشْبِهُ الأمر على سَبِيلِ التَّنَدُّرِ أن يجري مجرى اختبار pcr الذي يُكْشَفُ به عن وجود الفيروس ، فهو اختبار تكبير للمحتوى الجيني ، فالمحتوى الجيني لِتِلْكَ العقلية السياسية يَتَوَزَّعُ على النسخ التابعة في الأطراف ، فهي نسخ صغيرة إذا خضعت للتكبير ، كما تخضع المادة الوراثية في اختبار pcr ، فهي تعطي بداهة المثال الرئيس : مثال الرئيس ترامب فليس أتباعه في الأطراف إلا نسخا مصغرة منه ، والرجل ، لمن يقتصد في الوصف فلا يبالغ ، الرجل عنوان فارق بين مرحلتين ، فهو كالجائحة الحالية التي يُرَجِّحُ بعض النظار والساسة أَنَّ ثَمَّ عَالَمًا آخر بعدها ، وإن لم يخل ذلك من مبالغة في صياغة العبارة السياسية ، فإن العالم ، والله أعلم ، لَنْ يَتَغَيَّرَ تَغَيُّرًا جذريا في الفكرة ، بل ربما عاد أكثر أنانية وَأَثَرَةً ، كما كانت حاله بعد الحروب العالمية والجوائح من أوبئة كالإنفلونزا الإسبانية نهايةَ العقد الثاني من القرن الماضي ، أو أزماتٍ اقتصادية كالكساد العظيم نهايةَ العقد الثالث من القرن الماضي بل قد عده من يَبْحَثُ في الشأن السياسي عَدَّهُ سَبَبًا في انطلاق الحرب العالمية الثانية فكان من جملة أهدافها تحريكُ عجلةِ الإنتاج المتباطئ بعد تلك الجائحة الاقتصادية فضلا عن تَزَايُدِ النَّزْعَةِ الأنانية الراغبة في السطو على ذخائر الجارِ لِتُؤَمِّنَ احتياجاتها ولو على حساب أَجْوَارِهَا في مشهد لا يختلف كثيرا عن مشاهد السطو المسلح على البيوت في أزمنة المجاعات التي تَفْحُشُ فِيهَا الأنا إن لم يكن ثم كابح لجماحها من معان رسالية أو أخرى أخلاقية .
وهي حال تَتَكَرَّرُ الآن في هذه الجائحة وقد تَبَدَّى ذلك في تعاطي كثير من الدول مع الأزمة ، فكانت الأنا هي بطلة المشهد وذلك ما قَدْ فَجَأَ بَعْضًا ولم يفجأ آخر ممن تدبر في قواعد النظرية الليبرالية آنفة الذكر ، فهي نظرية تُعَزِّزُ قِيَمَ الفردية والذاتية ولو على حساب المجتمع ، فضلا أن طبيعة الإنسان ، كما يقول بعض الفضلاء ، طبيعة الجحود والنسيان مع ما يكون من الآلاء والنعم ، وما يكون من إنجاء في المحن ، وذلك ما قد ذكره التَّنْزِيلُ في محكم الخبر : (فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ (65) لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ وَلِيَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ) .
ولكن العالمَ ، أيضا ، لن يسلم من تَغَيُّرٍ في موازين القوى ، وإن تَوْزِيعًا لا يَهْدِمُ الْبِنْيَةَ السياسية الحالية للنظام الدولي ، فيكون التغيير غير الجذري ، ويكون التَّبَدُّلُ على مكث ، وهو ما يَسْتَغْرِقُ مراحلَ تَتَدَرَّجُ ، وذلك السنن الرباني المحكم ، ولعل الرئيس ترامب ، كما تقدم ، مرحلة من هذه المراحل التي يمكن تَتَبُّعُهَا في العقدين الأخيرين من أحداث سبتمبر 2001 مع ما اكتنفها من الغموض وتداخل الأطراف وتقاطع الأهداف فضلا عن الاختراق المتبادل ..... إلخ ، إلى مَا بَعْدَهَا من غزو لبلاد الأفغان ثم العراق إلى ما يشهده المركز الآن من حكم الرئيس ترامب ، فَثَمَّ مراحل من التغير والتبدل ، ولو على مكث ، وهو ، أيضا ، ما يجده الناظر في الأطراف الآن فَثَمَّ موجات من الاستبداد يعقبها ، والله أعلم ، موجات أخرى من التَّغْيِيرِ ، ولو على مكث آخر ، فَلَيْسَتْ جذرية مفاجئة ، وإن أسهمت ، على المدى المتوسط أو البعيد ، في إعادة التوزيع للقوى السياسية والاقتصادية في المجتمع .

فتلك مركزية رأس المال التي استبدلت ، كما تقدم ، بمركزية الدولة إن في المثال الشيوعي الذي غَلَا في الطرف الآخر والمثل الآن يضرب بالصين فقد نجحت سلطتها المركزية المتوحشة ! في احتواء الأزمة ولكنها لم تنجح كعادتها في اعتبار الإنسان إلا أداةَ إِنْتَاجٍ تَرُومُ الحفاظ عليها لتدير عجلة الصناعة والاقتصاد وَتُعَوِّضَ ما قد عَظُمَ من خسائر رأس المال الليبرالي وإن في مثال سياسي شيوعي وتلك مفارقة أخرى تستوجب التأمل ! ، وَبَيْنَهُمَا ، لو تدبر الناظر ، مركزية الدولة الرأسمالية الاجتماعية ، أو رأسمالية الرفاه آنفة الذكر إذ تروم التوسط بين المثالين ، كما يضرب المثل بكندا ، وهي مثال متميز للنظام الديمقراطي الاجتماعي ، بغض النظر عن التقييم الأيديولوجي للنظرية الديمقراطية كنظرية تشريع وحكم ، فمحل الشاهد هو التقييم الفني ، فَثَمَّ شبكة حماية اجتماعية تشرف عليها الدولة الكندية مع اعتمادها نظام تأمين تعاوني ، وهو من أفضل نظم التأمين ، وهو ، من وجه آخر ، يُوَاطِئُ المثال الرسالي ، إذ لا ظلم فيه ولا غَرَرَ كما الحال في التأمين التجاري المتداول ، فالتأمين الاجتماعي يحمل روح التكافل التي جاء الوحي بها ركيزةً من ركائز المجتمع القوي ، كما في الأثر المشهور : "إِنَّ الأَشْعَرِيِّينَ إِذَا أَرْمَلُوا فِي الغَزْوِ، أَوْ قَلَّ طَعَامُ عِيَالِهِمْ بِالْمَدِينَةِ جَمَعُوا مَا كَانَ عِنْدَهُمْ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ، ثُمَّ اقْتَسَمُوهُ بَيْنَهُمْ فِي إِنَاءٍ وَاحِدٍ بِالسَّوِيَّةِ، فَهُمْ مِنِّي وَأَنَا مِنْهُمْ" ، فالقوم تحركهم روح التكافل بما يكون من وعاء جامع لما يملكون فهم له يتقاسمون حال الجوائح بِغَضِّ النظر عن مساهمةِ كلٍّ ، كبيرة أو صغيرة ، وهو ما يشبه في هذه الأعصار ما اصطلح أنه صناديق كوارث في دوائر اجتماعية أو وظيفية ، فيكون لكل مؤسسة أو شركة والمثال يتصاعد حتى الدولة ، يكون ثم وعاء يساهم كلٌّ فيه بِسَهْمٍ من دخله فهو صندوق تكافل للجميع ، فيأخذ منه مَنْ يستحق كفايته وإن زاد على مساهمته بل وإن لم تكن له مساهمة ابتداء ، فمناط الأمر هو استحقاقه الدعم لا أكثر ، فروح التكافل في هذا المثال أظهر ، فضلا أنه يُتِيحُ فُرَصَ استثمارٍ ، فرأس المال قد يسهم في إنعاش الاقتصاد باستثماره في إقامة قواعد إنتاج توفر فرص العمل ..... إلخ ، مع تحقيق هامش ربح يحفظ رأس المال فهو يعوض ما