المساعد الشخصي الرقمي

اعرض النسخة الكاملة : آياصوفيا والتحول السياسي



مهاجر
18-07-2020, 03:54 PM
مما لا يمكن تجاهله ، ولو من باب النقد والمراجعة لتاريخ الدولة العثمانية ، وهو تاريخ زاهر حافل بالأحداث المركزية التي غَيَّرَتْ من الخريطة الجيوسياسية للشرق بل وللعالم كله ، ومنها فتح القسطنطينية 1453م وتحويل متحف آياصوفيا إلى مسجد وهو تغيير رمزي لا يخلو من دلالة سياسية فهي حكاية ظهور حضارة على أخرى : ظهور الحضارة الإسلامية الوافدة من الشرق والجنوب على الحضارة الغربية المسيحية في الشمال والغرب وذلك خط مواجهة مصيرية بين الإسلام والحضارة الغربية ، فَثَمَّ خصم يَتَمَرْكَزُ في الشرق والجنوب فذلك خطه الجيوسياسي المتصل من أقصى جنوب شرق آسيا إلى سواحل الأطلنطي وهو ذو مركز صلب وجناحين ، مركز الجزيرة العربية والشام والعراق ومصر لاحقا ، فتلك حواضر الإسلام الأولى وهي قواعد ارتكاز رئيسة انطلق منها الإسلام شرقا وغربا ، فالجناح الأول شرقا من العراق مرورا بفارس واختراقا لبلاد الترك حتى تَاخَمَ الفتح حدود الصين ، وحدود الهند الحديثة ثم كان الانتشار الناعم في الملايو وما وراءها حتى بلغ الإسلام الأرخبيل الإندونيسي ، والجناح الثاني غَرْبًا من مصر حتى أقصى المغرب ثم كان الانتشار جنوبا في مرحلة تالية تَوَلَّى كبرها المغرب الأقصى إبان حكم المرابطين حتى بَلَغَ الإسلام خليج غينيا فَعَمَّ أرجاء الغرب الإفريقي ، وَمَعَهُ انْتِشَارٌ آخر في القرن الإفريقي شَرْقًا وهو ما بدأ مع الهجرة الأولى والثانية إلى الحبشة ، ثم كان التحرك العسكري نهايةَ القرن الأول الهجري إبان خلافة عبد الملك بن مروان فكان تأديب القراصنة الذين اتخذوا مجموع "دهلك" ، وهو أرخبيل من الجزر الصغيرة شرق إفريقية ، قاعدةَ هجوم على تجارة المسلمين في البحر الأحمر فَجُرِّدَتْ حملة تأديبية استولت على الجزر التي تقابل مدينة "مصوع" المطلة على البحر الأحمر ، وهي الآن في إريتريا ، وهو ، كما يقول بعض الباحثين ، ما أَفْضَى إلى انْتِشَارِ الإسلام المتدرج شَرْقَ إفريقية ومنه إلى الشاطئ الجنوبي الشرقي ، فَتَحَوَّلَتْ إفريقية إلى قاعدة رئيسة من قواعد الإسلام في الجنوب ومن ثم كانت الشام قاعدة ارتكاز تحرك منها الإسلام شمالا تجاه آسيا الصغرى فكانت المحاولات المبكرة لفتح القسطنطينية الذي تأخر حتى منتصف القرن التاسع الهجري فَتَقَدَّمَ الإسلام خطوة أولى في ملاذكرد 463هـ واخترق السلاجقة الأتراك آسيا الصغرى وأقاموا قاعدة ارتكاز جديدة في العمق البيزنطي ، سلطنة السلاجقة الروم التي اتخذت مدينة "قونية" حاضرة لها وهي الحاضنة لجيل آخر من الترك المهاجرين من الشرق فِرَارًا من الزحف التَّتَرِيِّ ، فَظَهَرَ الجيل العثماني الذي نجح في تغيير المشهد الجيوسياسي فَدَفَعَ بالإسلام خطوة واسعة تجاه الشمال ودخل حاضرة الخصم المسيحي الأرثوذكسي بِرَسْمِ الفتح وهو ما أتاح له قاعدة الانطلاق الجديدة في الصراع آنف الذكر : صراعِ الشرق والجنوب الذي غلبت عليه المرجعية الرسالية وإن لم يخل من روافد أخرى حضارية فارسية وهندية وصينية ، صراعِ الشرق والجنوب مع الغربِ والشمال ذي المرجعية المسيحية على اختلاف مذاهبها الأرثوذكسية والكاثوليكية ثم البروتستانتية لاحقا واختلاف أعراقها السلاف واللاتين والأنجلوساكسون ، فَثَمَّ جبهتان مُتَمَاسِكَتَانِ قد اتصل حدهما الجيوسياسي ، وتكاد القسطنطينية تكون نُقْطَةَ التَّمَاسِّ بَيْنَهُمَا ، فَهِيَ تَرْبِطُ آسيا بأوروبا وعلى الشاطئ الآخر من المتوسط تظهر إفريقية في المشهد فهي تقابل ساحل آسيا الوسطى أو تُرْكِيَا الحديثة ، سَاحِلَهَا الجنوبي المطل على المتوسط ، فكان فتح القسطنيطية حَدَثًا مركزيا في التاريخ الوسيط يضاهي على الجانب الآخر من أوروبا ، الجانب الغربي في العدوة الأندلسية ، يضاهي سقوط قرطبة حاضرة الإسلام في الجزيرة الإيبيرية 633هـ ، وسقوط غرناطة بعدها بِقَرْنَيْنِ أو يَزِيد 897هـ ، وهي آخر معاقل الإسلام في الأندلس فَوَاكَبَ دخول الإسلام أوروبا من حَدِّهَا الشرقي والجنوبي ، كما يُقَرِّرُ المؤرخون ، واكبه خروجه من حَدِّهَا الغربي ، بل سقوط القسطنطينية ، لو تدبر الناظر ، حدث أكبر ، فإن قرطبة أو غرناطة حواضر ثانية فليست الحواضر الأولى في الحجاز ودمشق وبغداد والقاهرة ، وأما القسطنطينية فهي الحاضرة الأولى للمسيحية الأرثوذكسية ، وإن لم تكن الأقدم ، فكنيسة الإسكندرية سابقة في الوجود وَلَكِنَّ الثِّقَلَ السياسي الرَّئِيسَ للأرثوذكسية قد انْتَقَلَ إلى القسطنطينية ثم إلى موسكو فهي الآن حاضنة الأرثوذكسية الأقوى في العالم .
فكان فتح القسطنطينية عنوانا سياسيا وعسكريا رَئِيسًا في العصر الوسيط ، وهو ما أَتْبَعَهُ السلطان محمد الثاني ، محمد الفاتح ، بِتَحْوِيلِ كنيسة آياصوفيا إلى مسجد جامع عُنْوَةً فقد كان الفتح بحد السيف فلم يكن مُشَارَطَةً كما فتح بيت المقدس إذ اشْتَرَطَ الروم لأنفسهم ألا تمس كنائسهم وهو ما وَفَّى به المسلمون ، فلم يكن شيء من ذلك في فتح القسطنطينية فكان تحويل آياصوفيا عنوة إلى مسجد بما تحمل من رمزية دينية وحضارية ، كان تحويلها إلى مسجدٍ جامع إِجْرَاءً رَمْزِيًّا يحكي انْتِقَالَ السيادة من حضارة إلى أخرى ، من حضارة مُدْبِرَةٍ وهي البيزنطية الشرقية إلى أخرى مُقْبِلَةٍ وهي الإسلامية العثمانية ، كما أن تحويل مسجد قرطبة إلى كنيسة كاثوليكية كان إعلان انتقال السيادة من حضارة تَنْحَسِرُ في الجزيرة الإيبيرية وهي الحضارة الإسلامية إلى أخرى تَتَمَدَّدُ وهي اللاتينية الكاثوليكية .
فَثَمَّ تدافع حضاري بين هذين الخطين الحضاريين : الشرق الجنوب في حد ، والغرب والشمال في آخر ، وَبَيْنَهُمَا نقاط تماس رئيسة كالقسطنطينية وقبرص شَرْقًا وقرطبة وغرناطة غربا وصقلية في الوسط ، فتلك مراكز صراع حضاري رئيسة في حوض المتوسط ، وهو مركز السياسة والحرب الرئيس في العالم القديم والوسيط قَبْلَ اكتشاف العالم الجديد ، الأمريكيتين ، وانتقال مركز الحضارة الغربية إلى أمريكا على الضفة الأخرى من الأطلنطي ، وهو ما واكبه اكتشاف خطوط التجارة البحرية الجديدة التي رسمت مسارات السياسة والحرب ، فاكتشاف رأس الرجاء الصالح وهو نقطة اتصال بحري بين الأطلنطي والهندي قد غَيَّر قواعد التجارة العالمية في العصر الحديث ، وهو ما انْعَكَسَ على الجغرافيا السياسية والعسكرية ، تَأَمَّلْ حِرْصَ أمريكا على تطويق العالم ، لا سيما العالم القديم : آسيا وأوروبا وإفريقيا ، تَأَمَّلْ ، كما يقول بعض الباحثين ، حرص أمريكا على تطويق العالم بسلسلة من القواعد البحرية تستغرق المجاري الدولية ونظائرها الإقليمية كالبحر الأحمر والخليج العربي لا سيما بعد اكتشاف النفط ومنابع الطاقة في تلك الرُّقْعَةِ الجيوسياسية الَّتِي اصطلح حديثا أَنَّهَا الشرق الأوسط ، فَانْتَقَلَ مركز الثِّقَلِ غربا إلى الضفة الأخرى من الأطلنطي ، وإن بَقِيَ للأحواض القديمة كالبحر الأبيض والأسود والأحمر دَوْرٌ رَئِيسٌ في صياغة الجغرافيا السياسية في العصر الحديث ، فكان فتح القسطنطينية وهو محل شاهد ، وكان تحويل آياصوفيا إلى مسجد جامع وهي الكنيسة الرئيسة في القسطنطينية ، وهو محل آخر ، كَانَا حَدَثًا مركزيا في التاريخ الوسيط ، فهو إعلان رمزي عن تفوق الخط الشرقي والجنوبي في مقابل نظيره الغربي والشمالي ، وهو إعلان تَفَوُّقٍ يَنْقُضُ نظرية المركز التي تَبَنَّتْ قاعدة الهجرة الحضارية من الشرق والجنوب إلى الغرب والشمال ، حتى تؤول القسمة إلى طرف متخلف ! في الشرق والجنوب وآخر متحضر في الغرب والشمال ، والواقع يؤيد ذلك ، بادي الرأي ، لا سيما إن اقتصر الناظر في حد الحضارة أنها التقنية الحديثة دون نظر في البواعث الأيديولوجية والأخلاقية .
والحضارة المادية وما يَتْبَعُهَا من التفوق السياسي والعسكري ، كل أولئك من الإرث المشترك بَيْنَ جميع الأمم ، وهو مما يَتَدَاوَلُهُ الناس فَتَارَةً في الجنوب وأخرى في الشمال ، وأما الأيديولوجيا والأخلاق كَقِيَمٍ مركزية ثابتة في كل حضارة فهي مما لا يَتَبَدَّلُ بِتَبَدُّلِ التِّقْنِيَاتِ وَمَوَازِينِ القوى السياسية والعسكرية .... إلخ من العوامل المادية .
فكان تحويل آياصوفيا إلى مَسْجِدٍ جامع إعلانا ذا رمزية سياسية فقد انْتَقَلَ مركز القيادة من المسيحية الشرقية إلى الإسلام ، لا جرم كان حرص الغرب بعد ذلك أن يَتَحَوَّلَ المسجد إلى متحف أو أي شيء لا يحمل دلالة أيديولوجية ولو لم يَكُنْ كَنِيسَةً ! ، فذلك إعلان آخر ذو رمزية أَنَّ مَرْكَزَ القيادة قد انْتَقَلَ من الإسلام إلى الحضارة الغربية العلمانية ذات الجذور المسيحية فَاسْتُحْضِرَتِ المعاني الصليبية المحفِّزة كما اسْتُحْضِرَتْ إِبَانَ الحملاتِ الصليبية القديمة ، وذلك ما يُفَسِّرُ المشهدَ الراهنَ ، وإن اكْتَنَفَهُ ما يَكْتَنِفُ أَيَّ حَدَثٍ مِنْ غُلُوٍّ وَجَفَاءٍ يُقَابِلُهُ ، فلا يخلو من رمزية سياسية فَلَيْسَ يَعْنِي الغربَ العلماني ذا الجذور المسيحية ليس يَعْنِيهِ المكانُ بِقَدْرِ ما تَعْنِيهِ رَمْزِيَّتُهُ وإلا فالكنائس ، كما يَتَنَدَّرُ بَعْضُ المتابعين ، تُحَوَّلُ إلى مساجد في قلب أوروبا ، معقل المسيحية الأول ، فَعَلْمَانِيَّتُهَا من النَّوْعِ غير المتدين الذي لا يقيم وزنا لقداس الأحد ! ، فلا يكاد يحضره أحد ! ، وإن اسْتَحْضَرَتِ المعاني الصليبية من الذاكرة التاريخية حالَ المواجهة مع الحضارة الإسلامية فهي محفِّز سياسي وعسكري لا أكثر ! بلا أي صلاحيات تشريعية أو أخلاقية إلا آثارا باهتة لا تقدح في الأصل العلماني المحكم .
