المساعد الشخصي الرقمي

اعرض النسخة الكاملة : موضوع مميز مفتاح العُدّة في نظم كتاب:(العمدة) لابن رشيق



أحمد بن يحيى
25-12-2020, 08:35 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف خلق الله أجمعين نبينا محمد وعلى آله وصحبه.
تحية طيبة إلى مقامكم الكريم في هذا المنتدى العريق.. فالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد:

فهذه نواة أولية لمشروع علمي مداره على اختصار كتاب: (العمدة في محاسن الشعر وآدابه ونقده) لمصنفه: ابن رشيق القيرواني (ت 456هـ).
وهذا الاختصار هو على هيئة منظومة رجزية؛ على غرار كثير من منظومات العلم.

وقد ابتدأته من باب التجربة في لحظة صفاء خاطر واعتدال مزاج؛ ثم بدا لي ـ لما رأيت ما حصل فيه من تسهيل وتيسير بتوفيق الله ـ بدا لي أن أمضي في هذا الأمر. وقد أنجزت ـ بحمد الله وتوفيقه ـ شطرًا لا بأس به من نظمه.
سأنشرها هنا في هذا المتصفح على مدار أسابيع، أكمل في أثنائها نظم الشطر الآخر من الكتاب إن شاء الله تعالى.

مع ملاحظة أن هذا العمل ما زال نواة أولية لم ينتظم جميع أبواب الكتاب؛ بل كان جل تركيزه في هذه المرحلة على ما يتصل بشكل مباشر بقضايا البلاغة والنقد التي تقع من هذين العلمين في الصميم.
ولذلك فسيلحظ القارئ قفزا على بعض أبواب الكتاب وطيا لبعضها الآخر مما لا يتصل بشكل مباشر بموضوع النظم.

والمأمول ـ إن شاء الله ـ إتمام الكتاب بحده بجميع أبوابه التي وضعها مصنفه رحمه الله تعالى وأجزل ثوابه.
وتلك مرحلة أخرى تالية للمرحلة الأولى لها وقتها وأوانها بإذنه تعالى.

ولأن المقصود في النظم هو الإيجاز والإشارة؛ فلعلي أعود من بعد ـ بإذن الله ـ شارحا لتلكم الإشارات في شرح موجز موضح إن شاء الله تعالى.
وقد يتبع ذلك ـ إن بارك الله في العمر والعمل ـ شرح موسع يكون فيه كتاب العمدة في ضوء نظمه منطلقا لكتاب شامل يتناول قضايا النقد قبل ابن رشيق وبعده.
ولعل هذا من باب الأمنية والأمل؛ كما قال الشاعر:
أعلل النفس بالآمال أرقبها * ما أضيق العيش لولا فسحة الأمل
وقد قال الشاعر قبل هذا البيت:
حب السلامة يثني عزم صاحبه * عن المعالي ويغري النفس بالكسل

وقد سميت هذا المنظوم بـ:
(مفتاح العُدَّة في نظم كتاب العُمدة لابن رشيق القيرواني)

ولا غنى عن توجيهكم وإرشادكم ونقدكم؛ فإن ذلك مما يستقيم به العمل، وهو غاية المراد والمطلوب.

واللهَ أسال التوفيق إلى إتمامه والتيسير فيه، وأسأله ـ جل وعلا ـ القبول والسداد، وأن يكون هذا العمل خالصا لوجهه الكريم. إنه ولي ذلك والقادر عليه.
وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب .
والحمد لله أولا وآخرا،،،

أحمد بن يحيى
25-12-2020, 09:32 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

مقدمة النظم:

الحمدُ لله العَليّ الفرْدِ =المُستحِقِ الحمدَ بَعْدَ الحمدِ
حمدًا كثيرًا طيّبا مُباركا =كما يَشاءُ ربُّنا تَباركا
يُوْصَلُ بالصلاة والسلامِ =على النَّبِيْ وآلِهِ الكِرامِ
وبَعْدُ هذا مَسْلَكٌ سَلَكتُهُ =في نَظْمِ مقصودي الذي قَصَدْتهُ
يَكُوْنُ مفتاحًا لِبَابِ العُمْدَهْ =وعُدَّةً لِمَنْ أرادَ عُدَّهْ
لابْنِ رَشِيْقَ الْفَضْلُ في كِتابهِ =في نَقْدِهِ الشّعْرَ وفي آدابهِ
وهْوَ كتابٌ رِيْضَ مِن مُفْتَـنّهِ = كأنّما هُوْ واحِدٌ في فَنّهِ
لكنّهُ أتى به مُطَوَّلا =وبَسَطَ العِلْمَ به فأجْزَلا
قَصَدْتُ منه القَصْدَ والإيجازا =لمن أرادَ الحفظَ والإنجازا
في زمَنٍ ما عادَ فيه مُتَّسَعْ =تَشَعَّبتْ هُمومُهُ حتى ذَرَعْ
مَخَضْتُ فيه النَّقْدَ عن إهَابِهِ =أفْرِزُهُ مِن خارِجٍ عن بابهِ
فَلَمْ أخُضْ في الوَزْنِ والقوافيْ = فَذَاكَ بابٌ للعَروض ضافِيْ
و ذِكْرِ أيامٍ وفي النُّجومِ = وعَدّ أنسابٍ وفي الرُّسُومِ
فإنْ أرادَ الصَّحْبُ أن أُتِمّهْ = لِغايةٍ أفرغْتُ فيهِ الْهِمَّهْ
لكنما الذّهْنُ إلى كَلالِ = والهِمَّةُ الوثقى إلى انحلالِ
وحسبيَ التأطيرُ والإشارهْ = ولستُ آلو الجُهْدَ في العِبارهْ
ثُمَّتَ أبْدَا ما أرَدْتُ حِينا = أبدأ بِاسْمِ الله مستعينا
أسأله سبحانه التوفيقا = والصدقَ والقبولَ والتحقيقا