يؤخذ منه في صورة إعانات عاجلة أو مخصصات دورية كمخصصات البطالة ودعم الأسر الفقيرة ...... إلخ ، والإشكال الشرعي الوحيد في هذا المثال ، ما يكون من التساهل والاسترخاء أَنْ يُوضَعَ رأس المال في مصرف ، ويكون من فائدة الربا ما يحفظ رأس المال ، وهو ، لو تدبر الناظر ، ما يمحق بَرَكَتَهُ ويقلل انتفاع المجتمع به ، فلو ضُخَّ في مشروعات لا سيما الصغيرة والمتوسطة لَحَقَّقَ الغطاء المرجو لرأس المال وزاد عليه تفعيل دوائر اقتصادية كثيرة تسهم في زيادة الدخول مع مشاركة حقيقة في بناء اقتصاد قوي ، وهو الاقتصاد المنتج ، لا الاقتصاد الربوي الذي يقتصر استثماره على الاستثمار النقدي في سندات أو إقراض .... إلخ ، فذلك ما يُقَلِّلُ انْتِفَاعَ المجتمع بِرَأْسِ المال الراكد في المصارف ، وإن أُقْرِضَ ، فالقروض الاستهلاكية آنفة الذكر أو أخرى تُضَخُّ في مشروعات وَثَمَّ ، في كل حال ، فائدة تستقطع من جهد المقترِض سواء أكان مستهلكا أم منتجا ، فَثَمَّ فائدة تستقطع بلا وجه حق ، وهي ما يُقَلِّلُ النفع العام ، وإن في المثال المنتجِ إذ يستقطعها هو ، أيضا ، ممن تحته ، من العمال والموظفين ، والمستهلك آخر الأمر ، كما يقول أهل الشأن ، هو من يتحمل كل زيادة في سعر المنتج تَعْدِلُ فائدةَ الدين ، وهي العبء الإضافي ، فغاية المنتج في ها المثال الربوي : سداد قسط الربا مع تحقيق هامش الربح خلاف ما لو لم يكن ثَمَّ فائدة فغاية المنتج واحدة وهي هامش الربح فقط وهو ما يوفر السلعة بثمن مناسب ويحقق رواجا في الاقتصاد ، لا جرم كان من إجراءات الرئيس ترامب الأخيرة : تخفيض الفائدة لتبلغ نسبة الصفر تقريبا ، وهو ما يخفف الأعباء إن على المنتِج أو المستهلك فهو قاعدة هذا الهرم الاقتصادي ، ووحده من يتحمل أعباء من فوقه في المثال الربوي ، وذلك ما يمكن تفاديه لو سلم المثال من أعباء الخدمة ، خدمة الدَّيْنِ التي تُضَاهِي في الاصطلاح الشرعي : قسط الربا الذي يحمل عنوان الفائدة من باب الزخرفة في القول لا أكثر ! .

فَثَمَّ الآن أزمة في الفكرة والمبدأ ، ولو في إدارة أزمة إنسانية ، فالجميع فيها يستثمر ، وهو ما يَتَفَاوَتُ تَبَعًا لطبيعة المستثمر ، فَثَمَّ من بلغت به الحال أن يستثمر في احتكار منتجات التطهير لِيَبِيعَهَا على الشعب العظيم بالسعر الذي يُرَاكِمُ أرباحه مع احتكار جزء لا بأس به من سوق التحاليل التي ازدهرات الآن فهو يحتكر الخدمة ويقدمها بأسعار مرتفعة ، واحتكار الدواء ، هيدروكسي كلوروكين مثالا وهو الدواء الذي تحول فجأة إلى محدد رئيس من محددات الأمن القومي ! فَجُمِعَ من مصادره واحتكرته جهة واحدة وبقية القصة معروفة إذ تَتَكَرَّرُ في كل مشهد ، فَثَمَّ صناعة للأزمة أو استثمار فيها على أدنى تقدير ، إن الاستثمار السياسي كما يَرَى الناظر من بعض الأطراف التي سارعت بالتزلف إلى الصين من باب تنويع التحالفات وإن شئت الدقة فقل : تَنْوِيعِ الولاءات انطلاقا من نظرية التبعية الباحثة عن راع يكفل فلا تطيق أعباء الحكم دون دعم من خارج انطلاقا من نظرية براجماتية لا تقيم وزنا للمصلحة الشرعية أو الوطنية أو الإنسانية .... إلخ فالمعيار الوحيد هو المصلحة السياسية الناجزة ولو بإيقاع الضرر بالمجتمع كله فليس إلا أداة من أدوات المضاربة في سوق السياسة والحرب والاقتصاد وأي سوق تَعُودُ بالربح على المضارِب ، فَثَمَّ الاستثمار السياسي وثم آخر اقتصادي باعثه الرئيس : نظرية الاحتكار آنفة الذكر ، وثم ثالث دعائي وإعلامي يشيد بالقيادة الحكيمة حتى بلغ الأمر حد الإشادة بها في محطات المترو والقطارات فَبَعْدَ إلقاء الإرشادات التي تُوَاجَهُ بها الجائحة لا بد من الدعاء للبلاد وشعبها وزعيمها ! أن يحفظهم الله جل وعلا ، جميعا ! ، وإن كان الثالث هو المقصود الرئيس بالدعاء ، فَمَنْ قَبْلَهُ له فداء إن لزم الأمر ! ، فكان الدعاء عرضا على طريقة المثل المشهور في مصر : كوهين يَنْعِي ولده وَيُصْلِحُ ساعات ، فهو مثال اليهودي الذي لم يفارق حسه التجاري الجشع وإن في نَعْيِ ولده فهي فرصة أن يروج لسلعته ، فلا يفوت فرصة وإن موتا وجائحة دون أن يستثمر فيها ولو دعاية تافهة ! ، وَكُلٌّ يستثمر في درجة تواطئ حاله ولكل سوقه السوداء إن في السياسة أو الحرب أو الاقتصاد أو الإعلام ، وهي تقوم على نظرية الاحتكار فهي نظرية حاكمة للعقل الرأسمالي ، وهو ، لو تدبر الناظر ، عقل لا يُقِيمُ وزنا إلا للكسب المادي ، السياسي أو الاقتصادي ، وإن كان من النوع الرديء كما هي حال الرئيس ترامب وحال كثير مثله لا سيما النسخ المصغرة منه في بلاد أخرى ! ، فالرجل لا يجاوز أن يكون سمسارَ شقق مفروشة ! كما يقال في مصر ، فهو يدير المشهد إدارة رأسمالي من الدرجة الثالثة يَتَّسِمُ بالتفاهة والأنانية المفرطة التي لا تجاوز نظرتها دائرة المصلحة الذاتية الخاصة ، فمصلحته أولا وإن كان شعاره الانتخابي أمريكا أولا ، كما أن اللقاح الألماني للشعب الأمريكي أولا ، فليس العنوان الأمريكي الذي يظهره إلا حكاية لعنوان آخر يخفيه وهو عنوان الأنا التي لا يشغلها الآن إلا مشهد نوفمبر القادم ولو أدى إلى انتشار الجائحة في بلاده بأدائه المستهتر حتى الآن ، ولولا ما بقي من الدولة الأمريكية ذات المؤسسات المحترفة التي يكاد الرجل يخرجها من دائرة الخدمة ، لولاها لتحول الرئيس ترامب إلى زعيم خالد من زعماء العالم الثالث ! ، فالشعب الأمريكي محظوظ بإدارته الجمهورية الراشدة ، في مقابل أهل الشر ! من الديمقراطيين فقد كانوا ابتداء محل اتهامه إذ ينشرون الدعاية الكاذبة عن الجائحة الوافدة لكبح مسيرته الناجحة ، ولا يدري الناظر أي حظ لأمريكا من إدارة الرئيس ترامب لهذا الملف تحديدا ! ، وإن كان لها حظ سابق من رَفَاهٍ اقتصادي نجح في تحقيقه ولو عبر وسائل وطرق ملتوية لا تجاوز حد الابتزاز لأنظمة سلطوية أخرى تشتري الولاء الأمريكي بصفقات قليلة الجدوى في بلادها ، عظيمة الجدوى في أمريكا ، فلم