فَرَمْزِيَّةُ المكان ، جامع آياصوفيا ، وَرَمْزِيَّةُ الْقَرَارِ وَتَوْقِيتُهُ ، كُلُّ أولئك يحكي رسالة سياسية ذات جذور أيديولوجية ، فخط الشرق والجنوب يَرُومُ الدخول مرة أخرى على خط التأثير الحضاري والسياسي بعد عُقُودٍ وربما قرونٍ ! من الغياب فهو إعلان رجوع جديد إلى المشهد وذلك ما يُؤَرِّقُ الغرب فَذِكْرَياَتُ الصِّرَاعِ لا زالت في الذاكرة الأوروبية لا سيما المجاورة في البلقان وشرق أوروبا حتى وسطها ، فَيُشْبِهُ ذلك ، من وجه ، التدخل التركي شمالَ قُبْرُصَ 1974م فكان أول حراك عسكري تُرْكِيٍّ يخالف عن الدور المرسوم لِتُرْكِيَا في الحلف الأطلنطي ، دور التابع الوظيفي الذي يقتصر دوره على تطويق المد الشيوعي القادم من الاتحاد السوفييتي شمالا ، فكانت العقوبات الفورية ، العقوبات العسكرية الأمريكية على التَّابِعِ الْوَظِيفِيِّ الإقليمي الْأَبْرَزِ في مواجهة الاتحاد السوفييتي والتي استمرت حتى 1978م ، وهو ، كما يقول بعض الباحثين ، مَا أَثَارَ دَهْشَةَ تُرْكِيَا وَاسْتِنْكَارَهَا بَعْدَ كُلِّ تلك الخدمات الأمنية الجليلة التي قَدَّمَتْهَا تُرْكِيَا إلى الحلف الأطلنطي إبان الحرب الباردة ، وَحَمَلَهَا بعد ذلك أَنْ تُعِيدَ النَّظَرَ في علاقاتها في الدائرة الأطلنطية ونظيرتها الإقليمية فَسَعَتْ فِي مَدِّ جسورِ السياسة مع الاتحاد السوفييتي العدو الاستراتيجي الأول للحلف الأطلنطي ، فلم تجد تركيا في الحلف تقديرا لا لدورها في تطويق الاتحاد السوفييي ، ولا لاحتياجاتها الأمنية في مقابل الخصم اليوناني في بحر إيجة وقبرص مع أنه لا يقدم من الخدمات الأمنية ما تقدمه تُرْكِيَا ، فلا زال يُنْظَرُ إليها أنها خَادِمٌ تَابِعٌ قد اسْتُلْحِقَ من فضاء حضاري آخر ، خلاف اليونان فهي ، وإن فاشلة عديمة الجدوى سَيَاسَةً وَحَرْبًا وَاقْتِصَادًا وَكُلَّ شيءٍ ! ، إلا أنها عضو مؤسس للفضاء الحضاري الغربي بإرثها الإغريقي ثم المسيحي الأرثوذكسي ، وذلك ما انعكس في دوائر سياسية أخرى ، الاتحاد الأوروبي مثالا ، والأمر فيه أظهر ، فدول كقبرص واليونان لا تمثل أي إضافة اقتصادية لاتحاد يفترض أنه اقتصادي من الدرجة الأولى ، دول كقبرص واليونان ودول الكتلة الشرقية وهي دول فاشلة بامتياز فضلا أنها حديثة عهد بالقيم الاشتراكية التي تخالف عن القيم الرأسمالية في أوروبا الغربية ، كل تلك الدول تحظى بعضوية الاتحاد الأوروبي الاقتصادي ! ، ولا تحظى بها تركيا وهي صاحبة اقتصاد أقوى بأضعاف من اقتصادات اليونان وقبرص ودول الكتلة الشرقية فَتُرْكِيَا الآن شريك تجاري رَئِيسٌ للاتحاد الأوروبي ، ولكن الإشكال لا زال قائما ، وإن في أشد مراحل العلمانية ضد الدينية في تُرْكِيَا ، فلا زالت تُرْكِيَا ذات جذور إسلامية هَدَّدَتْ أُورُوبَّا يَوْمًا ما تهديدا وجوديا لا سيما من الجنوب والشرق بعد فَتْحِ القسطنطينية ، فكيف الآن وقد تحسنت الأحوال وإن لم تخرج تُرْكِيَا عَنْ عنوانِ العلمانية مع أنها قد نجحت في التحول ، ولو في الجملة ، من العلمانية ضد الدينية المناجزِة إلى العلمانية اللادينية المحايِدة ، على تَفْصِيلٍ في صحة هذا الإطلاق : إطلاق لقب الحياد على مذهب أيديولوجي ذي مرجعية تحرص على الامتياز من غَيْرِهَا كَأَيِّ مذهبٍ في الدين أو الفكر أو السياسة أو الاقتصاد .... إلخ ، فَتَحَوُّلُ تركيا من علمانية ضد دينية إلى أخرى لادينية مع إجراءات رمزية كإرجاع آياصوفيا إلى أصله العثماني مسجدا جَامِعًا فهو رجوع إلى أصلٍ تَقَدَّمَ حَكَمَ بِهِ سَيْفُ الفتحِ عنوةً ، كل أولئك مِمَّا يُثِيرُ بِرَمْزِيَّتِهِ السياسية مخاوف الغرب المسيحي لا مخاوفه على الكنيسة كَرَمْزٍ ديني فالكنائس تُغْلَقُ تِبَاعًا على أرضه ، وإنما مخاوفه على الكنيسة كَرَمْزٍ سياسي يحكي جذور الحضارة الغربية في مقابل خصمها التاريخي في الجنوب والشرق ، فهو يشبه ، مع القدر الفارق بداهة ، فَتْحَ القسطنطينية فلا يخلو إرجاع المتحف إلى مسجد جامع ، لا يخلو من رسالة سياسية أن إسطنبول تَرُومُ الحضور في المشهد بعد غِيَابٍ مَعَ ما يَرَاهُ الناظر الآن من حراك في الإقليم : في الجوار السوري والعراقي وفي حوض المتوسط الشرقي وساحله الجنوبي ، التدخل العسكري التُّرْكِيُّ المباشر في ليبيا والتدخل السياسي النَّاعِمُ في الجزائر والمغرب بل والعلاقات الاقتصادية المتميزة مع مصر وَنِظَامُهَا الآن من أشد الناس عداوة لِتُرْكِيَا ، وفي الخليج العربي ، القاعدة العسكرية التركية التي دشنت في أعقاب الحصار الخليجي في يونيو 2017 ، وفي الصومال فمنطقة القرن الإفريقي ذات وضع جيوسياسي استراتيجي على البحر الأحمر وهو منطقة نفوذ قديم للدولة العثمانية ، فضلا أنه جِسْرُ مرورٍ إلى العمق الإفريقي في الشرق والجنوب ، فذلك حراك جيوسياسي يستثمر في مناطق نفوذ قديمة وإن لم ينطلق من القاعدة الأيديولوجية نفسها ، قاعدة الإسلام كمرجع أيديولوجي للدولة العثمانية ، فَغَايَةُ ما يطلق على الحراك التركي الآن أنه علماني لاديني ذو جذور إسلامية ، وهذا الحراك في جغرافيا إسلامية يَفْتَقِرُ ، بداهةً ، إلى محدداتِ هَوِيَّةٍ جديدة تخالف عن الهوية الأتاتوركية العلمانية ضد الدينية ، فإرجاع آياصوفيا إلى مسجد جامع من ضِمْنِ هذا المحددات الجديدة ، فالإسلام كثقافة اجتماعية حاضرة بقوة في أي مجتمع ينتحله ، وإن علماني التوجه ، فالإسلام بطبيعته الشمولية في الاعتقاد والقول والعمل ، وَطَبِيعَتِهِ الأخلاقية التي تجاوز الأخلاق الفردية إلى نظائرها الاجتماعية وهو ما يصب في قناة الأخلاق السياسية ، مناط الخلاف الرئيس بين المرجعية الرسالية المنزلة وبقية المرجعيات الأرضية المحدثة بما فيها المرجعية الدينية الثيوقراطية التي احتكرت الحكم باسم الله ، جل وعلا ، وإن بَدَّلَتْ خَبَرَهُ وعَطَّلَتْ شَرْعَهُ وخالفت عن أمره ونهيه واستبدلت به أهواء الأحبار والرهبان وأذواقهم ، فالإسلام بهذا الشمول وهذا الامتياز الكامل من مرجعيات الخصوم ، الإسلام بما تَقَدَّمَ لا يمكن لعاقل يَرُومُ رياسةً في الشرق ، صَدَقَ في دعاية الإصلاح أو كَذَبَ ، بل ولو زِنْدِيقًا يُبْطِنُ الكفرَ ! ، لا يمكن لعاقل أن يتجاهله في صناعة الهوية ، وإن في الجملة ، بل ولو رياءً ومداهنةً ، فَهُوَ بِطَبِيعَتِهِ آنفة الذكر يخالف عن الدين الذي حَدَّهُ المركزُ فَقَصَرَهُ على عقد علمي مجرد يخالف عن المعلوم العقلي الضروري فهو من جملة المحالات الذاتية ولا يخلو من روافد وثنية ، فعقد التَّثْلِيثِ لا يمكن لِعَقْلٍ أَنْ يَهْضِمَهُ ، إلا تجشما وتكلفا ، وهو مجموعُ روافدَ محدَثة ، منها المصري القديم ومنها الإغريقي فالأقنوم الذي تجسدت فيه الحياة أو الكلمة ، لا يخلو من رافد إغريقي قديم وهو ما اصطلح أنه اللوجوس ، ومنها الصوفي الرياضي الذي انتحل نظرية الحلول والاتحاد فهي ، أيضا ، مما اقْتَبَسَتِ المسيحية من الديانات القديمة ولا تخلو من رَافِدٍ فَلْسَفِيٍّ ، فَإِنَّ الغلو في الإنسان وصيروته سيدا مطلقا في الأرض ، ذلك مَا اسْتَلْزَمَ تَأْلِيهَهُ ، فالحقيقة الإلهية قد تجسدت فيه نَوْعًا ، كما الحال في الحلول أو الاتحاد العام بجميع الأعيان فَقَدْ جَاوَزَ ذَلِكَ الإنسانَ إِلَى كُلِّ عَيْنٍ موجودة في الخارج ، وَلَوْ سُفْلَى ، فَتَجَسَّدَتْ فِيهِ الحقيقةُ الإلهية نَوْعًا أو عَيْنًا ، كما الحال في الحلول والاتحاد الخاص ، اتحاد الحقيقة الإلهية بالذات الأرضية أو اتحاد اللاهوت اللطيف بالناسوت الأرضي الكثيف فهو الصورة الأرضية للحقيقة الإلهية ! وذلك ما الْتَزَمَ لأجله مَنِ الْتَزَمَ أَنْ يُصَحِّحَ مقالَ فرعون : (أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى) ، فما زاد إلا أن حكى المذهب حكاية التأويل في ذاته فقد حَلَّ الإله فيها فَهُوَ مِنْ كبار العارفين بالحقيقة ! وهو ممن بلغ المقام الأسمى ففناؤه فناء الوجود الذي اضمحلت فيه الذات المخلوقة في ذات الخالق فاتحدت بها وذلك ما تسلل إلى مذاهب الغلاة من أهل الطريق من الإسلاميين ، لا جرم كان الاحتفاء المسيحي بهذه المذاهب الإسلامية ! ، فهي تصب في قناتها ، ومدار الجميع على الغلو في الحقيقة الإنسانية فقد حَلَّتْ فِيهَا الحقيقة الإلهية ، الحلول العام في كل موجود وإن أدنى ، أو الحلول الخاص في ذات فلان أو فلان من الأنبياء أو الشيوخ ، حلول الحقيقة الإلهية في ذات المسيح وصيروتها إلى مثال أرضي كثيف افتدى النوع الإنساني على خشبة الصليب ! ، وذلك أيضا رافد ديني قديم يغلو في جلد الذات وَتَعْذِيبِهَا وَتَقَصُّدِ إيلامِها ، كما يَرَى الناظر في مسالك الرهبانية الغالية التي جعلت الألم والحرمان غاية فَتَطْهِيرُ الرُّوحِ لا يكون إلا بِتَحْقِيرِ الجسدِ وَتَقْذِيرِهِ وَتَقَصُّدِ إيلامه وتعذيبه تكفيرا عن الخطيئة فلا كفارة لها إلا الصلب والذبح والتَّعْذِيب ، وذلك إِنْ صَحَّ في شرائع تقدمت على تفصيل في ذلك ، فقد قَصَّ مِنْهُ التَّنْزِيلُ تَوْبَةَ بني إسرائيل إذ اتخذوا العجل فلم يكن إلا قتل النفس ، فـ : (تُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ) ، والنفس في الآية تحمل على غيرها فقتل بعضهم بعضا ، على تقدير محذوف دل عليه السياق اقتضاء ، فتقدير الكلام : فَقَتَلُوا أنفسهم فَتَابَ الله ، جل وعلا ، عليهم ، وذلك ، بداهة ، من الإصر الذي وضع ومن الحرج الذي رُفِعَ كما امتن الإله ذُو النِّعَمِ ، تَبَارَكَ وَتَعَالَى ، بِرِسَالَةِ الختامِ ، فـ : (يَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ) ، فَغَايَةُ مَا أَمَرَ بِهِ موسى ، عليه السلام ، قَوْمَهُ بَعْدَ أَنِ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ، غَايَتُهُ أَنَّهُ شَرْعٌ قَدْ نُسِخَ فَلَا يجوز التعبد به ، بداهة ، وليس فيه ما يشهد للرهبانية المحدَثة التي أورثت أصحابها السآمة والملل فَتِلْكَ حَالُ أَيِّ مُتَنَطِّعٍ يَتَكَلَّفُ فَيُحَرِّمُ مَا قد أَحَلَّ الله ، جل وعلا ، عَدْوًا بِغَيْرِ علمٍ وذلك من أعظم المحرم : (أَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ) ، فَقَالَ القوم على الإله الحق ، جل وعلا ، قالوا عليه الباطل جهلا وعدوانا ، فذلك فساد المحل العلمي بالجهل ونظيره العملي بالعدوان ، فَإِذْ فَسَدَ التصور بالعدول عن جادة الوحي إلى سبل الهوى والذوق فقد فسد الحكم بالعدول عن الشرع المحكم إلى ما أحدث الرهبان والمتنسكة وإن طَلَبُوا به حَقًّا فَمَا أحدثوا ذلك إلا مبالغةً في التَّنَسُّكِ وَرَغْبَةً فِي التَّقَرُّبِ فلم يُصِيبُوا ما أرادوا ، فكم طالبٍ للحق لم يَبْلُغْهُ ! ، كما أُثِرَ عن بَعْضِ السلف ، ولا تخلو حالهم ، وَإِنْ تَعَبُّدًا ، لا تخلو مِنْ حَظِّ نَفْسٍ ، ولو اتِّبَاعًا للهوى والذوق فَقَدْ صَيَّرُوهُ مَرْجِعَ الحكم بالحسن أو القبح فما استحسنوا من الرياضة والزهد ، ولو غلوا يجاوز الحد ويخالف عن الجبلة والطبع ، فَمَا استحسنوا منه صيروه دِينًا وما استقبحوا من المباحات حَرَّمُوهَا بلا دليل إلا ما اقْتَرَحَتْ أهواؤهم وأذواقهم وهي كسائر المراجع الأرضي المحدَثة إن علمية أو عملية لا تَنْفَكُ تَتَفَاوَتُ فَهِيَ على أنحاء تَتَعَارَضُ وَتَتَنَاقَضُ فلا يفصل في الخصومة بَيْنَهَا إلا مرجع من خارج يجاوزها ، وذلك مناط النِّزَاعِ مع الحضارة الغربية المعاصرة ، وإن كانت على ضد الطرق الدينية الغالية ، فمناطُ النِّزَاعِ الأول مع الجميع ، طَرَائِقَ دينية أو علمانية ! ، مَنَاطُ النِّزَاعِ الأول هو المرجع الحاكم الذي يَفْصِلُ في الخلاف الحادث ، فلا يُرَدُّ الأمر إلى هوى أو ذوق في الأرض فلا يسلم من التهمة والنقص ، فَلَا يَسْتَقِيمُ الأمرُ إلا أن يُرَدَّ الجميع إلى مرجع من خارج يجاوز فيحكم في الخصومات حكومةً تَسْلَمُ من الأهواء والحظوظ وَتَبْرَأُ من التهمة والنقص فهي الوحي الذي عُصِمَ ، وهي المرجع الذي نَزَلَ فَحَكَمَ في الأهواء والأذواق وأبطل ما تَقَدَّمَ مِنْ تَأَلُّهِ الإنسان ، فلا يخلو المقال من رَمْزٍ فَلْسَفِيٍّ يَلْطُفُ ، فالغلو في العقل كمرجع تشريع ، والغلو في الإنسان كمركز لهذا الكون ، كل أولئك مَا قَدْ حَسَّنَ القول بالحلول والاتحاد ، ولو مَعْنًى ، كما لَزِمَ من لَزِمَ مِمَّنْ جَعَلَ الأحبار والرهبان حكما فاتخذهم آلهة تُحِلُّ وَتُحَرِّمُ ، فلازم ذلك حلول الروح التشريعية في ذواتهم الأرضية وصيروتهم آلهة تمشي على الأرض وإن لم تخرج عن حد الإنسان ذي الحاجة وَالنَّقْصِ ، فالغلو في الحقيقة الإنسانية الدنيا في مقابل الحقيقة الإلهية العليا أصلٌ في كلِّ شركٍ حَدَثَ في الأرض ، فكان المنشأ غُلُوًّا في الصالحين ، فـ : (قَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا) ، وبعده كان الغلو في الأنبياء والصالحين في أجيال تاليةٍ ، ومن بعدهم المشَرِّعَةُ من الأحبار والرهبان ، فـ : (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ) ، وهو ما يرجع بالكلام إلى أصل الخصومة بين الحضارة الرسالية ونظيرتها الغربية ، فالحضارة الغربية لم تخل من الغلو في أحبارها ورهبانها وإن كانوا من الجنس العلماني ! ، جِنْسِ المشرِّعة بالوضع المحدَث ، فقاعدة التحسين والتقبيح وما بعدها من قواعد الحكم والتشريع كل أولئك مما رُدَّ إلى المشرِّع الأرضي ، فَقَدْ حلت فيه روح التشريع كما حل اللاهوت في الناسوت ، وكما حلت روح التشريع في حاخامات يهود ، فكل أولئك من الغلو في الإنسان فقد حَلَّ فيه الإله ، أو حَلَّ فيه الأقنوم ، فهو الابن ، وذلك ما جعل المسيحية كأصل من أصول الحضارة الغربية ما جَعَلَهَا محل استنكار في أي حكومة عقلية ناصحة تواطئ فطرة التوحيدة الكامنة في كل نفس فَهِيَ تُقَبِّحُ الشركَ ضرورةً ، فآلت المسيحية في الغرب إلى عقد علمي مجرد لا يكاد يفهمه أحد وإن كبارَ رجالاتِه فَيَتَجَشَّمُونَ لأجله من الاستدلالات ما يَعْسُرُ ، وليس ذلك من الدين الذي يُسِّرَ ، فـ : (لَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ) ، فَأُقِيمَتْ حجته على الخاص والعام ، على العالم والجاهل ، فآلت المسيحية الغربية بعد أَنْ بُدِّلَتْ أصولها التوحيدية الناصعة وهي أصول النبوات جميعا ، آلت إلى هذا العقد العلمي المجرد مع صُعُوبَتِهِ فِي التَّنَاوُلِ وَالتَّدَبُّرِ ، فآلت إلى عقد علمي مجرد وشعائر تَتَّسِمُ بالعزلة عن الواقع ، في مقابل الإسلام الذي يَفْرِضُ نَفْسَهُ بِقُوَّةٍ ، ولو محددَّ هوية ، فلا بد من اعتباره ، ولو في أشد العلمانيات تطرفا ، صنيع أتاتورك في استخدام الإسلام كمحدد هوية تال لِلْعِرْقِ واللسانِ الْتُّرْكِيِّ مِثَالًا تَقَدَّمَ في مواضع سابقة ، وما يجري الآن في تُرْكِيَا هُوَ تَعْدِيلٌ في الهوية وإن لم يخرج بها عن حد العلمانية ، فانتقل ، كما تقدم ، من النوع ضد الديني إلى نظيره اللاديني ، فَتَقَدَّمَ الإسلامُ خطوةً وزادت مساحته في صناعة الهوية الاجتماعية والسياسية ، وإن إجراء رمزيا كإرجاع آياصوفيا مسجدا جامعا ، فلا يخلو ، كما تقدم ، من رسالة سياسية هي ما يُزْعِجُ الغرب في المقام الأول كما أزعجهم قبل ذلك فتح القسطنطينية ، فَهُوَ تَغْيِيرٌ نوعي في قواعد الاشتباك بين العالم الإسلامي والعالم المسيحي لا سيما الشرقي الأرثوذكسي ، إن في جنوب أوروبا وشرقها أو في حوض البحر الأسود وهو ما منح العثمانيين أسبقية جيوسياسية في مقابل روسيا القيصرية التي انتقلت إليها القيادة الأرثوذكسية بعد سقوط القسطنطينية ، فَفَتْحُ القسطنطينية كان عملا عسكريا نوعيا ضد العالم الأرثوذكسي ، وهو يلعب بالنظر في جغرافيته السياسية ، يلعب دور الحاجز الجيوسياسي بين العالم الإسلامي والعالم المسيحي الكاثوليكي ، فهو تغيير نوعي مباشر في المواجهة الإسلامية الأرثوذكسية ، وهو آخر غير مباشر في المواجهة الإسلامية الكاثوليكية فإن العثمانيين قد كسروا الحاجز الأرثوذكسي في جنوب أوروبا وشرقها ، وهو ما جعلهم في تماس مع جبهات كاثوليكية كالجبهة الكرواتية في البلقان ، وتجاور مع أخرى كالجبهة الإيطالية ، فاستيلاء العثمانيين على اليونان والبلقان قد جعلهم في جوار بحري إقليمي مع إيطاليا ، البحر الأدرياتيكي ، وإيطاليا هي الحاضنة الكاثوليكية الرئيسة ، وهو ما تطلع إليه محمد الفاتح بعد سقوط المعقل الأرثوذكسي الرئيس ، القسطنطينية ، فتطلع أن يجمع إليه المعقل الكاثوليكي الرئيس ، وشرع في ذلك إذ انْتَقَلَ بِقُوَّاتِهِ إلى مدينة أُوتْرَانْتُو جنوب إيطاليا لولا أن وافته المنية ، فانتقال العثمانيين إلى إيطاليا واستيلاؤهم على روما ، لو تم ، هو تغيير آخر نَوْعِيٌّ في قواعد الاشتباك مع الكاثوليكية ، وهو ما يعني انهيار العالم المسيحي أمام القوة الإسلامية المندفعة بقوة عسكرية وسياسية هائلة كأي أمة في حال فُتُوَّتِهَا ، فضلا عن انسياح القوة العثمانية شمالا حتى بلغت فيينا ، وذلك خط تماس ثان مع العالم الكاثوليكي ، فَفَتْحُ القسطنطينية حَدَثٌ مركزي رئيس في العالم الوسيط ، وهو ، كما يصفه بعض المحققين ، قمة المنحى الإسلامي فبعده كان التَّرَاجُعُ والانحدار المتدرج في مقابل الارتفاع المتدرج في المنحنى الأوروبي الذي أحس بالخطر الوجودي الذي يحفز أي إنسان ، وهو الكائن ذو الحياة الكاملة حياة الحس والحركة الإرادية الصادرة عن تَصَوُّرٍ تَامٍّ ، فكانت إرادة أوروبا الصادرة عن علمِ يَقِينٍ بخطر وجودي يَتَهَدَّدُهَا مِنَ الجنوب والشرق ، فحشدت قواها المادية والمعنوية وانطلقت في حركة بحث دءوب على قاعدة مخاصمة أيديولوجية مستحكمة فلم تُهْدَ أوروبا النَّظَرَ في أصل الخصومة ، ولم تَتَحَلَّ بالتجرد في الحكومة ، فكان بحثها بحث المتعصِّب الرَّاغِبِ في قهر الخصم ، إِنْ بِالْحَقِّ أو بالباطِل ، انطلاقا من قاعدة حضارية مخالفة ، وذلك ، في نفسه ، أمر لا يُذَمُّ ، فإن الإنسان يُمْدَحُ إذا انْطَلَقَ من قاعدةٍ ذاتٍ تَسْتَقِلُّ بِمَا جُبِلَ عليه من الأنفة أَنْ يَكُونَ تَابِعًا ، ولكن ذلك قد يَنْقَلِبُ كِبْرًا إذا علم الحق في مقال خصمه ، فالتجرد في طلبه لا يحول دون قبوله من أي أحد ، ولو خصما ، وهو لا يَنْتَقِصُ مِنْ قَدْرِ النَّاظِرِ ، فالحق قديم قَبْلَ خلقِ الجميع ، المخاصِم والمخاصَم ، فلم ينزل على قول خصمه وإنما نَزَلَ على الحق في قول خصمه ، فلا يَنْتَقِصُ ذلك من استقلاليته إذ أحسن يَنْظُرُ وَيَخْتَارُ ، فاختار من قول الخصم ما يواطئ الحق ، وإن خالف عن هواه وذوقه ، فهو مجتهد لا مُقَلِّدٌ لغيره ، فالمقلِّد هو الذي يُذَمُّ فليس ثم ذاتٌ تَسْتَقِلُّ ، وإنما ذات تابعة ، وأما المجتهد فلم يُقَلِّدْ أحدا ، بل أنصف في النظر والخصومة فلم تمنعه أن يقبل الحق مِنْ كُلِّ مَنْ جاء به ، فكان ارتفاع المنحى الأوروبي في مقابل انخفاض المنحى الإسلامي ، وهو ما به تأويل سُنَّةِ التَّدَاوُلِ فَهُوَ تَبَادُلٌ بَيْنَ الأطراف في المراكز والأوصاف فمن كان غالبا اليوم فهو مغلوب غدا ، وفي ذلك عِبْرَةٌ لِمَنِ اعْتَبَرَ فَرُؤْيَةُ الخصمِ وقد غُلِبَ تحمل العاقل أن يعتبر بما آلت إليه حال المغلوب فلا يُعْجَبُ وَلَا يَغْتَرُّ إذا غَلَبَ ، فالأيام دول ، كما حكى التَّنْزِيلُ من أيام كسرى وقيصر ، فَغُلِبَتِ الروم وتلك جولة ، فكانت لكسرى الدولة ، ثم كان نهوض الروم في بضع سنين فانقلبت من مغلوب إلى غالب ، وانتقلت فارس في المقابل فَغُلِبَتْ بعد أَنْ غَلَبَتْ ، وتلك سنة تجري في أي خصومة بَيْنَ اثْنَيْنِ ، وهو ما كان بعد الفتح ، فتح القسطنطينية ، فَثَمَّ أمة فَتِيَّةٌ غالبة تملك قُوَّةَ دفعٍ حضاري وجيوسياسي وعسكري هائلة ، وثم أخرى في مرحلة الشيخوخة ثم الاحتضار فأجهز عليها الغالب ، ولم يلبث أن رَكَنَ إِلَى قُوَّتِهِ ، فَبَدَأَ فِي التَّرَاجُعِ وبدأ المغلوب في التصاعد ، وذلك ما يستوجب نظرا أدق ، فالبناء العثماني كأي بناء سياسي لا بد له من فكرة يصدر عنها ، ولم تخل الفكرة العثمانية وهي ابنة عصرها وليس ذلك مُبَرِّرَ نَقْصِهَا ، لم تخل من قصور وانحراف ، فكان الانحراف الأيديولوجي الذي جمع رؤية المذهب الماتريدي في الإلهيات وذلك ما لا يظهر تأثيره المباشر في الأداء الاجتماعي والسياسي حال القوة والفتوة ، وإن ظهر ذلك على مدى يَطُولُ ، لا سيما في باب العمل ، فالماتريدية كسائر المتأخرين من جمهور المتكلمين مُرْجِئَةٌ فِي بَابِ الإيمانِ ، والإرجاء يَنْزِعُ من الإنسان باعث الحركة والعمل ، إن في دينٍ أو في دُنْيَا ، وهو ما اقْتَرَنَ بظواهرَ نَفْسَانِيَّةٍ ، لو تَدَبَّرَهَا الناظرُ لوجدها بَوَاعِثَ نَقْصٍ في الحركة الفاعلة التي تصنع الحضارة ، ظاهرة الفناء مثالا فِي السُّلُوكِ والأحوالِ ، فصاحبه يغيب عن الواقع ويشتغل بمقام الربوبية عن مقام الألوهية ، ومقام الربوبية مقام تكوين وهو مما يجب الإيمان به فهو من قواعد التوحيد الذي جاءت به النبوات ، ولكنه ليس الغاية العظمى من الوحي ، فَثَمَّ مقام الألوهية والفناء فيه هو ما يحمد إذ يَغِيبُ صاحبه عن المرادات الذاتية إلى المرادات الإلهية فهو مقام تشريع فَرْضُهُ التصديق والامتثال ، الأمر والنهي ، الإباحة والحظر ، وما يستوجبه ذلك من المشقة وهي عنوان السيادة إن في الدين أو في الدنيا ، كما حكى أبو الطيب في سيادة الدنيا ، فـ :
لَوْلا المَشَقّةُ سَادَ النّاسُ كُلُّهُمُ ******* الجُودُ يُفْقِرُ وَالإقدامُ قَتّالُ .
وهو ما يطرد في كل أمر ، وذلك ، بداهة ، لا يكون وثم استسلام يَتَذَرَّعُ صاحبه بشهود الحقيقة الكونية دون أن يستصحب ذلك بشهود آخر للحقيقة الشرعية ، وهي الحقيقة التي جاءت بها النبوات وهي مناط خصومتها الرئيس مع الحكومات الأرضية المحدثة ، فتلك حقيقة التكليف بالأمر والنهي الذي يدافع صاحبه الحقيقة الكونية ، فَيُدَافِعُ قَدَرَ التكوين بقدر التشريع ، وَيُبَاشِرُ الأسباب انطلاقا من قاعدة التَّوَكُّلِ ، ولا يكون ذلك إلا وثم تصور صحيح لمعنى الإيمان الذي يجاوز حد العلم المجرد ، فَثَمَّ مجموع مركب هو المجموع الفاعل الذي يُغَيِّرُ ، مجموع الصورة العلمية وما يصدر عنها من صورة إِرَادِيَّةٍ ، فلا بد لأي إرادة مِنْ بَاعِثٍ ، فما تحركت أوروبا بعد فتح القسطنطينية إلا وثم باعث من العلم بالواقع الحضاري والجيوسياسي الذي يهدد الوجود الأوروبي كله ، فكان هذا الباعث هو معدن الإرادة الأوروبية أَنْ تَنْهَضَ وَتَنْتَقِلَ من العصر الوسيط إلى نظيره الحديث ، وإن بدأ عصر النهضة قبل ذلك إلا أن هذا الفتح ، ولو من باب اللازم ! ، قد أفاد أوروبا إذ أَثَارَ فِيهَا غَرِيزَةَ الْبَقَاءِ ، فَحَشَدَتْ قُوَّتَهَا واستجمعت إِرَادَتَهَا أَنْ تَقْطَعَ شَوْطًا آخر في النهضة وَإِنْ حَالَ التَّعَصُّبُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ النَّظَرِ فِي مَقَالِ الْمُخَالِفِ بل ما كان نَظَرُهَا إلا عن اعتقاد سابق قد وَرِثَتْهُ عن الجيل الأول تَقْلِيدًا لم يخل من تعصب أعمى صاحبه أَنْ يَنْظُرَ بموضوعية لم يَزَلْ يَتَشَدَّقُ بِهَا وهو أَبْعَدُ ما يكون عنها ، وإن تحلى بالإنصاف فلا يخلو من رياء ومكر أن يستدرج الخصم بإظهار النصفة من نفسه ، وذلك في الجدال أمر لا يذم مطلقا ، وقد جاء به التنزيل في مواضع ، فـ : (إِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ) ، ولكن الإنصاف الأوروبي الذي اتخذ عنوان البحث الاستشراقي لم يخل من مجموع عجيب التكوين ! ، فَثَمَّ جهل مركب في باب اللسان فصاحبه يفسر نصوصا عربية وهو يجهل الأصول الدلالية لمواد المعجم ، وذلك أمر غالب على الدراسات الاستشراقية فَقَدْ جمعت ، إلا ما نَدَرَ ، سوءَ القصد الأول والجهلَ بدلالات الألفاظ ، فَلَيْسَ صاحبها ابن اللسان الأصيل وإن كانت العربية ، كما يقول أهلها ، لسانا فَلَيْسَتْ عِرْقًا أو عُنْصُرًا يقتصر على قبيل أو أمة من البشر ، واضرب له المثل بتأويل بعض المستشرقين لقب الأمي في قوله تعالى : (الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ) ، أنه من يَنْتَمِي إلى أمة ، وهي أمة العرب فهو النبي العربي ، لا العربي لسانا وإنما العربي نسبةً فَرِسَالَتُهُ تَقْتَصِرُ على العرب وَحْدَهُمْ ! ، وإن كان سياق الآية يحكي دخول بني إسرائيل في الخطاب ، فهو النبي العربي : (الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ) ، فليس الأمي في الآية مَنْ لَا يَقْرَأُ ولا يكتب وتلك حال النبي الخاتم صلى الله عليه وعلى آله وسلم قطعا للشبهة ، فـ : (مَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ) ، فالأمية في حقه ، كما يقول أهل الشأن ، مَنْقَبًةٌ ، وإن كانت في حق غيره مَذَمَّةً ، وكذا الْمَثَلُ يُضْرَبُ بما يقترح مستشرق آخر في سياق سياسي ماكر إذ يقدم الدلالة اللغوية المطلقة لمادة الثورة على الدلالة الاصطلاحية السياسية ، وذلك خلاف ما اصطلح أهل الشان حالَ تَعَارَضَتِ الدلالات فتقدم الاصطلاحية الأخص على اللغوية الأعم ، فتحكم ذلك المستشرق في رَدِّ الثورة إلى مادة النهوض والهيجان مِنْ : ثَارَ الجمل أو ثارت الدابة فذلك مفهو الثورة عند العرب والمسلمين فَلَيْسَتْ إِلَّا حِرَاكًا عَاطِفِيًّا مُهْتَاجًا يَغِيبُ فيه العقل فهو مَئِنَّةٌ من التخلف والبداوة إذ يصدر صدور الْغَرِيزَةِ الحيوانية ، فليس ذا رؤية سياسية كما الحال في الثورات الغربية المتحضِّرة ، وهو ، كما يقول بعض الباحثين ، ما أُدْخِلَ في جملة سياسية مفيدة تَوَجَّهَ بها هذا المستشرق إلى صناع القرار في المركز أَنْ يَتَعَاطَوا مع هذه الظاهرة الثورية المهتاجة باستخفاف فهي زوبعة في فنجان فَدَعُوهُمْ حَتَّى يَهْدَأَ حِرَاكُهُمْ وَيَنْفَضَّ جَمْعُهُمْ وَاسْعَوا في استيعاب الحراك واستنزافه ثم إِفْرَاغِهِ من مضمونه السياسي وتحويله إلى عمل إداري وإجرائي يطول مداه في جولات التفاوض حتى يهدأ ويتلاشى بمرور الوقت ، تأمل ما كان من إفراغ حراك 1919 من مضمونه السياسي وتحويله ، كما يقول بعص الباحثين ، إلى استقلال صوري بعد جولات تفاوض سياسي اختزلت هذا الحراك الثوري القوي في هذا المكسب الهزيل ولم تسع في تطوير الهجوم