المساعد الشخصي الرقمي

اعرض النسخة الكاملة : سؤال عن تقدير محذوف



مهاجر
20-02-2006, 05:41 AM
بسم الله
السلام عليكم

في قوله تعالى : (فلما أنجاهم إذا هم يبغون في الأرض بغير الحق ، يا أيها الناس إنما بغيكم على أنفسكم متاع الحياة الدنيا) .

يقول الشيخ السعدي ، رحمه الله ، في تفسيره :
أي غاية ما تؤملون ببغيكم وشرودكم عن الإخلاص لله أن تنالوا شيئا من حطام الدنيا ، وهو : (متاع الحياة الدنيا) ، والإشكال عندي في تقدير المحذوف المناسب لكي يستقيم نصب : (متاع) ، مع هذا التفسير ، فقد استقام لي ، تقدير : إنما بغيكم على أنفسكم لأجل متاع الحياة الدنيا ، فهي غاية ما تؤملون ، ولكن الجر هو الذي يستقيم مع هذا التقدير ، والآية فيها النصب ، فما التقدير المناسب لهذا النصب ، وجزاكم الله خيرا .

وللفائدة : في قوله تعالى : (إذا هم يبغون في الأرض بغير الحق) ، قد يظن القارئ ، للوهلة الأولى ، أنه بمفهوم مخالفة الآية ، يوجد من البغي ما هو بحق ، كما أن منه ما هو بغير حق ، وهذا غير صحيح ، لأن قوله تعالى : (بغير الحق) ، ليس قيدا يستفاد منه عكس الحكم عند انتفاءه ، فيكون البغي جائزا إذا كان بحق ، وغير جائز إذا لم يكن بحق ، وإنما هذا التقييد هو ما يطلق عليه : (الصفة الكاشفة) ، التي تكشف صفة هذا البغي ، دون أن يستفاد منها مفهوم مخالفة ، فهي تفيد بمنطوقها دون مفهومها ، فتفيد أن البغي بغير الحق مذموم ، ولا تفيد أن البغي بحق غير مذموم ، لأن البغي لا يكون إلا بغير حق ، فيكون مذموما على الدوام ، والله أعلم .

أبو محمد المنصور
20-02-2006, 08:39 AM
قرئ ( مَتَاعَ الحياة الدنيا ) و ( متاعُ الحياة الدنيا ) فمن قرأ بنصب ( متاعَ ) وهو حفص برواية عاصم و عبد الله بن أبي إسحاق وغيرهما : فالنصب يتحقق بوجه من عدة وجوه : الأول : على أنه مفعول مطلق ، أي : تتمتعون به متاع َ الحياة الدنيا . الثاني : على أنه مصدر في موضع الحال ، أي : متمتعين . الثالث : على أنه مفعول به والعامل فيه (بغيكم) . الرابع : على أنه مفعول له . الخامس : على أنه ظرف زمان ، أي : وقت متاعكم .. ومن قرأ برفع ( متاعُ ) وهو أبو عمرو والكسائي وابن كثير وغيرهم فالتقديرفيه أنه خبر لمبتدأ محذوف . أو خبر (بغيكم) . . ومن قرأ بالجر ( متاعِ ) فالجر في قراءتهم على أنه نعت للأنفس ، أي : ذوات متاعٍ ، ونص ابن الأنباري في كتابه البيان في غريب إعراب القرآن على أن الجر لأنه بدل من الضمير (الكاف والميم) في ( أنفسكم ) والتقدير : إنما بغيكم على متاع الحياة الدنيا ، ومعلوم أن البدل على نية تكرار العامل . هذا ما يسر الله به وبالله التوفيق .

مهاجر
22-02-2006, 05:26 AM
جزاك الله خيرا أبا محمد المنصور

وبالمناسبة ، ذكرني لقبك : المنصور ، بحديث دار بين وبين أخي ، وفقه الله ، منذ عدة أيام ، تدارسنا فيه أسماء من حملوا لقب المنصور ممن تولى الإمارة ، عبر تاريخ أمة الإسلام ، واهتدينا إلى 5 :

أولهم بطبيعة الحال ، فحل بني العباس ، ذو العزم والرأي والكيد ، الداهية الأريب ، أمير المؤمنين أبو جعفر المنصور ، رحمه الله ، وما أدراك ما أبو جعفر المنصور ؟

وثانيهم : الحاجب المنصور العامري ، رحمه الله ، حاجب الخليفة الأموي ، هشام المؤيد بن الحكم المستنصر بن عبد الرحمن الناصر لدين الله ، وهو مقدم الدولة العامرية ، التي استولت على مقاليد الأمور في الأندلس بعد اضمحلال سلطان بني أمية ، وكان ، رحمه الله ، مولعا بجهاد النصارى ، حتى أثر عنه أنه كان يجمع ما علق بثيابه من غبار المعارك الحربية التي خاضها ، في قارورة ، أو نحوها ، وأوصى أن تدفن معه علها تشفع له عند الله عز وجل :

وإذا كانت النفوس كبارا ******* تعبت في مرادها الأجساد ، أو كما قال المتنبي .

وثالثهم : أمير الموحدين الشهير يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن المنصور ، رحمه الله ، قاهر النصارى في موقعة الأرك ، أمير الموحدين ومقدمهم ، الملك في زي الزاهد ، السلطان في زي الفقيه المناظر ، ومن أراد الاستزادة من أخبار هذا الشاب المغربي المسلم ، فليراجع ترجمته في سير أعلام النبلاء للحافظ الذهبي ، رحمه الله .

أولئك آبائي فجئني بمثلهم ******* إذا جمعتنا يا جرير المجامع

ورابعهم : أمير المرينيين الشهير أبو يوسف يعقوب المنصور المريني ، رحمه الله ، سلطان المرينين في المغرب الحبيب ، صاحب القدم الراسخة في جهاد نصارى الأندلس ، في وقت انحسر فيه الإسلام في الجزيرة الأندلسية الحبيبة ، وانزوى المسلمون في مملكة غرناطة الشهيرة .

وخامسهم ، وهو للأسف ، الخبيث الدعي ، الحاكم بأمر الله ، الفاطمي ، زورا ، المولع بعلوم النجوم والفلك ، حتى اختل عقله ، المشهور بآرائه الغريبة ، فمن تحريم لأطعمة بعينها ، وأذكر أن منها "الملوخية" ، وهي أكلة شهيرة عندنا بمصر ، والنقل يحتاج لتحقيق ، إلى تحريم للعمل نهارا ، وإيجاب له ليلا !!!!!! ،

أسأل الله أن يجعلك كالأربعة الأول ، وأن ينفع بك أمة محمد صلى الله عليه وسلم ، كما نفع بهم ، وعلك تكون خامسهم ، أيها الحبيب ، اسما ورسما ، وأن يجنبك عقيدة وسيرة وحزب آخرهم ، وما أخبثه من حزب ! .

وصدق من قال :
اقرؤوا التاريخ إذ فيه العبر ******* ضل قوم ليس يدرون ما الخبر

وأكرم به من خبر ، إنه خبر أعلام أمة محمد صلى الله عليه وسلم .

أبو محمد المنصور
22-02-2006, 08:55 AM
أشكر لك كرمَ نفسِك ونُبْلَ خلقك ، أخي (مهاجر) ، وأسأل الله أن يوفقك ويرعاك لنا فصيحا جليلا ، وهذه تحيتي إليك لا أبتغي بها إلا صدق أخوتك على الدوام .

مهاجر
23-02-2006, 05:20 AM
جزاك الله خيرا على دعائك أيها الكريم ، وعندي الكثير من الأسئلة عن المحذوفات التي يقدر لها ما يناسبها ، سوف أرسلها لك تباعا على نفس الرابط إن شاء الله ، (وأنت اللي جبت لنفسك ، استحمل بقى) ، (ابتسامة)

مهاجر
24-02-2006, 05:23 AM
بسم الله

السلام عليكم

ومن الآيات التي استوقفتني في سورة يونس :
قوله تعالى : (ويوم نحشرهم جميعا ثم نقول للذين أشركوا مكانكم أنتم وشركاؤكم) ، حيث ظهر لي ، بادي الرأي ، أن : (مكانكم) ، ظرف مكان منصوب ، وعليه لابد من تقدير محذوف ، وليكن : قفوا مكانكم ، وعليه يكون الضمير : (أنتم) ، في محل رفع على الإبدال من واو الجماعة في المقدر المحذوف : (قفوا) ، والواو ، حرف عطف ، و : (شركاؤكم) : معطوف مرفوع يأخذ حكم المعطوف عليه ، فهل هذا التوجيه سائغ ، وجزاكم الله خيرا .

وللفائدة ، فقد استوقفتني بعض الآيات التي قدر فيها علماء اللغة والتفسير ، محذوفات مناسبة ، يستقيم معها سياق الآيات ، فحذف ما دل السياق عليه ، من أوجه الإعجاز البلاغي في القرآن الكريم ، فأردت أن أرسلها تباعا ، كمداخلات ، ضمن هذه المشاركة ، سائلا الله أن ينفعني وإخواني بها :

وبداية : فقد اتفق علماء اللغة أن الأصل في الكلام عدم الحذف ، وأنه لا يصار إلى القول بحذف مقدر إلا عند تعذر صحة السياق بدون هذا المحذوف المقدر ، فإن ساغ ، من وجه مقبول ، إمضاء النص دون الحاجة لهذا المحذوف ، فهو الأولى ، والله أعلم .

ومن الآيات التي قدر فيها العلماء محذوفا :
قوله تعالى في سورة النساء : (لكن الراسخون في العلم منهم والمؤمنون يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك والمقيمين الصلاة والمؤتون الزكاة والمؤمنون بالله واليوم الأخر)
وهي آية شهيرة يستدل بها بعض السذج ، ومنهم بعض النصارى عندنا في مصر من الأعاجم الذين لا يحسنون النطق بالعربية ، ويدعون التبحر في علومها !!!!! ، يستدلون بها على وجود أخطاء نحوية في القرآن الكريم ، وكأن قريشا ، معدن الفصاحة ، قد عجزت عن إثبات هذه الأخطاء ، فاحتاجت إلى فصاحتهم لتطعن في القرآن الكريم ، وإذا لم تستح فاصنع ما شئت !!!!! .

فسياق الآية ، فيه عطف مرفوعات على بعضها البعض ، ولكن اختلف السياق عند قوله تعالى : (والمقيمين الصلاة) ، فعطف منصوبا على مرفوعات قبله ثم عطف عليه مرفوعات أخرى ، وظاهر السياق يخالف ما تعارف عليه علماء اللغة من كون المعطوف تابعا للمعطوف عليه في الحكم ، ولا يستقيم السياق إلا بتقدير محذوف مناسب ، وهو هنا : (وأخص بالذكر المقيمين الصلاة) ، فيكون قوله تعالى : (والمقيمين الصلاة) ، منصوبا على الاختصاص ، وهو أسلوب من أساليب العرب في التأكيد على الأمر المهم ، لأن في تتابع الكلام على نسق واحد ، ثم تغييره ، بغتة ، تنبيها للسامع ، بأهمية الأمر الذي غير السياق من أجله ، فالله ، عز وجل ، يريد أن يؤكد على أهمية فريضة الصلاة ، ولذا خص أهلها بالذكر ، وغير سياق الآية لأجل التنبيه على فضلهم وشرفهم ، وحسبك أن الصلاة هي المسألة العملية الوحيدة ، تقريبا ، التي اختلف السلف ، رحمهم الله ، في حكم تاركها ، ولو كسلا مع اعتقاد وجوبها ، خلاف بقية العبادات ، وإن كان قد ورد فيها أيضا ، خلاف ولكنه أضعف بكثير من خلافهم في تكفير تارك الصلاة ولو مع اعتقاد وجوبها ، نسأل الله ، عز وجل ، المداومة عليها حتى نلقاه على دين الهدى الإسلام .
وهذه دعوة لأخواني لإثراء هذه المشاركة بتعليقاتهم وأمثلتهم النافعة إن شاء الله

والله أعلى وأعلم

عبير نور اليقين
25-02-2006, 11:18 AM
بوركت يا مهاجر ..
ومن الآيات التي استوقفتني في سورة يونس :
قوله تعالى : (ويوم نحشرهم جميعا ثم نقول للذين أشركوا مكانكم أنتم وشركاؤكم) ، حيث ظهر لي ، بادي الرأي ، أن : (مكانكم) ، ظرف مكان منصوب ، وعليه لابد من تقدير محذوف ، وليكن : قفوا مكانكم ، وعليه يكون الضمير : (أنتم) ، في محل رفع على الإبدال من واو الجماعة في المقدر المحذوف : (قفوا) ، والواو ، حرف عطف ، و : (شركاؤكم) : معطوف مرفوع يأخذ حكم المعطوف عليه ، فهل هذا التوجيه سائغ ، وجزاكم الله خيرا .
ولكن الذي بدا لي غير ما بدا لك !
فـ : مكانكم ، اسم فعل أمر ، بمعنى الزموا..ولك أن تتم الإعراب .و قوله تعالى : أنتم وشركاؤكم . جملة ابتدائية من مبتدإ وخبر ولا مسوغ للبدلية كما ذكرت ..والله تعالى أعلم

مهاجر
26-02-2006, 05:32 AM
وبوركت عبير نور اليقين ، فلبلادكم الجزائر الحبيبة ، مكانة وأي مكانة في قلب كل موحد ، ومن شاء فليطالع تاريخ المغرب الحبيب ، ولينظر في سيرة الأمير الشهير المعز بن باديس ، رحمه الله ، الذي أزال الله على يديه ملك بني عبيد ، قبحهم الله ، من المغرب الأوسط ، وفيه يقول الشاعر :

يا معز الدولة عش في رفعة ******* وسرور واعتباط وجذل
أنت أرضيت النبي المصطفى ******* وعتيت في الملاعين السفل
وجعلت القتل فيهم سنة ******* بأقاصي الأرض في كل الدول

وبعده بقرون ، جاء ابن باديس ، آخر ، لا يقل جلالة وفضلا ، عن الأول ، ذلكم هو الشيخ المجدد عبد الحميد بن باديس ، رحمه الله ، صاحب الصرخة الشهيرة ، في وجه الاحتلال الفرنسي ، (الإسلام ديننا والعربية لغتنا)

وممن يحضرني من أعلام الجزائر الحبيب أيضا ، المؤرخ الشهير : المقري ، رحمه الله ، نسبة إلى مقرة ، وهي تقع بالقرب من قسطنطينة ، المدينة الجزائرية الشهيرة ، وهو صاحب الموسوعة الشهيرة في تاريخ الأندلس المفقود ، "نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب" ، وحق لأمة أنجبت مثل أولئك الأفذاذ أن ترفع رأسها عاليا بين الأمم ، سلامي لكل إخواني أبناء الجزائر العربي المسلم الحبيب .


وكما سبق فإن الأولى : المصير إلى عدم القول بتقدير المحذوف متى صح السياق بدونه ، لأن الأصل عدم الحذف ولا يلجأ إلى تقدير المحذوف إلا مع تعذر استقامة السياق بدونه ، ومن ذلك قوله تعالى
: (فأقم وجهك للدين حنيفا) ، ثم قال تعالى : (منيبين إليه واتقوه) ، فهو حال من الضمير المستتر في : (فأقم) وهو خاص به صلى الله عليه وسلم ، وتقديره : "فأقم وجهك للدين يا نبي الله في حال كونكم منيبين" ، فالسياق قد يبدو للوهلة الأولى غير مستقيم ، لأن الحال غير مطابقة لصاحبها ، وقد أجمع أهل اللسان العربي على أن الحال الحقيقية ، أي التي لم تكن سببية لابد من مطابقتها لصاحبها إفرادا وتثنية وجمعا وتذكيرا وتأنيثا ، فلا يجوز : جاء زيد ضاحكين إجماعا ، وعليه قدر البعض محذوفا مناسبا يستقيم معه السياق ، فقالوا بأن : العامل في الحال : الزموا مقدرا وصاحبها الواو في "الزموا" ، أي الزموا فطرة الله في حال كونكم منيبين .
ولكن الشيخ الشنقيطي ، رحمه الله ، لم يرتض هذا التقدير ، لعدم الحاجة إليه ، فسياق الكلام يمكن أن يستقيم دونه ، والقاعدة ، كما سبق ، أن عدم التقدير هو الأصل فلا يصار إلى غيره إلا مع التعذر ، ووجه استقامة النص بدونه ، أن يقال : بأن الخطاب الموجه للنبي صلى الله عليه وسلم ، خطاب لأمته ، من وراءه ، ولذا أتى بالحال جمعا ، رغم أن المخاطب ، فرد واحد ، لأن الخطاب في حقيقته يتوجه إلى جماعة ، والحال الجمع لا إشكال في كون صاحبها جمعا ، فضلا عن أن تقدير : (الزموا فطرة الله .......) ، تقدير لا دليل عليه ، والله أعلم .

وهذه المسألة من المسائل الأصولية التي اعتنى بها العلماء ، وهي : مسألة الخطاب الموجه للنبي صلى الله عليه وسلم ، هل هو خاص به ، أم عام يشمل أمته ؟ ، وخلاصتها :
أن ما دل الدليل على اختصاصه به صلى الله عليه وسلم لا يشمل حكمه أمته بالإجماع ، كقوله تعالى : (وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي) ، ثم جاء بعده قوله تعالى : (خالصة لك من دون المؤمنين) ، فدل ذلك على أن هذا الحكم خاص به صلى الله عليه وسلم دون من سواه .

وما دل الدليل على عموم حكمه ، فإنه يعم بلا إشكال ، وسائر خطابات التكليف من هذا النوع ، وإن وجه الخطاب فيها إليه صلى الله عليه وسلم ابتداء ، فأمته تبع له فيها بقرينة عموم التشريع ، ومن ذلك قوله تعالى : (خذ من أموالهم صدقة) ، فالخطاب موجه ابتداء إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، وخلفاؤه من بعده تبع له فيه ، فيجب عليهم أخذ الزكاة وإرسال السعاة لقبضها .
وإلى هذا المعنى أشار الشيخ محمد بن محمد بن عبد الرحمن المغربي ، رحمه الله ، في نظمه للورقات ، بقوله :
وقربة يفعلها الرسول ******* تعم إلا ما أتى الدليل
على اختصاصه فيختص به ******* عليه أزكى صلوات ربه

والله أعلى وأعلم .

مهاجر
28-02-2006, 03:42 AM
بسم الله

السلام عليكم

وربما كان تقدير المحذوف ضروريا ، لاستقامة المعنى ، فلا محيد عنه ، كما في "دلالة الاقتضاء" ، وهي إحدى الدلالات اللغوية في علم الأصول ، وقد عرفها السرخسي الحنفي ، رحمه الله ، بقوله : (زيادة على المنصوص عليه يشترط تقديمها ، "أي تقديرها" ، ليصير المنظوم ، "أي الكلام" ، مفيدا أو موجبا للحكم ، وبدونها لا يمكن إعمال المنظوم)

ومن ذلك :
قوله تعالى : (حرمت عليكم أمهاتكم ........) ، فالمعنى هنا : حرم عليكم "نكاح" أمهاتكم ، لأن النهي لا ينصب على الذوات وإنما ينصب على الأفعال ، فلا يتصور النهي عن ذات الأم ، وإنما المتصور ، حتى يستقيم سياق النص ، النهي عن ضرب أو شتم أو زجر أو نكاح الأم ...... الخ ، ولما كانت الآية نصا في المحرمات في النكاح انصرف التحريم إليه دون غيره من بقية الأفعال ، والله أعلم . بتصرف من الوجيز في أصول الفقه (ص363_364) .

ومثله أيضا : قوله تعالى : (واسأل القرية التي كنا فيها) ، فتقدير الكلام : واسأل أهل القرية ، لأن القرية لا يمكن سؤالها ، لأنها لا تعقل ، وهذا على قول من يقول بالمجاز ، إذ جعله من "مجاز الحذف" ، وأما من ينكر المجاز ، مطلقا ، أو القرآن الكريم ، كشيخ الإسلام ، رحمه الله ، فإنه يقول بأن هذا مما تكلمت به العرب ، وهو المعروف بــــــ "إقامة المضاف إليه مقام المضاف بعد حذفه" ، وهو ما أشار إليه ابن مالك ، رحمه الله ، في الألفية بقوله :
وما يلي المضاف يأتي خلفا ******* عنه في الإعراب إذا ما حذفا

فإطلاق القرية وإرادة أهلها مما تكلمت به العرب ، كما تقدم ، وهذا هو الجواب العام لمنكر المجاز ، فهو يقول بأنه طالما استخدم اللفظ أو التركيب في كلام العرب فلا مجاز ، لأن الحقيقة ليست اللفظ الباقي على استعماله ، فقط ، بل تشمل ما اصطلح عليه المخاطبة ، وإن لم يبق على موضوعه ، فمتى اصطلح المخاطبة على لفظ أو تركيب ، فلا مسوغ للقول بالمجاز فيه ، بل هو من الحقيقة العرفية التي تعارف المخاطبة على استعمالها والحقيقة العرفية مقدمة على الحقيقة اللغوية فالدلالة هنا أقوى من الدلالة اللغوية المجردة ، والله أعلم .

قد ورد استعمال القرية في القرآن بمعنى أهلها ، كما في هذه الآية ، وبمعنى البنيان ، كما في قوله تعالى : (أو كالذي مر على قرية .........) ، فكلا المعنيين جاءت به النصوص .

ودعوى مدعي المجاز في هذه الآية مقابلة بدعوى مضادة ، وهي أن الأصل في القرية هو البنيان ، وليس الأهل ، كما زعمتم ، لأنها لا تسمى قرية إلا إذا بدئ في بنيانها ، ولا يطلق على جمع من البشر مجتمعين بلا بنيان يضمهم : قرية . (مستفاد من تعليقات الشيخ الدكتور عبد الرحمن المحمود ، حفظه الله ، على كتاب الإيمان لشيخ الإسلام) .

ومن ذلك قوله تعالى : (فقبضت قبضة من أثر الرسول) ، حيث قال من جوز المجاز ، بأن في هذه الآية "مجازا بالحذف" ، فتقدير الكلام فقبضت قبضة من أثر حافر فرس الرسول ، فحذفت 3 كلمات ، والرد على ذلك يكون ، بما قرره ابن القيم ، رحمه الله ، من وجوب مراعاة سياق الكلام الذي ورد فيه اللفظ ، فسياق الكلام هنا يدل على ما قاله المخالف ، دون تعسف أو تكلف في تقدير أي محذوف ، فعلام تقدير كل هذه المحذوفات وقد وضح المعنى للسامع ابتداء .



ومنه : قوله تعالى : (فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر) ، فيلزم تقدير محذوف هو : (فأفطر) ، لكي يستقيم السياق شرعا ، ويصبح تقدير الكلام : فمن كان منكم مريضا أو على سفر فأفطر فصيامه يكون عدة من أيام أخر .

وقد خالف الظاهرية ، رحمهم الله ، تمسكا بنص الآية دون تقدير محذوف ، وقالوا بوجوب الفطر على المسافر والمريض ، لأن الآية نصت على أن صيامهم عدة من أيام أخر ، وليس أيام مرضهم أو سفرهم ، والرد على ذلك بأنه لو سلم لهم بأن الأصل هو عدم تقدير محذوف ، وسياق الكلام ، لغة ، لا يحتاج إلى هذا التقدير ، إلا أن سياقه ، شرعا ، يحتاج إلى هذا التقدير ، لثبوت جواز الصوم في السفر ، لمن قدر عليه ، بالدليل الشرعي الصحيح ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم صام في السفر ، فاعتبار جانب الشرع أولى من اعتبار جانب اللغة ، لأن النص ما جاء إلا ليفصح عن مقصود الشارع ، عز وجل ، فلا تكفي استقامة السياق لغة إن عارض دليلا شرعيا ثابتا ، وإنما يلزم تقدير المحذوف المناسب لكي يستقيم الكلام شرعا ، وإن لم نكن بحاجة إليه ، لكي يستقيم الكلام لغة ، والله أعلم .

ومنه ، أيضا ، قوله تعالى : (أو به أذى من رأسه ففدية) : فتقدير الكلام : (أو كان به أذى من رأسه فحلق فعليه الفدية) ، فلا تجب عليه الفدية لمجرد وجود الأذى في رأسه ، وإنما تجب بالحلق ، والله أعلم .

مهاجر
02-03-2006, 03:23 AM
بسم الله

السلام عليكم

ومن المواطن التي يلزم فيها تقدير محذوف :
جواب الشرط في قوله تعالى : (ولو أن قرآنا سيرت به الجبال أو قطعت به الأرض أو كلم به الموتى بل لله الأمر جميعا) ، فقد قال المشركون : لا نؤمن حتى يأتينا قرآن تسير به الجبال أو تقطع به الأرض ، أو يكلم به الموتى ، فرد الله ، عز وجل بقوله : (ولو أن قرآنا سيرت به الجبال أو قطعت به الأرض أو كلم به الموتى) ، وحذف جواب الشرط لدلالة السياق عليه ، وتقديره : لكان هذا القرآن الذي نزل عليكم ، فيكون المعنى :
لو فرض وجود قرآن تسير به الجبال أو تقطع به الأرض أو يكلم به الموتى لكان هذا القرآن الذي نزل عليكم ، ولكن القرآن لم ينزل لأجل ذلك ، وإنما نزل لتتلى آياته آناء الليل وأطراف النهار ، وليحل حلاله ويحرم حرامه ، فهو كتاب هداية وموعظة ، لا قصص وتسلية ، ولذا أعقب هذا بقوله : (بل لله الأمر جميعا) ، وبل تفيد الإضراب ، أي الإضراب عما قبلها من الكلام وإلغاءه ، فليس الأمر كذلك ، بل الأمر جميعا لله ، عز وجل ، وقدم الخبر شبه الجملة : (لله) ، للدلالة على اختصاصه به ، عز وجل ، دون من سواه ، والله أعلم .

وحذف جواب الشرط ، إذا دل السياق عليه ، من أساليب الإيجاز المطردة في القرآن الكريم ، ومن ذلك :
قوله تعالى : (وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ)
جاء في البحر المحيط ، ومثله في الدر المصون:
جواب إذا محذوف يدل عليه ما بعده ، أي أعرضوا.
قال الشيخ أبو السعود رحمه الله تعالى : { وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ٱتَّقُواْ } بـيانٌ لإعراضِهم عن الآياتِ التَّنزيليةِ بعد بـيانِ إعراضِهم عن الآياتِ الآفاقيةِ التي كانُوا يشاهدونَها وعدم تأمُّلِهم فيها أيْ إذَا قيل لهم بطريقِ الإنذارِ بما نزل من الآيات أو بغيره اتَّقوا { مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ } من الآفاتِ والنَّوازلِ فإنَّها محيطة بكم أو ما يصيبكم من المكاره مِن حيثُ تحتسبون ومن حيثُ لا تحتسبون أو من الوقائع النَّازلةِ على الأُمم الخالية قبلكم والعذاب المعدِّ لكم في الآخرة أو من نوازل السَّماءِ ونوائب الأرض أو من عذاب الدُّنيا وعذاب الآخرةِ أو ما تقدَّم من الذُّنوبِ وما تأخَّر. { لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ } إمَّا حال من واوِ واتَّقوا أو غايةٌ له أي راجين أنْ تُرحموا أو كي تُرحموا فتنجُوا من ذلك لما عرفتُم أنَّ مناط النَّجاةِ ليس إلاَّ رحمةَ الله تعالى. وجوابُ إذا محذوف ثقةً بانفهامِه من قوله تعالى: { وَمَا تَأْتِيهِم مّنْ ءايَةٍ مّنْ ءايَـٰتِ رَبّهِمْ إِلاَّ كَانُواْ عَنْهَا مُعْرِضِينَ {انفهاماً بـيِّناً أمَّا إذا كان الإنذارُ بالآيةِ الكريمة فبعبارةِ النَّصِّ وأمَّا إذا كان بغيرها فبدلالته لأنَّهم حين أعرضوا عن آياتِ ربِّهم فلأنْ يُعرضوا عن غيرِها بطريق الأولويَّةِ كأنَّه قيل: وإذا قيل لهم اتَّقوا العذاب أعرضُوا حسبما اعتادُوه.أ.هـ.
وقد جاء جواب الشرط محذوفاً في كثير من الآيات الكريمة، من ذلك ما جاء في قوله تعالى:
{وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ ٱللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ } [النور :10]، وقوله: { وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ ٱللَّهَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ } [النور :20] ، فجواب الشرط في كلا الحالتين تقديره : لهلكتم ، أي : ولولا فضل الله عليكم ورحمته لهلكتم ولكن الله رؤوف رحيم بكم ، والله أعلم .

مستفاد معظمه ، ما عدا المثال الأول من سورة الرعد ، من مشاركة للأخت الكريمة الدكتورة روضة عبد الكريم ، حفظها الله ورعاها ، إحدى عضوات ملتقى أهل التفسير .

مهاجر
04-03-2006, 05:22 AM
بسم الله

السلام عليكم

ومن صور تقدير محذوف مناسب دل عليه السياق :
العام المخصص بالحس أو العقل :

فالعام المخصوص بالحس ، كقوله تعالى : (تدمر كل شيء بأمر ربها) ، فقد دل الحس على أنها لم تدمر كل شيء ، بدليل بقاء السماوات والأرض ، وعليه يكون تقدير الكلام : تدمر كل شيء أمرت بتدميره ، (وهو قرى قوم عاد) ؟ ، بإذن ربها .

وبهذه الآية رد الإمام أحمد ، رحمه الله ، على الجهمية ، لما استدلوا بقوله تعالى : (الله خالق كل شيء) ، على خلق القرآن ، لأنه شيء ، والآية عامة في كل شيء ، وقد جاءت بصيغة : "كل" ، وهي من أقوى صيغ العموم ، فيشمل الخلق القرآن ، والرد عليهم :
يكون بإيضاح معنى الآية التي استدل بها أحمد ، رحمه الله ، عليهم ، فهو كما تقدم : تدمر كل شيء مما أمرت بتدميره بإذن ربها ، فلم تؤمر ابتداء بتدمير السماوات والأرض ، وإنما أمرت بإهلاك قرى عاد ، ويمكن القول بأنها دمرت كل شيء مما تصلح لتدميره ، فلم تكن صالحة لتدمير السماوات والأرض ، لأنها لم تؤمر بذلك ، وكذا الحال في قوله تعالى : (الله خالق كل شيء) ، فلا يعني ذلك أن الله ، عز وجل ، خلق القرآن ، لأن القرآن كلام الله ، وكلام الله من صفاته ، وصفاته ، عز وجل ، غير مخلوقة ، كما أن ذاته ، عز وجل ، غير مخلوقة ، فالكلام في الصفات فرع على الكلام في الذات ، وإلى هذا أشار الناظم بقوله :

وما نقول في صفات قدسه ******* فرع الذي نقول في نفسه

وعليه فصفات الله ، عز وجل ، لا تصلح للدخول في عموم آية الخلق ، ويكون معنى الآية : الله خالق كل شيء سواه ، وأما ذاته وصفاته فغير مخلوقة ، وهذا مما يعلم من الدين بالضرورة ، فهو ، عز وجل ، خالق كل شيء مما يصلح للخلق ، وذاته وصفاته ، عز وجل ، أزلية ، فلا تصلح للدخول تحت عموم الآية ، فهي غير صالحة لوصفها بأنها مخلوقة ، لأنها كما تقدم أزلية لا ابتداء لها ولا انتهاء ، والله أعلم .

والعام المخصوص بالعقل : كقوله تعالى : (الله خالق كل شيء) ، وسبقت الإشارة إلى طرف منه ، فقد دل العقل على أن ذات الله ، عز وجل ، غير مخلوقة ، وإن تناولها لفظ : "شيء" ، بدليل قوله تعالى : (كل شيء هالك إلا وجهه) ، فتقدير الكلام : (الله خالق كل شيء دون ذاته وأسمائه وصفاته فهي غير مخلوقة) ، والله أعلم


بتصرف من الأصول من علم الأصول ص43 .

مهاجر
08-03-2006, 01:53 AM
بسم الله

السلام عليكم

ومنه قوله تعالى : (مثل الجنة التي وعد المتقون تجري من تحتها الأنهار أكلها دائم وظلها تلك عقبى الذين اتقوا) ، فتقدير الكلام : مثل الجنة التي وعد المتقون تجري من تحتها الأنهار أكلها دائم وظلها كذلك دائم ، فحذف : (كذلك دائم) لدلالة السياق عليه ، واكتفى بوصف الأكل بالدوام ، دون الظل .

وكذا قوله تعالى : (يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات)
فتقدير الكلام : يوم تبدل الأرض غير الأرض وكذلك السماوات تبدل غير السماوات التي ترونها .

وقوله تعالى : (واللآئي يئسن من المحيض من نسائكم ، إن ارتبتم ، فعدتهن ثلاثة أشهر واللآئي لم يحضن) ، فمن انقطع دم حيضها ، فإنها تعتد بالأشهر ، وكذا الصغيرة التي لم تحض بعد ، ومعنى قوله تعالى : (إن ارتبتم) ، أي إن ارتبتم في حكمها ولم تعلموه ، أو إن ارتبتم في حالها ، هل انقطع الدم أو لم ينقطع ، إن كانت مستحاضة ، يأتيها الدم تارة وينقطع عنها تارة أخرى ، أو كانت صغيرة أتاها الدم لأول مرة ، فارتبتم هل هو دم حيض أم دم علة وفساد .
وقوله تعالى : (واللآئي لم يحضن) ، معناه أنهن كذلك في الحكم ، فحذف قول : (كذلك) ، لدلالة السياق عليه ، والله أعلم .


ومن ذلك أيضا : حذف العائد إذا جر بحرف جر الموصول بمثله مع اتحاد المعنى ، ومن ذلك قوله تعالى : (يأكل مما تأكلون منه ويشرب مما تشربون) ، فتقدير الكلام : يأكل مما تأكلون منه ويشرب مما تشربون منه ، فحذف : "منه" ، الصلة الثانية ، لأنها مجرورة بحرف الجر "من" ، كالصلة الأولى ، وقد دل السياق عليها فحذفت إيجازا ، والله أعلم . بتصرف من زاد المعاد لابن القيم ، رحمه الله ، (1/8) .

ومن ذلك أيضا :
قوله تعالى : (أئذا كنا ترابا وآباؤنا) ، فتقدير الكلام : أئذا كنا ترابا نحن وآباؤنا ، فعطف "آباؤنا" على المكنى في "كنا" من غير إظهار "نحن" ، ومنه قول بعض العرب :
ألم تر أن النبع يصلب عوده ******* ولا يستوي والخروع المتقصف
فتقدير الكلام : ولا يستوي هو والخروع المتقصف ، كما نقل ذلك ابن كثير ، رحمه الله ، عن الفراء رحمه الله ، والله أعلم .

مهاجر
11-03-2006, 03:46 AM
بسم الله

السلام عليكم

ومن ذلك أيضا :
مسألة تنوين العوض ، وهي من أشهر مسائل النحو ، لأن التنوين من العلامات الشهيرة التي يعرف بها الاسم ، كما هو معلوم ، ومن ذلك :
تنوين العوض عن حرف : ومنه قوله تعالى : (ومن فوقهم غواش) ، بتنوين "غواش" ، وأصلها : (غواشي) ، فعوض عن الياء بالتنوين .
وتنوين العوض عن كلمة :
ومنه قوله تعالى : (وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ويعلم مستقرها ومستودعها كل في كتاب مبين) ، بتنوين : (كل) ، فهو عوض عن كلمة : (دابة) ، أو : (أحوالها) ، أو : (مقاديرها) ، .................... الخ ، بتقدير محذوف مناسب يستقيم معه سياق الآية ، والله أعلم .
وقوله تعالى : (قل كل يعمل على شاكلته) ، أي : كل واحد يعمل على شاكلته .
وقوله تعالى : (كلا نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك) ، أي : كل واحد من هؤلاء نمد من عطاء ربك .
وشاهده من كلام العرب قول رؤبة بن العجاج :
داينت أروى والديون تقضى ******* فمطلت بعضا وأدت بعضا .
أي مطلت بعض الدين وأدت بعضه . منحة الجليل بتحقيق شرح ابن عقيل ، للشيخ محمد محيي الدين عبد الحميد ، رحمه الله ، (1/18) .
وتنوين العوض عن جملة :
وفيه يظهر إعجاز القرآن في بيان المعنى بأقل عدد ممكن من الألفاظ ، ومنه :
قوله تعالى : (في بضع سنين ، لله الأمر من قبل ومن بعد ويومئذ يفرح المؤمنون) ، فالتنوين في يومئذ : عوض عن جملة كاملة ، لأن "إذ" لا تضاف إلا لجملة ، فتقدير الكلام : ويوم إذ ينتصر الروم ، أهل الكتاب ، على الفرس ، الوثنيين عباد النار ، يفرح المؤمنون بنصر الله ، وقد دل على ذلك سياق الآيات السابقة لهذه الآية وفيه : قوله تعالى : (وهم من بعد غلبهم سيغلبون) ، أي سيغلب الروم من بعد غلبهم ، والله أعلم .

مهاجر
14-03-2006, 01:56 AM
بسم الله

السلام عليكم

وقد زاد ابن عقيل ، رحمه الله ، الأمر تفصيلا في قوله تعالى : (واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر واللائي لم يحضن) ، حيث استشهد بهذه الآية على جواز حذف المبتدأ والخبر ، لدلالة ما قبلهما عليهما ، فقال :
فحذف المبتدأ والخبر ، وهو "فعدتهن ثلاثة أشهر" ، لدلالة ما قبله عليه ، وإنما حذفا لوقوعهما موقع مفرد ، والظاهر أن المحذوف مفرد ، والتقدير : "واللائي لم يحضن كذلك" ، فكأن المبتدأ والخبر قد وقعا موقع : "كذلك" ، ففهم المراد بتقدير أحدهما ، إما بتقدير المبتدأ والخبر وإما بتقدير ما يقوم مقامهما وهو لفظ "كذلك" ، المفرد ، وعليه فإن اللفظ المفرد قد يقع موقع جملة كما في هذا المثال ، فهو واقع موقع جملة المبتدأ والخبر ، وقد يقع موقع مفرد مثله ، كالخبر المحذوف في قوله : زيد قائم وعمرو ، فتقدير الكلام : زيد قائم وعمرو قائم ، أو زيد قائم وعمرو كذلك ، فوقع لفظ "كذلك" المفرد موقع الخبر المفرد "قائم" ، الذي حذف لدلالة السياق عليه ، والله أعلم .
بتصرف من شرح ابن عقيل بتحقيق الشيخ محمد محيي الدين عبد الحميد رحمه الله . (1/203) .

ومنه أيضا ، حذف المبتدأ في قوله تعالى : (من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها) ، فتقدير الكلام في الجملتين : من عمل صالحا فعمله لنفسه ، ومن أساء فإساءته عليها .
فحذف المبتدأين : (عمله ، إساءته) ، لدلالة السياق عليهما ، وأبقى الخبرين شبهي الجملة "الجار والمجرور" : (لنفسه ، عليها) ، والله أعلم .
شرح ابن عقيل (1/202) .

ومنه أيضا قوله تعالى : (فصبر جميل) ، فتقدير الكلام : صبري صبر جميل ، فحذف المبتدأ "صبري" ، وجوبا ، لأن الخبر "صبر" ، مصدر ناب مناب الفعل .
وشاهده من كلام العرب قول الراجز :
شكا إلي جملي طول السرى ******* صبر جميل فكلانا مبتلى .
شرح ابن عقيل (1/210) .

ومن ذلك أيضا : الاكتفاء بقيد واحد في الكلام :
كما في قوله تعالى : (والذاكرين الله كثيرا والذاكرات) ، فحذف : "الله كثيرا" ، من الجملة المعطوفة اكتفاء بالقيد المذكور في الجملة الأولى المعطوف عليها .
وقوله تعالى : (عن اليمين وعن الشمال قعيد) ، فاكتفى بذكر قيد واحد : "قعيد" ، في نهاية السياق ، وتقدير الكلام : عن اليمين قعيد وعن الشمال قعيد .
وشاهده من كلام العرب :
نحن بما عندنا ، وأنت بما ******* عندك راض ، والرأي مختلف
فاكتفى بقيد واحد في نهاية السياق ، وتقدير الكلام : نحن بما عندنا راضون ، وأنت بما عندك راض ، وهذا من مواضع حذف الخبر جوازا ، فــــ : "راضون" ، خبر المبتدأ : "نحن" .
شرح ابن عقيل (1/201_202) .


وبهذا احتج الجمهور على الأحناف رحمهم الله ، في مسألة حمل المطلق على المقيد إذا ما اتحد الحكم ، ولو اختلف سببه :
كما في قوله تعالى في كفارة القتل الخطأ : (وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطئا ، ومن قتل مؤمنا خطئا فتحرير رقبة مؤمنة) ، فقيد الرقبة هنا بالإيمان .
وقوله تعالى في كفارة الظهار : (فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا) ، فأطلق الرقبة هنا عن أي قيد ، ومع ذلك قيدت ، عند الجمهور ، بكونها مؤمنة ، حملا على الآية الأولى ، لاتحاد الحكم ، وهو الكفارة بالعتق ، وإن اختلف السبب ، ففي الأولى سببها : القتل الخطأ ، وفي الثانية سببها : الظهار ، والله أعلم .
بتصرف من "مباحث في علوم القرآن" للشيخ مناع القطان رحمه الله . ص226_227 .

ومن ذلك قوله تعالى : قوله تعالى : (ولات حين مناص) .
ومعنى لات هنا : ليس ، فهي حرف ، يفيد معنى النفي الذي تفيده "ليس" ، وتقدير الكلام : وليس الحين حين مناص ، فحذف اسم لات لدلالة خبرها عليه ، والله أعلم .

مهاجر
16-03-2006, 03:14 AM
بسم الله

السلام عليكم

ومن ذلك أيضا : ما يعرف بأسلوب الاحتباك ، وهو أحد الأساليب البلاغية التي يحذف فيها ما يدل عليه الباقي بحيث يستقيم سياق الكلام ، ومن ذلك :

قوله تعالى : (قد كان لكم آية في فئتين التقتا ، فئة تقاتل في سبيل الله ، وأخرى كافرة) ، فأصل الكلام :
قد كان لكم آية في فئتين التقتا : فئة مؤمنة تقاتل في سبيل الله ، وأخرى كافرة تقاتل في سبيل الطاغوت ، فحذف من الجملة الأولى لفظ "مؤمنة" ، لدلالة "كافرة" عليها في الجملة الثانية ، وحذف "تقاتل في سبيل الطاغوت" في الجملة الثانية لدلالة "تقاتل في سبيل الله" ، عليها في الجملة الأولى ، فهو أشبه ما يكون بالحذف التقابلي ، فيحذف من كل متقابلين أحدهما ، لسهولة الاستدلال عليه بالآخر ، والله أعلم .

ومنه قوله تعالى : (قيل يا نوح اهبط بسلام منا وبركات عليك) ، فأصل الكلام :
قيل يا نوح اهبط بسلام منا عليك وبركات منا عليك ، فحذف "عليك" ، من الجملة الأولى لورودها في الجملة الثانية ، فصح الاستدلال بالثانية الباقية على الأولى المحذوفة ، وحذف "منا" من الجملة الثانية ، لورودها في الجملة الأولى ، فحصل الحذف بشكل تقابلي من كلتا الجملتين ، والله أعلم .

ومنه قوله تعالى : (والله أنبتكم من الأرض نباتا) ، فأصل الكلام :
والله أنبتكم من الأرض إنباتا فنبتم نباتا ، فلدينا فعلان : أحدهما متعد بهمزة التعدية وهو الفعل : أنبت ، والآخر لازم وهو : نبت ، ولدينا مصدران ، مصدر الفعل المتعدي : أنبت ، "إنباتا" ، ومصدر الفعل اللازم نبت ، "نباتا" ، فحذف المصدر "إنباتا" ، من الجملة الأولى لدلالة المصدر "نباتا" ، في الجملة الثانية عليه ، وحذف الفعل "نبتم" من الجملة الثانية لدلالة الفعل "أنبتكم" ، في الجملة الأولى عليه ، والله أعلم .


ومن الحذف أيضا :
الحذف في قوله تعالى : (ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه إني لكم نذير مبين) ، فتقدير الكلام : ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه فقال : إني لكم نذير مبين ، فحذف فعل القول لدلالة ما قبله عليه ، فالإرسال يدل على القول فلا يعقل أن يبعث ملك رسولا إلى ملك آخر ، دون أن يحمله رسالة مكتوبة أو ملفوظة .