يكن النجاح استنادا إلى خطة اقتصادية محكمة وإنما مَارَسَ الرئيس ترامب سياسة التاجر أو السمسار الفهلوي كما يقال في مصر ، فهو يجيد الاصطياد في المياه السياسية العكرة وما أكثرها في دول العالم الثالث ، فَثَمَّ في كل خطابٍ له محاولةٌ ظاهرة أو باطنة أن يَتَنَصَّلَ من المسئولية لا سيما والأرقام في ازدياد لا سيما في نيويورك عاصمة المال والأعمال وهي عصب رئيس في الاقتصاد الأمريكي ، فضلا عن كاليفورنيا التي تحتضن وادي السيلكون وهو رافد اقتصادي تقني مهم في المنظومة الأمريكية فحاكم الولاية يَتَوَقَّعُ إصابة 56% من السكان بالوباء ، ولعله هو الآخر من جملة من يتآمر على الرئيس ترامب لا سيما وهو ديمقراطي حاقد كعمدة نيويورك ونيوجيرسي ! ، وثم في كل خطاب للرئيس ترامب تذكير بإنجازاته وليس ذلك الوقت الملائم ، ولكنه إذ ينطلق من أنا شديدة المركزية والنرجسية فهي ، كما تقدم ، شديدة الحساسية لأي نَقْدٍ ، ولو موضوعيًّا لا يحمل أبعادا سياسية فنظرية المؤامرة حاضرة أبدا في تصور الشخصية النرجسية ، فالجميع يتآمر عليه ، والظروف كلها ضده ، وهو وحده السبب في كل نجاح مع عدم المسئولية عن أي فشل ، ولو في ملف إداري ، فالشعب هو السبب في أحيان إذ لم يلتزم بقرارات الحكومة الراشدة ، والخارج هو السبب في أخرى ، والحزب المنافس والخصم الحاقد هو السبب في ثالثة ، فلا بد من سبب سوى الأنا النرجسية فهي بَرِيئَةٌ من أي تقصير ، بل هي المركز الرشيد فما أسعد الشعب الأمريكي بإدارة الرئيس ترامب وإن في ظل ارْتِبَاكِهَا في إدارة الأزمة ، فما محل جملة كهذه أن أمريكا محظوظة بإدارته ، ما محلها من الإعراب في جائحة كهذه إلا محاولة التنصل من أي تقصير لا سيما وأصابع الاتهام قد بدأت تتوجه إليه انطلاقا من مسئوليته السياسية الأولى .
وهو ينذر أمريكا في مواضع أخرى من خطابه الرأسمالي ! ، يُنْذِرُهَا من تَوَقُّفِ حركة الاقتصاد وذلك حق ولكنه يمارس سياسة التخويف فأعداد المنتحرين من جراء البطالة الناجمة عن الجائحة أعدادهم ستكون بالآلاف فهي تزيد عن أعداد الضحايا من جراء الوباء ! ، ولسان الحال الباطن : لسان التوسل أن يَنْزِلَ الشعب الأمريكي إلى العمل في أقرب فرصة ليدير عجلة الاقتصاد ويستنقذ حظوظه في انتخابات نوفمبر القادم ، فما المانع أن يضحي الشعب الأمريكي من أجل رئيسه الذي جلب له هذا الرفاه الذي يوشك الوباء أن يعصف به ، وذلك ، من وجه آخر ، يعكس عيبا رئيسا في النظام الرأسمالي ، كما يحكي بعض المختصين من أرباب الاقتصاد ، فالشخصية الرأسمالية وإن كانت منتجة كالشخصية الأمريكية لا تنفك تروم الاستمتاع بما تنتج ، لا سيما وهي تنطلق من قاعدة علمانية لا تقيم وزنا لما بعد الحياة الأولى فهي منتهى السؤل ، وإن كسيت لحاء الدين كما الحال في المثال البروتستانتي الأمريكي ، فإن البروتستانتية ، كما تقدم في مواضع سابقة ، تكاد تكون نسخة معدلة من اليهودية المحرفة ، واليهودية باستقراء توراتها المبدلة لا تكاد تذكر الدار الآخرة ، مع أنها في الأصل رسالة سماوية ! ، وطبيعتها المادية المفرطة بعد وقوع التبديل أشهر أن تذكر وشخصيتها الاعتبارية القياسية : شخصية المرابي الذي يروم استنزاف ثروات الآخر بل واقتطاعَ أجزاءٍ من لحمه سدادًا لِدَيْنِهِ ، هذه الشخصية كانت مصدر إلهام لكثير من أدباء أوروبا في العصر الوسيط ، وهو ما انتقل إلى المثال البروتستانتي فهو مثال متناقض لأول وهلة ، فهو مثال ديني علماني في نفس الآن ، لا يقيم وزنا للعمل ، انطلاقا من قاعدة التكليف ، لا يقيم له وزنا في نظرية التشريع ولعل ذلك ما يفسر هذا الجمع بين المتناقضين : الدين والعلمانية ، فهو دين بلا تكليف ، فدوره دور الباعث على العمل انطلاقا من قاعدة المادة والإنتاج وحصول الثروة ، وهو ما يستوجب استثمارها ولو انطلاقا من نظرية أخرى قدمها بعض المفكرين تَبْرِيرًا للنظرية الأخلاقية في المذهب البروتستانتي ، وهي ، كما يذكر بعض الباحثين ، نظرية الأخلاق البروتستانتية عند ماكس فيبر في كتابه "الأخلاق البروتستانتية وروح الرأسمالية" فإنه إذ يزهد الناس في الثروة ، فلا بد من الانتفاع بها ، فيكون استثمارها مع ملازمة خانة الزهد ! ، وهو بداهة ما لا يستقيم ، فالمال يكثر ، ونظرية الدين عن الدار الآخرة تَقْصُرُ بما استعارت من المثل اليهودية المادية ، فليس ثم داع للتفكير فيما هو آت بعد الموت ، بل ظهور الدين يكون في هذه الدار ، عقيدة الملك الألفي على سبيل المثال فهو بمنزلة دار الجزاء في الدنيا فما الداعي لدار أخرى بعدها يكون فيها الجزاء والحساب ، فلسان حال هذه النظرية إنكار الدار الآخرة ، مع أنها نظرية دينية ! ، فليست ، لو تدبر الناظر ، إلا لحاء أيديولوجيا لنظرية علمانية تُفَتِّشُ عن تَبْرِيرٍ أخلاقي ، يرجح المثال البروتستانتي الذي يشتبك مع الحياة على المثال الكاثوليكي الذي يدعو ، في المقابل ، إلى الاعتزال ، فلا تجد النظرية البروتستانتية حرجا أن تتصالح مع الدين كجزء من الهوية السياسية الديمقراطية والاقتصادية الرأسمالية في إطار ليبرالي جامع فهي من النوع اللاديني المهادن وإن أقصت الدين عن منصب السيادة ، وهي مع ذلك لا تمانع في ظهور أَثَرِهِ الأخلاقي في إطار شخصي ، بل قد تزيد فتسمح له بلعب دور في التشريع ، وإن حرصت ألا يكون له دور مركزي في السياسة إلا الحافز المعنوي لا سيما في المشهد العسكري الذي يَسْتَوْجِبُ قدرا من الفدائية والتضحية فليس مِثْلُ الدين يَبْعَثُهَا ، فتلك ، كما يقول بعض المفكرين ، حال الأمثلة العلمانية الجزئية التي تخرج السياسة من الدين ولا تخرج بقية أمور الحياة ، خلافا لأخرى كلية تخرح أمور الحياة كلها سياسة وغيرها من سلطان الدين وذلك ما يغلب على الأمثلة العلمانية ضد الدينية التي تَتَّسِمُ بالحدة في التعاطي مع الدين كما المثال الفرنسي الثوري وكما الأمثلة التابعة في الأطراف التي تُزَايِدُ على المركز في علمانيته ! .