عبد الله عبد القادر
25-12-2020, 09:34 AM
توكل على الله أستاذي واشرع في العمل، وأنا أول المتابعين، وعلى يقين من أن أبا يحيى سيفيض علينا من علمه وأدبه بأسلوبه الرشيق الذي اعتدنا كل ما هو مفيد. أعانك الله وسدد خطاك.
مع خالص تحياتي وتقديري.

أحمد بن يحيى
25-12-2020, 10:04 AM
توكل على الله أستاذي واشرع في العمل، وأنا أول المتابعين، وعلى يقين من أن أبا يحيى سيفيض علينا من علمه وأدبه بأسلوبه الرشيق الذي اعتدنا كل ما هو مفيد. أعانك الله وسدد خطاك. مع خالص تحياتي وتقديري.

توكلت على الله، وبه أستعين.
تشجيعكم وأمثالكم من الأفاضل يبث في النفس طاقة من الحماس تتطامن دونها الصعاب!
فجزاكم الله خيرا وبارك فيكم أستاذنا أبا محمد.

أشرف بمتابعتك أستاذي
وأرجو أن يكون هذا العمل المتواضع مفيدًا وممتعا لك أستاذي ولجميع القراء الكرام.

وسيكون ـ بإذن الله ـ على حلقات: (ثلاث في كل أسبوع).
والله الموفق،،،

مع خالص تحيتي وتقديري،،،

زهرة متفائلة
25-12-2020, 10:09 PM
الحمدلله والصلاة والسلام على رسول الله ....أما بعد :

تعقيب!

_أسأل الله أن يطرح البركة والخير في موضوعكم الكريم هذا وأن يأجركم عليه!
_ من المتابعين بإذن الله حتى نستفيد ؛ وإني لأرجو أن يكون مشروعكم الجديد فيما بعد كتاب الصناعتين .

ثم إنه أثابكم الله كل الخير لنشر العلم ، والله الموفق

أحمد بن يحيى
26-12-2020, 06:29 AM
جزاك الله خيرًا أستاذتنا الفاضلة: (زهرة متفائلة)، وبارك فيك!

أحمد بن يحيى
26-12-2020, 07:31 AM
باب فضل الشعر وما يتبعه من أبواب:


الشِعْرُ والنَثْرُ هما إخْوَانُ = مَنْزِعُها الإفهامُ والتبيانُ
لكنَّ لِلشعر على أخيهِ = فَضْلاً وذاك مِنْهُ يَزْدَهِيهِ
فالوزنُ منهُ جامعٌ أشْتاتَهْ = كالدُّر حاطَ سِلْكُهُ انبِتاتَهْ
كان الكلامُ كلُّه منثورا = فاهتزَّ عِطْفًا فاستوى شُعورا
حتى تَغَنَّى القَومُ بالأمجادِ = مِن رائحٍ شادٍ وحادٍ غاديْ
فامْتازَ بالوَزْن فصارَ شِعرا = لهُ أعاريْضُ وحالٌ تَتْرى
فصارَ لِلغناء ثَمَّ أقْرَبْ = يُطرِبُ أحيانًا وحِيْنًا يُرْهبْ
واحْتَجَّ مَن قالَ بفضلِ النثرِ = بأنَّ قولَ الله غَيْرُ شِعْرِ
لكنْ كلامُ الله ليسَ شعرا = كذا كلامُ الله ليس نثرا
لأنهُ وحْيٌ عظيمٌ مُعْجِزُ = عنهُ الْجَمِيْعُ القائلونَ أعْجَزُ
لكنّما الشعرُ لَهُ مَهابَهْ = في أنفُسِ القومِ وذو خِلابهْ
فنزَّه اللهُ الرسولَ عنهُ = ليس مِن الشعر وليس مِنْهُ
لأنهُ النبيُّ والرسولُ = بَلاَغُهُ القرآنُ و التنزيلُ
ومُنْشِئُ الشعرِ فذاكَ الشاعرُ= مَعْقودُ لِحْيَيْهِ القَريْضُ الساحرُ
يُخاطِبُ المَلْكَ بِـ(كَافٍ) واسْمِهِ = وتارةً يَنْسبهُ لأمّهِ
مُسَوَّغٌ لَهُ مَدِيحُ نَفْسِهِ = وإنْ يَكُنْ ذُمَّ بِغَيْرِ جِنسهِ
وأحْسَنُ الشعرِ لديهِ أكذبُهْ = لأنّهُ في كُلّ وادٍ مَذْهَبُهْ
لِذاكَ عَنْهُ تُدْرَأ الحُدودُ = لِواجِدٍ فيهِ ولا مَوجودُ
كذلك الشعرُ فَعِلْمٌ قد غَلَبْ = على الطّباعِ فهْوَ ديوانُ العَرَبْ
والقَوْلُ فَاللَّحْنُ ألَذُّ سِيْقا = كذاك زَعْمُ صاحِبِ الموسيقى
وكَيْفَ والأشعارُ للأوتارِ = قواعدٌ، والوزنُ كالمِعيارِ!
والشعرُ ميزانُ المَقالِ فاعْلَمَنْ = وجَزْلُهُ يَسْتَلُّ مَعقودَ الإحَنْ
حَسَنُهُ مِن الكَلام حَسَنُهْ = كذا القبيحُ حيثما تَسْتهجِنُهْ
وليس كُلُّ الشعراء فَجَرهْ = فمنهمُ كذا الخِيارُ البَررهْ
مِنَ الذين آمنوا وذادوا = وانتصروا فشعرُهمْ جهادُ
فمِنْهمُ (حَسَّانُ) - والرسول = يقول: إرْمِ - رِدْؤهُ جبريلُ
و(ابْنُ رَوَاحَةٍ) كذاك (كَعْبُ) = لَهُمْ لسانٌ صارِمٌ وعَضْبُ
يُبْلُوْنَ في (قُرَيشَ) حيثُ تُبْلِيْ = بأسْهُمٍ تَفُوقُ نَضْحَ النَّبْلِ
وكُلُّ مَن سارَ على المِنهاجِ = فإنه بإذن ربي ناجِ
ويَحْسُنُ الشعرُ مع القليلِ = في حاجةٍ أو غَرَضٍ نبيلِ
فلا جُناحَ فيهِ أنْ يقولا = في حاجةٍ للنفس لن تَزولا
قد قال شعرًا كُلُّ عَبْدِ المُطَّلِبْ = حاشا النبيّ ما لَهُ بِهِ أرَبْ
كذاك قالَهُ الهُدَاةُ الخُلَفا = وجِلَّةٌ مِن التُّقاةِ الحُنَفا
بَلْ قد أُجِيْزَ فيهِ أنْ يُغَنَّى = بِغَيْرِ آلةٍ وأنْ يُثَنّى
وإنّما يُكْرَهُ إمَّا غَلَبَا = على فؤادِ المَرْءِ حتى عَطِبَا
فَشَأنُهُ كَشَأنِ كُلّ لَهْوِ = يَصْرِفُ عن دِيْنٍ وعُلْوِ شَأوِ

أبوطلال
26-12-2020, 11:15 AM
بادرة طيبة أبا يحيى،
لعلها تقرب التراث
من بنيه.
فلك منه غُنم الأجر،
ونبل المقصد.
هذا ولا زلت منعماً بخير.


أحمد بن يحيى
26-12-2020, 09:45 PM
جزاكم الله خيرا شيخنا أبا طلال على هذه الإطلالة الوارفة والمرور المشجع
وبارك فيكم
وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة.

مع خالص التحية والمودة والتقدير،،،
تلميذكم / أحمد

د:إبراهيم الشناوى
26-12-2020, 10:54 PM
ما شاء الله تبارك الله

بادرة طيبة حقا

أعانك الله وسددك
______________________________
لكن لم يظهر عندي النظم في أكثر من متصفح (كروم وفايرفوكس وإيدج) وإنما يظهر الجدول كأنه سطران متوازيان بينهما حرف أو أكثر غير مقروءة
وسأحاول إرفاقها لإيضاح المشكلة عندي

4806

ولم أر أحدا من الأساتذة أشار إلى ذلك فلعل المشكلة من عندي
فالله أعلم
ووفقكم الله

زهرة متفائلة
26-12-2020, 11:08 PM
ما شاء الله تبارك الله

بادرة طيبة حقا

أعانك الله وسددك
______________________________
لكن لم يظهر عندي النظم في أكثر من متصفح (كروم وفايرفوكس وإيدج) وإنما يظهر الجدول كأنه سطران متوازيان بينهما حرف أو أكثر غير مقروءة
وسأحاول إرفاقها لإيضاح المشكلة عندي

http://www.alfaseeh.com/vb/attachment.php?attachmentid=4806&stc=1

ولم أر أحدا من الأساتذة أشار إلى ذلك فلعل المشكلة من عندي
فالله أعلم
ووفقكم الله

الحمدلله والصلاة والسلام على رسول الله .....أما بعد :

بعد إذن صاحب النافذة ،،

بارك الله فيكم ( تجدون الإجابة والحل بالضغط هنا (http://www.alfaseeh.com/vb/showthread.php?t=91426&highlight=))

والله الموفق

أحمد بن يحيى
27-12-2020, 12:13 AM
جزاكم الله خيرًا د. إبراهيم على مروركم المحفز ودعائكم الطيب.
وشكر الله لك تنبيهي إلى هذا الإشكال.

بإذن الله سأذيّل الصفحات بصور في المرفقات؛ لتكون واضحة لكم وللقراء الكرام.
فجزاكم الله خيرًا وبارك فيكم،،،

والشكر كذلك موصول للأستاذة زهرة متفائلة على مبادرتها بعرض موضوع حل الإشكال..
فجزاها الله خيرًا على جهودها الطيبة المباركة!

