المساعد الشخصي الرقمي

اعرض النسخة الكاملة : أنواع الذكاء



مهاجر
07-07-2020, 01:25 PM
مما شهد به الحس والتاريخ أن العرب بحكم النشأة والميلاد أعدل الخلق مِزَاجًا ، فقد ولدوا في حزام جيوسياسي هو الأعدل في المناخ ، وهو الزام الأوسط ، وذلك ما انعكس على الأخلاق ، خلاف الحزام الأعلى ، كما يقول ابن خلدون ، الحزام البارد في الشمال ، فَيَغْلِبُ عليه التَّبَلُّدُ والجمود وإن كان أطول نَفَسًا في التَّفْكِيرِ وَالتَّدْبِيرِ ، المثال الإنجليزي الشهير لا سيما في الاستعمار فهو معيار في التخطيط وطول النفس في الاحتواء والإدارة مع قبضة بطش تمارس العنف لإخماد قوى الخصم فإن خمدت انتقلت إلى ما بعده من بناء مثالها في الفكر والسياسة والاقتصاد ... إلخ فهي مشروع كامل وهو يحسن يضع البدائل فليس من النوع الجامد ، فحاله ، كما يقول بعض المفكرين ، حال الثعلب الذي يضع خطة الانسحاب قبل الهجوم وهو ما حُكِيَ عن عَنْتَرَةَ ، بطل الحرب في تُرَاثِ العرب ، فَلَمَّا سُئِلَ عَنْ سِرِّ ظهوره على خصومه أجاب أنه ما دخل مدخلا إلا وقد أعد المخرج فلا تَسْتَخِفُّهُ رُوحُ الشجاعةِ فَتَنْقَلِبُ تهورا ، وخلاف الحزام الأدنى ، الحزام الحار في الجنوب ، فيغلب عليه النزق والخفة ، فالجنس العربي خاصة أو الشرق عامة هو الحزام المعتدل في الخَلق والخُلق ، فكان من الحكمة اختيار النبوة من هذا الحزام ، وكان اختيار النبوة الخاتمة من بلاد العرب وهي ، كما يقول بعض المحققين ، بلاد القبائل لا الشعوب ، فالقبائل قد دَرَجَتْ في مهاد حرية وإن بَلَغَتْ في أحيان كثيرة حد العشوائية ، الجاهلية الأولى مثالا ونظيرتها الآن آخر ! فقد صار العرب إلى حال من التشرذم والاقتتال والكيد لبعضهم بعضا أحلافا تَتَنَاجَزُ ودخولهم في تَبَعِيَّةِ الغالب ، إن في النظام الدولي كما هم الآن من دخول في تَبَعِيَّةِ المركز في عالم وحيد القطب فَقَبْلَهُ قد تَوَزَّعُوا في التَّبَعِيَّةِ على الْقُطْبَيْنِ فَلِكُلٍّ سَيِّدٌ ما بين الشرق والغرب ! ، أو في الإقليم كما في دخول المعتدلين في جلف يهود ! ، فَلَهُمُ الآن من هذا الوصف : التشرذم على أنحاء والدخول في تَبَعِيَّةِ الغالب ، لهم منه الآن ما ضاهى الجاهلية الأولى إذ كانوا ما بين مجموع يَتَسَكَّعُ في الجزيرة طَلَبًا لَنَهْبٍ أو سبي ، وآخر على الأطراف قد استخدمته القوى العظمى في العالم القديم ، كسرى وقيصر ، كمجموع وظيفي يحرس ، فهو حارس الحدود الذي يحول بين الحضارة في العراق الفارسي ، دولة المناذرة ، والشام الرومان ، دولة الغساسنة ، في حَدٍ والتخلف والبدائية في صحراء الجزيرة العربية في آخر إلا آحادا من الحواضر تُعَدُّ على الأصابع ، ومنها حاضرة الوحي الأولى مكة بما لها في نفوس العرب من تعظيم فَفِيهَا البيت الحرام وهو من بقايا دين الخليل عليه السلام ، فَمُنِحَتِ الأمان هبةً من الرحمن جل وعلا ، ومن حولها خائف وهو مما امتن به الله ، جل وعلا ، على قريش قي وحيه المحكم ، فأنزل من الآي سورة تحمل اسمها وَتُذَكِّرُهَا بِنِعْمَةِ ربها ، جل وعلا ، الذي : (أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ) ، وكان من تمام المنة بالأمن والشبع ما جاء به آي العنكبوت : (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ) ، وأبطل شبهتهم في آي القصص أَنْ خَافُوا العدوَّ إن تحملوا الأمانة وأدوا الرسالة ، فـ : (قَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ) .
والشاهد أَنَّ تلك هي حال القبائل فمع ما فيها من نَقْصٍ فَهِيَ في مهاد الحرية قد درجت وإن بلغت حد العشوائية ، خلاف الشعوب فإنها قد درجت في مهاد الاستبداد بذريعة النظام ، وقد كان لها من ذلك حظ فكانت مدنيات ذات مؤسسات نظامية صلبة ، الجيش مثالا إن في فارس أو في الروم ، وتلك بيئة مُقَيَّدَةٌ لا يمكن أن تحتضن رسالة جاءت تُغَيِّرُ تغييرا جذريا في بِنْيَةِ الأفكار وما يَسْتَتْبِعُهُ ذلك من تَغْيِيرٍ آخر جذري في بِنْيَةِ المجتمع ، لا سيما السلطة والثروة ، وذلك إشكال رئيس في الأرض إن حجبت عنها شمس النبوة ، النظام الأمريكي مثالا فهو ، كما يقول بعض المفكرين ، نظام مركزي صلب وإن بدا أنه ديمقراطي حر فثم نخبة مركزية تقدرها الإحصائيات أنها 1% فقط وهي تملك من الثروة 42% ، وذلك ما يعكس التفاوت الذي يَسْتَنِدُ إلى قيم الليبرالية ، وإيجازها ، كما تقدم مرارا ، في كلمتين : القوة واللذة ، والقوة مجموع مركب من القوة الصلبة وهي النواة الرَّئِيسَةُ والقوى الناعمة ، قوى المال والأعمال ، وقوى الدعاية والإعلام والتوجيه السياسي في الانتخاب الديمقراطي الحر ! ، فهي كَسَائِرِ مُثُلِ الاستبداد التي تَحْتَكِرُ أدوات القوة في مقابل المجتمع ، فهو الطرف الأضعف في المعادلة التي تحولت إلى مُتَرَاجِحَةٍ تميل فيها كفة السلطة ، والخلاف في الإجراء لا في الفلسفة والمبدإ ، فالاستبداد جنس عام تَنْدَرِجُ تحته آحاد ، فمنه الناعم ومنه الخشن ، ومنه المركب ! على تفاوت في نسبة العناصر المكونة فقد تَرْجُحُ العناصر الناعمة في مُثُلٍ ، وقد تَرْجُحُ العناصر الخشنة في أخرى ، وذلك هو النوع الغالب لا سيما في مشاهد السياسة الحديثة فهي مثل شديدة التَّعْقِيدِ وَالتَّرْكِيبِ ، فحيث توجد النخب المركزية التي تحتكر أسباب القوة الخشنة والناعمة فثم عدواة مستحكمة للنبوة لأنها تستهدف مصالح هذه النخبة استهدافا مباشرا ، فالنبوة ، كما في المأثور ، أمر تكرهه الملوك ! ، فهي تستهدف عروشهم ونفوذهم وَتُقَيِّدُ حكمهم المطلق وتضيق دائرة نفوذهم الواسع ، وتصحح معايير الاختيار من الولاء المطلق إلى معيار النبوة المحكم : (إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ) ، وهي تجاوز دعاوى الحرية والعدالة الاجتماعية ، وتلك دعاوى حق ، ولكنها لا تَنْفُذُ إلى جوهر الإشكال فهي تشتغل بالأعراض التي تظهر دون النظر الأعمق في جوهر الداء والإشكال ، نظرية الطغيان الذي تُجَاوِزُ بِهَا النُّخَبُ حدها فهي تَتَقَمَّصُ صورة الآلهة التي تحكم ، فَتَضَعُ من القيم والمبادئ ما يُقَدَّسُ فهو الدستور ، وقداسته ما وافقت مصالح النخبة فإن لم توافق فهو مما كُتِبَ بالنية الحسنة ولا تكتب الدساتير بالنوايا ! ، كما الحال في مصر ! ، فالتعديل حتم لازم ، تعديلات الرئيس بوتين مثالا حديثا وقد جاوز التصويت بنعم 73% ! ليمهد الزعيم الطريق أمام بقائه حتى 2036 ! ، وثم المثال المصري القياسي فهو معيار استبداد محكم مع ركاكة في الصياغة ورداءة في إخراج الْعُرْسِ الديمقراطي ! بِتَكَلُّفِ التَّأْيِيدِ ولو بالرقص أمان صناديق الاقتراع ! ، ولكلٍّ طريقته في إخراج المشهد ولكلٍّ مهارته في رسم الصورة ، فجنس الاستبداد واحد وإن اختلفت آحاده في الخارج .
ولنظرية الطغيان من أدوات التشريع والتقنين ما به تستخرج من هذه النصوص الدستورية الجامعة نُصُوصًا جزئية خادمة ، فهي تصب في قناة مصالحها ، وإن صَوَّتَ المجتمع لها ، فيصوت لمصالح النخبة الخاصة ولو خالفت عن مصالحه العامة ، فإنه أَسِيرٌ في قَيْدٍ آخر ، قيد القوة الناعمة ، قوة الدعاية والإعلام التي تُشَكِّلُ الرأي العام والعقل الجامع ، فإذا صَوَّتَ بإيجاب أو سلب ، فإنه لا يختار إلا في إطار محكم ، وهو المحددات التي تضعها النخبة في صناعة الهوية أو في صناعة الدستور والقانون والسياسة وآليات الحكم وانتخابات الرئاسة ....... إلخ ، فالنخبة هي من يحد قواعد الملعب ويضع قواعد اللعب ، فلا تخرج النتيجة فوزا أو هزيمة عن مصالحها الرئيسة ، وإن كان ثم اختلاف بين الخصوم ، فهو اختلاف في الهوامش ، فالنخبة قد تَتَرَاجَعُ خطوةً ، ولكنها تكتيكية تمنح بها المجتمع بعض المكاسب الصغيرة التي لا تُغَيِّرُ قواعد الحكم ، فهي تعديلات إجرائية أو تَغْيِيرَاتٌ شَكْلِيَّةٌ لا تطال جوهر النظرية الحاكمة ، فالضغط الذي يمارسه الجمهور قد يجاوز معامل الأمان في النظام الحاكم وإن لم يهدد النظام تهديدا وجوديا ، ولكنه قد يلجئه ولو على مدى يطول أن يجري بعض التعديلات المؤثرة التي تَقْتَصُّ من حصته في السلطة والثروة ، وإن جزءا لا يهدد وجوده ولا يهدد مصالحه الرئيسة فهو يحوطها بأخرى أصغر هي ما يناور به المجتمع فَيَبْذُلُهَا بَعْدَ ضغط كبير فلا نخبة في الأرض تحكم بأمرها ! تمنح المجتمع شيئا بلا ضغط ، فالضغط قد يُفِيدُ ، ولو على المدى الطويل ، ولكنه لا يصمد في الغالب أمام مناورات النظام الحاكم ، فقد احتفظ ، كما يقول بعض المفكرين ، بأوراق بها يناور ، فَثَمَّ بعض التنازلات الجزئية التي تَتَفَاوَتُ تَبَعًا لتفاوت الثقافة العامة ومستوى الدخل ، فقد يكون التنازل في مجتمع فقير ، كما الحال في الأطراف الآن ، بعض الامتيازات المادية المباشرة وهو ما لا يصلح بداهة في مجتمع غني ، كما الحال في المركز الآن ، فالتنازلات يغلب عليها الجانب القانوني والتشريعي ، وآخر رمزي ، إزالة التماثيل الآن في أمريكا مثالا ، تماثيل الرموز الوطنية البيضاء ، وليسوا إلا تجار رقيق ! ، وهو ما سكت عنه الرئيس ترامب ، بادي الرأي ، حتى امتص غضبة الجمهور ، ثم أصدر المرسوم الذي يلزم حكام الولايات اليسارية الراديكالية أن يحموا رموز أمريكا الوطنية ! .
وإن لم يخل المركز ، أيضا ، من الفقر والعوز ، وتلك أداة رئيسة من أدوات النخبة الرأسمالية الحاكمة ، فإنها تستثمر في الديون ما تحوله إلى قيود ، قيود تحكم حركة المجتمع ، فالدين لا سيما قرض الربا يَسْتَنْزِفُ صاحبه في السداد بما يضيف من الأعباء ، فمن صمم المثال الحاكم قد اعتبر قوة المجتمع فهو يروم تقييدها ، والقيد بالدين مما يغلب ، والمجتمع الأمريكي أن كان مجتمعا مسرفا في الاستهلاك انطلاقا من القيمة الليبرالية المركزية ، قيمة اللذة مع قصور في الرؤية فلا يجاوز عالم الحس والشهادة ، المجتمع الأمريكي أن كانت تلك حاله فهو مضطر أبدا إلى الاستدانة إن لضرورات المعاش أو كمالياته ، فهو ، في الجملة ، مجتمع مكبل بالديون ، وهو ما استعاذ منه صاحب الشرع المعصوم صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، فـ : "أَعُوذُ بِكَ مِنْ غَلَبَةِ الدَّيْنِ، وَقَهْرِ الرِّجَالِ" ، فاستعاذ من السبب والمسبَّب ، فإن غلبة الدين تُفْضِي إلى القهر الذي قد يُؤَدِّي بصاحبه إلى الموت ولو اختيارا ! ، وتلك لحظة الضعف التي لا يسلم منها إلا قليل ، فما يُصِيبُ النَّفْسَ من الضيق والضجر إن لم يكن ثم إيمان يدافعها فهو باعث الهمة التي تطرد العجز والكسل ، ما يصيب النفس من ذلك قد يُفْضِي بصاحبه إلى الموت كمدا أو نحرا تُزْهَقُ فيه الروح طوعا ، وذلك ما ينظر فيه العاقل نظر الشرع الذي يُحَرِّمُ وَيُجَرِّمُ ، ونظر الكون الذي يَعْذُرُ ، فلا يعرف ألم الفقر والعوز إلا من ذاقه ، فهو أمر تصعب حكايته إلا مَنْ بَاشَرَهُ وهو أمر تحسن الاستعاذة منه في كل حين فهو قَرِينُ الكفر ، ومن عُوفِيَ منه فليحمد الله ، جل وعلا ، وليشفع ذلك بالشكر عملا أَنْ يُفَرِّجَ عن أصحاب الكربات ما استطاع وَيَتَفَقَّدَ أحوالهم ولو بكلمة تُخَفِّفُ .
والدَّيْنُ قيد محكم وهو ما تستخدمه النخب الرأسمالية الحاكمة في قهر الرجال والنساء جميعا ، فذكر الرجال في هذا السياق يجري ، كما يقول أهل الشأن ، مجرى التغليب ، فَيُرَادُ به الجميع ، وإنما خُصَّ الرجال أَنْ كَانُوا هم مَنْ يُنْفِقُ بِرَسْمِ القوامة ، فأكثر الغارمين من الرجال وإنما كثرت الغارمات أن قَلَّ الرجال حقيقة فلا أزواجَ ، أو حكما فَثَمَّ أزواج وُجُودُهُمْ كالعدم بَلِ العدم خير ! .
والغارم قبيل في كل مجتمع يعجز عن أداء الدين فهو يقيد المدين ويدخله في دائرة سداد مفرغة إذ يستدين لضرورات حياة من سكن أو تعليم .... إلخ ، وهو ما يستغرق شطرا من العمر يطول يقدره بعض المفكرين في مجتمع ديمقراطي ليبرالي كالمجتمع الأمريكي يُقَدِّرُهُ بِنَحْوِ عشرين عاما لسداد أقساط التعليم فقط ! ، فإذا تخرج في العشرين فهو أسير دين يستغرق مرحلة العمل والإنتاج كلها ، من العشرين إلى الأربعين ، فالرأسمالية تَسْتَرِقُّهُ وَتَسْتَنْزِفُ جهده وإنتاجه بما تُقْرِضُهُ ابْتِدَاءً لِيَتَعَلَّمَ ، ولا يَتَعَلَّمُ إلا ما تريده أن يتعلم بما يخدم مصالحها فاحتياجات السوق هي ما يحدد معيار التعليم ، والنخبة هي من يحدد احتياجات السوق ، فهي بطريقة المنطق في المقدمات والنتائج هي من يحدد معيار التعليم بما تفرض من قوانين السوق وما تملك من أدوات الدعاية والإعلام التي تنشر في المجتمع ثقافة استهلاك تواطئ أدوات الإنتاج التي تحتكرها ، وَتَنْشُرُ في دوائر صُنْعِ القرار ما يحمل الساسة على تَبَنِّي خيارات استراتيجية في البحث والتصنيع تصب في قناتها فهي من يمول مراكز صنع القرار ، ومراكز البحث والاستشارات السياسية والاقتصادية ، وحملات الترشح والانتخاب السياسي ، وهي من يملك أدوات الإنتاج التي تَتَأَوَّلُ مخرجات ما تَقَدَّمَ من الرأي والبحث والسياسة والحكم ، فعندها من أدوات التحكم الناعمة ما تَصُوغُ بِهِ عقد الاجتماع والسياسة وثقافة الاستهلاك .... إلخ ، وهو ما ينعكس ضرورة على مناهج التعليم فمعيار كفاءتها في الأنظمة الرأسمالية المتخلفة ! الرأسمالية الطفيلية في الأطراف ، معيار كفاءتها الولاء التام للسلطة ولاء مباشرا يَتَّسِمُ بالفجاجة التي تَسْتَنْكِفُهَا النفوس بما جبلت عليه من نُفُورٍ من التحكم والاستبداد وإن بَلَغَتْ مِنَ الذُّلِّ والضعفِ ما بَلَغَتْ ، مع الحفاظ على مصالح النخبة فإنها في الأطراف المتخلفة لا تملك من قواعد الإنتاج ذات التقنية المعقدة ما يلجئها أن تنهض بالمناهج ، ولو نهضة في الآليات لا في الأفكار فهي أبدا خادمة للسلطة إن في الأطراف أو في المركز ، وإنما الخلاف فقط في الآليات ، ففي الأطراف رأسُماليةٍ طفيليةٌ لا تحتاج إنفاقا في التحديث والتقنية فهي تحقق أرباحها بأنماط من الاستثمار السريع الذي لا يفتقر إلى جهد ولا مهارة فما حاجتها أَنْ تُطَوِّرَ مناهج التعليم بما يخدم قواعد الإنتاج وهي ابتداء لا تُنْتِجُ ! ، فكيف تدرس ما لا تملك أدواته في الخارج فتكون الدراسة نظرية لا تجدي ! ، فلا تستطيع ذلك ولا تريده ابتداء فالإنتاج مُكَلِّفٌ ولرءوس الأموال الطفيلية ! يَسْتَنْزِفُ فهو من جنس المشقة التي ذكرها أبو الطيب في بيته المشهور :