فمع هذا الإنكار للدار الآخرة ، ولو بِلِسَانِ الحال في المثال البروتستانتي آنف الذكر ، ومع تراكم الثروة بالعمل والإنتاج كيف يصبر الإنسان ويزهد فإنه لا يصبر إلا رجاء مع ما هو أعظم ، فليس ثم ما هو أعظم من هذه الدار ، وهو ما انعكس على طبيعة الشخصية الأمريكية ، فهي شخصية استهلاكية بالدرجة الأولى ، وإن كانت خيرا من الشخصية الاستهلاكية الخاملة غير المنتجة كما الغالب على أمثلة الرفاه في الأطراف ، فلا تجاوز حد الاستثمار الرأسمالي التابع الذي لا يملك خيال المبدع ، فلا قيمة يضيفها في تقنية جديدة أو طرق إدارة حديثة ، وإنما استثمار تغلب عليه الطفيلية : تحقيق أعلى الأرباح ولو استثمارا في الأزمات إما بصناعتها وممارسة الاحتكار فيها أو باستثمارها كما في هذه النازلة في بعض البلاد الفاشلة ! ، فالشخصية الأمريكية ، كما تقدم ، شخصية منتجة ولكنها في نفس الآن مستهلِكة ، واستهلاكها انطلاقا من الأيديولوجية المادية آنفة الذكر ، ذلك الاستهلاك يحملها على الاقتراض ، فالشعب الأمريكي يعيش على القروض ، فيقترض لكل شيء ، أساسيا أو كماليا في مثال اقتصادي نيوليبرالي لا يرحم ، وهو ، مع ذلك ، يجيد فنون الدعاية التي تجتذب الزبون اجتذابا ، كما يحكي لي صديق كان يعمل في أمريكا في إجازات الصيف فَيَقُصُّ علي من فنون الدعاية في الرأسمالية الأمريكية ما هو محل التَّنَدُّرِ ، فتدخل السوق بِنَصِّ كلامِه وأنت لا تريد شراء شيء بل وتحرص على ادخار ما استطعت من الدولارات لتعود بها بعد انقضاء الصيف فإذا بك من إغراء المتاجر وعروض التخفيضات ..... إلخ تخرج من السوق وليس في جيبك دولار واحد ! .

ورأس المال ، كما تقدم ، هو مركز هذه النظرية ، والربح هو القيمة العظمى فيها ، وهو ما يجاوز قيمة الإنسان لأنه لم يعد هو الغاية ، مع أن العنوان الرئيس لهذه النظرية هو الإنسان كَمَرْكَزٍ بَدِيلٍ لهذا الكون بعد تَنَحِّي الإله عن المركز : مركز السيادة والحكم ، وهو مناط النِّزَاعِ بين الوحي والوضع ، بين السماء والأرض ، فالعنوان الرئيس هو الإنسان ، مع أن الإنسان في هذه النظرية أداة لا أكثر ، والعنوان قد يَسْتَقِيمُ بِتَقْدِيرِ مضافٍ ! ، فيجري ذلك مجرى المجاز ! ، مجاز الحذف فتأويل العنوان : بدن الإنسان أو احتياجات الحس الظاهر ، فليست روح الإنسان هي عنوان النظرية ، فأحسن أحوالها أن تُخَاطِبَ غَرَائِزَ الحس ، وهو ما يعزز نَزْعَةَ الأنا التي تُفَتِّشُ عن اللذة باستهلاك أدواتها ، ولو إنسانا مثلها ! ، فالإنسان الأدنى كما الحال في الأطراف هو أداة يستعملها الإنسان الأعلى في المركز ، فهو أداة الربح تارة ، وأداة الاستمتاع أخرى ، وأداة الحراسة والخدمة ثالثة ، فتلك وظيفة الإنسان في هذه النظرية ، فَثَمَّ إنسانٌ يَقْبَعُ في مركز الرأسمالية فهو المالك لرأس المال في أي مثال اقتصادي رأسمالي ، الإقطاع قديما ، أو مصادر الدخل الرِّيعِيِّ كما في دول الوفرة النفطية ، أو أداة الإنتاج في الرأسماليات الصناعية في المركز ، فذلك الإنسان المالك للثروة أَيًّا كَانَ نَوْعُهَا ، فهو مركز النظرية وحوله أطراف خادمة ، فهي روافد الثروة ، إذ تعمل الأطراف في ضخ الثروة تجاهَ المركز ، يقدره بعض الفضلاء بعدد لا يجاوز سبعة آلاف إنسان على هيئة عائلات ، آل روتشيلد مثالا وإن كان ثم من الباحثين الجادين من يُرَجِّحُ أن هذه العائلة ليست إلا واجهة لتنظيم يسوعي مسيحي هو مركز هذه النظرية ، وأيا كان الأمر فإن مركز هذه النظرية سواء أبلغ ألفا أم ألفين أم سبعة آلاف من البشر ..... إلخ ، فإن هذا المركز لن يفصح عن نفسه كفاحا بلا ستار أو واجهة ، بل لا بد من واجهات تَتَّخِذُ تارة صورة العائلات الثرية أو الجهات الدولية المانحة أو المقرِضة ..... إلخ ، فضلا عن منتديات رسمية تدير حلقات نقاش وبحث .... إلخ ، منها السياسي منتدى بلدربيرغ في هولندا مثالا ، ومنها الاقتصادي منتدى دافوس في سويسرا مثالا ، ومنها الأمني منتدى ميونيخ في ألمانيا مثالا ، فتلك هي النواة الصلبة لهذا المركز الرأسمالي ، وحوله حلقات من الأطراف منها القريب كشعوب المركز فليست هي ، أيضا ، إلا أدوات وإن كانت من جنس أعلى ، خلافا لدوائر أخرى بعيدة كشعوب الأطراف فهي جنس أدنى من الأدوات ، ولكلِّ أداةٍ من الخدمة والرعاية والصيانة والتحديث والمعايير ..... إلخ ما يليق بها ، فالعلامة التجارية اليابانية أعلى من نظيرتها الصينية ، كما اشتهر في الأسواق ! ، فليس الإنسان في هذه السوق الرأسمالية إلا سلعة تُبَاعُ وَتُشْتَرَى ، وإن باسم العمالة ، وَتُوَظَّفُ في تَوْفِيرِ الرَّفَاهِ للطبقة الرأسمالية الحاكمة وَإِنْ أدواتِ لذة محرمة ، أوروبا الشرقية الفقيرة مثالا وهي مركز مُصَدِّرٌ لِمُتْعَةِ الجسد المحرمة إلى أوروبا الغربية الغنية ، وثائقي : "شارع الأضواء الحمراء" مثالا وهو مركز اللذة المحرمة في أمستردام عاصمة هولندا وهو يحكي قصص استدراجِ الفتيات القاصرات من أوروبا الشرقية للعمل في هذه المهنة المهينة طَوْعًا أو كَرْهًا ، مع أن تصنيف كلٍّ من الناحية الجعرافية أنه المركز : أوروبا الموحدة ، فلا تَتَوَحَّدُ إلا في تعظيم رأس المال وتعظيم اللذة فتلك قيم رئيسة في النظرية الليبرالية التي تُعَظِّمُ أخلاق الأثرة والأنانية وحال الجوائح فإن هذه النظرية توجب التباعد والعزل ! كما كان من سلوك الاتحاد الأوروبي مع إيطاليا فليس ثم من معنى التضحية ما يوجب التآزر وإن حملت أوروبا عنوان السياسة الموحد : الاتحاد الأوروبي فهو من جملة العناوين الرئيسة التي سقطت في هذه الجائحة جريا على آي التنزيل المحكم : (مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ) ، فَالنَّوَازِلُ تكشف الحقائق فليست تظهر ، بداهة ، في أوقات الرفاه والسلامة .