أحمد بن يحيى
27-12-2020, 02:15 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
مفتاح العدة في نظم العمدة في محاسن الشعر وآدابه ونقده
لابن رشيق القيرواني ــ ملخصا ــ

مقدمة:

الحمد لله العلي الفرد * المستحق الحمد بعد الحمد

حمدًا كثيرًا طيبا مباركا * كما يشاء ربنا تباركا

يوصل بالصلاة والسلام * على النبيْ وآله الكرام

وبعدُ هذا مسلكٌ سلكته * في نظم مقصودي الذي قصدته

يكون مفتاحا لباب العمده* وعُدة لمن أراد عده

لابن رشيق الفضل في كتابهِ * في نقده الشعرَ وفي آدابهِ

وهْو كتاب رِيْضَ من مُفْتَنِّهِ(1) * كأنما هوْ واحد في فنهِ

لكنه أتى به مُطولا * وبسط العلم به فأجزلا(2)

قصدتُ منه القصد(3) والإيجازا * لمن أراد الحفظ والإنجازا

في زمن ما عاد فيه مُتسعْ * تشعبت همومه حتى ذَرَعْ(4)

مخضتُ فيه النقد عن إهابه(5) * أفرزه من خارج عن بابه

فلم أخض في الوزن والقوافي * فذاك باب للعروض ضافي(6)

و ذِكْرِ أيامٍ وفي النجوم * وعَدِّ أنسابٍ وفي الرسوم

فإن أراد الصحب أن أتمَّهْ * لغاية أفرغت فيه الهمهْ

لكنما الذهن إلى كلالِ(7) * والهمة الوثقى إلى انحلالِ

وحسبي التأطير والإشارهْ * ولست آلو الجهد في العبارهْ

ثُمَّتَ أبْدَا ما أردت حينا * أبدأ باسم الله مستعينا

أسأله سبحانه التوفيقا * والصدق والقبول والتحقيقا


باب فضل الشعر وما يتبع ذلك من أبواب:

الشعر والنثر هما إخْوانُ * مَنْزِعُها(8) الإفهامُ والتبيانُ

لكنَّ للشعر على أخيه * فضلاً وذاك منه يزدهيه(9)

فالوزن منه جامعٌ أشتاتَهْ * كالدُّرِّ حاط سلكُهُ انبتاتَهْ(10)

كان الكلام كله منثورا * فاهتز عِطْفًا(11) فاستوى شعورا

حتى تغنى القوم بالأمجاد * من رائحٍ شادٍ وحادٍ غاديْ

فامتاز بالوزن فصار شعرا * له أعاريضُ وحال تترى(12)

فصار للغناء ثم أقربْ * يُطرب أحيانا وحينا يُرهبْ

واحتج من قال بفضل النثر * بأن قول الله غَيْرُ شعر

لكنْ كلام الله ليس شعرا * كذا كلام الله ليس نثرا

لأنه وحيٌ عظيمٌ معجزُ * عنه الجميعُ القائلون أعجَزُ

لكنما الشعر له مهابه * في أنفُسِ القوم وذو خِلابه(13)

فنزه الله الرسول عنه * ليس من الشعر وليس منه

لأنه النبي والرسول * بلاغه القرآن و التنزيل

ومنشئ الشعر فذاك الشاعرُ* معقود لِحْييه القريض الساحرُ(14)

يخاطب المَلْك بـ(كافٍ)(15) واسمِهِ * وتارة ينسبه لأمِّهِ

مُسَوغٌ له مديحِ نفسه * وإن يكن ذُمَّ بغير جنسه

وأحسنُ الشعر لديه أكذبه * لأنه في كل وادٍ مذهبه

لذاك عنه تُدرأ الحدودُ * لواجدٍ فيه ولا موجودُ(16)

كذلك الشعرُ فعلمٌ قد غلبْ * على الطباع فهو ديوان العربْ

والقولُ فاللَّحْنُ ألذُّ سِيْقا * كذاك زَعْمُ صاحب الموسيقى

وكيف والأشعار للأوتار * قواعدٌ والوزن كالمعيار!

والشعر ميزان المقال فاعلمنْ * وجزله يستلّ معقودَ الإحنْ(17)

حَسَنُه من الكلام حَسَنُهْ * كذا القبيح حيثما تستهجنه

وليس كل الشعراء فجرهْ * فمنهمُ كذا الخيار البررهْ

من الذين آمنوا وذادوا * وانتصروا فشعرهم جهاد

فمنهمُ حسَّان ــ والرسولُ * يقول إرمِ ــ ردؤه(18) جبريلُ

وابن رواحةٍ كذاك كعبُ * لهم لسان صارم وعضب(19)

يُبْلون في قريش حيث تُبْلي * بأسهم تفوق نضح النبلِ(20)

وكل من سار على المنهاجِ * فإنه بإذن ربي ناجِ

ويَحْسُن الشعر مع القليل * في حاجة أو غرض نبيل

فلا جُناحَ فيه أن يقولا * في حاجةٍ للنفس لن تزولا

قد قال شعرًا كلُّ عبد المطلب * حاشا النبيِّ ما له به أرب(21)

كذاك قاله الهداة الخلفا * وجلة من التقاة الحنفا

بل قد أجيز فيه أن يُغنَّى * بغير آلة وأن يثنى

وإنما يُكره إما غَلَبا * على فؤاد المرء حتى عطبا

فشأنه كشأن كلِّ لهوِ * يَصرِف عن دِيْنٍ وعُلْوِ شأوِ(22)