ومن ذلك أيضا :
قوله تعالى : (فقال لهم رسول الله ناقة الله وسقياها) ، بنصب "ناقة" ، فسياق الكلام ، للوهلة الأولى ، يرجح رفع "ناقة" ، لأنها أول جملة القول ، ولكنها نصبت هنا على التحذير ، كما أشار إلى ذلك القرطبي ، رحمه الله ، فتقدير الكلام : احذروا ناقة الله ، أو : احذروا أن تمسوا ناقة الله بسوء ، والله أعلم .

د.بهاء الدين عبد الرحمن
16-03-2006, 02:27 PM
بارك الله فيك يا مهاجر(مهاجرا لله ) وزادك علما وفضلا وجزاك خيرا.

د.بهاء الدين عبد الرحمن
16-03-2006, 02:28 PM
بارك الله فيك يا مهاجر(مهاجرا لله ) وزادك علما وفضلا وجزاك خيرا.

مهاجر
18-03-2006, 01:23 AM
بسم الله

السلام عليكم

ومن ذلك أيضا :
قوله تعالى : (لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا وكلا وعد الله الحسنى) .
قال القاسمي رحمه الله :
(لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل) :
أي من قبل فتح مكة ، أو صلح الحديبية ، على خلاف بين العلماء في المقصود بــــــ "الفتح" ، وقاتل لتعلو كلمة الحق ، ومن أنفق من بعد وقاتل في حال قوة الإسلام وعزة أهله ، فحذف الثاني لوضوح الدلالة عليه ، فإن الاستواء لا يتم إلا بذكر شيئين على أنه أشير إليه بقوله مستأنفا عنهم زيادة في التنويه بهم :
(أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا)
أي لعظم موقع نصرة الرسول صلى الله عليه وسلم بالنفس ، وإنفاق المال في تلك الحال . اهــــــ ، بتصرف يسير ، فتقدير الكلام :
لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل ومن أنفق من بعد الفتح وقاتل ، والله أعلم .

ومن ذلك أيضا :
قوله تعالى : (فلما رأوه زلفة سيئت وجوه الذين كفروا وقيل هذا الذي كنتم به تدعون) ، فالفاء هنا تسمى : "فاء فصيحة" ، لأنها تفصح عن محذوف مقدر ، فتقدير الكلام هنا : فلما ماتوا ثم بعثوا ثم عاينوا العذاب قريبا منهم سيئت وجوههم ................ ، فأفصحت الفاء عن أحوالهم قبل رؤية العذاب زلفى ، واستغني عن ذكرها بالإشارة إليها بالفاء ، والله أعلم .

ونظير ذلك قوله تعالى : (قال الذي عنده علم من الكتاب أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك فلما رآه مستقرا عنده) ، فتقدير الكلام : فلما ذهب الذي عنده علم من الكتاب ، فأتى به ثم جاء ووضعه بين يدي سليمان صلى الله عليه وسلم ، واستقر عرشها عنده قال : ................ ، والله أعلم .


ومن ذلك أيضا :
قوله تعالى : (أم لهم شركاء فليأتوا بشركائهم إن كانوا صادقين ، يوم يكشف عن ساق ويدعون إلى السجود فلا يستطيعون) ، فللآية وجهان :
الوجه الأول : أن يقال بأن متعلق : (يوم يكشف) مذكور ، وهو الآية قبله ، فيكون تقدير الكلام : فليأتوا بشركائهم إن كانوا صادقين ، وليكن إتيانهم بهم يوم يكشف عن ساق ويدعون إلى السجود ، وعليه فلا محذوف مقدر هنا ، وهذا القول أولى لأنه لا يصار إلى تقدير محذوف إلا إذا تعذرت استقامة النص بدونه ، والله أعلم .
والوجه الثاني : وهو الذي يلزم فيه تقدير محذوف مناسب ، فيكون متعلق : (يوم يكشف) ، محذوفا ، ويكون تقدير الكلام : واذكر يا محمد يوم القيامة ، وما به من أهوال ، يوم يكشف عن ساق ويدعون إلى السجود ................. الخ ، والله أعلم .

مهاجر
20-03-2006, 04:53 AM
بسم الله
السلام عليكم
جزاك الله خيرا أيها الأغر الكريم ، وردك إلى أحب بلاد الله لرسوله صلى الله عليه وسلم ، مهبط الوحي ، البلد الحرام ، مكة المكرمة ، شرفها الله وحفظها

ومن مواضع تقدير المحذوف المناسب:

قوله تعالى : (لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة) :
سواء ، في قراءة من رفع "بيع" و "خلة" و "شفاعة" ، وهم الجمهور ، على مذهب من يرفع الاسم الآتي بعد "لا النافية للجنس" ، إذا تكررت ، كقولك : "لا حول ولا قوة إلا بالله" ، برفع "حول" و "قوة" ، فيكون " بيع" : مبتدأ ، وخبره : "فيه" ، و "خلة" و "شفاعة" مبتدآن خبر كل منهما محذوف لدلالة خبر "بيع" عليه ، فتقدير الكلام : لا بيع فيه ولا خلة فيه ولا شفاعة فيه ، فاستغنى عن تكرار الخبر في الجملتين الثانية والثالثة لدلالة خبر المبتدأ الجملة الأولى عليه .
ومن شواهد هذا الوجه :
قول عبيد بن حصين الراعي :
وما هجرتك حتى قلت معلنة ******* لا ناقة لي في هذا ولا جمل
برفع ناقة وجمل .
فتقدير الكلام : لا ناقة لي في هذا ولا جمل لي في هذا ، فحذف خبر المبتدأ الثاني لدلالة خبر المبتدأ الأول عليه .
وعليه نسج فريد عصره أبو الطيب المتنبي فقال :
بم التعلل لا أهل ولا وطن ******* ولا نديم ولا كأس ولا سكن
برفع أهل ووطن ونديم وكأس وسكن ، وحذف أخبارها كلها ، لدلالة السياق عليه ، فتقدير الكلام : لا أهل موجودون ولا وطن موجود ولا نديم موجود ولا كأس موجود ولا سكن موجود ، والله أعلم . بتصرف من "منحة الجليل" (2/14) .


أو على قراءة أبي عمرو الشامي وابن كثير المكي ، رحمهما الله ، حيث بنيا "بيع" و "خلة" و "شفاعة" على الفتح في محل نصب ، فأعملا لا النافية للجنس في كل مبتدأ ، كقولك : لا حول ولا قوة إلا بالله ، ببناء "حول" و "قوة" على الفتح في محل نصب اسم لا النافية للجنس .

فيكون تقدير الكلام : لا بيعا فيه ولا خلالا فيه ولا شفاعة فيه ، بنصب الكل ، وحذف خبر الجملتين الأخيرتين لدلالة خبر الجملة الأولى عليه ، والله أعلم . بتصرف من "منحة الجليل" (2/10) .

ومن ذلك :
قوله تعالى : (فأما من أعطى واتقى) ، فأعطى : فعل يتعدى لنصب مفعولين ليس أصلهما المبتدأ والخبر ، كقولك : أعطى محمد زيدا درهما ، فــــ : "زيدا" : مفعول أول ، و "درهما" : مفعول ثان ، وفي الآية الكريمة ، حذف ، بالبناء للمفعول ، المفعولان لدلالة السياق عليهما ، أو للدلالة على عموم العطاء ، والله أعلم .

وأما في قوله تعالى : (ولسوف يعطيك ربك فترضى) :
فالمحذوف مفعول واحد ، وهو الشيء المعطى ، ليدل على عموم العطاء ، أي : ولسوف يعطيك ربك من كل أوجه الخير حتى ترضى ، والله أعلم .

وفي قوله تعالى : (حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون) :
فالمحذوف هو المفعول الأول ، وهو "المعطون" ، بضم الميم وفتح الطاء ، وهم المسلمون ، وتقدير الكلام : حتى يعطوكم الجزية عن يد وهم صاغرون ، وحذف المفعول الأول لدلالة السياق عليه ، فالجزية تؤخذ من أهل الكتاب لتعطى للمسلمين ، والله أعلم .

مستفاد من شرح ابن عقيل رحمه الله ، (2/52) .

ومن ذلك قوله تعالى : (وإن أحد من المشركين استجارك)
فالاسم الواقع بعد إن ، فاعل لفعل محذوف وجوبا يفسره الفعل المذكور بعده ، على مذهب جمهور البصريين ، وتقدير الكلام : وإن استجارك أحد من المشركين ، خلاف الكوفيين ، الذين يقولون برفع الاسم الآتي بعد "إن" بنفس الفعل المذكور بعده ، فلا محذوف مقدر ، وعليه يكون الفاعل متقدما على فعله ، والله أعلم


وما قيل في "إن" يقال في "إذا" ، ومنه قوله تعالى : (إذا السماء انشقت) ، فتقدير الكلام : إذا انشقت السماء ، فيلزم تقدير فعل محذوف للفاعل "السماء" ، يدل عليه الفعل المذكور بعده ، والله أعلم
مستفاد من شرح ابن عقيل رحمه الله ، (2/66) .

مهاجر
22-03-2006, 04:50 AM
بسم الله

السلام عليكم

ومن ذلك قوله تعالى : (الحر بالحر والعبد بالعبد) ، فقد جعله ابن هشام ، رحمه الله ، في المغني ، من الصور التي يصح فيها الإخبار بشبه الجملة ، الجار والمجرور ، لأن متعلق الجار والمجرور هنا خاص قد قامت القرينة الدالة عليه ، وهي صدر الآية ، وفيه قوله تعالى : (يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى) ، وعليه يكون تقدير الكلام : الحر يقتل بالحر ، والعبد يقتل بالعبد .

بتصرف من "منحة الجليل" ، (1/174) .

ومن ذلك ، أيضا ، قوله تعالى : (ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاسا يغشى طائفة منكم وطائفة قد أهمتهم أنفسهم) .

فتقدير الكلام في الشطر الثاني : (وطائفة قد أهمتهم أنفسهم) : وطائفة من غيركم قد أهمتهم أنفسهم ، بدلالة قوله تعالى ، في صدر الآية : (يغشى طائفة منكم) ، فيقابل هذه الطائفة التي هي منكم ، طائفة أخرى من غيركم ، وعليه يقال بأن صفة الطائفة الثانية محذوفة لدلالة صفة الطائفة الأولى عليها ، وعليه ساغ الابتداء بـــ "طائفة" ، رغم كونها نكرة ، لأنها وصفت ، وإن كان الوصف محذوفا ، والنكرة إذا وصفت خصصت ، بالبناء للمفعول ، فاكتسبت نوع تعريف ساغ معه الابتداء بها ، كما في قوله تعالى : (ولعبد مؤمن) ، فـــ : "عبد" نكرة ، ابتدئ بها الكلام ، بدليل دخول لام الابتداء عليها ، لأنها وصفت بصفة مذكورة وهي : "مؤمن" ، وهذا بطبيعة الحال خلاف الأصل المانع من الابتداء بالنكرة ، لأن الأصل أن المبتدأ يطلب خبره لأنه بمثابة المحكوم عليه ، والمحكوم عليه لابد أن يكون معلوما ، لأنه لا يتصور الحكم على مجهول ، فالحكم على الشيء فرع عن تصوره ، والنكرة مجهولة لا يمكن تصورها حتى نحكم عليها بحكم الخبر ، والله أعلم
مستفاد من "أوضح المسالك ، شرح ألفية ابن مالك" ، لابن هشام الأنصاري ، رحمه الله ، ص75 ، وشرح الشيخ الدكتور عبد الغني عبد الجليل ، حفظه الله ، لنفس الكتاب .

والوصف كما يقول الشيخ محمد محيي الدين عبد الحميد ، رحمه الله ، على ثلاثة أنواع :
الوصف اللفظي : كقولك : رجل من الكرام عندنا ، فـــ : "من الكرام" ، صفة لفظية مذكورة لــــ : "رجل" ، سوغت الابتداء به مع كونه نكرة .
والوصف التقديري : كالمثال المذكور .
والوصف المعنوي : وضابطه ألا يكون مذكورا أو مقدرا ، ولكن صيغة النكرة تدل عليه كــــ :
أن تكون النكرة مصغرة ، كقولك : رجيل عندنا ، فالمعنى : رجل صغير عندنا ، فالتصغير أكسب النكرة صفة الصغر ، وإن لم تذكر أو تقدر .
أو تكون دالة على التعجب ، كــــــ : "ما" التعجبية ، كقولك : ما أحسن زيدا ، فتقدير الكلام : شيء عظيم حسن زيدا ، ففيها وصف التعجب الملازم لمادتها دون ذكر أو تقدير ، والله أعلم .
بتصرف من "منحة الجليل" ، (1/180) .

ومن ذلك قوله تعالى : (وكلا وعد الله الحسنى) ، برفع : "كل" ، في قراءة ابن عامر الشامي ، رحمه الله ، فلا بد من تقدير ضمير في جملة الخبر : "وعد الله الحسنى" ، يعود على المبتدأ : "كل" ، لأن وجود رابط ما بين المبتدأ وجملة الخبر ، شرط لصحة الإخبار عنه بها ، والرابط هنا محذوف وتقديره : وكل وعده الله الحسنى ، فهاء الغائب في : "وعده" ضمير يعود على المبتدأ : "كل" ، والله أعلم .
مستفاد من "أوضح المسالك ، شرح ألفية ابن مالك" ، لابن هشام الأنصاري ، رحمه الله ، ص73 ، وشرح الشيخ الدكتور عبد الغني عبد الجليل ، حفظه الله ، لنفس الكتاب .

ومن ذلك ، أيضا ، قوله تعالى : (ثم لننزعن من كل شيعة أيهم أشد على الرحمن عتيا) ، فتقدير الكلام : "ثم لننزعن من كل شيعة أيهم هو أشد على الرحمن عتيا" ، فحذف صدر الصلة ، أي مبتدأها ، "هو" ، ولذا ساغ القول ببناء "أي" في "أيهم" ، على الضم ، رغم أن الأصل فيها الإعراب ، لأن الإضافة قوتها في باب الاسمية ، والأصل في الاسم الإعراب ، ولكن لما حذف صدر صلتها ، كما تقدم ، لازمت البناء على الضم ، وأعربت هنا : مفعول به مقدم ، مبني على الضم ، في محل نصب ، وهو مضاف وما بعده مضاف إليه ، والله أعلم .

بتصرف من "منحة الجليل" ، (1/136) .


ومن ذلك قوله تعالى : (فاقض ما أنت قاض) ، فتقدير الكلام : فاقض ما أنت قاضيه ، لأن "قاض" ، وصف ، اسم فاعل ، يدل على المستقبل ، فقضاؤه فيهم أمر مستقبل لم يحدث بعد ، والهاء المحذوفة مجرورة بهذا الوصف ، ولذا ساغ حذفها ، والله أعلم .
مستفاد من "أوضح المسالك ، شرح ألفية ابن مالك" ، لابن هشام الأنصاري ، رحمه الله ، ص66 ، وشرح الشيخ الدكتور عبد الغني عبد الجليل ، حفظه الله ، لنفس الكتاب .

مهاجر
24-03-2006, 03:22 AM
بسم الله

السلام عليكم

ومن ذلك أيضا :
قوله تعالى : (وخضتم كالذي خاضوا) ، فمن أحد تخريجات هذه الآية :
أن "الذي" صفة لموصوف محذوف ، وصلة "الذي" ، أي جملة الصلة التي تأتي بعده ، محذوفة ، فيكون تقدير الكلام : وخضتم كالخوض الذي خاضوه ، فلدينا 3 أركان :
الموصوف : وهو محذوف ، وتقديره : "كالخوض" .
والصفة : ويمثلها الاسم الموصول "الذي" ، وهو مذكور .
وصلة الموصول "الذي" : وهو محذوف وتقديره : (خاضوه) ، جملة من فعل ماض وفاعل ، واو الجماعة ، ومفعول ، هاء الغائب ، والله أعلم .

بتصرف من "منحة الجليل" ، (1/134) .

ومن ذلك :
قوله تعالى : (ثم آتينا موسى الكتاب تماما على الذي أحسن) ، على قراءة من ضم : "أحسن" ، فيكون تقدير الكلام : تماما على الذي هو أحسن ، على مذهب الكوفيين ، حيث أن جملة صلة الموصول "الذي" ، هنا جملة قصيرة تتكون من كلمتين : مبتدأ "هو" ، وخبر "أحسن" ، وعندهم أنه يجوز حذف صدر الصلة ، أي مبتدأها ، وإن لم تطل الجملة مع غير "أي" ، وعليه حذف الضمير "هو" من جملة الصلة ، وأما البصريون فلم يجيزوا ذلك مع غير "أي" ، ما لم تطل الصلة ، أي تكون جملة طويلة ، والله أعلم .
بتصرف من "منحة الجليل" ، (1/139) .

ومنه قوله تعالى : (ذرني ومن خلقت وحيدا) ، فتقدير الكلام : ذرني ومن خلقته وحيدا ، فحذف العائد على الموصول "من" ، في جملة الصلة ، وهو "هاء الغائب" ، لأنه نصب بفعل تام "خلق" .
وكذا في قوله تعالى : (أهذا الذي بعث الله رسولا) ، فتقدير الكلام : أهذا الذي بعثه الله رسولا ، فحذف العائد على الموصول "الذي" ، في جملة الصلة ، وهو "هاء الغائب" ، لأنه نصب بفعل تام "بعث" ، والله أعلم .

بتصرف من "منحة الجليل" ، (1/142) .

ومنه قوله تعالى : (فاكهين بما آتاهم ربهم) ، فلها تقديران :
أولا : فاكهين بالذي آتاهموه ربهم ، فحذف عائد الصلة "هاء الغائب الثانية" ، لأنه نصب بفعل تام متعدي لنصب مفعولين وهو الفعل : "آتى" ، والمفعولان هما : "هم" ، هاء الغائب الأولى الدالة على جماعة الذكور ، وهاء الغائب الثانية الدالة على المفرد الغائب .

والتقدير الثاني : فاكهين بالذي آتاهم إياه ربهم ، ففصل المفعول الثاني ، وحذفه ، لأن هذا الموضع من المواضع التي يجوز فيها وصل الضمير ، كما في التقدير الأول ، أو فصله ، كما في هذا التقدير ، لأنهما مفعولان لفعل تام متعد لنصب مفعولين ليس أصلهما المبتدأ والخبر ، وكلاهما في درجة واحدة من التعريف ، فهما من الضمائر الدالة على الغائب .

ومثله : قوله تعالى : (ومما رزقناهم ينفقون) ، فلها تقديران كالآية السابقة:
التقدير الأول : ومن الذي رزقناهموه ينفقون ، فحذف عائد الصلة "هاء الغائب الثانية" ، لأنه نصب بفعل تام متعدي لنصب مفعولين وهو الفعل : "رزق" ، والمفعولان هما : "هم" ، هاء الغائب الأولى الدالة على جماعة الذكور ، وهاء الغائب الثانية الدالة على المفرد الغائب .

والتقدير الثاني : ومن الذي رزقناهم إياه ينفقون ، ففصل المفعول الثاني ، وحذفه ، لأن هذا الموضع من المواضع التي يجوز فيها وصل الضمير ، كما في التقدير الأول ، أو فصله ، كما في هذا التقدير ، لأنهما مفعولان لفعل تام متعد لنصب مفعولين ليس أصلهما المبتدأ والخبر ، وكلاهما في درجة واحدة من التعريف ، فهما من الضمائر الدالة على الغائب ، والله أعلم .

بتصرف من "منحة الجليل" ، (1/144) .


ومنه قوله تعالى : (أين شركائي الذين كنتم تزعمون) ، فتقدير الكلام : أين شركائي الذين كنتم تزعمون أنهم شركائي ، فحذف عائد الصلة : "هم" في "إنهم" ، وحذف الحرف الناصب له "إن" ، وحذف خبرها : "شركائي" ، فحذف جملة كاملة تتألف من ناسخ واسميه ، والله أعلم .
بتصرف من "منحة الجليل" ، (1/144) .

وقد استشهد الشيخ محمد محيي الدين عبد الحميد ، رحمه الله ، بقول كثير عزة :
وقد زعمت أني تغيرت بعدها ******* ومن ذا الذي يا عز لا يتغير

ولم يبدو لي وجه الاستشهاد هنا ، فهل من شارح كريم .
وجزاكم الله خيرا

مهاجر
27-03-2006, 04:43 AM
بسم الله
السلام عليكم

ومن ذلك قوله تعالى : (والذين يمسكون بالكتاب وأقاموا الصلاة إنا لا نضيع أجر المحسنين) ، فالجمهور خلاف الأخفش ، يجعلون جملة : " إنا لا نضيع أجر المحسنين " ، جملة مستأنفة ، وليست خبرا عن "الذين" ، وعليه يكون خبر "الذين" ، محذوف للدلالة عليه ، ويقدر تبعا لسياق الكلام ، فيكون على سبيل المثال : والذين يمسكون بالكتاب وأقاموا الصلاة "مفلحون" ، ثم يستأنف الكلام : (إنا لا نضيع أجر المحسنين) .

وأما الأخفش فجعل جملة : " إنا لا نضيع أجر المحسنين " هي الخبر عن المبتدأ : "الذين" ، والرابط بينهما : إعادة المبتدأ بمعناه في جملة الخبر ، فـــ : "الذين" ، المبتدأ ، أشير إليه بـــ "المحسنين" ، في جملة الخبر ، والله أعلم .
مستفاد من "أوضح المسالك ، شرح ألفية ابن مالك" ، لابن هشام الأنصاري ، رحمه الله ، ص73 ، وشرح الشيخ الدكتور عبد الغني عبد الجليل ، حفظه الله ، لنفس الكتاب.


ومن ذلك قوله تعالى : (حتى إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق فإما منا بعد وإما فداء) ، يقول ابن عقيل رحمه الله :
فـــ "منا" ، و "فداء" : مصدران منصوبان بفعل محذوف وجوبا ، والتقدير ، والله أعلم ، : فإما تمنون منا ، وإما تفدون فداء . اهـــــ
فهذا الموضع من مواضع حذف عامل المصدر ، (أي فعله الذي يعمل فيه) ، وجوبا ، لأن المصدر وقع تفصيلا لعاقبة ما تقدمه ، فعاقبة الأسر إما : المن وإما الفداء ، كما نصت الآية ، وإن كان قتل الأسير جائزا ، بل هو الأصل ، في أول القتال ، حتى يحصل الإثخان في العدو ، فإذا حصل ، ورأى القائد المصلحة في اتخاذ الأسرى ، جاز له ذلك ، على تفصيل يطلب من كتب الفروع ، والله أعلم .

بتصرف من شرح ابن عقيل ، رحمه الله ، (2/140) .

ومن ذلك أيضا :
قوله تعالى : (وأشربوا في قلوبهم العجل بكفرهم) ، فتقدير الكلام : وأشربوا في قلوبهم حب العجل بكفرهم ، لأن القلب محل الحب والبغض ، لا الذوات المحبوبة أو المبغضة ، وهذا من باب حذف المضاف وإقامة المضاف إليه محله ، وسبقت الإشارة إليه عند الكلام على قوله تعالى : (واسأل القرية) ، على تقدير : واسأل أهل القرية ، والقائلون بالمجاز في القرآن ، يقولون بأن هذا من "مجاز الحذف" ، ولا إشكال في هاتين الآيتين ، سواء قيل بتقدير محذوف مناسب يستقيم معه سياق الكلام ، أو قيل ، وهو الأصح ، أنه لا مجاز في هذه المواضع ، لأن حذف المضاف وإقامة المضاف إليه محله ، مما تكلم به العرب ، فصار حقيقة في لغتهم لا مجازا ، وهذا هو الرد الإجمالي ، على القائلين بوجود المجاز في القرآن ، كما أشار إلى ذلك الشيخ الشنقيطي ، رحمه الله ، في رسالة " منع جواز المجاز في المنزل للتعبد والإعجاز" ، فضلا عن أن السياق مفهوم دون تقدير المحذوف ، فلا يتصور أن يفهم المستمع من الآيتين السابقتين أن العجل بذاته هو الذي أشربه القوم في قلوبهم ، أو أن قوله تعالى : (واسأل القرية) ، يعني سؤال بيوتها وجدرانها ، والأهم من ذلك أن فتح هذا الباب قد يوقع في تأويل بعض آيات الأسماء والصفات بحجة أنها مجازية الدلالة ، وهذا ما وقع فيه أئمة كبار ، كالقرطبي ، رحمه الله ، في قوله تعالى : (وجاء ربك) ، حيث قدر محذوفا وهو : "أمر" ، فتقدير الكلام : وجاء أمر ربك وتابعه ابن عقيل رحمه الله ، في شرحه ، في (3/58) ، عند كلامه على قول ابن مالك رحمه الله :
وما يلي المضاف يأتي خلفا ******* عنه في الإعراب إذا ما حذفا

وقوله ، رحمه الله ، من الناحية النحوية ، صحيح ، فحذف المضاف "أمر" ، وهو فاعل ، وإقامة المضاف إليه "ربك" ، محله ، بحيث يكون هو الفاعل لفظا ، لا إشكال فيه ، ولكن الإشكال أن : "ربك" ، ليس فاعلا في اللفظ دون المعنى ، وإنما هو فاعل في اللفظ والمعنى ، فمجيئه ، كما قرر أئمة أهل السنة والجماعة ، مجيء حقيقي ، على الوجه الذي يليق بجلاله ، فمعناه متصور ، وإن كانت كيفيته مما لا تدركه عقول البشر ، فهو صفة من صفات الله ، عز وجل ، الفعلية ، المتعلقة بمشيئته ، فيجيء كيفما شاء وقتما شاء ، سبحانه وتعالى وعز وجل ، وأما القول بمجيء أمره فهو مردود من جهة :
أنه قد اتضح غاية الاتضاح ، أن مجيء الله ، عز وجل ، غير مجيء أمره وملائكته ، وأن مجيئه حقيقة ومجيء أمره حقيقة ومجيء ملائكته حقيقة ، وقد فصل الله ، عز وجل ، ذلك وقسمه ونوعه تنويعا يمتنع معه الحمل على المجاز .
· فذكر سبحانه وتعالى في آية : (هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة وقضي الأمر) وآية : (وجاء ربك والملك صفا صفا) ، إتيانه وإتيان ملائكته .
· وذكر في آية : (هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي أمر ربك كذلك فعل الذين من قبلهم) إتيان ملائكته وإتيان أمره .
· وذكر في آية : (هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي ربك أو يأتي بعض آيات ربك) إتيانه وإتيان ملائكته وإتيان بعض آياته التي هي من أمره .

ويقال أيضا : ما الذي يخص إتيان أمره بيوم القيامة ؟ أليس أمره آتيا في كل وقت ، ومتنزلا بين السماء والأرض بتدبير أمور خلقه في كل حين ، والله أعلم .
بتصرف من مختصر معارج القبول ص73_74 .

مهاجر
29-03-2006, 04:48 AM
بسم الله
السلام عليكم

ومن ذلك أيضا : الحذف بعد "بئس" و "نعم" ، فمن ذلك :
قوله تعالى : (بئس الشراب وساءت مرتفقا) ، فتقدير الكلام : بئس الشراب الماء الحميم ، أو : بئس الشراب هذا الماء الحميم ، أو : بئس الشراب الماء الحميم المذموم .
فحذف المخصوص بالذم لدلالة السياق عليه ، وعليه يقدر المخصوص بالذم ، بحيث يعرب مبتدأ مؤخرا ، وجملة "بئس وفاعلها" في محل رفع خبر مقدم ، أو يقدر محذوفان : مبتدأ محذوف تقديره : هو ، أو هذا ، ........... الخ ، والمخصوص بالذم الذي يعرب في هذه الحالة خبر للمبتدأ المحذوف ، أو بالعكس ، يقدر المخصوص بالذم على أنه هو المبتدأ ويقدر له خبر مناسب كـــ : بئس الشراب الماء الحميم المذموم ، فيكون "المذموم" : هو خبر المبتدأ : "الماء الحميم" ، ولا شك أن تقدير محذوف واحد أيسر من تقدير محذوفين ، لا سيما وقد اكتمل المعنى دون الحاجة لتقدير المحذوف الثاني ، فالأصل في الكلام عدم الحذف فلا يلجأ إليه إلا عند الضرورة ، والضرورة تقدر بقدرها وقدرها هنا ، بيان المعنى المراد ، وقد ظهر بتقدير محذوف واحد فقط فلا حاجة لتقدير ثان ، والله أعلم .

وقوله تعالى : (نعم الثواب وحسنت مرتفقا) ، والقول فيها كالقول في الآية السابقة ، فتقدير الكلام :
نعم الثواب الجنة ، على القول بحذف المخصوص بالمدح فقط ، وهو أولى الأقوال .
أو : نعم الثواب هي الجنة ، أو : نعم الثواب هذه الجنة ، بحذف مبتدأ مقدر مع المخصوص بالمدح الذي يقع خبرا له .
أو : نعم الثواب الجنة الممدوحة ، بحذف المخصوص بالمدح ، الذي يقع مبتدأ ، لخبر مقدر ، تقديره : الممدوحة ، والله أعلم .

وقد يحذف فاعل "بئس" أو "نعم" ، لدلالة ما قبله عليه ، ومنه قوله تعالى : (بئس للظالمين بدلا) ، فتقدير الكلام : بئس الشيطان وذريته للظالمين بدلا ، وقد ذكر ابن عقيل ، رحمه الله ، في شرحه (3/125) ، أن فاعل "بئس" هنا ، ضمير مستتر يفسره التمييز "بدلا" ، فيكون تقدير الكلام : بئس هو للظالمين بدلا ، والضمير "هو" عائد على الشيطان ، لدلالة السياق عليه ، فآل القولان إلى قول واحد ، وإن كان الأول قد قدر الفاعل اسما ظاهرا ، والثاني قدره اسما مضمرا مرجعه الاسم الظاهر الذي قدره الأول ، والله أعلم .

مستفاد من سلسلة مجالس الشيخ صالح بن عواد المغامسي ، حفظه الله ، الأستاذ بكلية المعلمين بالمدينة المنورة ، في تفسير القرآن الكريم ، التي تبثها قناة المجد الفضائية .

ومنه أيضا قوله تعالى : (نعم المولى ونعم النصير) ، فتقدير الكلام : نعم المولى الله ، ونعم النصير الله ، فحذف المخصوص بالمدح لدلالة ما قبله عليه .

ومنه قوله تعالى : (إنا وجدناه صابرا نعم العبد إنه أواب) ، أي : نعم العبد أيوب ، فحذف المخصوص بالمدح ، وهو أيوب ، لدلالة ما قبله عليه ، والله أعلم .

شرح ابن عقيل رحمه الله ، (3/130) .

مهاجر
05-04-2006, 04:34 AM
بسم الله

السلام عليكم

ومن ذلك أيضا :
قوله تعالى : (تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة) ، في قراءة من كسر "الآخرة" ، فيلزم هنا تقدير مضاف محذوف مناسب ، وهو : تريدون عرض الدنيا والله يريد باقي الآخرة ، أو : تريدون عرض الدنيا والله يريد عرض الآخرة ، فيكون المحذوف على هذا مماثلا للملفوظ به في صدر الآية : (عرض الدنيا) ، وكذا قدره ابن أبي الربيع في شرحه للإيضاح .
فالمضاف قد حذف ، وكان الأولى في هذه الحالة أن يقام المضاف إليه مقامه ، وتتغير حركته تبعا لذلك ، فينصب ، كما نصب المضاف المقدر ، وهذه قراءة الجمهور ، أي قراءة نصب : "الآخرة" ، بعد حذف المضاف المنصوب : عرض أو باقي ، وإقامة المضاف إليه محله ، ولكن في هذه القراءة ، حذف المضاف ولم يقم المضاف إليه مقامه بل ظل على حاله من الجر فلزم تقدير المضاف المحذوف ، والعمدة في مثل هذه التخريجات هو مدى صحة هذه القراءة : هل هي متواترة يلزم تخريجها نحويا بما يستقيم معه السياق ، أم هي قراءات شاذة يكفي لتضعيف أوجهها النحوية ، ضعف سندها ، والله أعلم .

ومن يقول بالمجاز في القرآن ، له أن يعتبر ذلك من مجاز الحذف ، الذي يدل السياق فيه على المحذوف ، كما في قوله تعالى : (واسأل القرية) ، أي : واسأل أهل القرية ، والمخالف يقول لا مجاز في الآية لأن دلالة السياق تجعل الكلام حقيقة لا مجازا ، والسياق قد دل على المعنى المراد ، دون الحاجة لتقدير المحذوف ، والعرب استخدمت هذا الأسلوب في كلامها فأصبح حقيقة لا مجازا في لغة العرب .

بتصرف من شرح ابن عقيل رحمه الله (3/60)

ومنه قوله تعالى : (فعسى ربي أن يؤتين خيرا من جنتك ويرسل عليها حسبانا) ، أي : هلاكا حسبانا ، فحذف الموصوف وأبقى الصفة .

ومثله ، قوله تعالى : (أن اعمل سابغات) ، أي اعمل : دروعا سابغات ، فحذف الموصوف وأقام الصفة محله .

وشاهده من كلام العرب :
قول الأعشى ، ميمون بن قيس ، في لاميته المشهورة :
كناطح صخرة يوما ليوهنها ******* فلم يضرها وأوهى قرنه الوعل
فأصل الكلام : كوعل ناطح صخرة ، فحذف الموصوف ، وأقام الصفة : اسم الفاعل "ناطح" ، محله ، وعملت الصفة في المعمول ، المفعول به : صخرة ، كما يعمل المحذوف المقدر ، فكأن الصفة تحل محل الموصوف المحذوف محلا وعملا ، فهي في الآية السابقة : حلت محل الموصوف المحذوف وأخذت نفس إعرابه فجرت بالكسرة : (اعمل سابغات) ، على المفعولية ، لأنها جمع مؤنث سالم ، والله أعلم .

بتصرف من "منحة الجليل" (3/85) .
مع الاستفادة من سلسلة مجالس الشيخ صالح بن عواد المغامسي ، حفظه الله ، الأستاذ بكلية المعلمين بالمدينة المنورة ، في تفسير القرآن الكريم ، التي تبثها قناة المجد الفضائية .

مهاجر
07-04-2006, 03:22 AM
بسم الله
السلام عليكم
_
ومنه أيضا :
قوله تعالى : (إذا الشمس كورت) ، فتقدير الكلام : إذا كورت الشمس ، فيلزم أيضا ، تقدير فعل محذوف يدل عليه الفعل الذي يلي الفاعل : "الشمس" ، خلافا للأخفش ، الذي يرى أن الاسم الواقع بعد "إذا" : مبتدأ ، وخبره الفعل الذي يليه ، وعليه فلا حاجة لتقدير محذوف ، وشاهد ذلك قول الفرزدق :
إذا باهلي تحته حنظلية ******* له ولد منها فذاك المذرع
فتقدير الكلام عند سيبويه ، رحمه الله ، وأنصاره الذين يرون وجوب تقدير فعل محذوف : إذا كان باهلي تحته حنظلية ، أو إذا وجد باهلي تحته حنظلية ، وأما الأخفش فيرى عدم الحاجة لهذا التقدير ، وعليه يكون "باهلي" : مبتدأ ، وخبره متعلق الظرف "تحته" ، ويكون تقدير الكلام : إذا باهلي استقر تحته حنظلية ، أو الظرف هو نفسه الخبر على ما ارتضاه الكوفيون ، ويعلق الشيخ ، محمد محيي الدين عبد الحميد ، رحمه الله ، على قول أنصار سيبيوه بقوله : وهو تكلف ، فكأن الشيخ ، رحمه الله ، يؤيد ما ذهب إليه الأخفش ، لأن الأصل ، كما سبقت الإشارة إلى ذلك ، عدم تقدير المحذوف ، فطالما استقام السياق دون تقديره ، فعلام تكلف ذلك ؟ والله أعلم .
بتصرف من "منحة الجليل" (3/47) .
وقد سبقت الإشارة إلى طرف من ذلك عند الحديث على قوله تعالى : (إذا السماء انشقت) ، والإعادة هنا لفائدة ذكر الخلاف في المسألة ، وتوضيح الأمر بذكر أمثلة أكثر فهو أمر مطرد في كل الآيات التي جاء فيها اسم بعد "إذا" ، كالآيات السابقة وكقوله تعالى : (إذا السماء انفطرت) ......... الخ

ومن ذلك أيضا :
قوله تعالى : (إن الله لا يستحي أي يضرب مثلا ما بعوضة) ، في قراءة من رفع "بعوضة" ، كمالك بن دينار وابن السماك ، رحمهما الله ، فتقدير الكلام عندهم : إن الله لا يستحي أي يضرب مثلا الذي هو بعوضة ، فـــ "ما" موصولة بمعنى "الذي" ، وصدر صلتها ، أي مبتدأ جملة الصلة : "هو" ، محذوف ، وهذا جائز ، على مذهب الكوفيين ، مع غير "أي" ، وإن لم تطل الصلة ، كما سبقت الإشارة إلى ذلك ، عند الكلام على قوله تعالى : (ثم آتينا موسى الكتاب تماما على الذي أحسن) ، والله أعلم .

ومنه قوله تعالى : (واختار موسى قومه سبعين رجلا) ، فتقدير الكلام : واختار موسى من قومه سبعين رجلا ، فالمفعول الأول : قومه ، منصوب على نزع الخافض "من" ، لأن الفعل "اختار" من الأفعال التي لا تتعدى لنصب مفعولين إلا على نزع الخافض لأحدهما ، فالأصل فيه أن ينصب مفعولا واحدا ، كقولك : اخترت من الرجال محمدا ، فـــ "محمد" هو المفعول به الوحيد في هذه الجملة ، خلاف قولك : اخترت الرجال محمدا ، فتخريجه كتخريج الآية السابقة ، والله أعلم .
بتصرف من منحة الجليل (2/96) .

ومنه قوله تعالى : (واختار موسى قومه سبعين رجلا) ، فتقدير الكلام : واختار موسى من قومه سبعين رجلا ، فالمفعول الأول : قومه ، منصوب على نزع الخافض "من" ، لأن الفعل "اختار" من الأفعال التي لا تتعدى لنصب مفعولين إلا على نزع الخافض لأحدهما ، فالأصل فيه أن ينصب مفعولا واحدا ، كقولك : اخترت من الرجال محمدا ، فـــ "محمد" هو المفعول به الوحيد في هذه الجملة ، خلاف قولك : اخترت الرجال محمدا ، فتخريجه كتخريج الآية السابقة ، والله أعلم .
بتصرف من منحة الجليل (2/96) .


ومنه قوله تعالى : (جنات عدن يدخلونها) ، في قراءة من كسر "جنات" ، على أنها مفعول به ، لفعل محذوف يفسره المذكور بعده ، وعليه فتقدير الكلام : يدخلون جنات عدن ، يقول ابن عقيل رحمه الله : وزعم بعضهم أنه لا يجوز النصب ، لما فيه من كلفة الإضمار ، وليس بشيء ، فقد نقله سيبويه وغيره من أئمة العربية ، وهو كثير .
بتصرف من "منحة الجليل" (2/108) .


ومنه قوله تعالى : (أيحسب الإنسان ألن نجمع عظامه * بلى قادرين على أن نسوي بنانه) ، فتقدير الكلام : بلى نجمعها قادرين ، فحذف عامل الحال ، أي الفعل "نجمعها" ، لدلالة السياق عليه ، والله أعلم .
شرح ابن عقيل (2/222) .

ومنه قوله تعالى : (للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر) ، فتقدير الكلام : تربص في أربعة أشهر .
وقوله تعالى : (بل مكر الليل والنهار) ، فتقدير الكلام : بل مكر في الليل والنهار ، لأن المضاف إليه ظرف وقع المضاف فيه .
شرح ابن عقيل (3/34) .

ومنه قوله تعالى : (وما كنت بجانب الغربي) ، فتقدير الكلام : وما كنت بجانب الوادي الغربي ،
وقوله تعالى : (ولدار الآخرة خير) ، فتقدير الكلام : ولدار المقامة الآخرة ، أو ولدار الحياة الآخرة ....... الخ ، وهذا ما يعرف بإضافة الموصوف إلى صفته ، كقولك : صلاة الأولى ، أي : صلاة الساعة الأولى ، فــــ "الأولى" صفة للساعة لا للصلاة ، ثم حذف المضاف إليه "الساعة" ، وأقيمت صفته مقامه .
بتصرف من شرح ابن عقيل (3/38) .

ومنه قوله تعالى : (ما شاء الله لا قوة إلا بالله) :
فـــ : (ما) يحتمل أن تكون موصولة ، بمعنى "الذي" ، فتكون خبرا لمبتدأ محذوف ، وتقدير الكلام : هذا ما شاء الله ، أي : ليس هذا بإرادتي وحولي وقوتي ، ولكنه بمشيئة الله ، أي : هذا الذي شاء الله .
ويحتمل أن تكون شرطية ، ففعل الشرط : (شاء) ، وجوابه محذوف ، وتقدير الكلام : ما شاء الله كان ، والله أعلم
شرح العقيدة الواسطية للشيخ محمد بن عثيمين ، رحمه الله ، ص130_131 .


بتصرف من "منحة الجليل" ، (1/139) .

مهاجر
09-04-2006, 04:50 AM
بسم الله

السلام عليكم

ومنه قوله تعالى : (أسمع بهم وأبصر) ، فتقدير الكلام : أسمع بهم وأبصر بهم ، فحذف المجرور بالباء بعد أفعل التعجب الثانية ، أي "أبصر" ، لدلالة ما قبله عليه ، وشاهد ذلك من لغة العرب قول عروة الصعاليك :
فذلك إن يلق المنية يلقها ******* حميدا ، وإن يستغن يوما فأجدر
أي أجدر به ، فمعنى البيت : أنه إن لقي المنية لقيها محمود الخصال ، وإن يستغن يوما فما أحقه بالغنى وما أجدره باليسار .
بتصرف يسير من منحة الجليل (3/117) .

ومنه قوله تعالى : (واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا) ، فتقدير الكلام : واتقوا يوما لا تجزي فيه نفس عن نفس شيئا ، فحذف : "فيه" ، الرابط بين جملة النعت : (لا تجزي نفس) ، والمنعوت : "يوما" ، لأن الضمير في لفظ : "فيه" المقدر ، عائد على : "يوما" ، وفي كيفية حذفه ، كما يقول ابن عقيل ، رحمه الله ، قولان :
الأول : أنه حذف بجملته دفعة واحدة .
الثاني : أن "في" ، حذفت أولا ، فاتصل الضمير بالفعل : "تجزي" ، فصار : "تجزيه" ، ثم حذفت الهاء ، والله أعلم .
بتصرف من شرح ابن عقيل رحمه الله : (3/154) .


ومنه قوله تعالى : (قالوا الآن جئت بالحق) ، أي : الحق البين في هذه المسألة ، فحذف النعت جوازا لدلالة السياق عليه .
ومثله : قوله تعالى : (إنه ليس من أهلك) ، أي الناجين .
بتصرف من شرح ابن عقيل رحمه الله : (3/159) .

ومنه قوله تعالى : (أفلم تكن آياتي تتلى عليكم) ، فتقدير الكلام : ألم تأتكم آياتي وتتلى عليكم ، فحذف المعطوف عليه : "ألم تأتكم" ، لدلالة السياق عليه ، فإقامة الحجة عليهم بتلاوة آيات الله لا يتأتى إلا بعد إتيانها أولا ومن ثم تلاوتها ثانيا ، كما أشار إلى ذلك الزمخشري ، غفر الله له ، والله أعلم .
بتصرف من شرح ابن عقيل رحمه الله : (3/188_189) .

ومنه حذف المنادى في :
قوله تعالى : (ألا يا اسجدوا) ، في قراءة الكسائي ، رحمه الله ، فأداة النداء "يا" ، دخلت على الفعل "اسجدوا" ، والنداء من خصائص الأسماء ، كما أشار إلى ذلك ابن مالك ، رحمه الله ، في ألفيته بقوله :
بالجر والتنوين والندا وأل ******* ومسند للاسم تمييز حصل
وعليه لابد من تقدير منادى محذوف ، فيكون تقدير الكلام : يا هؤلاء اسجدوا ، والتخريج الثاني لهذه القراءة ، أن "يا" هنا ليست أداة نداء وإنما هي أداة تنبيه .

ومثله قوله تعالى : (يا ليتنا نرد) ، فأداة النداء "يا" ، دخلت على الحرف ، فلزم تقدير منادى محذوف ، فيكون تقدير الكلام : يا قوم ليتنا نرد ، أو يقال ، كما قيل في الآية السابقة ، أن "يا" للتنبيه لا النداء .