لَوْلا المَشَقّةُ سَادَ النّاسُ كُلُّهُمُ ***** الجُودُ يُفْقِرُ وَالإقدامُ قَتّالُ .
فالجود يفقر ، ولو لأجل المصلحة لا المبدأ ، وصاحب المشروع ، ولو سياسيا براجماتيا إن علت همته فطلب الرياسة ، رياسة الدنيا ، لا رياسة قومه ، كما أُثِرَ عن هند إذ رأى رجل ابْنَهَا معاوية فَتَوَسَّمَ فيه أن يسود قومه ، فدعت هند أن تَثْكَلَهُ إن لم يملك الدنيا كلها ، و :
عَلى قَدرِ أَهلِ العَزمِ تَأتي العَزائِمُ ******* وَتَأتي عَلى قَدرِ الكِرامِ المَكارِمُ .
فصاحب المشروع لا بد أن ينهض بالتعليم ، ولو في جوانبه الفنية ليكون له من قاعدة الإنتاج زراعة وصناعة ما به يكتفي فهل رأيت سيدا يَتَسَوَّلُ طعامه ودواءه ؟! ، فضلا عن سلاحه الذي به يحوط ملكه ويغزو خصمه .
فمناهج التعليم في المثال الرأسمالي الإنتاجي تواطئ مصالحه فلا بد أن يكون العنصر العامل مؤهلا ، ومناهج التعليم في المثال الرأسمالي الطفيلي تواطئ مصالحه فلا بد أن يكون العنصر العامل مُغَفَّلًا ! ، لا سيما في أعصار الانفتاح العشوائي الذي تحكمه قاعدة الفهلوة ، كما يقال في مصر ، أو ذكاء الشوارع ! ، كما يسميه بعض الباحثين ، وهو الذكاء الغالب في القيادات المستبِدَّةِ في الأطراف ، وذلك ما تشكو منه أمريكا الآن فقد انتقلت إليها العدوى التي تَجَسَّدَتْ في سمسار العقارات ، التاجر الفهلوي ، الرئيس ترامب ! ، أو يُقَالُ في هذا الشأن إن الاستبداد ، كما تقدم ، جادة واحدة من سلكها بَلَغَ غاية واحدة ولا يسلكها إلا إنسان ذو خلائق قياسية ! ، منها ضيق الأفق وانعدام الرؤية الاستراتيجية وإن كان ثم مهارة في اقتناص الفرص الآنية في تجارة أو سياسة ، فليس رجل دولة ، لا بالمعيار السياسي الرسالي ، ولا بآخر سياسي براجماتي ، وإنما هُوَ رَجُلُ صفقة أو رجل سلطة وشتان الدولة والسلطة ، فالدولة تفتقر إلى ذكاء استراتيجي طويل المدى والسلطة صفقة فهي لحظة يستثمرها التاجر في تحقيق ربح كبير بجهد قليل دون قيمة مضافة لا مادية ولا معنوية إلا ما يدخل جيبه من الأوراق النقدية ، وهي إن تحولت إلى صفقة فهي تَسْتَنِدُ إلى جملة من التحالفات التكتيكية المؤقتة تعتمد ما تقدم من ذكاء الشوارع قصير النظر والمدى فَتَحَالَفِ اليوم مع قَبِيلٍ زيدٍ لتضرب قَبِيلَ عمرو ، فإذا ضربته فاضرب زيدا الذي تخالفت معه أولا فلم يكن التحالف إلا مصلحة انْقَضَتْ ، فصار عَبِئًا عليك ، وهكذا دواليك ، فمن تحالف إلى آخر قد قَصُرَتْ رؤيته إلا أن يحتفظ صاحبه بالسلطة أطول وقت ممكن ، الرئيس ترامب مثالا وقد صار مُنْتَهَى سؤله الآن أن يَنَالَ فَتْرَةً ثانية لينجو من الملاحقات القضائية على خلفية قضايا فساد لا تنتهي ! ، فالسلطة قد أصبحت هي الغاية وإن لم يكن ثم إنجاز ولا قيمة مضافة لا مادية ولا معنوية ، بل ليس إلا القيمة السالبة خصما من الأخلاق ونقصا في الأحوال .
فَتَاجِرُ السياسة الفهلوي يستثمر في لقطة خاطفة تَتَّسِمُ بالاضطراب والهيجان ، الشعبوية مثالا ، فهي سكرة يَتَّسِمُ خطابها بالعنصرية والمزايدة فَيُحْسِنُ يُوَظِّفُهَا من يُزَايِدُ في الخطاب أكثر فهو يمارس التحريض الغرائزي انطلاقا من بواعث الخوف والجشع ..... إلخ ، ولكلِّ أحدٍ من ذلك مدخل ، فَثَمَّ من يخوف بالآخر الذي يُغَايِرُهُ العنصرَ أو اللون ، وَثَمَّ مَنْ يُخَوِّفُ به فَهُوَ مَنْ يَأْخُذُ رِزْقَهُ وَيُنَازِعُهُ فُرَصَ العمل وهي في المجتمع الرأسمالي الشرس فُرَصُ الحياة فلا تَرْحَمُ الرأسمالية أحدا ، لا العامل ولا القاعد ! ، فالعامل يأكل بقدر ما يعمل ، والقاعد ، ولو عذرا أو كرها ، لا يجد من يكفل إلا لِمَامًا لا سيما والرأسمالية الليبرالية تخفف الأعباء ، أعباء السلطة ، فليست مسئولة عن المجتمع إلا إدارةً للشأن العام إدارةَ الشركة أو الاستثمار الذي يَرُومُ الربح الذي يصب في قناة النخبة التي جاءت بهذه السلطة ، فالمجتمع موافقا أو معارضا ، المجتمع كله محاصر من جميع الجوانب ! ، ودعاية الخوف والجشع ، الخوف من الآخر ، وهو ما ينعكس على الثقافة العامة ، كما يضرب بعض المفكرين المثل بصورة أخرى من صور التمييز استنادا إلى العنصر واللون ، فالسود في أمريكا 13% ، وتمثيلهم في السجون ! يجاوز 50% فلا تمثيل له يَعْدِلُ في السياسة أو الاقتصاد أو الاجتماع أو الثروة ، وإنما يزيد تمثيلهم فقط في المؤسسات العقابية ! ، وذلك إفراز لثقافة عنصرية تجعل الرجل الأبيض ، مركز الهوية والسلطة والثروة في المجتمع الأمريكي ، تجعله يَرَى غَيْرَهُ لا سيما الأسود عدوا ناجزا ، فهو متهم حتى تثبت براءته ، فالأصل اشتغال ذمته بما يسوء ، فذلك وصف السود في المجتمع الأمريكي الأبيض ذي الثقافة العنصرية المتجذرة ، فإذا عمل الأمريكي الأبيض في مؤسسة أمنية ، فالعقل الجمعي يَسْتَدْعِي فَوْرًا العدو الاستراتيجي الأول وهو اللون الأسود ! ، فذلك نِتَاجٌ مُتَرَاكِمٌ في الذاكرة من ثقافة تميز الناس استنادا إلى معايير الحس ، وذلك ما برئت منه الرسالة ، فكان سببا رَئِيسًا أَنْ تُنَاجَزَ بالعداوة لأنها تهدد مصالح هذه النخب الحاكمة ، وذلك أمر يتكرر في الأطراف ، وإن كان المثال أسوأ ، فالأصل واحد ، مصر الآن مثالا فَثَمَّ نخبة حاكمة ترى ثقافة مخصوصة هي الخصم الأيديولوجي وهي ثقافة الرسالة إذ تهدد ، كما تقدم ، مصالح أي نخبة رأسمالية مركزية ، سواء أكانت إنتاجية أم طفيلية ، وإنما تفحش الصورة في الأمثلة الطفيلية ، ففي مصر تستهدف السلطة فكرةً وتستهدف مَنْ ينتمي إليها ، أيا كانت درجة الانتماء وإن تَعَاطُفًا من بعيد ، فلكلٍّ حظه من التنكيل ، وهو ما ينعكس ، أيضا ، على نسبة التمثيل ، فهي في السجون أضعاف ما هي على الأرض ، فلو فرض أن الفكرة تحظى بنسبة تمثيل في المجتمع تعدل 10% أو أكثر ، فنسبتها في السجون أعلى بكثير ، لا سيما التمثيل الذي يَسْتَنِدُ على قاعدة الخصومة الأيديولوجية والسياسية ، فَثَمَّ عقل جمعي آخر قد نجحت السلطة في صناعته في دوائر الولاء المطلق ، لا سيما الدوائر الأمنية الصلبة التي منحتها حصانة قانونية وأطلقت يدها في الإجراءات التنفيذية فإذا رأت من تظهر عليه أمارات الانتماء إلى الخصم فهي تَتَحَفَّزُ وَتَتَرَصَّدُ ويدها على السلاح فضلا عن القمع والازدراء .... إلخ ، فتلك عقلية تضاهي عقلية المسئول التنفيذي الأبيض في أمريكا إذا رأى الآخر الأسود ، فالنظرية ، كما تقدم مرارا ، واحدة وإن اختلفت مُثُلُهَا في الخارج ، ولا بد أَنْ يَكُونَ فِي مركز هذه النظرية رجلٌ ذَكِيٌّ ، ولكن ذكاءه ، كما تقدم ، من النوع الشعبوي الذي يحسن يخاطب غرائز الجمهور الذي تعجبه المزايدات السياسية والعسكرية ولو عنتريات فارغة لا يملك صاحبها رؤية استراتيجية كاملة وإنما قرارات مفاجئة يَقْفِزُ بها هاربا من الواقع الذي يُدِينُهُ فَلَا بُدَّ من نَقْلِ الخطاب إلى موضع آخر يعزز الشرعية الأخلاقية ، فهو يكافح أعداء الأمة الأمريكية ، وهو يروم لها السيادة انطلاقا من قاعدة عنصرية تُفَرِّقُ ولا تجمع ، فهي تحدث في المجتمع انشقاقا وتصدعا يخدم السلطة إذ يمنحها مادة التهييج والتحشيد بما يواطئ مصالحها إن في الداخل أو في الخارج ، فأعداء الأمة الأمريكية منهم أعداء الداخل من اليسار الراديكالي المتطرف ، ومنهم أعداء الخارج إن في الأيديولوجيا : الإرهاب الإسلامي الراديكالي أيضا ، أو في الاقتصاد الصين والاتحاد الأوروبي ، أو في مسائل الهجرة لا سيما اللاتينية فهي الأقرب ، ونسبة اللاتين في المجتمع الأمريكي ، كما يحكي بعض الباحثين ، قد بلغت 17% ، وهي نسبة أكبر من نسبة السود ، وإن كان أصحابها أقرب في اللون إلى اللون الأمريكي الأبيض ، فلا يخلو الوافد اللاتيني من خروج على محددات الهوية الأمريكية فلا هو أنجلوساكسوني أبيض ، ولا هو بروتستانتي في المذهب ، فهو ، أيضا ، عدو يشاطرنا في الداخل ويجاورنا على الحدود جنوبا .
فلا يمكن لهذا الطرح أَنْ يَرُوجَ إلا إذا كان المجتمع بدائيا متخلفا وإن كان في الظاهر مُتَعَلِّمًا فلا يجاوز تعليمه ما يخدم السلطة في صناعة الكادر المؤهل لدخول سوق الإنتاج ، فَتُسَلَّطُ عليه آلة الدعاية والإعلام لحشد غرائزه العدوانية ضد أعداء الوطن في الداخل وفي الخارج ! إذا أحست النخبة الرأسمالية أن ثم تغييرا كبيرا يهدد مصالحها الاستراتيجية على وجه قد يلجئها أن تقدم تنازلات مؤثرة تخصم قسطا كبيرا من حصتها في السلطة والثروة ، فهي آنذاك تحشد قوتها الناعمة أو الصلبة أو كلاهما معا ، فالقوة الناعمة تمهد لنظيرتها الصلبة ، وإن كان ذلك في الأطراف المتخلفة أظهر ! ، فالقوة الناعمة تلعب دورا رئيسا في التحشيد بما تمارس من التهييج لغرائز العنصرية على اختلاف أنواعها في الخارج ، فَقَدْ تَكُونُ عُنْصُرِيَّةَ اللون والعرق والمذهب كما الحال في أمريكا ، وقد تكون عنصريةَ نخبةٍ تحكم ونسبتها إلى المجتمع تَثْبُتُ وإن في أصل المولد والنشأة ، ولكنها قد احتكرت من السلطة والثروة حصة عظمى لا تعدل نسبة تمثيلها في الخارج ، ولا تَعْدِل قِيمَةً مضافة تَمْنَحُهَا هذه النخبة للمجتمع ، بل هي كأي نخبة رأسمالية ليبرالية تستنزف جهد المجتمع وثروته بما يعزز مكاسبها مع احتكارها أدوات السلطة بجميع أنواعها ، فقيمتها في المجتمع قيمة سالبة ، وهي مع ذلك قد استأثرت بحصة عظمى من السلطة والثروة ، وذلك ما يجعلها تَتَحَوَّلُ شَيْئًا فَشَيْئًا إلى نخبة مُنْعَزِلَةٍ تشعر بالغربة والوحشة ، ولا تأمن على مصالحها إلا أن تحكم السيطرة على المجتمع بما تقدم من أدوات القوة الناعمة والصلبة فهي تصنع البيئة الاستراتيجية التي تلائم خطابها ، خطاب التفريق الذي يجعل المجتمع شيعا ، وهو ، من وجه آخر ، خطاب جامع ! إذ يجمع بَيْنَ التحشيد للموافق والتخوين للمخالف ، وهو خطاب العاطفة بلا عقل ، فَغَرِيزَةٌ تُهَيَّجُ كما غَرَائِزُ الحس ، بل أثرها أسوأ من آثار الغريزة الجسدية ، فالغريزة النفسانية تصنع رَأْيًا عاما مُغَيَّبًا وهو قطيع كبير من العقول الساذجة التي يسهل تَوْجِيهُهَا بما يواطئ مصالح النخبة ، وذلك مثال لا يكتمل إلا إذا تصدر مشهد السياسة رجل ذكي ، ولكن ذكاءه ، كما تقدم ، غير استراتيجي فلا يجاوز حد الذكاء التكتيكي في مشهد انتخابي أو آخر اقتصادي استنادا إلى ثقافة الفهلوة التي تجيد التلاعب بجميع الأوراق ، الرئيس ترامب مثالا قياسيا في المركز فليس تاريخه في الإعلام والفن والمصارعة والمضاربة العقارية ، ليس تاريخه بداهة تاريخ رجل ذي استراتيجية ورؤية ، وإنما هو رجل اللَّقْطَةِ الآنية التي تحقق الكسب العاجل فأجاد التمثيل لمصالح النخبة الرأسمالية الليبرالية ، واستثمر في المشاعر اليمينية العنصرية ذات الطابع الشعبوي وهي ثقافة راسخة في الوجدان الأمريكي مهما تقدمت به الحضارة والمدنية فضلا أنه شعور التفوق والاستعلاء على الآخر وذلك ما يميز هذا المثال ، ذكاء الشوارع ، فصاحبه يظن أنه أذكى رجل في العالم وأنه يفقه من بَوَاطِنُ الأمور ما لا يفقه غيره وإن كانوا أهل الفن والاختصاص ، فعنده من العلوم الوهبية ما لا يكتسب ، فهي تضاهي علوم النبوة ! التي فُهِّمَهَا كما فُهِّمَهَا سليمان عليه السلام ، وقد أَجَادَ الرئيس ترامب توظيف ما بيده من أوراق ، فهو يستثمر في ورقة الدين ، أيضا ، وهو ، كما يقول بعض الباحثين ، استثمار قياسي يَلْجَأُ إليه المستبد إذا ضافت الدوائر فَيَخْرُجُ إلى دائرة القيم والمبادئ ولو كرها ! ، فَيَتَظَاهَرُ بِالْوَرَعِ وإن كان غير متدين بل هو بمعيار من يؤيده من النخبة الأنجليكانية رجل فاسد ، ولكنه يحقق لها ما تروم من مصالح فهي ، أيضا ، براجماتية ، وهو يستثمر في النخبة العسكرية وإن وَرَّطَهَا في مشاهد سياسية غير مألوفة في المجتمع الأمريكي ، كما كان في مشهد الصورة أمام الكنيسة فقد استدعى إليه رجالات الدفاع وجنرالات الحرب ، فخدعهم خدعة كبرى سارع بعضهم أن يَتَبَرَّأَ منها ، فسياسته تقوم على إقحام المجتمع كله في صراع أيديولوجي تارة ، واقتصادي أخرى ، وأمني ثالثة ..... إلخ ، فتلك صفقة الرجل الأناني الجشع ، لا سيما إن كان من رجالات المضاربة في العقارات فهو سمسار يروم الربح السريع الساخن دون قيمة مضافة للمجتمع لا مادية ولا معنوية فالاستثمار العقاري وما يضاهيه من الاقتصادات سريعة الربح ، ذلك الاقتصاد لا يضيف قيمة إلى الاقتصاد فليس مبدعا ولا منتجا وأرباحه تقتصر على دوائر صغيرة من المجتمع فليس رجلَ نَفْعٍ عام وإنما نفعه يقتصر على الذات ، وذلك هو الرجل الليبرالي القياسي الذي يقدم مصلحته الخاصة في مشهدٍ جُزْئِيٍّ على المصلحة العامة في مشهد كُلِّيٍّ ، فذكاؤه المحدود لا يجاوز حد اللحظة ، فلا رؤية له يدير بها استراتيجية متكاملة ، وإنما ذكاؤه ، كما تقدم ، ذكاء الشارع الذي يجيد الاستثمار في مشاهد آنية تضاهي التكتيكات الجزئية فغايتها تحقيق مصلحة عاجلة صغيرة لا قيمة لها إن لم تندرج في استراتيجية ذات رؤية بعيدة المدى وذلك ، بداهة ، ما لا ينطبق على الرئيس ترامب ولا على أتباعه في الأطراف من باب أولى فالحال أسوأ ، وإن كان أصل النظرية واحدا فالأمثلة في الخارج تَتَفَاوَتُ ، وذلك ما يحسم حيرة العقل واضطراب الرأي في تقييم هذا المثال من البشر فَتَارَةً يُرَجِّحُ الناظر أنه ذكي يجيد التلاعب بالآخرين ويحسن يدير المشهد بما يواطئ غرضه وأخرى يرجح الناظر أنه غبي ساذج لا يحسن يصوغ عبارة مُفْهِمَةً ، فَأَيُّ الرجلين هو ؟! ، والإشكال يَزُولُ إذ الجهة ، كما يقول أهل الأصول ، مُنْفَكَّةٌ ، فهو ذكي ذكاء الشوارع في المشاهد التكتيكية التي تظهر أرباحها بسرعة ، وهو غبي إذا كان الأمر استراتيجيةً بعيدةَ المدى ذات أهداف عظمى سواء أكانت أخلاقية أم براجماتية .