باصطلاح الحرب وزيادة الحشد والزخم لتضغط وَتَنَالَ المطلوب الأول الاستقلال التام لا محض الجلاء مع بقاء الاحتلال في صيغة تفاهم سياسي رسمي يكرس الوجود الأجنبي ويضفي عليه الشرعية السياسية فَتُؤْتِي الثورة ضد أُكُلِهَا فقد منحت المحتل صكَّ الشرعية ولم يكن قد ناله قَبْلَ ذلك ، وإن احْتَلَّ الأرض بحكم الأمر الواقع فَافْتَقَرَ إلى الوثيقة السياسية التي منحها له من تصدى لقيادة الحراك ولم يكن له أهلا ، فذلك ما قُدِّمَ من توصيات مِنْ بَعْضِ جِهَاتِ البحث الاسْتِشْرَاقِيِّ فإما التجاهل والاستخفاف مع تَرْكِ الظاهرة حتى تهدأ فهي ثورة كَثَوْرَةِ الدَّابَّةِ إذا أرادت أَنْ تَنْهَضَ ، وإما الاستيعاب الناعم في جولات التفاوض التي تُفْرِغُ الحراكَ من مضمونه ، تأمل ما نجح فيه المركز من استدراج القيادة الفلسطينية إلى جولات تفاوض في أوسلو بعد فشله في احتواء الانتفاضة فلم يُجْدِ تجاهلها شيئا ، وكان خيار الاستيعاب الخشن بجرعات قمع هائلة لم تَزِدِ النضال إلا قوة وإصرارا ، فكان الالتفاف الناعم لاستيعاب الحراك في جولات التَّفَاوُضِ ، فَتَوْصِيَاتُ الاستشراق في هذا الباب : التجاهل والاستخفاف والاعتماد على عامل الوقت حتى يَنْفَضَّ الجمع وتفوت الفرصة فَتُغَادِرَ اللحظة الفارقة ، كما اصطلح بعض الفضلاء في مصر ، فلا يمكن دَرَكُهَا تارة أخرى إلا بعد انقضاء سنوات وربما أجيال ! ، تأمل ما كان في مصر بعد حراك يناير 2011 فلم يكن ثم قيادة تَسْتَثْمِرُ هذا الزخم وتمضي به قدما لِتُحَقِّقَ الهدفَ الرئيس وهو الخلاص من البديل : البديل النخبوي المحلي كما يسميه بعض الفضلاء فهو بديل من آخر نخبوي أجنبي ، فالاستبداد المحلي وكيل عن الأصيل وهو الاستعمار الأجنبي وكلاهما نخبوي يخالف عن قواعد المجتمع في الحضارة وطموحاته في السياسة والحياة ، فلم يكن ثم من يطور الهجوم حتى يَبْلُغَ محطته الأخيرة ، فَلَعِبَ الخصم على عامل الوقت لِإِفْرَاغِ الحراكِ من مضمونه ، فسرعان ما تهدأ الفورة أو الهوجة ! كما يقال في مصر ، ويعود المجتمع إلى قواعده سالما ! ، مع الاستيعاب الناعم في جولات تَفَاوُضٍ مع السلطة الحاكمة ! بعد أن كان عنوان الحراك هو الثورة عليها فصارت طرفا شرعيا في تَفَاوُضٍ سياسي أفضى إلى عمل برلماني إجرائي يَسْتَنْزِفُ جزءا آخر من طاقة الفعل في الخارج ، ثم كان الاستيعاب الخشن وتلك توصية ثالثة من توصيات الاستشراق في مواجهة أي حراك في الأطراف ، فثم تحريض على سحقه بلا مبالاة بالنتائج فهو حِرَاكٌ بِدَائِيٌّ مُتَخَلِّفٌ لا يستحق إلا التأديب بالعصا والسوط والاستئصال بالسيف إن لزم الأمر ! ، وهو ما كان بعد ذلك في يوليو 2013 ، فَمَا صُنِعَ هو تأويل قياسي لهذا المقترح الاسْتِشْرَاقِيِّ في مواجهة الحراك الجماهيري ، ومنشأ ذلك ، كما تقدم ، تلاعب في دلالة لفظية ، دلالة الثورة بالمخالفة عن دلالة الاصطلاح السياسي وَرَدِّهَا إلى الجذر اللغوي لا بَيَانًا لمعناها اللغوي المجرد وهو ما يسهم في بيان معناها الاصطلاحي المقيد وإنما انحرافا بها عن معناها الفاعل المؤثر بِإِفْرَاغِهَا من مضمونها الاصطلاحي الأخص ، فضلا عن الانصراف ، بادي الرأي ، عن الاصطلاح الشرعي الذي يُضْفِي على هذا الحراك عنوان تكليف وهو الجهاد دفعا للصائل الذي دهم المحلة واستباح البيضة ، فكان التلاعب في الدلالات اللفظية ، كما تقدم ، والأقوال مبادئ الأفعال ، والحرب أولها كلام ، فلا بد من تحرير الكلمة والمصطلح قبل الشروع في الفعل ، ولا بد من تَحَرِّي القصد فيكون غرض صاحبه من البحث هو بُلُوغَ الحق لا التعسف في الاستدلال بوضع مقدمات تُفْضِي إلى نَتَائِجَ قد وضعها سلفا ! ، وهو ما يفسد استدلاله لا سيما وهو صاحب حظ في القول الذي رَجَّحَهُ فلا يخلو من تهمة أخرى بالانحياز والمسارعة في التأويل الذي يشهد لقوله ، وإن ضَعِيفًا بَعِيدًا لا يخلو من تَكَلُّفٍ ، فَجَمَعَ الجهل والتعصب الذي يجافي عن الموضوعية ! فأي إنصاف في بحث يَبْدَأُ مِنْ قَاعِدَةِ اعتقادٍ أَوَّلَ يَنْظُرُ في النصوص نافلةً يجبر بها اعتقاده ، ولو تأويلا بَعِيدًا أو باطلا لا شاهد له من لسان العرب ، فَنَظَرُهُ نَظَرُ الباحثِ عن دليل ، ولو شُبْهَةً يَعْلَمُ يَقِينًا بطلانها فلا غاية له إلا التشكيك على قاعدة الإفراط في الخصومة والشنآن ، وَإِنْ زَعَمَ التَّحْقِيقَ وَالتَّدْقِيقَ ! استنادا إلى مبدأ "العلم للعلم" ! ، وذلك ، لو تدبر الناظر ، قصور في الرؤية وهو مما يصب ، ولو من طريق غير مباشرة ، في قَنَاةِ الإرجاء ! ، فإن العلم صورة تحصل في النفس قُوَّةً ، منها الضروري ومنها النظري ، فلا بد من إخراجها إلى الفعل فهو الغاية من القول ، فالعلم لا يُرَادُ لِذَاتِهِ مُجَرَّدًا من تأويله في الخارج فلا يَنْفَكُّ يَقْتَرِنُ بالإرادة ، فإن الإنسان إذا حصلت له صورة محبوب فهو سَاعٍ في اسْتِجْلَابِهَا ، وإذا حصلت له صورة مكروه فهو سَاعٍ في اسْتِدْفَاعِهَا ، صَحَّتِ الصورة أو فَسَدَتْ ، فمحل الشاهد أَنْ لَا عَمَلَ إلا بِعِلْمٍ يَتَقَدَّمُ ، فهو باعث الحركة في الخارج ، وهو القوة الباطنة التي تتأولها النفوس بما تملك من أركان الفعل وأسبابه ، فَتُخْرِجُهَا من القوة إلى الفعل ، من التجريد إلى التحقيق ، من الباطن إلى الظاهر ، فيكون التَّغْيِيرُ الذي لا بد له من شريعةِ أَمْرٍ وَنَهْيٍ ، فنصوصها مُحَدِّدَاتُ الْحُسْنِ وَالْقُبْحِ ، صَحَّتْ أَوْ فَسَدَتْ ، وهو ، كَمَا تَقَدَّمَ فِي مَوَاضِعَ عدة ، مما يَسْتَوْجِبُ مرجعا في الحكومة حالَ الاتِّفَاقِ أو الخصومة فَلَا بُدَّ من مرجعٍ يَأْرِزُ إليه التشريع على وجه يُفَصِّلُ فَلَا يَقْتَصِرُ على المبادئ والمقاصد فهي علوم ضرورية لا يُنْكِرُهَا إلا جاحد أو مسفسط ، وإنما يكون التمايز حال التفصيل ، فالاستدلال بالمجملات ، كما يقول أهل الشـأن ، من أضعف ما يكون في الباب إذ المجملات تحتمل التأويل فكلٌّ يحملها على ما يُوَاطِئُ هَوَاهُ أو ذَوْقَهُ ، تَأَمَّلْ عنوان العدل ، فهو مما قد عُلِمَ حسنه بالضرورة ولكنه لا يَنْفَكُّ حالَ التَّفْصِيلِ يَتَفَاوَتُ فِي التَّأْوِيلِ ، فَتَأَوَّلَتْهُ الْمُثُلُ الشيوعية وَمِنْ بَعْدِهَا الاشتراكية وَإِنْ أَخَفَّ وطأةً ، تَأَوَّلَتْهُ هذه الْمُثُلُ أَنَّهُ التَّسْوِيَةُ المطلقة ، وَلَوِ اخْتَلَفَتِ المحال ، وذلك من الظلم بمكان أن يُسَوَّى بَيْنَ المختلِفَيْنِ ، فالعدل في هذه الحال أن يُفَرَّقَ بَيْنَهُمَا ، فلا يجزئ الاستدلال بالمجمل حتى يَرِدَ المبيِّن ، فلا بد مِنْ شَرْعٍ يُفَصِّلُ مَا أُجْمِلَ مِنْ مَقَاصِدِهِ وَمَبَادِئِهِ ، وهو ما يُوجِبُ رَدَّ الخصوماتِ إلى مَرْجِعٍ مُفَصَّلٍ ، وذلك مَنَاطُ نِزَاعٍ رَئِيسٍ في كل جِيلٍ فَكُلٌّ يحتكر الحقَّ وَيَزْعُمُ أنه الأصح والأعدل ، وأنه العدل الضابط الذي تؤمن حكومته فَنَقْلُهُ صحيح وعقله صريح وحكومته سالمة من الهوى والحظ ، فليس يَرُومُ إلا الحق ، وإن تأوله بما يُوَاطِئُ رَغَائِبَهُ فَقَدِ اعْتَقَدَ ، كما تَقَدَّمَ ، اعتقد ما يلائم ثم راح يُفَتِّشُ عن الدليل الشاهد ، ولو شبهةً في النقل فهو يَتَعَلَّقُ بأهداب أَيِّ نَصٍّ ، ولو ضعيفا أو منسوخا أو معارضا بأقوى ، فالتجرد في الاستدلال يوجب تقديم ما حقه التقديم من الأقوى دليلا أو دلالة وتأخير ما حقه التأخير من الأضعف دليلا أو دلالة ، فإذ تعارضت المراجع والمستندات الأرضية المحدثة ، فلا تخلو الحكومات من تَدَافُعٍ وَتَنَاجُزٍ ، إذ مَصَادِرُهَا نُفُوسٌ لا تخلو من الجهل والحاجة ، والحاجة تُلْجِئُ صاحبَهَا أن يُبَرِّرَ أفعاله فَيَكْسُوَهَا لحاءً من الأخلاق والتشريع ، فيكون التأويل الذي يَبْلُغُ في أحيانَ كثيرةٍ حَدَّ التعطيلِ لأدلة الحق وَالتَّلْفِيقِ لأدلة الباطل ، ولو اسْتَخْدَمَ صَاحِبُهَا النَّصَّ ولكنه لا يَنْفَكُّ يخالف به عن الجادة ، جهلا أو قصدا ، وكلاهما يحجب صاحبه أن يَتَصَدَّرَ المشهد ، وهو ما يوجب عقلا رَدَّ الخصومات الأرضية إلى مرجع من خارج يجاوزها فجاءت النبوات بما يُفَصِّلُ في هذه الخصومات ، فالوحي هو المرجع المجاوز من خارج ، وهو الحكومة المؤتمنة إذ تجردت من الأعراض والحظوظ ، أعراض النقص وحظوظ النفس ، وذلك ، كما تقدم مرارا ، أصل كل خصومة في الأرض ، فَمَبْدَأُ الخصومات السياسية هو الخصومة في الفكرة فلا بد من مرجع أول ، فإذا لم يكن الخصوم على كلمة استدلال واحدة تَفَرَّقَتْ بهم السبل وكان من العداوة والبغضاء ما يَسْتَنْزِفُ الجميع ، فلا يحسم هذا الإشكال إلا المرجع المجاوز من خارج ، وهو مرجع علم وعمل ، فالعلم فيه ليس العلم المجرد الذي يَزْعُمُ الحياد ، وذلك ما لا يتصور ، فَخَاصَةُّ العلمِ أنه يُثْبِتُ وَيَنْفِي ، وَيُعَيِّنُ أوصاف المعلوم حُسْنًا أو قُبْحًا فأحكامه لا تحايد لا سيما في مواضع التَّعَارُضِ وَالتَّنَاقُضِ ، فليس الحق فيها إلا واحدا ، وَكُلٌّ يَزْعُمُ انْتِحَالَهُ رَائِدًا ، فيستدل له صح الاستدلال أو بَطَلَ ، وخاصة الاستدلال أنه يُرَجَّحُ ، ولو بلا مرجح ! وإن كان ذلك بَدَاهَةً ما يخالف عن الحياد فلا يكاد الناظر يَحُدُّهُ في الخارج فَالنُّفُوسُ لا تخلو من مقدماتٍ ضرورية وبواعث اعتقادية تَجْعَلُ العلمَ وسيلةً لا غايةً ، إن في العلوم العقلية أو نَظَائِرِهَا التَّجْرِيبِيَّةٍ ، فالبحث التجريبي لا يخلو من اعتقاد ! ولو كان ، بادي الرأي ، أَقْرَبَ إلى الحياد ، تأمل البيولوجيا الأيديولوجية في الأطروحة الشيوعية وقد أَنْفَقَتْ ما أَنْفَقَتْ من الجهد والمال في أبحاث غَايَتُهَا الرئيسة إنتاج المادة الحية في المعمل لِتُثْبِتَ أَنْ لَا إله ولا خالق لهذا الكون ، فقد صنعت الحياة في المعمل فما الحاجة إلا خالق يدبر ويرزق ؟! .
والشاهد أن الْعِلْمَ لا يُرَادُ لِذَاتِهِ ، وإنما يُرَادُ للعمل وذلك ما خالف عنه الطرحُ الْفَلْسَفِيُّ المتقدم إذ جعل لذة العلم غاية وذلك قد يصح لا سيما إن كان المعلوم شريفا فالعلم بالله ، جل وعلا ، علم الإلهيات والشرعيات عند من يوقن بالنبوات ، ذلك العلم أشرف لذة يَنَالُهَا باحث إذ شرف العلم من شرف المعلوم ولا أشرفَ ، بداهةً ، من الرب المعبود ، جل وعلا ، ولكنه ، مع ذلك ، لا بد له من غَايَةٍ ثَانِيَةٍ في الخارج وهي العمل فهي دليله المصدِّق وتأويله المحقَّق ، وإلا كان دعوى بلا دليل ، ودليل العلم : دليل الاستدلال النظري ودليل التصديق العملي الذي يوجب إدخال العمل في حد الإيمان على وجه يبطل ما تَقَدَّمَ من مقال الإرجاء الذي قَصَرَ دلالة الإيمان المجزئ على الاعتقاد والقول ، على تَفْصِيلٍ في ذلك ، وهو ، لو تدبر الناظر ، أمر قد عَمَّتْ بِهِ البلوى في الأعصار المتأخرة ، تأمل المؤسسات الدينية الرسمية في العالم الإسلامي المعاصر وقد صار الإرجاء لها عَقْدًا ، وهو ما اعتضد بحركات السلوك والرياضة التي صارت هِيَ ، أيضا ، من جملة المؤسسات ذات البناء الهرمي المحكم الذي يضاهي البناء الكنسي في العصر الوسيط ، وهو ما حَظِيَ برعاية الحكومات الوظيفية التابعة في الشرق فإنها رأت في هذا الطرح ما يُهَدِّئُ ثَائِرَةَ الجماهير ويمتص طاقتهم الإيمانية ويصرفها في قنوات وجدانية لا أثر لها في الخارج بإنكار أو تَغْيِيرٍ ، فصارت تلك المؤسسات من جملة أدوات التَّغْيِيبِ ، وهو ما انْعَكَسَ على حركة المجتمع الذي أصابه الفتور الحضاري والسياسي فذلك أَثَرٌ مُتَرَاكِمٌ ، وإن غَيْرَ مباشر ، لعقد ديني يُهَوِّنُ من شَأْنِ العمل ويخرجه من عنوان الإيمان المجزئ ، فَلِمَاذَا يَعْمَلُ الإنسان إِذًا وقد ضمن النجاة بالاعتقاد والقول المجرد ، ولماذا يجهد في تدشين بناء الحضارة والسياسة في الخارج وليس ثم تكليف ، فالإيمان ليس إلى الاعتقاد والقول ، فَانْعِكَاسُ ذلك على الواقع أَمْرٌ قَدْ تَرَاكَمَ من لدن حَدَثَ مقال المتكلمين في هذا الباب ، باب الأسماء والأحكام ، فأخرج العمل من عنوان الإيمان فَضَعُفَ وَوَهَى وَكَادَ يَنْحَلُّ مِنَ القلب ولم يكن ثَمَّ حدود تحوطه ، تأمل آثار هذا القول في باب قد عَمَّتْ بِهِ الْبَلْوَى بَيْنَ الغلو والجفاء ، وهو باب النواقض ، نواقض الدين ، فأخرج الإرجاء نَوَاقِضَ العمل من الباب ، فَمَهْمَا قَارَفَ الإنسان من أعمال تَطْعَنُ في أصل الملة فهو على الجادة وإن أَثِمَ إِثْمَ المعصية المجردة ! ، وذلك ما اجْتَرَأَ به الخلق أن يقارفوا نَوَاقِضَ الشرع وهم في مأمن من وازع قرآن أو سلطان ، إذ اخْتُزِلَ الدين في عقد علمي مجرد من الآثر العملي في الخارج ، فصار العلم مُرَادًا لِذَاتِهِ من كل وجه ، وإن خالف عن بدائه العقل والحس ، فَلَا يُوجَدُ مَنْ يَتَعَلَّمُ لمجرد التَّفَكُّهِ إلا في أعصار الانحطاط التي تَغْلِبُ عليها الدراسات النظرية العقيمة التي تَتَكَلَّفُ الحدود والقيود وتستنفد الجهود بلا طائل فلا نَتَائِجَ إِنْ في الفكرة أو في الحركة ، إن في التأصيل أو في التجريب ، وإنما تشدق بالألفاظ وتلاعب في الاستدلال يحمل عنوان التأويل ولو بالخروج عن مبادئ الاستدلال ومبدؤه لسان يُفْصِحُ وَيُبِينُ فهو أَدَاةُ الْبَيَانِ الكاشفة عَمَّا في النفوس من معانٍ حاصلة ، فالعلم أداة يَتَوَسَّلُ صَاحِبُهَا إلى العمل ، ومنه العمل في المعاني المعقولة بما يكون من نظر وتدبر يَنْفَعُ فهو يجاوز حد التجريد المتكلَّف فَثَمَّ نَتَائِجُ وأفكارٌ لا تَنْفَكُّ آثارها تظهر في الأقوال والأعمال ، وذلك ، كما تقدم مرارا ، ما يخالف عن نظرية الإرجاء التي غَلَتْ في تجريد المعنى النظري فَقَصَرَتِ الإيمانَ على المعنى القلبي ، معنى التصديق الذي يحصل به معنى إيمان يجزئ وذلك ، بداهة ، ما يخالف عن قانون اللسان فهو العمدة في تَفْسِيرِ النصوص ، فمن أَرَادَ الاستدلال بأي نص من أي كتاب أو مرجع فلا بد أن يَفْقَهَ قانون اللسان الذي كُتِبَ به النص ، فلكلِّ لسان من طرائق البيان والاستدلال ، وَقَرَائِنِ السياق والكلام ما يجاوز حد الدلالة المفردة لألفاظ المعجم ، لا سيما حال الاشتراك بين أكثر من معنى فالسياق قَرِينَةٌ تُرَجِّحُ بَعْضًا على بعض على وجه به يكون الحسم ، حسم الخلاف بين المعاني بِتَرْجِيحٍ واحدٍ هو مُرَادُ المتكلم ، أو أكثر على القول بجواز العموم في دلالة اللفظ المشترك فَيُحْمَلُ عَلَى أَكْثَرَ مِنْ وجهٍ يصح ، وذلك باب واسع فَصَّلَ فيه الدِّلَالِيُّونَ الْقَوْلَ ، وبه اختلفت النَّتَائِجُ النظرية وإن كانت المقدمات الضرورية واحدة ، فقد يكون الخلاف في الاستدلال لا الدليل ، فَيُسِلِّمُ الخصوم بالمبنى ويكون الاختلاف في المعنى ، وكل أولئك مما يجاوز بداهة تصديقا مجردا في الباطن فَثَمَّ من العمل ما هو معقول به استنباط أحكام وأفكار لا تَزَالُ آثارها تظهر في الخارج فهي التصور الذي يسبق الحكم ، واضرب له المثل بما تقدم من حد الإيمان فإن قصره على التصديق المجرد في الباطن يُورِثُ صاحبه ، ولو على مدى يطول ، يورثه الكسل والقعود ، فالمطالب الشريفة قد نِيلَتْ بِأَيْسَرِ طريقة ! ، فاستوى العامل والعاطل ، فكلاهما يُصَدِّقُ بمعنى يجرده الذهن بلا أَثَرٍ في الباطن إرادةً ، ولا في الخارج قولا وعملا ، وذلك ، كما تقدم مبدأَ الكلام ، ما ساهم في تَرَاجُعِ المنحنى الحضاري العثماني بعد بلوغه قمة الفتح ، فَثَمَّ رُكُونٌ إلى الإنجاز فَتَعْقُبُهُ في الغالبِ حالٌ من الاسترخاء فَثَمَّ نَشْوَةٌ تَبْلُغُ حَدَّ السكرة فهي تَغْفَلُ عن السَّنَنِ المحكم الذي به التَّدَاوُلُ يحدث ، فالغالب حال اندفاعه الحضاري والسياسي لا يجد آثار الانحراف النظري أو العملي فلا زال الجيل الأول ، جيل البداوة في الإرادة والفعل ، لا بداوة الجفاوة في الطبع ، وإنما قوة الإرادة والفعل ، وذلك معنى يجاوز ما تَقَدَّمَ من العقد المجرد في الباطن فلا حَرَارَةَ له تَسْرِي إلى الأركان فَتَنْهَضَ بِلَوَازِمِهِ وقواسمه في الخارج قولا وعملا يجاوز الأفراد إلى المجتمع فيكون ثم رأي في السياسة والحرب ويكون ثم معنى جهادٍ ونضالٍ ، ومن ثم يكون الحراك فذلك ما لا يكون ، بداهة ، حال الإرجاء فهو من عناوين الانحطاط الاجتماعي والسياسي فضلا عن الانحراف العقدي والشرعي ، فإذا انْقَضَى الجيل الأول وَبَلَغَتِ الحال قمةَ المنحنى فالانحدار يكون في الجيل الثاني بطيئا لا تظهر آثاره دفعة فهو مجموع يَتَرَاكَمُ شَيْئًا فَشَيْئًا ، ولا يشعر الجيل الثاني بهذا النقص فَثَمَّ ذخيرة كبيرة خلفها الجيل الأول ، كمن وَرِثَ تَرِكَةً كبيرة فلا يشعر صاحبها بالنقص إلا بعد أَنْ يُدَاوِمَ النَّفَقَةَ مرةً بَعْدَ أخرى فلا يظهر العجزُ دفعةً ، وإنما يَتَرَاكَمُ شَيْئًا فَشَيْئًا ، فإذا جاء الجيل الثالث ولم يكن من الذخائر ما يجزئ في سد الخلل ، خللِ الإرادة والباعث ، فَثَمَّ فُتُورٌ بعد نهوض ، وخللِ الفعل في الخارج فلم يَعُدْ ثَمَّ قوة دفع حضاري وسياسي ولو قصورا ذاتيا يَسْتَثْمِرُ ما بَقِيَ من قوة الدفع الأولى ، فإذا جاء هذا الجيل تسارع الانحدار وليس إلا حكاية لما تقدم من الانحراف وإنما حال دون ظهوره في الجيلين : الأول والثاني ، ما كان من قوة الدفع وما كان من ذخيرة الفتح ، فَاسْتُنْفِدَ ذلك بِتَقَادُمِ العصر وَبُعْدِهِ من أصل الفكرة ومبدأ النهضة ، كما يُضْرَبُ المثل بالنبوة فإن العهد كُلَّمَا تَقَادَمَ كان إشراق نورها في القلب وما يكون من آثاره في القول والفعل ، كان ذلك أضعف ، وهو ما أَفْرَزَ على المدى البعيد ما تقدم من ظاهرة الإرجاء الذي بدأ شبرا وانتهى ميلا ، وتلك ، كما يقول بعض المحققين ، خاصة أي محدثة في الفكرة أو الشرعة فانحرافها مبدأَ ظهورها يخفى فلا يَزَالُ يزيد وَيَتَعَاظَمُ حَتَّى يظهر بل ويملأ المشهد فَيُسْتَبْدَلَ بالحق ، ويصير الحق هو المستنكَر ، فَيَنْشَأُ جيل جديد على فكرة باطلة وهو يظنها الطريقة الناصحة ! ، تأمل ما آلت إليه حال المتأخرين من المرجئة وقد بلغت في أحيان نَبْزَ المخالف الذي يُدْخِلُ العمل في مسمى الإيمان ، نَبْزَهُ بالغلو فهو على مقال الخوارج الأوائل ، على تفصيل في ذلك فلم يحسن يميز أصلَ السنة من محدَثة الخوارج في دخول العمل في مسمى الإيمان ، على تفصيل مبسوط في كتب المقالات ، فلا يمكن أن يؤدي العلم وظيفته إذا اقتصر صاحبه على درسه النظري المجرد وتذرع أنه موضوعي محايد يروم العلم للعلم فذلك خلاف الضرورة التي يجدها كل عالم في نفسه فإنه يَتُوقُ أَنْ يَتَأَوَّلَ معلومَه في الخارج قَوْلًا وَفِعْلًا يُغَيِّرُ في الواقع الفردي والاجتماعي فلا تَنْفَكُّ آثاره تظهر في الفعل الحضاري والسياسي والعسكري ...... إلخ ، فذلك عنوان جامع يستغرق سائر المحال والأحوال ، وهو ما يخالف ، بداهة ، عن مقال الإرجاء الذي قصر الإيمان على الاعتقاد ، أو الاعتقاد والقول دون عمل يصدقهما في الخارج ، على تفصيل في ذلك ، فأجناس الإرجاء تَتَفَاوَتُ قُرْبًا أو بُعْدًا من السنة ، وكلما كان العهد أبعد من النبوة كان الإرجاء أشد على ما تَقَدَّمَ من القانون المطرد في أي فكرة أو حركة ، فحرارتها مبدأَ الأمر باعثُ النفس أَنْ تَنْهَضَ بحملانها وَتَحَمُّلِ تَبِعَاتِهَا فيكون المنحى في تَصَاعُدٍ فَإِذَا بَعُدَ العهد كان البرود والفتور قُعُودًا بَعْدَ النُّهُوضِ ، وانحدارا في منحنى الحضارة والسياسة والحرب بعد بلوغه القمة ، فتح القسطنطينية آنفُ الذكرِ مثالا ، فَبَعْدَهُ كان الفتور وَالتَّرَاجُعُ رُكُونًا إلى الإنجاز ، من وجه ، وظهورا لآثار الانحراف الأول في حد الإيمان المجزئ ، من آخر ، فكلما غادر صاحبه من العمل قِسْطًا فَضَاقَتْ دائرة الإنجاز في الخارج ، كان البديل المجزئ في تسكين النفس ولو سكرةً ! ، كان البديل ، كما يقول بعض المحققين ، هو الإرجاء الذي تطمئن به النفس ، ولو غرورا ، أنها على جادة الإيمان ولو لم تَنْهَضْ بأعماله في الخارج ، بل قد تجعل قعودها آيةَ إيمانٍ يِزيدُ ، غُلُوًّا في شُهُودِ القدر وإن عَطَّلَ صاحبه الشرع أو فَرَّطَ ، فَقَصَّرَ في التصديق والامتثال الذي يعم ، كما تقدم ، جميع الأحوال والمحال ، فالدين الخاتم دين جامع قد استغرق سائر الحركات الاختيارية ، الباطنة والظاهرة ، اعتقادا وقولا وعملا ، ومساحة العمل فيه تَتَّسِعُ بما يستحضر العامل من نَوَايَا وَمَقَاصَدَ ، فتكون حركة السياسة والحرب والبحث في العلوم والفنون والإنتاج ، صناعة أو زراعة ، والخدمة طبا وعلاجا ....... إلخ ، تكون هذه الحركة الإنسانية المركبة التي تستغرق احتياجات أي مجتمع ، تكون مؤطرة بقيم عليا حاكمة ومقاصد جامعة تأرز إلى الرسالة الخاتمة ، وهي وحي السماء الذي يضيف إلى قواعد العمل والإنتاج في الأرض معنى شَرِيفًا يلطف وهو الإيمان والإحسان وما يستوجبانه من ديمومة المراقبة انطلاقا من وازع ذاتي باطن ، فكل أولئك مما لا يرسخ في النفس إن اختزل الإيمان في الاعتقاد والقول دون العمل ، فثم آثار نفسية وتربوية سالبة لهذا المذهب ، مذهب الإرجاء ، فإنه يُسَكِّنُ الضمير وَيُضْعِفُ الرَّقِيبَ إذ لا يَشْعُرُ صاحبه أنه قد خَرَجَ عن دائرة الإيمان ، إن دائرة الإيمان الواجب أو مطلق الإيمان الأول الذي لا يثبت حال المقارفة لِنَاقِضٍ من نواقضه التي تجاوز نواقض الاعتقاد ، فَثَمَّ نواقض في القول والعمل ، وذلك أمر آخر تظهر آثاره في سلوك الفرد والمجتمع وسلوك الدولة في السياسة والحرب ، فإنها إذا قصرت الإيمان على العقد والقول لم تجد حَرَجًا أن تجاوز حدود العمل بما تُقَارِفُ من جرائم ، فلا ضير إذ الإيمان واحد في معناه لا يَتَجَزَّأُ ولا يَنْشَعِبُ إلى شُعَبِ اعتقاد وقول وعمل ، فإذا اعتقد الإنسان ونطق فقد استوفى الإيمان فلا حرج بعد ذلك أن يخالف عن أحكام الشرع على تَفَاوُتٍ في مقال الإرجاء ، فكلما غلا في هذه المحدَثة كان جفاؤه في باب العمل الذي اعتبره الوحي ولو إماطةَ أذى عن الطريق فهي من شعب الإيمان كما في الخبر وهي عمل قد يَصْغُرُ في الصورة ولكنه ، مع ذلك ، يدخل في الحد الإيماني الجامع بالنظر في أجزائه وشعبه في الخارج ، فثم آثار سالبة في سلوك الأفراد إذ يحصل لهم الإيمان بالاعتقاد والقول المحض إذا انْتَحَلُوا هذا القول وهو ما يَنْعَكِسُ على أي هيئة مجموعة فهي حكاية لتصورات الأفراد وسلوكهم ، فإذا كان العقد الجامع لأمة عقدا يَقْتَصِرُ على اعتقاد وقول ، فعلام يعمل الإنسان ويجهد نَفْسَهُ ؟! ، وهو ما وَطَّأَ لِلتَّصَوُّفِ الذي قَعَدَ صاحبه وَأَقْعَدَ غيره ! ، فأتاح البديل الوجداني السهل الذي لا مشقة فيه ولا جهد ، فهو يشبع غريزة التدين بأقل كلفة ، ويخدر الضمائر إذا آلَمَهَا العصيان والتقصير والقعود عن الفضائل والمكارم فَهُوَ في زهدٍ وَتَنَسُّكٍ وذلك خير من مدافعة الواقع والسعي في تغييره لا سيما في الأعصار المتأخرة التي تعرض فيها الشرق لموجة الاحتلال ، فكان التصوف من أوثق حلفائه إذ وفر له الذريعة الأيديولوجية أن يقعد الناس فلا يدافعونه بل يبايعونه فهو القدر الكوني الذي لا يعترض على نفاذه إلا مارق غوي ، وإن لم ينهض بالسبب ابتداء ، فَقُعُودُهُ واعتزَالُه مئنة من كمال دينه وإيمانه ، إذ آمن الإيمان الجازم أن الرب الخالق ، جل وعلا ، قد أقام العباد فِيمَا أراد ، فَأقام المحتل في مقام الاحتلال والاستنزاف للأطراف وأقام الأطراف أَنْ تُسْتَنْزَفَ فلا تُقَاوِمَ ولا تدفع فذلك اعتراض على المكتوب والمقدَّر ! ، وذلك ما اتخذ ذريعة في تُرْكِيَا الحديثة أَنْ يُنَاجَزَ الدين فكان من دعوى الإصلاح الديني الأتَاتُورْكِيِّ ! إلغاء هذه الطرق التي أضرت بالإسلام وَانْتَقَصَتْ من قدره ! ، وذلك الحق الذي يُرَادُ به الباطل ! ، فإن صاحبه ما استثمر إلا في أخطاء الأفراد والمجتمع إذ خرج عن حد الدين الصحيح إلى آخر قد انحرف لا تستقيم به الحياة فلا يصلح كما يَزْعُمُ أن يكون رائدا في الحياة فصار التخلص منه حتما لازما مع إبقائه إن لَزِمَ الأمر صورةَ حلقات ورقصات يَتَمَايَلُ فيها الخلق سُكَارَى بِلَذَّةِ المناجاة والوصل ! ، وكذلك كانت الحال في الأطراف ، مصر مثالا عشية دخول نابليون والجزائر التي استخدمت فيها زوايا التيجانية لضرب الحركة الجهادية ، فزاوية واحدة من زواياها خير من كتيبة مدفعية أو نحوه من جيش المحتل كما قال أحد جنرالاته ، فناجزت التيجانية الحركةَ الجهادية وَنَفَّرَتْ أتباعها منها ، وإن كانت أيضا على الطريقة الصوفية ، الأمير عبد القادر الجزائري مثالا جاهد وناضل وإن اسْتَسْلَمَ بعد ذلك ورحل إلى بلاد الشام تحت سمع الاحتلال وبصره ، فكان ثم من يحفز ويناضل ، وفي مقابله من يخذل ويناجز الأولَّ فانضوى تحت لواء المستعمر الذي جاء به القدر المهيمن فلا تحسن مدافعته فتلك مدافعة لله ، جل وعلا ، الذي قضى وقدر باحتلاله الأرض ، فلم لا يُقَدِّرُ مع ذلك مناجزنته ومدافعته باليد واللسان ؟! ، فمن قَدَّرَ الشر قَدَّرَ معه أسباب المدافعة واستجلاب ضده من الخير ، بل لو لم يُطِقِ المدافعة باليد واللسان ، فَلْيَعْقِدِ العزم في الجنان وذلك أضعف الإيمان ، كما في الخبر ، إن لم يطق المناجزة حالا فهو يَعْقِدُ العزمَ وَيُبْطِنُ الإرادة الجازمة أن يُنَاجِزَ مَتَى وَجَدَ إلى ذلك سبيلا ، وإلا خالف عن العقل والفطرة كما يُنَوِّهُ بعض المحققين فإن من اعتدى عليه وضربه وأهانه وطعن في عرضه واستلبه حقه إذا اعترض عليه فهو يحتج بالقضاء والقدر فَقَدْ قضى الله ، جل وعلا ، ذلك منه ، فلا يحسن الإنكار عليه ، وذلك ما يَلْزَمُهُ إن كان هو المجني عليه ! ، فهو يحتج بالقدر إذا كان هو الجاني ولا يقبل الاحتجاج به إن كان هو المجني عليه ، وذلك مذهب لو الْتَزَمَهُ الخلق لفسد معاشهم ومعادهم ، فالناس ، كما يقول بعض المحققين ، بين أمرين : أمر يطيقون فلا يعجزوا عنه ، وأمر لا يطقيونه فلا يجزعوا منه فإذا استفرغوا الوسع وبذلوا ما أطاقوا من الجهد لم يحسن الجزع آنذاك فهو موضع يصح الاحتجاج فيه بالقدر فلا يكون صحيحا إلا بعد استيفاء الأسباب الدافعة للشر ، فيسلم صاحبه من المعايب والنقص ، فَجَازَ أن يحتج بالقدر في المصائب التي لا يطيق لها دفعا لا في المعايب التي يُقَارِفُهَا عمدا .