وشواهد ذلك من كلام العرب كثيرة فمنها :
قوله صلى الله عليه وسلم : (يا رب كاسية في الدنيا عارية يوم القيامة) ، فدخلت "يا" على حرف "رب" الذي أفاد هنا التكثير ، فتقدير الكلام : يا قوم رب كاسية في الدنيا عارية في الآخرة .

وقول الشاعر :
يا ليتني وأنت يا لميس ******* في بلدة ليس بها أنيس
فدخلت "يا" على حرف "ليتني" ، فتقدير الكلام : يا لميس ليتني وأنت ......................

وقول الفرزدق يهجو الرجل العذري :
يا أرغم الله أنفا أنت حامله ******* يا ذا الخنى ومقال الزور والخطل
فدخلت "يا" على الفعل : "أرغم" ، فتقدير الكلام : يا هذا أرغم الله أنفا أنت حامله .

وقول ذي الرمة صاحب مية :
ألا يا اسلمي يا دار مي على البلى ******* ولا زال منهلا بجرعائك القطر
فدخلت "يا" على الفعل : "اسلمي" ، فتقدير الكلام : يا دار مية اسلمي ......................

وقول الشاعر :
ألا يا اسلمي ذات الدماليج والعقد ******* وذات الثنايا الغر والفاحم الجعد
فتقدير الكلام : يا ذات الدماليج اسلمي ..................... ، والله أعلم .

بتصرف من منتهى الأرب بتحقيق شرح شذور الذهب ، للشيخ محمد محيي الدين عبد الحميد ، رحمه الله ، ص40_41
و "منحة الجليل" ، (1/219_220) .

مهاجر
12-04-2006, 04:32 AM
بسم الله

السلام عليكم

وإتماما للفائدة ، حول حذف النعت في قوله تعالى : (الآن جئت بالحق) ، يقول ابن هشام رحمه الله :
وفي هذه الآية ، حذف الصفة ، أي بالحق الواضح ، ولولا أن المعنى على هذا لكفروا لمفهوم هذه المقالة .

فمنطوق هذه الآية دون تقدير المحذوف : أنه جاء بالحق الآن فقط ، وعليه يكون مفهومها : الآن فقط جئت بالحق وما جئت به قبل ذلك كان باطلا ، ولازم ذلك تكذيب ما جاء به موسى صلى الله عليه وسلم قبل ذلك ، وهذا كفر بلا شك ، وأما إذا قدر المحذوف فأصبح سياق الكلام : الآن جئت بالحق الواضح ، لم يكن مفهوم هذا الكلام كفرا ، لأنه يعني أن ما جاء به قبل ذلك كان حقا ولكنه كان مبهما غير واضح ، وأما الآن فالحق واضح لا إبهام فيه ، وعليه يكون القوم مصدقين ابتداء وانتهاء ولكن تصديقهم انتهاء تصديق بآية واضحة لا لبس فيها ولا إشكال ، والله أعلم .

فأفادنا ، ابن هشام ، رحمه الله ، في شرحه للشذور ، وما أكثر فوائده في هذا الشرح الممتع ، أفادنا فائدة أصولية جليلة عن المنطوق والمفهوم ، فمنطوق الكلام : هو ما يفيد بنفس صيغته ، كقولك : إن أتى زيد أكرمتك ، فهو يفيد بمنطوقه : تعليق إكرامك على شرط إتيان زيد ، فإن تحقق الشرط وأتى زيد حصل المشروط وأكرمتك . فحصلت الفائدة هنا في محل النطق .

ولكنه يفيد من جهة مفهومه : أي المعنى المستفاد منه لا في محل النطق به ، ولكن في محل السكوت : أنه إن لم يأت امتنع المشروط ولم أكرمك ، وهذا ما يعرف عند الأصوليين بـــ "مفهوم المخالفة" ، لأن حكم المسكوت عنه مخالف لحكم المنطوق به .

والمفهوم عموما ينقسم إلى :
مفهوم موافقة : وهو دلالة الكلام في محل السكوت على نفس حكم المنطوق به ، كما في قوله تعالى : (ولا تأكلوها بدارا) ، أي أموال الأيتام ، فهذه الآية أفادت بمنطوقها : النهي عن إتلاف أموال اليتامى بالأكل ، وأفادت بمفهوم الموافقة : نفس الحكم في صور الإتلاف الأخرى المسكوت عنها كـــ : الإتلاف بالحرق أو اللبس أو .............. الخ .

ومفهوم مخالفة : وقد سبقت الإشارة إليه في المثال السابق ، وفيه يثبت عكس حكم المنطوق به للمسكوت عنه ، كما تقدم ، ومن ذلك :

قوله تعالى : (ولا تقربوهن حتى يطهرن) ، فالآية أفادت بمنطوقها : النهي عن قربان النساء ، أي جماعهن ، حتى يطهرن من دم الحيض ، على خلاف هل يحصل الطهر بانقطاع الدم ، كما ذهب إلى ذلك الأحناف والظاهرية ، رحمهم الله ، أو بانقطاع الدم والغسل ، كما ذهب إلى ذلك الجمهور وهو الراجح ، والله أعلم .

وأفادت بمفهومها المخالف ، وهو هنا مستفاد من دلالة الغاية المستفادة من لفظ "حتى" ، أفادت إثبات عكس حكم النهي عن قربان النساء ، وهو الإباحة ، إذا حصل ما بعد الغاية ، أي حصل الطهر ، على التفصيل السابق ، فيكون حكم ما قبل الغاية النهي ، المنطوق به ، مخالفا لحكم ما بعد الغاية الإباحة المسكوت عنها .

وهذا المفهوم معتبر عند جمهور الأصوليين ، خلاف الأحناف ، رحمهم الله ، على تفصيل لا يتسع المجال لذكره ، إلا إذا :

خرج الكلام مخرج الغالب ، كما في :
قوله تعالى : (وربائبكم اللاتي في حجوركم) ، فهذا قيد أغلبي غير معتبر ، لأن الغالب على الربائب أنهن يربين في حجور أزواج أمهاتهن ، وعليه تحرم الربيبة على زوج أمها بمجرد دخوله بالأم ، لا بمجرد العقد ، فيشترط لتحريمها عليه تحريما مؤبدا أن يدخل بأمها ، ويستوي في الحكم الربيبة المقيمة معه أو غير المقيمة ، ويقال بأن المفهوم هنا لا عبرة به لأنه خرج مخرج غالب أحوال الربيبة ، والله أعلم .

وكما في قوله تعالى : (يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربا أضعافا مضاعفة) ، فالكلام يدل بمنطوقه على تحريم أكل الربا أضعافا مضاعفة ، وقد يتوهم البعض أنه يفيد بمفهومه عدم تحريم أكل الربا إذا كان ضعفا أو ضعفين أو أضعافا قليلة ، ولكن القيد هنا ، أيضا ، قيد أغلبي ، والكلام خرج مخرج غالب أحوال أهل الجاهلية ، لأنهم كانوا يأكلونه أضعافا مضاعفة ، فلا يصح التقييد هنا ، وعليه وضع الأصوليون قاعدة : إذا خرج الكلام مخرج الغالب فلا مفهوم له ، أي لا مفهوم مخالفة له .

وأيضا لا اعتبار لمفهوم المخالفة إذا كان المذكور لبيان الواقع ، كما في قوله تعالى : (ومن يدع مع الله إلها آخر لا برهان له) ، فالآية دالة بمنطوقها على تحريم عبادة إله آخر مع الله لا برهان له ، ولا تفيد بمفهومها : جواز ذلك إذا كان لهذا الإله برهان ، وكل معبود سوى الله ، عز وجل ، معبود باطل ، لا برهان له ، وإنما ذكر هذا القيد لبيان واقع كل ما يعبد من دون الله ، وهذا ما يعرف بــــ "الصفة الكاشفة" ، لأنها تكشف عن حال الموصوف ، وهو هنا الآلهة الباطلة .

وكذا في قوله صلى الله عليه وسلم : (من كذب علي متعمدا ليضلبه الناس) ، فقد استدل الكرامية ، وهم إحدى الفرق التي خالفت أهل السنة في أصول الدين ، استدلوا بمفهوم هذا الحديث على جواز الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم لهداية الناس ، بزعمهم ، لأن الحديث بهذه الرواية يدل بمنطوقه على تحريم الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم لإضلال الناس ، فدل بمفهومه المخالف على جواز الكذب عليه لهداية الناس ، ولذا جوزوا الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم في أحاديث الترغيب والترهيب ، وإلى هذا أشار الحافظ العراقي ، رحمه الله ، في ألفيته بقوله :
وجوز الوضع على الترغيب ******* قوم ابن كرام وفي الترهيب
وقوم "ابن كرام" المذكورون في البيت هم الكرامية ، لأنهم نسبوا لمحمد بن كرام السجستاني رأسهم وأول من أظهر مقالتهم المخالفة لأهل السنة ، وهذا الاستدلال بطبيعة الحال من أفسد ما يكون ، والرد عليه بأحد أمرين :
إما أن يقال بأن جملة : (ليضل الناس به) ، قيد كاشف للصفة ، كما سبق في آية : (ومن يدع مع الله .....) ، فلا اعتبار لمفهومه .
وإما أن يقال بأن اللام في : (ليضل) ، ليست لام التعليل ، وإنما هي لام الصيرورة ، فيكون معنى الحديث : من كذب علي متعمدا لتصير عاقبة أمر من اتبعه الضلال ، وعليه يسقط استدلالهم بالمفهوم من أساسه ، لأن استدلالهم بالمفهوم ، وإن كان فاسدا ، لا يستقيم إلا مع القول بأن اللام هي لام التعليل ، ونظير ذلك قوله تعالى : (فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا) ، أي ليصير لهم عدوا ، فلا يتصور أن تكون اللام هنا لام التعليل فيكون معنى الآية : فالتقطه آل فرعون لأجل أن يكون عدوا لهم ، فيكونوا قد استجلبوا هلاكهم بأيديهم متعمدين ، والله أعلم .

وبهذا يستقيم القول بأنه لابد من تقدير نعت محذوف في قوله تعالى : (وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصبا) ، فيكون تقدير الكلام : يأخذ كل سفينة صالحة غصبا ، بل لابد مع تقدير هذا المحذوف من إعمال مفهومه المخالف ، فيكون منطوق الكلام : يأخذ كل سفينة صالحة ، ومفهومه : لا يأخذ كل سفينة غير صالحة ، وإلا لما كان للخضر ، عليه السلام ، منة على القوم بخرق السفينة ، لأنها ، على القول بإهمال المفهوم ، مأخوذة مأخوذة ، سواء كانت صالحة أو غير صالحة ، فكأن الخضر عليه السلام ، أطلق العام ، وهو لفظ "سفينة" ، وأراد به الخاص "سفينة صالحة" ، وهذا من صور المجاز عند من يقول به في القرآن الكريم ، لأن دلالة العام المراد به الخاص ، دلالة مجازية بالإجماع ، وأما من يقول بعدم المجاز في القرآن ، فإنه يقول بأن السياق قد دل على المعنى ، لأنه لا يتصور أن يقدم الخضر عليه السلام على هذا التصرف إن لم يترجح عنده جدواه ، والله أعلم .



ومفهوم الموافقة ، حجة عند الجمهور ، خلاف الظاهرية ، رحمهم الله ، وأما مفهوم المخالفة ، فهو أيضا ، كما تقدم ، حجة عند الجمهور ، ولكن الخلاف فيه أشد ، لأن الظاهرية والأحناف ، رحمهم الله ، نفوا حجيته ، والله أعلم .
بتصرف من "مباحث في علوم القرآن" ، للشيخ مناع القطان ، رحمه الله ، ص233 .


ومن ذلك أيضا :
قوله تعالى : (وامرأته حمالة الحطب) ، بنصب "حمالة" ، فقد يتبادر ، للوهلة الأولى ، أن الأنسب للسياق رفع "حمالة" على أنه خبر لـــ "امرأته" ، أو نعت والخبر ما يليه "في جيدها حبل من مسد" ، ولكي يستقيم السياق لا بد من تقدير محذوف مناسب ، فيكون السياق بعد تقديره : وامرأته أخص بالذم حمالة الحطب ، في جيدها حبل من مسد ، فكأن "حمالة" هنا منصوب بالاختصاص بالذم ، والخبر : في جيدها حبل من مسد ، والاختصاص إما أن يكون بالمدح كما في قوله تعالى : (لكن الراسخون في العلم منهم والمؤمنون يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك والمقيمين الصلاة والمؤتون الزكاة والمؤمنون بالله واليوم الأخر) ، بنصب (المقيمين الصلاة) ، على الاختصاص بالمدح ، وسبقت الإشارة إلى ذلك ، أو بالذم كما في هذه الآية .

وشواهد ذلك من كلام العرب كثيرة فمنها :
قوله صلى الله عليه وسلم : (نحن معاشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة) ، بنصب "معاشر" ، فتقدير الكلام : نحن ، أخص بالذكر معاشر الأنبياء ...................
وقول الشاعر :
نحن بني ضبة أصحاب الجمل ******* ننعي ابن عفان بأطراف الأسل
بنصب "بني" على الاختصاص ، فلم يقل : نحن بنو ضبة ، فيكون تقدير الكلام : نحن ، أخص بالذكر بني ضبة ..........................
وقولهن :
نحن بنات طارق ******* نمشي على النمارق
بكسر "بنات" ، على الاختصاص ، لأنها جمع مؤنث سالم ، وهو ينصب بالكسرة ، كما هو معلوم ، فيكون تقدير الكلام : نحن ، أخص بالذكر بنات طارق ................. ، والله أعلم .
بتصرف من "منحة الجليل" ، (3/231_232) .

وهذه الفائدة كنت قد عرضتها ، على أحد مشرفي المنتدى الكرام ، فصوبها لي ، ولله الحمد .

مهاجر
14-04-2006, 04:42 AM
بسم الله

السلام عليكم

ومن ذلك قوله تعالى : (فجعلناها حصيدا كأن لم تغن بالأمس) ، يقول ابن هشام رحمه الله :
وفي الآية إيجاز ومجاز ، وتقديرهما : "فجعلنا زرعها في استئصاله كالزرع المحصود فكأن زرعها لم يلبث بالأمس" ، فحذف مضافان واسم كأن ، وموصوف اسم المفعول ، وأقيم "فعيل" مقام "مفعول" ، لأنه أبلغ منه ، ولهذا لا يقال لمن جرح في أنملته : جريح ، ويقال له مجروح .

فالمضافان المحذوفان :
"زرع" ، في "زرعها" ، ثم اتصل الضمير بـــ "فجعلنا" فصارت "فجعلناها" ، و "زرع" في "فكأن زرعها" ، ثم اتصل الضمير بـــ "كأن" .
فكأن المضاف قد حذف وأقيم المضاف إليه مقامه ، وهو أحد أساليب العرب في كلامها ، وقد ذكره ابن مالك ، رحمه الله ، في الألفية ، وسبقت الإشارة إلى ذلك ، والله أعلم .


واسم كأن المحذوف : هو ضمير الشأن ، لأن تقدير الكلام بعد حذف "زرع" في "فكأن زرعها" : فكأنه لم يلبث بالأمس ، فاتصل الضمير في "زرعها" بــــ "كأن" بعد حذف المضاف "زرع" ، وأصبح هو اسم كأن ، ثم حذف هو بدوره ، والله أعلم .

والمحذوف الرابع هو : الموصوف في "كالزرع المحصود" ، فحذفت الموصوف وأقيمت الصفة محله ، وتغيرت صيغتها من "مفعول" محصود ، إلى "فعيل" حصيد ، والله أعلم .

وابن هشام ، رحمه الله ، من القائلين بالمجاز في القرآن ، كما يظهر من كلامه ، ولذا :

اعتبر تبادل الصيغ في "حصيد" ، لأنها فعيل بمعنى مفعول ، اعتبره مجازا ، لأن دلالة فعيل أقوى من مفعول ، فهي تدل على المبالغة في الحصد .

واعتبر المجاز الإسنادي في قوله تعالى : (فجعلناها حصيدا) ، لأنه أسند الحصد ، أو أوقعه بمعنى أصح ، على الأرض ، رغم أن المحصود هو الزرع وليس الأرض التي ينبت فيها .

واعتبر المجاز الإسنادي ، أيضا ، في قوله تعالى : (كأن لم تغن) ، حيث أسند الفعل إلى ضمير الأرض المستتر ، فتقدير الكلام : كأن لم تغن هي ، رغم أن الفعل واقع حقيقة على الزرع لا الأرض .

فاعتبره في 3 مواضع ، ومنكر المجاز في القرآن يقول : بأنه لا مجاز هنا لأن المعنى مفهوم متبادر إلى الذهن دون الحاجة للقول بالمجاز ، فاستعمال صيغة المبالغة ، يدل من اسمها ، على المبالغة ، ولا مجاز في هذا الأسلوب ، وكذا في المجازين الآخرين لأن كل سامع يدرك جيدا أن الإهلاك واقع حقيقة على الزرع ، وإن نسب للأرض ، فإنك لو قلت لأحد : احصد هذه الأرض ولك كذا ، فلا يتصور أنه فهم من كلامك أنك تطلب منه حصد نفس الأرض ، لأن الأرض ، بمعنى التربة ، لا تحصد ، وإنما المقصود : احصد ثمر هذه الأرض .

والخطب في مثل هذه الآيات هين ، وإنما يعظم الخطب في آيات الأسماء والصفات ، لأن القول بمجازيتها يفتح الباب لإنكارها أو تحريفها تحت مسمى التأويل ، بدعوى تنزيه الخالق ، عز وجل ، عن مشابهة المخلوق ، وسبقت الإشارة إلى طرف من ذلك ، والله أعلم .

وأما الغنى المقصود في الآية فهو : البقاء والإقامة ، ومنه :
قوله تعالى : (كأن لم يغنوا فيها) ، أي كأن لم يبقوا فيها .
وشاهده من كلام العرب قول الأعشى :
وكنت امرأ زمنا بالعراق ******* عفيف المناخ طويل التغني
أي طويل الإقامة بالعراق .

بتصرف من "منتهى الأرب بتحقيق شرح شذور الذهب" ص137 .
و "زاد المعاد" لابن قيم الجوزية ، رحمه الله ، (1/198) .

ومن ذلك أيضا :
قوله تعالى : (لله الأمر من قبل ومن بعد) ، فالبناء في "قبل" و "بعد" على الضم ، بناء عارض ، للقطع ، بمعنى أنك قطعت "قبل" و "بعد" عن الإضافة اللفظية ونويت الإضافة المعنوية ، فيكون تقدير الكلام : لله الأمر من قبل كل شيء ومن بعد كل شيء ، على قول ابن يعيش ، أو : لله الأمر من قبل الغلب ومن بعد الغلب ، على قول ابن هشام ، رحمه الله ، لأنه أنسب للمقام ، لأنه مقام كلام عن هزيمة للروم يعقبها غلب ، والله أعلم .
وإذا قطعت عن الإضافة لفظا ومعنى أعربت "قبل" و "بعد" إعرابا عاديا بالحركات ، ومنه قول يزيد بن الصعق :
فساغ لي الشراب وكنت قبلا ******* أكاد أغص بالماء الحميم
فأعرب "قبلا" بالحركات ، لأنه لم يضفها لفظا ، ولا معنى ، فلم يتعرض لفظا أو معنى لقبلية معينة ، أي لم يوضح قبل ماذا ، وإنما أطلق القبلية ، والله أعلم .

بتصرف من "منتهى الأرب بتحقيق شرح شذور الذهب" ص137 ، 139 .

ومنه قوله تعالى : (ولقد جاءت رسلنا إبراهيم بالبشرى قالوا سلاما قال سلام فما لبث أن جاء بعجل حنيذ) .

فتقدير الكلام : ولقد جاءت رسلنا إبراهيم بالبشرى قالوا نسلم عليك سلاما قال سلام عليكم فما لبث أن جاء بعجل حنيذ .

فحذف عامل المصدر "سلاما" وهو الفعل "نسلم" ، وحذف متعلق العامل "عليك" ، من الجملة الفعلية : (نسلم عليك سلاما) ، وحذف متعلق خبر المبتدأ "سلام" ، وهو الجار والمجرور "عليكم" ، من الجملة الاسمية : (سلام عليكم) .

وللعلماء في هذه الآية توجيه لطيف وهو :
أن تحية الخليل صلى الله عليه وسلم أكمل من تحية الملائكة ، لأن تحيته وقعت بجملة اسمية ، والجملة الاسمية تدل على الثبوت والدوام ، وتحيتهم وقعت بجملة فعلية تدل على الحدوث والتجدد لا الثبوت والدوام ، والثبوت أقوى في الدلالة من الحدوث ، كما في قوله تعالى : (أو لم يرو إلى الطير فوقهم صافات ويقبضن) ، فذكر حالة صف الأجنحة ، وهو البسط ، بصيغة الاسم الدال على الثبوت ، لأنه غالب أحوال الطير أثناء الطيران ، وذكر القبض بصيغة الفعل ، لأنه لا يحدث إلا عند تغيير اتجاه الطيران ، وهو أمر حادث ، والله أعلم .

مهاجر
16-04-2006, 04:37 AM
بسم الله

السلام عليكم

ومن ذلك قوله تعالى : (أنا أكثر منك مالا وأعز نفرا) : فتقدير الكلام : أنا أكثر منك مالا وأعز منك نفرا ، فـــ "أفعل" التفضيل هنا ، وهي "أكثر" ، مجرد من "أل" والإضافة ، لذا وجب اتصال "من" الجارة به لفظا أو تقديرا ، وهذا ما حصل بالفعل في الشطر الأول من الآية : (أنا أكثر منك مالا) ، فجرت "من" كاف المخاطب العائدة على المفضول ، واستغني عن ذكرها في الشطر الثاني من الآية لدلالة الشطر الأول عليها ، والله أعلم .
بتصرف من شرح ابن عقيل ، رحمه الله ، (3/137) .

ومن ذلك قوله تعالى : (سواء عليهم أنذرتهم أم لم تنذرهم) في قراءة ابن محيصن ، حيث حذف همزة التسوية من "أأنذرتهم" لدلالة السياق عليها ، فالسياق يدل على أن حالهم سواء أنذروا أم لم ينذروا واحد ، ومن ذلك قول عمر بن أبي ربيعة المخزومي :
لعمرك ما أدري وإن كنت داريا ******* بسبع رمين الجمر أم بثمان
أي : أبسبع رمين الجمار أم بثمان .
بتصرف من شرح ابن عقيل ، رحمه الله ، (3/179) .


ومنه حذف أداة النداء ، وهذا واقع في كثير من آي القرآن ، فمن ذلك :
قوله تعالى : (ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم) ، فتقدير الكلام : ثم أنتم يا هؤلاء تقتلون أنفسكم .
وقوله تعالى : (يوسف أعرض عن هذا) ، أي : يا يوسف أعرض عن هذا .
وقوله تعالى : (ربنا أرنا الذين أضلانا) ، أي : يا ربنا أرنا الذين أضلانا .
وقوله تعالى : (قل اللهم فاطر السماوات والأرض) ، أي : يا فاطر السماوات والأرض ، ويجوز أن يكون (فاطر) صفة لاسم الله تعالى خلافا لسيبويه ، رحمه الله ، وعليه لا حاجة لتكلف تقدير محذوف يستقيم معه السياق ، فالأصل ، كما سبقت الإشارة إلى ذلك في أكثر من موضع ، الأصل عدم الحذف .
وقوله تعالى : (أن أدوا إلي عباد الله) ، أي : أن أدوا إلي يا عباد الله ، ويجوز أن يكون (عباد الله) ، مفعولا بـــ "أدوا" ، ويكون الأداء هنا بمعنى الإرسال والإطلاق ، كما في قوله تعالى : (أن أرسل معنا بني إسرائيل) .
وقوله تعالى : (سنفرغ لكم أيه الثقلان) ، أي : يا أيه الثقلان .
ومنه قول الشاعر :
ذا إرعواء فليس بعد اشتعال ******* الرأس شيبا إلى الصبا من سبيل
أي : يا هذا انزجر فما بعد الشيب من صبا يرجى ، والله أعلم .
بتصرف من شرح ابن عقيل ، رحمه الله ، (3/198) ، و "شرح شذور الذهب" لابن هشام ، رحمه الله ، ص74 ، 145

ومنه قوله تعالى : (ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض) ، فتقدير الكلام : ولولا دفع الله الناس موجود لغلب المفسدون وبطلت مصالح الأرض ، فـــ "سنة التدافع" من أجل سنن الله ، عز وجل ، في الكون ، فلولا الشر لما ظهر الخير ، ولولا الكفر لما ظهر الإيمان ، ولولا بغي الكفار لعطل الجهاد ، ولما اتخذ الله من أوليائه شهداء ، والله أعلم .

ونظير ذلك قوله تعالى : (لولا أنتم لكنا مؤمنين) ، فتقدير الكلام : لولا أنتم موجودون لكنا مؤمنين ، فقد منعنا وجودكم وإغواؤكم لنا من الإيمان .

ومنه قول الراجز :
والله لولا الله ما اهتدينا ******* ولا تصدقنا ولا صلينا ، أي : لولا الله موجود ما اهتدينا .
وإنما وجب الحذف هنا لأن الخبر كون عام ، مقدر بـــ "موجود" أو "كائن" ، وأما إذا كان خاصا كقوله صلى الله عليه وسلم : (لولا أن قومك حديثو عهد بكفر) ، أو كما قال عليه الصلاة والسلام ، لم يجز حذف الخبر وهو هنا : (حديثو عهد) لعدم استغناء السياق في بيان معناه بالكون العام ، فالذي منع الرسول صلى الله عليه وسلم من هدم البيت وإعادته على قواعد إبراهيم ، عليه الصلاة والسلام ، ليس وجود القوم ، حتى نقول بأن الخبر كون عام والتقدير : لولا قومك موجودون ، وإنما الذي منعه أنهم حديثو عهد بكفر ، فربما أدى هدم البيت لإعادته على قواعده الأولى إلى فتنتهم في الدين ، وهكذا فلتكن الدعوة ، فإن الداعية يستحب له في أول أمره ترك بعض المستحبات ، لا الواجبات ، تأليفا لقلوب من يدعوهم ، فطالما لم يترتب على تأخير العمل فساد في الدين أو تعطيل للشرع أو إهدار للواجب ، وكانت المصلحة في تركه أو تأجيله ، فبها ونعم ، والله أعلم .

ومنه قوله تعالى : (لئن بسطت إلي يدك لتقتلني) : أي : والله لو بسطت إلي يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك ، فاللام دالة على قسم مقدر ، وتسمى "اللام المؤذنة والموطئة" .

ومنه أيضا :
قوله تعالى : (لئن لم تنته لأرجمنك) ، أي : والله لئن لم تنته لأرجمنك .
وقوله تعالى : (لئن أخرجوا لا يخرجون معهم) ، أي : والله لئن أخرجوا لا يخرجون معهم .
وقوله تعالى : (لتبيننه للناس) ، أي : والله لتبيننه للناس ، وأصل : تبيننه : تبينوننه ، بتوالي 3 نونات ، فحذفت النون علامة رفع الفعل : تبينون ، كراهية توالي 3 أمثال ، ثم حذفت واو الجماعة الساكنة ، كراهية التقاءها مع النون الأولى ، وهي النون الساكنة ، من نوني نون التوكيد الثقيلة ، والله أعلم .
بتصرف من "شذور الذهب" ، ص70 ، و"مباحث في علوم القرآن" ، للشيخ مناع القطان ، رحمه الله ، ص270 ، وله في هذا الكتاب فصل بديع في "أقسام القرآن" ص265_271 .

ومنه قوله تعالى : (إن هذان لساحران) ، فمن ضمن توجيهات النحويين لهذه الآية :
أن "إن" هنا بمعنى : نعم ، فيكون المعنى : نعم هذان لساحران .
كما حكي عن عبد الله بن الزبير ، رضي الله عنهما ، أن رجلا سأله شيئا فلم يعطه ، فقال الرجل : لعن الله ناقة حملتني إليك ، فقال : إن وراكبها ، أي : نعم ولعن الله راكبها .
وكما في قول ابن قيس الرقيات :
بكر العواذل في الصبوح ******* يلمنني وألومهنه
ويقلن : شيب قد علاك ******* وقد كبرت فقلت : إنه
أي : نعم قد علاني الشيب وكبرت سني ، ولا أزال على ما كنت عليه أيام الفتوة والشباب .

وكما سبق فتقدير الكلام على هذا الوجه : نعم هذان لساحران ، وقد يبدو للوهلة الأولى ، أن إعراب "هذان" مبتدأ ، وهذا لا إشكال فيه ، وإعراب "لساحران" ، خبر ، ولكن يرد على ذلك أن لام الابتداء لا تدخل على الخبر لذا وجب تقدير مبتدأ محذوف لـــ "ساحران" ، تدخل عليه لام الابتداء ، ويكون السياق : نعم هذان لهما ساحران ، وتكون جملة المبتدأ وخبره : (لهما ساحران) ، في محل رفع خبر المبتدأ "هذان" ، والرابط بين جملة الخبر والمبتدأ هو الضمير المنفصل "هما" العائد على المبتدأ "هذان" ، والله أعلم .

وشاهد ذلك من كلام العرب :
أم الحليس لعجوز شهربه ******* ترضى من اللحم بعظم الرقبة
فـــ "أم الحليس" : مبتدأ ، و "لعجوز" خبر لمبتدأ محذوف تقديره "هي" ، تتصل به لام الابتداء لأنها لا تدخل على الخبر ، فيكون المعنى : أم الحليس لهي عجوز شهربه ، وللبيت تخريج آخر لا يلزم معه تقدير محذوف وهو القول بأن اللام في الخبر "لعجوز" زائدة .
وقول أبي عزة عمرو بن عبد الله بن عثمان يمدح الرسول صلى الله عليه وسلم ، وكان قد امتن عليه يوم بدر :
فإنك من حاربته لمحارب ******* شقي ومن سالمته لسعيد
أي : من حاربته لهو محارب شقي ومن سالمته لهو سعيد ، أو يقال بأن اللام في "لمحارب" و "لسعيد" زائدة في الخبر .
وجدير بالذكر أن الرسول صلى الله عليه وسلم قتل أبا عزة بعد ذلك لما نقض الأخير عهده وعاد لهجاء الرسول صلى الله عليه وسلم ، بتحريض قريش ، وكان قد أعطاه عهدا يوم بدر ألا يهجوه ، ولما طلب أبو عزة الصفح مرة أخرى ، قال له عليه الصلاة والسلام : لا أتركك تسير في شوارع مكة تهز كتفيك وتقول : خدعت محمدا مرتين ، أو كما قال عليه الصلاة والسلام ، ولا يلدغ المؤمن من جحر مرتين ، وأولى الناس بوصف الإيمان خاتم المرسلين محمد صلى الله عليه وسلم ، والله أعلم .

وقول الشاعر :
خالي لأنت ومن جرير خاله ******* ينل العلاء ويكرم الأخوالا
أي : خالي لهو أنت ، أو يقال بأن اللام في "لأنت" زائدة في الخبر ، والله أعلم .


بتصرف من "منحة الجليل بتحقيق شرح ابن عقيل" (1/195_197 ، 296) و "منتهى الأرب بتحقيق شرح شذور الذهب" ، ص 78 .

مهاجر
18-04-2006, 04:50 AM
بسم الله
السلام عليكم

ومنه قوله تعالى : (إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئون والنصارى من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون) ، فهي من الآيات التي تطاول بها بعض أعاجم النصارى عندنا في مصر ، وساروا بها مشرقين ومغربين للتشكيك في فصاحة القرآن المنزل على محمد صلى الله عليه وسلم بزعم : مخالفته لقواعد علم النحو ، المستنبط أساسا من القرآن الكريم !!!!! ، فجعلوا الفرع أصلا والأصل فرعا ، ولا يستغرب هذا من أقوام لا ناقة لهم ولا جمل في علوم العربية ، وإذا تكلم المرء في غير فنه أتى بالعجائب .

وحجتهم الباردة : أن الواو في "والصابئون" : واو عطف ، والمعطوف يتبع المعطوف عليه في حكمه ، والمعطوف عليه هنا منصوب لأنه معطوف على اسم إن ، وحكمه النصب ، كما هو معلوم ، والجواب ، كما ذكر ذلك ابن هشام ، رحمه الله ، في "شذوره" :

أنه لا يسلم لمن قال بأن الواو هنا : واو عطف ، وإنما هي للاستئناف ، كما في قوله تعالى : (وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به) ، فالواو في "والراسخون" استئنافية على أصح قولي أهل العلم ، والوقف على لفظ الجلالة "الله" أولى ، على تفصيل ليس هذا موضعه ، وعليه يكون قوله تعالى : (والذين هادوا) : مرفوعا على الابتداء ، والصابئون : معطوفا عليه ، والمعطوف على المرفوع مرفوع ، فلا إشكال إذا في رفعه بالواو لأنه جمع مذكر سالم ، وبقي معرفة أمرين :
الأمر الأول : خبر "إن" ، وهو قوله تعالى : (فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون) ، ويكون السياق : إن الذين آمنوا بألسنتهم من آمن منهم ، أي بقلبه ، بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون .

والأمر الثاني : وهو الذي نحتاج فيه إلى تقدير محذوف : خبر المبتدأ : "والذين هادوا" ، على القول بأنه مرفوع على الابتداء ، كما تقدم ، فيقال بأن خبره محذوف ، وتقديره : كذلك ، أي : والذين هادوا والصابئون والنصارى كذلك ، من آمن منهم من آمن منهم ، أي بقلبه ، بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون ، وتكون هذه الجملة في نية التأخير عما في حيز "إن" من اسمها وخبرها ، أي أننا نأتي في السياق التقديري للآية بجملة "إن" ومبتدأها وخبرها ، كاملة ، ثم نعطف عليها جملة : (والذين هادوا والصابئون والنصارى ......................) ، فيكون خبر جملة "إن" المتقدم دالا على خبر الجملة الثانية المتأخر ، لذا استغني عن ذكره في الآية وأشير إليه إشارة مقتضبة في التقدير فقيل : والذين هادوا والصابئون والنصارى كذلك ، أي كذلك من آمن منهم بالله ................... ، وهذا نوع إيجاز في تقدير الخبر المحذوف ، كما تقول : محمد كريم وشهم وشجاع وعالم وأديب وشاعر و .......... ، ثم تريد أن تعطف عليه "زيدا" ، فبدلا من قولك : وزيد كريم وشهم و ........... فتعيد ما ذكرته أولا ، بدلا من هذا السياق المطول يمكنك أن تعطف زيدا على محمد ، فيفهم السامع اشتراكهما في هذه الصفات أو تشير إلى هذه الصفات إشارة مقتضبة فتقول : وزيد كذلك ، اكتفاء بالقيد الأول في الكلام ، لأن العرب تستحسن الاكتفاء بقيد واحد في الكلام إن أغنى السياق عن تكراره ، وشاهده من كلامهم قول الشاعر :
نحن بما عندنا ، وأنت بما ******* عندك راض ، والرأي مختلف
فاكتفى بقيد واحد في نهاية السياق ، وتقدير الكلام : نحن بما عندنا راضون ، وأنت بما عندك راض ، وهذا من مواضع حذف الخبر جوازا ، فــــ : "راضون" ، المقدر خبر المبتدأ : "نحن" ، وسبقت الإشارة إلى ذلك ، والله أعلم .


ولازم ذلك أن تأتي جملة : "والذين هادوا والصابئون والنصارى كذلك" ، بعد استيفاء "إن" لمعموليها ، كما تقدم ، وعليه يقال بأن "والذين هادوا والصابئون والنصارى" مقدمة لفظا على خبر "إن" ، مؤخرة معنى ، لأنه لن يصح تقدير خبرها إلا بتقدم خبر دال عليه ، وهو هنا خبر إن ، ليكون الخبر "كذلك" ، مشيرا لخبر متقدم عليه ، وهو خبر إن ، والله أعلم .

والقول الثاني في هذه المسألة :
أن يكون الأمر ، على ما ذكر ، من ارتفاع (الذين هادوا) بالابتداء ، ولكن يكون ما بعدها هو خبرها ، وليس خبر إن ، فكأن خبر إن هنا هو المحذوف ، فيكون التقدير : والذين هادوا والصابئون والنصارى من آمن منهم بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون ، فالمبتدأ : (والذين هادوا) ، والخبر : (فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون) ، وتكون هذه الجملة قد اكتملت دون فصل ، ويتبقى لدينا جملة : (إن الذين آمنوا) ، فهي مفتقدة لخبر متمم لها ، فيقال بأن خبرها قد دل عليه الخبر المتأخر "فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون" ، ويكون التقدير : والذين آمنوا كذلك .

ولا شك أن الوجه الأول أرجح ، لأن الخبر المتقدم فيه دال على المتأخر ، وهذا هو الأولى ، أن يدل متقدم في السياق على متأخر يتلوه ، خلاف الوجه الثاني الذي دل فيه المتأخر على المتقدم ، والله أعلم .

وتجدر الإشارة إلى أنه قد يقال هنا بأن الواو "عاطفة" وليست استئنافية ، ولكنها لا تعطف "الذين هادوا والصابئون" على اسم إن المنصوب ، وإنما تعطفهما على محل "إن واسمها" ، ومحلهما هنا الابتداء ، والمبتدأ مرفوع ، فيكون السياق من باب عطف مرفوع على مرفوع ، وهذا اختيار الكسائي ، رحمه الله ، وهو يسمى بــــ "العطف على المحل" ، والمحل هنا هو الابتداء ، كما تقدم ، وهو خلاف الأصل لأن الأصل أن العطف يكون على اللفظ ، والله أعلم .

وتجدر الإشارة ، أيضا ، إلى أن قراءة أبي بن كعب رضي الله عنه : (والصابئين) ، بالنصب عطفا على لفظ اسم إن المنصوب ، وهي مروية عن ابن كثير المكي ، رحمه الله ، ولا إشكال فيها .

ومعنى الآية واضح لا إشكال فيه ، فلا سبيل للنجاة في أي زمن من الأزمان لأي فرد من أفراد هذه الأمم : المؤمنين واليهود والصابئين والنصارى .......... إلا باتباع رسالة السماء ، وقد ختمت برسالة محمد صلى الله عليه وسلم ، فسدت كل الطرق إلى الجنة ببعثته إلا طريقه ، بأبي هو وأمي صلى الله عليه وسلم ، وعليه لا يجوز لأحد أي يقول بأن الآية نصت على أن من اليهود والنصارى مؤمنون بالله واليوم الآخر ، فما المانع من دخولهم الجنة مع بقائهم على دينهم ؟ ، لا يجوز لأحد القول بذلك لأن هذا القول يصح إذا ما أطلق على أتباع موسى صلى الله عليه وسلم من المؤمنين ، قبل بعثة عيسى صلى الله عليه وسلم ، أو أطلق على أتباع عيسى صلى الله عليه وسلم من المؤمنين ، قبل بعثة محمد صلى الله عليه وسلم ، أما بعد بعثته عليه الصلاة والسلام فلا دين يقبله الله إلا ما أنزله عليه ، ولو كان اليهود والنصارى الموجودون في زماننا هذا مؤمنين بالله واليوم الآخر حق الإيمان لأداهم ذلك إلى اتباع محمد صلى الله عليه وسلم ، فمن آمن بموسى وعيسى صلى الله عليهما وسلم لزمه الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم ، وإلا كان متناقضا مفرقا بين المتماثلات فكلهم رسل الله ، فعلام التفريق بينهم ودينهم واحد وهو الإسلام ؟!!! ، والله أعلم .
بتصرف من "شرح شذور الذهب" ص84 ، و "مباحث في علوم القرآن" ص185 .

مهاجر
22-04-2006, 10:47 AM
بسم الله

السلام عليكم

ومن ذلك أيضا قوله تعالى : (أمن هو قانت آناء الليل) ، عند من جعل الهمزة للاستفهام ، خلاف من جعلها للنداء كالفراء ، رحمه الله ، فتقدير الكلام على القول بأنها للاستفهام : أمن هو قانت آناء الليل خير أم هذا الكافر ، أي المخاطب بقوله تعالى : (قل تمتع بكفرك قليلا) ، فحذف شيئين :
معادل همزة الاستفهام وهو : "أم"
والخبر بعدها : "هذا الكافر"
ونظيره قول أبي ذؤيب الهذلي :
دعاني إليها القلب إني لأمره ******* سميع فما أدري أرشد طلابها
أي : لا أدري أمن الرشاد طلبها ؟ ، فتقدير الكلام على القول بحذف المعامل والخبر :
فما أدري أرشد طلابها أم غي :
فيكون معادل همزة الاستفهام في "أرشد" : "أم"
ويكون الخبر : "غي"
وابن هشام ، رحمه الله ، يرى صحة تقدير المحذوف بــــ : "كمن ليس كذلك" ، فيكون السياق : أمن هو قانت آناء الليل كمن ليس كذلك ، وعليه تختزل المحذوفات المقدرة من اثنين (معادل الهمزة والخبر) إلى محذوف واحد فقط وهو (الخبر) : "كمن ليس كذلك" ، ولا شك أن لهذا القول رجحان من جهة أن الأصل عدم الحذف فلا يصار إليه إلا للضرورة ، والضرورة تقدر بقدرها فإذا استقام السياق بتقدير محذوف واحد فلا حاجة لتقدير محذوف آخر ، ويكون سياق بيت أبي ذؤيب :
فما أدري هل طلابها رشد ، فيستقيم المعنى دون تقدير أي محذوف ، لأن "هل" لا تحتاج إلى معادل كـــ "همزة الاستفهام" التي احتاجت "أم" ، بل على العكس يمتنع معها المعادل .

ونظير ذلك قوله تعالى : (أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت) ، أي : أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت كمن ليس كذلك ؟!! ، فيكون الاستفهام إنكاريا ، إذ كيف يسوى بين من يحصي على العباد أعمالهم ، وهذا أحد مقتضيات اسم الله عز وجل : "القيوم" ، فمن تمام قيوميته ، عز وجل ، أنه قائم على عباده يحصي عليهم أعمالهم ، كيف يسوى بينه وبين من ليس كذلك فهو عاجز عن إحصاء أعماله هو فضلا عن إحصاء أعمال غيره ؟!!! ، لا شك أن في هذا تسوية بين متفرقين لا يرضى بها عقل سوي .
فحذف هنا أيضا الخبر : "كمن ليس كذلك" .

وبقية مقتضيات اسم الله عز وجل "القيوم" :
قيامه ، عز وجل ، مستغنيا عن عباده ، فلم يخلقهم ليطعموه من جوع أو ليستكثر بهم من قلة .
وقيامه ، عز وجل ، برزق عباده ورعايتهم ، فلا غنى لهم عن فضله ، وهو الغني عمن سواه .

ومن ذلك قوله تعالى : (أفمن يتقي بوجهه سوء العذاب يوم القيامة) ، أي : أفمن يتقي بوجهه سوء العذاب يوم القيامة كمن ينعم في الجنة ؟!!! ، وما قيل في الآية السابقة يقال في هذه الآية ، حيث حذف الخبر : "كمن ينعم في الجنة" لدلالة السياق عليه ، والاستفهام ، كسابقه في الآية السابقة ، استفهام إنكاري ، لأن التسوية بين المؤمن والكافر تسوية بين مفترقين لا يقرها العقل السوي .

ومنه أيضا : قوله تعالى : (أفمن زين له سوء عمله فرآه حسنا) : أي : أفمن زين له سوء عمله فرآه حسنا كمن هداه الله .

والملاحظ في الأمثلة السابقة أن المحذوف هو الشق الثاني من الجملة وهو الخبر ، وقد ورد في التنزيل : حذف الشق الأول ، وهو المبتدأ ، كما في :
قوله تعالى : (كمن هو خالد في النار وسقوا ماء حميما) ، أي : أمن هو خالد في الجنة يسقى من هذه الأنهار كمن هو خالد في النار وسقوا ماء حميما ، فحذف المبتدأ " أمن هو خالد في الجنة يسقى من هذه الأنهار " ، لدلالة السياق عليه .

وورد التصريح بكليهما كما في :
قوله تعالى : (أفمن كان على بينة من ربه كمن زين له سوء عمله) ، فذكر المبتدأ : "أفمن كان على بينة من ربه" ، وأتبعه بالخبر : "كمن زين له سوء عمله" .
وقوله تعالى : (أو من كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها) ، فذكر المبتدأ "أو من كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس" ، وأتبعه بالخبر : "كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها" .