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) رِيْضَ من مُفْتَنِّهِ: أي ذُلِّل وسلس تأليفه، على تفنن فيه وتوسع وتأنق وتحسين.
(2) أجزل: توسَّع وأكثر.
(3) القَصْد: الاقتصاد والاقتضاب(الاختصار)
(4) ذَرَع: غَلَب وقهر بالهموم والشغول.
(5) مخض النقد: كناية عن استخراج مواضعه ومواضيعه بمزيد معالجة وتأمل. مأخوذ من: مخض اللبن، إذا استخرج زبده بتحريكه وخضه.
(6) ضافي : مُتّسع، فيه تفصيل واستطراد.
(7) كَلال : تعب وضعف.
(8) منزعها(منزعهما) : مآلهما ومذهبهما وغايتهما.
(9) يزدهيه : يزيده زهوا وفخرا وتعاظما.
(10) كالدرِّ حاطَ سلكُه انبتاتَه : منعه وحفظه من الانفراط والتناثر..كأنما الوزن الناظم للشعر شبيه بالسلك الناظم للدر.
(11) العِطْف : الجانِب.. كأنه ـ أي الكلام ـ قد تحرك عطفه بالتغني بالمآثر والمفاخر.
(12) أعاريض : موازين الشعر. حال تترى : متصلة بنسق إيقاعي متتابع هو نسق الوزن والبحر الشعري.
(13) الخِلابَةُ : الخديعَةُ برقيق الحَدِيث.
(14) معقودُ لِحْيَيْه: ما ضُمَّ عليه لسانُه، وانعقد بقَصْدِه جنانُه. القريض: الشعر.
(15) بـ (كافٍ) : أي كاف الخطاب للواحد؛ فيقول: إنك، كأنك ... فلا يعظمه بالجمع.
(16) أي: دَفْعُ إقامةِ الحَدّ بالشبهة؛ لأن الشاعر قد يقول ولا يفعل.
(17) الجَزْل : القوي المستحكم. معقود الإحَن: ما استحكم من الأحقاد والعداوات.. فمستحكم الشعر الجزل يفكّ مستحكم العداوة والحقد.
(18) الرِدْء: المُعِين والناصر.
(19) عَضْب : حادّ قاطع.
(20) يُبْلُون : يبذلون جهدا عظيما بالغا. النَّضْح: شدة الرمي وتتابعه.
(21) أرَبْ: حاجة.
(22) علو شأو : رفعة شأن وعِظَم همة.

د:إبراهيم الشناوى
27-12-2020, 09:05 PM
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله .....أما بعد :

بعد إذن صاحب النافذة ،،

بارك الله فيكم ( تجدون الإجابة والحل بالضغط هنا (http://www.alfaseeh.com/vb/showthread.php?t=91426&highlight=))

والله الموفق


جزاك الله خيرا
ورابط الأداة لا يعمل لكن بحثت عنها فحملتها ثم وضعتها في كروم فتم حل الإشكال
فجزاكم الله خيرا

د:إبراهيم الشناوى
27-12-2020, 09:07 PM
جزاكم الله خيرًا د. إبراهيم على مروركم المحفز ودعائكم الطيب.
وشكر الله لك تنبيهي إلى هذا الإشكال.

بإذن الله سأذيّل الصفحات بصور في المرفقات؛ لتكون واضحة لكم وللقراء الكرام.
فجزاكم الله خيرًا وبارك فيكم،،،

والشكر كذلك موصول للأستاذة زهرة متفائلة على مبادرتها بعرض موضوع حل الإشكال..
فجزاها الله خيرًا على جهودها الطيبة المباركة!

فكرة وضع صورة في المرفقات فكرة جيدة
بارك الله فيكم
وأعانكم الله وسددكم

أحمد بن يحيى
28-12-2020, 02:25 PM
باب من رفعه الشعر ومن وضعه، ومعه باب من قضى له الشعر ومن قضى عليه:

والشِّعْرُ قَدْ يَرْفَعُ قَومًا ويَضَعْ = لِشَرَفٍ فيهِ وعِرْقٍ مُنْتَزَعْ(1)

حَتَّى يَكُوْنَ مَثَلاً مُؤَثَّلا = كَرَايَةِ (الأوْسِيِّ) لَمَّا أنْ عَلَا(2)

ومِثْلَما باتَ على نارِ النَّدَى = (مُحَلَّقٌ) فاجْتازَ فيها الفَرْقَدَا(3)

وشَمَخَتْ (بَنُوْنُ أَنْفِ النَّاقَهْ) = مِنْ بَعْدِ ذُلٍّ مُوْثِقٍ وثَاقَهْ (4)

ومِثْلما أُطْفِئَ جَمْرَةُ الْعَرَبْ = بِـ (غُضَّ طَرْفًا...) فَـ(نُمَيْرٌ) في هَرَبْ(5)

كَذَا (بَنُو الْعَجْلانِ) لَمَّا أجْلَبُوا = حتى قَضَى (حَسَّانُ) أنْ قَدْ غُلِبُوا(6)

فبَعْضُهمْ قد قال فِيْهِمْ شُعَرَا = لَمَّا رَضُوا أو غَضِبوا على القِرَى(7)