والذكاء عند التدبر والنظر جنس عام كسائر المعاني التي يجردها الذهن ، فَتَحْتَهُ أنواع وآحاد ، وهو مما يدخل في حد القوة والفعل ، كما يقول النظار ، فثم ذكاء القوة وهي ما رُكِزَ فِي كُلِّ أَحَدٍ من قوة التعقل والتدبر ، وذلك ما لا يجاوز الذات إلى الخارج ، وهو مما يظهر فيه الوهب ، وهب الله ، جل وعلا ، الْمَلَكَةَ والغريزة ، فالعقل من جملة الْغَرَائِزِ التي رُكِزَتْ في الإنسان وبه أنيط التكليف بالأديان ، والخلق فيه على أنحاء ، ولا يخلو من الكسب بما يكون من الدربة والصقل ، فيشبه ، من وجه ، جوارح الحس ، فإنها تعظم بالدربة ، فثم وهب الجارحة عضوا وَعَضَلًا ، ووهب الصحة حركة وبطشا ، وثم دربة تزيد بما يكون من التربية والتدريب ، وبه تَتَحَوَّلُ من القوة إلى الفعل في الخارج فيكتسب الإنسان بها الأفعال ، ويكون التفاوت بما تُقَارِفُ مِنْ خير أو شر ، فـ : "الْيَدَانِ تَزْنِيَانِ وَزِنَاهَا الْبَطْشُ ..... وَيُصَدِّقُ ذَلِكَ الْفَرْجُ أَوْ يُكَذِّبُهُ" ، فكان من الفعل ما هو محل الذم إذ المس والبطش لما حرم يجري مجرى الزنى المحرم ، ولو من باب الوسائل ، فلا يُحَدُّ صاحبه بداهةً حد الزنى ! وإنما أَطْلَقَ الغايةَ وأرادَ الوسيلة ، ونهى عنها سدا للذريعة وهو ما حسن معه التنفير بإطلاق المسبَّب الذي يقبح في كل عقل صَحَّ وطبع سَلِمَ من الآفات والعوارض التي تُبَدِّلُ الفطرة والدين ، فالفطرة دين الجبلة الذي رُكِزَ فِي كُلِّ نَفْسٍ وإنما امتاز الخلق بالفعل والتَّرْكِ ، كما الذكاء ، محل الشاهد ، فَثَمَّ ذكاء القوة الذي رُكِزَ فِي كُلِّ أَحَدٍ ، وثم ذكاء الفعل الذي تظهر آثاره في الخارج ، كما قد قِيلَ ، أيضا ، في باب المعاني والمعقولات ، ففلان شاعر بالقوة وفلان شاعر بالفعل ، فالأول مما عم فاستغرق من قال الشعر فَتَأَوَّلَ هذه القوة في الخارج أَبْيَاتًا وَقَصَائِدَ ، ومن لم يقل فالمعاني تجول بخاطره ولكنه لا يحسن ما أحسن الأول من نَظْمِ الْقَوَافِي ، فليس ذلك إلا للشاعر قوةً وفعلًا ، فهو أخص من الشاعر قوةً بِلَا فِعْلٍ ، وعلى هذا فَقِسْ ، فَثَمَّ في باب الأفكار من هو ذكي بالقوة ، وثم من تأول هذه القوة في الخارج فَاسْتَنْبَطَ بهذا العقل من المعاني ما يَدْخُلُ فِي بَابِ الفعل ، فالقوة أولا ، والفعل ثَانِيًا ، فلا يكون فِعْلُ الجارحة إلا وثم قُوَّةٌ أولى تطيق الفعل وإنما امتاز الخلق أَنْ تَأَوَّلَهَا بَعْضٌ فَأَخْرَجَهَا من القوة إلى الفعل وَعَطَّلَهَا بَعْضٌ فلا تظهر لها في الخارج آثار تحمد .
وثم ، كما يقول بعض المحققين ، ثم قيادة في الخارج تملك من الأفكار ما يجري مجرى التأصيل ، فهي تجرد المعاني وتحسن صياغتها في عناوين قياسية ، ولكنها لا تملك القوة التي بها تَتَأَوَّلُ هذه المعاني فَتُحْدِثُ في الخارج تَغْيِيرًا نَوْعِيًّا ، وتلك في الغالب مما لا يَخْشَى الخصم ابتداء وإن توجس من الكلمة ، فالحرب مبدؤها كلام ، ولكنه لا يسارع بالبطش إن كان ذا قوة وسلطان ما لم تَتَحَرَّكِ الأفكار فَتُغَادِرَ حيز التأصيل إلى حيز التطبيق ، لا سيما إن كان ثم قوة تَغْيِيرٍ ، فنجحت الفكرة أن تصنع الحشد فهو الذي يتـأولها في الخارج ، كما حد بعض الفضلاء ، الثورة أنها صناعة حشد يَتَرَاكَمُ ، وهو ، مع ذلك ، يحتاج إلى موهبة القائد الذي يحسن يُوَظِّفُ هذه القوة فلا تذهب سدى بلا إنجاز وقيمة تُضَافُ ، بل قد تكون عِبْئًا إن لم يحسن الاستثمار ، وكم من جموع صدقت في العزم وكان لها من قوة الحشد ما لا يَتَكَرَّرُ في الجيل إلا مرة ، كما نُقِلَ عن ابن خلدون فالجيل أربعون سنة فمن فاتته لحظة الحشد فلم يستثمرها فقد لا تَأْتِي في جِيلِهِ مَرَّةَ أخرى ، خلاف من تَوَهَّمَ أن الحشد يُدْعَى فَيُسْتَدْعَى إلى الميادين ! ، فهو تحت الطلب أبدا ، فذلك قصور في النظر ، ولحظات الفصل ، كما يقول بعض أهل الفضل ، مما يَنْدُرُ في حياة الشعوب والأمم ، فإن لم يُتَدَارَكْ بفكرة راشدة وقيادة فاعلة تحسن التخطيط وهو أول ، فمن الذكاء ، أيضا ، ذكاء التخطيط الذي يكون على أنحاء ، فَثَمَّ خطوط عريضة تُبِينُ عن مراحل تقطعها الفكرة حتى تخرج من العدم إلى الوجود فَتَصِيرَ حركة فاعلة في الجمهور ، فَثَمَّ الجمع والاستقراء وهو ما يستوجب حاسة ثاقبة تحسن الرصد وحافظة واعية تحسن الجمع ، فالحفظ ، وإن لم يجاوز حد الاستقراء والجمع دون قيمةٍ مضافة في التحليل والاستنباط ، الحفظ في نفسه جنس من أجناس الذكاء ، وهو ، أيضا ، من المواهب والملكات التي يَتَفَاوَتُ فِيهَا الخلق ، فَرُزِقَ فُلَانٌ حافظة قوية لا تَنْسَى إلا هنات لا يسلم منها بشر إلا من عُصِمَ ، بل الأنبياء ، عليهم السلام ، لم يعصموا من النسيان في أمور الدنيا فعصمتهم من النسيان عصمة البلاغ والبيان لما تحملوا من الأخبار والأحكام ، فكيف بمن دونهم وإن بَلَغَ مِنْ قُوَّةِ الحفظ ما به مضرب المثل ، فالحفظ المجرد في نفسه ملكةٌ وَهِبَةٌ تَدْخُلُ فِي حَدِّ الذكاء وإن جمعا واستقراء لظاهرة في الخارج ، اجتماعية أو سياسية ..... إلخ ، فلا بد من جمع المعلومات وذلك أمر تَرْصُدُ له الدول ما تَرْصُدُ من الموازنات وَتُنْشِئُ ما تُنْشِئُ من الأجهزة والمراكز ، وَتُطَوِّرُ مَا تُطَوِّرُ من برامج البحث والرصد والمراقبة وَتُدَرِّبُ مَا تُدَرِّبُ من الكوادر على خلاف في المستوى ، فَثَمَّ مستويات بدائية تُثِيرُ السخرية والتهكم ، شخصية المخبِر في أعمال الدراما ولها في الخارج ما يصدقها على ما يكون من مبالغة في الدراما فَثَمَّ من دول العالم المتخلف ! من اقتصر استثماره في العنصر البشري على هذا المثال الكوميدي ، فالرصد عنده لا يجاوز التَّتَبُّعَ الجسدي ، وَإِنِ افْتُضِحَ أمرُه فَعَلِمَ حقيقته كُلُّ مَنْ حوله ! ، وثم من جاوز ذلك فهو يحسن التَّتَبُّعَ والرصد عن بعد بما طور من أدوات البحث والمراقبة ، فكل أولئك مما تَتَفَاوَتُ فيه العقول ، إن خيرا أو شرا ، فهي كالملكة التي يُسَدَّدُ صاحبها فيستخدمها في خير أو يخذل فلا يُرْزَقُ السداد إلى الخير .
وبعد الجمع ، جمع المعلومات ، ثم ذكاء التحليل ، وهو ، أيضا ، مما تَتَفَاوَتُ في العقول ، ولا يخلو من وهب بما ركز في العقل من خاصة النظر والتدبر ، وكسب بما يحصل من أدوات التحليل ، فيحسن حكاية المشهد بما جمع من أجزاء الصورة وبما رَتَّبَ من الأفكار ، وذلك ما يَنْتَقِلُ به إلى مستوى ثالث وهو ذكاء الاستنباط الذي به تحصل الثمرة ، وهي القيمة المضافة في باب الأفكار ، فَثَمَّ مُخْرَجٌ جديد ، قد استفاد من الخامات فأحسن معالجتها ، كما الحال في قاعدة الإنتاج المادي ، فلا تخلو عملية الإنتاج من خام وهو المدخَلات ، ومعالجةٍ بأدوات تحويلية تَتَفَاوَتُ تَبَعًا لجودة الآلة ، ومخرَجات ذات قيمة مضافة ، فالمشتري يدفع ثمن الفكرة وثمن الجهد الذي خَرَجَتْ به من القوة إلى الفعل ، فصارت سلعة أو خدمة في الخارج يَنْتَفِعُ بها الخلق .
وذلك ما يجري في الأفكار كما الأشياء ، واضرب له المثل بما يكون من اجتهاد النظار في استنباط الأحكام الدينية أو التجريبية ، فلا بد من نص في الأصول ، فيجتهد الناظر أن يجمع طرق الباب ، وبها تحصل الفائدة في المتن والإسناد ، كما في قول مأثور عن بعض أئمة الرواية فالباب إذا تجمع طرقه لم يَسْتَبِنْ خطؤه ، فلا يسلم الخبر للناقد إلا أَنْ يَسْتَقْرِئَ طُرُقَهُ ومخارجه وَيُعَارِضَ بَعْضًا بِبَعْضٍ ، فَيَتَبَيَّنَ الصحيح من الضعيف ، وكذا الحال في المتن وهو حكاية النص المنقول فَثَمَّ من الزيادات ما يُقْبَلُ وثم ما يُرَدُّ ولكلٍّ معيارٌ وَحَدٌّ ، فالزيادة إن صحت فهي قيمة مضافة يَنْتَفِعُ بها الرَّاوِي ومن بَعْدَهُ ، فـ : "رُبَّ حامل فِقْه إلى مَن هو أفقه منه ، ورُبَّ حامل فِقْه لا فِقْهَ له" .
فلا يخلو الجميع أن يدخل في حد الذكاء : ذكاء الحافظة الواعية التي تختزن المعلومات وتحسن حكايتها بلا زيادة ولا نقصان ، وبعده يكون الفقه وهو يشبه عمل الآلة التي تحول الخام إلى سلعة أو خدمة ، فالفقه فهم يدق يجاوز حد الفهم المجرد ، وله أدوات يجتهد الفقيه في تحصيلها من دلالات الألفاظ ووجوه الجمع والترجيح ..... إلخ ، ومن ثم يكون المخرج النهائي وهو الحكم ، فذلك ذكاء الاستنباط الذي يُكْمِلُ ما قبله من ذكاء الجمع وذكاء الفهم ، ذكاءِ الحفظ وذكاء التحليل ، فثالثهما في الخارج : ذكاء الاستنباط .