فالحاصل أن القسمة ثلاثية :
إما أن يذكر كلا الشقين : المبتدأ والخبر .
وإما أن يحذف الخبر لدلالة المبتدأ عليه ، وهو الأكثر .
وإما أن يحذف المبتدأ لدلالة الخبر عليه ، وهو الأقل .

والضابط العام لهذه الآيات أن فيها نفيا للتساوي بين مفترقين ، وعليه يكون المحذوف دوما عكس المذكور في السياق ، فإن كان المذكور ممدوحا فالمحذوف مذموم ، والعكس بالعكس ، والله أعلم .

بتصرف من مغني اللبيب عن كتب الأعاريب ، لابن هشام ، رحمه الله ، بتحقيق العلامة محمد محيي الدين عبد الحميد ، رحمه الله ، (1/35_36) .



ومن ذلك أيضا :
قوله تعالى : (أفلم يسيروا في الأرض) ، فالجمهور ، وعلى رأسهم سيبويه ، رحمه الله ، على أنه لا محذوف في الآية ، لأن همزة الاستفهام عندهم لها الصدارة دوما ، فقدمت على العاطف (الفاء في "فلم") ، تنبيها على صدارتها ، خلاف بقية أدوات الاستفهام التي يتقدم عليها العاطف ، كقوله تعالى : (وكيف تكفرون وأنتم تتلى عليكم) ، حيث قدم العاطف "الواو" ، وتلاه اسم الاستفهام "كيف" .
وأما الزمخشري ، غفر الله له ، فقد ذهب في جماعة من العلماء إلى أن الهمزة في هذه الآية في محلها الأصلي فلها الصدارة أصالة دون الحاجة إلى القول بأنها تقدمت تجوزا على العاطف الذي من حقه الصدارة أصالة فنحي عنها لمكان الهمزة ، وعليه لابد من تقدير جملة بين الهمزة وحرف العطف ، بحيث تكون الجملة التالية لحرف العطف معطوفة على هذه الجملة المقدرة ، فيكون تقدير الكلام عندهم : أمكثوا فلم يسيروا في الأرض ، فجاءت الهمزة على أصلها مقدمة على جملة "مكثوا" ثم عطف عليها بــــ "الفاء" جملة "لم يسيروا" .

ومثله قوله تعالى : (أفنضرب عنكم الذكر صفحا) ، فلا محذوف عند الجمهور ، وقدمت الهمزة على الفاء تجوزا لصدارتها ، وعند الزمخشري ومن نحا نحوه تقدير الكلام : أنهملكم فنضرب عنكم الذكر صفحا ، فتقدمت الهمزة على جملة "نهملكم" ، وعطف عليها بـــ "الفاء" جملة "نضرب" .

وقوله تعالى : (أفإين مات أو قتل انقلبتم) ، فلا محذوف عند الجمهور ، وعند الزمخشري ومن نحا نحوه تقدير الكلام : أتؤمنون به في حياته فإن مات أو قتل انقلبتم ، فتقدمت الهمزة على جملة "أتؤمنون به في حياته" ، وعطف عليها بـــ "الفاء" جملة "إن مات أو قتل انقلبتم" .

وقوله تعالى : (أفما نحن بميتين) ، فلا محذوف عند الجمهور ، وعند الزمخشري ، ومن نحا نحوه تقدير الكلام : أنحن مخلدون فما نحن بميتين ، فتقدمت الهمزة على جملة "نحن مخلدون" ، وعطف عليها بـــ "الفاء" جملة "ما نحن بميتين" .

يقول العلامة المحقق ابن هشام رحمه الله : ويضعف قولهم ، أي قول الزمخشري وأتباعه ، ما فيه من التكلف ، وأنه غير مطرد في جميع المواضع .
أما الأول "أي الرأي الأول" : فلدعوى حذف الجملة ، "أي في الرأي الثاني" ، فإن قوبل بتقديم بعض المعطوف فقد يقال : إنه أسهل منه ، لأن المتجوز فيه على قولهم أقل لفظا ، مع أن في هذا التجوز تنبيها على أصالة شيء في شيء ، أي أصالة الهمزة في التصدير .

فابن هشام ، رحمه الله ، يرجح قول الجمهور لأن غاية ما فيه تقديم بعض المعطوف ، وهو الهمزة لأنها داخلة في حيز المعطوف لمجيئها بعد حرف العطف إذا ما أخرناها ، فغاية ما هنالك أنها قدمت على الفاء تنبيها على أصالتها في التقدم ، فتقدمت عرضا لا أصلا بدليل أن هذا الأمر غير مطرد في بقية أدوات الاستفهام كما في قوله تعالى : (وكيف تكفرون وأنتم تتلى عليكم) ، وسبقت الإشارة إليه تفصيلا .

ويواصل ابن هشام ، رحمه الله ، فيقول :
وأما الثاني ، أي السبب الثاني من أسباب ترجيح رأي الجمهور : فلأنه غير ممكن في نحو : (أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت) ، وقد جزم الزمخشري في مواضع بما تقوله الجماعة ، منها :
في قوله تعالى : (أفأمن أهل القرى) : إنه عطف على : (فأخذناهم بغتة) .
وقوله تعالى : (أءنا لمبعوثون * أو آباؤنا الأولون) ، فيمن قرأ بفتح الواو : أن (آباؤنا) عطف على الضمير في (مبعوثون) ، وإنه اكتفى بالفصل بينهما بهمزة الاستفهام .
وجوز ، أي الزمخشري ، الوجهين في موضع ، فقال في قوله تعالى : (أفغير دين الله يبغون) : دخلت همزة الإنكار على الفاء العاطفة جملة على جملة ، ثم توسطت الهمزة بينهما ، ويجوز أن تعطف على محذوف تقديره : أيتولون فغير دين الله يبغون ؟

فالمخالف ينحو نحو الجمهور في آيات لا يصح فيها قوله ، ويجعل حاصل المسألة عطف جملة على جملة ، تقدم فيه جزء من الجملة المعطوفة ، وهو "همزة الاستفهام" ، على العاطف ، لمكانها من الصدارة ، كما تقدم ، ويجوز الوجهين في آية أخرى .

فالحاصل أن رأي الجمهور أقوى من وجهين :
الأول : أنه لا يحتاج معه إلى تقدير محذوف ، وهذا أولى ، كما تقدم مرارا .
والثاني : أنه مطرد ، خلاف الرأي الثاني الذي يصح في مواضع ويمتنع في مواضع ويجوز في مواضع ، والمطرد أولى من المضطرب ، والله أعلم .
بتصرف من مغني اللبيب (1/38) .

مهاجر
25-04-2006, 12:39 PM
بسم الله

السلام عليكم

ومن ذلك قوله تعالى : (ولا يأتل أولوا الفضل منكم والسعة أن يؤتوا أولي القربى) ، فتقدير الكلام : ولا يأتل أولوا الفضل منكم والسعة أن لا يؤتوا أولي القربى ، وأصل "يأتل" ، يأتلي ، ومعناه : يحلف ، وهو يفتعل من الألية ، وهي اليمين ومنه القول المنسوب لمجنون ليلى :
علي ألية إن كنت أدري ******* أينقص حب ليلى أم يزيد
أي : علي يمين ، أو من قولهم : ما ألوت جهدا ، أي ما قصرت ، فالمعنى : ولا يحلف أولوا الفضل منكم والسعة على عدم إعطاء أولي القربى .
وكذا قوله تعالى : (يبين الله لكم أن تضلوا) ، أي : يبين الله لكم لأن لا تضلوا .
وقوله تعالى : (تالله تفتؤا تذكر يوسف) ، أي : تالله لا تفتؤا تذكر يوسف .
وشواهد ذلك من كلام العرب كثيرة فمن ذلك :
قول خداش بن زهير :
وأبرح ما أدام الله قومي ******* بحمد الله منتطقا مجيدا
أي : لا أبرح بحمد الله ما أدام الله قومي ناطقا بمآثرهم وأمجادهم .
وقول خليفة بن براز :
تنفك تسمع ما حييت ******* بهالك حتى تكونه .
أي : لا تنفك تسمع ما حييت بهالك حتى تكون أنت هذا الهالك .
وقول امرئ القيس :
فقلت : يمين الله أبرح قاعدا ******* ولو قطعوا رأسي لديك وأوصالي
أي : يمين الله قسمي لا أبرح قاعدا لديك ولو قطعوا رأسي وأوصالي ، وفيه شاهد لمسألة حذف الخبر وجوبا في "يمين الله" ، لأن المبتدأ نص في القسم ، فتقدير الكلام : يمين الله قسمي .
وقول عمر بن أبي ربيعة المخزومي :
تالله أنسى حبها ******* حياتنا أو أقبرا
أي : تالله لا أنسى حبها .........
وقول نصيب من مرثية له في أبي بكر بن عبد العزيز بن مروان :
تالله أنسى مصيبتي أبدا ******* ما أسمعتني حنينها الإبل
يقول الشيخ محمد محيي الدين رحمه الله :
ويشترط لجواز حذف حرف النفي مطلقا :
أولا : أن يكون هذا الحرف "لا" دون سائر حروف النفي ، كما يظهر من الشواهد السابقة .
ثانيا : أن يكون المنفي به مضارعا ، كما في الآية : "تفتؤا" مضارع "فتئ" .
ثالثا : أن يكون ذلك في القسم ، كما في كل الشواهد السابقة ، ما عدا بيت خداش بن زهير وخليفة بن بزار ، فالحذف فيهما شاذ .

بتصرف من"منحة الجليل بتحقيق شرح ابن عقيل" (1/217_218) و "منتهى الأرب بتحقيق شرح شذور الذهب" ص85 .

ومنه قوله تعالى : (لم يلبثوا إلا عشية أو ضحاها) ، يقول ابن هشام رحمه الله :
فأضيف الضحى إلى ضمير العشية ، لما بينهما من المناسبة ، وقيل ، وهو الشاهد في مسألة تقدير المحذوف : الأصل "أو ضحى يومها" ثم حذف المضاف وأقيم المضاف إليه محله ، وسبقت الإشارة إلى هذا الأسلوب في كلام العرب في أكثر من موضع ، ويعلق ابن هشام ، رحمه الله ، على القول الثاني بقوله : ولا حاجة إلى هذا . اهــــ ، لأنه ، كما سبق ، طالما استقام السياق دون تقدير محذوف فالأصل عدم الحذف ، فلا حاجة لتكلف تقديره .
بتصرف من " شرح شذور الذهب" ص106 .

ومنه قوله تعالى : (قال الله هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم) في قراءة من فتح "يوم" ، فالكوفيون يجيزون أن تكون هذه الفتحة فتحة بناء ، وعليه فلا مانع من كونها خبرا لـــ "هذا" ، كما في قراءة الرفع ، غاية ما هنالك أن الخبر في قراءة الرفع مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة على آخره ، فهو معرب ، بينما الخبر في قراءة الفتح مبني على الفتح ، وعليه لا تقدير في كلتا الحالتين عند الكوفيين .

وأما البصريون فيوافقون الكوفيين في قراءة الرفع ، ويخالفونهم في قراءة الفتح ، فهم يمنعون بناء "يوم" على الفتح ، ولهم في تخريج هذه القراءة وجهان :
الوجه الأول : أن "هذا" مبتدأ ، وخبره محذوف وتقديره : "جزاء صدقكم" ، و"يوم" متعلق بــ "قال" ، فيكون السياق : قال الله في يوم ينفع الصادقين صدقهم هذا جزاء صدقكم .

والوجه الثاني : أن هذا "مبتدأ" ، خبره محذوف ، وهو متعلق الظرف "يوم" ، وتقديره "كائن أو حاصل" ، فيكون السياق : هذا الذي ذكره الله ، عز وجل ، في الآيات السابقة من سؤاله عيسى صلى الله عليه وسلم وجواب عيسى عليه الصلاة والسلام كائن أو حاصل في اليوم الذي ينفع فيه الصادقين صدقهم ، وهو يوم القيامة .

يقول الشيخ محمد محيي الدين عبد الحميد ، رحمه الله ، وهو صاحب هذا التحقيق البديع : فافهم هذا التحقيق ، فإنه نفيس وقد حاولت تيسير عبارته عليك ، والله ينفعك به . اهــــ ، وصدق ، رحمه الله ، فهو تحقيق يدل على تضلع صاحبه من علوم العربية ، فجزاه الله عنا خيرا بما حقق ودقق .
بتصرف من "منتهى الأرب بتحقيق شرح شذور الذهب" ص114 .

ومن ذلك قوله تعالى : (وقالت هيت لك) ، في قراءة من فتح الهاء والتاء وسكن الياء ، فمن ضمن تخريجات هذه القراءة :
أن "هيت" ، اسم فعل أمر بمعنى "أقبل" ، مثل هلم وتعال ، عند من يقول بأن "تعال" اسم فعل أمر والراجح خلافه لأنها تقبل ياء المخاطبة فتقول للأنثى : تعالي ، فيكون السياق بهذا التخريج : أقبل لك ، ولكي يستقيم السياق لابد من تقدير محذوف مناسب ، فيقال بأن المعنى : أقبل ، أقول لك أنت لا لغيرك ، فكأنها اعتقدت أن يوسف صلى الله عليه وسلم لم ينتبه إلى أنه المقصود بهذا الخطاب فأرادت تنبيهه ، كأن ينادي شخص على آخر فيقول : يا أحمد ، فيلتفت المخاطب شاكا ، هل هو المقصود بالخطاب أم أحمد غيره ، فيزيل المنادي شكه بقوله : أنت أنت ، إياك أعني بالقول لا غيرك ، والله أعلم .

وأما من قال بأن "هيت" اسم فعل ماض بمعنى : تهيأت واستعددت ، فإنه لا يلزمه تقدير محذوف ، لأن السياق مستقيم بدونه فيكون المعنى : تهيأت واستعددت لك .

ومن قرأ "هئت" ، فالتاء عنده ليست جزءا من الكلمة ، وإنما اللفظ فعل "هاء" أي تجهز واستعد ، متصلا بتاء الفاعل ، كـــ "جئت" و "شئت" .

ومن قرأ "هيت" ، بكسر الهاء وضم التاء ، فهو كالقول السابق ، تماما بتمام ، كل ما هنالك أن القارئ قلب الهمزة الساكنة ياء لوقوعها ساكنة بعد الكسرة ، تخفيفا ، وهذا جار على لغة أهل الحجاز ، فإنهم يقولون في "ذئب" : ذيب ، وفي "بئر" : بير ، وفي "سؤل" : سول ، وفي "شأن" : شان ، وهكذا .

بتصرف من "منتهى الأرب بتحقيق شرح شذور الذهب" ص155 .

ومن ذلك قوله تعالى : (والقمر قدرناه منازل) ، أي : قدرنا له منازل ، فحذفت لام الاختصاص ، واتصل الضمير بالفعل .
أو : قدرناه ذا منازل ، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه ، فنصب إما على الحال ، أي : قدرناه حال كونه ذا منازل متعددة ، وإما على أنه مفعول ثان للفعل "قدرنا" ، بتضمينه معنى الفعل "صيرنا" ، أي : صيرناه منازل ، والله أعلم .

وفيه وجه آخر ، وهو تقدير عامل لـــ "القمر" ، يدل عليه ما بعده ، فيكون السياق : وقدرنا القمر ....... ، خلاف قولك في غير القرآن : والقمر قدرنا ، دون ضمير يعود على المفعول المتقدم لفظا لا رتبة ، فلا يلزم هنا تقدير عامل للمفعول لأنه يعرب : مفعول به مقدم ، لأن العامل بعده لم يستوف مفعوله كما استوفاه في قوله تعالى : (والقمر قدرناه) .

ويشبه ذلك قولك : زيدا رحمه الله ، بنصب "زيد" ، فتقدير الكلام : رحم الله زيدا ، فقدر عامل دل عليه ما تلا "زيد" وهو الفعل "رحمه" لاتصاله بضمير يعود على المفعول المقدم لفظا لا رتبة فرتبة المفعول به متأخرة دوما عن رتبة الفعل والفاعل ، ويجوز فيه الرفع فتقول : زيد رحمه الله ، وتكون جملة "رحمه الله" الطلبية ، خبرا للمبتدأ "زيد" ، والنصب أولى ، لأن الإخبار بالجملة الطلبية خلاف الأصل لأنها لا تحتمل الصدق والكذب كالجملة الخبرية التي هي الأصل في الخبر ، والله أعلم .
بتصرف من شرح الشيخ الدكتور عبد الغني عبد الجليل ، حفظه الله ، لـــــ "شرح شذور الذهب" ص169 و "منحة الجليل" (2/106) .


ومنه قوله تعالى : (ليخرجن الأعز منها الأذل) ، في قراءة من فتح الياء وضم الراء ، فيكون "الأذل" حالا ، والحال كما علم واجبة التنكير ، و "الأذل" معرف بــ "أل" ، فيلزم تأويلها بنكرة ، فيكون المعنى : ليخرجن الأعز منها ذليلا ، وعليه يقال بأن "أل" في "الأذل" زائدة ، ولا حاجة لتقدير محذوف في هذه الحالة .
ولقائل أن يقول بأن في الكلام حذفا فتقدير الكلام : ليخرجن الأعز منها خروج الذليل ، فــ "خروج" مصدر مبين لنوع العامل ، أي الفعل "يخرجن" ، وهو مضاف حذف وأقيم المضاف إليه مقامه ، فيكون "الأذل" : نائبا عن المصدر ، كما في :
قوله تعالى : (فلا تميلوا كل الميل) ، فـــ "كل" نائب عن المصدر "ميلا" .
وقوله تعالى : (فاجلدوهم ثمانين جلدة) ، فـــ "ثمانين" نائب عن المصدر "جلدا" .
وقوله تعالى : (لا أعذبه أحدا من العالمين) ، فالضمير في "أعذبه" نائب عن المصدر "العذاب" ، فتقدير الكلام : لا أعذب العذاب أحدا من العالمين ، أي أوقع عليه عذاب لا أوقع عذابا مثله على أحد من العالمين ، والله أعلم .
ومنه قول الشاعر :
وقد يجمع الله الشتيتين بعدما ******* يظنان كل الظن أن لا تلاقيا
فـــ "كل" نائب عن المصدر "الظن" ، والله أعلم .

بتصرف من "شرح شذور الذهب" ص182 ، و "منحة الجليل بتحقيق شرح ابن عقيل" (2/135_136) .

مهاجر
27-04-2006, 01:39 PM
بسم الله

السلام عليكم

ومنه قوله تعالى : (لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ) ، فتقدير الكلام ، كما يقول الطبري رحمه الله : أُقْسِم لَقَدْ جَاءَك الْحَقّ الْيَقِين مِنْ الْخَبَر بِأَنَّك لِلَّهِ رَسُول , وَأَنَّ هَؤُلَاءِ الْيَهُود وَالنَّصَارَى يَعْلَمُونَ صِحَّة ذَلِكَ , وَيَجِدُونَ نَعْتك عِنْدَهُمْ فِي كُتُبهمْ ، فحذف القسم لدلالة السياق عليه .

وكذا قوله تعالى : (لا أقسم بيوم القيامة * ولا أقسم بالنفس اللوامة) ، فجواب القسم محذوف ، دل عليه قوله تعالى بعد ذلك : (أيحسب الإنسان ألن نجمع عظامه) ، فتقدير الكلام : أقسم لتبعثن ولتحاسبن .

وقوله تعالى : (لتبلون في أموالكم وأنفسكم) ، ففعل القسم والمقسم به محذوفان لدلالة اللام في "لتبلون" عليهما ، فتقدير الكلام : أقسم والله لتبلون في أموالكم وأنفسكم .
بتصرف من "مباحث في علوم القرآن" ص268 .

ومن ذلك قوله تعالى : (مختلف ألوانه) ، فتقدير الكلام : شراب مختلف ألوانه ، فحذف الموصوف لدلالة الصفة عليه ، وأنيب الوصف "مختلف" عن الفعل "يختلف" ، ولذا أعرب ما بعده "ألوانه" : فاعلا سد مسد الخبر ، والله أعلم .
بتصرف من "شرح شذور الذهب" ، ص190 .

ومنه أيضا :
قوله تعالى : (أو إطعام في يوم ذي مسغبة * يتيما ذا مقربة) ، فتقدير الكلام : أو إطعام مطعم في يوم ذي مسغبة يتيما ذا مقربة ، فحذف فاعل المصدر لدلالة معنى المصدر عليه فالإطعام لابد له من مطعم ، والله أعلم .
بتصرف من "منتهى الأرب بتحقيق شرح شذور الذهب" ص197 .

وكذا قوله تعالى : (ثم بدا لهم من بعد ما رأوا الآيات ليسجننه) ، فتقدير الكلام : ثم بدا لهم بداء من بعد ما رأوا الآيات ليسجننه ، فالفاعل ، كما رجح ابن هشام ، رحمه الله ، ضمير مستتر عائد على مصدر الفعل "بدا" ، أو على السجن ، بفتح السين ، المفهوم من قوله تعالى : (ليسجننه) ، ويدل عليه قوله تعالى : (قال رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه) ، فعلى الوجه الأول يقدر المصدر المحذوف "بداء" ، وعلى الوجه الثاني يكون تقدير الكلام : ثم بدا لهم سجنه من بعد ما رأوا الآيات .
بتصرف من "شرح شذور الذهب" ، ص198_199 .



ومن ذلك قوله تعالى : (ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله إذا لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض) ، قال الفراء رحمه الله : (حيث جاءت بعدها اللام ، "أي بعد إذن" ، فقبلها لو مقدرة ، إن لم تكن ظاهرة) . اهــــ ، فيكون تقدير الكلام : لو كان ما يقولونه صحيحا من اتخاذ الله الولد أو وجود من يشاركه ملكه ، تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا ، إذن لذهب كل إله بما خلق ......... الخ .
بتصرف من مغني اللبيب (1/43) .

مهاجر
28-04-2006, 12:01 PM
بسم الله

السلام عليكم

وشاهد ما سبق من لغة العرب

لتقرعن علي السن من ندم ******* إذا ذكرت يوما بعض أخلاقي
أي : أقسم والله لتقرعن علي السن من ندم .

ومنه قوله تعالى : (ولقد علموا لمن اشتراه ما له في الآخرة من خلاق) ، فتقدير الكلام : أقسم والله لمن اشتراه ما له في الآخرة من خلاق ، فحذف فعل القسم والمقسم به وشاهد ذلك من كلام العرب ، قول لبيد بن ربيعة :
ولقد علمت لتأتين منيتي ******* إن المنايا لا تطيش سهامها
على ما اختاره سيبويه ، رحمه الله ، إذ يقول : (هذا باب الأفعال في الأقسام .......... وقال لبيد : ولقد علمت لتأتين ، كأنه قال : والله لتأتين منيتي ، كما قال : لقد علمت لعبد الله خير منك) . اهــــ ، أي : أقسم والله لعبد الله خير منك .

بتصرف من منحة الجليل (2/40) .

ومن مواضع تقدير المحذوف قوله تعالى : (فذكر إن نفعت الذكرى) ، فتقدير الكلام على قول : فذكر إن نفعت الذكرى وإن لم تنفع ، كما في قوله تعالى : (سرابيل تقيكم الحر) ، أي : والبرد ، فحذف الشطر الثاني من الكلام لدلالة الأول عليه ، والله أعلم .
بتصرف من مغني اللبيب (2/45) .

مهاجر
29-04-2006, 07:46 PM
بسم الله

السلام عليكم
الإحالة الأخيرة خاطئة والصواب (1/45) من مغني اللبيب وليس (2/45)

ومن مواضع الحذف قوله تعالى : (علم أن سيكون) ، برفع "سيكون" ، لأن "أن" هنا ليست "أن" الناصبة وإنما هي المخففة من "أن" الناسخة ، وعليه يكون تقدير الكلام : علم أنه سيكون ، فحذف ضمير الشأن : اسم إن لدلالة السياق عليه ، وجملة "سيكون" خبر إن .

ومثله قوله تعالى : (وحسبوا أن لا تكون) ، في قراءة من رفع "تكون" ، لأن "لا" النافية لا عمل لها في الفعل ، فتقدير الكلام : وحسبوا أنه لا تكون ، ويقال أيضا بأن : ضمير الشأن المحذوف هو اسم إن ، وجملة "تكون" خبر إن .

ومن شواهده من كلام العرب قول جرير رحمه الله :
زعم الفرزدق أن سيقتل مربعا ******* أبشر بطول سلامة يا مربع
فتقدير الكلام : زعم الفرزدق أنه سيقتل مربعا .

بتصرف من مغني اللبيب (1/52) .

ومن ذلك قوله تعالى : (فأما الذين اسودت وجوههم أكفرتم) ، أي : فيقال لهم أكفرتم ، فحذف القول استغناء عنه بالمقول ، وتبعته الفاء ، حرف التفصيل ، في الحذف .

وقد زعم بعض المتأخرين ، كما يقول ابن هشام ، رحمه الله ، أن فاء جواب "إما" لا تحذف في غير الضرورة ، وعليه يكون المحذوف هنا هو القول فقط ، وأما فاء الجواب فهي المتصلة بالجواب : (فذوقوا العذاب) ، فسياق الآية : (فأما الذين اسودت وجوههم أكفرتم بعد إيمانكم فذوقوا العذاب) ، فجواب "إما" عند هؤلاء هو : (فذوقوا العذاب) وليس : (أكفرتم) ، ويكون تقدير الكلام عندهم :
فأما الذين اسودت وجوههم ، أكفرتم بعد إيمانكم ؟ ، فيقال لهم : ذوقوا العذاب ، وحذف القول فاتصلت الفاء بالمقول ، وجملة : (أكفرتم بعد إيمانكم) جملة اعتراض .

والضرورة التي أشار إليها ابن هشام ، رحمه الله ، جاءت في مثل قول عبد الرحمن بن حسان :
من يفعل الحسنات الله يشكرها ******* والشر بالشر عند الله مثلان
فتقدير الكلام : من يفعل الحسنات فالله يشكرها .

ومنه أيضا : قوله تعالى : (وأما الذين كفروا أفلم تكن آياتي تتلى عليكم) ، فتقدير الكلام : فيقال لهم : ألم تكن آياتي تتلى عليكم ، فحذف القول واتصلت الفاء بالمقول ، وقدمت همزة الاستفهام عليها لأن لها الصدارة دوما خلاف بقية أدوات الاستفهام التي يجوز تقدم الفاء عليها ، كما سبقت الإشارة إلى ذلك ، والله أعلم .

ومن ذلك أيضا : قوله تعالى : (يا أيها الناس قد جاءكم برهان من ربكم وأنزلنا إليكم نورا مبينا * فأما الذين آمنوا بالله واعتصموا به فسيدخلهم في رحمة منه وفضل) ، فتقدير الكلام : وأما الذين كفروا بالله فلهم كذا وكذا من العذاب ، أو : وأما الذين كفروا فلا يدخلون في رحمة منه وفضل ، فاستغنى بذكر أحد القسمين عن الآخر .

وقوله تعالى : (هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله) ، فتقدير الكلام : وأما غيرهم فيؤمنون به ويكلون معناه إلى ربهم ، ويدل عليه قوله تعالى بعده : (والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا) ، أي كل من المتشابه والمحكم من عند الله ، والإيمان بكليهما واجب ، فافترقت هذه الآية عن سابقتها ، بأن المعادل في الآية الأولى محذوف لدلالة الشطر الأول عليه ، وهنا : المعادل محذوف لدلالة كلام غير الشطر الأول عليه وهو ، كما سبق ، قوله تعالى : (والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا) .
بتصرف من مغني اللبيب (1/78 ، 79) .

وسياق الآية بأكمله : (هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله ، وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلا أولوا الألباب) .

فمن وقف على : (وما يعلم تأويله إلا الله) ، فالتأويل عنده هو : حقيقة الشيء أو ما يؤول إليه ، وعليه يكون الله ، عز وجل ، هو المستأثر بعلم حقيقة المتشابه ، وأما الراسخون في العلم فيقولون : آمنا به كل من عند ربنا ، وعليه تكون الآيات الغيبية كــــ : آيات البعث والجزاء وآيات أسماء الله ، عز وجل ، وصفاته ، من قبيل المتشابه الذي لا يعلم حقيقته إلا الله ، ولا يقال هنا بأن معانيها متشابهة ، فهي معروفة لكل من عرف لغة العرب ، وإنما المتشابه منها : الكيفية ، فصفات الله ، عز وجل ، على سبيل المثال : محكمة من جهة معانيها التي عرفها العرب في لغتهم فاليد هي اليد بمعناها عند العرب ، ولكنها متشابهة من جهة الكيفية ، فهي يد ليست كأي يد ، لأن الله ، عز وجل ، ليس كمثله شيء ، فلا يعلم حقيقتها إلا الله ، عز وجل ، خلاف من يقول : هي متشابهة المعنى والكيفية ، فإذا سألته : ما معنى اليد ؟ ، قال : لا أدري !!!!! ، فهي من المتشابه الذي لا يعلم معناه إلا الله ، والجواب : هي معلومة المعنى ، وادعاء أنها من المتشابه إنما يصح من جهة الكيفية والحقيقة لا المعنى ، ولا يلزم من ذلك تشبيه الله ، عز وجل ، وصفاته ، بذوات مخلوقاته وصفاتهم ، كما ادعى ذلك مؤولة الصفات ، واتخذوه حجة لتأويل صفات الله ، عز وجل ، بزعم تنزيهه عن مشابهة خلقه ، فالتواطؤ هنا في الاسم دون المسمى ، فالاسم واحد : يد ، له معنى واحد في كلام العرب ، ولكن المسمى مختلف فيد الله ، عز وجل ، ليست هي عين يد الإنسان ، ويد الإنسان ليست هي عين يد الجمل ، ويد الجمل ليست هي عين يد الهر ............... الخ ، رغم اتحاد الاسم والمعنى ، وهذا ما يطلق عليه "التواطؤ اللفظي" ، وهو يختلف عن "المشترك اللفظي" المعروف في اللغة ، من جهة أنه في التواطؤ يوجد نوع اشتراك في المعنى وإن اختلفت الكيفية ، فضوء الشمس وضوء المصباح ، على سبيل المثال ، مشتركان من جهة المعنى ، وهو الإضاءة ، ولكنهما مختلفان أشد الاختلاف من جهة الشدة والكيفية ، ولله المثل الأعلى ، فصفاته ، عز وجل ، يشترك بعضها مع صفات خلقه من جهة المعنى ، مع تمام الاختلاف من جهة الكيفية .

وأما "الاشتراك اللفظي" ، فلا تشابه فيه معنى أو كيفية ، وإن اتحد الاسم ، فلفظ "عين" إذا أطلق على عين الماء ، وأطلق بالاشتراك اللفظي على الجاسوس ، فإنه لا يظهر أي تشابه بين الحقيقتين من جهة المعنى أو الكيفية .

ومن وقف على : (وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم) ، فالتأويل عنده بمعنى : تفسير الألفاظ ومعرفة معانيها ، وعليه يدخل الراسخون في العلم في حد العلم بهذا المتشابه من جهة المعنى لا الكيفية ، كما تقدم ، والله أعلم .

مهاجر
02-05-2006, 01:38 PM
بسم الله

السلام عليكم

ومن ذلك : قوله تعالى : (وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به) ، فتقدير الكلام : وإن عاقبتم أعدائكم أو الكفار ................. الخ ، فعاقبوا بمثل ما عاقبكم به أعدائكم أو الكفار .......................... الخ ، فحذف المفعول في الشطر الأول من الآية ، لدلالة السياق عليه ، أو لإرادة العموم ، أو رغبة في الإيجاز ، وكذا حذف الفاعل في الشطر الثاني وبنى الفعل للمفعول ، وأقام نائب الفاعل "تاء الفاعل" ، مقامه ، لنفس الأسباب التي حذف المفعول من أجلها في الشطر الأول .

وكذا في قوله تعالى : (خلق الإنسان من عجل) ، وقوله تعالى : (وقضي الأمر) ، فتقدير الكلام : خلق الله الإنسان من عجل ، و قضى الله الأمر ، فحذف الفاعل لأنه معلوم لكل أحد بحيث لا يحتاج المتكلم لذكره .
بتصرف من "منتهى الأرب بتحقيق شرح شذور الذهب" ، ص190_191 .


ومن ذلك أيضا : قوله تعالى : (إذا جاءك المؤمنات) ، فقد استدل جمهور الكوفيين وأبو علي الفارسي بهذه الآية على جواز تذكير وتأنيث الفعل المسند لجمع المؤنث السالم ، فعندهم يجوز : جاءت المؤمنات ، وجاء المؤمنات ، من غير علامة التأنيث ، خلاف البصريين الذين يوجبون التأنيث في هذا الموضع لأن الفعل أسند لجمع مؤنث سالم ، والمؤنث هنا حقيقي لا مجازي ، وقد أجاب البصريون على استدلال الكوفيين وأبي علي الفارسي بثلاثة أجوبة :

أولا : أن سبب التذكير هنا ليس جوازه في حالة جمع المؤنث السالم ، وإنما سببه الفصل بين الفعل والفاعل بالمفعول به "كاف المخاطب" في "جاءك" .

ثانيا : أن الفاعل هنا ليس "المؤمنات" ، وإنما هو "أل" الموصولة في "المؤمنات" ، و "مؤمنات" هي صلة الموصول ، فيكون تقدير الكلام : إذا جاءك اللاتي آمن ، و "اللاتي" ليس جمع مؤنث سالم وإنما هو اسم جمع ، واسم الجمع يجوز في فعله التأنيث وعدمه بالإجماع .

ثالثا : وهو الذي يعنينا في مسألة تقدير المحذوف ، وهو أن تقدير الكلام : إذا جاءك النسوة المؤمنات ، أو النساء المؤمنات ، فحذف الموصوف "النسوة أو النساء" ، وأقام الصفة محله ، والموصوف ليس جمع مؤنث سالم لنقول بوجوب تأنيث الفعل ، وإنما هو اسم جمع ، يجوز تذكير فعله أو تأنيثه ، فلما حذف وأقيمت الصفة محله أخذت جميع أحكامه ، وأرجح الأقوال هنا القول الأول ، وأضعفها القول الثالث لأن فيه تقدير محذوف ، وهو خلاف الأصل فلا يقال به إلا عند الضرورة ، كما تقدم في أكثر من موضع ، والله أعلم .

بتصرف من "منتهى الأرب بتحقيق شرح شذور الذهب" ، ص204_205 .


ومن ذلك أيضا :
قوله تعالى : (وقالوا كونوا هودا أو نصارى) ، فتقدير الكلام : وقالت اليهود : كونوا هودا ، وقالت النصارى : كونوا نصارى ، وقد استدل ابن هشام ، رحمه الله ، بهذه الآية على جواز مجيء "أو" للتقسيم كـــ "الواو" ، فيجوز : الكلمة اسم أو فعل أو حرف ، كما يجوز : الكلمة اسم وفعل وحرف ، وإن كان الثاني أكثر .

ومثله قوله تعالى : (وقالوا ساحر أو مجنون) ، أي : وقال بعضهم : ساحر ، وقال بعضهم : مجنون .
بتصرف من مغني اللبيب (1/87) .


ومن ذلك أيضا : قوله تعالى : (فما لكم في المنافقين فئتين) ، فإعراب "فئتين" عند البصريين : حال ، خلاف الكوفيين الذين يقولون : "فئتين" منصوب على إضمار "كان" ، فتقدير الكلام عندهم : فما لكم في المنافقين كنتم فئتين ، فحذف كان واسمها وأبقى خبرها ، كقوله صلى الله عليه وسلم : (التمس ولو خاتما من حديد) أي : التمس ولو كان ما تلتمسه خاتما من حديد ، وأجاز الكوفيين : ما لك الشاتم ، أي : ما لك كنت الشاتم ، خلاف البصريين ، الذين لا يجيزون ذلك ، لأنه عندهم حال ، والحال لا يجوز تعريفها ، ورأي البصريين هو الأرجح كما أشار إلى طرف من ذلك أبو حيان ، رحمه الله ، في بحره المحيط ، والله أعلم .

مهاجر
04-05-2006, 08:11 PM
بسم الله

السلام عليكم

ومن ذلك قوله تعالى : (إن امرؤ هلك) ، فامرؤ فاعل لفعل محذوف تقديره : هلك ، دل عليه ما بعده ، فامتنع ذكره لئلا يجمع بين العوض والمعوض عنه ، فيكون تقدير الكلام : إن هلك امرؤ .

يقول الشيخ محمد محيي الدين عبد الحميد رحمه الله :
ههنا أصلان :
الأول : هل يجوز أن تقع الجملة الاسمية بعد أدوات الشرط ؟
ذهب الكوفيون والأخفش من البصريين إلى جواز ذلك ، وأباه جمهور البصريين ، ولذا لا يصح عند الجمهور إعراب "امرؤ" على أنه مبتدأ ، و جملة "هلك" : الفعل والضمير المستتر ، على أنها خبر ، ويصح على مذهب الكوفيين والأخفش .

والثاني : هل يجوز أن يتقدم الفاعل على رافعه ؟
ذهب جمهور الكوفيين إلى جواز ذلك واستدلوا له بقول الشاعر :
مال الجمال مشيها وئيدا ******* أجندلا يحملن أم حديدا .
فــــ "مشيها" ، فاعل تقدم على عامله "وئيدا" .
وأبى جمهور البصريين ذلك ، ومن هنا يعلم تخريج الكوفيين لإعراب "امرؤ" على أنه فاعل مقدم للفعل "هلك" .
بتصرف من "منتهى الأرب" ص59_60 .

ومنه قوله تعالى : (قال رجلان من الذين يخافون أنعم الله عليهما) ، فتقدير الكلام : قال رجلان من الذين يخافون الله .............. ، فحذف معمول الفعل "يخافون" : لفظ الجلالة "الله" لدلالة السياق عليه ، ويكون المعنى إما :
قال رجلان موصوفان بأنهما من الذين يخافون الله ، وبأنهما أنعم الله عليهما ، على القول بأن جملة "أنعم الله عليهما" جملة خبرية .
أو : قال رجلان من الذين يخافون الله ، أنعم الله عليهما ، بجعل جملة "أنعم الله عليهما" دعائية ، كقولك : جاءني زيد ، حفظه الله ، وقال لي : كذا وكذا ، فتكون جملة "أنعم الله عليهما" معترضة بين القول والمقول ولا موضع لها كسائر الجمل المعترضة ومنه قول الشاعر :
إن الثمانين ، وبلغتها ، ******* قد أحوجت سمعي إلى ترجمان
فجملة "وبلغتها" : جملة معترضة لا محل لها من الإعراب .

وقول الآخر :
وأبرح ما أدام الله قومي ******* بحمد الله منتطقا مجيدا
فجملة "بحمد الله" ، جملة معترضة .

وقول ثالث :
فإني ، بحمد الله ، لا ثوب فاجر لبست ******* ولا من غدرة أتقنع
بتصرف من "شرح شذور الذهب" ، ص73 .


ومن ذلك قوله تعالى : (أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا فكرهتموه) ، فقد قدر أنهم قالوا بعد الاستفهام : لا ، فقيل لهم : فهذا كرهتموه ، والغيبة مثله فاكرهوها كما كرهتموه ، فحذف المبتدأ "هذا" ، واتصلت جملة الخبر "كرهتموه" بالفاء ، وقال الفارسي : التقدير فكما كرهتموه فاكرهوا الغيبة ، وعليه يكون المحذوف هنا هو الموصول "ما" و الكاف ، ومن ثم اتصلت جملة الصلة "كرهتموه" بالفاء ، وقد ضعف ابن الشجري القول الأخير لأن فيه حذف الموصول ، وهو "ما" المصدرية ، مع بقاء الصلة جملة "كرهتموه" ، وذلك رديء ، والله أعلم .

بتصرف من مغني اللبيب (1/186) .

مهاجر
16-05-2006, 07:24 AM
بسم الله

السلام عليكم

ومنه قوله تعالى :
(ويذهبا بطريقتكم المثلى) ، فتقدير الكلام على أحد تخريجات أبي حيان ، رحمه الله ، في "بحره المحيط" : ويذهبا بأهل طريقتكم المثلى :
يقول أبو حيان رحمه الله :
وقيل : هو على حذف مضاف أي { ويذهبا } بأهل طريقتكم وهم بنو إسرائيل لقول موسى .
فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه ، والله أعلم .

ومنه قوله تعالى : (وقيل للذين اتقوا ماذا أنزل ربكم قالوا خيرا) ، فعامل النصب في قوله : (خيرا) محذوف جوازا ، وتقدير الكلام : أنزل ربنا خيرا .
يقول ابن هشام رحمه الله :
وقد يضمر ، "أي العامل وهو الفعل" ، جوازا إذا دل عليه مقالي أو حالي ، فالأول نحو : (قالوا خيرا) ، أي : أنزل ربنا خيرا ، بدليل : (ماذا أنزل ربكم) ........ الخ .
بتصرف من شرح شذور الذهب ، ص242 .
فتقدير العامل بالفعل "أنزل" ، دل عليه ورود السؤال عن المنزل ، قبله ، والله أعلم .

ومثله تماما قوله تعالى : (حتى إذا فزع عن قلوبهم قالوا ماذا أنزل ربكم قالوا الحق وهو العلي الكبير) ، فتقدير الكلام : قالوا : أنزل ربنا الحق ، فحذف العامل ، لدلالة السؤال عنه قبله عليه .


ومن ذلك أيضا :
قوله تعالى : (وكل إنسان ألزمناه) ، فعامل النصب في "كل" محذوف وجوبا لاشتغال الفعل بعده بضميره ، الهاء في "ألزمناه" ، ولذا يقدر عامل النصب من جنس الفعل المشتغل ، ويكون تقدير الكلام : وألزمنا كل إنسان ألزمناه .

يقول ابن هشام رحمه الله :
وقد يضمر ، "أي العامل" ، وجوبا في مواضع : منها باب الاشتغال ، وحقيقته : أن يتقدم اسم ، ويتأخر عنه فعل أو وصف صالح للعمل فيما قبله ، مشتغل عن العمل فيه بالعمل في ضميره أو ملابسه .

فمثال اشتغال الفعل بضمير السابق "زيدا ضربته" وقوله تعالى : (وكل إنسان ألزمناه) . اهـــ

شرح شذور الذهب ، ص242 .

فلو قلت : زيدا ضربت ، لزال الإشكال وأعرب "زيدا" ، مفعول به مقدم للفعل "ضرب" ، لأنه لم يشتغل بضمير يعود على "زيد" ، ولكن لما اشتغل الفعل بهاء الغائب في "ضربته" العائدة على "زيد" لزم تقدير عامل يعمل النصب في "زيد" لأن الفعل ضرب لا يعمل إلا في معمول واحد ، وقد استوفاه ، وبقي "زيد" بلا عامل ، فيقدر له عامل من جنس ما بعده ، ويكون تقدير الكلام : ضربت زيدا ضربته ، ولا يجوز ذكر العامل المحذوف في هذه الحالة لأن الفعل الذي أتى بعد المعمول سد مسده ولا يجمع بين العوض والمعوض عنه في موضع واحد ، وهكذا الشأن في الآية ، والله أعلم .

وشاهد ذلك من كلام العرب :
قول عمرو بن كلثوم :
ملأنا البر حتى ضاق عنا ******* وماء البحر نملؤه سفينا
فالفعل "نملأ" مشغول بالهاء العائدة على "ماء البحر" ، لذا لزم تقدير عامل لـــ "ماء البحر" ، من جنس ما يليه ، فيكون تقدير الكلام : ونملأ ماء البحر نملؤه .

ومن ذلك أيضا :
قوله تعالى :(وكل شيء فصلناه تفصيلا) ، أي : فصلنا كل شيء فصلناه ،
وقوله تعالى : (والجبال أرساها) ، أي : أرسى الجبال أرساها .

مستفاد من مداخلة الدكتور مسعد محمد زياد ، حفظه الله ، في مشاركة الأخ عبد القادر علي الحمدو ، حفظه الله ، تحت عنوان "الاسم المنصوب على الاشتغال" .

ومن ذلك أيضا :
قوله تعالى : (ونحن عصبة) ، في قراءة من قرأ بنصب "عصبة" على أنه حال سد مسد خبر "نحن" ، فتقدير الكلام : ونحن نرى عصبة .