والمجتمعات إن في المركز أو في الأطراف ليست إلا أدوات تربح وترفه لا أكثر ، وإن كان كلٌّ بحسب درجته الوظيفية ، فتوظف في مزارع النخبة ومصانعها ، القطاع الخاص مثالا لا سيما في دول لا تمتلك منظومة قانونية محكمة كما الحال في مصر على سبيل المثال فَثَمَّ ، كما يذكر بعض الخبراء ، ثم قانون عمل جائر يتيح لصاحب العمل أن يسرح العمالة إذا كان ثم جائحة لِيَتَفَادَى الخسائر دون توفير أي ضمان اجتماعي لهذه العمالة المسرَّحة ، وهو ما يطلق يد القطاع الخاص في العمالة فَيَتَصَرَّفُ فِيهَا كيف شاء ، كما يَرَى الناظر الآن في مصر من إصرار بعض رءوس الأموال الكبرى أن ترجع حركة العمل والإنتاج سريعا ، ولو لم تَنْتَهِ الجائحة ، لا سيما وهي تدخل في مصر خلال الأسابيع القادمة مرحلة الذروة التي تستوجب مزيدا من العزلة الاجتماعية ، فرأس المال لا يصبر على هذه الخسائر الجسيمة ، وهي النظرية التي يَنْطَلِقُ منها الرئيس ترامب ، وهو ، كما تقدم مرارا ، عنوان النظام الدولي الرئيس في هذه الجائحة ، فلا بد من الرجوع إلى العمل خلال أسبوعين ، فالأطباء وهم الخبراء ! مصابون بالوسوسة ، ولو فتحت لهم الذرائع فَسَيُغْلِقُونَ البلاد بأكملها فمن يعمل ويزيد في الأرباح التي تمثل القيمة العظمى في أي مثال رأسمالي ، سواء أكان الاستثمار سياسيا كما الحال في مثال الرئيس ترامب أم اقتصاديا كما الحال في المثال المصري آنف الذكر إذ يهدد بالانتحار ! إذا لم ترجع الحال إلى سابق عهدها سريعا ، دون نظر في أي بعد إنساني أو اجتماعي ، فليس ذلك مُحَدِّدًا من محددات الديمقراطية الليبرالية ، فَمَا يَعْنِيهَا في المقام الأول وربما الأوحد هو تراكم الأرباح وتعاظم رأس المال وليس ثم دور للإنسان في هذه النظرية إلا دور الآلة التي تُنْتِجُ ، وقد يكون ذلك في ظل ظروف غير آدمية ، فوباء وجائحة دون اتخاذ تدابير حمائية إما وقاية ابتداء بمنح إجازات وبدلات مالية توفر الحد الأدنى من الحياة الكريمة في ظرف استثنائي ، أو احترازية أثناء العمل كحد أدنى إن كان إلقاء العمال في جحيم الوباء حتما لازما ! فِدَاءً لرأس المال ، بل قد تزيد فدائية العمال التي يفرضها رأس المال كرها ! ، فَتَزِيدُ ساعات العمل ! ، مثال شركة شفرات مشهورة في مصر تصدر الشفرات إلى سبعين دولة ، فمالك الشركة يهدد أي عامل يعترض أو يفشي السر العسكري الأبرز الآن : الاشتباه في ظهور حالات عدوى ! ، يهدده بالفصل ، بل وَيَرْفَعُ عدد ساعات العمل من 8 ساعات إلى 12 ساعة ! ، تحسبا لتوقف العمل وعدم التوفية بالعقود المبرمة فهي أهم ، بداهة ، من صحة العمال بل وحياتهم نفسها فليس لها اعتبار في نظر المالك إلا بقدر ما يُنْتِجُونَ ، ولا يُنْفَقُ عليهم إلا بِقَدْرِ ما يعملون جريا على نظرية : من لا يعمل لا يأكل ، وإن كان امتناعه عن العمل قسرا لظرف خاص صحي أو نحوه ، أو ظرف عام كهذه الجائحة ، فتلك نظرية حاكمة في المثال الشيوعي المضاد للمثال الرأسمالي ، فَلَوْ تَدَبَّرَ الناظر كِلَا المثالين لوجدهما وجهين لعملة واحدة ، عملة المادة ، وإن اختلفت طرائق كلٍّ في المعالجة والإدارة ، فمركز الرأسمالية الغربية آنفة الذكر يقابله في المثال الصيني على سبيل المثال وهو مثال صاعد الآن في ظل تعاطيه الناجح ماديا لا إنسانيا ! مع النازلة ، فيقابله في هذا المثال الصيني : الحزب الشيوعي الصيني ، 70 مليونا من الأعضاء نحو 5% فقط من الشعب يحكمون المجتمع حكما مركزيا شموليا ، فالصلاحيات تَتَرَكَّزُ في أيديهم وما تَسْتَجْلِبُهُ من امتيازات أدبية ومادية تَتَفَاوَتُ تَبَعًا لدرجات السلم السياسي أو طبقات الهرم الحزبي ، فَثَمَّ ، كما تقدم ، في مواضع سابقة ، ثَمَّ هَرَمُ السلطة ذو الطبقات التي تنتهي في المثال الصيني باللجنة الدائمة للمكتب السياسي وعدد أعضائها تسعة فقط فَهُمْ رأس الهرم الذي يحكم المجتمع ، وهذا الهرم ، من وجه آخر ، رأس لهرم أكبر قاعدته أوسع فهي الشعب الصيني بأكمله الذي يعمل في المزارع والمصانع ! ، فمركزية الحزب الصيني في المثال الشيوعي الشرقي تكافئ مركزية رأس المال في المثال الديمقراطي الليبرالي الغربي ، ورأس المال في كلا المثالين هو القيمة العظمى التي تقدم على القيمة الإنسانية ، روحا وجسدا ، انطلاقا من النظرية آنفة الذكر : من لا يعمل لا يأكل ، وما وظيفة الإنسان الأدنى الذي يعمل ويخدم ، ما وظيفته إلا خدمة الإنسان الأعلى الذي يملك السلطة والثروة ولو بَلَغَ ذلك حد الامتهان الكامل لجسد الإنسان الأدنى ، دراما مصرية قديمة مثالًا وفيها يخاطب رجل أعمال كبير من الفئة العليا يخاطب سائق أجرة من الفئة الدنيا بعد أَنْ سَرَقَ عضوا من أعضائه لاستزراعه في جسده فَيُصَرِّحُ ولا يُكَنِّي : مثلك ما خُلِقَ إلا لِيَعِيشَ مثلي ، فثم تفاوت في الماهية الإنسانية ، ومشهد آخر حقيقي فليس في الدراما في شيء ! مشهد آخر أشد وأنكى مثالا ، مشهد مجندة أمريكية تتلاعب بامرأة عراقية بممارسات شاذة إبانَ احتلال العراق الأخير فَتُصَرِّحُ أيضا ولا تُكَنِّي ! : أمثالكم ما خلقوا إلا لِنَلْهُوا بهم ونستمتع ، فتلك وظيفة الإنسان الأدنى الذي يقبع في الأطراف بعيدا عن مركز السلطة والثروة ، وإن في دول المركز ، فَثَمَّ مراكز فيها تحكم بقية المجتمع حكما مركزيا شموليا وإن لم يكن خشنا كما الحال في الحكم الصيني أو الحكم في الأطراف المتخلفة من دول العالم الثالث .