وكل أولئك لا يجاوز مرحلة التخطيط ، فلم يخرج بَعْدُ من القوة إلى الفعل ، فَثَمَّ مرحلةٌ أخرى وهي نوع من الذكاء يُتَمِّمُ ، وهو ما يَفْتَقِرُ إلى القائد الذي يُوَجِّهُ والفاعل الذي يُنَفِّذُ ، فذلك ذكاء التنفيذ على الأرض وبه تتحول الفكرة إلى حركة ، وذلك ما يخشى الخصم ! ، فهو الخط الأحمر لا جرم كانت عنايته أن يستأصل أي قيادة تجاوز بالفكرة حد التأصيل فهي ساعية في التغيير لا عازمة عَزْمَ القصد ، وهو ما لا غنى عنه ابتداء فالعزم أول فهو الباعث في النفس أَنْ تَتَحَرَّكَ ، فلا بد لها من التصور قبل الحكم ، والإرادة قبل الفعل ، ولكنه لا يجزئ في خروج الفكرة من حيز التصور إلى حيز الحكم ، فذلك ما يفتقر إلى قوة في الخارج ، قوة الحشد في التغيير السياسي والميداني مثالا ، ولا تجدي هذه القوة نَفْعًا إن لم يكن ثَمَّ قيادة تُوَجِّهُ وَتَنْصَحُ فَلَهَا من الذكاء نوع آخر يندرج في قسمة أخرى ، فثم ذكاء استراتيجي ذو رؤية تجاوز المشهد ، فيحسن تحويل الطاقة على الأرض إلى حركة فاعلة تُثْمِرُ فلا تَضِيعُ سدى ، فمهما بلغت القوة على الأرض فإنها لا تجدي شيئا ما لم يكن ثم عقلٌ يُوَجِّهُ ، وإلا فالطفل الصغير ، بما له من عَقْلٍ ، يقود الناقة وهي تَفْضُلُهُ في الصورة والقوة أضعافا مضاعفة فَبِمَ انقادت إليه إلا بما عَقِلَ من قيادها وأمسك من زمامها ؟! ، وتأويله ما قال أبو الطيب في حكمته المأثورة ، فـ :
لَوْلاَ العُقُولُ لَكَانَ أَدْنَى ضَيْغَمٍ ****** أَدْنَى إِلى شَرَفٍ مِنَ الإنْسَانِ .
وفي مقابل الذكاء الاستراتيجي ذي الرؤية ، ثم آخر تكتيكي لا يجاوز اللحظة ، ومنه ما يحمد إذا كان ثم استراتيجية جامعة تَنْتَظِمُ التكتيكات فَتَبْلُغُ بها النهايات فلا تقتصر على نجاحات جزئية وإنما تضم بعضا إلى بعض ، فالنجاحات الكلية ، كما يقول بعض الباحثين ، مجموع مركب من نجاحات جزئية تَتَرَاكَمُ وإنما السيل اجتماع النقط والألف ميل تبدأ بخطوة كما في المثل .
ومنه ما يذم إذا اقْتَصَرَ صاحبه على نجاح اللحظة دون رؤية تجاوزها ، وهو أمر يَغْلِبُ على ذكاء الشوارع ، الرئيس ترامب في المركز وأبناؤه في الأطراف مثالا تَقَدَّمَ ، وهو ، كما يقول بعض الباحثين ، وصف رَئِيسٌ من أوصاف الشخصية السيكوباتية أو العدوانية فلا يجاوز نظرها اللحظة الآنية فمثلها كمن تُهَيِّجُهُ غَرِيزَةُ الحس فلا يَرَى ما بعدها من عواقب ، وإنما تغلب سكرتُه فكرتَه ، فذلك إن استخدم ذكاءه فلا يجاوز المشهد الحاضر فيحسن يتخلص من المآزق بما يعقد من تحالفات تكتيكية تفتقر إلى الاستراتيجية ، فهو رجل اللحظة بلا فكرة تجاوزها ، الرئيس ترامب مثالا فلا رؤيةَ له تجاوز الانتخابات القادمة في نوفمبر فلا يعنيه إلا أن يفوز لينجو من الملاحقة القضائية ! ، فَلَيْسَ ، بداهة ، رجل دولة بالمعنى السياسي الأخلاقي أو البراجماتي ، فهو ، كما تقدم ، رجل صفقة لا يجاوز طموحه البقاء في السلطة ، وهو أداةُ تَنْفِيذٍ لِمَنْ وراءَه من جماعات الضغط والتخطيط التي دَفَعَتْ به إلى مسرح السياسة لِيُنَفِّذَ ما خَطَّطَتْ ، فَهِيَ العقل الذي يُدَبِّرُ وهو الجارحة التي تَفْعَلُ لا أكثر ، وإن كان لها ذكاء فهو في التنفيذ لا في التخطيط فلا يجاوز حد التكتيك .
وثم أنواع أخرى من الذكاء ، فذكاء الأفاضل وهو الذكاء الأكاديمي يقابل ذكاء الشوارع ، فقد يكون الشخص ذكيا نابها في البحث الأكاديمي ولكنه لا يملك خبرة الشارع ، خبرة الصايع ! كما يقال في مصر ، فلا يحسن أن يَتَصَدَّرَ في الخارج إذ لا يملك خبرة التَّعَاطِي مع الأحداث الجزئية على الأرض وإن كان له قدرة على التحليل والبحث وإبداء الرأي فلا يحسن أن يجاوز حد المشورة والنصح ، فهو مستشار ناصح ولكنه لَيْسَ القائد النافذ الذي يحسن يُنَاوِرُ وَيُفَاوِضُ ، وذلك ما يفتقر إلى نوع آخر من الذكاء وهو ما اصطلح أنه الذكاء القيادي ، فَثَمَّ من جاوز ذكاؤه حَدَّ الفاعل فهو في أي مشهد قَائِدٌ بما رُكِزَ فيه من خصائص الزعامة فيحسن توزيع الأدوار وإدارة الطاقات والملكات ، وهو ما يفتقر إلى نوع ثالث من الذكاء وهو الذكاء الاجتماعي الذي يحصل بكثرة المخالطة والمداخلة ، وهو ما اتصفت به النبوات فإنها قد بٌعِثَتْ لِتُخَاطِبَ الناس جميعا على قَدْرِ عقولهم ، فلا بد أن يكون لها من الاشتباك مع الواقع ما به تخاطب وتجادل ، فـ : (مَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ) ، فالمشي في الأسواق يكسب الإنسان خبرة التعامل مع المواقف المختلفة ، وخبرة التحاور مع جميع الأطياف الاجتماعية والسياسية .... إلخ ، لا جرم كانت النبوات في الرجال إذ لا بد لها من ظهور واشتهار وهو خلاف ما قد جبلت عليه النساء من حُبِّ الاستتار والمكث في البيوت أو هكذا يفترض ! .
فلا يحسن بإنسان قد اعتزل الناس فلا يخالطهم أن يَتَصَدَّرَ أي عمل عام ولو كان ذكيا يحسن الفهم والتحليل فلا يحسن الإدارة والتنفيذ بل تصديره في مشهد كهذا يُفْضِي إلى كارثة محققة تَنَالُهُ وَتَنَالُ غَيْرَهُ إذ ليس الرجل المناسب في هذا المشهد فلا يجاوز دوره ، كما تقدم ، أن يقترح أو ينصح .

ولا يحسن بمن لا يفقه في العمل العام أن يُقَارِفَهُ وإن كان ذا خُلْطَةٍ وَحُظْوَةٍ في قلوب الناس ، فقد يحبه الناس وقد يَنْفَعُهُمْ في مواضع ، ولكنه ليس الرائد الذي يقود ، فالقيادة شأن ذو بال لا يهبه الله ، جل وعلا ، إلا لآحاد الرجال ، وإن لم يكونوا الأفضل في أنفسهم ، لا جرم أجاز أهل الشأن إمامة المفضول مع وجود الفاضل ، فقد يكون فضله في نفسه ، ويكون للمفضول شأن أعظم في المصالح العامة التي يَتَعَدَّى نَفْعُهَا ، وتولية الصالح في نفسه وإن لم يكن الأصلح في غيره يَضُرُّ أي جمع ، ولو كَبُرَ وَكَثُرَ ، فالقائد الذي لا يحسن استثمار الطاقات ، توظيفا وتفعيلا في الخارج فلا يملك رؤية ، وقد يملكها ولا يملك الهيبة ، وهيبة السلطان أمر يعظم ، والخلق فيه كما في كل حكومة ، الخلق فيه بَيْنَ مُفْرِطٍ يزيد وَمُفَرِّطٍ يُنْقِصُ ، فَثَمَّ من يغلو في السلطان حتى يُنَزِّلَهُ مَنْزِلَةَ المعصوم ، فلا يخدش صفاؤه ! وَلَوْ بِاحْتِسَابٍ يصح بل وَيَجِبُ فهو أمان من الظلم والطغيان ، وثم من يجفو فهو يَهْضِمُ السلطانَ حقَّه من الهيبة فَيَفْسَدُ الْمُلْكُ وَتَنْحَلُّ عُرَاهُ ، وإن صالحا ، فقد اجترأ عليه الخلق بلا جريرة بل وعدوا ذلك من الفضيلة ! ، وكلا طرفي قصد الأمور ذميم ، فالعدل جادة وسطى بين الاثنين ، فمن لا يملك رؤية فلا تؤمن رياسته وإن كان ذا هيبة ، فما تصنع القوة وليس ثم علم ؟! ، وما يَنْفَعُ السيفُ والسوطُ وليس ثم كتاب يهدي إلى الحق ؟! ، ومن لا يملك هيبة فلا يستقيم أمره ولو كان ذا رؤية فهي القوة المركوزة في نفسه فلا بد من تأويل لها في الظاهر تخرج به من القوة إلى الفعل وإلا فهي كلام يَنْفَعُ في تَنْبِيهِ العقول وَتَثْقِيفِ الجمهور دون حركة وَنُهُوضٍ ، وبالوعي تحصل القوة في كل أحد ولكنها لا زالت إلى التأويل تَفْتَقِرُ ، فلا بد من مُخْرِجٍ لها من حيز الفكرة إلى حيز الحركة ، وذلك هو الرائد ذو الرؤية والهيبة معا ، فَيُحْسِنُ يَنْظُرُ ويحسن يَسْتَمِعُ إلى غيره ، ولو مخالفًا ، فَلَا يُعْدَمُ مِنْهُ ناصحا وإن نَاجَزَهُ وَنَازَعَهُ ، فالعاقل يَنْتَفِعُ مِنْ كُلِّ أحدٍ ، ولو عدوا يَتَرَبَّصُ ، وَعَقْلُ العدو خَيْرٌ من جهل الصديق ، وهو ، مع ذلك ، يحسن يستدرك فإذا نُصِحَ انْتَصَحَ ، وإذا أخطأ اعْتَرَفَ ، وَيُحْسِنُ يحرِّك الجمع على هدى فَيَقْدُرُ لكلِّ موضع قدره ، ولا يفرح حال غَلَبَ ولا يحزن حال غُلِبَ ، فلا بَطَرَ ولا جَزَعَ ، فَثَمَّ ثَبَاتُ انْفِعَالٍ وصلابةُ طبعٍ وَقَرَارُ قَلْبٍ لا تستفزه الخطوب ، وإن عَظُمَتْ ، وَثَمَّ جُمْلَةُ خَلَائِقَ مِنْهَا خَلَائِقُ فِي النَّفْسِ ، ومنها أخرى في الخارج ، فلا تُجْزِئُ إحداهما دون الأخرى ، فَرَأْيٌ بلا شجاعة ولا قُوَةٍّ لا يجاوز العقل ، فهو يَنْفَعُ في صناعة وعيٍ ولكنه لا يجزئ وحده في حصولِ فِعْلٍ على الأرض ، فَقُوَّةُ الفكرةِ لا تخرج إلى حَيِّزِ الحركة بلا مخرِج ، فذلك من الحدث بلا محدِث وهو أمرٌ يُنْكِرُهُ العقل بداهة ! ، فالحادث لا بد له من محدِث ، كما يقول أهل الكلام والنظر في تَقْرِيرِهُمُ المشهور في الإلهيات على خلاف في المقدمة الثانية من الاستدلال : أن ما لا يخلو من الحوادث فهو حادث فذلك عنوان مُجْمَلٌ قد اتُّخِذَ ذريعةَ تأويلٍ في الباب على تفصيل ليس هذا مَوْضِعَهُ ، فَأَيُّ ممكنٍ جائز في الخارج فلا بد له من مرجِّحٍ يُوجِبُهُ فَهُوَ يخرِجُه من العدم إلى الوجود ، وهو المجموع المركب من انْتِفَاءِ الموانعِ سَلْبًا واستيفاء الشروط إيجابا ، فلا بد من جمعٍ يَتَحَمَّلُ الفكرةَ ولا بد من رائد يَضْبِطُ الحركة ، وهو واحد بالعين يَقْتَدِي به الخلق وواحد بالنوع فذلك الهرم الذي يُخَطِّطُ وَيُنَفِّذُ على مستوياتٍ تَتَدَرَّجُ من القمة إلى القاعدة مع حصول قدر يجزئ من التواصل بين مستويات الهرم فإذا غلب عليه الطابع النخبوي وانفصلت القمة وَانْعَزَلَتْ عن بقية الهرم ، فغلظ حجابها وعسر لقاؤها وصارت مصلحتها الخاصة هي الغاية وإنْ كُسِيَتْ لحاء المصلحة العامة ، فإذا كان ذلك فهو إيذان بانحلال الملك وزواله ، فالنخبة المعزولة قد فسد تصورها في الأمور العامة إذ لم تُبَاشِرْهَا وَإِنِ اطلعت عليها فَتَحَسُّسًا من أخبارها لئلا تخرج عن السيطرة فلا تجاوز حَدَّ القمع والتضييق ، وهي تُرَاوِحُ بَيْنَ التَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ ، وكلَّمَا ضاقَ هامش التَّرْغِيبِ زاد هامش التَّرْهِيبِ ، فإذا لم يكن ثم إنجاز يُرْضِي الناس ولو كفايةَ معاشٍ في الحس دون سعة في الخلاف والرأي ، وهو أمر يحمد فلا يذم وإن لم يكن الغاية العظمى من الخلق أَنْ يَجِدَ الناس ما يَسُدُّ حاجة الأبدان وَإِنْ أُهْدِرَتِ الأديان وَعُطِّلَتِ الأفهام ، فإذا لم يكن ثم إنجازٌ وَهُوَ ما يُرَغِّبُ الخلقَ ، فالعنف والقمع إسكاتا لهم أَنْ يَزِيدَ سخطهم فَيَرْتَفِعَ صوتهم بالمعارضة ومعظم النار من مستصغَر الشرر ، ومعظم التغيير من مستصغَر التفكير ! ، فَزِيَادَةُ التَّرْغِيبِ بما يكون من إنجاز تَسْتَلْزِمُ في الخارج نَقْصًا في الترهيب فلا يحتاجه من أنجز ما وَعَدَ من رخاء في العيش فالجمع رَاضٍ فعلام يفسد رضاهم بالقمع والبطش ؟! ، فيتأول قول معاوية المشهور وهو ، رضي الله عنه ، أعظم الملوك وأعدلهم وإن كان له من الخلافة حظ فَرِيَاسَتُهُ الملكُ الذي شَابَتْهُ الخلافة أو الخلافة التي شابها الملك وإن غلب عليها آخر الأمر بما كان من العهد الذي مَحَّضَ الأمر ملكا يُوَرَّثُ ، فَيَتَأَوَّلَ قَوْلَهُ وهو أصل في الباب ، فالأصل في الملكِ الاقتصاد فيِ العنف ، فثم رأي وثم هيبة فهما أول والقوة المحل الثاني ، فلا يُوضَعُ السيف حيث يجزئ السوط ولا يُوضَعُ السوط حيث يجزئ اللسان ، فمن لم يفقه سياسة الخلق فهو يُبَادِرُ بالعنف فلا لسان به يُفَاوِضُ وَيُنَاوِرُ ، وإن حجة يغالب بها الخصم في ساحة الجدال ، وتلك آية عِيٍّ وعجز ، وإن ظنها من تمام السلطان والملك ، فتلك متلازمة يقترن طرفاها اقتران العلة والحكم طردا وعكسا ، فكلما زاد هامش الجدال بالحسنى ضاق هامش البطش بالسوط والسيف ، وهي نظرية في الأمن تَقْتَصِدُ فِي العنف ، فالأمن صناعة محكمة يوجزها عنوان رَئِيسٌ : نَفَاذُ الأمرِ وَقَرَارُ الملك بَأَقَلِّ قَدْرٍ مِنَ العنف فهو آخر الدواء ، فلا يَلْجَأُ إليه العاقل ، بادي الرأي فتلك آية ضعف وإن ظن بها هيبة فلا تولد في النفوس إلا الْبُغْضَ وإن مزجته بادي الرأي بالخوف الذي يُسْكِتُ النَّاسَ حَينًا يطول أو يقصر ، وهو مادة سخط لا يَزَالُ يَتَرَاكَُم في النفوس حتى تَنْفَجِرَ إِذْ تأنف ، جبلةً ، ممن يعلو ويستكبر فلا ينظر في أمرها ولا يحسن يسمع لها ، شكايةً أو نُصْحًا ، وإن تظاهر بذلك ، فخلائقه التي تصدر عن أنا لا تَرَى سواها في المشهد فَثَمَّ شُحٌّ وَأَثَرَةٌ ، وثم إعجاب بالرأي والفكرة ، فكل أولئك مما يفسد الملك .
وهو أمر يحسن فيه التوسط فميزان القوى فيه يدق فلا يحسن يقيس به كل أحد ، فلا بد من نظر محكم ، فمناط الحق واحد لا يَتَبَدَّلُ وإنما اجتهاد الخلق يَتَمَايَزُ في استخدامه ، فَيُحْسِنُ واحدٌ من تحقيقه في الخارج ما به يَنْتَظِمُ ملكُه ولا يكون ذلك إلا وثم أداة بها يَتَأَوَّلُ الحكومةَ فَيُخْرِجُهَا ، كما تَقَدَّمَ ، من القوة إلى الفعل ، وإلا ما جَدْوَى أن يُسْمَعَ فلا يُطَاعَ ، وَيَأْمُرَ فلا يجاب ؟! ، كَمَا حُكِيَ عن المعتمد العباسي وقد كان الملك باسمه وليس له منه شيء فقد استبد به أخوه الموفق على كفاية فيه وعجز في المعتمد الذي اشتغل بِلَذَّاتِهِ ، فاستبد الموفق وَمِنْ بَعْدِهِ ابْنُهُ المعتَضِد ، ولم يكن للمعتمد وَابْنِهِ المفوض إلا عنوان الخلافة وولاية العهد ، اسما بلا مسمى ، فَحَجَرَ الموفق على المعتمد وَخَلَعَ المفوضَ من ولاية العهد وَنَصَّبَ ابْنَهُ المعتضد على كفاية فيه وعجز في المفوض ، فلم يكن ذلك ، بداهة ، بِالرّضَى ، ولم يكن سماحة نَفْسٍ من المعتمد فَوَدَّ لَوِ اْسَتَبَدَّ ولكنه لم يُطِقْ ، وإن كان اسم الملك له فليس له من أسبابه ما به يُخْرِجُ الاسمَ من القوة إلى الفعل ، فيكون له من الطاعة والسمع ما به يَنْفُذُ الأمر ، فلا سبب في يده فَأَنَّى يسمع له ويطاع والأسباب كلها في يد أخيه فهو المسموع المطاع حقيقة ، إذ الملك له غنيمة بما احتكر من أسبابه ، فهو قائد الجيش ، مركز القوة الصلب ، وهو مفتاح الكنز ، فالمال بِيَدِهِ لا بِيَدِ الخليفة الذي اشتكى يوما مِنْ مَنْعِهِ النفقةَ ، ولو قليلة ، فَقَالَ أَبْيَاتًا شَهِيرَةً :
أليس من العجائب أن مثلي ******* يَرَى ما قَلَّ مُمْتَنِعًا عليه
وتؤخذ باسمه الدنيا جميعا ******* وما من ذاك شيء في يديه
إليه تحمل الأموال طرا ******* ويمنع بَعْضَ ما يجبى إليه
وهي ما جرى مجرى الأمثولة في عجز الملِك الذي لا حظ له من الْمُلْكِ إلا اسمه في الأولى وَتَبِعَتُهُ في الآخرة ، فَلَيْتَهُ ما احتمل أمرا يُقْضَى باسمه وهو شاهد فلا يملك إلا إنفاذه فهو عاجز لا يُثَابُ على عدل وهو ، مع ذلك ، يُؤَاخَذُ بالظلم إذ قُضِيَ باسمه ، فَبِئْسَتِ الصفقة أن يكون غُرْمُهَا عليه وَغُنْمُهَا لغيره .
فالملك : رَأْيٌ وَهَيْبَةٌ وقوة ، ولكلٍّ من الملكات ما يُوهَبُ صاحبُه مع ما يَكْتَسِبُ من أسبابه فَيَصْقُلُهُ ، فَالْمَلَكَةُ تُهَذَّبُ بِالدُّرْبَةِ ، فَتَخْرُجُ من القوة إلى الفعل ، فذلك أمر منه الوهب الأول ومنه الكسب الثاني ، فالرأي قوة مركوزة في العقل لا تخرج إلى الفعل إلا بالدربة ، فقوة الحافظة ملكة ، ولكنها تفتقر إلى الدربة أن تمرن على الحفظ والاستظهار ، وإلا كسلت وضعفت ، وكذا كلُّ مَلَكَةٍ في النفس ، فالرأي لا تظهر آحاده في الخارج إلا أَنْ يَتَأَوَّلَ صاحبُه قُوَّةَ العقل فِي مواضع مخصوصة ، فَيَقْضِي فيها بما رُكِزَ فيه من قُوَّةِ الرأي ، فَيَصْدُرُ عنه الرأي فِعْلًا فهو تأويل ما رُكِزَ فيه من الرأي قُوَّةً ، فإذا حصل الرأي وَلَيْسَ ثَمَّ هَيْبَةٌ فَمَا يُغْنِي إلا لفظا أو سطرا ؟! ، وإذا حصلت الهيبة وهي إلى الملكة أقرب ، وإن كان للكسب فيها وجه بما يمرن عليه أولو الشأن من آداب المجالس والمجامع ، فإذا حصلت الهيبة وليس ثم قُوَّةٌ فَمَا تُغْنِي الهيبة ؟! ، فالسفيه إذا لم يجد قوة تَزْجُرُ فلا قرآن يردعه ولا هيبة تمنعه ، فلا يُزْجَرُ إلا بالقوة ، فَثَمَّ قُوَّةٌ بِهَا نَفَاذُ الأمرِ ، لا جرم كان من قسمة السلطة المحدثة أجزاء ثلاثة منها السلطة التنفيذية ، وثم قوة بها صيانة الملك ، فَقُوَّةٌ تُنْفِذُ الأمر وأخرى تحوط الملك .
فإذا لم تحصل الثلاثة : الرأي والهيبة والقوة ، فلا يستقيم الملك ، ولو لِفَاضِلٍ ، فكان من هيبة النبي الخاتم صلى الله عليه وعلى آله وسلم ما رعد منه الأعرابي ، فقال له عليه الصلاة والسلام : "هَوِّنْ عَلَيْكَ، فَإِنِّي لَسْتُ بِمَلِكٍ، إِنَّمَا أَنَا ابْنُ امْرَأَةٍ مِنْ قُرَيْشٍ كَانَتْ تَأْكُلُ الْقَدِيدَ" ، فأمره نَاصِحًا مُشْفِقًا أَنْ "هَوِّنْ عَلَيْكَ" ، وأردف على حد التعليل ، فتلك دلالة الفاء والناسخ المؤكد "إن" ، فمجموعهما يحكي السببية وإن لم يَكُونَا نَصًّا فيها ، فحصل باجتماعهما من المعنى ما لم يحصل بالانفراد ، فكان من تَعْلِيلِ الأمر صدر الخبر ، كان من تعليله نَفْيُ الملك ، ملك الدنيا ، وإلا فحكومة الوحي حكومة أمر ونهي تجاوز حد الاعتقاد والقول ، فلم يكن رسم مجلسه صلى الله عليه وعلى آله وسلم رَسْمَ الْمُلْكِ الرومي أو الفارسي الذي يَتَفَنَّنُ في إبراز الأبهة لِتَهَابَ الرعية بالزخرف غُرُورًا ، وهو ما لا يكون في حكومة الوحي ، فهيبة الحق صدق لا غرور ، وصاحبها ، مع ذلك ، يَتَوَاضَعُ بِلَا ابْتِذَالٍ به السفيه يَتَطَاوَلُ ، فَمَنْ نَزَلَ عليه وحي السماء لم يَسْتَنْكِفْ أَنْ يَقْضِيَ للمرأة والجارية حَاجَتَهَا فتدخل عليه الجارية الصغيرة مجلسَ الحكم وتأخذ بِيَدِهِ لِيَقْضِيَ لها أمرا فَيَلِينُ لَهَا وَيَسِيرُ مَعَهَا ، فذلك الجمع المحمود الذي به تستقيم الأمور ، فلا تستقيم بهيبة تَمْنَعُ الطالب أَنْ يَسْأَلَ ، ولا تستقيم بِتَوَاضُعٍ يجترئ به السفيه ، والعفو ، كما يقول أهل الشأن ، لا يكون إلا عند المقدرة ، فيكون صاحبها مُمَكَّنًا يطيق ، وهو ، مع ذلك ، يعفو فذلك الفضل ، ولا يكون إلا بعد العدل ، فلا يكون مع العجز ، فَخَيْرٌ لك إن لم تَبْلُغْ حَقَّكَ أن تَأْنَفَ ذلك وَتَكْرَهَ ، ولو ضاع حقك ، فذلك خير من عفو عن مذلة ، فَلْيَكُنْ أمرُك إنكارا بالقلب إذ لم تطق الأخذ باليد أو المحاجة باللسان ، وهو ما عَدَّهُ بعض المحققين مَئِنَّةَ صِحَّةٍ في الطبع ، ولو لم تستوف حقك ، فَغَضَبُكَ وعدم رضاك ، ولو مجردا من القول والفعل فَقَدْ عُدِمْتَ أسبابه ، فَغَضَبُكَ وَعَدَمُ رضاك دليلٌ أنك لا زِلْتَ حَيًّا ! ، فآية الحياة التألم فلا يسهل الهوان ، كما حكى أبو الطيب من حال المهين :
من يهن يسهل الهوان عليه ******* ما لجرح بميت إيلام .
فإن لم تقل أو تفعل فلا أقل أَنْ تَغْضَبَ فَيَتَمَعَّرَ الوجه معذرة إلى الرب ، جل وعلا ، وَيُفَارِقُ الْبَدَنُ مواضعَ الذِّلَّةِ فلا يجالس أهلها ولا يَسْتَجْلِبُ أسبابها ، فإذا بطلت هذه الغريزة الشريفة ، غريزة الغضب وإن لم تطق إنفاذه في مواضعه ، فإذا بطلت هذه الغريزة الشريفة فالأحرار آنذاك قد صاروا العبيد السعداء ، كما أطلق عليهم المحقِّقُ آنفُ الذَّكْرِ ، فهم أحرارا في الاسم عبيد في الحقيقة والكنه ، فلا يألمون من الإهانة ولا يستنكفون عن مواضع الذلة رجاءَ عطيةٍ أو منحةٍ ، ولو بذلوا ماء الوجه لها عوضا .