يقول الشيخ محمد محيي الدين عبد الحميد رحمه الله :
والتنظير بهذه الآية الكريمة على قراءة نصب "عصبة" على أنه حال ، وخبر المبتدأ ، الذي هو نحن ، محذوف ، وأصل الكلام : ونحن نرى عصبة ، فأما على القراءة المشهورة برفع "عصبة" فـــ "نحن" مبتدأ خبره "عصبة" ، ولا كلام لنا فيها الآن ، ومثل الآية في قراءة النصب قولهم : حكمك لك مسمطا ، ومعناه : حكمك لك مثبتا ، فمسمطا : حال ، والخبر محذوف ، والتقدير : حكمك حاصل لك حال كونه مثبتا .
منتهى الأرب بتحقيق شرح شذور الذهب ، ص248 .

وكذا قولك : شربي الماء باردا ، فـــ "باردا" : حال سد مسد الخبر ، فتقدير الكلام : شربي الماء حاصل أو كائن حال كونه باردا .

ومن ذلك قوله تعالى : (ولا تقولوا ثلاثة) :
يقول أبو حيان رحمه الله :
{ ولا تقولوا ثلاثة } ، خبر مبتدأ محذوف ، أي : الآلهة ثلاثة . قال الزمخشري : والذي يدل عليه القرآن التصريح منهم بأن الله والمسيح ومريم ثلاثة آلهة ، وأن المسيح ولد الله من مريم .

ونص كلام الزمخشري غفر الله له :
{ ثَلَـٰثَةً } خبر مبتدأ محذوف ، فإن صحت الحكاية عنهم أنهم يقولون : هو جوهر واحد ثلاثة أقانيم ، أقنوم الأب ، وأقنوم الابن ، وأقنوم روح القدس . وأنهم يريدون بأقنوم الأب : الذات ، وبأقنوم الابن : العلم، وبأقنوم روح القدس : الحياة ، فتقديره الله ثلاثة ، وإلا فتقديره : الآلهة ثلاثة . والذي يدل عليه القرآن التصريح منهم بأن الله والمسيح ومريم ثلاثة آلهة ، وأنّ المسيح ولد الله من مريم . ألا ترى إلى قوله :
{ ءَأَنْتَ قُلتَ لِلنَّاسِ ٱتَّخِذُونِى وَأُمّىَ إِلَـٰهَيْنِ مِن دُونِ ٱللَّهِ }
[المائدة:116] ،
{ وَقَالَتِ ٱلنَّصَـٰرَى ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ ٱللَّهِ }
[التوبة: 30] .

وجدير بالذكر أن الكاثوليك من النصارى ، أو "الملكانيين" ، أي أتباع دين الملك أو الإمبراطور البيزنطي ، وهم غالب نصارى الغرب ، كنصارى فرنسا ، زعيمة الكاثوليكية ، وإسبانيا ، الكاثوليكية المتعصبة ، التي بطشت محاكم التفتيش فيها بمسلمي الأندلس ، في القرون الوسطى بداية من عصر الهالكين "فرناندو" و "إيزابيلا" الملقبين بـــ : "الكاثوليكيين" ، وإيطاليا وبها المقر الرسمي لبابا الكاثوليك في "الفاتيكان" ، كل هؤلاء يقولون بأن المسيح صلى الله عليه وسلم ابن الله ، أو ما يعبرون عنه بالطبيعتين : الطبيعة اللاهوتية والطبيعة الناسوتية ، وأما نصارى الكنائس الشرقية ، أو "الأرثوذكس" ، أي أتباع الدين الصحيح كما يزعمون ، أو "اليعاقبة" ، كنصارى روسيا ويوغوسلافيا ، التي أنزل الصرب فيها الويلات بمسلمي البوسنة والهرسك إبان حرب البلقان الأخيرة ، ونصارى بقية دول أوروبا الشرقية ، ونصارى مصر عندنا ، فيقولون بأن المسيح هو الله ، أو ما يعبرون عنه بالطبيعة الواحدة ، تعالى الله عز وجل عما يقول الفريقان علوا كبيرا ، فغلو الفريق الثاني أشد وكفره أكبر وأعظم ، وإن كان اسم الكفر يشمل كلا الفريقين ، وتعصبه أكبر ، ومن عاش مع القوم واطلع على أحوالهم ، كما هو الحال عندنا في مصر ، عرف مقدار حقدهم وكرههم لدين الإسلام وأهله جهلا منهم وتعصبا ، ولو عرفوا الإسلام ، لما كرهوه ، ولكنهم قوم أسلموا عقولهم لرهبانهم وأحبارهم فساقوهم سوق النعاج لئلا تذهب رئاساتهم ومناصبهم الدنيوية الزائلة عنهم إذا ما اهتدى أتباعهم للحق ، رغم أنهم عانوا من التضييق والاضطهاد في عهد احتلال الرومان الكاثوليك لمصر ، الذين حكموا عليهم بالكفر في مجمع "خلقيدونية" بآسيا الصغرى سنة 451 هــــ ، وزجوا برهبانهم وقساوستهم في غياهب السجون ، ولم ينعموا بالأمان والحرية إلا بعد فتح عمرو بن العاص ، رضي الله عنه لمصر ، ولكنهم قوم يعتدون .

لذا رد الله ، عز وجل ، على الطائفتين في سورة المائدة :
فقال تعالى ردا على الكاثوليك : (لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة) .
وقال تعالى ردا على الأرثوذكس : (لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم) .
ثم بين الحق بقوله : (ما المسيح ابن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل وأمه صديقة كانا يأكلان الطعام) ، إشارة إلى ما يلزم من تناول الطعام والشراب من خروج الفضلات من البدن ، ومن كان محتاجا للطعام لكي يحيى ، غير مستغن عن الخلاء ليذهب الأذى عن بدنه ، كيف يكون إلها وهو مفتقر لغيره ، والله ، عز وجل غني عن خلقه ، لا تنفعه طاعتهم ولا تضره معصيتهم ، والله أعلم .
مستفاد من كتاب الشيخ الدكتور طه عبد المقصود ، حفظه الله ، تاريخ الخلفاء الراشدين ، الجزء الأول أبو بكر الصديق وعمرو الفاروق ، تحت عنوان : "حالة مصر قبل الفتح الإسلامي" ، ص199 ، وقد نقل عن :
الدولة الإسلامية في عصر الخلفاء الراشدين ، ص209 ، 210 .
وتاريخ الإسلام السياسي والديني للدكتور حسن إبراهيم ، (1/235 ، 236) .
ومصر في فجر الإسلام لسيدة كاشف ، ص5 .
وتاريخ العالم لولز موجز ، (2/704_721) .

مهاجر
19-05-2006, 03:08 AM
بسم الله

السلام عليكم

ومن ذلك قوله تعالى : (انتهوا خيرا) ، فتقدير الكلام : انتهوا يكن الانتهاء خيرا لكم ، فحذف كان واسمها ، وأبقى خبرها لدلالة السياق عليه ، وهذه المسألة تشبه مسألة : (التمس ولو خاتما من حديد) ، حيث حذفت كان واسمها ، فتقدير الكلام : التمس ولو كان ما تلتمسه خاتما من حديد ، لوقوعهما بعد "لو" الشرطية ، ويشكل على التقدير السابق أن السياق في الآية سياق أمر لا شرط ، و "خيرا" واقعة في جواب الطلب ، والجواب عن ذلك : أن العامل في جزم جواب الطلب شرط مقدر ، فأسلوب الطلب يتضمن معنى الشرط ، فكأن السياق : إن تنتهوا يكن الانتهاء خيرا لكم ، فحذفت كان واسمها وبقي الخبر ، كما تقدم ، والله أعلم .

مستفاد من شرح الشيخ الدكتور عبد الغني عبد الجليل ، حفظه الله ، لشذور ابن هشام رحمه الله .
ومن ذلك أيضا :
قوله تعالى : (فما منكم من أحد عنه حاجزين) ، فـــ "أحد" ، اسم "ما" مرفوع وعلامة رفعه ضمة مقدرة منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد ، و "حاجزين" : خبرها ، وعليه يكون الجار والمجرور "منكم" متعلقا بمحذوف تقديره : "أعني" ، فيكون تقدير الكلام : ما أحد ، "أعني منكم" ، عنه حاجزين .

خلاف ما إذا أعملنا الجار والمجرور في "أحد" ، لأن الجار والمجرور إذا سبق بنفي جاز أن يعمل عمل الفعل فيرفع فاعلا ولكنه لا يتعدى لمفعول ، فإذ كان الحال كذلك أعرب : "أحد" : فاعل لــ "منكم" ، و "حاجزين" : نعت للفاعل ، تبع الفاعل في حركة جره بحرف الجر الزائد ، فجر بالياء لأنه جمع مذكر سالم ، فهو نعت مجرور لمنعوت مجرور لفظا مرفوع حكما ، وعليه لا يلزم في هذه الحال تقدير أي محذوف .
وجاز وصف الواحد ، "أحد" ، بالجمع ، "حاجزين" ، لأنه اسم عام ، فنزل منزلة الجمع ، والله أعلم .

مستفاد من شرح الشيخ الدكتور عبد الغني عبد الجليل ، حفظه الله ، لشذور ابن هشام ، رحمه الله ، ص222 .


ومن ذلك أيضا :
قوله تعالى : (رب إني لا أملك إلا نفسي وأخي)
فمن ضمن احتمالات إعراب "أخي" :
أن يكون لفظ "أخي" قد عطف على محل إن واسمها "ياء المتكلم" ، ومحلهما الرفع ، فيكون تقدير الكلام : وأخي كذلك ، فهو من باب عطف المفرد على المفرد .
أو يكون التقدير أيضا : وأخي كذلك ، ولكن من باب عطف الجمل على الجمل فتكون جملة "أخي كذلك" ، معطوفة على جملة إن واسمها وخبرها "رب إني لا أملك إلا نفسي" ، والله أعلم .
بتصرف من شرح شذور الذهب ، ص68 .

مهاجر
21-05-2006, 04:02 AM
بسم الله

السلام عليكم

ومن ذلك :
قوله تعالى : (قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله لا يملكون مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض) .
يقول أبو حيان رحمه الله :
وزعم : من الأفعال التي تتعدى إلى اثنين إذا كانت اعتقادية ، والمفعول الأول هو الضمير المحذوف العائد على الذين ، والثاني محذوف أيضاً لدلالة المعنى ، ونابت صفته منابه ، والتقدير : الذي زعمتموهم آلهة من دونه ، وحسن حذف الثاني قيام صفته مقامه .
فالثاني "آلهة" : نكرة وصفت بالجار والمجرور : (من دون الله) ، فحسن حذفه ، كما ذكر أبو حيان رحمه الله .
وأما قوله : (وزعم : من الأفعال التي تتعدى إلى اثنين إذا كانت اعتقادية) ، فمن شواهده من كلام العرب :
زعمتني شيخا ، ولست بشيخ ******* إنما الشيخ من يدب دبيبا

أي اعتقدت أني شيخ ، فياء المتكلم : المفعول الأول ، و "شيخا" : المفعول الثاني .

يقول الشيخ محمد محيي الدين عبد الحميد رحمه الله : (وقد زعم الأزهري ، رحمه الله ، أن "زعم" لا تتعدى إلى مفعوليها بغير توسط "أن" ، كما في قول كثير عزة :
وقد زعمت أني تغيرت بعدها ******* ومن ذا الذي يا عز لا يتغير
وعنده ، أي الأزهري رحمه الله ، أن ما ورد مما يخالف ذلك ضرورة من ضرورات الشعر لا يقاس عليها ، وهو محجوج بما روينا من الشواهد ، وبأن القول بالضرورة خلاف الأصل) ، والله أعلم .
بتصرف من "منحة الجليل" ، (2/28) .

ومن ذلك قوله تعالى :
(كهيعص * ذكر رحمة ربك عبده زكريا) .
يقول القرطبي رحمه الله :
(في رفع «ذكر» ثلاثة أقوال :
قال الفراء : هو مرفوع بـ«كهيعص» ، قال الزجاج: هذا محال ، لأن «كهيعص» ليس هو مما أنبأنا الله عز وجل به عن زكريا ، وقد خبّر الله تعالى عنه وعن ما بشّر به ، وليس «كهيعص» من قصته .
وقال الأخفش : التقدير ، فيما يقص عليكم ذكر رحمة ربك .
والقول الثالث : أن المعنى هذا الذي يتلوه عليكم ذكر رحمة ربك)

أي أن "ذكر" ، مرفوع كخبر لمبتدأ محذوف ، تقديره : هذا ، فيكون المعنى : هذا ذكر رحمة ربك عبده زكريا ، كما تقدم ، والله أعلم .

وعليه يحمل قوله تعالى : (الم * تنزيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين)
فتقدير الكلام :
فيما يقص عليكم تنزيل الكتاب ، كما قدره الأخفش .
أو : هذا تنزيل الكتاب لا ريب فيه ، كما تقدم ، والله أعلم .

ومن ذلك :
قوله تعالى : (وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات) .
يقول ابن عطية رحمه الله :
(والعامل في {إذ} فعل ، تقديره : واذكر إذ) .

وعليه تخرج كثير من الآيات كـــ :
قوله تعالى : (وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم) ، فتقدير الكلام : واذكر إذ قال الله يا عيسى ....... ، والله أعلم .

مهاجر
23-05-2006, 04:08 AM
بسم الله

السلام عليكم

ومن ذلك أيضا :
قوله تعالى : (شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية اثنان) .
يقول ابن هشام رحمه الله :
فـــ "اثنان" : مرفوع :
إما على أنه خبر المبتدأ وهو "شهادة" ، وذلك على أن الأصل :
شهادة بينكم شهادة اثنين ، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه فارتفع ارتفاعه ، وإنما قدرنا هذا المضاف لأن المبتدأ لابد أن يكون :
عين الخبر : نحو "زيد أخوك" .
أو مشبها به نحو : "زيد أسد" .
والشهادة ليست نفس الاثنين ولا مشبهة بهما .

وإما على أنه فاعل بالمصدر ، وهو الشهادة ، والتقدير : ومما فرض عليكم أن يشهد بينكم اثنان . اهـــ .
شرح شذور الذهب ، ص81 .
فالمصدر يعمل عمل الفعل المضارع ، وعليه يكون قولك : شهادة اثنان ، كقولك : يشهد اثنان ، والله أعلم .

ومنه قوله تعالى : (إما يبلغن عندك الكبر أحدهما) ، في قراءة : (إما يبلغان) :
ففاعل "يبلغ" : ألف الاثنين ، وعليه يبقى الفاعل : (أحدهما) ، بلا عامل ، فيقدر له عامل ، ويكون تقدير الكلام : إن يبلغه أحدهما أو كلاهما ، فيكون الفعل والفاعل قد كررا مرتين : مرة في "يبلغان" ، ومرة في : أحدهما بتقدير العامل المحذوف ، وفائدة ذلك ، كما يقول ابن هشام رحمه الله : التوكيد ، والله أعلم .

يقول الشيخ محمد محيي الدين عبد الحميد رحمه الله :
أما أن جعل "أحدهما" بدلا ، أي من الألف في "أحدهما" ، ليس بشيء ، لأنه يضعف المعنى ، وبيان ذلك أن البدل ، كما هو معروف ، هو الذي يكون مقصودا بالحكم بلا واسطة ، فلو جعلناه بدلا ، لأفاد أن المقصود هو بلوغ أحدهما الكبر ، فيكون بدل بعض من كل لأن أحدهما بعض من كليهما ، مع أن المقصود التوكيد والتعميم ، وهذا المعنى إنما يدل عليه جعل "أحدهما" فاعلا بفعل محذوف يدل عليه الفعل المذكور .
بتصرف من منتهى الأرب بتحقيق شرح شذور الذهب ، ص82 .

ومن ذلك أيضا :
قوله تعالى : (فليدع ناديه) ، فتقدير الكلام : فليدع أهل ناديه ، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مكانه ، وسبقت الإشارة إلى ذلك مرارا ، ولا يبدو التقدير هنا ضروريا ، لأن المستمع سيفهم قطعا من جملة : (فليدع ناديه) ، أن المقصود دعوة أهله لا دعوة النادي نفسه ، فهذا أمر غير متصور ، والله أعلم .

ومن ذلك أيضا :
قوله تعالى : (ولا تمش في الأرض مرحا) .
فـــ : "مرحا" : مصدر وقد وقع حالا ، وهذا خلاف الأصل في "الحال" ، وهو كونه مشتقا ، وقد تأول النحاة الأمر على :
أنه على حذف مضاف يكون في معنى المشتق ، فيكون التقدير : ولا تمش في الأرض ذا مرح ، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه ، وهذا كقولك : طلع زيد بغتة ، أي : ذا بغتة .

أو على أن المصدر نفسه بمعنى المشتق ، فيكون تقدير الكلام : ولا تمش في الأرض مرحا ، بكسر الراء ، وهي قراءة ، ويكون تقدير ، طلع زيد بغتة ، أي : مباغتا .

أو على بقاء المصدر على أصله ، ويكون المقصود هو المبالغة ، ويكون المعنى : لا تمش في الأرض مرحا ، حتى كأنك أنت المرح نفسه ، ويكون قولك : جاء زيد ركضا ، أي جاء مسرعا كأنه هو الركض نفسه ، وقولك : محمد عدل ، أي أنه عادل لدرجة يكاد العدل يتجسد في شخصه ، ومعلوم أنه لا يخبر عن أسماء الذوات بالمصادر ، أو أسماء المعاني ، إلا على سبيل المبالغة .

بتصرف من منتهى الأرب بتحقيق شرح شذور الذهب ، ص99 .

والوجهان الأخيران لا تقدير لمحذوف فيهما ، فهما أرجح من الأول ، والثالث أرجح من الثاني للنكتة البلاغية التي تتضح من المبالغة في وصف الحال ، والله أعلم .

مهاجر
26-05-2006, 07:00 AM
بسم الله

السلام عليكم

ومنه قوله تعالى : (إنه لحق مثل ما أنكم تنطقون) .
يقول أبو حيان رحمه الله :
وقيل ، أي "مثل" : هو نعت لمصدر محذوف تقديره : إنه لحق حقاً مثل ما أنكم ، فحركته حركة إعراب .

وحاصل المسألة :
أن بعض النحاة قد أعرب "مثل" : على أنها نعت لـــ "حق" ، وأشكل على ذلك أن "حق" نكرة ، و "مثل" قد أضيفت إلى "ما" المصدرية فلزم من ذلك اكتسابها التعريف لأن المضاف إلى معرفة : معرفة ، والمعرفة لا تنعت بها النكرة ، والرد على ذلك أنها ، لم تكتسب التعريف من إضافتها لـــ "ما" ، لأنها موغلة في الإبهام ، فلم تستفد تعريفا من إضافتها ، وإنما استفادت بناءا من إضافتها لــ "ما" ، ولذا حركت بالفتح ، كعلامة بناء ، واستعملت لنعت مرفوع ، "حق" ، فتكون مبنية على الفتح في محل رفع نعت لـــ "حق" .

واكتساب البناء من الإضافة لمبني ، أمر سائغ في لغة العرب ، وعليه خرجت رواية فتح "حين" في قول النابغة :
على حين عاتبت المشيب على الصبا ******* فقلت ألما تصح والشيب وازع
فاكتسبت "حين" البناء على الفتح لأنها أضيفت إلى جملة فعلية فعلها ماض مبني على الفتح المقدر لاتصاله بتاء الفاعل .

فكأن أصحاب الرأي الذي نقله أبو حيان ، رحمه الله ، يريدون نفي اكتسابها البناء بإضافتها لمبني ، ويريدون جعل هذا الفتح فتح إعراب لا بناء ، لذا قدروا محذوفا منصوبا لينعت بــ "مثل" المفتوحة .

وبطبيعة الحال من أول "أنكم تنطقون" بمفرد ، وهو المصدر "نطقكم" ، لأن همزة إن مفتوحة ، تكون "ما" عنده زائدة ، وقد نص الخليل ، رحمه الله ، على زيادتها ، كما ذكر ذلك أبو حيان ، رحمه الله ، ويكون تقدير الكلام : إنه لحق مثل نطقكم ، والله أعلم .


ومن ذلك أيضا :
قوله تعالى : (ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم)

يقول الشيخ محمد محيي الدين عبد الحميد ، رحمه الله ، في "تنقيح الأزهرية" ، ص122 ، في معرض كلامه على أداة العطف "ثم" :
وهو للترتيب والتراخي ، نحو : جاء زيد ثم عمرو ، إذا كان مجيء عمرو بعد مجيء زيد بمهلة .
واعترض المعنى الأول بقوله تعالى : (ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم) ، إذ قال النحاة بأن : ثم تدل على أن المعطوف بها ، وهو الواقع بعدها يقع بعد المعطوف عليه ، وهو المذكور قبلها ، فاعترض عليهم ، كما تقدم ، بالآية الكريمة لأن قوله تعالى : (ثم قلنا للملائكة) ، معطوف على قوله تعالى : (ثم صورناكم) ، والظاهر أن المراد من صورناكم ، تصوير كل واحد في بطن أمه ، ولا شك أن الله تعالى قد قال للملائكة اسجدوا لآدم قبل تصوير كل واحد منا في بطن أمه بزمن طويل ، كما هو معلوم لنا من إخباره ، عز وجل ، عن بدء خلق أبينا آدم ، وأجاب الشيخ الأزهري ، رحمه الله ، عن هذا الاعتراض بأنه ليس المراد من قوله تعالى : (صورناكم) ، تصوير كل واحد منا في بطن أمه ، بل المراد تصوير أبينا آدم ، عليه الصلاة والسلام ، فيكون تقدير الكلام : ولقد خلقنا أباكم ثم صورنا أباكم ، ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم ، ............. ، ومتى كان الكلام على هذا التقدير صح قول النحاة إن "ثم" للترتيب .
بتصرف من تنقيح الأزهرية ، ص122 .

ويؤيد هذا قول الزمخشري غفر الله له :
{ وَلَقَدْ خَلَقْنَـٰكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَـٰكُمْ } يعني خلقنا أباكم آدم طيناً غير مصوّر ، ثم صورناه بعد ذلك . ألا ترى إلى قوله : { ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَـٰئِكَةِ ٱسْجُدُواْ لأَدَمَ } الآية { مّنَ ٱلسَّـٰجِدِينَ } ممن سجد لآدم .

وقول أبو حيان رحمه الله :
وقيل التقدير ولقد خلقنا أباكم ثم صوّرنا أباكم ثم قلنا فثم على هذا للترتيب الزماني .

وينقل أبو حيان ، رحمه الله ، عن أبي يعلى في المعتمد قوله بأن :
الخطاب لبني آدم إلا أنه على حذف مضاف ، فيكون التقدير ولقد خلقنا أرواحكم ثم صوّرنا أجسامكم .

ولأبي حيان ، رحمه الله ، تخريجات أخرى ، إذ يقول :
قد تكون { ثم } في { ثم قلنا } للترتيب في الإخبار لا في الزمان وهذا أسهل محمل في الآية . اهـــ
فلا يلزم منها الترتيب الزماني ، بل الترتيب الإخباري ، كأن تقول جاء محمد ثم أحمد ، وإن كان أحمد هو الآتي أولا .

ويقول أيضا :
ومنهم من جعل { ثم } للترتيب في الزمان واختلفوا في المخاطب ، فقيل المراد به آدم وهو من إطلاق الجمع على الواحد ، وقيل المراد به بنوه فعلى القول الأول يكون الخطاب في الجملتين لآدم لأنّ العرب تخاطب العظيم الواحد بخطاب الجمع . اهـــ

فيكون هذا من باب إطلاق العام وإرادة الخاص .
كقوله تعالى : (الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم) ، فالناس الأولى : عام أريد به فرد واحد من أفراده ، وهو نعيم بن مسعود ، رضي الله عنه ، أو أعرابي من خزاعة ، والناس الثانية : عام أريد به ، أيضا ، فرد واحد من أفراده ، وهو أبو سفيان ، رضي الله عنه ، فدلالته مجازية بالاتفاق ، لأنه لم يرد به ابتداء ، العموم لا من جهة المعنى المقصود أو حتى التناول اللفظي ، بدليل أن من الناس من لم يجمع للمسلمين ، من بقية أهل الأرض ، والله أعلم .


ومن ذلك أيضا :
قوله تعالى : (من عمل منكم سوءا بجهالة ثم تاب من بعده وأصلح فأنه غفور رحيم) .
فهمزة إن ، تفتح بعد فاء الجزاء ، جوازا ، فإن كسرت همزة إن : كان ما بعدها مؤولا بجملة تامة ، وعليه لا حاجة بنا إلى تقدير محذوف .

وأما إذا فتحنا همزة إن ، كما في قراءة حفص ، فإن ما بعدها يؤول بمفرد ، وعليه لابد من تقدير خبر متمم للجملة ، بجعل المفرد المؤول في محل رفع مبتدأ ، فيكون تقدير الكلام : فمغفرة الله ورحمته جزاء من عمل سوءا بجهالة ثم تاب ، فيكون "جزاء" : هو الخبر المقدر .
أو على العكس ، يؤول ما بعد "أن" في محل رفع خبر ، ويكون المقدر هو المبتدأ ، فيكون تقدير الكلام : جزاء من عمل سوءا بجهالة ثم تاب مغفرة الله ورضوانه ، ويكون : "جزاء" هو المبتدأ المقدر ، و "مغفرة الله" : الخبر المؤول ، والله أعلم .

مستفاد من شرح الشيخ الدكتور عبد الغني عبد الجليل ، حفظه الله ، لشذور ابن هشام ، رحمه الله .

مهاجر
28-05-2006, 08:02 AM
بسم الله

السلام عليكم

ومن ذلك أيضا :
قوله تعالى : (إنهم ساء ما كانوا يعملون) .

يقول الشيخ محمد محيي الدين عبد الحميد رحمه الله :
ولا تدخل هذه الحروف ، أي الحروف الناسخة ، على جملة يكون الخبر فيها طلبيا أو إنشائيا ، فأما قوله تعالى : (إنهم ساء ما كانوا يعملون) ، وقوله سبحانه : (إن الله نعما يعظكم به) ، وقول الشاعر :

إن الذين قتلتم أمس سيدهم ******* لا تحسبوا ليلهم عن ليلكم ناما

فإنها على تقدير قول محذوف يقع خبرا لـــ "إن" . اهــــ

فعلى سبيل المثال :
في البيت المذكور آنفا ، قد يبدو ، للوهلة الأولى ، أن الخبر هو جملة النهي : (لا تحسبوا ليلهم عن ليلكم ناما) ، والنهي من أقسام الطلب ، ولكن الخبر ، في حقيقة الأمر ، هو محذوف مقدر بالقول ، فيكون السياق : إن الذين قتلتم أمس سيدهم مقول فيهم : لا تحسبوا .............. ، ويكون "مقول" : خبر إن .

وهكذا في الآية الأولى ، يكون السياق : إنهم مقول فيهم : ساء ما كانوا يعملون .
وفي الآية الثانية : إن الله يعظكم بعظة مقول فيها نعما هي ، أو نحو ذلك ، والله أعلم .

ويعلق الشيخ محيي الدين ، رحمه الله ، فيقول :
وهو عندي تكلف والتزام ما لا لزوم له . اهــــــ

بتصرف من "منحة الجليل بتحقيق شرح ابن عقيل" ، (1/281 ، 282) .


ومن ذلك قوله تعالى : (فلما ذهبوا به وأجمعوا أن يجعلوه في غيابت الجب ، وأوحينا إليه لتنبئنهم بأمرهم هذا وهم لا يشعرون)
يقول أبو حيان رحمه الله :
وبين هذه الجملة ، (أي الآية السابقة) ، والجمل التي قبلها محذوف يدل عليه المعنى تقديره : فأجابهم إلى ما سألوه وأرسل معهم يوسف ، فلما ذهبوا به ............... اهــــ

أي لما جادلوا أباهم ، وقالوا : لئن أكله الذئب ونحن عصبة إنا إذا لخاسرون ، أجابهم إلى ما سألوه ……………..

ثم يواصل ، رحمه الله ، قائلا :
واختلفوا في جواب لمّا أهو مثبت ؟ أو محذوف ؟ فمن قال : مثبت ، قال : هو قولهم : قالوا يا أبانا إنا ذهبنا نستبق أي : لما كان كيت وكيت ، قالوا وهو تخريج حسن .

وقيل : هو أوحينا ، والواو زائدة ، وعلى هذا مذهب الكوفيين يزاد عندهم بعد لما ، وحتى إذا . وعلى ذلك خرجوا قوله : فلما أسلما وتله للجيين وناديناه أي : ناديناه وقوله : حتى إذا جاؤوها وفتحت أي : فتحت . اهــــ

والزيادة هنا ليست من باب الحشو الذي لا حاجة إليه ، وإنما هي من الزيادة الاصطلاحية التي تفيد التوكيد ، لأن الزيادة في المبنى : زيادة في المعنى ، أي : وأوحينا إليه في ذلك الوقت العصيب ، فأكد الأمر بزيادة الواو لأن يوسف صلى الله عليه وسلم في ذلك الوقت أشد ما يكون احتياجا للتثبيت ، والتأكيد على حسن العاقبة بعد هذا الابتلاء أمر حسن في هذا الموضع لأنه مما يثبت الجنان ويهون المصاب ، وقد جاء بمؤكد ثان ، وهو نون التوكيد الثقيلة في "لتنبئنهم" ، فأكد بمؤكدين ، والله أعلى وأعلم .


ثم يقول رحمه الله :
ومن قال : هو محذوف ، وهو الشاهد هنا ، وهو رأي البصريين ، فقدره الزمخشري : فعلوا به ما فعلوا من الأذى ، وحكى الحكاية الطويلة فيما فعلوا به ، وما حاوروه وحاورهم به .

ونص كلام الزمخشري ، رحمه الله ، في كشافه :
وجواب «لما» محذوف . ومعناه : فعلوا به ما فعلوا من الأذى .

أي لما ذهبوا به ، فعلوا به ما فعلوه من الأذى وأوحينا إليه لتنبئنهم بأمرهم هذا وهم لا يشعرون .

ويواصل ابن حيان ، رحمه الله ، فيقول :
وقدره بعضهم : فلما ذهبوا به وأجمعوا أنْ يجعلوه في غيابة الجب عظمت فتنتهم .
وقدّره بعضهم : جعلوه فيها ، وهذا أولى إذ يدل عليه قوله : وأجمعوا أن يجعلوه . اهـــ

والله أعلى وأعلم .

مهاجر
30-05-2006, 07:13 AM
بسم الله

السلام عليكم

ومن ذلك :
قوله تعالى : (لقد أخذنا ميثاق بني إسرائيل وأرسلنا إليهم رسلا كلما جاءهم رسول بما لا تهوى أنفسهم فريقا كذبوا وفريقا يقتلون)

فجواب "لما" ، محذوف ، دل عليه قوله تعالى : (فريقا كذبوا وفريقا يقتلون) ، تقديره : ناصبوه العداء ، ففريقا كذبوا وفريقا يقتلون ، على أن الرسول ليس واحدا بعينه وإنما المقصود جنس الرسل ، كما أشار إلى ذلك أبو حيان رحمه الله .

يقول الزمخشري غفر الله له :
فإن قلت : أين جواب الشرط فإن قوله : { فَرِيقاً كَذَّبُواْ وَفَرِيقاً يَقْتُلُونَ } ناب عن الجواب ، ............... ، قلت : هو محذوف يدل عليه قوله : { فَرِيقاً كَذَّبُواْ وَفَرِيقاً يَقْتُلُونَ } كأنه قيل كلما جاءهم رسول منهم ناصبوه ، وقوله : { فَرِيقاً كَذَّبُواْ } جواب مستأنف لقائل يقول : كيف فعلوا برسلهم ؟

والزمخشري ، غفر الله له ، كعادته ، إمام البلاغة وفارسها الذي لا يبارى ، فلن تعدم نفعا من لفتاته ولطائفه البلاغية ، مع الحذر من اعتزالياته التي نبه عليها غير واحد من أهل العلم ، إذ يعلل مجيء أحد الفعلين بصيغة الماضي ، وهو الفعل "كذبوا" ، ومجيء الآخر بصيغة المضارع ، وهو الفعل "يقتلون" ، بقوله :
فإن قلت : لم جيء بأحد الفعلين ماضياً وبالآخر مضارعاً ؟ قلت : جيء يقتلون على حكاية الحال الماضية استفظاعاً للقتل واستحضاراً لتلك الحال الشنيعة للتعجب منها .




ومن ذلك أيضا :
قوله تعالى : (وحسبوا ألا تكون فتنة فعموا وصموا ثم تاب الله عليهم ثم عموا وصموا كثير منهم) .
فقوله : (ثم عموا وصموا كثير) ، إما أن يخرج على :
أن "كثير" بدل من "واو الجماعة" في "عموا" .
أو على : لغة "أكلوني البراغيث" ، فتكون الواو علامة على الجمع ، و "كثير" فاعل .
أو ، وهو محل الشاهد ، على تقدير مبتدأ محذوف ، فيكون تقدير الكلام : أولئك كثير منهم .
وإلى ذلك أشار الزمخشري ، غفر الله له ، بقوله :
{ كَثِيرٌ مّنْهُمْ } بدل من الضمير : أو على قولهم : أكلوني البراغيث ، أو هو خبر مبتدأ محذوف أي أولئك كثير منهم .

ومن ذلك أيضا :
قوله تعالى : (إنا زينا السماء الدنيا بزينة الكواكب)
في قراءة من نون : زينة ، ورفع : الكواكب ، فيكون تقدير الكلام : إنا زينا السماء الدنيا بزينة هي الكواكب ، فيكون في الكلام قطع إلى الرفع ، كقولك : أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ، برفع "الرجيم" ، أي : هو الرجيم ، والله أعلم .


ويشير أبو حيان ، رحمه الله ، في "بحره المحيط" ، إلى هذا الوجه بقوله :
وقرأ زيد بن علي بتنوين زينة ، ورفع الكواكب على خبر مبتدأ ، أي هو الكواكب

وتحتمل الآية وجها آخر ، وهو حذف المضاف وإقامة المضاف إليه محله ، فيكون تقدير الكلام : بضوء الكواكب ، كما جاء عن ابن عباس رضي الله عنهما ، كما أشار إلى ذلك الزمخشري في "كشافه" ، والله أعلم .


ومنه :
قوله تعالى : (قل هل أنبئكم بشر من ذلك مثوبة عند الله من لعنه الله وغضب عليه وجعل منهم القردة والخنازير وعبد الطاغوت)

ففي قوله : (من لعنه الله) : تقدير الكلام على حذف مبتدأ "هو" ، فيكون تقدير الكلام : هو من لعنه الله .

يقول أبو حيان رحمه الله :
ومن في موضع رفع كأنه قيل : من هو؟ ، فقيل : هو من لعنه الله .
ويقول الزمخشري غفر الله له :
و { مَن لَّعَنَهُ ٱللَّهُ } في محل الرفع على قولك : هو من لعنه الله ، كقوله تعالى:
{ قُلْ أَفَأُنَبّئُكُم بِشَرّ مّن ذٰلِكُمُ ٱلنَّارُ } . اهـــــ

أي : هي النار .

والله أعلم .

مهاجر
06-06-2006, 08:35 AM
بسم الله

السلام عليكم

ومن ذلك أيضا :
قوله تعالى : (يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان) ، فتقدير الكلام : يخرج من أحدهما اللؤلؤ والمرجان ، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه ، وهو أحد تخريجات ابن هشام ، رحمه الله ، لقول الشاعر :
فقالوا : لنا ثنتان لابد منهما ******* صدور رماح أشرعت أو سلاسل
فتقدير الكلام : لنا ثنتان لابد من أحدهما .
بتصرف من مغني اللبيب ، (1/87) .

ومثله : قوله تعالى : (ومن آياته خلق السماوات والأرض وما بث فيهما من دابة وهو على جمعهم إن شاء قدير)
فتقدير الكلام : ومن آياته خلق السماوات والأرض وما بث في أحدهما ، وهي الأرض ، من دابة .
يقول الزمخشري غفر الله له :
فإن قلت : لم جاز " فيهما من دابة " والدواب في الأرض وحدها . قلت : يجوز أن ينسب الشيء إلى جميع المذكور وإن كان ملتبسا ببعضه كما يقال : بنو تميم فيهم شاعر مجيد أو شجاع بطل وإنما هو في فخذ من أفخاذهم أو فصيلة من فصائلهم وبنو فلان فعلوا كذا وإنما فعله نويس منهم . ومنه قوله تعالى : " يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان " الرحمن : 22 ، وإنما يخرج من الملح .

ولكن الزمخشري يستدرك فيقول :
فإن قلت : لم قال : " منهما " وإنما يخرجان من الملح ؟ قلت : لما التقيا وصارا كالشيء الواحد جاز أن يقال : يخرجان منهما كما يقال يخرجان من البحر ولا يخرجان من جميع البحر ولكن من بعضه . وتقول : خرجت من البلد وإنما خرجت من محلة من محاله بل من دار واحدة من دوره . وقيل : لا يخرجان إلا من ملتقى الملح والعذب . اهــــ
وعليه لا يلزم تقدير محذوف على هذا القول ، لأنه يخرج منهما ، باعتبارهما شيئا واحدا ، والله أعلم .

ومثله :
قوله تعالى : (لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم) .
فتقدير الكلام : لولا نزل هذا القرآن على رجل من إحدى القريتين عظيم .



ومنه أيضا :
قوله تعالى : (والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم) ، فتقدير الكلام : يقولون ما نعبدهم ، وإنما حسنه أن إضمار القول مستحسن عند النحاة ، وسبقت الإشارة إلى طرف من ذلك ، والله أعلم .
بتصرف من مغني اللبيب ، (1/113) .

وعليه يكون : (والذين اتخذوا) ، في موضع رفع على الابتداء ، والخبر هو القول المحذوف : (يقولون ما نعبدهم) ، كما أشار إلى ذلك الزمخشري .


ومنه قوله تعالى : (إذا وقعت الواقعة ...................... وكنتم أزواجا ثلاثة) ، فجواب الشرط محذوف لفهم المعنى ، وحسنه طول الكلام ، وتقديره : انقسمتم أقساما وكنتم أزواجا ثلاثة .
بتصرف من مغني اللبيب ، (1/115) .


ومنه أيضا :
قوله تعالى : (خافضة رافعة) ، فتقدير الكلام عند من قرأ بالرفع : هي خافضة رافعة ، كما أشار إلى ذلك الزمخشري ، ومثله قول سويد بن أبي كاهل اليشكري :
مستسر الشنء ، لو يفقدني ******* لبدا منه ذباب فنبع
يريد : هو مستسر الشنء ، أي البغض ، ومنه قوله تعالى : (إن شانئك هو الأبتر) ، أي : إن مبغضك هو المقطوع الخير ، أو المقطوع الأثر الذي لا عقب له .

يقول الشيخ محمد محيي الدين عبد الحميد رحمه الله :
فحذف الضمير ، لأنه معروف ينساق إلى الذهن ، ومثل ذلك أكثر من أن يحصى في كلام العرب .
منحة الجليل ، (1/83) .
وأما من قرأ بالنصب ، فلا محذوف مقدر عنده ، لأنها عنده حال ، فيكون تقدير الكلام :
إذا وقعت الواقعة ............... حال كونها خافضة رافعة ، والله أعلم .

ومثله :
قوله تعالى : (فآخران يقومان مقامهما من الذين استحق عليهم الأوليان) ، فتقدير الكلام : فآخران يقومان ....................... هما الأوليان .
يقول الزمخشري غفر الله له :
" الأولين " الأحقان بالشهادة لقرابتهما ومعرفتهما وارتفاعهما على : هما الأوليان كأنه قيل ومن هما ؟ فقيل : الأوليان . اهـــ ، وهذا أحد تخريجات هذه الآية ، والله أعلم .


ومنه أيضا :
قوله تعالى : (ولكن البر من آمن بالله) ، فتقدير الكلام : ولكن صاحب البر من آمن بالله ، أو : ولكن البر بر من آمن بالله .
بتصرف من مغني اللبيب ، (1/171) .

والله أعلى وأعلم

مهاجر
09-06-2006, 08:27 AM
بسم الله

السلام عليكم

ومنه قوله تعالى : (ويسئلونك ماذا ينفقون قل : العفو)
فمن قرأ برفع "العفو" ، جعله مبتدأ لخبر محذوف تقديره هو ، أي : هو العفو ، أو : المنفق العفو ، أو : المنفق هو العفو ، بفتح القاف .

ومن قرأ بالنصب ، فالتقدير عنده : قل أنفقوا العفو ، فنصبه بعامل محذوف بقرينة وروده في سؤالهم فاستغنى عن تكرار ذكره .


يقول الزمخشري غفر الله له :
و " ماذا " فيه وجهان : أن يكون ذا اسما موصولا بمعنى الذي فيكون كلمتين . وأن يكون " ذا " مركبة مع " ما " مجعولتين اسما واحدا فيكون كلمة واحدة فهو على الوجه الأول مرفوع المحل على الابتداء وخبره ذا مع صلته . وعلى الثاني منصوب المحل في حكم " ما " وحده لو قلت : ما أراد الله . والأصوب في جوابه أن يجيء على الأول مرفوعا وعلى الثاني منصوبا ليطابق الجواب السؤال . وقد جوزوا عكس ذلك تقول - في جواب من قال : ما رأيت خير أي المرئي خير . وفي جواب ما الذي رأيت . خيرا أي رأيت خيرا .
بتصرف من الكشاف .

فالزمخشري ، يوجه القراءتين ، بناء على "ماذا" :
فمن قال بأنها كلمة واحدة ، أعربها مفعولا مقدما لــــ "ينفقون" ، لذا استحسن مجيء الجواب ، أيضا ، منصوبا تبعا لنصب "ماذا" .
ومن قال بأنها "ما" الاستفهامية ، و "ذا" الموصولة ، بمعنى : ما الذي ينفقون ، أعربها خبرا ، لـــ "ما" ، والخبر مرفوع ، لذا استحسن مجيء الجواب ، أيضا ، مرفوعا ، تبعا لرفع "ذا" الموصولة .

والعفو : إما أن يطلق على الكثرة أو القلة ، فهو من المشتركات اللفظية ، التي تدل على المعنى وضده في نفس الوقت .
يقول ابن الأنباري رحمه الله : يقال عفا الشيء يعفو عفوا إذا كثر وقد عفوته أعفوه وأعفيته أعفيه إعفاء إذا كثرته وعفا القوم إذا كثروا وعفوا إذا قلوا ، (وهو من الأضداد) ، والعافي ، قال تعالى : (وليعفوا وليصفحوا) ، قال أبو عمر بن عبد البر رحمه الله : أما اللغة في اعفوا فمحتملة للشيء وضده .

ويضيف أبو حيان ، رحمه الله ، معنى ثالث وهو : الصفو ، يقال : أتاك عفواً ، أي : صفواً بلا كدر ، قال الشاعر :
خذي العفو مني تستديمي مودتي ******* ولا تنطقي في سورتي حين أغضب


فضلا عن كون من جعلها "ما" الاستفهامية و "ذا" الموصولة ، يلزمه أن يقدر عائد صلة يربط بين الصلة والاسم الموصول ، فيكون تقدير الكلام : يسألونك ما الذي ينفقونه ، كما سبق في قوله تعالى : (ذرني ومن خلقت وحيدا) ، فتقدير الكلام : ذرني ومن خلقته وحيدا , ومنه قول عروة بن حزام :
وما هو إلا أن أراها فجاءة ******* فأبهت حتى ما أكاد أجيب
وأصرف عن وجهي الذي كنت أرتئي ******* وأنسى الذي أعددت حين أجيب

فتقدير الكلام : وأصرف عن وجهي الذي كنت أرتئيه ، فالهاء المقدرة في "أرتئيه" هي عائد الصلة .
و : وأنسى الذي أعددته حين أجيب ، فالهاء في "أعددته" كالهاء في "أرتئيه" .

انظر "منحة الجليل" ، (1/142) .

ومنه قوله تعالى : (وعندهم قاصرات الطرف عين) ، وقوله تعالى : (وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ أَتْرَابٌ) :

فتقدير الكلام : وعندهم حور قاصرات الطرف عين ، فحذف المنعوت وأقام النعت محله لأن عامل المنعوت المحذوف صالح لمباشرة النعت ، فعامل الابتداء في المبتدأ المحذوف : "حور" يصلح لمباشرة النعت "قاصرات" ، الذي حل محل مبتدأه بعد حذفه ، والله أعلم .