فالصورة واحدة ، وإن كانت فجة قميئة في الأطراف ، وإن في مؤسسات علمية كما يخبرني بعض الفضلاء ممن يعمل في مؤسسة تعليمية خاصة وهي ناجحة جدا في الإدارة ولكنها ليست كذلك في نظرتها المادية التي تُعَظِّمُ قيمة الربح وإن قَدَّمَتْ مستوى علميا مُتَمَيِّزًا فليس ذلك انطلاقا من دور أخلاقي ، إلا الأخلاق النفعية التي تُقَدِّمُ خدمة متميزة لِتَنَالَ ثِقَةَ الزبون لا أكثر ! فيدفع مطمئنا على مستقبل أولاده ويشتهر المثال التعليمي الناجح فيحصد أرباحا أكثر ويحافظ على مستواه المتميز فذلك سبب بقائه في السوق المشبعة بالمدارس الخاصة ، فالأمر ليس إلا تجارة وإن كسيت لحاء صناعيا تارة وزراعيا أخرى وتعليميا ثالثة بل ودينيا في أحيان ! ، وإلا فما يحمل رأس المنظومة التعليمية آنفة الذكر أن يجبر أعضاء هيئة التدريس أن يباشروا الحضور بالتناوب أسبوعا بعد آخر وليس ثَمَّ عملٌ ! ، فالدراسة قد أُجِّلَتْ بل وألغيت بسبب هذه الجائحة ، فَمَا يَضِيرُهُ إن منحهم إجازة وليس ثم عمل ، ولم يعرضهم لخطر الاجتماع بلا داعٍ فهم يحضرون لمجرد الحضور مع إعطائهم نصف الأجر إذ يَتَنَاوَبُونَ الحضورَ ولو إلى لا شيء ! ، فَلِمَ لا يعطيهم نصف الأجر وهم في إجازاتهم ولو في ذورة الجائحة المتوقعة قريبا بدراسة سلوكها في دول أخرى ، بل لِمَ لا يعطيهم الأجر كله لا سيما وقد حصل الأقساط مُقَدَّمًا مطلعَ الفصل الدراسي فَضَمِنَ هامش الربح الذي يحققه كلَّ عامٍ ، ولكنه يريد زيادة فَيُشَاطِرُ هيئة التدريس أجورهم ، ولو استطاع لاستأثر بها جميعا ، بل ولا يَدَعُهُمْ إلا أن يباشروا العمل نظير الشطر المتبقي ولو كان العمل أن يجتمعوا لتناول طعام الإفطار كل يوم في المدرسة ! ، فذلك الشح بعينه الذي يصدق قول الكتاب المحكم : (وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ) ، فهو عنوان المشهد الآن إن على مستوى الدول أو الهيئات الاقتصادية ، فَرَأْسُ المال هو بطل المشهد وتعويض الخسائر المادية هو المطمَح ، وَلَوْ فِي نَشَاطٍ تافه ، الدراما الرمضانية القادمة مثالا فشركات الإنتاج في مصر على ما تُقَدِّمُ من إسفاف وبذاءة وأعمال رديئة ولو بمعيار النقد الفني ولكن ذوق الجمهور إذ انحط فهو يحرص على متابعتها ولو تِبْنًا يُلْقَى إليها لتغتذي به العقول الجائعة فهي فارغة من أي قيمة عليا ، فَثَمَّ الآن إصرار على مواصلة العمل ولو في هذا الظرف مع ما يكون من اجتماع لأطقم العمل الكبيرة أمام الكاميرا وخلفها ، فَمَنْ يُعَوِّضُ خسائرَ شركات الإنتاج إِنْ طَالَ أمد النازلة ولم يكن ثم إكمال للعمل ، فقيمة الربح مجددا هي الثابت المحكم وما سواه فمتشابه يُرَدُّ إليه ، ولو حياة البشر فلا قيمة لها إن تعارضت مع رأس المال فهو الذي يقدم في جميع الأحوال ولو جوائحَ كالجائحة الراهنة فكيف الحال في أوقات السلامة ؟! .

وذلك ما يُفَسِّرُ نَظَرِيَّاتٍ تَتَّسِمُ بالتوحش في التَّعَاطِي مع الشعوب والمجتمعات ، فمنها ما صرح به رئيس وزراء بريطانيا بوريس جونسون من نظرية "مَنَاعَةِ القطيع" ، فالاسم فَجٌّ ، والنظرية وإن كان لها حظ من النظر الطبي فهي تصلح في ميدان البحث العلمي بِرَصْدِ النتائج في قطعان الفئران لا البشر ! ، فالنظرية تفسح المجالَ للوباء أن يَنْتَشِرَ ، ومن يُطِيقُهُ فسوف يَنْجُو ويخرج بمناعة أقوى ، فهو عنصر قوي فاعل ، ومن لم يطق ، فالطبيعة لا ترحم الضعفاء فلا مكان لهم في هذا العالم بل هم عبء زائد تَتَوَلَّى الأيدي غير المرئية كالأوبئة والحروب ، تَتَوَلَّى التخلص منهم فهم شوائب تكدر صفو المجتمع القوي المنتج ، كما ينقل بعض الباحثين عن آدم سميث في كتابه "ثروة الأمم" ، وهو ما ينقله باحث آخر عن ريكاردو ومالتوس وهما مُؤَسِّسَا الاقتصاد الرأسمالي الكلاسيكي ، فَثَمَّ ما اصْطُلِحَ أنه "الدارونية الاجتماعية" التي تَنْتَخِبُ العناصر الأقوى ، فالفقر قدر محتوم وزيادة الفقراء وهم العالة على المجتمعات الغنية إذ يأكلون ولا يعملون ! ، هذه الزيادة سوف تَتَوَلَّاهَا المجاعات والأوبئة والحروب ، ومن يصمد فسيخرج أقوى فالطبيعة لا تَنْتَخِبُ إلا الصالح للبقاء ومن لا يصلح فمصيره الانقراض ! ، فهذا الوباء فرصة سانحة أن يخلص المجتمعات الرأسمالية الغنية من المسنين والعجزة فهم عبء على المنظومة الضريبية إذ يَتَقَاضَونَ المخصصات بلا عمل ، فذلك الحمل الزائد الذي استهدفه الزعيم النازي أدولف هتلر في كتابه "كفاحي" ، فالمجتمع الألماني وهو السيد الآري الأعلى سوف يحكم هذا العالم فلا يمكن أن يكون ذلك إلا وهو قوي صحيح فلا مكان للعجزة والمرضى وهو ما حمل الألمان أنفسهم أن يباشروا إنفاذ أمر القائد أو الفوهرر ! ، فكانوا يَتَخَلَّصُونَ من أقربائهم من العجزة وأصحاب الإعاقات لِيَسْلَمَ المثال الألماني السيد من شوائب الضعفاء والعجزة ، فكيف يقود العالم شعب عاجز أو ضعيف ؟! ، فالانتخاب الطبيعي أو التدخل البشري المباشر يسهم في هذه التَّنْقِيَةِ للذات الإنسانية العليا ، وتلك ، لو تدبر الناظر ، النظرية التي تسلكها كثير من الدول صَرَّحَتْ أو كَنَّتْ ، وإنما صرح رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون بما كَنَّى عنه غيره مما يُسْتَقْبَحُ ذِكْرُهُ ، وفي تسريبات إخبارية في بعض الأطراف المتخلفة ! وهي أدرى بِنَفْسِهَا ! ، يقول بعض من له اطلاع على الأرقام الحقيقية للإصابات أن السلطة في البلاد قد اختارت هذا السيناريو ، سيناريو "مناعة القطيع" ، فإنها لا تملك إمكانيات تؤهلها