فكان من حسن السياسة أَنْ تَلْبَسَ لكل حالٍ لبوسها ، فحال الجد جد ، وحال المداعبة مداعبة ، وحال السيد في قومه إذا وفدت عليه الوفود أن يَتَهَيَّأَ لهم بلا تكلف ولا خيلاء ، فقد كان للنبي الخاتم صلى الله عليه وعلى آله وسلم حلة حمراء بها يجالس الوفود ، وذلك بالاصطلاح المحدَث : بروتوكول السياسة في مراسيم الاستقبال والضيافة ، وهو الذي تَوَاضَعَ في عامة أحواله فكان يخيط ثوبه ويخصف نعله فَحَالُهُ مع أهله ، بَدَاهَةً ، لَيْسَ كأخرى مع الوفود ، فلكلِّ حالٍ من الهيئة ما يلائم ، وتلك ، كما تقدم مرارا ، آية الحكمة أن يوضع الشيء في المحل الذي يلائم .
وكان من حال الراشد عمر ، رضي الله عنه ، ما ضُرِبَ به المثل ، وكان من تواضعه ما حَسُنَ ، إذ الهيبة تحوطه ، فلما نُودِيَ عليه في مجلس الحكم باسمه ، بَادَرَ المنادي بِوَصْفِهِ ، ففي مجلس الحكم لا يكون النداء إلا بالوصفِ : إمارةِ المؤمنين فذلك من حفظ الهيبة ، وإلا فقد كانت المرأة تُوِقِفُهُ وَتَعِظُهُ فَتُجَرِّدُ اسمه مِنْ لَقَبِ الإمارة فذلك موضع خصوص فلا تَعُمُّ به البلوى ما عمت في مجلس الحكم ، وإذا لم تكن القوة فالهيبة لا تجزئ ، فكان من اجتراء السفهاء على عثمان ، رضي الله عنه ، مع وفور رأيه وهيبته وَعِظَمِ محبته في النُّفُوسِ ، أَنْ تَأَوَّلَ فَكَفَّ القوةَ أَنْ تُنَاجِزَهُمْ حقنا لدماء الصدر الأول ، رضي الله عنهم ، ولو استخدمها تَلْوِيحًا فَهَدَّدَ بها لاحتمل ذلك أن يكف القوم فهم أوباش تَرْدَعُهُمْ مَظَاهِرُ القوة ، بادي الرأي ، ولئن كان لذلك وجه ذلك في فتنة عثمان ، فالدماء المحقونة دماء خير العالمين بعد الأنبياء والمرسلين ، عليهم السلام ، فَخَشِيَ أَنْ تَنَالَهُمْ سيوف أولئك الأوباش ، فَلَئِنْ كان لذلك وجه في فتنة عثمان ، فلا وجه له في حال كحال السلطان عبد الحميد الثاني ، آخر السلاطين الْمُمَكَّنِينَ في دولة الإسلام ، فالخارجون عليه قد ذهبوا بالأمر كله مع قلة عددهم ، ووفور قوة تقمعهم ، ولو سُفِكَتْ دماؤهم سَفْكًا فَلَيْسَ أولئك ممن يُؤْسَفُ على قتله صيانةً لِبَيْضَةِ أمةٍ قد استبيح منها بعد ذلك أضعاف الدماء التي حَقَنَهَا السلطان عبد الحميد وَرَعًا في غير محله .

وقد يُقَالُ إِنَّ ما صنع عثمان ، رضي الله عنه ، لم يؤت أكله فلئن رَامَ حَقْنَ الدَّمِ فَقَدْ سُفِكَ مِنْهُ كَثِيرٌ في الجمل وصفين ، والجواب ، والله أعلم ، أن ذلك كان يوم الْجَمَلِ فِتْنَةً نامت فأيقظها من قَتَلَهُ ، وكان من قاعدة التأويل ما عَمَّ الفريقين ، فكلاهما به يعذر ، وكلاهما قد استحق لقب المؤمن في قوله تعالى : (وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) ، وإن اختلفا في القدر ، فجمعهما وصف الإيمان وتعظيم الوحي ، وإن اختلفا في القدر ، وذلك جار على الأصل المحكم في بابه ، باب الأسماء والأحكام ، أن الإيمان يَزِيدُ وَيَنْقُصُ ، فالناس فيه على أنحاء فلا يستوي من اجتهد فأصاب فَلَهُ أَجْرَانِ ومن اجتهد فأخطأ فَلَهُ أجر ، وشرط الاثنين سلامة القصد ، أَنْ يُرِيدَا الحقَّ ، وَلَوِ اخْتَلَفَا ، وأن يكون كُلٌّ أهلا أن يجتهد في طلبه وإن لم تسلم النفوس من هَنَّاتٍ ، فليس شرط الاجتهاد أن يصيب المجتهد وأن يسلم من الهنات فلا تسلم منها النفوس إلا مَا عَصَمَ الله ، جل وعلا ، من الأنبياء والمرسلين ، عليهم السلام ، وليس القوم في الجمل بِرَاجِي العصمة ، وكذا يقال في صفين ، وإن كان القتال فيها قتال البغي ، فيصدق فيهما وصف الإيمان ، أيضا ، في الآي آنف الذكر : (وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) ، فكان القتال لا على قاعدة دِينٍ يُكَفِّرُ صاحبها مَنْ قَدْ خَالَفَ بل كُلٌّ قد شهد للآخر بالإيمان ، فكان من الاجتهاد والتأويل ، أيضا ، ما قد رفع الحكم والإثم فَهُمَا بَيْنَ الأجر والاثنين ، على هَنَّاتٍ لم تسلم منها النفوس ، فالنظر إنما يكون في المجموع : مجموعِ من حضر القتال من الطائفتين لا الجميع ، فأحدهما يخطئ والآخر يصيب ، ولا يسلم المخطئ ، وإن لم يفته الأجر الواحد إذ اجتهد في التأويل فأخطأ ، لا يسلم من نقص ، ولو في الاجتهاد فالخلاف بين أفضل وفاضل ، فالأول خير إذ جمع الأجرين ، ولا يسلم المخطئ من هنات وحظوظ لا تكاد تسلم منها النفوس فليس وصفها ، بداهة ، بالمعصوم ، فأين ذلك من قوم كان باعثهم ابتداء هدم أركان الديانة ، فكان خروجهم على مقام الولاية ، مقام السلطنة ، خروج المبغض للدين بذريعة التحديث ، وكان من جنايتهم العظمى ما اقْتَرَفُوا في حق من آمن لما صار إِلَيْهِمُ الملك ، تأمل ما صنع أتاتورك وهو سليل الاتحاد وَالتَّرَقِّي ، تأمل ما صنع بالمسلمين في الأناضول لما وَلِيَ الأمر ودان له الملك ، وتأمل ما آلت إليه الحال من انكماش في الأناضول بعد حكومة السلطنة التي كانت في أضعف أحوالها القوة العظمى الرابعة في عَصْرِهَا ، وكان للرجل المريض من الهيبة ما حال دون اقتسام تَرِكَتِهِ إلا بعد مَوْتِهِ فَلَمَّا مات وَقُسِّمَتْ كان من انْتِهَاكِ الدين وسفك الدم في الدولة المدنية الحديثة ! ، مُنْجَزِ الثورةِ العلمانية المجيدة في الشرق ! ، كان من ذلك ما شهد به القرن الماضي فاستبيح من بَيْضَةِ الإسلام وأهله ما لم يستبح من عهد التَّتَرِ ، فهل كان شيء من ذلك بعد الجمل وصفين على ما فيهما من قتال وقتل ، أو أن الأمر قد آل بعد الخلافة والرحمة إلى ملك ورحمة ، ثم ملك عضوض لم يسلم من الجبر ، بغي عبد الملك بن مروان على ابن الزبير رضي الله عنهما واستلابه الملكَ بحد السيف ، فلا ينكر أحد ذلك النقص ، ولكنه الملك الذي دانت له الأرض ، فكان القوة العظمى الأولى في العالم القديم ، فَسُلْطَانُهُ قَدْ عَمَّ من الصين شرقا إلى الأندلس غربا ، فكان من الخير العظيم ما بذرت الخلافة الراشدة بذرته ، مطلع الفتوح التي قَوَّضَتْ أركان الملوك ، كسرى وقيصر ، ثم كان التوقف في الفتنة فَلَمَّا انْقَشَعَتْ ظُلْمَتُهَا سطعت شمس الفتح الذي بَلَغَ أقصى الشرق والغرب فَمَا صنع الكماليون بعد انقشاع ظلمة الرجعية العثمانية ؟! ، وما آلت إليهم حالهم وقد حُصِرُوا في الهضبة الأناضولية حصر التابع الوظيفي ؟! لا سيما بعد انضمامهم إلى الحلف الأطلنطي فكانوا الحزام الذي طوق الاتحاد السوفييتي ، بعد أن كانوا رقما صحيحا في النظام السياسي العالمي ، ولو في أضعف أحوالهم قبل إقحامهم في الحرب العالمية الأولى التي أجمع بَعْدَهَا الْفُرَقَاءُ الأوروبيون أن يجهزوا على الرجل المريض وما كان ذلك إلا بعد عبد الحميد على ما كان منه من تقصير فقد كان الحائل دون ذلك بما أجاد من مناورات السياسة التي لعب فيها على تَنَاقُضَاتِ الخصوم ، وسعى فيها أن يجمع الجموع ، جموع الشرق ، بجامعة الإسلام ، مشروعه الإصلاحي الذي افْتَقَرَ ، كما يقول بعض الفضلاء ، إلى نَفَسٍ ثَوْرِيِّ يَتَعَاطَى التَّغْيِيرَ الجذري الناجز فلا وقت لإصلاح متدرج والانهيار سريع لا يتوقف ، ولكنه ، مع ذلك ، لم يخل من خير عظيم ، فكان السعي الحثيث أن يجمع الداخل بجامعة الدين الخاتم وَأَنْ يُنَاوِرَ في الخارج فَيَلْعَبَ عَلَى تَنَاقُضَاتِ الخصوم انطلاقا من قاعدة استقلال ، فكان رقما صحيحا في معادلة السياسة الدولية وإن لم يكن الرقم الأول فأين ذلك من تركيا الكمالية التي فقدت استقلالها السياسي وإن مُنِحَتِ اسم الدولة بلا مسمى كامل بعد حرب استقلال فقد احْتُلَّتْ ! بعد أن كانت تحكم ما حولها فاجترأت عليها اليونان ، تلك الدولة الفاشلة بامتياز حتى يوم الناس هذا ! ، وصار بطل الحرب من أَجْلَى اليونان من الأناضول ! ، مع احتفاظها حتى اليوم بجزر بحر إيجة وتهديدها لتركيا ، ولو من قاعدة التابع الوظيفي في حلف جديد شرق المتوسط يقوده كيان يهود الذي ما اجترأ فظهر إلا بعد أن غابت شمس الخلافة العثمانية ، ولو باهتةً ، وهو ما تَنَبَّأَ به عبد الحميد لما عرض عليه تُيُودُور هيرتزل عرضه المشهور أن ينعش خزينة الدولة المفلسة بخمسين ميلونا من الجنيهات الذهبية وينعش خزينته الخاصة بخمسة ملايين أخرى ، فنصحه عبد الحميد أن يقتصد في النَّفَقَةِ فما يطلبه الآن بالثمن سوف يناله غدا بالمجان شَرْطَ رَحِيلِه من السلطة وهو ما كان بعد خلعه فلم تنشط الهجرات اليهودية إلا بعد عزله من الحكم ، فماذا صنعت العلمانية إلا أن حولت الدولة المستقلة ذات الفعل السياسي المؤثر ، وإن لم يكن الأقوى في ذلك العصر ، إلا أن حولتها إلى تابع وظيفي في الحلف الأطلنطي يخشى الجوار السوفييتي وهو الذي كان بالأمس يناجز روسيا القيصرية مناجزة الند وكان بينهما من الحروب ما تَكَرَّرَ نِزَاعًا على السيادة في البحر الأسود وما حوله ، بل كانت موسكو يوما تدفع الجزية لتتار القرم وهم أتباع العثمانيين في إسطنبول ! ، فكانت روسيا تدفع للتابع لا للأصل ! .
فتلك هي الحال بعد تأويل عبد الحميد أن يكف يده حقنا لِدَمِ مَنْ قد بَلَغَ بالدولة هذا المبلغ من الانهيار وَالتَّبَعِيَّةِ ، فهل كان شيء من ذلك في الدولة الأموية ، على نَقْصٍ في أمرها ، فلم تكن ، بداهة ، كخلافة النبوة الراشدة ، ولكنها في أسوإ أحوالها ، كانت قوة عظمى يدين لها الشرق والغرب ، فَلَمْ يَكُنْ تَأَوُّلُ عثمان ، رضي الله عنه ، وإن سُلِمَّ أَنَّ قتال اولئك الخوارج كان أصح ، لم يكن ، بداهة ، في آثاره كتأول عبد الحميد إذ تورع أن يسفك دماء أولئك مع خروجهم على سلطانه وتهديدهم للأصل الجامع ، وهو بداهة ما لم يكن يوم الجمل وصفين على ما قد سفك فيهما من دم فهل كان ثم أحد في الفريقين يَرُومُ نَقْضَ عرى الدين وإقامة الدولة المدنية الحديثة ، على أنقاض الخلافة الرشيدة ؟! ، إلا آحادا من السبئيين ، فهم منافقون ، بادي الرأي ، بل كثير ممن سعى في الفتنة كان ، عَلَى جَهْلٍ فيه وظلم ، كان في الجملة ، من أهل الإسلام والسنة حتى فَارَقَهَا فَخَرَجَ مَعَ مَنْ خرج في النهروان عَلَى علي ، رضي الله عنه ، على تأويل رَفَعَ عنه ، على الراجح ، حكم الكفر ولم يَرْفَعِ الإثم فالخوارج على الصحيح من أقوال أهل العلم : مسلمون في الجملة مع بدعتهم الكبرى ، إلا من قد أبطن منهم الكفر فحكمه حكم الزنديق ، ولكن نظر الجملة يحكم بإسلامهم مع بغيهم وعدوانهم واستباحتهم الدم والمال على قاعدة دِينٍ تُكَفِّرُ المخالف ولكنها ، مع ذلك ، لا تبغض الدين الخاتم ، وإنما تأولوه التأويل الفاسد وظنوا غلوهم هو الحق الذي جاء به الوحي ومن خالفهم فهو المارق الذي يُسْتَبَاحُ منه الدم والمال وذلك من الفساد بمكان يعظم ، فهو فساد في التأويل وفي الفعل ، فكان من سفه أحلامهم ، كما وصفهم النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، ما صدر عنه أمرهم ، فيقرءون القرآن بلا فقه وتدبر فلا يجاوز تراقيهم .
فأين حال الإسلام وأهله بعد مقتل عثمان ، رضي الله عنه ، على ما فيها من نَقْصٍ ، أين هي من حال الإسلام وأهله بعد الثورة العلمانية المجيدة ! التي قَوَّضَتْ مَا بَقِيَ من الملك ، وَوَلَّتْ وَجْهَهَا شطر الغرب تابعا لحضارته وسياسته ، وَوَلَّتْ ظهرها للشرق الذي سادت الدنيا برسالته ، مع ما كان من العرب آنذاك من نَقْصٍ فقد اسْتُخِفُّوا أيضا بالدعاية القومية على قاعدة عصبية مَقِيتَةٍ حذر منها صاحب الشريعة صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، فـ : "مَا بَالُ دَعْوَى الْجَاهِلِيَّةٍ دَعُوهَا، فَإِنَّهَا مُنْتِنَةٌ" فكان من استحداث القوميات ، العربية في مقابل التركية ، ما أوصى به الضابط لورانس ، ضابط الاستخبارات البريطاني الشهير ، ملك الصحراء غير المتوج ! الذي قاد العرب في حرب التحرير المقدسة ضد الغزاة العثمانيين ! حتى أخرجهم من بلاد العرب لتحتلها بريطانيا وفرنسا ! .
وقتل عثمان حدث رَئِيسٌ في تاريخ الإسلام ، وهو تأويل لِمَا قد كُسِرَ من قفل الفتنة بمقتل عمر ، فمقتله كان السبب ، ومقتل عثمان كان النَّتِيجَةَ ، ومقتل عثمان على ما فيه مِنْ بُشْرَى له بالجنة ، كما في الخبر ، هو مع ذلك من القدر الكوني فلا يُعَارِضُ الأخذ بالأسباب ، أسباب القدر الشرعي ، والخلاف هل استوفى عثمان ، رضي الله عنه ، ذلك فكان تأويله كَفَّ اليد هو الأخذ بالسبب الشرعي حقنا للدم واحتمالا للمفسدة الصغرى دَفْعًا لعظمى يُسْفَكُ فيها الدم أكثر ، أو أن الاجتهاد كان مناجزتهم وقطع دابر فسادهم وَلَوْ تَلْوِيحًا بالقوة وتهديدا كما قد أشار معاوية على عثمان أن يمده بجيش من أهل الشام يُرَابِطُ في المدينة فوجوده عَامِلُ رَدْعٍ ، فخشي عثمان أن يُزَاحِمَ الجند أهل المدينة فَيُضَيِّقُوا عليهم أقواتهم ، والأمر ، كما تَقَدَّمَ ، تأويل دائر بين الأجر والأجرين لا سيما وقد صَدَّقَهُ عثمان ، رضي الله عنه ، بدمه ، فلم يجبن أو يَتَقَاعَسْ ولم يكن يروم حظا لنفسه بل قد تأول ما صنعه افْتِدَاءً لِبَقِيَّةِ الصدر الأول ، رضي الله عنه ، وهم بَيْضَةُ الإسلام وأصله ، وصدق الدعوى بالفعل فَقُتِلَ شهيدا محتسبا يوم الدار .