فكان التصوف مُخْرَجًا رَئِيسًا من مُخْرَجَاتِ الإرجاءِ فكلاهما يُهْدِرُ قِيمَةَ العمل الديني أو الدنيوي ، وهو ما يَنْعَكِسُ على الأداء السياسي والاجتماعي ، وذلك مَا وَطَّأَ للطرح العلماني من وجوه ، فَثَمَّ وَجْهٌ تذرعت به العلمانية وهو أن الإيمان يثبت باعتقاد وقول مجرد ، فلا ضَيْرَ إن تجاوز الفرد والمجتمع والدولة في باب العمل ، فَلَوْ ظَاهَرَ المؤمن خِصْمَ الرسالة وكان قائد جيش يغزو دار الإسلام ويداهم محلته ويعطل شعائره وشرائعه ويستبيح حرماته وكان في باطن الحال يُؤْمِنُ بوجودِ الإله الواحد ، ويشهد لرسوله الخاتم صلى الله عليه وعلى آله وسلم بالرسالة ! ، ولو نَقَضَ أحكامها نَقْضًا ، وَنَاجَزَ أَتْبَاعَهَا على قاعدةِ الْبُغْضِ لِمَا يَتَحَمَّلُونَهُ من قيم الوحي وحكومات الشرع ، فلو كانت تلك حاله فهو يشهد الشهادة المجردة بِلِسَانِهِ فهو مؤمن كامل الإيمان ! وأي تحريض أعظم من ذلك على الدخول في حلف الخصوم ، خصوم الوحي ، ولو في مناجزةِ أتباعه ، فذلك شأن عملي ، والعمل لا يدخل ابتداء في الإيمان فلا يخشى صاحبُه انْتِقَاضَه فقد تَحَوَّلَ الإسلام إلى عَقْدِ هويةٍ بَاهِتٍ ، لا يجاوز حد النطق والاعتقاد المجرد بِلَا أَثَرٍ في الخارج يشهد ، فلا شهادة للعمل على صحة الدعوى أو بطلانها ، فلا عمل يثبت به الإيمان أو يزيد ، ولا آخر ينقص به أو يَنْتَقِضُ ، فَوَفَّرَ هذا القول هَامِشَ حركة واسع لِلطَّرْحِ العلماني لا سيما في السياسة والحرب ، فقد خَرَجَا بداهة مع الأعمال الخارجة من حدِّ الدين الذي اقتصر على الاعتقاد والقول ، فكان رجالات العلمانية ضد الدينية الراديكالية ، كانوا ، بداهة ، يشهدون الشهادة بل وَلَعَلَّهُمْ كانوا أحرص الناس على النُّطْقِ لِيَنْفُوا عن أنفسهم جناية المروق وَالنَّقْضِ ، وَوَفَّرَ هذا الطرح ، من وجه آخر ، ذريعة للعلمانية أن تَنْقَلِبَ على الأطروحة الإسلامية ، فَإِنَّ نسبة هذا الإرجاء إلى هذه الأطروحة ، بل هي من صلب اعتقاد الدولة الرسمي ، كما آلت إليه الحال في الكيان العثماني بل ذلك كان مَبْدَأَ أَمْرِهِ ، فذلك مما يُوَفِّرُ الذريعة الأدبية للعلمانية أن تُقْصِيَ الدين من الواقع ، على تَفَاوُتٍ في ذلك ، بين العلمانية الجزئية ونظيرتها الكلية ، فالدين بهذا التأصيل القاصر يعجز عن مجاراة الواقع ! ، فلا بد من بديل آخر يدير الشأن العام ، الاجتماعي والسياسي ، مع الحفاظ على اسمه البروتوكولي بلا مسمى تَنْفِيذِيٍّ في الخارج ، فهو رمز لحضارة وثقافة لا أثر له في الواقع إذ صار أَثَرًا من جملة الآثار القديمة التي تُعْرَضُ في المتحف لِتَحْكِيَ تَطَوُّرَ المجتمع أو الأمة في رحلتها الطويلة حتى بلغت محطة الحداثة فَانْبَتَّتْ صِلَتُهَا بإرث الدين والثقافة إلا متحفا يعرض الماضي بلا أثر في الحاضر ، وتلك ، لو تدبر الناظر ، رمزية تحويل أتاتورك جامع آياصوفيا إلى متحف ، فقد صار الطرح الذي يمثله هذا المسجد ، صارا أثرا بعد عَيْنٍ فَقَدِ انْتَهَى دورُه في الحياة كما انتهت سائر الأديان والأيديولوجيات القديمة ، فَثَمَّ تطور في المعتقدات من السحر والكهانة إلى الدين إلى العقل الذي بَلَغَ سن الرشد فَانْعَتَقَ من ربقة الدين وخرج من وصايته فهو الآن قادر أن يَتَوَلَّى شأنه مُنْفَرِدًا ، فَوَجَبَ على الوصي الديني أن يدفع إليه ماله ! ، فـ : (ابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ) ، وذلك أَثَرٌ آخر من آثار النظرية الأيديولوجية المهيمنة الآن على الحضارة الغربية ، نظرية التطور ، فإنها لم تقتصر على الأبدان التي تدرجت في سلم التصنيف من خلية في مستنقع إلى كائن مُتَعَدِّدِ الخلايا إلى قِرْدٍ ! إلى إنسان دون حكمة في الخلق وإن دَقَّ وأبان عن صُنْعٍ مُتْقَنٍ فليس ، بِزَعْمِ أولئك ، إلا خبط عشواء ، فَلَمْ تَقْتَصِرْ نظرية التطور على تَطَوُّرِ الخلقةِ بل ثم آخر في الفكرة ، فكان التطور الذي نَقَلَ الإنسان من السحر والكهانة فَهُمَا الأصل ، فكان الأصل في الأمم الوثنية القديمة هو تَعَدُّدَ الآلهة وكان ذلك مظهرا من مظاهر التخلف والبدائية ، وذلك حق يشهد لدعاية التوحيد عامة من وجه ولتوحيد الوحي خاصةً من آخر ، فَنَظَرِيَّةُ التَّطَوُّرِ قَدِ افْتَرَضَتْ كالعادة فهي تقوم على الفرض المجرد من الدليل فتجعله دليلا في نفسه وتصادر على المطلوب إذ تستدل بصورة الخلاف مع زعمها الإنصاف والموضوعية ! ، فَافْتَرَضَتْ بدايةً أن الأصل في الخلق هو الشرك وَتَعَدُّدُ الآلهة ، كهنة آمون مثالا ، ثم كان التوحيد ، توحيد أخناتون ! ، فذلك تطور أول من التعدد إلى التوحيد وإن في نطاق الوثنية فمن معبودات كثيرة إلى معبود واحد ، وإن كان مخلوقا في الخارج ، ثم كان التطور الذي بَلَغَ بالعقل مرحلة الدين ، فكانت الرسالات ، ثم كان التطور النَّوْعِيُّ ! فَاسْتَغْنَى العقلُ عن الدين السماوي وصار هو مرجع التصور والحكم فلا يفتقر إلى مرجع آخر من خارج ، وذلك ما حكاه فريدريك نيتشه في عبارة موجزة : لقد مات الإله ! ، فهو من بقايا مرحلة انتهت ، فلم يَعُدْ منها إلا آثار تعرض في المتاحف التي تحكي رحلة الإنسان في التاريخ إذ يَتَطَوَّرُ في كل جيل ، فلم يعد الآن يحتاج الدين بل هو يَرُومُ الانعتاق من ربقته فهو عائق يحول دون تقدمه ودخوله طَوْرَ الحداثة ، وذانك ، أي : نظرية التطور والنفور من الدين ، ذانك ، كما يقول بعض المحققين ، أَصْلَانِ حاكمان في الحضارة الغربية المعاصرة ، وهو ما استعارته النخبة العلمانية في الشرق ، مع القدر الفارق بداهة ، وإن وَفَّرَ الانحراف الأيديولوجي المبكر في الدولة العثمانية ، الإرجاء والتصوف والتعصب والتقليد في الفقه الحنفي المتأخر الذي غلب عليه ما لم يكن في الفقه الحنفي المتقدم الذي كان إمامه الأول ، أبو حنيفة رحمه الله ، داعية اجتهاد يُنَاجِزُ التقليد حتى أثار عليه الخصوم لما كان من تَوَسُّعٍ في الاجتهاد أَثْمَرَ ما اصْطُلِحَ بَعْدَ ذلك أنه الفقه التقديري الذي يَفْتَرِضُ مسائل لم تقع ، وقد تكون من النوادر أو المحالات في زمانه ، فيجتهد في القياس والتخريج على أصول التشريع ونصوصه الحاكمة ، ولو من باب التدريب للناشئة ، مع سعة صدر للمخالف وعدول إلى الحق إذا بَلَغَهُ الحديث من طريقٍ تَصِحُّ ، وإن تَشَدَّدَ في معيار القبول وَالرَّدِّ لا تحكما كتحكم المحدِثَةِ ، المعتزلة مثالا ، فإنهم اشْتَرَطُوا لقبول الأخبار في مسائل الإلهيات والغيب وهو ما اصطلح المتأخرون أنه الأصول ، اشْتَرَطُوا لقبولها من الشروط ما لا أصل له ، وهو ما قد سلك بَقِيَّةُ المتكلمين جادَّتَهُ فأحدثوا أصلا في الدين يقصر الاستدلال بالآحاد وإن صحيحة قد استوفت معيار الصحة في الاصطلاح ، يقصر الاستدلال بها على الفروع التي حَدُّوهَا أنها مسائل الفقه والعمل ، فكانت القسمة على أنحاء فَرَّقَتْ بين متماثلات ، فالعلم والعمل قَرِينَانِ وهما جميعا قسيمان في الخارج لاسم أعم يستغرقهما استغراق الجنس لآحاده أو الحقيقة لأجزائها اسم الدين فهو العلم والعمل ، فلا وجه للتَّفْرِيقِ بَيْنَهُمَا في الاستدلال ، بل قد جاء نص الأئمة الأعلام يسوي فَسَلِمَ من التناقض الذي وقع فيه المتأخرون ، فكان نصهم المأثور : "إذا صح الحديث فهو مذهبي" ، فإذا صح الحديث ولم يَزِيدُوا اشتراط التواتر أو إتيانه من أكثر من طريق ...... إلخ مما اشترطه المتأخرون لا احترازا من الكذب كما قد كان من حال أبي حنيفة آنف الذكر ، فظاهر القول واحد وهو التشدد في قبول الخبر ، وَمُرَادُ كُلٍّ قد اختلف ، فكان أبو حنيفة يروم التحري والاحتراز مِمَّا فَشَا في العراق من الكذب خلافَ الحجاز لا جرم عدل أبو يوسف وكبار رجالات المذهب عن كثير من أقوال المذهب لَمَّا رحلوا إلى الحجاز واطلعوا على أخبارٍ وأدلَّةٍ لَمْ تَبْلُغْهُمْ في العراق أو قد بَلَغَتْهُمْ من طُرُقٍ غير مرضية فاحترزوا في قبولها وتشددوا فَرَدُّوا ما قد صح في نَفْسِ الأمر لا رغبة عن الحديث وَغُلُوًّا في القياس وإنما احتياطا يُوَطِّنُ صاحبه النفس أن تَقْبَلَ خَبَرَ الوحي متى جاءها من طريق صحيحة تُرْضَى ، وكان أولئك ، أي المحدِثون كالمعتزلة ، كانوا ، في المقابل ، يَرُومُونَ تَضْيِيقَ دائرةِ الاستدلال بالأخبار التي جاءت بما يخالف عن مقالهم في الإلهيات ، فَتَذَرَّعُوا بالاحتياط زَعَمُوا ! وما أرادوا إلا رَدَّ الأخبار الصحيحة إذا خالفت عن مقالهم المحدَث ، فكانت وصايتهم ، كما يقول بعض المحققين ، كانت وصايتهم إذا جاء الحديث آحادا فَرُدُّوهْ بذريعة الضعف والكذب ، وإن اشتهر أو تواتر فلا مناص من قبول لفظه روايةً فَتَأَوَّلُوا معناه بما يواطئ مقالَكم ! ، فحالهم بين التعطيل تارة والتأويل أخرى ، وذلك ، لو تدبر الناظر ، مما استعان به خصوم الوحي في الأعصار المتأخرة ، فتحمل الطرح العلماني هذا الإرث الاعتزالي ، لا جرم كان احتفاؤه بِرُمُوزِ الاعتزال القديم فَرَامُوا تجديد المذهب إذ يُتِيحُ لهم من التأويل فسحة ذهبوا فيها مذهبا يَبْعُدُ لَمْ يذهبه المعتزلة الأوائل وتلك ، كما يقول بعض المحققين ، حال أي محدَثَةٍ ، فَمَبْدَؤُهَا انحراف يسير لا يَزَالُ يَزِيدُ حتى يَبْلُغَ ذروةً لم تخطر للمحدِث الأول ، ولو فَرْضًا ! ، فكان من الانحراف الفقهي في الدولة العثمانية ما خالف عن منهاج الإمام الأعظم ، فإنه كان داعية اجتهاد وتجديد لا داعية جمود وتقليد كما قد غلب على الحنفية المتأخرين وعنهم تحمل العثمانيون أحكام الفقه ، فجمدوا على نصوص المذهب وكانت المحدثة العظمى أَنْ قِيلَ بِسَدِّ باب الاجتهاد ، وهو ، وإن رَامَ صاحبه خيرا ألا يكون ثم فوضى في الفتيا ، إلا أنه قد فَتَحَ باب شرٍّ يَعْظُمُ ، فإنه قد عَطَّلَ الشرعَ المنزل أَنْ يَنْظُرَ في نَوَازِلِ الحياة التي تَسْتَجِدُّ فَلَا تَنْقَطِعُ ، فَجَمُدَ فِقْهُ المتأخرين الذي أُسِّسَ على قاعدة التَّقْلِيدِ وَمَنْعِ الاجتهاد بل وتجريمه ! ، جَمُدَ هذا الفقه أَنْ يُوَاكِبَ العصر ، لا فقه الإمام أبي حنيفة الأخص ، ولا فقه الوحي الأعم الذي استغرق فقهه وسائر ما اجتهد غيره من الأئمة الأعلام فكانت نصوصه ومقاصده أوعية جامعة لهذه الذخيرة التشريعية ، لا أوعية جامدة تضيق بالمخالف إن كان له من أدوات الاجتهاد ما يُؤَهِّلُ ، وتعجز عن مواكبة العصر ، فذلك ما أعطى المخالف العلماني ذريعة أن يقيس هذا الدين ، دين المتأخرين لا دين التنزيل الأول ، أن يَقِيسَهُ على دين الكنيسة الذي حال دون تقدم العقل ، فاحتال أن يَقُولَ بِفَرْضِ التطور ، فَلَئشنْ كان هذا الدين الكنسي حقا فقد كان حقا في عصره الذي انْقَضَى فلا يصلح بداهة لهذا العصر الحديث ، فَلَهُ قوانين وسنن يعجز الدين الأول أَنْ يُوَاكِبَهَا ، فكان من ذريعة الطرح العلماني أَنِ اسْتَدَلَّ بِوَاقِعٍ نَاقِصٍ قد خالف عن الأصل الناصح الذي صَدَقَ رِيَادَتَهُ لأهله ، فلم يكذبهم في أعصار الازدهار والصدارة ، فكان النقص في عقل المستدل الذي أحدث في الإلهيات : الإرجاء الذي يقعد بصاحبه أن يعمل ، وأحدث في السلوك : التصوف الذي يقعد بصاحبه أن يعمل ، وأحدث في التشريع : الجمود والتقليد الذي يقعد بصاحبه أن ينظر ويستنبط ، فضاهت هذه الحال حالَ الكنيسة في العصر الأوروبي الوسيط ، فَثَمَّ جمود وثبات وهو ما يخالف عن سنن الرب ، جل وعلا ، في الكون ، فَثَمَّ نَوَازِلُ تَسْتَجِدُّ وصنائع تَتَطَوَّرُ وَمُبْتَكَرَاتٌ تظهر في أدوات الحياة وطرائق الإدارة ..... إلخ ، وكلها مما استوعبها الوحي الخاتم بأصول محكمات من القياس والعرف والمصلحة والاستحسان وسد الذريعة .... إلخ ، فكلها أصول يجتهد فيها العقل ، ولكنه ، مع ذلك ، محكوم بالأصل الأول ، أصل الوحي آيا وأخبارا وما تواطأت عليه الأمة إجماعا ، على تفصيل في حده وإثباته فذلك مما بحثه أهل الشأن في المطولات وأقاموا الدليل على حجيته وإن اختلفوا في حكايته والقول بإطلاقه أو قصره على أعصار يسهل فيها استقراء أقوال المجتهدين وأخرى يعسر فلا يطلق الناظر القول بالإجماع وإنما غايته أن يحكي عَدَمَ علمِه بالمخالِف ..... إلخ ، فَتِلْكَ عُمَدٌ حاكمة لأدلة العقل تضبط أداءَه فلا يجاوز الحد وَيَنْتَقِل من غلو إلى آخر ، فمن الغلو في التقليد إلى آخر في الاجتهاد ، ومن جمود التفكير إلى فوضى التشريع ! ، فذلك رَدُّ الفعل الذي يَتَّسِمُ بالراديكالية ، وهو ما كان في أوروبا وهي على أعتاب النهضةِ فَالتَّنْوِيرِ ، فكان الانقلاب الحاد على الدين والانتقال من غلو إلى آخر ، من غلو في تقديس الدين الكنسي إلى آخر يقدس العقل ، فلم يصب أولئك جادة العدل إذ لم يكن ثم وحي صحيح قد سَلِمَ من آفة التبديل والتحريف لِيَضْبِطَ هذا الانتقال فلا يكون حادا يجاوز حد الإصلاح والتجديد إلى الإهمال والتحقير ، بل والاتهام أنه سبب التخلف والرجعية ! ، وتلك حقيقة في تاريخ أوروبا التي لم تكن يوما على دين الوحي المنزل ، لا دين المسيح ولا من أتى بعده ، فإنها لم تدخل فيه إلا بعد أن حَرَّفَتْهُ لِيُوَاطِئَ ثَقَافَتَهَا الوثنية ، اليونانية ثم الرومانية ، فكستها لحاء دينيا مسيحيا لا يمت بصلة للدين الصحيح الذي جاء به المسيح عليه السلام ، فكان من القياس مع الفارق أَنْ قَاسَ مَنْ قَاسَ مِنَ المستغربين في الشرق أَنْ قَاسَ حال الشرق في أعصار الجمود والتخلف على حال أوروبا في العصر الوسيط ، ولا يخلو القياس من صحة في الأعراض الظاهرة ، ولكنه قد جاوز فكان قياسه مع الفارق في أصل الداء ، فأصل الداء في الغرب كان انتحال الدين الكنسي المبدل الذي عطل حركة العقل المبتكر ، وأصل الداء في الشرق كان العدول عن دين الوحي المحقق الذي زَكَّى حركة العقل إن في استنباط الأحكام الشرعية من أدلتها الجزئية أو مقاصدها الكلية أو في استقراء السنن الكونية والاستعانة بها في التحديث والإنجاز ، فذلك ما جهله المستغرِبون أو تجاهلوه فكان ثم خصومة للوحي حملتهم أَنْ يَقِيسُوا هذا القياس المتعسِّفَ وكانت ذريعتهم هي التجديد وهو الحق الذي يُرَادُ به الباطل ، فالتجديد حق ولكنهم راموا التعطيل والتبديد لإرث الرسالة باسم تجديده وَتَنْقِيحِهِ من الشوائب ، وهو ما لم يسلم منه بعض الأفاضل من أبناء الشرق تحت إلحاح الهزيمة الحضارية أمام الغرب ، فَتَوَسَّعُوا في حد الاجتهاد والتجديد فلم يَخْلُ صَنِيعُهُمْ ، وإن حَسُنَ قَصْدُهُمْ ، لم يَخْلُ مِنْ غلو في الطرف الآخر خَالَفَ بهم عن جادة العدل فهي ، أبدا ، وسط بين طرفين .