أن تجري التحاليل وتعزل الإصابات مبكرا وتوفر خدمات الرعاية الصحية للحالات الحرجة من أجهزة تَنَفُّسٍ صناعي ونحوه ، فَعَلَامَ هذا الإنفاق الكبير على القطيع ؟! ، فمن احتمل منهم فسيخرج أقوى ليواصل العمل ولو سخرةً ليزيد رأس المال ، ومن لا يحتمل فموته يخفف المؤنة ، فرأس المال في جميع الأحوال رابح ، وهو ما صرح به ، أيضا ، رجل أعمال كبير في ذلك المثال السياسي المتخلف ، فالمرض لا يصيب إلا كبار السن ! ، فلينزل الشباب إلى سوق العمل ليحقق رأس المال الربح فذلك ، كما تقدم ، مرارا ، منتهى السؤل ، مع ما انضم إليه من طبيعة استهلاكية باعثها الرئيس الرغبة الجامحة في اللذة ، وهي ركن رئيس من أركان الأيديولوجيا الليبرالية : اللذة غاية والقوة وسيلة ، ومن أجناس القوة الرئيسة قوة المال ، ولو اقتراضا من المصارف على النحو آنف الذكر ، على طريقة : أَحْيِنِي اليوم وَأَمِتْنِي غدا كما يقال في المثل الدارج في مصر ، وهو ما سَبَّبَ الآن إشكالا رئيسا في النظام الاقتصادي الأمريكي كله وهو ، بداهة ، ما ينعكس على الاقتصاد العالمي ، ولعل هذه النازلة مما يحمل العالم أن يعيد النظر في هذا المثال الليبرالي الاقتصادي خاصة ، والأيديولوجي والسياسي عامة ، لا سيما وقد أظهرت الجائحة ولا تَزَالُ في مَبَادِئِهَا ، قد أظهرت شح هذه الشخصية الرأسمالية وظهور ما كانت تَتَلَطَّفُ في إخفائه من الحيوان المفترس الذي يكشر عن أنيابه فلا يقيم وزنا لضعيف ، فالبقاء للأقوى ، ولو في معركة المناديل الورقية التي انتشر المقطع الخاص بها على مواقع التواصل الاجتماعي في أمريكا معقلِ الحضارة واللباقة فكانت المصارعة الحرة بَيْنَ جَمْعٍ من النساء ومنهن من هو من فئة الوزن الثقيل ! انْتِزَاعًا لِلُفَافَةِ مناديل ورقية ، فَثَمَّ حيوان جشع لا يروم إلا ادخار ما يكفيه دون نظر في حاجة غيره ضعيفا فهو يدهسه أو قويا فهو يدفعه مع بكاء امرأة أمريكية أخرى تَبْدُو عليها سمة اللطف والرقة فلا تطيق هذه الجولات من المصارعة الحرة فلم تَنْجَحْ في ظل هذه الحرب المستعرة أن تحصل على حافظة لطفلها الوليد في هذا المعقل الليبرالي العتيد ! ، فضلا عن عمليات السطو على الكمامات في أوروبا وهي ، أيضا ، معقل من معاقل الليبرالية وإن كانت في أوروبا ذات بعد اجتماعي تَلَاشَى أو يكاد مع اشتداد النازلة يوما بعد آخر على طريقة : يالله نفسي ، كما يقال في مصر ، فسطو إيطالي على باخرة تحمل الكمامات إلى تونس ، وهو أمر لا يستغرب من بلد تسيطر عليها المافيا ! ، وسطو تشيكي على شحنة وجهتها النهائية إيطاليا معقل الوباء ، وشكوى رئيس صربيا المشهورة من أنانية أوروبا ، وسطو على شحنة كمامات أخرى في كينيا كانت في طريقها إلى ألمانيا ، وسطو على 50 ألف كمامة من مستشفى في مدينة كولون الألمانية ، و1500 أخرى في مدينة هامبورج شمال ألمانيا ، مع أن ألمانيا حتى الآن من أنجح التجارب في أوروبا والعالم مع ارتفاع عدد الحالات وارتفاع معدل الأعمار إلا أنها تواجه النازلة بأسلوب ألمانيا المشهور : أسلوب العمل الجاد المحكم ، ونسبة الوفاة لم تَتَعَدَّ حتى الآن نصف في المائة ، وهو ما جعلها وجهة لحالات قادمة من إيطاليا وفرنسا ، وثم الآن حرب كمامات تلوح في الأفق وهي تفتح الباب لمزيد من الاحتكار وتحقيق الأرباح دون نظر بداهة في أي قيمة أخلاقية ولو إنسانية مجردة من أي بعد رسالي .
فقيمة الربح هي الحاكمة فلا بد أن تعمل المصانع بكامل طاقتها بل ربما بما جاوزها في أمثلة رأسمالية متخلفة في الأطراف ، لكي تحقق أعلى ربح ، فلا غاية لرأس المال إلا هو ، سواء أكان ربحا ماديا مباشرا أم لقطة سياسية كلقطة بعض الأمثلة السياسية المتخلفة في الأطراف : لقطة افتتاح الحاضرة الجديدة التي صارت بؤرة للجائحة فَثَمَّ إصرار لا يقيم وزنا لأي قيمة أخلاقية فليس إلا الرغبة الجامحة لفرد أن يحصل على لقطة النجاح السياسي منتصف العام الحالي وفي سبيلها فليمت من يمت فداء للمحبوب فهو شهيد كشهيد فارئة الفنجان ! ، وذلك ما يمكن تكبيره كما تقدم من اختبار PCR السياسي ، فثم لقطة نوفمبر القادم في المشهد الانتخابي الأمريكي ، فالرئيس ترامب ، عنوان النظام الدولي ، يريد عودة حركة الطيران قَرِيبًا ولا يريد حتى الآن تعليق حركة الطيران الداخلية لئلا تعظم خسائر الشركات ، وإن فرض حجرا صحيا فمحدودا على بعض الولايات مع التهوين اللاعلمي ! ، فالوباء لم يبلغ بقية الولايات فلا بد أن تعمل لتدور عجلة الاقتصاد ولسان حاله التوسل آنف الذكر ، فلا بد أن يعود الشعب الأمريكي إلى العمل من أجله ! ، وإن كانت العنوان : من أجل الازدهار الاقتصادي للأمة الأمريكية فقد اختزلها في ضمير أنا لا يجاوز مصلحته الذاتية الخاصة كأي مثال نَرْجِسِيٍّ لا يرى في الوجود إلا ذاته المتضخمة ، وإن كانت تحت المجهر حقيرة متواضعة إن أخلاقيا أو إجرائيا .

وإن اضطر الرئيس أخيرا إلى الإقرار بالحقيقة مع تصاعد الأرقام فاضطر آسفا أن يَنْزِلَ على كلام الخبراء ، ولو على مَضَضٍ ، مع جزيل الشكر للصين وروسيا التي بدأت في إرسال المعونات الإنسانية إلى أمريكا ! ، في لقطة سياسية ذات مغزى كبير ، ولو على المدنى المتوسط أو البعيد ، فرأس النظام الدولي يَتَلَقَّى الآن المساعدات الإنسانية من أقطاب أخرى لا تناجزه في القوة ولكنها ، من وجه آخر ، تُعِيدُ ، ولو على مكث ، ترتيب المشهد الدولي لتأخذ قسطا أكبر من القيادة فذلك ما يُتَوَقَّعُ ، والله أعلم ، بعد هذه الجائحة ولو استغرق وقتا .