ورُبَّما أنْشَدَ شعرًا شاعِرُ = إذَاْ لَهُ بِهِ شِعَارٌ ظاهِرُ

كـَ (عائِدِ الكَلْبِ) وكَـ (الْمُمَزَّقِ) = ومِثْل (مِسْكِيْنٍ) وكَـ (الْمُخَرِّقِ)(8)

والشاعرُ الذي على الشعرِ طُبِعْ = يقولُ دون طَمَعٍ ولا جَزَعْ(9)

لذاكَ كانَ (المَلِكُ الضِّلِّيْلُ)(10) = مُقَدَّمًا في الشعر إذ يَقولُ

وقد يَضِيْرُ الشاعرَ التكَسُبُ = يُرِيْقُ ماءَ وجهِهِ فيَنْضَبُ

وعَلَّهُ ألا يَنَالَ حاجَهْ = لِفَرْطِ ما أظْهَرَ مِن لَجَاجَهْ(11)

وربما نالَ بِهِ قَضَاءا = يَكُونُ مِن سُبْلِ الرَّدَى وِقَاءا

كَـ (النَّابِغِ الْجَعْدِيِّ) لَمَّا أنْ سَألْ = مَعَ الرسولِ جَنَّةً بِها قُبِلْ(12)

ومِثْل (حَسَّان) على بَيْتَيْنِ = دعَا له الرسولُ مرتينِ

في الأولِ الجَزَاءُ بالجِنَانِ = والآخَر الصَّرْفُ عَنِ النَّيْرانِ

ذَبَّ عن الرسول والحِيَاضِ = بالنَّفْسِ والأهْلِيْنَ والأعراضِ(13)

وربَّما يُقْضَى بِهِ عَلَيْهِ = ولا يَعُودُ حَقُّهُ إليهِ

فَـ (ابْنُ عُلَاثَ) لَمْ يُدَلْ مِنْ (عَامِرِ) = بِحُكْمِ (أعْشَى قَيْس) حُكْمِ الجَائِرِ(14)

والشاعرُ النِّحْرِيْرُ مِثْلُ الْقاضِيْ = يَحْكُمُ بالإبْرَامِ والإنْقاضِ(15)

لذا (زُهَيْرٌ) كان قاضي الشُّعَرَا = بِمَقْطَعِ الْحَقِّ ثَلاثًا سَبَرا(16)

_______________________________
(1) لشرف فيه وعِرْق مُنتَزع: لشرف الشعر في البيان، كأنما ينزع منه إلى أصل كريم له أثره وخطره؛ كما تقول: الشعر فن عريق في باب البيان.
(2) مَثَلاً مُؤثَّلا: مثلاً سائرًا، وأثرًا باقيًا موصولا. والأوسي: هو عَرَابةُ الأوْسِي الذي شُهِرَ بمدح الشّماخ بن ضِرَار له، بقوله: إذا ما راية رُفِعت لمجد* تلقّاها عَرَابةُ باليمين.
(3) إشارة إلى مدح الأعشى للمُحَلَّق الكِلابي في قصيدته الشهيرة، التي أولها:
أرِقْتُ، وما هذا السهاد المُؤرِّقُ.
اجتاز الفرقدا: كناية عن الرفعة وعلو الشأن. والفرقد: واحد الفرقدين، وهما نجمان يضرب بهما المثل في البعد والعلوّ والرفعة.
(4) إشارة إلى مدح الحطيئة لبني أنف الناقة؛ لا سيما قوله:
قوم هُمُ الأنْفُ والأذنابُ غيرهمُ * ومن يُسوِّي بأنفِ الناقة الذَنَبا
(5) إشارة إلى هجاء جرير لعُبيد بن حُصين (الراعي النميري)، ببيته المشهور:
فغضّ الطرف إنك من نمير* فلا كعبًا بلغتَ ولا كلابا
وأطفئت جمرة بني نمير: على الاستعارة؛ بمعنى غُضَّ من شأن الانتساب إليها؛ وإلا فبنو نُمير بن عامر بن صعصعة لم تُطفأ جمرتها حقيقة؛ لأنها لم تتحالف مع غيرها في حروبها؛ في حين أطفئت جمرة غيرها بتحالفها؛ كبني ضبة، وبني الحارث بن كعب.
(6) إشارة لهجاء الشاعر النجاشي لبني العجلان، واستعدائهم عليه عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وحُكْم حسان رضي الله عنه فيه وفيهم.
(7) القِرَى: ما يُقَدَّم إلى الضيف. وهو هنا كناية عن عموم الأعطيات.
(8) شِعارٌ ظاهر: أي: لقَبٌ يُلصق به، وشُهرة يُدْعَى بها؛ بسبب مجيئها في شعره.
عائد الكلب: لقب شاعر اسمه: عبدالله بن مصعب. لقوله:
مالي مرضت فلم يعدني عائد *منكم، ويمرض كلبكم فأعود!
مسكين: هو مسكين الدارمي، واسمه: ربيعة. لقوله:
أنا مسكينٌ لمن أبصرني* ولمن حاورني جِدُّ نَطِقْ
المُمَزَّق ـ بفتح الزاي: واسمه شأس بن نهار العبدي؛ لقوله:
فإنْ كنتُ مأكولاً فكنْ أنتَ آكلي* وإلا فأدركني ولمَّا أُمَزَّقِ
المُخرِّق ـ بكسر الراء ـ هو ابن (المُمزِّق الحضرمي)، وهو غير الممزَّق العبدي.
ولم يذكره المصنف ـ رحمه الله ـ وإنما أردته لتمام القافية؛ فكان أن اتفق لي العثور به في كتاب: (المذاكرة في ألقاب الشعراء)، لمجد الدين النشابي(ت657هـ).
وقد شهر المُخَرِّق هذا (واسمه:عبّاد)؛ بقوله:
أنا المُخَرِّقُ أعراضَ اللئامِ، كما * كانَ المُمَزِّقُ أعراضَ اللئامِ أبي
(9) أي: الشاعر المطبوع على قول الشعر والمُقَدَّم فيه، وسيأتي بيان ذلك ـ إن شاء الله في أبواب قادمة من الكتاب.
(10) الملك الضلِّيل: من ألقاب امرئ القيس بن حجر الكندي، الشاعر المشهور.
(11) اللجاجة: الإلحاح والإلحاف في المسالة.
(12) اسمه: قيس بن عبدالله. والبيت إشارة إلى قوله:
عَلَونا السماءَ عفَّةً وتكرُّمًا * وإنا لنرجو فوق ذلك مظهرا
لما سأله رسول الله صلى الله عليه وسلم: أين المظهر؟ قال: الجنة بك يا رسول الله. فقال عليه الصلاة والسلام: أجل.. إن شاء الله.
(13) وذلك قوله: هجوتَ محمدا فأجبتُ عنه* وعند الله في ذاك الجزاءُ
وقوله: فإن أبي ووالدَه وعِرْضي * لعِرضِ محمدٍ منكم وقاءُ
ذَبَّ: دافَعَ وحامَى.
(14) إشارة إلى هجاء الأعشى لعلقمة بن علاثة، ومدح عامر بن الطفيل؛ فلم ينتصف له بالعدل والسَّوِيَّة كما انتصف له غيرُه من المحكّمين في المنافرة الشهيرة بينهما.
(15) أي يبرم ما نُقِض، وينقض ما أبرم (كناية عن تصرفه في الحكم وتصريفه له بتصريف الشعر فيه). مأخوذ من إبرام الحبل(فتله) ونقضه.
(16) لقوله: فإن الحق مقطعه ثلاث* يمينٌ أو نِفارٌ أو جلاء
وقد أجازه الإسلام على ذلك الحكم والقضاء؛ بشهادة عمر بن الخطاب رضي الله عنه.