فَكُلُّ أولئك مما تجب حكايته في سياق النقد البناء للأطروحة العثمانية ، فليس المراد تَقْبِيحَهَا وقد كان لها من مآثر الخير ما لا يجحد فهي من حملت لواء الفتح في أوروبا الشرقية ، وهي من حمى بيضة الإسلام في حوض المتوسط ، وهي خط الدفاع المتقدم الذي حال دون وقوع الشرق في قبضة الاستعمار الحديث وإن في أَسْوَإِ أحوالها خَتَامَ حُكْمِهَا ، فالحال آنذاك كانت مع نَقْصِهَا الحاد كانت خَيْرًا مما تلاها حتى يوم الناس هذا وليست تلك تَزْكِيَةً مطلقةً ، فهي تَزْكِيَةُ السَّيِّئِ في مُقَابِلِ الأسوإِ ، فطالب الكمال لا يَرْضَى إلا بالكامل السالم من النقص ، أن يكون التجديد لِمَا انْدَثَرَ من دين الوحي ودولته العادلة في السياسة والحرب .
فلا يكون انحراف الإنكشارية ، على سبيل المثال ، لا يكون انحرافهم في الحرب دليلا أَنَّ الفتحَ غزو واحتلال فإنهم حال نقصهم أن صاروا نخبة تمارس دور سياسيا أَفْسَدَ الحال بما كان من تدخلات سافرة في تَوْلِيَةِ السلاطين وعزلهم والضغط عليهم حتى بلغت الحال خَلْعَ بَعْضِهِمْ وَقَتْلَ آخر وَتَوْلِيَةَ من ليس بأهل من السلاطين الأطفال ! .... إلخ ، فلا يكون هذا الانحراف ذريعة إلى جحد دورهم الكبير في العصور الأولى لا سيما في عصور السلاطين الأقوياء الذين حالت هيبتهم دون تدخل قادة الإنكشارية في السياسة فكانوا نخبة القتال المحترفة ، وكان انضباط أدائهم أظهر ، وإن لم يخل من انحراف ، فلم تخل الحال من انحراف في حالهم إذ كانت الصوفية كالعادة ! حاضرة في مشهد التدشين لهذه النخبة العسكرية المحترفة ، علاقتهم القوية بالحاج بكتاش شيخ الطريقة البكتاشية وهي طريقة غالية في التصوف حتى نَسَبَهَا بعضٌ إلى الطرق الباطنية النصيرية ، والصوفية كانت أبدا حاضرة في المشهد العثماني من لدن النشأة ، وإنما خفف من وطأتها أن كانت الدولة مَبْدَأَ أمرِها دولةً فَتِيَّةً فَلَمْ يُؤَثِّرْ هذا الانحراف في كيان قوي فلا يظهر أثره التَّرَاكُمِيُّ إلا في أعصار الضعف والانهيار لا سيما وهو أبدا في ازدياد ، فمثله كمثل العدوى فإنها إذا أصابت جسدا قويا لم تظهر أعراضها الحادة إلا بعد أن يهرم الجسد ويضعف فَيَتَرَاكَمَ من آثارها ما يضر الجسد حال ضعفِه فلا يضره حال القوة والصحة ، وإن أضر فَطَفِيفًا لا يُؤْبَهُ وإن كان باب شَرٍّ يُفْتَحُ بما يكون من تَرَاكُمِ الداء في البدن حتى يستفحل حال الهرم والضعف ويكون سببا رئيسا في الفناء والموت .
فلم يكن الحل في كل أولئك هو الانتقال إلى ضد آخر لا سيما إن كان خصما يناجز الشرق مرجعيةَ الديانة والفكر والحضارة ، فالغرب ، كما تقدم ، علماني النشأة ، يوناني روماني ، وإنما كَسَى هذا اللب الوثني قِشْرَةً مسيحية مَنَحَتْهُ شرعيةً أيديولوجية وأخلاقية لا أكثر ، وهو ما رام التيار العلماني استنساخه في الشرق فإنه لم يُرِدْ إِقْصَاءَ الدين كفكرةٍ تُضْفِي لحاءً أخلاقيا وتكون حَافِزًا سياسيا وعسكريا ، فَيُسْتَدْعَى الدين في مشاهد براجماتية يَلْعَبُ فِيهَا دورا وظيفيا في إضفاء الشرعية في مشاهد السياسة والحرب التي تَفْتَقِرُ إلى فتاوى تُجِيزُ بل وَتُحَرِّضُ ! ، فلم يُرِدِ التَّيَّارُ العلماني استبعادَ هذا الدين الوظيفي ، بل استعان به في مواضع ، وجعله من محددات الهوية الوطنية الحديثة ! ، وإن أَخَّرَ رُتْبَتَهُ ولكنه لم يعدم له دورا وظيفيا في الداخل فهو جزء من هوية جديدة للمجتمع لا سيما إن كان محافظا ولو من باب التقليد والعادة ، وهو في الخارج لاعب وظيفي يُوَسِّعُ دائرة النفوذ السياسي ، كما صنعت تركيا الحديثة ، تركيا الأتاتوركية عشيةَ سقوط الجامعة السياسة الإسلامية 3 مارس 1924م ، وما كان قبلا من اتفارقية لوزان 24 يوليو 1923م ، فإن الإسلام ، وهي الأطروحة العلمانية ضد الدينية ! ، فإن الإسلام مع ذلك كان أداةً من أدواتها في الخارج أن تُوَسِّعَ نِطَاقَ العمل في الشعوب التركية أواسط آسيا فهي تشاطرها الأصول الطورانية ، وفي البلقان وشرق آسيا حيث بقايا الأتراك ، فكان المحدد الأول هو الجنس التركي ، وإنما استعمل الإسلام كأداة وظيفية تجمع أولئك فأكثر التُّرْكِ إن لم يكن كلُّهم مسلمون فلا يمكن لأشد الأطروحات العلمانية تطرفا أَنْ تَتَجَاهَلَ هذا المحدد الديني وإن سعت في تأخيره في التَّرْتِيبِ ، فهو خادم للعرق والعنصر الذي قامت عليه الدولة التركية الحديثة استنادا إلى أطروحات القومية التي استوردتها من أوروبا أيضا ! ، بذريعة التحديث فكانت الحداثة التي بَتَّتْ صِلَةَ تُرْكِيَا بماضيها الرسالي الناصع ، بل رأت ذلك عِبْئًا عليها في الطرح المعاصر ، طرح تركيا القومية الحديثة فهي دولة قومية ذات عرق واحد وهو العرق التركي الطوراني ، وذات لسان واحد وهو اللسان التركي ، وذات دين واحد وهو الإسلام ، لا أنها تستند إليه في تشريعاتها وسياساتِها ، وإنما اضطرت إليه اضطرارا فَصَادَفَ أَنْ كَانَ كُلُّ التُّرْكِ أو جُلُّهُمْ مِنَ المسلمين ! ، فَمُكْرَهٌ أخَاكَ لا بَطَلٌ ! ، فلا يمكن جمع الْأَتْرَاكِ وإن في إطار علماني ضد ديني إلا والدين حاضر في المشهد حضور الهوية لا أكثر ، بل وحضور المحدد التابع الذي يخدم ما قبله فهو يخدم التركية وإلا فالإسلام الذي جَعَلَ تركيا الحديثة تَتَمَدَّدُ في وسط آسيا وفي البلقان وفي أوروبا الشرقية هو الإسلام الذي يجعلها تَتَمَدَّدُ جنوبا في الشرق الأوسط حيث الولايات العثمانية العربية السابقة فما الذي حال دون التمدد جنوبا إلا أن أهله لَيْسُوا مِنَ التُّرْكِ وإن كانوا مسلمين ، فَمِعْيَارُ الولاء الأول في الدولة الوطنية التركية الحديثة هو معيار العرق واللسان التركي لا الدين الإسلامي ، وهو ما تَرُومُ تركيا اليوم تجاوزه في إطار تمددها الجيوسياسي استنادا إلى هذا الإرث الثقافي فهي تروم التمدد جنوبا لِتُفَعِّلَ القاسم الأيديولوجي المشترك بَيْنَهَا وبين العرب ، قاسم الدين ، سواء أحسنت القصد فكانت تروم التجديد والإحياء ولو تدرجا لما اندثر من دين الوحي الخاتم أو رَامَتِ الاستثمار فيه استثمارا بَرَاجْمَاتِيًّا يُوَسِّعُ من دائرة نفوذها حَجْزًا لمقعدٍ مُتَقَدِّمٍ في شرق أوسط جديد فهو طموحها في الإقليم ، وآخر في نظام عالمي تَتَعَدَّدُ أقطابه وَتَتَوَزَّعُ أحماله في أكثر من مركز ، إِنْ مراكز عالمية أو أخرى إقليمية ، روسيا وإيران وتركيا الآن مثالا لهذه المحاولات الجادة في حجز مقعد في هذا النظام الدولي الذي يتشكل الآن على مكثٍ على تفاوت في محدِّدَاتِ قوتهم ، وأدائهم السياسي والعسكري ، وجدوى تحالفاتهم الاستراتيجية أو التكتيكية ، فَتُرْكِيَا وإيران هما الآن اللاعبان الرئيسان في الشرق الأوسط بعد خروج مصر وهي الضلع الثالث في الإقليم ، بعد خروجها حتى إشعار آخر قد يَبْعُدُ والله أعلم لا سيما وقد ابتليت ولا تَزَالُ بإمرة الصبيان من أصحاب الطموح السياسي المتواضع الذي لا يجاوز حد التابع ، وإن لتابع آخر ! ، فصارت الساحة الإقليمية الأضيق ، صارت محل نِزَاعٍ بين تركيا وإيران ، وإن تحالفا في الظاهر تِكْتِيكًا لا أكثر فما يُفَرِّقُهُمَا أَكْثَرُ مما يُجَمِّعُهُمَا بِكَثِيرٍ ، فما يفرقهما استراتيجي وما يجمعهما تكتيكي مؤقت ، وكلاهما يروم التوسع في الشرق الأوسط ، لا سيما وهما يَتَمَدَّدَانِ في خواصر رخوةٍ فالعرب الآن في أسوإ أحوالهم ، والجميع يتمدد في بلادهم ، أحسن أو أساء ، التركي والإيراني ، والكردي وإن في نطاق أضيقَ ، واليهودي مَعَ القدر الفارق بداهة ، وإن كان تمدد اليهودي اليومَ هو الأقوى إذ حلفاؤه في المنطقة الآن من العرب ! ، وذلك انقلاب آخر في الأيديولوجيا والسياسة واضرب له المثل بما كان من المعادلة : الاقتراب من كيان يهود يساوي العزلة ، مصر مثالا في كامب ديفيد وما بعدها من معاهدة السلام وتركيا في التسعينيات لَمَّا عَقَدَتْ تحالفا استراتيجيا مع كيان يهود فكان ذلك سببا في العزلة في كلا المثالين ، واليوم يرى الناظر انقلابا في الميزان فتركيا الآن تُبَاعِدُ من كيان يهود وهو ما جعلها هذه المرة تشكو العزلة ! ، والقياس على المعادلة الأولى أنها محل تقريب واحتفاء ولكن ظرف السياسة والحرب قد تَغَيَّرَ والعرب قد صاروا أكثر براجماتية ! ، فَبَقَاءُ الأنظمة الحاكمة في المشهد قد صار مرتهنا بمدى ولائهم لكيان يهود الذي يملك من أوراق الضغط في المركز ما به يُؤَثِّرُ لا سيما بعد انْتِهَاءِ الحرب الباردة وتصدر القطب الواحد في واشنطن مشهد السياسة والحرب في النظام الدولي الجديد ، وَيَوْمَ كانت تركيا المتحالفة مع كيان يهود في التسعينيات تُقِيمُ علاقات مع بعض الدول العربية ، الأردن مثالا كما يذكر بعض الباحثين ، عُدَّ ذلك اختراقا للصف العربي ! ، واليوم إذا أقامت تركيا التي تباعد من كيان يهود إذا أقامت علاقة مع بعض الدول العربية ، ليبيا مثالا ، عُدَّ ذلك ، أيضا ! ، اختراقا للصف العربي وتهديدا للأمن القومي الغربي ! ، مع اختلاف حالها في كل مشهد بل وَتَضَادِّهِ وَتَنَاقُضِهِ فَهِيَ في المشهد الأول متحالفةٌ مع كيان يهود وفي المشهد الثاني مخالفة له مباعدة ، وهي ، مع ذلك ، في كلتا الحالين خصم يخترق الصف العربي ! ، وذلك من طرائف المشهد السياسي المعاصر .

ولا شك أن الإسلام في المشهد حاضر بقوة فهو جَوَازُ مرورِ تُرْكِيَا إلى الجنوب العربي فلا جامع بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ إلا الإسلام الذي وَحَّدَهُمَا في الماضي ، فذلك ما يستوجب تَفْعِيلَ الذاكرة التاريخية الجامعة ذاكرة الخلافة العثمانية ، ولعل إرجاع متحف أياصوفيا إلى مسجد هذه المرة ! ، لَعَلَّهُ حكايةٌ تُصَدِّقُ ذلك فهو رسالة من تُرْكِيَا أن دور الإسلام في المرحلة القادمة ليس دور الإرث الذي يوضع في متحف أياصوفيا بل هو دور فاعل في السياسة والحرب فهو إيذان برجوع تركيا إلى المشهد العربي فجواز مروره ، كما تقدم ، هو الجواز الإسلامي الجامع ، صَدَقَ قَصْدُ تركيا الآن وَإِنْ تَدَرُّجًا فلا زال الإسلام فيها محل أخذ ورد ولا زال إشكال الهوية حاضرا بقوة فضلا أن يستعيد الإسلام دوره الكامل في إدارة الشأن العام ، فالإسلام ، وهو محل الشاهد ، هو جواز مرور تركيا إلى العمق الاستراتيجي العربي والمتوسطي ، ليبيا مثالا ، سواء أصدق قَصْدُ تُرْكِيَا ، كما تقدم ، أم كان براجماتية تروم التوسع في النفوذ لا أكثر .
فاستراتيجيتها الآن تقوم على تَفْعِيلِ الجبهة الجنوبية بالمصالحة مع الهوية الإسلامية ، وهو ما يتيح لها التوسع جنوبا بعد التوسع شرقا في الحاضنة الآسيوية ، والتوسع شمالا في إطار المنافسة مع روسيا في البحر الأسود ، والتوسع غربا في أوروبا على خلفية العلاقات المشتبكة مع روسيا في البحر الأسود وفي ليبيا التي حظي التدخل فيها بضوء أخضر أمريكي وتأييد أطلنطي مع التحفظ الفرنسي لدخول تركيا ، وَفَرَنْسَا منافسة لها في مياه المتوسط ، خلاف إيطاليا التي تَرَى أَنَّ تُرْكِيَا أقرب إليها في هذا الملف ، وألمانيا ذات العلاقات القوية مع تُرْكِيَا وإن لم تخل من مناجزة وتوظيف لِمَلَفَّاتٍ مِنْ قَبِيلِ الجالية التركية والجالية الكردية ، ولا يخلو الأمر من متابعة بريطانية للموقف انطلاقا من جزيرة قبرص وإن كانت أَبْعَدَ عن مشهد التدافع الجيوسياسي المباشر في مياه المتوسط كما هي حال أمريكا التي تروم الآن الانسحاب التدريجي من شرق الأطلنطي ، الانسحاب من ألمانيا مثالا والانسحاب من الشرق الأوسط وهو ما يُوَلِّدُ فَضَاءً جيوسياسيا يشبه ، من وجه ، وإن كان أقل ، الفراغ الجيوسياسي الذي حصل باختفاء الاتحاد السوفييتي .