ومنه قول سحيم الرياحي :
أنا ابن جلا وطلاع الثنايا ******* متى أضع العمامة تعرفوني
فتقدير الكلام :
أنا ابن رجل جلا الأمور ، فحذف "رجل" المنعوت ، وأقام نعته ، جملة "جلا الأمور" ، محله فجرت بإضافة "ابن" لها ، والله أعلم .
بتصرف من "النحو المنهجي ، التراكيب الوسيطة (الجزئية)" ، للدكتور محمد عبد العزيز عبد الدايم ، ص80_82 .
ويرد على ذلك قول ابن هشام ، رحمه الله ، معلقا على بيت سابق لبيت "سحيم" :
فإن قيل : فيه حذف الموصوف مع أن الصفة غير مفردة ، فهي جملة "جلا الأمور" ، وهو في مثل هذا ممتنع ، قلنا : في النثر وهذا شعر فيجوز فيه ، كقوله :
أنا ابن جلا .................
أي : أنا ابن رجل جلا الأمور .
بتصرف من مغني اللبيب ، (1/179) .

ومنه قوله تعالى : (ومن الذين هادوا يحرفون الكلم عن مواضعه) :
فتقدير الكلام ، والله أعلم بمراده : ومن الذين هادوا فريق يحرفون الكلم ، فحذف الموصوف "فريق" ، مع أن الصفة ، جملة "يحرفون الكلم" ، غير مفردة ، وربما صلح هذا كإيراد يرد على كلام ابن هشام ، رحمه الله ، المتقدم ، إذ قصر هذا الحذف على الضرورة في الشعر دون الاختيار في النثر ، وهو في هذه الآية الكريمة ، قد ورد في الاختيار ، والله أعلم .

وما سوغ هذا الحذف هو : أن المنعوت المحذوف بعض المجرور بـــ "من" ، فــ "فريق" المقدر ، جزء من "الذين هادوا" المجرور بــ "من" .

وهذا أحد تخريجات الآية عند الزمخشري في كشافه إذ يقول :
ويجوز أن يكون كلاما مبتدأ على أن " يحرفون " صفة مبتدأ محذوف تقديره : من الذين هادوا قوم يحرفون . كقوله :
وما الدهر إلا تارتان فمنهما ******* أموت وأخرى أبتغي العيش أكدح
أي فمنهما تارة أموت فيها .
فــ "تارة" المقدرة ، جزء من "هما" المتصلة بـــ "من" والمجرورة بها ، فهي إحدى التارتين ، والنعت جملة : "أموت" ، وهي ، أيضا ، غير مفردة ، ومع ذلك ساغ حذف المنعوت بها .

ويوافق أبو حيان ، رحمه الله ، فيقول :
والتقدير : من الذين هادوا قوم يحرّفون الكلم ، وهذا مذهب سيبويه ، أي حذف الموصوف ، وأبي عليّ ، أي الفارسي ، وحذف الموصوف بعد من جائز وإن كانت الصفة فعلاً كقولهم : منا ظعن ، ومنا أقام أي : منا نفر ظعن ، ومنا نفر أقام . اهـــ ، وهذا رد صريح على قول ابن هشام ، رحمه الله ، بامتناع حذف الموصوف إذا كانت الصفة جملة إلا في الضرورة الشعرية .

ومعنى الجملة الأخيرة : منا فريق ظعن ، أي ارتحل ، ومنا فريق أقام ، فحذف الموصوف "فريق" في كلا الشقين .
ومن ذلك أيضا قول العرب : ما منهما مات حتى رأيته في حال كذا وكذا
أي : ما منهما أحد مات حتى رأيته ...............



ونظيره قوله تعالى : (وما منا إلا له مقام معلوم) ، فتقدير الكلام : وما منا أحد إلا له مقام معلوم ، فـــ "أحد" ، المقدر ، جزء من "نا" المتصلة بـــ "من" والمجرورة بها .
وإلى ذلك أشار الزمخشري في "كشافه" واستشهد بالبيت الشهير :
أنا ابن جلا وطلاع الثنايا ...............
أي : أنا ابن رجل جلا الأمور ........ ، وقد تقدم ذكره .

ولكن أبو حيان ، رحمه الله ، يستدرك بقوله :
ليس هذا من حذف الموصوف وإقامة الصفة مقامه ، لأن أحداً المحذوف مبتدأ . وإلا له مقام معلوم خبره ، ولأنه لا ينعقد كلام من قوله : وما منا أحد ، فقوله : { إلا له مقام معلوم } هو محط الفائدة . اهـــ
وهو استدراك وجيه بلا شك ، ويكون مسوغ الابتداء بالنكرة المحذوفة "أحد" تقدم النفي "ما" ، فيكون تقدير الكلام : ما أحد منا إلا له مقام معلوم ، وتقدم النفي هو أحد مسوغات الابتداء بالنكرة ، كما هو معلوم ، وإليه أشار ابن مالك ، رحمه الله ، في ألفيته ، بقوله :
ولا يجوز الابتدا بالنكرة ******* ما لم تفد كـــ : عند زيد نمرة
وهل فتى فيكم ؟ فما خل لنا ******* ورجل من الكرام عندنا
والشاهد : فما خل لنا ، فتقدم النفي بـــ "ما" سوغ الابتداء بالنكرة : "خل" .
والسبب في جواز ذلك ، كما يقول الشيخ محمد محيي الدين عبد الحميد ، رحمه الله ، هو : أن تقدم حرف النفي على النكرة يجعلها عامة ، وعموم النكرة مسوغ للابتداء بها ، والله أعلم .
انظر "منحة الجليل بتحقيق شرح ابن عقيل" ، (1/178_180) .




وكذا قوله تعالى : (وأنا منا الصالحون ومنا دون ذلك) ، فتقدير الكلام : وأنا منا الصالحون ومنا فريق دون ذلك ، فـــ "فريق" ، المقدر ، جزء من "نا" المتصلة بـــ "من" والمجرورة بها ، وقد يورد على ابن هشام ، رحمه الله ، هنا أيضا ، بمجيء النعت هنا شبه جملة ، وهي الظرف "دون" ، ومع ذلك ساغ حذف المنعوت ، والله أعلم .
ويؤكد الزمخشري على ذلك بقوله :
{ مِنَّا الصالحون } منا الأبرار المتقون { وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ } ومنا قوم دون ذلك ، فحذف الموصوف .

وقوله تعالى : (ومن الذين أشركوا يود أحدهم لو يعمر ألف سنة) ، فتقدير الكلام : ومن الذين أشركوا فريق أو أناس يود أحدهم ............... ، وشرط كون المنعوت المحذوف بعض المجرور بــ "من" وهو هنا : (الذين أشركوا) ، متحقق .
يقول الزمخشري :
وقيل : " ومن الذين أشركوا " كلام مبتدأ أي ومنهم ناس " يود أحدهم " على حذف الموصوف كقوله : " وما منا إلا له مقام معلوم " الصافات : 164 .
وهنا أيضا : النعت جملة (يود أحدهم) ، ومع ذلك ساغ حذف منعوتها .
ويوافق ابن حيان ، رحمه الله ، الزمخشري إذ يقول :
إذ المعنى : ومنهم قوم يود أحدهم ، ويود أحدهم صفة لمبتدأ محذوف ، أي ومن الذين أشركوا قوم يود أحدهم ، وهذا من المواضع التي يجوز حذف الموصوف فيها ، كقوله تعالى : { وما منا إلا له مقام معلوم } { وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته } وكقول العرب : منا ظعن ومنا أقام . اهـــ ، وسبقت الإشارة إلى هذه الجملة تفصيلا .

وقوله تعالى : (وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به) ، فتقدير الكلام : وإن من أهل الكتاب أحد إلا ليؤمنن به ، وشرط كون المنعوت المحذوف بعض المجرور بــ "من" وهو هنا : (أهل الكتاب) ، متحقق .


يقول الزمخشري :
" ليؤمنن به " جملة قسمية واقعة صفة لموصوف محذوف تقديره : وإن من أهل الكتاب أحد إلا ليؤمنن به . ونحوه : " وما منا إلا له مقام معلوم " الصافات : 164 .

ويوافق أبو حيان رحمه الله ، بقوله :
{ وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته } إنْ هنا نافية ، والمخبر عنه محذوف قامت صفته مقامه ، التقدير : وما أحد من أهل الكتاب .
وفي الآية شاهد لحذف آخر ، وهو حذف فعل القسم وأداته والمقسم به ، لدلالة اللام "الموطئة" في : (ليؤمنن) ، على المحذوفات ، فتقدير الكلام : وإن من أهل الكتاب أحد إلا أقسم والله ليؤمنن به ، وسبقت الإشارة إلى طرف من ذلك ، والله أعلم .


وقوله تعالى : (وإن منكم إلا واردها) ، فتقدير الكلام : وإن منكم أحد إلا واردها ، وشرط كون المنعوت المحذوف بعض المجرور بــ "من" وهو هنا : "كم" المتصلة بــ "من" ، متحقق .

وقوله تعالى : (وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَمًا مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِكَ وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ)
فتقدير الكلام : ومنهم قوم دون ذلك .
وعن ذلك يقول الزمخشري :
{ وقطعناهم فِي الارض أُمَمًا } وفرّقناهم فيها ، فلا يكاد يخلو بلد من فرقة منهم { مّنْهُمُ الصالحون } الذين آمنوا منهم بالمدينة ، أو الذين وراء الصين { وَمِنْهُمْ دُونَ ذلك } ومنهم ناس دون ذلك الوصف منحطون عنه ، وهم الكفرة والفسقة . فإن قلت : ما محل دون ذلك؟ قلت : الرفع ، وهو صفة لموصوف محذوف ، معناه : ومنهم ناس منحطون عن الصلاح . اهــ

وهنا أيضا ، وقع شبه الجملة : (دون ذلك) ، صفة لموصوف محذوف في الاختيار .



ومنه أيضا :
قوله تعالى : (وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا)

إذ قدر الزمخشري المحذوف بقوله :
الجملة بعد «إلاّ» صفة لموصوف محذوف . والمعنى : وما أرسلنا قبلك أحداً من المرسلين إلاّ آكلين وماشين . وإنما حذف اكتفاء بالجار والمجرور . أعني من المرسلين . اهـــ

ويشكل على ذلك قول بعض النحاة بأن الجملة الواقعة بعد "إلا" تعرب حالا لا نعتا ، فلا يكون في الآية حذف ، وإنما يكون تقدير الكلام : وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا حال كونهم بشرا يأكلون الطعام ويمشون في الأسواق .

ويكون الرابط بين جملة الحال ، وصاحبها ، الضمير المتصل "هم" المتصل بـــ "إن" .
ونظيره قول كثير عزة يمدح عبد الملك بن مروان وأخاه عبد العزيز :
ما أعطياني ولا سألتهما ******* إلا وإني لحاجزي كرمي
فتقدير الكلام : ما أعطياني ولا سألتهما في حالة من الأحوال إلا هذه الحالة .
والرابط هنا "واو الحال" ، والضمير "ياء المتكلم" ، المتصل بـــ "إن" .

انظر "منحة الجليل بتحقيق شرح ابن عقيل" ، (1/287) .



مستفاد من النحو المنهجي ، التراكيب الوسيطة (الجزئية)" ، للدكتور محمد عبد العزيز عبد الدايم ، ص82_84 .

والله أعلى وأعلم .

مهاجر
12-06-2006, 09:34 AM
بسم الله

السلام عليكم

ومنه قوله تعالى : (وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ)
في قراءة من خفف "إن" ، فيكون تقدير الكلام ، كما أشار إلى ذلك ابن حيان رحمه الله :
ما من الحجارة حجر إلا يتفجر منه الأنهار ، فتكون "إن" نافية بمعنى "ما" ، و "لما" بمنزلة "إلا" ، فيكون في الكلام حصر ، ويكون مما حذف منه المبتدأ لدلالة المعنى عليه ، والله أعلم .

وما ذكره من الحصر ، بجعل "إن" نافية ، و "ما" بمعنى "إلا" ، نظيره قوله تعالى :
{ وإن كلّ لما جميع } ، فالمعنى : ما كل إلا لدينا محضرون .

والخبر جملة : (يتفجر منه الأنهار) ، ورابط جملة الخبر بالمبتدأ المحذوف : الضمير المتصل في "منه" .

وأما من قرأ بتشديد النون ، فاسمها هو ضمير الشأن المحذوف ، فتقدير الكلام : وإنه من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار .
ونظيره قول الأخطل :
إن من يدخل الكنيسة يوما ******* يلق فيها جآذرا وظباء
أي : إنه من يدخل الكنيسة يوما .......... ، والله أعلم .


ومنه قوله تعالى : (أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ) .
فتقدير الكلام : له فيها ثمرات من كل الثمرات .

وإلى ذلك أشار أبو حيان ، رحمه الله ، بقوله :
ويتخرج مذهب جمهور البصريين على حذف المبتدأ المحذوف تقديره : له فيها رزق ، أو : ثمرات من كل الثمرات . ونظيره في الحذف قول الشاعر :
كأنك من جمال بني أقيش ******* تقعقع خلف رجليه بشن

التقدير : كأنك جمل من جمال بني أقيش ، حذف : جمل ، لدلالة : من جمال ، عليه ، كما حذف ثمرات لدلالة : من كل الثمرات .


ومنه قوله تعالى : (هذا وإن للطاغين لشر مآب) :
يقول أبو حيان رحمه الله :
قال الزجاج : أي الأمر هذا ، وقال أبو علي : هذا للمؤمنين ، أي ما سبق من النعيم ، وقال أبو البقاء : مبتدأ محذوف الخبر ، أو خبر محذوف المبتدأ .

ومنه قوله تعالى : (ثم لا يموت فيها ولا يحيا) .
يقول الدكتور محمد عبد العزيز عبد الدايم :
إذا تأملنا الآية الكريمة السابقة وجدنا ما يلي :
أولا : أنه قد ورد فيها حذف النعت والمنعوت معا ، إذ التقدير النحوي ، والله تعالى أعلم بمراده : ولا يحيا حياة طيبة .
ثانيا : أنه لابد من تقدير هذا الحذف لإقامة المعنى ، إذ المعنى النحوي ، كما تقدم ، ولا يحيا حياة طيبة ، ولا يخفى أن الحياة الطيبة هي التي أريد نفيها لا مطلق الحياة ، لأنهم لا يموتون في النار ، والله أعلم .
بتصرف من "النحو المنهجي" ص87 .

مهاجر
14-06-2006, 08:46 AM
بسم الله

السلام عليكم

ومن ذلك أيضا :
قوله تعالى : (وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ)

يقول أبو حيان رحمه الله :
{ فتاب عليكم } : ظاهره أنه إخبار من الله تعالى بالتوبة عليهم ، ولا بد من تقدير محذوف عطفت عليه هذه الجملة ، أي فامتثلتم ذلك فتاب عليكم .
وأما الزمخشري ، غفر الله له ، فقد قدر المحذوف بقوله :
ففعلتم ما أمركم به موسى فتاب عليكم بارؤكم .
فهي على ذلك "فاء فصيحة" ، لأنها نابت عن ذكر ما سبق التوبة من الامتثال فأغنت عن جملة من الكلام ، ولاشك أن الإيجاز في مواطن الإيجاز ضرب من ضروب الفصاحة ، وقد سبقت الإشارة إلى هذه الفاء في موضع سابق ، في آخر سورة الملك ، والله أعلم .


ومنه قوله تعالى : (قُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا)
يقول أبو حيان رحمه الله :
{ فانفجرت } : الفاء للعطف على جملة محذوفة ، التقدير : فضرب فانفجرت ، كقوله تعالى : { أن اضرب بعصاك البحر فانفلق } أي فضرب فانفلق . ويدل على هذا المحذوف وجود الانفجار مرتباً على ضربه ......................... وقد ثبت في لسان العرب حذف المعطوف عليه ، وفيه الفاء حيث لا معطوف بالفاء موجود ، قال تعالى : { فأرسلون يوسف أيّها الصّدّيق } التقدير : فأرسلوه فقال : فحذف المعطوف عليه ، (فأرسلوه) ، والمعطوف ، (فقال) ، وإذا جاز حذفهما معاً ، فلأن يجوز حذف كل منهما وحده أولى . اهــــ
فهنا حذف المعطوف عليه فقط وهو : (فضرب) ، فجاز من باب أولى ، كما أشار إلى ذلك أبو حيان رحمه الله .


ويواصل ، رحمه الله ، فيقول :
وزعم الزمخشري أن الفاء ليست للعطف ، بل هي جواب شرط محذوف ، قال : فإن ضربت فقد انفجرت ، ........................ ، وهي على هذا فاء فصيحة لا تقع إلا في كلام بليغ .

ونص كلام الزمخشري :
{ فانفجرت } ، الفاء متعلقة بمحذوف ، أي فضرب فانفجرت . أو فإن ضربت فقد انفجرت ، كما ذكرنا في قوله : { فَتَابَ عَلَيْكُمْ } وهي على هذا فاء فصيحة لا تقع إلا في كلام بليغ . اهــــ
وسبقت الإشارة إلى الفاء الفصيحة في الآية السابقة .

ويعترض أبو حيان على الزمخشري بما ملخصه :
أن تقدير "قد" في : (فإن ضربت فقد انفجرت) ، لا يكاد يحفظ من لسان العرب ، لأنه متى اتصلت بالفاء وجب إظهارها ، فكيف يتحقق سبب وجوب ظهورها ، فهي هنا متصلة بالفاء "فقد" ، ومع ذلك تضمر ؟ .

والله أعلى وأعلم .

مهاجر
18-06-2006, 09:53 AM
بسم الله
السلام عليكم

قوله تعالى : (إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ) .
يقول أبو حيان رحمه الله :
{ وليعلم الله الذين آمنوا } هذه لام كي قبلها حرف العطف ، فتتعلق بمحذوف متأخر أي : فعلنا ذلك وهو المداولة ، أو نيل الكفار منكم . اهـــ
أي : فعلنا ذلك ليعلم الله الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء .

ويواصل ، رحمه الله ، فيقول :
أو هو معطوف على سبب محذوف هو وعامله أي : فعلنا ذلك ليكون كيت وكيت وليعلم . هكذا قدّره الزمخشري وغيره ، ولم يعين فاعل العلة المحذوفة إنما كنى عنه بكيت وكيت ، ولا يكنى عن الشيء حتى يعرف . اهـــ

فائدة :
قول أبي حيان رحمه الله :
ولا يكنى عن الشيء حتى يعرف ، مما استدل به العلماء على أن سورة المدثر ، ليست أول ما نزل من القرآن الكريم ، وإن كان حديث جابر ، رضي الله عنه ، في هذا صريحا ، إذ نص الحديث الذي أخرجه الشيخان : أن أبا سلمة بن عبد الرحمن بن عوف قال : سألت جابر بن عبد الله : أي القرآن أنزل أول ؟
فقال : (يا أيها المدثر) ، فقال : أنبئت أنه : (اقرأ باسم ربك الذي خلق) ، فقال : لا أخبرك إلا بما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (جاورت في حراء ، فلما قضيت جواري هبطت ، فاستبطنت الوادي ، فنوديت ، فنظرت أمامي وخلفي وعن يميني وعن شمالي فإذا "هو" جالس على عرش بين السماء والأرض ، فأتيت خديجة فقلت : دثروني وصبوا علي ماء باردا ..................) ، فالشاهد قوله عليه الصلاة والسلام : (فإذا هو) : فكنى عن جبريل صلى الله عليه وسلم بالضمير ، فدل ذلك على أنه قد رآه وعرفه قبل ذلك ، فانتفى أن تكون هذه المرة هي المرة الأولى التي ينزل فيها الوحي ، وعليه لا تكون سورة المدثر أول ما نزل من القرآن مطلقا ، والله أعلم .
بتصرف من "إمتاع الجنان بعلوم القرآن" ، للشيخ الدكتور عبد البديع أبو هاشم ، حفظه الله ، ص84 .


ويرجح أبو حيان ، رحمه الله ، بين الوجهين فيقول :
ففي هذا الوجه ، أي الوجه الثاني ، حذف العلة ، وحذف عاملها ، وإبهام فاعلها . فالوجه الأول أظهر إذ ليس فيه غير حذف العامل . اهـــ

وقد سبق أن الأصل عدم الحذف ، فإذا ما ثبت الحذف في كل الأوجه قدم أقلها حذفا ، والله أعلم .

ويواصل أبو حيان ، رحمه الله ، فيقول :
ويعلم هنا ظاهره التعدي إلى واحد ، فيكون كعرف . وقيل : يتعدّى إلى اثنين ، الثاني محذوف تقديره : مميزين بالإيمان من غيرهم . أي الحكمة في هذه المداولة : أنْ يصير الذين آمنوا متميزين عن من يدعي الإيمان بسبب صبرهم وثباتهم على الإسلام . اهـــ

فإذا ما كانت "يعلم" هنا بمعنى "يعرف" ، فإنها تتعدى إلى مفعول واحد ، ولا يكون في الكلام حذف ، ونظيره قوله تعالى : (والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا) ، أي : لا تعرفون شيئا .
وأما إن كانت بمعنى "علم" القلبية ، فإنها تتعدى لمفعولين ، وعليه لابد من تقدير مفعول ثان محذوف لقوله تعالى : (وليعلم الله الذين آمنوا) ، فيكون التقدير ، كما ذكر أبو حيان رحمه الله : وليعلم الله الذين آمنوا متميزين عن غيرهم ممن يدعي الإيمان ، أو : ليعلم الله الذين آمنوا صادقين في إيمانهم ........... الخ .
وعليه قول الشاعر :
علمتك الباذل المعروف فانبعثت ******* إليك بي واجفات الشوق والأمل
فعلم هنا نصبت مفعولين : كاف المخاطب المتصلة بالفعل "علمت" ، و "الباذل" .
بتصرف من شرح ابن عقيل ، رحمه الله ، (2/23 ، 40) .

فائدة : المقصود بالعلم في هذه الآية هو علم الظهور والانكشاف ، وهو العلم الذي يترتب عليه الثواب والعقاب ، لا العلم بما كان مجهولا من قبل ، فالله ، عز وجل ، يعلم كل الكائنات السابقة والحاضرة واللاحقة ، علما كاملا مطلقا لا يعتريه جهل أو غفلة أو نقص ، ولكن هذا العلم ، وهو المعروف بـــ "العلم الأول" ، لا يترتب عليه ثواب أو عقاب حتى يظهر ، فإذا ما قدر الله ، عز وجل ، على عبد من عباده طاعة أو معصية ، فإن الثواب أو العقاب لا يترتب على مجرد هذا العلم ، وإنما يثاب العبد أو يعاقب إذا ما وقعت الطاعة أو المعصية فعلا ، وعندئذ يعلم الله منه طاعته أو معصيته علم ظهور وانكشاف ، وهو المعروف بـــ "العلم الثاني" ، وهو المقصود في هذه الآية ، والله أعلم .

ونظيره قوله تعالى : (قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ)

إذ يقول أبو حيان رحمه الله :
وقيل : هو على حذف مضاف . أي : وليبتلي أولياء الله ما في صدوركم ، فأضافه إليه تعالى تفخيماً لشأنه . والواو قيل : زائدة . وقيل : للعطف على علة محذوفة ، أي : ليقضي الله أمره وليبتلي . اهـــ
وقد سبق أن قدره أبو حيان في الآية السابقة بـــ : فعلنا ذلك ليكون كذا وكذا ، أي : فعلنا ما فعلنا لنبتلي ما في صدوركم .

وكذا الحال في بقية الآية : (وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ) ، فإما أن يكون الفعل "ليمحص" معطوفا على "ليبتلي" ، فلا محذوف مقدر ، وإما أن يقدر المحذوف المقدر لـــ "ليبتلي" ، لــ "ليمحص" ، فيكون سياق الكلام : وفعلنا ذلك أيضا لنمحص ما في قلوبكم ، والله أعلم .

والله أعلى وأعلم .

مهاجر
20-06-2006, 10:22 AM
بسم الله

السلام عليكم

ومنه أيضا :
قوله تعالى : (إن نظن إلا ظنا)
فتقدير الكلام : إن نظن إلا ظنا ضعيفا .
يقول أبو حيان رحمه الله :
{ إن نظن إلا طناً } ، تقول : ضربت ضرباً ، فإن نفيت ، لم تدخل إلا ، إذ لا يفرغ بالمصدر المؤكد ، فلا تقول : ما ضربت إلا ضرباً ، ولا ما قمت إلا قياماً . فأما الآية ، فتأول على حذف وصف المصدر حتى يصير مختصاً لا مؤكداً ، وتقديره : إلا ظناً ضعيفاً ، أو على تضمين نظن معنى نعتقد ، ويكون ظناً مفعولاً به . اهـــ
فـــ "ما ضربت إلا ضربا" ، لا تفيد معنى جديد ، فالسامع لا يحتاج إلى تأكيد الفعل المذكور ، إلا إذا قيد الضرب بنوع خاص ، فيكون في الكلام زيادة فائدة تحصل للسامع بتخصيص الضرب بصفة معينة .
أو يضمن الفعل "نظن" معنى الفعل "نعتقد" ، ويكون المعنى : ما نعتقد إلا ظنا ، فيحصل المعنى دون تخصيص المصدر بصفة معينة ، لأن المعنى يكون : اعتقادنا ظن ، والظن لا يرتقي لمرتبة اليقين ، فما زال الشك فيما تقوله كائنا في أفئدتنا ، والله أعلم .



وقوله تعالى : (الزانية والزاني)
يقول أبو حيان رحمه الله :
ومذهب سيبويه أنه مبتدأ والخبر محذوف أي فيما يتلى عليكم حكم { الزانية والزاني } ، وقوله { فاجلدوا } بيان لذلك الحكم ، وذهب الفراء والمبرد والزجاج إلى أن الخبر { فاجلدوا } وجوزه الزمخشري .
وسبب الخلاف هو أنه عند سيبويه لا بد أن يكون المبتدأ الداخل الفاء في خبره موصولاً بما يقبل أداة الشرط لفظاً أو تقديراً ، واسم الفاعل واسم المفعول لا يجوز أن يدخل عليه أداة الشرط وغير سيبويه ممن ذكرنا لم يشرط ذلك . اهـــ

فالخبر ، عند الفراء والمبرد والزجاج ، "فاجلدوا" ، موصول بالفاء ، وإذ كان الأمر كذلك ، فلابد ، عند سيبويه رحمه الله ، أن يكون المبتدأ مما يقبل أداة الشرط لفظا أو تقديرا ، واسم الفاعل "الزانية" ، مما لا يصح دخول الشرط عليه لفظا أو تقديرا ، لذا قدر سيبويه ، رحمه الله ، التقدير السابق .

على أن الزمخشري ، خرج قول الفراء والمبرد بقوله :
وإنما دخلت الفاء لكون الألف واللام بمعنى الذي وتضمينه معنى الشرط ، تقديره : التي زنت ، والذي زنى فاجلدوهما ، كما تقول : من زنى فاجلدوه . اهـــ

فالاسم الموصول فيه معنى الشرط ، فقولك : من زنى جلد ، يحمل نفس الدلالة المعنوية لقولك : الذي يزني يجلد ، وإن اختلفت الألفاظ .
فيكون اعتراض سيبويه ، رحمه الله ، منتقضا ، والله أعلم .


وكذا من قرأ بنصب "الزانية" و "الزاني" ، فنصبه لهما بفعل محذوف من جنس الفعل الآتي بعدهما "فاجلدوا" ، لأنه مشتغل عنهما بمفعوله "كُلَّ وَاحِدٍ" ، فيكون تقدير الكلام : اجلدوا الزانية والزاني اجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ، وفي هذا التكرار نوع من التأكيد ، وسبقت الإشارة إلى ذلك عند الكلام على قوله تعالى : (والقمر قدرناه منازل) ، وإلى هذا الوجه أشار أبو حيان ، رحمه الله ، بقوله :
وقرأ عيسى الثقفي ويحيى بن يعمر وعمرو بن فائد وأبو جعفر وشيبة وأبو السمال ورويس { الزانية والزاني } بنصبهما على الاشتغال ، أي واجلدوا { الزانية والزاني } كقولك زيداً فاضربه . اهـــ
أي : اضرب زيدا فاضربه ، لاشتغال الفعل بعده بـــ "هاء الغائب" ، فلزم تقدير فعل من جنس فعل الضرب قبل "زيدا" المنصوب ، والله أعلم .


ومن ذلك أيضا :
قوله تعالى : {ولا تأخذكم بهما رأفة}
يقول أبو حيان رحمه الله :
وقال مجاهد والشعبي وابن زيد : في الكلام حذف تقديره { ولا تأخذكم بهما رأفة } فتعطلوا الحدود ولا تقيموها .
ومن العلماء من فسر الرأفة المنهي عنها بإقامة الحد مع تخفيف الضرب ، وهو قول قتادة وابن المسيب ، رحمهما الله ، وإلى هذه الوجه أشار الزمخشري ، غفر الله له ، بقوله :
والمعنى أن الواجب على المؤمنين أن يتصلبوا في دين الله ويستعملوا الجد والمتانة فيه ، ولا يأخذهم اللين والهوادة في استيفاء حدوده .


ومن ذلك أيضا :
قوله تعالى : { وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ}
يقول أبو حيان رحمه الله :
وثم محذوف أي بالزنا ، فالرمي هنا مقيد بـــ "الزنا" .
والله أعلى وأعلم .

مهاجر
28-06-2006, 03:53 AM
بسم الله

السلام عليكم

وقوله تعالى : (فلما نجاهم إلى البر فمنهم مقتصد) .
فتقدير الكلام : فلما نجاهم إلى البر انقسموا فمنهم مقتصد .......
لأن الفاء لا تخل في جواب "لما" ، كما ارتضى ذلك ابن هشام ، رحمه الله ، خلافا لابن مالك رحمه الله .

ومثله قوله تعالى : (ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به) .
ففي الآية ثلاثة أوجه :
الوجه الأول : أن جواب "لما" الأولى "لما" الثانية وجوابها ، وهذا ، كما يقول ابن هشام ، رحمه الله ، مردود ، لاقتران "لما" الثانية بالفاء ، وقد سبق امتناع دخولها على جواب "لما" .
والوجه الثاني : أن قوله تعالى : (كفروا به) ، جواب لهما ، لأن الثانية تكرير للأولى .
والوجه الثالث : أن جواب "لما" الأولى محذوف تقديره : أنكروه ، و (كفروا به) جواب "لما" الثانية ، والله أعلم .
بتصرف من مغني اللبيب ، (1/185 ، 186) .

وأشار أبو حيان ، رحمه الله ، إلى وجه آخر من الحذف في قوله تعالى : (فلما نجاهم إلى البر فمنهم مقتصد وَمَا يَجْحَدُ بِآَيَاتِنَا إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ) ، بقوله :
ففيها حذف مقابل ، فتقدير الكلام : فمنهم مؤمن مقتصد ومنهم جاحد دل عليه ، قوله : { وما يجحد بآياتنا } ، والله أعلم .
بتصرف من البحر المحيط .


وكذا قوله تعالى : (فلما ذهب عن إبراهيم الروع وجاءته البشرى يجادلنا)
ففي الآية عدة أوجه :
الوجه الأول : أن الفعل المضارع "يجادلنا" مؤول بالماضي "جادلنا" ، خلافا لابن عصفور ، رحمه الله ، الذي أجاز مجيء جواب "لما" فعلا مضارعا دون تأويل .
والوجه الثاني : أن الجواب : (وجاءته البشرى) ، على زيادة الواو ، فيكون تقدير الكلام : فلما ذهب عن إبراهيم الروع جاءته البشرى .
والوجه الثالث : أن الجواب محذوف ، وتقديره : فلما ذهب عن إبراهيم الروع وجاءته البشرى أقبل يجادلنا .
بتصرف من مغني اللبيب ، (1/295) .



وقوله تعالى : (يريد الله ليبين لكم)
يقول ابن هشام ، رحمه الله ، في معرض كلامه عن اللام في "ليبين" :
قيل : زائدة ، وقيل : للتعليل ، ثم اختلف هؤلاء فقيل : المفعول محذوف ، أي : يريد الله التبيين ليبين لكم ويهديكم ، أي : ليجمع لكم بين الأمرين .
وإلى هذا الوجه أشار الألوسي ، رحمه الله ، بقوله :
{ يُرِيدُ الله لِيُبَيّنَ لَكُمْ } استئناف مقرر لما سبق من الأحكام ، ومثل هذا التركيب وقع في كلام العرب قديماً وخرجه النحاة كما قال الشهاب على مذاهب فقيل : مفعول ( يريد ) محذوف أي تحليل ما أحل وتحريم ما حرم ونحوه ، واللام للتعليل أو العاقبة أي ذلك لأجل التبيين ، ونسب هذا إلى سيبويه وجمهور البصريين . اهـــ

وإليه أشار أبو حيان ، رحمه الله ، بقوله ، فيما ينقله عن ابن عطية رحمه الله :
أي : تحليل ما حلل ، وتحريم ما حرم ، وتشريع ما تقدّم ذكره . والمعنى : يريد الله تكليف ما كلف به عباده مما ذكر لأجل التبيين لهم بهدايتهم ، فمتعلق الإرادة غير التبيين وما عطف عليه ، هذا مذهب البصريين .

ومثله قوله تعالى : (وأمرنا لنسلم لرب العالمين) .
فتقدير الكلام : وأمرنا بما أمرنا به لنسلم لرب العالمين .
بتصرف من مغني اللبيب ، (1/233) .
والله أعلى وأعلم

مهاجر
30-06-2006, 08:56 AM
بسم الله
السلام عليكم

ومنه قوله تعالى : (فلما بلغ معه السعي)
يقول الزمخشري غفر الله له :
فإن قلت : { مَعَهُ } بم يتعلق؟ قلت : لا يخلو إما أن يتعلق ببلغ ، أو بالسعي ، أو بمحذوف ، فلا يصح تعلقه ببلغ لاقتضائه بلوغهما معاً حدّ السعي ، (أي بلغ إبراهيم وإسماعيل عليهما الصلاة والسلام حد السعي ، وهذا أمر غير متصور لأن الثاني ابن الأول وليس قرينا له ، ليقال بأنهما بلغا في زمن متقارب حد السعي) ، ولا بالسعي لأنّ صلة المصدر لا تتقدم عليه ، فبقي أن يكون بياناً ، كأنه لما قال : فلما بلغ السعي أي الحدّ الذي يقدر فيه على السعي قيل : مع من؟ فقال مع أبيه . والمعنى في اختصاص الأب أنه أرفق الناس به ، وأعطفهم عليه ، وغيره ربما عنف به في الاستسعاء فلا يحتمله ، لأنه لم تستحكم قوته ولم يصلب عوده ، وكان إذ ذاك ابن ثلاث عشرة سنة .
بتصرف من "الكشاف" ، و "مغني اللبيب" ، (2/188 ، 189) .

وقوله تعالى : (فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق) ، فمن العلماء من قال بأن اليد إذا أطلقت في القرآن فالمراد بها "الكف" ، كما في آية حد السرقة ، التي بينتها السنة ، إذ قطع النبي صلى الله عليه وسلم يد السارق اليمنى من مفصل الكف ، وكذا آية التيمم ، التي بينها النبي صلى الله عليه وسلم بضرب الكفين ، وعليه يكون تقدير الآية السابقة : فاغسلوا وجوهكم وأيديكم ، أي أكفكم ، ثم مدوا الغسل إلى المرافق .
بتصرف من مغني اللبيب ، (2/190 ، 191) .
ومن قال بأن اليد في آية الوضوء هي الكف والساعد بأكمله حتى المرفق ، فلا حاجة له إلى تقدير محذوف ، و "إلى" عند الفريقين : لبيان الغاية ، أي غاية الغسل ، ومن العلماء من استدل بهذه الآية على عدم وجوب غسل المرافق مع الأيدي ، لأنها غاية ، والغاية لا تدخل في المغيى ، وهذا قول الظاهرية ، رحمهم الله ، وقد رد الجمهور بأن هذه القاعدة غير مسلم بها هنا ، لأن الغاية لا تدخل في المغيى إذا كان جنسهما مختلف ، وأما مع اتحاد الجنس ، كما هو الحال في اليد والمرفق ، فكلاهما عظم مكسو باللحم والجلد ، فإن الغاية تدخل في المغيى ، فيشمل الغسل اليد والمرفق ، فضلا عن السنة الفعلية التي بينت وجوب غسل المرافق مع الأيدي ، كما في حديث جابر ، رضي الله عنه ، أنه صلى الله عليه وسلم كان يدير الماء على مرفقيه ، والله أعلم .

وقوله تعالى : (ولكن لا تواعدوهن سرا) ، إذ تقدير الكلام : ولكن لا تواعدوهن على سر ، فأسقط الجار توسعا ، كما أشار إلى ذلك ابن هشام رحمه الله .
ومثله قوله تعالى : (أعجلتم أمر ربكم) ، فتقدير الكلام : أعجلتم عن أمر ربكم .
وقوله تعالى : (واقعدوا لهم كل مرصد) ، أي : اقعدوا لهم على كل مرصد .
ونزع الخافض من المواضع التي عدها ابن هشام ، رحمه الله ، سببا لتعدي الفعل اللازم أو القاصر ، إذ الأفعال : "واعد" ، "عجل" و "قعد" أفعال لازمة لا تتعدى بنفسها ، وإنما تتعدى بحرف الجر ، فلما نزع الخافض تعدت إلى المفعول بنفسها ، والله أعلم .
بتصرف من مغني اللبيب ، (2/182) .
وقد سبقت الإشارة إلى طرف من ذلك عند الكلام على قوله تعالى : (واختار موسى قومه سبعين رجلا) ، أي : من قومه سبعين رجلا ، فلما نزع الخافض تعدى الفعل "اختار" إلى مفعولين "قومه" و "سبعين" ، بعد أن كان متعديا لمفعول واحد ، فنزع الخافض يرفع الفعل درجة فإن كان لازما عداه لمفعول واحد ، وإن كان متعديا لمفعول واحد عداه لمفعولين ، والله أعلم .

مهاجر
04-07-2006, 10:27 AM
بسم الله

السلام عليكم

ومنه قوله تعالى : (والذين كفروا فتعسا لهم) ، فخبر المبتدأ "الذين" ، فعل محذوف دل عليه المصدر المذكور "تعسا" ، وقد قدره الزمخشري ، غفر الله له ، بـــ "قال" فيكون سياق الكلام : والذين كفروا قال الله عز وجل في حقهم : تعسا لهم ، أو مقول فيهم : تعسا لهم .
أو "قضى" ، فيكون سياق الكلام : والذين كفروا فقضى الله عز وجل تعسا لهم ، أي قدر عليهم التعاسة .
بتصرف من "مغني اللبيب" ، (2/164) ، و "الكشاف"

والخلاف في هذه المسألة مشهور ، إذ من النحاة من يجوز وقوع الخبر جملة إنشائية دون الحاجة إلى تقدير محذوف ، وعليه تكون جملة "فتعسا لهم" هي الخبر دون الحاجة إلى تقدير ما يدل على الخبرية ، ومنهم من يمنع ذلك ويوجب تقدير محذوف يستقيم معه سياق الكلام .
ففي قولك : زيد رحمه الله ، على سبيل المثال :
يجوز الفريق الأول ، رفع "زيد" على الابتداء ، دون إشكال ، فتكون جملة "رحمه الله" ، الخبرية لفظا الدعائية معنى ، هي الخبر دون تقدير قول محذوف .
وأما الفريق الآخر ، فإنه يرجح النصب على الرفع ، فيكون تقدير الكلام عنده : زيدا رحمه الله ، وتكون المسألة عندهم من باب الاشتغال ، إذ شغل الفعل "رحم" ، بالضمير ، هاء الغائب ، عن "زيد" فانتصب "زيد" بفعل مقدر من جنس الفعل المشتغل عنه ، فيكون تقدير الكلام : رحم الله زيدا رحمه الله .
وإما أن يكون خبرا ، في وجه الرفع ، ولكن مع تقدير قول محذوف ، فيكون السياق : زيد المقول في حقه : رحمه الله ، والله أعلم .

ومن الشواهد التي اختلف في تخريجها تبعا للاختلاف في مسألة وقوع الخبر أو الصفة جملة إنشائية :
قول العذري يهجو الفرزدق :
وجد الفرزدق أتعس به ******* ودق خياشيمه الجندل
فإما أن يقال بأن جملة "أتعس به" الطلبية في محل رفع خبر المبتدأ "جد الفرزدق" .
وإما أن يقدر للمبتدأ خبر فيه دلالة القول ، فيكون تقدير الكلام : وجد الفرزدق مقول فيه : أتعس به .
ومثله قول الشاعر :
إن الذين قتلتم أمس سيدهم ******* لا تحسبوا ليلهم عن ليلكم ناما
وسبقت الإشارة إليه عند الكلام على قوله تعالى : (إنهم ساء ما كانوا يعملون) ، فالخبر في البيت على قول من منع وقوع الجملة الإنشائية خبرا ، مقدر بـــ : مقول فيهم لا تحسبوا ليلهم ......... ، وكذا في الآية الكريمة ، فتقديره : إنهم مقول فيهم ساء ما كانوا يعملون .

والمانعون من ذلك ، استثنوا خبر "أن" المخففة ، فيجوز عندهم ، وعند من قال بالجواز مطلقا في المسألة السابقة من باب أولى ، يجوز عندهم وقوع خبر "أن" المخففة جملة إنشائية ، وقد جاء التنزيل بذلك في :
قوله تعالى : (وأن عسى أن يكون قد اقترب أجلهم) ، فاسم "أن" : ضمير الشأن المحذوف ، وجملة : (عسى أن يكون قد اقترب أجلهم) ، جملة إنشائية وقعت في محل رفع خبر "أن" ، دون الحاجة إلى تقدير محذوف .
وقوله تعالى : (والخامسة أن غضب الله عليها) ، في قراءة من خفف "أن" ، وجعل "غضب" فعلا ماضيا بكسر ضاده ، فالاسم ، أيضا ، ضمير الشأن المحذوف ، والخبر : جملة "غضب الله عليها" الدعائية الإنشائية ، والله أعلم .
بتصرف من "منحة الجليل" ، (1/281 ، 282) .

ومثله في باب النعت قول الراجز :
حتى إذا جن الظلام واختلط ******* جاءوا بمذق هل رأيت الذئب قط ؟
فجملة "هل رأيت الذئب قط ؟" ، جملة استفهامية إنشائية ، وقعت بعد نكرة ، فإما أن تعرب مباشرة في محل جر نعت للمنعوت المجرور "بمذق" ، لأن الجمل بعد النكرات صفات ، أو يقال بأن النعت محذوف وتقديره : مقول فيه : هل رأيت الذئب قط ؟ ، أي أنه في غبرته وكدرته يشبه لون الذئب ، يريد أن الماء الذي خلط به كثير ، والله أعلم .
بتصرف من "منحة الجليل" ، (3/155) .


وقوله تعالى : (فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ)
وسبق أن الزمخشري ، غفر الله له ، عد الفاء في "فتاب عليكم" ، فاء فصيحة ، فيكون تقدير الكلام : ففعلتم ما أمركم الله به من قتل أنفسكم فتاب عليكم .
وله توجيه آخر وهو ما أشار إليه بقوله :
كأنه قال : فإن فعلتم فقد تاب عليكم . اهـــ
فقدر شرطا محذوفا ، والوجه الأول أولى ، والله أعلم .

وقوله تعالى : (لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آَيَاتِ اللَّهِ آَنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ)
وعنه يقول الفراء رحمه الله : أمة مرتفعة بسواء ، أي ليس أهل الكتاب مستوياً من أهل الكتاب أمة قائمة موصوفة بما ذكر وأمة كافرة ، فحذفت هذه الجملة المعادلة ، ودل عليها القسم الأول كقوله :
عصيت إليها القلب إني لأمره ******* سميع فما أدري أرشد طلابها
التقدير : أم غي فحذف لدلالة أرشد .
ورواية ابن هشام ، رحمه الله ، لهذا البيت في "المغني" :
دعاني إليها القلب إني لأمره ******* سميع فما أدري أرشد طلابها
وسبقت الإشارة إليها .
ويواصل ، الفراء ، رحمه الله ، فيقول : لأن المساواة تقتضي شيئين : سواء العاكف فيه والبادِ ، سواء محياهم ومماتهم .
بتصرف من "البحر المحيط" ، لأبي حيان رحمه الله .


ونظيره قوله تعالى : (هَا أَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ)
يقول أبو حيان رحمه الله :
وثم جملة محذوفة تقديرها : ولا يؤمنون به كله بل يقولون : نؤمن ببعض ونكفر ببعض ، يدلُّ عليها إثبات المقابل في تحبونهم ولا يحبونكم . اهــ
البحر المحيط .
فحذف هنا أيضا الجملة المعادلة لدلالة الأولى عليها .