والشاهد أن الملك لا يَسْتَقِيمُ إلا بكمال الهيبة ، فكان لأبي جعفر المنصور ، وهو شاهد في هذا الباب فهو فَحْلِ بني العباس كما نَعَتَهُ بَعْضُ المحققين ، كان له من آية الملك ، وإن نقص بما كان من الجبر والعسف ، كان له منه ما جرى مضرب المثل في تكلف الهيبة فكان إذا لبس حلة الملك تَغَيَّرَ وجهه ! ، فمجالس الرجال تخالف ، بداهة ، عن مجالس النساء والجواري والولدان .

ومجمع الأمر في أي ملك هو السلطان ، لا على حد الاستبداد والتحكم ، وإنما هو في نظام السياسة والملك نُقْطَةُ اجْتِمَاعٍ تَعْتَدِلُ بها موازين القوة ، فلا تشتبك سلطة بأخرى ، فَوَصْفُهُ فِي نُظُمِ السياسة المحدَثَةِ أَنَّهُ حَكَمٌ بَيْنَ السلطات ، وهو أمر لا يخلو من استدراك ، فإن حكومته لا بد لها من مرجع يجاوز فلا يحكم بالهوى والذوق ، وفي المثال الرسالي يَأْرِزُ الجميع : التشريع والقضاء والإنفاذ ، يأرز الجميع إلى الوحي ، فهو المرجع الذي يجاوز من خارج ، فالمحكوم والحاكم له يخضع وبه يقتدي ، وذلك أمان من جور السلطان فلا يَطْغَى بِمَا حصل له من أسباب القوة ، فَثَمَّ وحي يأطره ، وثم جمع يَزْجُرُهُ بما وجب من الحسبة فهي تأطر السلطان على الحق أَطْرًا ، طوعا أو كَرْهًا ! ، كما السلطان يحمل الجمع على جادة الحق ، طوعا أو كَرْهًا ، فكلٌّ فِي مَوْضِعِهِ يُكَلَّفُ وَكُلٌّ عن تكليفه سَيُسْأَلُ ، فالإمام مسئول عن رعيته ، والمأموم مسئول عن إمامه ، فوجب عليه التَّنْبِيهُ إن سها في صلاته ، بل لو ذُكِّرَ الإمام فلم يَتَذَكَّرْ ، وكان الجمع على يقين السهو المحقَّقِ ، فلا يَتَّبِعُونَهُ على خَطَئِهِ بل يَنْوُونَ المفارقة لئلا تَبْطُلَ صلاتهم ، فكذلك الأمر في الملك والسياسة ، فالجمع ينصح ويرشد ، فَإِنْ طَغَى السلطان وَتَجَبَّرَ ، فالجمع يُنْكِرُ وَيَزْجُرُ ، وإن لم يُطِقْ فهو يُفَارِقُ وَيَعْتَزِلُ معذرةً أن لَمْ يُطِقِ الإنكار باليد أو اللسان ، ولكلٍّ من ذلك قسط يلائم حاله فلا يستوي الناس في القوة والشجاعة ، فكان من الإنكار تكليف يَعُمُّ ، فذلك الأمر في قول صاحب الشرع صلى الله عليه وعلى آله وسلم : "مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُنْكِرْهُ بِيَدِهِ، فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَلْيُنْكِرْهُ بِلِسَانِهِ، فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَلْيُنْكِرْهُ بِقَلْبِهِ، وَذَاكَ أَضْعَفُ الْإِيمَانِ" ، ومحل الشاهد منه الأمر في "فَلْيُنْكِرْهُ" ، فاللام فيه لام الأمر وآيتها ما بعدها من الجزم ، جزم المضارع ، فذلك نص في الأمر ، ودلالته في الأصول دلالة الإيجاب ، وهو ما تَفَاوَتَ وَتَدَرَّجَ فلكلٍّ منه حظ ، ولو إنكارَ الجنان أن يكره العصيان وإن شهده فلم يطق إزالته باليد ولم تكن ثم فسحة إنكار بالقول ، فأدنى ما يصنع أن يَزُولَ عن المنكر فلا يشهد إذ لم يُطِقْ إِزَالَتَهُ ، فلا يُقَارِبُ الظالمَ لِئَلَّا يُقَارِفَ الظلمَ ، فلا يأمن مَنْ دَخَلَ على سلطان جائر أَنْ يُفْتَنَ وَيُسْلَبَ دينه ، ولا يأمن أَنْ يُعِينَهُ على ظلمه ، ولو بالسكوت ، فالسكوت في موضع البيان بَيَانٌ ، كما قَرَّرَ أهل الشأن ، ومن حضر المنكر فسكت لا عن إكراه ملجئ وإنما لحظ نفس يطلب ، فيخشى ذهابه إن لم يدخل في حكومة الجائر فيداهن ويبذل الدين عوضا من الدنيا ، فحضوره ، ولو ساكتا ، يلحقه بالقبيل الظالم فذلك من شؤم الجليس الفاسد ، كما في قول النبي الخاتم صلى الله عليه وعلى آله وسلم : "مَثَلُ جَلِيسِ السُّوءِ كَصَاحِبِ الْكِيرِ إِنْ لَمْ يُصِبْكَ مِنْ نَارِهِ أَصَابَكَ مِنْ دُخَانِهِ" ، فلا يسلم من جالسه من الأذى ، وإن نَتَنَ ريحه وَحَرَّ ناره ، فكذلك من جالس الظالم رغبا في دنيا ، فسكت عن ظلمه وإن لم يعاونه صراحة فقد سلك مسلك الكناية ! ، فسكت في موضع البيان ، فهو من القبيل الظالم فقد جاوز حد المعاوِن كما في الأثر المشهور عن سفيان الثوري ، فمن خاط للسلطان الجائر ثوبا فهو من القبيل الظالم ! ، وإنما المعاون من يَبِيعُهُ الإبرة والخيط ! ، فإذ لم يكن ثم طاقة أن تُغَيِّرَ المنكر باليد ، أو تَزْجُرَ صاحبَه بالقول ، فالاعتزال يحسن ، فـ : "ائْتَمِرُوا بِالْمَعْرُوفِ، وَتَنَاهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ، حَتَّى إِذَا رَأَيْتَ شُحًّا مُطَاعًا، وَهَوًى مُتَّبَعًا، وَدُنْيَا مُؤْثَرَةً، وَإِعْجَابَ كُلِّ ذِي رَأْيٍ بِرَأْيِهِ، وَرَأَيْتَ أَمْرًا لَا يَدَانِ لَكَ بِهِ، فَعَلَيْكَ خُوَيْصَّةَ نَفْسِكَ، وَدَعْ أَمْرَ الْعَوَامِّ، فَإِنَّ مِنْ وَرَائِكُمْ أَيَّامَ الصَّبْرِ، الصَّبْرُ فِيهِنَّ عَلَى مِثْلِ قَبْضٍ عَلَى الْجَمْرِ، لِلْعَامِلِ فِيهِنَّ مِثْلُ أَجْرِ خَمْسِينَ رَجُلًا، يَعْمَلُونَ بِمِثْلِ عَمَلِهِ" ، وذلك ما قَدْ عَمَّتْ به البلوى في الأعصار المتأخرة ، لا سيما في مواضع السلطان ، فصاحبها لا يطيق من يخالف ، وإن في دقائق الأمور فلا يُرَاجَعُ ، فاعتزاله خير من اجتماعه ، فقد اختزل الحكم في واحد يَرَى من نفسه عصمة كعصمة النبوة ، فهو المعجز في حكمته فجاوز حد العبقري الذي يبز أقرانه في باب دون آخر ، فهو المعجز في كل باب ! ، وإن لم يفقه أصوله ومبادئه وجهل ضروراته التي يَعْلَمُهَا آحاد المشتغلين به ، فَمَنْ تِلْكَ حَالُهُ مِنَ الإعجاب بالرأي فهو يخاصم على رَأْيِهِ خصومةَ الجدالِ ، ولو باطلا ، وهو يحتمل الحقد والحسد لكلِّ من خَالَفَ ، وإن لم يكن له في السلطان والملك يُنَازِعُ ، فهو إلى السخط أقرب ، وهو بالبطش يأخذ فلا يسلم منه ولي ولا عدو ، بل الولي إلى بِطْشِهِ أَقْرَبُ فهو تحت سمعه وبصره وهو يعالج من الأمر ما لا يسلم من الاختلاف السائغ فكلُّ خلاف عند السلطان الجائر خِلَافٌ في الأصول فلا يَسُوغُ ! ، فَلَيْسَ ثم هامش اجتهاد ولو في تفاصيل ودقائق فما يصدر عن السلطان فهو وحي مُنَزَّلٌ واجبه الانقياد والتقليد ، فلا يُقَلِّدُ أحدٌ مع معصوم ! ، وإنما الاجتهاد يسوغ مع غيره من آحاد الخلق ، وإن خُلَفَاءَ وحيٍ وَنُبُوَّةٍ ، بل قد كان من الاجتهاد بَيْنَ يدي النبوة ما نَصَحَ وَرَشَدَ كما اجتهد الحباب يومَ بدر فأشار بالرأي ، وتلك حال من يصنع أبطالا لا أبواقا ، والسلطان الجائر لا يطيق ذلك فصناعة الأبطال تَفْضَحُ الأقزام ! ، والسلطان الجائر لا يخلو من تَقَزُّمٍ في الرأي ، وإن بَلَغَ ما بَلَغَ من القوة والبطش ، فكلُّ رأيٍ يَفْضَحُ رَأْيَهُ فهو يَقْدَحُ في شخصه ، فَتَؤُولُ الحكومات العامة إلى خصومات خاصة تعظم فيها الأحقاد فالسلطان الجائر حاقد حاسد يُضْمِرُ العداوةَ إن عجزَ ـ ويأخذ بلا هوادة إن قدر ، فلا وسط في وصفه ، فإما ذليل يَتَزَلَّفُ وإما عَزِيزٌ يَتَجَبَّرُ ، وهو ما يفضي إلى التصلب في الحكم ، والاستبداد بالرأي فقد صار القرار في مركز السلطة ، فلم يعد الحاكم من اسمه حكما بين السلطات بما يضمن التوازن فلا يطغى جناح على آخر ، وإنما حدث الطغيان ابتداء من المركز الذي استلب السلطات جميعا فصارت في يده ، فهي عن رأيه تصدر ، فلا رأي لها ابتداء ، لا رأي الاستئناف ولا رأي الاستدراك ، وهو ما يجعل السلطة فوق الرقابة والمساءلة ، فلا جهة تُرَاقِبُ ولا تحاسب .