أحمد بن يحيى
31-12-2020, 03:10 PM
باب شفاعات الشعراء وتحريضهم، ومعه باب احتماء القبائل بشعرائها:

وَقَدْ يَقُوْمُ الشِّعْرُ لِلشَّفَاعَهْ = يَسْتَنْزِلُ الْعَفْوَ بِرَسْمِ الطَّاعَهْ

(عَلْقَمَةُ) الْمَشْهُوْرُ بِاسْمِ (الْفَحْلِ) = أَعْفَى أخَاهُ (شَأْسَ) حَدَّ الْقَتْلِ(1)

وكَانَ في بَعْضِ (تَمِيْم) أُسِرَا = إذْ قَتَلَ الْحَارِثُ(2) فيها الْمُنْذِرَا(3)

فَأُطْلِقَتْ أَسْرَى (بَنِيْ تَمِيْمِ) = وشُفِّعُوا في العَدَدِ العَمِيْمِ

ومِثْل ما اسْتَعْطَفَ سَيْفَ الدَّوْلَهْ = شاعِرُهُ بِأنْ يَكُفَّ طَوْلَهْ (4)

عَنِ الْجُنَاةِ مِنْ (بَنِيْ كِلاَبِ) = تَرَفُّقَ الْمَوْلَى بِلا عِقَابِ(5)

ولا يَزَالُ الشعرُ كالوَسِيْلَهْ = لِنَيْلِ كُلِّ حَاجَةٍ أَثِيْلَهْ(6)

كَمَا سَعَى (الطَّائِيُّ)(7) عِنْدَ (الْمُعْتَصِمْ)(8) = أُشْدُدْ بِـ (هارُوْنَ)(9) وأَحْكِمْ واعْتَصِمْ

فَوَثَّقَ (الْوَاثِقَ) في الْوِلايةِ = شِعْرٌ لَطِيْفٌ بَالِغٌ لِلْغَايَةِ(10)

وَقَدْ يَثُوْرُ الشعرُ لِلتَّحْرِيْضِ = فَيُشْعِلُ الْفِتْنَةَ بِالْقَرِيْضِ

فِعْلَ (سُدَيْفٍ) وكَذَاكَ (شِبْلُ) = حَتَّى اسْتَحَرَّ في الْفَرِيْقِ الْقَتْلُ(11)

قَامَتْ (بَنُو الْعَبَّاسِ) في (أُمَيَّهْ)= لَمَّا أطَاعَ الشعرُ فِيْهِمْ غَيَّهْ

فَأشْعَلَ الثَّارَاتِ والأحقادا = وذَرَّ جَمْرًا قَدْ بَدَا رَمَادا

والشاعرُ النِّحْرِيْرُ سَيْفٌ بَاتِرُ = وفي الدِّفَاعِ صِلْدِمٌ عُذَافِرُ(12)