والله أعلى وأعلم

مهاجر
09-07-2006, 09:50 AM
بسم الله

السلام عليكم
ومن ذلك أيضا :

قوله تعالى : (إن الله عليم بذات الصدور)
يقول أبو حيان رحمه الله :
والذات لفظ مشترك ومعناه هنا أنه تأنيث ذي بمعنى صاحب . فأصله هنا عليم بالمضمرات ذوات الصدور ، ثم حذف الموصوف ، وغلبت إقامة الصفة مقامه . اهـــ
وسبقت الإشارة إلى هذا النوع من الحذف مرارا ، والله أعلم .

وقوله تعالى : (مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ)
ويجوز أن يكون على حذف مضاف من الأول تقديره : مثل مهلك ما ينفقون . أو من الثاني تقديره : كمثل مهلك ريح . اهـــ
البحر المحيط
وأسلوب حذف المضاف وإقامة المضاف إليه ، مما سبقت الإشارة إليه ، أيضا ، في عدة مواضع سابقة .


وقوله تعالى : (وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ) .

إذ قدر البعض السياق : وجد أمة من الناس يسقون إبلهم ووجد من دونهم امرأتين تذودان غنمهما ................ قالتا لا نسقي غنمنا ، فحذف المفعولات : (إبلهم ، غنمهما ، غنمنا)
وقد اعترض ابن هشام ، رحمه الله ، في "المغني" ، على هذا التقدير ، إذ المقصود هنا أصالة الإعلام بمجرد إيقاع الفاعل للفعل ، فاقتصر عليهما دون الإشارة إلى المفعول ، ألا ترى أنه عليه الصلاة والسلام إنما رحمهما إذ كانتا على صفة الذياد وقومهما على السقي ، لا لكون مذودهما غنما ومسقيهم إبلا ، وكذلك المقصود من قولهما (لا نسقي) ، السقي ، لا المسقي ، فلا يتصور أنه لو كان مذودهما أبقارا ، على سبيل المثال ، لامتنع موسى ، عليه الصلاة والسلام ، من السقي لهما ، لأن لازم هذا أنه إنما أشفق على الغنم لضعفها لا عليهما ، وهذا خلاف الواقع ، ولا يتصور أن الذي حمله على ذلك أن مسقي القوم إبل ، ولو كان أغناما كمذودهما ، لما أقدم على ما أقدم عليه ، فالمفعول هنا ، غير مقصود أصالة ، وتقديره لا يفيد معنى جديدا ، والله أعلم .
بتصرف من "مغني اللبيب" ، (2/267) .

وإلى نفس المعنى أشار الزمخشري بقوله :
فإن قلت : لم ترك المفعول غير مذكور في قوله : { يَسْقُوْنَ } و { تَذُودَانِ } و { نَسْقِى } ؟ قلت : لأن الغرض هو الفعل لا المفعول . ألا ترى أنه إنما رحمهما لأنهما كانتا على الذياد وهم على السقي . ولم يرحمها لأن مذودهما غنم ومسقيهم إبل مثلاً ، وكذلك قولهما { لاَ نَسْقِى حتى يُصْدِرَ الرعاء } المقصود فيه السقي لا المسقي .


وقوله تعالى : { فجاءته إحداهما تمشي على استحياء }
يقول أبو حيان رحمه الله :
وفي الكلام حذف ، والتقدير : فذهبتا إلى أبيهما من غير إبطاء في السقي ، وقصتا عليه أمر الذي سقى لهما ، فأمر إحداهما أن تدعوه له . اهـــ
بتصرف يسير من "البحر المحيط"
فتكون الفاء هنا ، أيضا ، فاء فصيحة ، أغنت عن ذكر جمل كثيرة ، كما سبقت الإشارة إلى ذلك ، في أكثر من موضع ، والله أعلى وأعلم .

مهاجر
11-07-2006, 11:22 AM
بسم الله

السلام عليكم

ومن ذلك أيضا :

قوله تعالى : (ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب)
وفيها وجهان يقدر فيهما محذوف :
أحدهما : ما بوب به ابن هشام ، رحمه الله ، في "المغني" : "حذف المبدل منه" : إذ قدر أن "الكذب" بدل من الضمير المحذوف في "تصف" ، فيكون تقدير الكلام : ولا تقولوا لما تصفه ألسنتكم الكذب ، فيكون الكذب : بدل منصوب من هاء الغائب ، لأن البدل يتبع المبدل منه رفعا ونصبا وجرا .

والوجه الثاني : أن يكون "الكذب" : مفعولا لفعل محذوف تقديره : "فتقولون" .

وأما بقية الأوجه فلا تقدير لمحذوف فيها :
فإما أن تكون "الكذب" مفعولا لـــ "تقولوا" .
وإما أن يكون "الكذب" بدلا لـــ "ما" الموصولة ، في "لما" ، في قراءة من جر "الكذب" .
وإما أن يكون "الكذب" ، جمع "كذوب" ، فيكون صفة للفاعل "ألسنتكم" ، في قراءة من ضم الكاف والذال .
بتصرف من "مغني اللبيب عن كتب الأعاريب" ، (2/285) .

قوله تعالى : (أم حسبتم أن تدخلوا الجنة)
إذ قيل أن "أم" في الآية متصلة ، ومن شروطها أن تكون مسبوقة بهمزة استفهام ، فيكون التقدير : أعلمتم أن الجنة حفت بالمكاره أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ؟ وتكون همزة "أعلمتم" هي همزة الاستفهام المقدمة ، كما في :
قوله تعالى : (وإن أدري أقريب أم بعيد ما توعدون)
وقوله تعالى : (أأنتم أشد خلقا أم السماء)
وقوله تعالى : (أأنتم تخلقونه أم نحن الخالقون)
وقول زهير بن أبي سلمى :
وما أدري وسوف إخال أدري ******* أقوم آل حصن أم نساء

بتصرف من "مغني اللبيب" ، (2/284) ، و "النحو المنهجي ، القسم الثالث ، التراكيب الوسيطة (الجزئية)" ، للدكتور محمد عبد العزيز عبد الدايم ، ص199 ، 200 .


قوله تعالى : (والذين آمنوا بالله ورسله ولم يفرقوا بين أحد منهم)
ففي الحذف وجهان :
أولا أن يكون المحذوف معطوف ، فيكون تقدير الكلام : والذين آمنوا بالله ورسله ولم يفرقوا بين أحد وأحد منهم .
والثاني : وهو الذي رجحه ابن هشام ، رحمه الله ، وهو : ولم يفرقوا بين أحد وبين الله ، بدليل قوله تعالى : (ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله) ، فيكون المحذوف معطوفا أيضا .
مغني اللبيب ، (2/283) .

وقوله تعالى : (قل يا أهل الكتاب لستم على شيء)
فتقدير الكلام : لستم على شيء نافع ، فحذف الصفة لدلالة السياق عليها ، فالنكرة هنا للتقليل كقول علماء والجرح والتعديل عن راو ما : ليس بشيء ، أي : ضعيف .
وكذا قوله تعالى : (وما نريهم من آية إلا هي أكبر من أختها)
فتقدير الكلام : إلا هي أكبر من أختها السابقة ، فحذف الصفة "السابقة" لدلالة السياق عليها .
وكذا قوله تعالى : (تدمر كل شيء) ، أي : سلطت عليه ، أو : تدمر كل شيء أتت عليه مما هو قابل للتدمير ، بدلالة : (ما تذر من شيء أتت عليه) .
بتصرف من "مغني اللبيب" ، (2/282 ، 283) .

وكذا دلالة أنها لم تدمر السماء والأرض ، مع أن سياق الآية عام ، فــ "شيء" مطلقة عن أي قيد ، ومع ذلك قيدت أو ، خصصت بمعنى أصح ، بمقيد أو مخصص منفصل وهو "الحس" ، إذ دل الحس على أنها لم تدمر السماوات والأرض بدليل بقائهما إلى الآن ، وهذه الآية مما رد به الإمام ، أحمد ، رحمه الله ، على المعتزلة لما استدلوا بقوله تعالى : (اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ) ، على خلق القرآن ، لأن القرآن شيء ، فإذا كان الأمر كذلك وكانت "شيء" مطلقة لا قيد لها في "تدمر كل شيء" ، فلم بقيت السماوات والأرض إلى يومنا هذا ؟ ، إلا أن يقال بأن الآية مقيدة أو مخصصة بمقيد أو مخصص منفصل ، كما تقدم ، فكذا استدلالهم بآية "الله خالق كل شيء" ، فالمقصود بالشيئية هنا إثبات الوجود ، وإثبات الوجود لا يعني خلقه فليس كل ما يوصف بالوجود يصح أن يوصف بأنه مخلوق ، فذات الله ، عز وجل ، وأسماؤه وصفاته ، ومنها الكلام ، توصف بالوجود ، ولا يقول عاقل ، فضلا عن مسلم صحيح الاعتقاد ، أنها مخلوقة ، فضلا عن تقييد "شيء" في الآية بـــ "مما يصح وصفه بالخلق" ، فيكون تقدير الآية : الله خالق كل شيء يصح أن يوصف بالخلق ، فحذفت الصفة لدلالة العقل عليها ، فالعقل ، كما سبق ، لا يجوز خلق ذات الله ، عز وجل ، وأسمائه الحسنى وصفاته العلى بما فيها كلامه الذي يقرأه القارئ ، فـــ :
الصوت والألحان صوت القاري ******* لكنما المتلو قول الباري
كما يقول الشيخ حافظ بن أحمد الحكمي ، رحمه الله ، في "سلم الوصول" ، فلك أن تصف صوت القارئ وحركة لسانه بأنهما مخلوقان ، لا ما يقرؤه ، ولك أن تصف الورق والمداد الذي تكتب به آيات القرآن بأنهما مخلوقان ، لا ذات الآيات .

وهذان المثالان من أشهر الأمثلة التي يستدل بها الأصوليون على مسألتي : التخصيص بالحس والتخصيص بالعقل ، والله أعلم .
وأما الزمخشري ، غفر الله له ، فقد قال بأن "كل" في الآية ، لا تدل على الكلية المتبادرة إلى الذهن وإنما هي كناية عن كثرة من هلك منهم ، ونص كلامه :
تهلك من نفوس عاد وأموالهم الجم الكثير ، فعبر عن الكثرة بالكلية . اهـــ
وقد سبقت الإشارة إلى هذا النوع وهو حذف الصفة عند الكلام على قوله تعالى : (يأخذ كل سفينة غصبا) ، أي : سفينة صالحة ، وقوله تعالى : (إن نظن إلا ظنا) : أي ظنا ضعيفا ، وقوله تعالى : (الآن جئت بالحق) ، أي : بالحق البين ، والله أعلم .

قوله تعالى : (وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ مَغْرَمًا وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوَائِرَ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ)
يقول أبو حيان رحمه الله :
وقال الكرماني : عليهم تدور المصائب والحروب التي يتوقعونها على المسلمين ، وهنا وعد للمسلمين وإخبار . وقيل : دعاء أي : قولوا عليهم دائرة السوء . اهـــ
فإن قدرت الكلام دعاء ، فلا بد من تقدير فعل دعاء أو قول ، وأما إذا كان الداعي هو الله ، عز وجل ، فالدعاء هنا واقع لا محالة ، وإلى ذلك أشار أبو حيان ، رحمه الله ، بقوله :
والدعاء من الله هو بمعنى إنجاز الشيء ، لأنه تعالى لا يدعو على مخلوقاته وهي في قبضته . اهـــ ، بتصرف يسير .

والله أعلى وأعلم

مهاجر
13-07-2006, 10:49 AM
بسم الله

السلام عليكم

ومن ذلك أيضا :
قوله تعالى : (قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ)
فتقدير الكلام : هو فاطر السماوات والأرض ، في قراءة من رفع "فاطر" ، على أنه خبر لمبتدأ محذوف ، كما أشار إلى ذلك أبو حيان ، رحمه الله ، وأما من جرها ، فتوجيه القراءة عنده :
إما على النعت ، للاسم الكريم "الله" ، فــ "فاطر السماوات" ، معرفة ، تصلح لنعت الاسم الكريم ، أعرف المعارف ، اسم الله ، عز وجل ، العلم ، "الله" ، وهذا توجيه ابن عطية والزمخشري .
وإما على البدل من الاسم الكريم ، "الله" ، وهو أشهر توجيه لهذه الآية ، وهو اختيار أبي البقاء ، وكأنه كما قال أبو حيان رحمه الله ، رأى أن الفصل بين المبدل منه والبدل أسهل من الفصل بين المنعوت والنعت ، إذ البدل على المشهور هو على تكرار العامل .


قوله تعالى : (يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا)
في قراءة من ضم الياء وسكن الطاء وكسر الميم في : "فيطمع" ، فيكون تقدير الكلام : فيطمع نفسه الذي في قلبه مرض ، ويكون المفعول : نفسه ، محذوفا ، كما أشار إلى ذلك أبو حيان ، رحمه الله ، في أحد تخريجاته لهذه القراءة ، والله أعلم .



وقوله تعالى : (وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ)
يقول أبو حيان رحمه الله :
ويجوز أن يكون من عطف الجمل ، ويقدر موصوف محذوف هو المبتدأ أي : ومن أهل المدينة قوم مردوا ، أو منافقون مردوا . قال الزمخشري : كقوله : أنا ابن جلا . انتهى

ونص كلام الزمخشري غفر الله له :
{ وَمِمَّنْ حَوْلَكُم } يعني حول بلدتكم وهي المدينة { منافقون } وهم جهينة وأسلم وأشجع وغفار ، كانوا نازلين حولها { وَمِنْ أَهْلِ المدينة } عطف على خبر المبتدإ الذي هو ممن حولكم ويجوز أن يكون جملة معطوفة على المبتدأ والخبر إذا قدّرت : ومن أهل المدينة قوم مردوا على النفاق ، على أنّ { مَرَدُواْ } صفة موصوف محذوف كقوله :
أَنَا ابْنُ جَلاَ . . . . . . . . . . . . ، اهـــ
أي أنا ابن رجل جلا الأمور ......................

وقوله تعالى : (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ)
يقول أبو حيان رحمه الله :
ويصح على تقدير مبتدأ محذوف ، والواو للحال أي : وأنت تزكيهم ، لكن هذا التخريج ضعيف لقلة نظيره في كلام العرب . اهـــ
فائدة :
قال بعض النحاة أن "من أموالهم" ، حال من "صدقة" ، لأنها لو تأخرت لأعربت صفة للنكرة "صدقة" ، فلما قدمت الصفة على الموصوف النكرة أعربت حالا منه ، فأصل الكلام : خذ صدقة من أموالهم ، كما في البيت الشهير :
لمية موحشا طلل ******* يلوح كأنه خلل
فأصل الكلام : لمية طلل موحش ، فلما تقدمت الصفة "موحش" ، على النكرة "طلل" انتصبت على الحالية .
ونظير قولهم في الآية تماما بتمام ، قول أبي الطيب :
ولم أر في عيوب الناس شيئا ******* كنقص القادرين على التمام
فالجار والمجرور "في عيوب الناس" في محل نصب على الحالية من "شيئا" ، فأصل الكلام : ولم أر شيئا في عيوب الناس .
والإعراب المعتمد ، كما رجح أبو حيان ، رحمه الله ، هو :
أن يكون الجار والمجرور "من أموالهم" ، متعلقا بـــ "تطهرهم " ، وتطهرهم ، وتزكيهم حال من ضمير خذ ، فالفاعل ضمير خذ ، وهو الضمير المستكن المقدر بــ "أنت" .

وقد يبدو للناظر ، أن "تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ" ، متعلقتان بـــ "صدقة" ، فتكون الأولى بالضمير المستكن فيها ، وتقديره في هذه الحالة : "هي" ، في محل نصب صفة لـــ "صدقة" ، و "تزكيهم" معطوف عليها ، والله أعلم .


وقوله تعالى : (وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُون * لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًاَ)
يقول أبو حيان رحمه الله :
قرأ أهل المدينة : نافع ، وأبو جعفر ، وشيبة ، وغيرهم ، وابن عامر : الذين بغير واو ، كذا هي في مصاحف المدينة والشام ، فاحتمل أن يكون بدلاً من قوله : وآخرون مرجون ، وأن يكون خبر ابتداء تقديره : هم الذين ، وأن يكون مبتدأ . وقال الكسائي : الخبر لا تقم فيه أبداً . اهـــ
فإما أن تكون "الذين" في قراءة من لم يثبت الواو ، خبرا لمبتدأ محذوف تقديره : "هو" ، وإما أن تكون جملة "لا تقم فيه أبدا" ، على مذهب من جوز وقوع الجملة الإنشائية خبرا ، كقولك : زيد لا تضربه ، فــ "لا تضربه" ، على مذهبهم ، خبر للمبتدأ "زيد" ، وقد تخرج هذه القراءة على تقدير قول محذوف ، فيكون السياق : والذين اتخذوا مسجدا ضرارا .............. مقول فيه : (لا تقم فيه أبدا) ، ومن ثم يقدر الخبر كــ "معذبون" أو نحوه ، كما قدره المهدوي .

أو يكون تقدير هذا الخبر ، قبل جملة : (لا تقم فيه أبدا) ، فيكون السياق : والذين اتخذوا مسجدا ضرار ............... معذبون ، ومن ثم استأنف الكلام بالنهي عن القيام فيه ، وهذا التقدير أولى من سابقه الذي أدخل جملة النهي "لا تقم ......." في حيز المبتدأ ، ثم أخبر عن الجميع بالخبر المحذوف ، والله أعلم .

وأما القراءة التي أثبتت الواو فعنها يقول أبو حيان رحمه الله :
وقرأ جمهور القراء : والذين بالواو وعطفاً على وآخرون أي : ومنهم الذين اتخذوا ، ويجوز أن يكون مبتدأ خبره كخبره بغير الواو إذا أعرب مبتدأ . وقال الزمخشري : ( فإن قلت ) : والذين اتخذوا ما محله من الإعراب ؟ ( قلت ) : محله النصب على الاختصاص كقوله تعالى : { والمقيمين الصلاة } وقيل : هو مبتدأ وخبره محذوف ، معناه فيمن وصفنا الذين اتخذوا كقوله تعالى : { والسارق والسارقة } . اهــ
فأجراه الزمخشري على تقدير محذوف يدل على الاختصاص ، فيكون السياق :
و أخص بالذم الذين اتخذوا مسجدا ............. ، تنويها بعظم جرمهم فاستحقوا الاختصاص بالذم في هذا الموضع ، أو يقدر للاسم الموصول "الذين" ، جار ومجرور : "فيمن وصفنا" ، في محل رفع خبر مقدم ، كما في قوله تعالى : (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا) ، أي : "وفيما فرض عليكم السارق والسارقة حكمهما كذا" .

فائدة :
في هذه الآية شاهد للخلاف السابق في مسألة دخول الفاء على خبر المعرف بــ "أل" الموصولة ، والذي سبقت الإشارة إليه عند الكلام على قوله تعالى : (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ) ، إذ قدر سيبويه ، رحمه الله ، كما تقدم ، الخبر : "وفيما فرض عليكم" ، وامتنع عن جعل جملة "فاجلدوا" خبرا لـــ "الزانية" ، لأن الخبر المقرون بالفاء عنده لا بد أن يكون مخبرا عما يقبل أداة الشرط لفظاً أو تقديراً ، واسم الفاعل ، كــ "الزانية" ، واسم المفعول لا يجوز أن تدخل عليه أداة الشرط ، وكذا الحال في "والسارق والسارقة" ، إلا أن الزمخشري أشار إلى وجه يصلح معه تخريج إعراب جملة "فاقطعوا أيديهما" ، خبرا لــ "السارق" دون العدول عن رأي سيبويه ، رحمه الله ، إذ يمكن القول بأن "أل" في "الزانية" ، و"السارق" ، "أل الموصولة" التي تتضمن معنى الشرطية ، فيكون تقدير السياق : والتي زنت والذي يزني ، أو من زنت ومن زنى فاجلدوه مئة جلدة ، والله أعلم .

وأما قراءة من نصبهما ، أي "الزانية" و "السارق" ، فيكون النصب عنده بعامل محذوف دل عليه الفعل الذي تلاهما ، وهو في الآية الأولى " فَاجْلِدُوا كُلَّ " وفي الثانية "فاقطعوا أيديهما" ، لأن الفعل بعدهما قد شغل عنهما بمفعوله ، "كل" في الآية الأولى و "أيديهما" في الثانية ، فتكون المسألة من باب الاشتغال ، ويكون تقدير الكلام : اجلدوا الزانية والزاني فاجلدوهم مئة جلدة ، و : اقطعوا السارق والسارقة فاقطعوا أيديهما ، ويكون في التكرار توكيد ، كما سبقت الإشارة إلى ذلك ، ولذا فضل سيبويه ، قراءة النصب على قراءة العامّة
لأنّ ( زيداً فاضربه ) ، على الاشتغال ، أحسن من ( زيد فاضربه ) ، بالإخبار بالجملة الإنشائية .
والإخبار بالجملة الإنشائية لا إشكال فيه ، كما تقدم ، إن قدرت قولا محذوفا ، فيكون التقدير : والسارق والسارقة مقول فيهما فاقطعوا أيديهما ، فقراءة الرفع لا إشكال فيها من الجهتين :
من جهة الإخبار بجملة إنشائية .
ومن جهة اقتران الخبر بالفاء ، لأن المحلى بــ "أل" الموصولة متضمن معنى الشرط ، والله أعلى وأعلم .

مهاجر
15-07-2006, 10:33 AM
بسم الله

السلام عليكم

ومنه قوله تعالى : (اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ)
يقول أبو حيان رحمه الله :
وقال الطبري وحكاه : التقدير { قل اتبعوا } فحذف القول لدلالة الإنذار المتقدّم الذكر عليه وانتصب { قليلا } على أنه نعت لمصدر محذوف و { ما } زائدة أي يتذكرون تذكراً قليلاً أي حيث يتركون دين الله ويتّبعون غيره . اهــ

فحذف المنعوت لدلالة السياق عليه ، وبقي النعت دالا عليه ، ناهيك عن الفعل الآتي بعده : "يتذكرون" ، فهو من جنس المنعوت المحذوف ، أي : تذكرا قليلا تذكرون ، أو : إنكم تتذكرون تذكرا قليلا ، والله أعلم .

ويواصل أبو حيان ، رحمه الله ، فيقول :
وأجاز الحوفي أن يكون نعتاً لمصدر محذوف والناصب له ولا تتّبعوا أي اتّباعاً قليلاً . اهــ
أي أن المعنى : الانتهاء عن اتباع الأولياء ولو اتباعا قليلا ، والله أعلم .



وكذا قوله تعالى : { وكم من قرية أهلكناها فجاءها بأسنا بياتاً أو هم قَائلون }
يقول أبو حيان رحمه الله :
وأجازوا أن تكون في موضع نصب بإضمار فعل يفسّره أهلكناها تقديره وكم من قرية أهلكنا أهلكناها . اهـــ

فتكون المسألة من باب الاشتغال ، إذ الفعل "أهلكنا" مشتغل بالضمير ، هاء الغائب ، عن المفعول "كم من قرية" فلزم تقدير فعل محذوف من جنس المذكور ، لينصب "كم" ، وتقدمت "كم" عليه لأن لها الصدارة ، فتأخر المقدر ليجاور المذكور ، وبطبيعة الحال لا يجتمع مقدر ومذكور ، لأن الثاني دال على الأول ، كما تقدم ، والله أعلم .

ويواصل أبو حيان ، رحمه الله ، فيقول :
ولا بدّ في الآية من تقدير محذوف مضاف ، لقوله أو هم قائلون ، (أي لتخريج مرجع الضمير ، واو الجماعة في "قائلون") ، فمنهم من قدّره وكم من أهل قرية ومنهم من قدّره أهلكنا أهلها وينبغي أن يقدّر عند قوله { فجاءها } أي فجاء أهلها لمجيء الحال من أهلها بدليل أو هم قائلون . اهـــ

لأن "أهل" ، في تقدير : وكم من أهل قرية ، و "أهل" في تقدير : "أهلها" ، يصلحان لرجوع الضمير ، واو الجماعة ، عليهما .


وقوله تعالى : (وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ)
يقول أبو حيان رحمه الله :
وقيل على حذف مضاف ، والتقدير أسباب معايش كالزرع والحصد والتجارة وما يجري مجرى ذلك وسمّاها معايش لأنها وصلة إلى ما يعاش به . اهـــ ، بتصرف يسير ، وسبقت الإشارة مرارا لمسألة حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه .

وقوله تعالى : (وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآَيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ)
يقول الزمخشري غفر الله له :
{ وَلَوْ تَرَى } جوابه محذوف تقديره . ولو ترى لرأيت أمراً شنيعاً . اهـــ
وحذف جواب الشرط لدلالة السياق عليه مما سبقت الإشارة إليه في أكثر من موضع .

قوله تعالى : (قَالَتْ يَا وَيْلَتَا أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ) ، في قراءة «شيخ» بالرفع ، يقول الزمخشري :
و { شَيْخًا } نصب بما دلّ عليه اسم الإشارة . وقرىء : «شيخ» على أنه خبر مبتدأ محذوف ، أي : هذا بعلي هو شيخ . أو بعلي : بدل من المبتدأ ، وشيخ : خبر ، أو يكونان معاً خبرين .

فإما :
أن يعرب "شيخا" بالنصب على الحالية ، ويكون عامل الحال هو معنى الإشارة في "هذا" ، فكأن المعنى : وأشير إلى بعلي حالة كونه شيخا ، والله أعلم .
وإما أن يرفع "شيخ" ، على أنه خبر مبتدأ محذوف تقديره : هو .
وإما أن يرفع "شيخ" ، أيضا ، على أنه خبر "هذا" بإعراب "بعلي" بدلا من اسم الإشارة "هذا" . وإما أن يرفع أيضا ، على أنه خبر ثان ، لـــ "هذا" بإعراب "بعلي" مبتدأ أول ، "شيخ" مبتدأ ثان .
والوجهان الأخيران يشابهان القول في قوله تعالى : (إنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً) ، فإما أن يكون "أخي" ، بدلا من اسم الإشارة "هذا" ، ومتعلق شبه الجملة "له تسع وتسعون نعجة" : "كائن" ، في محل رفع خبر إن .
وإما أن يكون "أخي" ، خبرا أول ومتعلق الجار والمجرور خبرا ثانيا ، على قول من يجيز تعدد الأخبار .
وبطبيعة الحال الأوجه التي لا يقدر فيها المحذوف ، وهي أكثر ، أرجح من الوجه الوحيد الذي قدر فيه محذوف ، كما سبقت الإشارة إلى ذلك ، والله أعلم .

مهاجر
19-07-2006, 12:47 PM
بسم الله

السلام عليكم

ومن ذلك أيضا :
قوله تعالى : (ألم يروا كم أهلكنا قبلهم من القرون أنهم إليهم لا يرجعون) .
يقول ابن هشام ، رحمه الله ، ما ملخصه :
نص بعض العلماء على أن "كم" الخبرية معلقة لـــ "يروا" عن العمل في جملة "أهلكنا قبلهم" ، فيعلق الفعل لفظا لا محلا ، كما هو معلوم ، وانتصبت "كم" بـــ "أهلكنا" ، لأن لها الصدارة فلا يعمل فيها إلا ما بعدها ، وجملة "أهلكنا ......" سدت مسد مفعولي "يروا" ، و "أنهم" ، وهو محل الشاهد ، بتقدير "بأنهم" ، وكأنه قيل : أهلكناهم بالاستئصال ، فتبين المعنى بهذه الباء المقدرة التي أوجبت فتح همزة "إن" ، لأنها وصلتها في محل جر اسم مجرور لحرف الجر المقدر ، وهذا الموضع من مواضع فتح همزة "إن" وجوبا ، والله أعلم .
بتصرف من شرح شذور الذهب ، ص380 .

وقوله تعالى : (وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ)
فتقدير الكلام عند الأخفش : أتلك نعمة تمنها علي أن عبدت بني إسرائيل ؟ ، بتقدير همزة استفهام ، وكأنه يستنكر عليه هذه النعمة ويتعجب من امتنانه عليه بها ، لأن حقيقتها تعبيد بني إسرائيل وإذلالهم ، ولولا ذلك لما صار موسى صلى الله عليه وسلم إليهم بعد أن ألقته أمه في اليم خوفا عليه فالتقطوه ، فهي نعمة في حقه ، نقمة في حق قومه ، وهو واحد منهم ، فكأنه أحسن إليه بالإساءة إلى قومه كلهم ، فأي نعمة هذه ؟!! ، والله أعلم .
بتصرف من "مغني اللبيب" ، (1/37) .

يقول الزمخشري غفر الله له :
...... وأبى أن يسمى نعمته إلا نقمة . حيث بين أن حقيقة إنعامه عليه تعبيد بني إسرائيل ، لأنّ تعبيدهم وقصدهم بذبح أبنائهم هو السبب في حصوله عنده وتربيته ، فكأنه امتن عليه بتعبيد قومه .
ويقول أبو حيان رحمه الله :
والظاهر أن هذا الكلام إقرار من موسى عليه السلام بالنعمة ، كأنه يقول : وتربيتك لي نعمة عليّ من حيث عبدت غيري وتركتني واتخذتني ولداً ، ولكن لا يدفع ذلك رسالتي . وإلى هذا التأويل ذهب السدّي والطبري .
وقال قتادة : هذا منه على جهة الإنكار عليه أن تكون نعمة ، كأنه يقول : أو يصح لك أن تعتد على نعمة ترك قتلي من أجل أنك ظلمت بني إسرائيل وقتلتهم ؟ أي ليست بنعمة ، لأن الواجب كان أن لا تقتلني ولا تقتلهم ولا تستعبدهم بالقتل والخدمة وغير ذلك .

وقوله تعالى : (هذا ربي)
فقد ذهب الأخفش إلى نفس التقدير في الآية السابقة ، فتقدير الكلام عنده : أهذا ربي ؟ استنكارا منه أو تعجبا من اتخاذ مثل هذا المخلوق إلها ، والله أعلم .
بتصرف من "مغني اللبيب" ، (1/37) .
وعنها يقول الزمخشري :
{ هذا رَبّى } قول من ينصف خصمه مع علمه بأنه مبطل ، فيحكي قوله كما هو غير متعصب لمذهبه . لأن ذلك أدعى إلى الحق وأنجى من الشغب ، ثم يكرّ عليه بعد حكايته فيبطله بالحجة { لا أُحِبُّ الآفلين } لا أحبّ عبادة الأرباب المتغيرين من حال إلى حال ، المتنقلين من مكان إلى آخر ، المحتجبين بستر ، فإنّ ذلك من صفات الأجرام . اهــ

ويقول أبو حيان رحمه الله :
وقيل هي استفهامية على جهة الإنكار حذف منها الهمزة كقوله :
بسبع رمين الجمر أم بثمان ... ، قال ابن الأنباري : وهذا شاذ لأنه لا يجوز أن يحذف الحرف إلا إذا كان ثم فارق بين الإخبار والاستخبار وإذا كانت خبرية فيستحيل عليه أن يكون هذا الإخبار على سبيل الاعتقاد والتصميم لعصمة الأنبياء من المعاصي ، فضلاً عن الشرك بالله . اهـــ

والبيت الذي استشهد به أبو حيان ، رحمه الله ، من شعر عمر بن أبي ربيعة ، ونصه :
فوالله ما أدري وإن كنت داريا ******* بسبع رميت الجمار أم بثمان
أي : أبسبع رميت الجمار ........ ، وسبقت الإشارة إليه .

ومما ذكره ابن هشام ، رحمه الله ، من شواهد هذه المسألة :
قول عمر بن أبي ربيعة أيضا :
ثم قالوا : تحبها ؟ ، قلت : بهرا ******* عدد الرمل والحصى والتراب
أي قالوا : أتحبها ..........
وقول الكميت :
طربت وما شوقا إلى البيض أطرب ******* ولا لعبا مني وذو الشيب
أراد : أو ذو الشيب يلعب ، وتقدمت همزة الاستفهام على واو العطف لأن لها الصدارة دوما حتى على أدوات العطف خلاف بقية أخواتها من أدوات الاستفهام ، التي ، وإن تصدرت وجوبا ، إلا أنها لا تتقدم على أدوات العطف ، والله أعلم .

وعليه نسج أبو الطيب ، وإن كان ممن لا يحتج بشعره ، فقال :
أحيا وأيسر ما قاسيت ما قتلا ******* والبين جار على ضعفي وما عدلا
أي : أأحيا وأيسر ....... ، فكأنه قال : كيف أحيا وأقل شيء قاسيته قد قتل غيري ، وقاس الأخفش ذلك في الاختيار ، عند أمن اللبس ، وسبقت الإشارة إلى ذلك .
بتصرف من "مغني اللبيب" ، (1/36 ، 37) .

ولا يخفى ما في الشطر الثاني من الإساءة ، ولعلها من المبالغة التي جرت على ألسن الشعراء ، والله أعلم .

مهاجر
26-07-2006, 10:45 AM
بسم الله

السلام عليكم

ومنه قوله تعالى : (يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين فإن كن نساء فوق اثنتين) ، فتقدير الكلام : فإن كانت البنات فوق اثنتين ، لأن الأولاد قد تقدم ذكرهم ، وهم شاملون للذكور والإناث ، وقد تقدم ذكر حظ الذكور وبقي حظ الإناث ، فالضمير المستتر في "كن" راجع إلى بعض مفهوم من الكلام السابق ، لا مذكور ، لأنه راجع إلى الأولاد بعد طرح الذكور ، فهذا المعنى بعينه لم يرد لفظ صريح يدل عليه ليقال بأن الضمير راجع إليه صراحة ، وإنما فهم هذا المعنى من ذكر الكل "الأولاد" ثم ذكر تفصيله الأول "الذكور" فلم يبق إلا التفصيل الثاني "الإناث" أو "البنات" ، والله أعلم .
مستفاد من شرح الشيخ الدكتور عبد الغني عبد الجليل ، حفظه الله ، لــــ "شرح شذور الذهب" ، لابن هشام ، رحمه الله ، ص283 ، 284 .

وأشار الزمخشري ، غفر الله له ، إلى موضع آخر لمحذوف مقدر بقوله :
والمعنى للذكر منهم ، أي من أولادكم ، فحذف الراجع إليه لأنه مفهوم ، كقولهم : السمن منوان بدرهم . اهـــ
فتقدير الكلام في "السمن منوان بدرهم" : السمن منوان منه بدرهم ، فــ "منه" هو : العائد الرابط بين المبتدأ "السمن" ، وجملة الخبر "منوان بدرهم" .
وتقدير الكلام في قوله تعالى : (للذكر مثل حظ الأنثيين) : للذكر منهم مثل حظ الأنثيين ، والله أعلم .

وقوله تعالى : (قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ)
إذ ذكرت الآية في سورة المؤمنون بالواو : (فَأَرْسَلْنَا فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ (32) وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقَاءِ الْآَخِرَةِ وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ)
وأما في سورتي الأعراف وسورة هود فقد ذكرت بغير واو ، لأن العطف قصد في آية المؤمنون لاجتماع قوله الذي هو حق ، وقولهم الذي هو باطل فكأنه إخبار بتباين الحالين والتي بغير واو قصد بها الاستئناف وكأنه جواب لسؤال مقدر ، أي : فما كان قولهم له ؟ ، قال : قالوا كيت وكيت {بلقاء الآخرة} ، كما أشار إلى ذلك أبو حيان رحمه الله .

وقوله تعالى : (أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ)
واختلف المعربون في تخريج { أنكم } الثانية ، والمنقول عن سيبويه أن { أنكم } بدل من الأولى وفيها معنى التأكيد ، وخبر { إنكم } الأولى محذوف لدلالة خبر الثانية عليه تقديره { إنكم } تبعثون { إذا متم } وهذا الخبر المحذوف هو العامل في { أذلة } وذهب الفراء والجرمي والمبرد إلى أن { أنكم } الثانية كررت للتأكيد لما طال الكلام حسن التكرار ، وعلى هذا يكون { مخرجون } خبر { أنكم } الأولى .
وعليه جرى الشاعر في قوله :
لقد علم الحي اليمانيون أنني ******* إذا قلت‏:‏ أما بعد أني خطيبها

قوله تعلى : (فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآَيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا)
يقول الزمخشري غفر الله له :
فإن قلت : بم تعلقت الباء ؟ ، يعني في "فبما" ، وما معنى التوكيد ؟ قلت : إما أن يتعلق بمحذوف ، كأنه قيل : فبما نقضهم ميثاقهم فعلنا بهم ما فعلنا ، وإما أن يتعلق بقوله : { حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ } على أنّ قوله : { فَبِظُلْمٍ مّنَ الذين هَادُواْ } [ النساء : 160 ] بدل من قوله : { فَبِمَا نَقْضِهِم ميثاقهم } ، وبقية الآية 160 : (فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا) . اهـــ ، بتصرف .

فكأن متعلق الباء جاء بعدها بــ 5 آيات ، فاتصل السياق دون تقدير محذوف ، ويكون الأمر كذلك بالنسبة للآيات التالية : (وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا (156) وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا (157) بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (158) وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا (159)) ، فبسبب كل هذه الطوام ، حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم .

وإليه أشار ابن عاشور ، رحمه الله ، من المتأخرين بقوله :
ومتعلَّق قوله { بما نقضهم } : يجوز أن يكون محذوفاً ، لتذهب نَفْس السامع في مذاهب الهول ، وتقديره : فعَلْنا بهم ما فَعَلْنا . ويجوز أن يتعلّق بـــ {حرّمْنا عليهم طيّبات أحلّت لهم} .

والله أعلى وأعلم .

مهاجر
30-07-2006, 09:27 AM
بسم الله

السلام عليكم
ومن ذلك أيضا :

قوله تعالى : (أأنتم تخلقونه أم نحن الخالقون)
فــ "أم" في الآية متصلة ، تستحق الجواب ، لأنها استفهامية يراد بها التعيين ، وتقدير الكلام : أتخلقونه أنتم تخلقونه أم نحن الخالقون ؟ ، وإن كان ابن هشام ، رحمه الله ، قد رجح عدم تقدير محذوف لوقوع "أم" بعد همزة التعيين بين جملتين اسميتين ، فقال : وتقدير الاسمية في "أأنتم تخلقونه" أرجح منه في "أبشر يهدوننا" ، لمعادلتها للاسمية وهي : (أم نحن الخالقون) . اهـــ
فكأنها وقعت بين جملتين اسميتين ، فما الداعي لتأويل إحداهما بجملة فعلية .
بتصرف من النحو المنهجي ، ص202 ، ومغني اللبيب ، (2/41) .

ومنه قوله تعالى : (أبشر يهدوننا)
فالأرجح ، كما قال ابن هشام رحمه الله : تقدير "بشر" فاعلا لـــ "يهدي" محذوفا ، والجملة فعلية . اهـــ
فيكون "بشر" فاعلا لفعل محذوف على شريطة التفسير ، أي : من جنس الفعل الذي يليه ، مع تقدم همزة الاستفهام لأن لها الصدارة دوما ، فيكون تقدير الكلام : أيهدوننا بشرا يهدوننا ؟ ، والله أعلم .
وتقدير الجملة الفعلية في قول الشاعر :
فقمت للطيف مرتاعا فأرقني ******* فقلت : أهي سرت أم عادني حلم
أرجح من تقديرها في الآية السابقة ، لأن تقدير "هي" فاعلا لمحذوف يفسره "سرت" ، أي : أسرت هي سرت ، معادل للجملة الفعلية الثانية : عادني حلم ، خلاف الآية فلا جملة فعلية تعادلها ، والله أعلم .
بتصرف من مغني اللبيب ، (2/41) .




وقوله تعالى : (وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ)
يقول أبو حيان رحمه الله :
ولما كانت هذه الجملة بعدها جملة فعلية ، كان النصب على الاشتغال أرجح من الرفع على الابتداء . اهـــ
فنصبت "الأرض" على الاشتغال ، لأن الفعل بعدها "مددناها" ، شغل عنه بــ "الهاء" ، فقدر لها فعل من جنس الفعل الآتي بعدها ، فيكون تقدير الكلام : ومددنا الأرض مددناها ، ويكون التكرار المقدر من باب التوكيد ، ولا يجمع بين العوض والمعوض عنه ، كما سبقت الإشارة إلى ذلك في أكثر من موضع .


وقوله تعالى : (فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ (11) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ (12) فَكُّ رَقَبَةٍ (13) أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (14))
يقول الزمخشري غفر الله له :
فإن قلت : قلما تقع «لا» الداخلة على الماضي إلاّ مكررة ، ............ ، فما لها لم تكرر في الكلام الأفصح ؟ قلت : هي متكرّرة في المعنى ، لأن معنى { فَلاَ اقتحم العقبة ( 11 ) } فلا فكّ رقبة ، ولا أطعم مسكيناً . ألا ترى أنه فسر اقتحام العقبة بذلك . اهـــ

فكأن المعنى : لم يقتحم العقبة لأنه لا فك رقبة ولا أطعم مسكينا ، فلما تخلف الشرط تخلف المشروط ، فقدرت "لا" مرتين في الآيتين : 13 و 14 ، والله أعلم .

وقد تقدم المصدر العامل "إطعام" على مفعوله "يتيما" ، لأن المقصود هنا الإطعام ولو كان يسيرا في يوم بعينه ، وهو يوم المجاعة الذي يستحب الإطعام فيه أكثر من أي يوم آخر ، فقدم الأهم فالأهم ، فأهم شيء : الإطعام ولو كان يسيرا ، في يوم المجاعة الذي تعم فيه البلوى ، لليتيم الذي يحتاج من يكفله ، والله أعلم .
ويجوز في غير القرآن : أو إطعام يتيم بإضافة المصدر إلى مفعوله ، وهذا مما يضعف عمل المصدر لأنه أضيف إلى فضلة غير عمدة في الكلام ، وهو المفعول .
مستفاد من شرح الشيخ الدكتور عبد الغني عبد الجليل ، حفظه الله ، لـــ "شرح شذور الذهب" .



وقوله تعالى : (فإن الجنة هي المأوى)
فقد أجاز الكوفيون وبعض البصريين وكثير من المتأخرين نيابة "أل" عن الضمير المضاف إليه ، وخرجوا على ذلك قوله تعالى : (فإن الجنة هي المأوى) ، فتنوب "أل" عن الضمير في تقدير : فإن الجنة هي مأواه ، لأن الإضافة للضمير لا تجتمع مع "أل" ، وأما المانعون فإنهم يقدرون جار ومجرور "له" بعد "المأوى" ، فيكون تقدير الكلام : فإن الجنة هي المأوى له .
كما في قولك : ضرب زيد الظهر والبطن ، فعلى تقدير الأولين يكون المعنى : ضرب زيد ظهره وبطنه ، فيكون "ظهره" بدل بعض من كل "زيد" ، وعلى تقدير الآخرين يكون المعنى : ضرب زيد الظهر والبطن منه ، والله أعلم .
بتصرف من مغني اللبيب ، (1/76) .

والله أعلى وأعلم .

مهاجر
04-08-2006, 12:18 PM
بسم الله

السلام عليكم

ومن ذلك أيضا :
قوله تعالى : (وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين)
إذ قدر بعض العلماء فعلا محذوفا عاملا في "أرجلكم" ، فيكون تقدير الكلام : وامسحوا برؤوسكم واغسلوا أرجلكم .
وشاهده من كلام العرب :
علفتها تبنا وماء باردا ******* حتى بدت همالة عيناها
فأصل التركيب : علفتها تبنا وسقيتها ماء ، إذ عطف الفعل "سقيتها" المحذوف على الفعل المذكور "علفتها" ، وقد دل على الفعل المحذوف معموله : "ماء" ، ويجمع الفعلين دلالة التقديم كأنه قدم لها تبنا وماء .
وقد يقال بأن الفعل "علفتها" ضمن معنى الفعل "قدمت لها" ، فلا يكون في الكلام حذف لاستقامة السياق دون تقدير محذوف ، كما سبقت الإشارة إلى ذلك ، والله أعلم .
وهنا ، أيضا ، قد يقال ، بأن الفعل "امسحوا" قد ضمن معنى يصلح للعمل في "الرءوس" و "الأرجل" ، كأن يقال ، كما سيأتي تفصيلا إن شاء الله ، بأن المسح هو : الغسل الخفيف ، والغسل الخفيف يصح أن يطلق على مسح الرأس ، وغسل القدم مع مراعاة الاقتصاد في الماء حتى كأن الغاسل يمسح قدميه بالماء مسحا ، ولا يسرف في صب الماء عليهما .