مع ما لجأ إليه الرئيس ترامب من اتخاذ حزمة إجراءات عاجلة لا تخلو من صواب ، كما في حزمة المساعدات الأخيرة انطلاقا من نظرية الاقتصادي البريطاني "جون مينارد كينز" ، نظرية التَّدَفُّقِ الْفَعَّالِ الذي تستعيد به الدولة المركزية بعض أدوارها الاجتماعية التي فقدتها في المثال النيوليبرالي اللامركزي ، فهو يُقَلِّدُ المثال الكندي الذي يجاوره وهو أقرب إلى الليبرالية الاجتماعية إذ تلعب الدولة دورا كبيرا في رعاية المجتمع في الأحوال العادية فكيف بالنوازل الطارئة ، وهو ، بداهة ، ما يخالف عن طبيعة الرئيس ترامب ، محل الشاهد ، فهو ضد أي إجراء اقتصادي ذي طبيعة اجتماعية ، منظومة التأمين الصحي التي دشنها الرئيس أوباما مثالا وقد أَوْقَفَهَا الرئيس ترامب الذي يزعم ، أيضا ، في سياق التَّبْرِيرِ لفشل المنظومة الصحية المتوقع خلال الفترة القادمة ، أنه قد ورث منظومة صحية مُهْتَرِئَةً من العهد السابق وربما سبقه لسانه فقال : العهد البائد عهد الديمقراطيين أعداء الوطن والأمة الذين يُرَدِّدُونَ شائعات الخصوم في الخارج ..... إلخ من الدعاية الكلاسيكية في الأنظمة الشمولية وإن صَدَرَتْ عَنْ رئيس أكبر دولة ديمقراطية ليبرالية في العالم ! ، فالرجل شمولي بامتياز بالنظر في تكوينه النفسي ، ولو تدبر الناظر ، لوجد أن هذا التكوين هو التكوين الرأسمالي القياسي الذي يميل إلى الاحتكار والمركزية وإن كَسَا ذلك لحاء زائفا من الحرية والديمقراطية ، وإنما الخلاف بينه وبين الصين أنها تصرح ولا تُكَنِّي فليس عندها ما تخجل منه ، وهو ، في المقابل ، يُكَنِّي عما يقبح التصريح به فإذا صرح بما تصرح به الصين فما الإطار الأخلاقي الذي يُضَمِّنُهُ عداوته السياسية والاقتصادية للصين ، فلا بد من أيديولوجيا مخالفة وإن كانت ، لو تدبر الناظر ، من نفس الجنس ، الجنس العلماني الأرضي الذي يروم إلى الاحتكار والسيطرة ، وإنما الخلاف بين الوسائل الناعمة كالوسائل الأمريكية ونظائرها الخشنة كما في المنظومة الصينية ، ومن أمريكا إلى الصين يا قَلْبِي لا تحزن كما يقال في مصر ! ، بل القلب قد يحزن أكثر إن صارت الصين هي بطلة المشهد فليس ثم في طرحها أي بعد أخلاقي أو رسالي ، ولو محرفا كما الطرح الأمريكي البروتستانتي ، فيوم من أيامها بخمسين ألف سنة من حكم أمريكا ! .

ولا شك أن هذه النازلة ، طالت أو قصرت ، مما يحمل الناظر مجددا أن يعيد النظر في المثال الاقتصادي النيوليبرالي الذي يهيمن الآن على العالم ، فضلا عما ورائه من المرجع الأيديولوجي الحاكم الذي يَرُدُّ الأمر إلى عقل أرضي محدَث يأبى الانقياد لأي مرجع يجاوزه من خارج ، ولو مرجع النبوات ، بل هو ، كما تقدم مرارا ، أشد أعدائه وألد خصومه .
ولا شك أن هذه النازلة هي باصطلاح القانونيين : دليل كاشف لا منشئ ، فهو كاشف عن حقيقة هذا النظام الدولي الذي يمثله الرئيس ترامب بامتياز ، وهو كاشف آخر عن طريقة أخرى من المعالجة : الطريقة الصينية الصارمة ، وبين الشرق الصيني والغرب الأمريكي يغيب الطرح الرسالي : طرح النبوات الذي أجمع الشرق والغرب والوسط وكل جهة في العالم أن يكافحِه فهو العدو الذي تُؤَجِّلُ عَدَاوَتُهُ كلَّ خصومة .

ولا شك أن هذه النازلة مما يحمل أي عاقل أن يعيد النظر في قيمة العمل الذي تحول من أداة إلى غايةٍ إذ يصب في قناة الربح المادي المباشر ، وهو ما يلخصه رجل الأعمال الأمريكي الأبرز "بيل جيتس" في عنوان "عملنا ليس الوظيفة" ، فَثَمَّ وظائف أخرى ، ولم يجاوز في قوله الأعمال ذات البعد الإنساني من التواصل وَتَفَقُّدِ القرابةِ ... إلخ ، وذلك حق ، ولكن ثم وظيفة أخرى ، لو تدبر الناظر ، لم يفصح عنها إلا الوحي النازل ، وظيفية العبودية : (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) ، وهي ما اشتدت خصومة الأنظمة الأرضية لها إذ تصدر كما تقدم مرارا عن مركزية الإنسان الإله والدولة الإله فكيف يَعْبُدُ الإله إِلَهًا غيره ، وهو الذي احتل منصبه في التشريع والحكم ، لا جرم كانت العداوة ، كما تقدم مرار ، مستحكمة ، وإن أقر المركز نفسه بعبثية طرحه كما يحكي وزير ثقافة فرنسي سابق ، من عشر سنوات أو يزيد ، فحضارة هذا النظام الدولي الحالي هي أول حضارة في تاريخ اليشرية بلا هدف ! ، ومع ذلك فَعَدَاوَتُهَا للنبوة التي جاءت بالهدف الأسمى الذي يُصْلِحُ الحال والمآل ، ويحقق للبشر غَايَتَهُمُ العظمى من السعادة والنجاة ، عداوتها للنبوة على طريقة حُيَيِّ بن أخطب ، زعيم بني النضير ، إذ أقر بصدق البشير النذير صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، وكان جوابه مع ذلك : عَدَاوَتُهُ ما بقيت ! ، فتلك معركة وجود ومصير .

وذلك ما يدل ، أيضا ، أن أي مثال سياسي أو إداري لا يمكن إلا أن يصدر عن قيمة أخلاقية ، ولو مادية ، فسؤال الهوية سؤال رئيس وإن رَامَ مَنْ رَامَ تجاوزه في خلافات السياسة الإجرائية مع أنه ، لو تدبر الناظر ، أول مَنْزِلٍ فلا بد من تحريره قبل الشروع في الحركة فلا حركة فاعلة في الوجود بلا فكرة باعثة ، وسلوك العالم اليوم في هذه الجائحة لم يجاوز قَيْدَ أنملةٍ مرجع الفكرة الليبرالية الرأسمالية الحاكمة .

ومرة أخرى لا بد من الإصغاء جيدا إلى تصريحات الرئيس ترامب فهو المثال القياسي على أسلوب الإدارة والمعالجة التي يَتَّبِعُهَا النظام الدولي في تعاطيه مع هذه الجائحة ومع كل كائنة أخرى ، ومن دونه فخطابهم تابع فَلَيْسُوا إلا صورا مصغرة من مثاله فهو ، بوصفه رئيس الدولة التي تقبع على قمة الهرم السياسي الدولي ، هو المتحدث الرسمي الذي يجب تحليل خطابه جيدا فلا يَقِفُ الناظر طويلا أمام الأرقام والإجراءات وإنما يُفَتِّشُ عما وَرَائَهَا من قيم وأخلاق فهي ، كما تقدم مرارا ، باعثة الحركة السياسية والعسكرية والاقتصادية وسائر الحركات الاختيارية لهذا النظام الدولي الحاكم إن في المركز أو في الأطراف .

والله أعلى وأعلم .

اللهم أَنْجِ عبادك الصالحين من هذا النازلة ، واجعلها لهم رحمة وللظالمين عذابا يعجل بزوال شؤمهم ، وارفع الوباء والغلاء وَأَنْزِلْ غيثك من السماء .