وذلك ، لو تدبر الناظر ، مبدأ انحلال الملك أن يكون لِوَاحِدٍ يَسْتَبِدُّ وليس ثم من يستدرك لا بالقول ولا بالفعل فقد ذل الجمع وانكسر ، تأمل تعديلات الدستور الأخيرة في مصر وما جَرَى فِيهَا من تكثيف للسلطة في رأسها فَتَكَادُ تكون هي السلطة وحدها ، تشريعا وقضاء وإنفاذا ! ، مع الاحتراز وسوء الظن ، بادي الرأي ، فلا يترشح أحد لمنصب الحكم إلا بإذن السلطة التي اختزلت في واحد يحكم فوحده من يُعَيِّنُ المنافس له ! ، وذلك ما يجعل سقوطه سقوطك المثال كله ! ، تَأَمَّلْ مَا حَصَلَ بعد 5 يونيو 67 إذ انْتَهَى الحلم أو الكابوس أيا كان وصفه ! ، فهو حلم عند الموافق كابوس عند المخالف ، انتهى بضربة واحدة لِرَأْسٍ احتكرت الفضاء العام وحدها وملأت الدنيا بِضَجِيجِهَا ، فكان الحكم قَبْلَهَا مُسْتَقِرًا ، ولو في الصورة ، فلا استقرار مع الاستبداد وإنما هو الخوف ، ولا يصنع الخوف استقرارا إلا خضوعَ الأبدان والجنان يسب ويلعن وَيَتُوقُ أن يُغَيِّرَ وَيَهْدِمَ ، فلا يكون ذلك وقبضة الاستبداد مستحكمة لا سيما وقد لُقِّنَ الناس درس القتل على الهواء ! ، فأقامت السلطة حَاجِزَ خوفٍ في النفوس التي عوقبت عقاب الجمع أن لم تُنْكِرِ الظلم والسفك ، وإن اعتذر من اعتذر ولو في محل هزيمة مُحَقَّقَةٍ جَرْيًا على السنن التي لا تُدَاهِنُ ، فهي محكمة تجري في الموافق والمخالف ، فلا يكون تغيير والحال تلك ، فلحظات التغيير نوادر لا تأتي في الجيل إلا مرة ، كما تقدم من كلام ابن خلدون ، فذلك ، كما يقول بعض الفضلاء ، ما اسْتَوْجَبَ تَغْيِيرًا يَتَرَاكَمُ في بِنْيَةِ المجتمع فلا يقتصر على صُورَتِهِ ، كما الغضب في نفوس الناس يَتَصَاعَدُ ، فلا يَزُولُ مُلْكٌ فجأة ولا يكون تَغْيِيرٌ دَفْعَةً فذلك أمر يجتمع اجتماع السيل فهو قطرات تَتَرَاكَمُ ، وهو أمر يحدث شيئا فشيئا بما يكون من استنزاف السلطة ، إما بحراك المجتمع الذي يَتَدَرَّجُ ، أو بأخطائها التي تَتَكَرَّرُ ، أو بِنَوَزاِلَ وعقوبات ناجزة ، كما كان من يونيو 67 التي أصابت المثال في عنفوانه فصدق فيه آي الوحي المحكم : (حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ) ، وهو ما أَفْضَى إلى تحوله إلى شبح بلا حقيقة ، فتحول من نظام إلى شبه نظام ، كما الحال الآن إذ آلت إلى شبه دولة كما يقول رأس السلطة ! ، فتحول المثال بعد يونيو 67 من نظام إلى شبه نظام ، قد تَنَاثَرَتْ مَرَاكِزُ القوى فيه فلا يَنْتَظِمُهَا سلك واحد ، وهو ما سهل على الرئيس الراحل السادات أن يُصَفِّيَهَا ويصطادها جَمِيعًا في ضربة أسماها ثَوْرَةَ تصحيح مايو 1971 ، وليست إلا انْقِلَابًا من داخل ، فالثورة لا تكون إلا من خارج ، فَطَوَى بِهَا صفحة الزعيم واستبدل بها أخرى كانت بالنظر في الحال أَفْضَلَ بما فُتِحَ من المجال العام ، ولو هوامشَ حرية فكان السادات أَبْرَعَ في معالجة السياسة وإن آلت صفحته إلى عواقب أسوأ ، فما يَرَاهُ الناس اليوم في مصر هو تأويل صفحته ، فالجيل الجديد الذي يحكم هو إِفْرَازٌ رَئِيسٌ من إفرازات التطبيع الذي دشنه الرئيس السادات ، فلا يكاد يسلم من كِفْلٍ عظيم من شؤمه يَنَالُهُ وهو في قبره ، لا تأليا على ربه جل وعلا ، وإنما السنن بِذَا يجري ، فـ : "مَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً سَيِّئَةً كَانَ عَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مِنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ بَعْدِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْتَقِصَ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْئًا" ، فهو أول مَنْ سَنَّ سُنَّةَ التطبيع ، فما يظن عاقل أن يَغْفَلَ الله ، جل وعلا ، عَمَّا صَنَعَ ، فَقَدْ خَلَّفَ تَرِكَةَ فساد في السياسة والحرب والاقتصاد ، فَاسْتَبَدَّ بالأمر وكان من الظلم والشؤم ما يجد الناس آثاره اليوم فذلك تأويل متأخر لما صنع المتقدم ، وهما في الوزر سواء .

فَصَيْرُورَةُ السلطة في واحد بالعين أو النوع قد اخْتُزِلَ فِيهِ الأمر والنهي ، ذلك ، كما تقدم ، مبدأ انحلال الملك وزواله إذ لا جهة تُرَاقُبُ وتحاسب ، وتأمل ، في المقابل ، ما صَنَعَ الصديق مع الأقرع وعيينة ، وهما ممن اجْتَهَدَ فَتَأَلَّفَهُمَا بِإِقْطَاعِ أرضٍ فَمَضَيَا به إلى سلطة الإنفاذ وهي عمر فاستدرك على الخليفة الأول ولم يُمْضِ أمره ، فكان من تحريضهما على عمر أن سألا الصديق : أنت الخليفة أو عمر ؟ قال أبو بكر: لا ، بل هو لو كان شاء .
فلم يَغْضَبْ لِرَأْيِهِ وإنما أشرك عمر في أمره ، فَنَزَلَ على قوله ، فَثَمَّ مساحة اختلاف يسوغ ما لم يفض الأمر إلى فوضى فليس كل أحد يجتهد فَيُقْبَلُ قوله ، ومبدأ الأمر أن يُوَسَّدَ الأمر إلى أهله ، وَأَنْ يُوكَلَ إلى القوي الأمين ، وأن يكون من قسمة الحكم ما به يستقيم الأمر في الشورى والإنفاذ ، فلا يخلو من استدراك ، فَسُلْطَةُ القضاء في مثال السياسة المحدَث تملك نَقْضَ حكومةِ السلطان إن خالفت عن المعيار الذي إليه تَرْجِعُ ، فَيُقَالُ إن هذا القرار يخالف عن النص الدستوري ، فلا يُعْتَدُّ به ، فلا بد من استقلال لا يَبْلُغَ حد الفوضى فَيَكُونَ من كَيْدِ بَعْضٍ لبعض ما يُفْسِدُ الملك ، فإذا لم يكن للسلطان هيبة وقوة في الحق فلا أحد يسمع له ، فالقاضي يطعن في حكومته ، والجند يخالفون عن مَرْسُومِهِ ، والكاتب يُعَطِّلُ إجراءه ، والشاعر يهجوه ، والسفيه يسبه ! ، فَمَا بَقِيَ من الملك ، فاعتزال ذلك خير من معالجته في حال لا يُرْجَى صلاحها ، ولا يملك الحاكم أدوات إصلاحها ، فذلك المنكر الذي وجب الزوال عنه إذ لم يُطِقِ المنكِر إزالته ، فذلك وصف العباد الكاملين في قَوْلِ رب العالمين جل وعلا : (وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا ..... وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا) .

وثم ، وهو محل شاهد رئيس في قسمة الذكاء في الخارج ، ثَمَّ ذكاء في الهجوم فصاحبه يبادر ، وثم آخر به يُدَافِعُ الماكرَ كَمَا أُثِرَ عن عمر الراشد ، فـ : "لستُ بالخِبِّ ولا الخِبُّ يخدعني" ، فلا ينكر مكر السوء ولكنه لا يخدع به .

وثم ذكاء على أنحاء تتفاوت ، فهو يجري ، من وجه ، مجرى الاجتهاد ، وهو ما يَتَجَزَّأُ على القول الراجح عند الأصوليين ، فقد يكون الناظر مجتهدا في باب من الفقه أو السياسة أو الحرب أو الاقتصاد .... إلخ ، فَرَأْيُهُ فِيهِ يقدم فهو صاحب المشورة المحقِّق ، كما تقدم من مشورة الحباب يوم بدر ، ويكون في غيره كآحاد الخلق فهو يُقَلِّدُ غَيْرَهُ ولا يَعِيبُهُ أَنْ يُقَلِّدَ مَنْ هُوَ أعلم في باب لا يملك أدواته ، وإنما يُعَابُ التقليد إذا كان الناظر مجتهدا يطيق الاستقلال بالرأي وثم فسحة من الوقت أن يَنْظُرَ وَيَتَدَبَّرَ فما يحمله أن يكون تابعا لغيره وهو يطيق الاستقلال بِرَأْيِهِ لا هوى وتحكما وإنما اجتهادا استجمع أدواته فاستفرغ الوسع وبذل الجهد وهو قَبْلَ ذلك قد صَحَّحَ القصد فلا يَرُومُ إلا الحق أَنْ يَظْهَرَ ولو على لسان خصمه كما أُثِرَ عن الشافعي رحمه الله .

وكذا في العلوم على قسمتها المتأخرة : العقلية والتجريبية ، فَثَمَّ من استجمع في الأولى أدوات الاجتهاد فَرَأْيُهُ فِيهَا يُقَدَّمُ ، وإن كان في علوم التَّجْرِيبِ يُؤَخَّرُ ، فلا يضره ألا يفقه في الطب فَلَيْسَ كل أحد طبيبا بالفعل وإن كان طبيبا بالقوة بما رُكِزَ فيه من محل يقبل مسائل الطب كما مسائل الفقه والسياسة والحرب .... إلخ ، فلم يُؤْمَرِ الخلق جميعا أن يفقهوا مسائل الطب فمن يقوم بغيرها إذا اقتصر الخلق على درسها ؟! ، وإنما يجري ذلك مجرى فروض الكفايات التي تجب على المجموع لا الجميع ، فَمَنَاطُ الأمر حصول الكفاية المجزئة في استقامة الحال ولو بواحد أو آحاد .
وكذا يقال في التجريب فلم يؤمر الناس جميعا أن يكونوا أطباء أو بَنَّائِينَ أو فلاحين ، وإنما يعضد بعضهم بعضا فَكُلٌّ يستكمل ما فاته بغيره على وجه تَنْتَظِمُ به الحياة ، فالحكمة أن يُسْتَعْمَلَ كلُّ ذكاءٍ في موضعه الذي يلائم ، ولو في صغار المسائل ، فالإعجاز في وصف الخلق أن يَفْقَهُوا في كل باب ، وذلك مما يتعذر في عموم الخلق ، فلا يكون لغير الأنبياء ، عليهم السلام ، واضرب المثل بخاتمهم صلى الله عليه وعلى آله وسلم وقد كان ذا رياسة في الشرع بما نَزَلَ عليه من الوحي ، وكان ذا أخرى في السياسة والتدبير ، وكان ذا ثالثة في الحرب ، وكان له من إعجاز الخبر في الطب وعلوم التجريب ما أُفْرِدَ لَهُ بابٌ في البحث ، وإن لم يخل في أحيان من تكلف في الاستدلال ، فأصله ، مع ذلك يثبت ، وإن لم يكن غاية الوحي المنزل الذي نَزَلَ بالتشريع المحكم وكان من توابعه إعجازٌ في التجريب تُقَامُ به الحجة على الجيل الجديد فَأَخْبَرَ عن دقائق لم يدركها البحث إلا في الأعصار المتأخرة بما ابتكر من أدوات متقنة ، والنبي الخاتم صلى الله عليه وعلى آله وسلم مع وفور رأيه في كل شأن لم يُعْدَمْ نُصْحًا من غيره فكان من علم الأنصار بالزرع ما فَاقَ علمه فلا يعيبه ذلك فهو من دقائق الصنائع فلم يبعث بالوحي ليعلم الناس تَأْبِيرَ النخل وإنما اجتهد في صناعةِ دنيا فأهلها بها أعلم ، وكان من علم الحباب يوم بدر ما أشار بالرأي ، فَنَزَل عليه صاحب الشرع صلى الله عليه وعلى آله وسلم ولم يقدح ذلك ، بداهة ، في عصمته فهي ، بادي الرأي ، عصمة البلاغ والبيان ، على تفصيل في ذلك ، وما يجب في حق النبي وما يجوز وما يمتنع من قوادح العصمة .

وثم ذكاء فوري وهو يحسن التحليل والاستنباط السريع فعنده من سرعة البديهة ما به يتخذ القرار المناسب في أسرع وقت دون تَعَجُّلٍ أو تهور ، وذلك ، بداهة ، مجموع آخر يَتَرَاكَمُ من الخبرات في التعاطي مع المواقف المحرجة فصاحبه يحسن التخلص بطريقة لطيفة دون حاجة إلى التَّصَادُمِ لا سيما إن كان الخصم عنيفا أو غبيا أو كلاهما معا ! ، فيحسن يُدَارِيهِ ويلاطفه دون أن يعطي دَنِيَّةً في دين أو مبدإ حتى يَنَالَ منه غرضه دون خسائر ، وثم آخر وهو ذكاء التقسيط فصاحبه لا يحسن اتخاذ القرار إلا بعد نظر وتدبر فَيَسْتَغْرِقُ وَقْتًا أطول ولكن ثمرته قد تكون أفضل وهو ما يَنْفَعُ في وضع الاستراتيجيات ما لا ينفع في التكتيكات الآنية فلا يَحْسُنُ فِيهَا ، بداهة ، التأخير فالأمر قد لا يحتمل التأجيل على وجه يُصَيِّرُ المجتهدَ مقلدا في أحوال ، كما يحكي أهل الأصول في باب الاجتهاد : مسألة التقليد في حق المجتهد فالأصل أنه لا يجوز إذ عنده ملكة النظر والاستنباط ففرضه الاجتهاد لا التقليد إلا إذا تضايق الوقت فلا فسحة لنظر أو بحث والأمر عاجل لا يحتمل التأجيل فَيُقَلِّدُ غَيْرَهُ لئلا يفوته الأمر وإن كان في مواضع التأني والتروي أهلا أن ينظر فيها وَيُفْتِي ، فكذلك مَنْ ذَكَاءُهُ بالتقسيط فَثَمَّ مواضع لا يجدي فيها إلا الذكاء الفوري الذي يقضي في العاجل بما ينفع فحقه في هذه الحال أَنْ يُقَدَّمَ وَيُقَلَّدَ وإن كان في أخرى لا يُقَدَّمُ فَلَيْسَ أهلا للنظر في الكليات الجامعة التي تفتقر إلى بحث يطول فلا تطيقه كل العقول .

والذكاء في قسمة أخرى تَلْطُفُ يَنْقَسِمُ إلى بشري وآخر اصطناعي محدَث يحاكي ، كما يُقَالُ فِي حَدِّهِ ، القدرات الذهنية المركوزة في عقول البشر ولكنه ، بداهة ، لا يعدلها وإن بَلَغَ مَا بَلَغَ من جودة التصميم ، فـ : (هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ) .

وثم ذكاء جامع وهو وصف القادة ، كما تَقَدَّمَ ، ذكاء التَّوْظِيفِ لِلطَّاقَاتِ والمواهب أن تَضَعَ كُلًّا فِي مَوْضِعِهِ الذي يلائم ، فذلك حد الحكمة كما قال أهل المعاني ، أن تضع الشيء في موضعه الذي يلائم ، فقد تحتاج ذكاء الشوارع في مواضع ما لا تحتاجه في أخرى ، وقد تحتاج ذكاء التخطيط في مراكز الفكر والبحث فلا تحتاج فيها ، بداهة ، إلى ذكاء الرئيس ترامب ! .

والله أعلى وأعلم .

فردوس احمد
13-07-2020, 10:59 PM
سلمت يداك وبوركت

مهاجر
18-07-2020, 03:58 PM
وبارك فيكم وسلَّمكم وجزاكم خيرا على المرور والتعليق ونفعكم ونفع بكم وأحسن لكم الحال والمآل .

الآجرومي
14-08-2020, 11:39 PM
أرجو منك أستاذ مهاجر تنسيق فقرات نصوصك رحمة بعينيّ لأن كتاباتك ممتعة .