والمشهد في الإقليم ، من وجه آخر ، يجاوز الرؤية الصبيانية التي تجعل الأمر صراع مكايدة بين مصر وتركيا ، وهي رؤية مصرية تدل على ضحالة الثقافة السياسية الراهنة في مصر فَيَصْدُقُ فيها المثل الشعبي الدارج : القوالب نامت والأنصاف قامت ، بل هي أصفار أو سوالب وإذا غاب الأسياد من مشهد حضر الأقزام عِوَضًا منهم ، وهو ما يعكسه طموح قيادة يقتصر على تخليد الاسم بِأَعْرَضِ جسرٍ وأطول بُرْجٍ وأكبر مسجد وكنيسة .... إلخ ، فهو طموح سمسار الأراضي والعقارات ومقاول الأنفار في الحروب الوظيفية بالوكالة مع نسبة أو سمسرة يحصلها من كل صفقة ! ، فأين هذا من رؤية استراتيجية بعيدة المدى تروم حجز مقعد في نظام عالمي جديد يَتَشَكَّلُ وإن على مهل ، فَثَمَّ فراغ جيوسياسي في المنطقة إذ تغادر أمريكا ، ولو جزئيا ، وهو ما يَتْرُكُ فَرَاغًا يَعْدِلُ هذا الانسحاب الجزئي ولا بد من قُوَّةٍ تشغله فتلك طبائع الأشياء إذ تتدافع لشغل الحيز في الخارج ولو كان ذلك ، كما تقدم ، في نطاق جزئي فإن التغيير الجذري في النظام الدولي لا يكون بداهة في يوم وليلة ولا يقع دَفْعَةً ، لا سيما وليس ثم حدث مركزي رئيس يحدث تَغْيِيرًا نَوْعِيًّا في موازين القوى ، فالأحداث الحالية : جائحة الوباء وأحداث أمريكا .... إلخ هي أحداث كبيرة ولكنها لا تجزئ في حصول تغيير جذري ، ولا تغيير نوعي قريب المدى وإن دشنت مرحلة تَغْيِيرٍ على المدى البعيد ، وما يكون من مساحات تغادرها أمريكا الآن فثم قوى دولية وأخرى إقليمية تَرُومُ شَغْلَهَا أو اقْتِسَامَهَا تَبَعًا لأوزانها النسبية ، وهو ما يحكي مستوى أول من التنافس فهو دوري الكبار ! ، فثم روسيا وفرنسا وتركيا ، وثم إيطاليا وإن جاءت بعدهم بالنظر في ثقلها السياسي في شرق المتوسط ، وثم كيان يهود وهو الذي نجح في تدمير رأس المثلث الإقليمي : إيران تركيا مصر ، فكانت مصر هي الممثل العربي الذي تحطم وَتَرَاجَعَ دوره إلى دور وظيفي تابع من الدرجة الثانية ، فلا يجاوز دوره الآن حد المكايدة السياسية والوكالة الوظيفية في التدريب والتموين والمشاركة ، ولو جزئيا ، حتى الآن في المشهد الليبي فدور مصر فيه مثال قياسي على هشاشة الحزب العربي الذي اختار كيان يهود قائدا كما صرحت بَعْضُ الدوائر السياسية في مصر الآن فهي لا تطمح إلى زعامة في الإقليم وَتَرَى كيان يهود أحق بها ، فاختار الحزب العربي كيان يهود ممثلا جديدا له في هذا المثلث الإقليمي : إيران تركيا مصر سابقا وكيان يهود حاليا ، وهو ، كما يقول بعض الباحثين ، يضم داخله مثلثا آخر : العراق سوريا الجزيرة العربية ، وإن كانت العراق وَسُورِيا أَثْقَلَ في ميزان الحضارة والسياسة والحرب بما لهما من تاريخ مُتَرَاكِمٍ ، فحواضر الجزيرة المعاصرة حديثة النشأة ومنها ما يروم السيادة وَعُمْرُ أَحَدِنَا يساويه أو يضاهيه ! خلاف حواضر الجزيرة الروحية التي نَزَلَ فِيهَا الوحي وخرجت منها جيوش الفتح وهو ما أدى في دور تال نهاية حكم الراشدين إلى انتقال حواضر السياسة شمالا إلى الكوفة فدمشق فبغداد ثم القاهرة زمن الأيوبيين والمماليك ثم إسطنبول شمالا ، فكان ثم خطان حضاريات يَتَقَاطَعَانِ ، هما ، كما يقول بعض الباحثين ، بغداد دمشق القاهرة ، من الشرق إلى الغرب ، وإسطنبول القاهرة من الشمال إلى الجنوب فتلك خطوط الحضارة والسياسة الرئيسة في الشرق ، وقد تآكل الخط الأول تقريبا : بغداد ودمشق والقاهرة أخيرا التي كانت قاسما مشتركا أعظم بين الخطين فَزَوَالُهَا مَعَ مَرْكَزِيَّةِ دورها التاريخي والجيوسياسي في المنطقة قد أحدث اضطرابا كبيرا في توازنات القوى في المنطقة لا جرم كان هذا التراجع الكبير في الدور العربي في مقابل تَزَايُدِ الدور اليهودي في مشهد إقليمي ضيق ، وَتَزَايُدِ دور إيران وتركيا في مشهد إقليمي أوسع مع دخول كيان يهود كرأس ثالث في هذا المثلث ، في مقابل مثلث آخر مجاور ، مثلث : روسيا تركيا إيران ، وداخله ، أيضا ، كما يقول بعض الباحثين ، مثلث آخر أضيق ، مثلث أذربيجان أرمينيا جورجيا ، وهو مثلث قوى إقليمية في القوقاز ، وثم وجود لافت لتركيا وإيران في جميع مشاهد الإقليم على تَفَاوُتٍ بَيْنَهُمَا ، وَتَقَاطُعِ مصالح تكتيكي يقضي بالتحالف تارة ، وَتَعَارُضٍ يَقْضِي بالتخالف أخرى ، المشهد السوري مثالا على التحالف والتخالف في نفس الآن ! ، مع وجود شريك روسي فالثلاثة يسعون في إخراج أمريكا أو مساعدتها على الخروج ! فهي الآن تُرِيدُ ذلك طوعا ، فذلك ما يضمن لهم مساحة تأثير أكبر بل مما يخفف العبء عن أوروبا التي تَرَى ، كما يقول بعض الباحثين ، تَرَى أَيَّ وجود لأمريكا في المنطقة خصما من حصة نفوذها التاريخي في الشرق الأوسط ، ومع تفاوت الجرعة السياسية والعسكرية والثقل الاقتصادي لكلٍّ من تركيا وإيران في المنطقة فكفة تركيا أرجح وإن كان تدخل إيران في مشاهد إقليمية كثيرة أقوى ، وإن بدأ تَدَخُّلُ تُرْكِيَا يَتَصَاعَدُ لا سيما في الخليج وشرق المتوسط مع محاولة للدخول في البحر الأحمر الذي دخلته إيران ، أيضا ، من جنوبه ، فثم مساحات تَنَافُسٍ جيوسياسي ، وتركيا تسارع بمحاصرة أعدائها قبل أن يحاصروها ، فهي تَنْقِلُ مسرح العمليات الآن جنوب المتوسط لتواجه روسيا وفرنسا على أرض محايدة ! ، وهي تُنَاجِزُ روسيا السيادةَ في البحر الأسود فلا زالت تملك أوراق الضغط بِتَطْوِيقِ روسيا من الجنوب وهو الدور القديم الذي لعبته إبان الحرب الباردة انطلاقا من عضويتها في الحلف الأطلنطي وهي اليوم تملك من هامش الحركة ما يجعلها تعمل بحرية أكبر وإن لم تبلغ حد الاستقلال التام فهي تتحرك الآن بحرية أكبر خارج الدائرة الأطلنطية التي استخدمتها إبان الحرب الباردة كأداة وظيفية تابعة في تطويق الاتحاد السوفييتي وهو ما رد عليه الاتحاد السوفييتي آنذاك أَنْ فَتَحَ قنوات الاتصال مع سوريا والعراق لِيُطَوِّقَ تُرْكِيَا من الجنوب ويضغط على إيران الشاه التي كانت ذراع أمريكا الآخرى في تطويق الاتحاد السوفييتي من الجنوب من حده القوقازي ، وذلك ما صنعت روسيا اليوم إذ نَزَلَتِ الساحل السوري فهي تَرُومُ تطويق تركيا من الجنوب ، وإن لم يخل الأمر من تصالح في بعض المشاهد التي تخفف الضغط عن تركيا في شرق المتوسط ، خط توركستريم مثالا فهو ما يجعل لروسيا مصلحة ، ولو جزئية ، أَنْ تُرَسِّمَ تركيا حدودها المائية مع ليبيا وأن يكون لها وجود مؤثر في هذه البقعة المائية المتوسطية لِتَقْطَعَ الطريق أمام خط أنابيب دَشَّنَهُ كيان يهود بالتعاون مع اليونان وقبرص بعد استبعاد مصر صاحبة الغاز الأصلية التي تَنَازَلَتْ عنه في سَبِيلِ بقاء السلطة في الحكم ! ومكايدةً لِتُرْكِيَا لا تخلو من ضعف العقل وانعدام الرؤية الاستراتيجية مع افتقارها لحد أدنى من الاستقلالية بعد دخولها في طَوْرٍ حاد من أطوار التبعية الوظيفية التي لا يملك فيها التابع إلا هامش مناورة يَزْدَادُ ضِيقًا كلما ازْدَادَ تَبَعِيَّةً ، فذلك ما يُعَارِضُ مصالح أوروبا في تَنْوِيعِ مصادرها من الغاز لئلا تُرْتَهَنَ حَاجَتُهَا للطاقة عند مصدر واحد لَا تخلو عَلَائِقُهَا معه من اضطراب وهو المصدر الروسي ، وإن كانت أوروبا في المقابل تحتاج تُرْكِيَا التي عقدت الصفقة مع روسيا وقطعت خط الغاز اليهودي اليوناني القبرصي الذي يمد أوروبا بالغاز بما رَسَّمَتْ مِنْ حَدِّهَا المائي مع ليبيا ، فأوروبا لا زالت تحتاج تُرْكِيَا كثقل وازن في مقابل روسيا ، كما أن روسيا تحتاجها ، أيضا ، كثقل وازن في بَعْضِ الملفات الأوروبية ، فضلا عن الملف السوري فهي تحتاجها مع إيران للضغط على الوجود الأمريكي وَتَقْسِيمِ الفراغ الجيوسياسي الناجم عن انسحاب أمريكا ، ولو جزئيا ، من الشرق الأوسط ، وأوروبا تحتاجها في ليبيا كثقل وازن ضد الوجود الروسي وكذا الحلف الأطلنطي بقيادة أمريكا ، ولو بضوء أخضر غير مباشر ، وإيران والعراق يحتاجانها في ملف إقليمي أصغر وهو الملف الكردي ، ومهارتك في السياسة تَتَوَقَّفُ على مدى احتياج الآخرين لك ومدى استقلالك في اتخاذ القرار ليكون احتياجهم احتياجا لحليف وازن لا لتابع وظيفي تافه ، كما هي الحال في مصر الآن ! ، فلا شك أن السلطة في مصر الآن قد نجحت في استثمار الموقع الجيوسياسي وَالثِّقَلِ النَّوْعِيِّ في المنطقة ولكنها باعته بثمن بخس ولم تنجح في استثماره انطلاقا من قاعدة استقلال وسيادة وإنما تعاطت معه تَعَاطِي السمسار الذي لا يجاوز طموحه عمولة الصفقة وإن بَاعَ قراره السياسي والعسكري قطعةً قطعةً كما يَبِيعُ الأرضَ وَيُقَسِّمُهَا وحدات سكنية فَثَقَافَةُ السمسار والمقاول هي ما يصوغ الآن في مصر قَرَارَ السياسة والحرب ! .
ومهارتك في السياسة أن تبادر بمحاصرة الخصم قبل أن يحاصرك وأن تحرص على التمدد في الفضاءات الجيوسياسية المجاورة ، كما تصنع تركيا الآن بتمددها في ليبيا وإقامة قواعد لها في الخليج شرقا والبحر الأحمر غربا لتطوق خصومها أو تكون في موقع التهديد لمصالحهم إن في مصر أو في الجزيرة العربية ، فالعرب الآن خصوم معتمدون لِتُرْكِيَا في أي مشهد جيوسياسي في المنطقة ، استحضارا لمشاهد الثورة العربية بقيادة لورانس العرب ! .

ومهارتك في السياسة أن تَنْفَتِحَ على جميع جيرانك دون أن تقدم تنازلات تمس سيادتك ، اتجاه تركيا جنوبا ومحاولتها الدخول مرة أخرى إلى حاضنتها الثقافية في الشرق ، وهو ما خاصمته دهرا ثم عاودت الرجوع إليه وإن على مكث ، لا سيما بعد موقف أمريكا السلبي بعد دخولها قبرص التركية وهو ما حَمَلَ تركيا ، كما يقول بعض الباحثين ، أن تعيد النظر في علاقاتها أحادية الاختيار : انضمامها إلى حلف الناتو على قاعدة التابع الوظيفي ومحاولتها دخول الاتحاد الأوروبي على قاعدة الاستجداء والتوسل ، فبدأت تُعِيدُ النَّظَرَ إذ وَضْعُ الْبَيْضِ كُلِّهِ في سلة واحدة يجعلك في حكم الأسير لصاحب السلة فَبَيْضُكَ كلُّه تحت تصرفه ، فلا بد من إعادة توزيع وهو ما صنعت تركيا بعد ذلك إذ حاولت الانفتاح التدريجي على الاتحاد السوفييتي خصمها الذي تُطَوِّقُ ، وعلى العرب جارها الذي تكره استنادا إلى ما تقدم من أطروحات قومية ازدهرت في كلا الجانبين : التركي والعربي فساهمت في ازدياد التعصب في كل جانب وتولد الأحقاد التي لا زالت حتى اليوم حاضرة في المشهد ولو في تغيير أسماء الشوارع ! في استنساخ جديد لأجواء ما قبل الثورة العربية التي كانت رَدَّ فِعْلٍ لنزعة طورانية متعصبة ، وإن كانت اليوم غير حاضرة في المشهد لِتُبَرِّرَ هذا التعصب العربي ضد تركيا التي تروم الانفتاح على الجار العربي ولكنه قد رَهَنَ قرارَه السياسي عند النظام الدولي وذراعه الوظيفي : كيان يهود ومشروعهما في الجملة يخالف عن المشروع التركي فاختار العرب الحلف اليهودي المعتدل على الحلف التركي المتعصب ! .

ومهارتك في السياسة ألا تطلق عمليات عسكرية إلا على مكث بعد دراسة مُعَمَّقَةٍ على الأرض ، وألا يكون ذلك دفعةً ، بل يكون أقرب إلى العمل النوعي الذي يعتمد على النخب الفاعلة قَلِيلَةِ العددِ قَوِيَّةِ الأثرِ ، وهو ما يمكِّنُكَ من فتح جبهات كثيرة في نفس الوقت ، جبهات تركيا في سوريا وليبيا وأخيرا العراق وإن في عملية محدودة ، فلا يكون ذلك إلا أن تكون التدخلات نَوْعِيَّةً فهي تَعْتَمِدُ الكيف قبل الكم ، فليس الأمر مشاجرة بين فتوات الحارة َ تُسْتَجْلَبُ لها القوات وتحشد في مشهد أقرب إلى العرض العسكري ! ، ولا يمكن أن يكون ذلك إلا وثم اطمئنان كبير لا يبلغ حد التسليم لنخب القوة العسكرية ، لا جرم لم تَتَوَسَّعْ تُرْكِيَا في ذلك إلا بعد فشل انقلاب صيف 2016 فكان الضارة النافعة التي أبانت عن الخريطة الجينية ! للقوة العسكرية ، فانكشفت حقائقها إيجابا أو سلبا وهو ما سهل عملية التطهير والاستئصال ، وَوَسَّعَ دوائر التحكم والسيطرة والاختيار استثمارا لِزَخَمِ الشارع الذي حرصت القيادة السياسية أَنْ تَسْتَبْقِيَه أطولَ وقتٍ ممكن لتباشر عن طريقه عملية التطهير دون ضجة ! فَصَوْتُ الشارعِ الطالبِ لِلثَّأْرِ أعلى ! .
ومهارتك في السياسة أن تستقطب العناصر المعارضة الفارة ، لا سيما إن استند ذلك إلى قاعدة أخلاقية ، سواء أكانت حقيقة أم دعوى أم مركبة من قاعدة أخلاقية وأخرى براجماتية ، فالانفتاح على شعوب الجنوب وأكثرها في خصام مع السلطة الوظيفية فيها ، ذلك يستوجب استضافة النخب السياسية والإعلامية المعارِضة والاستثمار فيها ، ولو بإفساح المجال ، دون تدخل مباشر ، لِتَعْرِضَ قَضِيَّتَهَا التي تَتَقَاطَعُ مع مصالح تركيا وتجعلها مركزا من مراكز الثورة ذات الأبعاد الأخلاقية ، وهو ما يسهل بعد ذلك الانفتاح على الجنوب عن طريق تلك الكوادر بعد حصول تغيير جذري ، فذلك استثمار آخر في الدعاية والإعلام يشبه من وجه استثمار مصر في الخمسينيات إذ حرصت أن تكون قاعدة للحركات الثورية التحررية في الشرق الأوسط وإفريقيا ودول العالم الثالث ، مع خطاب دعائي استثمر في الإسلام أيضا بوصفه محدد هوية في كثير من البلاد العربية والإفريقية ، فهو يشبه ما تصنع تركيا اليوم وإن كان ذلك على قاعدة تَبَعِيَّةٍ فكانت مصر آنذاك أداة وظيفية استخدمها الاستعمار الأمريكي الحديث في تصفية بقايا الاستعمار الإنجليزي والفرنسي القديم ، وتركيا اليوم وإن لم تَحُزِ الاستقلال التام إلا أن لها من الإرث العثماني ما هو رائد استقلال في الفكرة والحركة ، ولمصر من ذلك حظ أيضا يُضَاهِي الحظ التركي ، تاريخ مصر الأيوبي والمملوكي ، ولكن ليس ثم الآن إرادة سياسية في مصر تروم الاستقلال ولو جزئيا ، بل الإرادة الآن على ضد ذلك فهي إرادة تَبَعِيَّةٍ مطلقة ، فقد تكون الأوراق حاضرة وعناصر القوة جاهزة ولكن ليس ثَمَّ إرادة سياسية تُفَعِّلُهَا وتخرج بها من حد القوة النظرية إلى الفعل على الأرض ، ولا تكون إرادة إلا وثم رأي عام يجاوز حد التعاطف ، فهو يَتَحَمَّلُ التضحية وذلك فعل لا يكون إلا وثم رأي قبله ، فالتصور يسبق الحكم ، وآية ذلك في الخارج زعامة فكرية وسياسية فهي تأويل هذه الإرادة التي يسبقها التصور ، وذلك سَنَنٌ جار في سائر الحركات الاختيارية في الكون ، خاصةً أو عامةً ، فلا بد من علم وبعده الإرادة وبعدهما الفعل في الخارج مصدق لهما إذا اسْتُوفِيَتِ الشروط وَانْتَفَتِ الموانع .

والله أعلى وأعلم .

الرماحي
30-07-2020, 02:03 AM
قراءة ماتعة في الحدث الحاضر الحي



شكر الله لك

الآجرومي
14-08-2020, 11:34 PM
مقال رائع لكن لم أستطع إكماله بسبب الخط وتقارب النصوص .

مهاجر
17-08-2020, 08:43 AM
جزاكم الله خيرا على المرور والتعليق ، وشكر لكم ، ونفعكم ونفع بكم ، وأحسن لكم العاقبة في الأولى والآخرة ، وعذرا على عدم التنسيق وعدم الترتيب للأفكار فهي خواطر غير ممنهجة فتفتقر إلى الدقة والإحكام .