ومن ذلك ، أيضا ، قول الشاعر :
ورأيت زوجك في الوغى ******* متقلدا سيفا ورمحا
أي متقلدا سيفا وحاملا رمحا ، فاستغنى عن ذكر الحمل بذكر التقلد ، وقد يقال بأن فعل التقلد ضمن معنى الحمل ، فهو يحمل كليهما ، والله أعلم .


وأما قراءة من جر "أرجلكم" ، فقد خرجت على مجاورتها المجرور "رءوسكم" ، والقراءة الأشهر : قراءة النصب عطفا على "وجوهكم" و "أيديكم" ، واستدل بهذه القراءة على وجوب الترتيب في غسل أعضاء الوضوء لأن الفصل بين مغسولين "أيديكم" و "أرجلكم" بممسوح "برءوسكم" يدل على وجوب الترتيب .

وخالف المحققون رأي من قال بأن الجر هنا على المجاورة لأن حرف العطف حاجز بين الاسمين ومبطل للمجاورة ، والخلاصة في هذه المسألة :

أن العرب تطلق لفظ "المسح" على المسح المعروف ، وعليه حمل العلماء قراءة ابن كثير المكي وابن عامر الشامي ، رحمهما الله : (وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين) ، بجر : "أرجلكم" ، على أنها معطوف على المجرور "برؤوسكم" ، فيكون المقصود هنا هو المسح على القدمين ، ولا يكون المسح على القدمين ، عند أهل السنة والجماعة ، إلا إذا كانتا بخفين ، واحتج أهل السنة بحديث ابن عمر ، رضي الله عنهما ، عند مسلم ، مرفوعا : (ويل للأعقاب من النار) ، وفيه استدلال ظاهر في وجوب غسل الرجلين وأن المسح لا يجزئ ، وأما قراءة الجر فهي محمولة على :

الجر بالمجاورة ، وهو مما تكلمت به العرب ، فيكون الجر هنا لفظا لا معنى لمجاورة "أرجلكم" لـــــ : "برؤوسكم" ، ومن ذلك قول أنس ، رضي الله عنه ، يصف رسول الله صلى الله عليه وسلم : (ليس بجعد قطط ولا سبط ، رجل) ، بجر "رجل" بفتح الراء وكسر الجيم ، "أي متسرح الشعر" ، فلا هو جعد شديد الجعودة ولا هو سبط مسترسل الشعر ، بجرها على المجاورة لمجرور ، رغم أن حقها الرفع ، على الاستئناف على تقدير مبتدأ محذوف : هو ، فيكون سياق الكلام : ليس بجعد قطط ولا سبط بل هو رجل .
واستغنى عن ذكر فعل الغسل ، بذكر فعل المسح ، فتقدير الكلام : وامسحوا برؤوسكم واغسلوا أرجلكم ، والعرب قد تستغني عن أحد الفعلين بذكر الآخر ، كقولك : أكلت الخبز واللبن ، أي : أكلت الخبز وشربت اللبن ، وسبقت الإشارة إلى شواهد ذلك من كلام العرب ، وكذا الإشارة إلى رد المحققين على هذا القول بامتناع المجاورة للفصل بحرف العطف "الواو" بين "برءوسكم" و "أرجلكم" .

وهذا خلاف ما عليه الإمامية الاثني عشرية الذين يقولون بالمسح على الأقدام وإن كانت عارية ، وخلافهم غير معتبر ، وإن تابعهم على بعض رأيهم بعض أهل السنة كالحسن البصري وابن جرير الطبري ، رحمهما الله ، فقالا بأن الواجب أحد أمرين : المسح أو الغسل ، لأن قراءة النصب والجر ، كلاهما متواتر ، فساغ العمل بأيهما .

وذهب الظاهرية ، رحمهم الله ، إلى الجمع بين المسح والغسل ، وحجتهم في ذلك ، أيضا ، أن كلا القراءتين متواتر ، فلا يحصل الإجزاء إلا بالجمع بينهما ، والله أعلم .


وقد يقال بأن المسح يطلق ، أيضا ، في لغة العرب على : الغسل ، يقول القرطبي رحمه الله : (قال الهروي : أخبرنا الأزهري أبو بكر محمد بن عثمان بن سعيد الداري ، عن أبي حاتم عن أبي زيد الأنصاري ، قال : المسح في كلام العرب غسلا ويكون مسحا ، ومنه يقال : الرجل إذا توضأ فغسل أعضاءه فقد تمسح ، ويقال : مسح الله ما بك ، إذا غسلك وطهرك من الذنوب) . ويكون تخصيص الرجلين من بين سائر المغسولات باسم المسح ليقتصد في صب الماء عليهما ، إذ كانت مظنة للإسراف .
بتصرف من الإشارات النافعات على شرح منتهى الإيرادات للشيخ الدكتور أحمد بن منصور آل سبالك ، حفظه الله ، (1/138_141) .

وقد رجح ابن هشام ، رحمه الله ، أن العطف هنا على الرءوس ، فيكون المقصود بمسح الأرجل في الآية : "المسح على الخفين" ، وهذا أرجح من ثلاثة أوجه :
من جهة أن الحمل على المجاورة حمل على شاذ ، فينبغي صون القرآن عنه .

ومن جهة أن العطف على الوجوه والأيدي ، يلزم منه الفصل بين المتعاطفات بأجنبي وهو جملة "وامسحوا برءوسكم" ، وإذا حمل الجر على العطف المباشر على "رءوسكم" لم يلزم الفصل بأجنبي ، والأصل أن لا يفصل بين المتعاطفين بمفرد فضلا عن الجملة .

ومن جهة أن العطف على هذا التقدير حمل على المجاور : "برءوسكم" ، وعلى التقدير الأول ، أي : العطف على "أيديكم" ، حمل على غير المجاور ، والحمل على المجاور أولى ، فيرجح الجر من هذه الجهة ، ولا يعترض على هذا التوجيه بقراءة النصب ، لأن نصب "أرجلكم" في قراءة من نصبها لا يلزم منها العطف على "أيديكم" المنصوبة ، وإنما قد يقال بأن العطف ، في حقيقته ، على "برءوسكم" ، لأنها ، وإن كانت مجرورة ، فهي في محل نصب بالعامل "امسحوا" ، إما بتعديه إلى معموله "رءوسكم" بحرف الجر "الباء" ، وإما بالقول بزيادة حرف الجر "الباء" ، لإفادة معنى التبعيض ، كما هو مذهب الشافعية رحمهم الله ، أو الإلصاق كما هو مذهب الجمهور ، فيكون تقدير الكلام : وامسحوا رءوسكم ، ومن ثم عطف عليها "أرجلكم" فنصبت تبعا لها ، ومن ثم دخلت الباء على "رءوسكم" فجرت لفظا مع بقائها منصوبة محلا وعطف لفظ "أرجلكم" على محلها ، وشاهده من كلام العرب :
قول الراجز :
يسلكن في نجد وغورا غائرا
بجر "نجد" ونصب "غورا" بالعطف على محل "في نجد" ، فـــ "نجد" مجرورة لفظا منصوبة محلا .
بتصرف من "شرح شذور الذهب" ، ص351 ، والله أعلى وأعلم .

مهاجر
13-08-2006, 09:29 AM
بسم الله

السلام عليكم

ومن ذلك أيضا :
قوله تعالى : (وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ)
وعنها يقول أبو حيان ، رحمه الله :
قرأ جمهور السبعة : { وأكن } مجزوماً . قال الزمخشري : { وأكن } بالجزم عطفاً على محل { فأصدق } ، كأنه قيل : إن أخرتني أصدق وأكن . انتهى . وقال ابن عطية : عطفاً على الموضع ، لأن التقدير : إن تؤخرني أصدق وأكن ، هذا مذهب أبي علي الفارسي . وحكى سيبويه عن الخليل أنه : جزم "أكن" على توهم الشرط الذي يدل عليه التمني في "لولا" . اهـــ ، بتصرف .

فالفعل "أصدق" وقع في جواب التمني بــ "لولا" ، فقدر شرط محذوف يصلح وقوع جوابه في محل جزم ليسوغ عطف المجزوم "أكن" عليه ، لأن المتعاطفين يأخذان نفس الحكم ، وهذا الحكم عام في كل فعل دعاء أو التماس أو أمر وقع في جواب طلب سواء أكان الطلب بالتمني أم الأمر أم ................ الخ ، والله أعلم .

ولهذا الضابط أمثلة كثيرة منها :
قوله تعالى : (قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم) ، وقد مثل ابن هشام ، رحمه الله ، بهذه الآية على مسألة حذف أداة الشرط وفعل الشرط إذا تقدم عليهما طلب بمعنى الشرط دون لفظه ، إذ تقدير الكلام : تعالوا فإن تأتوا أتل عليكم .............. ، فالطلب المتقدم قوله : "تعالوا" ، وأداة الشرط المقدرة : "فإن" ، والشرط المقدر هو : "تأتوا" ، وهو متحد مع الطلب "تعالوا" في المعنى دون اللفظ ، والأصل اتحادهما لفظا ومعنى ، كما في قولك : ائتني أكرمك ، فتقدير الشرط المحذوف : ائتني فإن تأتني أكرمك ، فالطلب "ائتني" و الشرط "تأتني" متحدان لفظا ومعنى ، هذا هو الأصل ، ولكن لما كان الطلب "تعالوا" جامدا لا يتصرف ، عوض عن الشرط المقدر بفعل متحد معه في المعنى دون اللفظ ، كما تقدم ، وهو الفعل "تأتوا" ، فلا يجوز أن يقدر : فإن تتعالوا ، لأن "تعال" ، كما تقدم ، فعل جامد لا مضارع له ولا ماضي حتى توهم بعضهم أنه اسم فعل ، والله أعلم .
بتصرف من "شرح شذور الذهب" ، ص360 .

فائدة :
الأفعال الجامدة على قسمين :
قسم جامد على الماضي ، كـــ : "بئس" و "نعم" و "ليس" و "عسى" ، وأكثر الجوامد صيغت على الماضي .
وقسم جامد على الأمر كـــ "هات" و "هب" بمعنى "ظن" بضم الظاء ، "وتعلم" بمعنى "اعلم" ، و "تعال" .
مستفاد من شرح الشيخ الدكتور عبد الغني عبد الجليل ، حفظه الله ، لـــ "شرح شذور الذهب" .

وفي المسألة مذهب آخر أشار إليه الشيخ محمد محيي الدين ، رحمه الله ، فقال ما ملخصه :
المذهب الثاني : أن الجازم لهذا المضارع ، أي "أتل" في الآية ، هو نفس الطلب المتقدم عليه ، أي الفعل "تعالوا" ، دون الحاجة لتقدير أي محذوف وهو مذهب :
الخليل وسيبويه ، رحمهما الله ، اللذين عللا ذلك بأن الطلب المتقدم قد تضمن معنى حرف الشرط ، ونظير ذلك أسماء الشرط كـــ "متى" و "حيثما" ، اللذان يجزمان المضارع لتضمنهما معنى حرف الشرط "إن" .

و السيرافي والفارسي ، رحمهما الله ، اللذين عللا ذلك بأن الطلب إنما جزم المضارع المتأخر عنه لكونه قد ناب مناب فعل الشرط كما أن المصدر ينصب المفعول به في نحو قولك : "ضربا زيدا" ، لأنه ناب مناب فعل الأمر .
وقد رجح الشيخ محيي الدين ، رحمه الله ، مذهب ابن هشام ، وحكم على التعليلين السابقين بقوله : وكلا التعليلين غير مستقيم ، لا جرم كان مذهب الجمهور هو الصحيح .

وكذا قوله تعالى : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ)
أي : فافسحوا إن تفسحوا يفسح الله لكم ، و : انشزوا إن تنشزوا يرفع الله الذين آمنوا منكم .


وقوله تعالى : (قل لعبادي الذين آمنوا يقيموا الصلاة)
أي : إن تقل لهم أقيموا الصلاة يقيموها .
وقد أبطل ابن مالك ، رحمه الله ، هذا الوجه لأن تقديره يستلزم أن لا يتخلف أحد من المقول له ذلك عن الامتثال ، ولكن التخلف واقع ، فبعض من توجه إليهم الخطاب لا يصلون .

وأجاب ابنه بأن الحكم مسند إليهم على سبيل الإجمال ، لا على كل فرد فيهم ، فيحتمل أن الأصل : يقمها أكثرهم ، ثم حذف المضاف إليه "أكثر" ، واتصل المضاف إليه : الضمير "هم" بالفعل "يقيمها" ، فارتفع ، وآل الفعل إلى : يقيموها .

أو باحتمال أنه ليس المراد بالعباد الموصوفين بالإيمان مطلقا ، بل المخلصين منهم ، وكل مؤمن مخلص قال له الرسول صلى الله عليه وسلم : أقم الصلاة أقامها .

ويحتمل أن المقصود التنبيه على سرعة امتثالهم للأمر ، فأي مؤمن ، وخاصة الصدر الأول من الأصحاب ، رضوان الله عليهم ، والقرون المفضلة ، لا يتوانى عن امتثال الأمر ، فالقوم كانوا فعالين لا قوالين ، وهم المخاطبون ابتداء بهذا النص ، فكأنهم من سرعة امتثالهم أقاموا الصلاة مباشرة بمجرد سماع الأمر ، فأصبحت إقامة الصلاة معلقة على مجرد سماع الأمر ، والله أعلم .

وقال المبرد : التقدير : قل لهم أقيموا يقيموا ، والجزم في جواب "أقيموا" المقدر لا في جواب "قل" .
بتصرف من "مغني اللبيب" ، (1/243) .

ونظيره قوله تعالى : (قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ)
أي : إن تقل لهم غضوا أبصاركم يغضوها .
وهي كالآية السابقة تماما بتمام ، فإما أن يقال :
الأمر على سبيل الإجمال ، أو هو منصب على المخلصين ، أو دال على سرعة الامتثال المعلق على مجرد سماع الأمر ، أو : قل لهم غضوا يغضوا ، كما أشار إلى ذلك المبرد ، والله اعلم .


وكذا قوله تعالى : (ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ)
أي : ذرهم فإن تذرهم يأكلوا ويتمتعوا .

وقوله تعالى : (فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ)
أي : ذروها فإن تذروها تأكل في أرض الله .

وقوله تعالى : (وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ)
أي : وأذن فيهم فإن تؤذن يأتوك رجالا .

وقوله تعالى : (يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا)
أي فاتبعني فإن تتبعني أهدك صراطا سويا .

وقوله تعالى : (وأن استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يمتعكم متاعا حسنا) .
أي : استغفروا إن تستغفروا يمتعكم مناعا حسنا .

والله أعلى وأعلم .

مهاجر
19-08-2006, 08:58 AM
بسم الله

السلام عليكم

ومثله :
قوله تعالى : (ويا قوم استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يرسل السماء) .
أي : إن تستغفروا وتتوبوا يرسل السماء عليكم مدرارا ، فهي قريبة الشبه بقوله تعالى : (وأن استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يمتعكم متاعا حسنا) .




قوله تعالى : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ)
فتقدير الكلام : إلا ما يتلى عليكم تحريمه ، وإلى ذلك أشار أبو حيان ، رحمه الله ، بقوله :
({ إلا ما يتلى عليكم } هذا استثناء من بهيمة الأنعام والمعنى : إلا ما يتلى عليكم تحريمه من نحو قوله : { حرمت عليكم الميتة } وقال القرطبي : ومعنى يتلى عليكم يقرأ في القرآن والسنة ، ومنه { كل ذي ناب من السباع حرام }) . اهـــ
واستدلال القرطبي ، رحمه الله ، بحديث : (كل ذي ناب من السباع حرام) ، و كذا الاستدلال بالنهي عن كل ذي ناب من السباع وذي مخلب من الطيور ، يدل على أن السنة تستقل بإنشاء أحكام شرعية لم يأت بها القرآن الكريم ، وفي هذا رد حاسم على من أسموا نفسهم بــــ "القرآنيين" ، فزعموا الاكتفاء بما ورد من أحكام مجملة في القرآن الكريم ، وردوا السنة جملة وتفصيلا ، والصحيح الذي لا يشك فيه أي مسلم صحيح الاعتقاد أن للسنة منزلة عظيمة في التشريع الإسلامي ، فهي ثاني أدلة الأحكام بعد القرآن الكريم ، تؤكد أحكامه ، وتفصل مجمله ، بل وتستقل بإنشاء أحكام شرعية سكت عنها القرآن ، كما في الحديث السابق ، فهي وحي من الله ، عز وجل ، كالقرآن الكريم ، وإن كان لفظها لا يتعبد به كلفظ القرآن المعجز ، والله أعلم .

لطيفة حول هذه الآية :
يقول أبو حيان رحمه الله :
ذكروا أن الكندي الفيلسوف قال له أصحابه : أيها الحكيم اعمل لنا مثل هذا القرآن ، فقال : نعم ، أعمل مثل بعضه ، فاحتجب أياماً كثيرة ثم خرج فقال : والله ما أقدر ، ولا يطيق هذا أحد ، إني فتحت المصحف فخرجت سورة المائدة ، فنظرت فإذا هو قد نطق بالوفاء ، ونهى عن النكث ، وحلل تحليلاً عاماً ، ثم استثنى استثناء ، ثم أخبر عن قدرته وحكمته في سطرين ، ولا يقدر أحد أن يأتي بهذا إلا في إجلاد . انتهى .




قوله تعالى : (يا أيها الذين ءَامَنُواْ لاَ تُحِلُّواْ شَعَآئِرَ الله وَلاَ الشهر الحرام)
فتقدير الكلام ، كما ذكر ابن عاشور رحمه الله : لا تحلّوا مُحرّم شعائرِ الله ، لأن الشعائر منها ما هو محرم فلا يحل ، ومنها ما هو واجب أو مستحب فيحل بل ويجب فعله ، أو يترجح فعله على تركه ، والله أعلم .


قوله تعالى : (وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا)
فإذا ضمن الفعل "يجرمنكم" معنى الفعل "يحملنكم" ، آل السياق إلى : ولا يجرمنّكم شَنَآَن قوم أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ على أَنْ تَعْتَدُوا ، أي : لا يحملنكم هذا على الاعتداء عليهم بلا وجه حق .

وأما في قراءة من كسر همزة "أن" فصيرها "إن" الشرطية ، فجواب الشرط محذوف لدلالة ما قبله عليه ، فيؤول الكلام إلى : إن صدوكم عن المسجد الحرام فلا يجرمنكم بغضهم على أن تعتدوا ، كما أشار إلى ذلك ابن عاشور ، رحمه الله ، والله أعلم .

ومثله قوله تعالى : (وَيَا قَوْمِ لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ)
فتقدير الكلام : ويا قوم لا يجرمنكم شقاقي على أن يصيبكم مثل ما أصاب قوم نوح ................ الخ .

ومن ذلك قوله تعالى : (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ) .
يقول أبو حيان رحمه الله :
{ وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم مغفرة وأجر عظيم } لما ذكر تعالى أوامر ونواهي ذكر وعده من اتبع أوامره واجتنب نواهيه ، ووعد تتعدى لاثنين ، والثاني محذوف تقديره : الجنة ، وقد صرح بها في غير هذا الموضع . والجملة من قوله : لهم مغفرة ، مفسرة لذلك المحذوف تفسير السبب للمسبب ، لأن الجنة مترتبة على الغفران وحصول الأجر . وإذا كانت الجملة مفسرة فلا موضع لها من الإعراب ، والكلام قبلها تامْ وجعل الزمخشري قوله : لهم مغفرة وأجر عظيم ، بياناً للوعد قال : كأنه قال : قدم لهم وعداً فقيل : أي شيء وعده ؟ فقال لهم : مغفرة وأجر عظيم . أو يكون على إرادة القول وعدهم وقال لهم : مغفرة ، أو على إجراء وعد مجرى قال : لأنه ضرب من القول ، أو يجعل وعد واقعاً على الجملة التي هي مغفرة ، كما رفع تركنا على قوله : { سلام على نوح في العالمين } ، أي :
{ وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الآخرين } من الأمم هذه الكلمة ، وهي : { سلام على نُوحٍ } يعني يسلمون عليه تسليماً ، ويدعون له ، وهو من الكلام المحكي ، كقولك : قرأت : { سُورَةٌ أنزلناها } [ النور : 1 ] .

فكأنه قيل : وعدهم هذا القول ، وإذا وعدهم مَن لا يخلف الميعاد فقد وعدهم مضمونه من المغفرة والأجر العظيم ، وهذا القول يتلقونه عند الموت ويوم القيامة ، فيسرون ويستريحون إليه ، وتهون عليهم السكرات والأهوال قبل الوصول إلى التراب انتهى .


ومن ذلك قوله تعالى : (قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآَتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ فَمَا تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ) .
إذ ينقل أبو حيان ، رحمه الله ، عن ابن عطية الأندلسي المالكي ، رحمه الله ، قوله : وفي الكلام محذوف تقديره : أيضرني شككم ، أو أيمكنني طاعتكم ، ونحو هذا مما يليق بمعنى الآية . انتهى

فكأن جواب الشرط محذوف ، لدلالة السياق عليه .
وللآية تخريج آخر ، على القول بأن "إن" الشرطية وشرطها : "كنت" ، وجوابها : "فمن ينصرني" قد مسد مسد مفعولي "أرأيتم" على القول بأنها "رأى" القلبية التي تتعدى لمفعولين ، والله أعلم .


وقوله تعالى : (أتنهانا أن نعبد ما يعبد آباؤنا)
فتقدير الكلام : أتنهانا عن أن نعبد ما يعبد آباؤنا .


وقوله تعالى : (وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ)
فتقدير الكلام : وذلك دين الملة القيمة ، فأنثت "القيمة" لأنها نعت لمؤنث محذوف "الملة" ، كما أشار إلى ذلك شيخ المفسرين الإمام محمد بن جرير الطبري ، رحمه الله ، بقوله :
( وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ ) وأُنِّثت القيمة ، لأنها جعلت صفة للملة ، كأنه قيل: وذلك الملة القيِّمة، دون اليهودية والنصرانية .

وقوله تعالى : (قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ)
فقد ذكر أبو حيان ، رحمه الله ، وجها لهذه الآية تقديره : من أنصاري ذاهباً إلى الله ملتجئاً إليه؟ ، بتقدير حال محذوف من الياء ، في : "أنصاري" .

وقد أشار أبو حيان ، رحمه الله ، لعدة أوجه أخرى أشار إليها بقوله :
قال السدّي : من أعواني مع الله . وقال الحسن : من أنصاري في السبيل إلى الله . وقال أبو علي الفارسي معنى : إلى الله : لله ، كقوله : { يهدي إلى الحق } أي للحق وقيل : من ينصرني إلى نصر الله . وقيل : من ينقطع معي إلى الله ، قاله ابن بحر وقيل : من ينصرني إلى أن أبين أمر الله وقال أبو عبيدة : من أعواني في ذات الله ؟ وقال ابن عطية : من أنصاري إلى الله . عبارة عن حال عيسى في طلبه من يقوم بالدين ، ويؤمن بالشرع ويحميه ، كما كان محمد صلى الله عليه وسلم يعرض نفسه على القبائل ، ويتعرض للأحياء في المواسم . اهـــ
وقوله تعالى : {نحن أنصار الله} ، أي :
نحن أنصار دين الله ، أو أنصار الداعي إلى الله ، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه ، كما أشار إلى ذلك أبو حيان رحمه الله .


وقوله تعالى : (يعلم ما يسرون وما يعلنون) .
فتقدير الكلام : يعلم ما يسرونه وما يعلنونه ، فحذف عائد الصلة لدلالة السياق عليه ، وسبقت الإشارة إلى ذلك مرارا .
ونظيره :
قوله تعالى : (وحبط ما صنعوا فيها) .
أي : وحبط ما صنعوه فيها .
وقوله تعالى : (وضل عنهم ما كانوا يفترون) .
أي : وضل عنهم ما كانوا يفترونه .


وقوله تعالى : (إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه)
أي : يخوفكم بأوليائه ، وإلى ذلك أشار الزمخشري ، غفر الله له ، بقوله :
ويجوز أن يكون على تقدير حذف المضاف ، بمعنى إنما ذلكم قول الشيطان ، أي قول إبليس لعنه الله { يُخَوّفُ أَوْلِيَاءهُ } يخوّفكم أولياءه الذين هم أبو سفيان وأصحابه .

ومنه قوله تعالى : (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (25) أَنْ لَا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ)
أي : بأن لا تعبدوا إلا الله .
فجملة "أن لا تعبدوا إلا الله" بدل من جملة "إني لكم نذير مبين" ، وإلى ذلك أشار الزمخشري ، غفر الله له ، بقوله :
(وقرىء بالكسر على إرادة القول { أَن لاَّ تَعْبُدُواْ } بدل من { إِنَّي لَكُمْ نَذِيرٌ } أي أرسلناه بأن لا تعبدوا { إِلاَّ الله } أو تكون «أن» مفسرة متعلقة بأرسلنا أو بنذير) . اهـــ
والشاهد قوله : (أي أرسلناه بأن لا تعبدوا) ، والله أعلى وأعلم .

مهاجر
26-08-2006, 01:34 AM
بسم الله

السلام عليكم


ومن ذلك أيضا :
قوله تعالى : (وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ) ، فتقدير الكلام : وهو الذي في السماء هو إله ، وفي الأرض هو إله ، فــــ "إله" خبر لمبتدأ محذوف "هو" ، والمبتدأ المحذوف هو عائد الصلة ، فلو أعرب "في السماء" خبر مقدم ، و "إله" مبتدأ مؤخر ، لخلت جملة الصلة من عائد لذا وجب تقدير عائد لها وهو المبتدأ المحذوف "هو" ، فجملة : "في السماء إله" لا عائد فيها على الصلة .
بتصرف من "مغني اللبيب" ، (2/95 ، 96) .

وهذه الآية مما يتعلق به من يزعم بأن الله ، عز وجل ، ليس مستويا على عرشه ، بدليل أن الآية أثبتت أنه في السماء والأرض ، ولو كان في السماء ، بمعنى العلو المطلق ، لقال : في السماء ، ولم يتبعها بـــ : في الأرض ، فضلا عمن زاد وغلا وقال بحلول الله ، عز وجل ، في مخلوقاته ، أو اتحاده بها ، والرد على هذه الشبهة : أن الصلة "إله" بينت المقصود من الظرفية في "في السماء" و "في الأرض" ، فالصلة تثبت الألوهية ، لا الوجود والحلول ، فتقدير الكلام : وهو الذي في السماء إله يعبد ، وفي الأرض إله يعبد ، لأن متعلق الألوهية العبادة ، فالإله هو المعبود ، كما تقول : فلان ملك في مصر وفي الشام ، فيفهم السامع أن سلطانه يشمل كليهما ، ولا يلزم من ذلك أن يكون حالا بذاته فيهما في نفس الوقت ، ولله المثل الأعلى ، فهو معبود في السماء معبود في الأرض ، وهو مع ذلك غير حال بذاته العلية فيهما ، بل بائن من خلقه مستو على عرشه استواء يليق بجلاله وعظمته ، كما أخبر ، عز وجل ، عن نفسه ، في آيات الاستواء على العرش ، وحجتهم تصح لو كانت الصلة كلمة يفهم منها الوجود والحلول كـــ "موجود" ، فلم يقل الله ، عز وجل ، وهو الذي في السماء موجود وفي الأرض موجود ، ليكون للقوم حجة ، ولو قيل ذلك في غير القرآن ، لكان تأويله ممكنا بما يتفق مع آيات علو الله ، عز وجل ، المحكمة ، كأن يقال : هو موجود بعلمه في السماء وفي الأرض ، كما يقال في آيات المعية ، كقوله تعالى : (هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) ، فالمقصود بالمعية هنا : المعية العلمية لدلالة السياق على ذلك فقبلها : (يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا) وبعدها : (وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) ، أو : هو موجود بقدرته في السماء والأرض ، أو : هو موجود فيهما بمعنى أنهما بآياتهما شاهدان على بديع صنعه ، عز وجل ، ................... الخ من الصفات التي أثبتها الله ، عز وجل ، لنفسه أو أثبتها له رسوله صلى الله عليه وسلم .

المهم أن يقيد الوجود بمعنى لائق بالله ، عز وجل ، فيحمل متشابه القول على محكمه ، وإن كان الأولى عدم إطلاق هذه الألفاظ الموهمة وإن كان مقصود القائل حقا لئلا يقع الاشتباه ، فيتوقف في ذلك على ما جاء به التنزيل والسنة الصحيحة ، وإطلاق لفظ "الموجود" على الله ، عز وجل ، جائز من جهة الإخبار عنه ، لا من جهة تسميته بهذا الاسم ، لأن أسماء الله ، عز وجل ، توقيفية ، لا تعلم إلا بنص من قرآن أو سنة صحيحة ، كما تقدم ، والله أعلم .

وأما من يحتج بمعنى الظرفية في قولك : "الله في السماء" ، زاعما أن معنى هذا أن السماء تحيط به ، والمخلوق لا يحيط بالخالق ، عز وجل ، فالرد عليه : بأن السماء المقصودة في هذا القول ليست السماء المخلوقة التي نراها ، وإنما هي : العلو المطلق ، فالعرب تطلق على كل ما علا الإنسان سماء ، فالسحاب سماء لأنه يعلو الأرض ، كما في قوله تعالى : (وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَاراً) ، والسماء المخلوقة سماء ، والعلو المطلق : سماء ، فيؤول المعنى إلى : الله في العلو المطلق فوق السماوات المخلوقة مستو على عرشه ، كما تقدم ، أو يقال بأن "في" هنا بمعنى : على ، كما في قوله تعالى : (وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ) ، أي : على جذوع النخل ، فلا يتصور أنه سينقب جذوع النخل لصلبهم في داخلها ، وإنما أتى بــ "في" هنا للدلالة على التمكن ، كما أشار إلى ذلك الزمخشري ، غفر الله له ، بقوله : شبه تمكن المصلوب في الجذع بتمكن الشيء الموعى في وعائه ، فلذلك قيل : { فِي جُذُوعِ النخل } . اهـــ ، فيقال هنا أيضا : "الله على السماء" ، أي فوق السماء المخلوقة في العلو المطلق ، فآل المعنى إلى نفس المعنى السابق .

وبهذا يرد على كل الآيات التي توهم ، ابتداء ، هذا المعنى الفاسد ، كقوله تعالى : (وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ)

فالمعنى المقصود مستفاد من قوله تعالى : (الله) ، فهو الإله المعبود في السماوات والأرض ، لا الحال فيهما ، أو هو العالم بما فيهما لدلالة السياق على ذلك ، إذ أتى بعدها قوله عز وجل : (يعلم سركم وجهركم) ، فدل على أن المقصود بالظرفية هنا علم الله ، عز وجل ، بما هو كائن فيهما ، والله أعلى وأعلم .

قبة الديباج
31-08-2006, 04:17 PM
عوداً إلى الصفحات الأولى ..



قوله تعالى : (ويوم نحشرهم جميعا ثم نقول للذين أشركوا مكانكم أنتم وشركاؤكم) ، حيث ظهر لي ، بادي الرأي ، أن : (مكانكم) ، ظرف مكان منصوب ، وعليه لابد من تقدير محذوف ، وليكن : قفوا مكانكم ، وعليه يكون الضمير : (أنتم) ، في محل رفع على الإبدال من واو الجماعة في المقدر المحذوف : (قفوا) ، والواو ، حرف عطف ، و : (شركاؤكم) : معطوف مرفوع يأخذ حكم المعطوف عليه ، فهل هذا التوجيه سائغ ، و جزاكم الله خيراً .



ولكن الذي بدا لي غير ما بدا لك !
فـ : مكانكم ، اسم فعل أمر ، بمعنى الزموا..و لك أن تتم الإعراب .و قوله تعالى : أنتم وشركاؤكم . جملة ابتدائية من مبتدأ وخبر ولا مسوغ للبدلية كما ذكرت ..والله تعالى أعلم .


الفاضل : عبير نور اليقين ..
1- إذا قلنا بأن "مكانكم" اسم فعل أمر بمعنى "الزموا" كما ذكرتم ، فأين مفعوله ؟ فكما علمتُ بأن اسم الفعل عندما ينوب عن فعله فإنه يأخذُ حكمه ، فإن كان الفعلُ متعدياً كان هو كذلك وإن كان لازماً كان أيضاً .
لو قلنا بمجيئه نيابة عن الفعل "اثبتوا" لكان أسلم من الناحية الإعرابية ، ألا ترى ذلك معي ؟
2- ما الغرض من جعل (أنتم وشركاؤكم) جملة ابتدائية ، مع أنها مرتبطة بالمعنى السابق ارتباطاً وثيقاً؟
3- لا أجدُ مانعاً للبدلية في إعراب أخينا المهاجر ، فهي تخدم تفسير الآية . كما يمكننا إضافة وجهٍ آخر وهو التوكيد ، فـ "أنتم" توكيد للضمير في "مكانكم" .

أرجو الإفادة و جزاكم الله خيراً ..

:.:.:.:.:.:.:.:.:.:.:.:.:.:.:.:.:


ومنه قوله تعالى : (جنات عدنٍ يدخلونها) ، في قراءة من كسر "جنات" على أنه مفعول به لفعل محذوف يفسره المذكور بعده .

يمكن أن نعرب "جناتِ" منصوب على الاشتغال ، وذلك لأنها تقدمت على عامل في ضمير عائد إليها .


ومن مواضع تقدير المحذوف المناسب :
قوله تعالى : (لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة) :
... أو على قراءة أبي عمرو الشامي وابن كثير المكي -رحمهما الله- حيثُ بنيا "بيع" "خلة" و"شفاعة" على الفتح في محل نصب ، فأعملا لا النافية للجنس في كل مبتدأ ، كقولك : لا حول ولا قوة إلا بالله ، ببناء "حول" و"قوة" على الفتح في محل نصب اسم لا النافية للجنس .


لم أفهم سبب البناء ؟
فما الغاية من جعل الاسم المتمكن غير متمكنٍ هنا ؟ مع أننا نستطيع أن نجعل الفتح علامة لموضع النصب ؟

:.:.:.:.:.:.:.:.:.:.:.:.:.:.:
وأخيراً ..
أخي المهاجر ..
رفع الله قدرك ، وزادك علماً ، ونفع بك أمتك ..
أُمتعتُ أيما إمتاع وأنا أقرأ .. فواصل رعاك الله .. فنحن نتابع بشغف ..

مهاجر
01-09-2006, 04:22 AM
بسم الله

السلام عليكم

جزاك الله خيرا أيتها الأخت الكريمة

الفتحة في هذه القراءة : فتحة بناء لا فتحة نصب ، لأن اسم لا النافية للجنس : يبنى على ما ينصب به ، فلفظ "بيع" ينصب بالفتحة ، لذا بني في هذه القراءة على الفتح مع كونه في محل نصب اسم لا ، وطالما سلم بأن اسم "لا النافية للجنس" يبنى على ما ينصب به مع كونه في محل نصب ، فلا مجال لمعاملته معاملة الاسم المتمكن ، لأن البناء ضد التمكين ، فلا يوجد اسم مبني على حركة منونة ، إلا في حالة تنوين التنكير ، كتنوين : صه ، إذا أريد بها التوقف عن مطلق الكلام لا كلام معين ، ومع ذلك فإن الأصل فيها أن تكون مبنية على الكسر غير منونة ، وإنما عرض لها التنوين لما قصد بها معنى إضافي خاص ، وكذا ، على سبيل المثال ، في قول الشاعر :
إن الشباب الذي مجد عواقبه ******* فيه نلذ ولا لذات للشيب
بكسر "لذات" دون تنوين ، لأنها جمع مؤنث سالم ، فعلامة نصبه الأصلية : الكسرة ، لذا بني على الكسر ، وامتنع تنوينه لأن التنوين ضد البناء ، كما تقدم ، فالحاصل أنه لا تنوين مع البناء ، لذا عومل المتمكن معاملة غير المتمكن ، والله أعلم .

وأما النصب على الاشتغال في الآية ، فهو خلاف لفظي ، فمقصود كلامك هو مقصود كلامي ، لأني أردت تقدير الفعل العامل في هذا المنصوب المقدم لاشتغال المتأخر عنه بالضمير المتصل به ، بحيث يكون المتقدم المقدر من جنس المتأخر المنشغل ، فيكون تقدير الكلام : يدخلون جنات عدن يدخلونها .

والله أعلى وأعلم .

قبة الديباج
04-09-2006, 09:34 PM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته :
قوله تعالى : ( إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله ، وتلك الأيام نداولها بين الناس وليعلم الله الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء والله لا يحب الظالمين ) .
يقول أبو حيان رحمه الله :
(وليعلم الله الذين آمنوا) هذه لام قبلها حرف عطف ، فتتعلق بمحذوف متأخر ، أي: فعلنا ذلك وهو المداولة، أو نيل الكفار منكم . اهـ .
أي: فعلنا ذلك ليعلم الله الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء .


أخي : مهاجر حفظك الله ..
1- لم أفهم قول أبي حيان: "فتتعلق بمحذوف متأخر" وتقدير ذلك المحذوف، فهلا أوضحته؟
2- هناك توجيه آخر لهذه الآية، وهو أن الواو زائدة، وبهذا لا نحتاج لتقدير محذوف، واللام تعليل لما سبقها (نداولها)، وهذا قول أبي البقاء رحمه الله [من كتاب الدر المكنون في علم الكتاب المصون للسمين الحلبي ].
3- عند تقدير المحذوف ، فلماذا نذهب إلى تقديره تقديراً خارجاً عن القرآن ، فكما أن المرتبة الأولى في التفسير هي تفسير القرآن بالقرآن ، فلماذا لا نلجأ في التقدير إلى التقدير بما ورد في كتاب الله ، فمثلاً قوله تعالى: (إن يمسسكم قرح...)، إذا قلنا بأن الواو في (وليعلم الله) حرف عطف ولا بد من تقدير محذوف ، فإن هذا المحذوف نجده في آية أخرى نزلت في نفس الشأن ، وهي قوله تعالى: (وما أصابكم يوم التقى الجمعان فبإذن الله وليعلم المؤمنين ) ، فيكون المحذوف : "بإذن الله" ، فما رأيكم يا رعاكم الله بهذا التوجيه، فأنا أراه أسلم عند التعامل مع آيات الله ، لا نقع في القول في كتاب الله بما لا نعلم.
4- توجيه آخر للآية ، جاء في التحرير والتنوير : "...فقوله :(فقد مس القوم قرح مثله ) ليس هو جواب الشرط في المعنى ولكنه دليل عليه أغنى عنه على طريقة الإيجاز والمعنى : إن يمسسكم قرح، فلا تحزنوا أو فلا تهنوا، وهنا بالشك في وعد الله بنصر دينه، إذ قد مس القوم قرح مثله، فلم تكونوا مهزومين ولكنكم كنتم كفافاً، وذلك بالنسبة لقلة المؤمنين نصر مبين ... (وليعلم الله الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء والله لا يحب الظالمين * وليمحص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين) عطف على جملة ( وتلك الأيام نداولها بين الناس ) فمضمون هذه علة ثانية لجواب الشرط المحذوف المدلول عليه بقوله: ( فقد مس القوم قرح مثله ) وعلم الله بأنهم مؤمنون متحقق من قبل أن يمسسهم القرح"اهـ .

:.:.:.:.:.:.:.:.:.:.:.:.:.:.:

قبة الديباج
05-09-2006, 02:59 PM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
3- عند تقدير المحذوف ، فلماذا نذهب إلى تقديره تقديراً خارجاً عن القرآن ، فكما أن المرتبة الأولى في التفسير هي تفسير القرآن بالقرآن ، فلماذا لا نلجأ في التقدير إلى التقدير بما ورد في كتاب الله ، فمثلاً قوله تعالى: (إن يمسسكم قرح...)، إذا قلنا بأن الواو في (وليعلم الله) حرف عطف ولا بد من تقدير محذوف ، فإن هذا المحذوف نجده في آية أخرى نزلت في نفس الشأن ، وهي قوله تعالى: (وما أصابكم يوم التقى الجمعان فبإذن الله وليعلم المؤمنين ) ، فيكون المحذوف : "بإذن الله" ، فما رأيكم يا رعاكم الله بهذا التوجيه، فأنا أراه أسلم عند التعامل مع آيات الله ، لا نقع في القول في كتاب الله بما لا نعلم.

يبدو لي أنني أخطأتُ في تقدير المحذوف في هذه الآية ، فقوله"بإذن الله"ليست جملة تامة ليعطف عليها جملة أخرى ، ولكن هي دعوة عامة في جميع آيات الله ، فكثير من الآيات أُفصح بها وذكر ما لم يذكر في آيات أخرى .

مهاجر
05-09-2006, 10:22 PM
بسم الله

السلام عليكم

معنى قول أبي حيان ، رحمه الله : "فتتعلق بمحذوف متأخر" ، أن "اللام" في : "ليعلم الله" متعلقة بالمحذوف الذي قدره بـــ "فعلنا ذلك" ، لأن ما بعدها علة لما قبلها ، فعلة فعلنا ذلك يوم أحد هي : معرفة الذين آمنوا معرفة ظهور وانكشاف توجب الثواب والعقاب ، والله أعلم .


والوجه الذي ذكره أبو البقاء ، رحمه الله ، يؤدي نفس الغرض ، فمعناه : مداولة الأيام بين الناس ليعلم الله الذين آمنوا ، فتكون اللام هنا متعلقة بـــ : "وتلك الأيام نداولها بين الناس" ، وهي هنا ، أيضا ، متعلقة بمتأخر ، ولكنه مذكور ، فما بعدها ، أيضا ، علة لما قبلها ، ووجه كونه مؤديا لنفس الغرض ، أن ما قدره أبو حيان ، رحمه الله ، هو ، تقريبا ، نفس المعنى المذكور في الآية ، فمداولة الأيام بين الناس ، هي فعل الله ، عز وجل ، الذي قدره أبو حيان ، إذ كانت الدولة لمشركي قريش يوم أحد بعد أن كانت للمسلمين يوم بدر ، وعليه ، يبدو ، والله أعلم ، أن قول أبي البقاء ، قد يكون هو الأرجح ، لعدم الحاجة إلى تقدير محذوف ، لأن الأصل : عدم الحذف ، فلا يصار إليه إلا مع تعذر استقامة السياق بدونه .

وقد وافقت ، ابن هشام ، رحمه الله ، في الملاحظة الثالثة ، إذ هو لهج بها في كتبه ، فهو يرى دوما ، مثلما قلت ، أن الأصل أن ينظر في المحذوف المقدر فإن كان مذكورا في سياق مماثل ، قدر في السياق الأول تبعا للثاني ، ويحضرني في هذه اللحظة ، ما قاله في قوله تعالى : (أين شركاءي الذين كنتم تزعمون) ، إذ قدر البعض مفعولي "تزعمون" بـــــ : تزعمونهم شركاء ، فـــ "هم" : المفعول الأول ، و "شركاء" : المفعول الثاني ، ولكنه استدرك عليهم قائلا : والأحسن عندي أن يقدر : أنهم شركاء ، وتكون "أن" وصلتها سادة مسدهما ، بدليل ذكر ذلك في قوله تعالى : (وما نرى معكم شفعاءكم الذين زعمتم أنهم فيكم شركاء) ، فجملة : "أنهم فيكم شركاء" : سدت مسد مفعولي "زعمتم" .
الشاهد أنه استخدم هذا النهج في عدة مواضع ، حتى يكاد يكون أصلا عنده ، وهو أصل جدير بالتأمل ، وله نظائر في كلامه ، كما تقدم ، تصلح للجمع والترتيب بعد استقراء كلام الشيخ ، رحمه الله ، لأن فيها فوائد غزيرة .

وكما قلت : (وما أصابكم يوم التقى الجمعان فبإذن الله وليعلم المؤمنين) ، فيكون المحذوف "بإذن الله" ، ولكن أليس من الأنسب أن يكون المحذوف هو المفهوم من قوله تعالى : (وما أصابكم ............) ، فيكون تقدير الكلام على سبيل المثال : أصبناكم يوم التقى الجمعان بإذننا الكوني القدري ليعلم الله الذين آمنوا ؟

وما فهمته من كلام ابن عاشور ، رحمه الله ، أن ما بعد جواب الشرط الذي قدره بـــ "فلا تحزنوا أو فلا تهنوا" ، هو علة لعدم الحزن ، فتكون جمل :
(فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ)
و (وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ)
و(وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ)
و (وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ) ، كلها علل لعدم الحزن لأنها حكم جليلة إذا عرفها الإنسان زال عنه الوهن والحزن ، فيكون ذلك من باب توارد أكثر من علة على معلول واحد ، فما الرأي في هذا التوجيه ؟
والله أعلى وأعلم .

وأخيرا : جزاك الله خيرا على هذه الإضافات القيمة .