يَذُبُّ ذَبَّاً عَنْ حِيَاضِ آلِهِ = فَيَحْتَمِي الْقَبِيْلُ فِيْ سِرْبَالِهِ(13)

لِذَاكَ كانَتْ تُصْنَعُ الْمَوَائِدُ = ويَلْعَبُ الْوِلْدَانُ والْوَلائِدُ

وتَحْتَفِيْ بالشاعِرِ الْقَبِيْلَهْ = لأنَّهُ كَاللَّيْثِ يَحْمِيْ غِيْلَهْ(14)

كَمَا حَمَى الْحِمَىْ (زِيَادُ الأَعْجَمُ)(15) = حَتَّى عَلَتْ لـِ (عَبْدِ قَيْس) أَسْهُمُ

فَكَاْدَ أنْ يَفْرِيْ بِها (الْفَرَزْدَقَا) = هَدِيَّةً مِنْهُ فَطَارَ فَرَقَا(16)

فَكَفَّ عَمَّا هَمَّ مِنْ هِجَاءِ = مُلْتَزِمًا سِلْمًا إلى أُولاءِ

ولا يَقُوْمُ في الْقَبِيْلِ كَاثِرُ(17) = إلاّ بِهِ خَطِيْبُهُ والشاعِرُ

فَالْمَجْدُ قَدْ يُنَالُ بالِّلسَانِ = كَمَاْ يُنَالُ الْمَجْدُ بِالسِّنَانِ(18)

فَكُلُّ مَاجِدٍ بِهَا يُكَاثِرُ = بِالْفَخْرِ حَيْثُ تُبْتَنَى الْمَآثِرُ(19)

وذَاكَ في الْقَوْمِ كَثِيْرٌ غَالِبُ = لأنَّ حَدَّ الشعرِ فِيْهِمْ غَالِبُ(20)

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــ
(1)هو علقمة بن عبَدَة بن ناشرة بن قيس،المشهور بـ (علقمة الفحل). وأخوه هو: شَأْسُ بن عَبَدَة. وكان قد قصد الحارثَ الغساني ممتدحًا له، وشافعًا لأخيه(شأس)؛ بقوله: (فُحُقَّ لشأسٍ مِن نَدَاكَ ذَنُوبُ). فقال الحارث: نَعَم، وأذْنِبَة.
(2)هو:الحارث بن أبي شمر الغساني.
(3)هو: المنذر بن ماء السماء، وماء السماء أمُّه.
(4)هو: سيف الدولة علي بن أبي الهيجاء عبد الله بن حمدون التغلبي. وشاعره: هو أحمد بن الحسين أبو الطيب المتنبي.
(5) إشارة إلى قوله ـ ضمن أبيات مستعطفًا سيف الدولة في بني كلاب ـ :
ترفَّق أيها المَوْلى عليهم* فإن الرفقَ بالجاني عِتَابُ
(6)الوسيلة: الواسطة والذريعة للوصول على غرض معين. أثيلة: عظيمة ذات قَدْر.
(7) هو: أبوتمّام حبيب بن أوس.
(8) هو: أبو إسحاق محمد المعتصم بالله ثامن خلفاء بني العباس، ابن هارون الرشيد.
(9) هو: هارون بن المعتصم، و(الواثق بالله) لقبه.
(10) في أبيات أولها: فاشْدُدْ بهارونَ الخلافة؛ إنه * سَكَنٌ لوحشتها ودارُ قَرارِ
(11)سُدَيْف بن إسماعيل بن ميمون، وشبل بن عبدالله (من موالي بني هاشم). اسْتَحَرَّ: اشتدّ.
(12) الصِّلْدِمُ: الأسَدُ، والصُّلْبُ، والشديدُ الحافِرِ. عُذَافِرُ: الأَسَدُ، والعظيمُ الشديدُ من الإِبِل.
(13) القَبِيلُ الجماعةُ. السِّربالُ : كلّ ما يُلبس من قميص أو دِرْع ونحوهما. (كناية عن احتمائهم به وبشعره ومنافحته).
(14) الغِيْلُ: مَوْضِعُ الأَسَد.
(15)هو أبو أمامة زياد بن سُليم العَبْدي. من موالي (عبد القيس).
وفيه قال الفرزدق لما أهداه زيادٌ أبياتَه التي أولها:
فما ترك الهاجون لي إن هجوته * مُصَحًا أراه في أديمِ الفرزدق ـ قال: لا سبيل إلى هجاء هؤلاء ما عاش هذا العبد فيهم!
(16) يَفْرِيْ: يَقْطَع (على الاستعارة). فَرَقا: فَزَعا وجَزَعا.
(17) كاثِر: عددٌ كثير.
(18)السِّنَانُ : نَصْلُ الرُّمْحِ.
(19) مآثِرُ (جمعُ مأثُرة) : المكرُمة المتوارثة.
(20) حَدُّ الشعر: طَبْعُه وأثَرُه.

د:إبراهيم الشناوى
02-01-2021, 09:59 PM
جميل ما شاء الله

وأقترح تفسير بعض الغريب في الحاشية

أبوطلال
02-01-2021, 10:18 PM
جزاكم الله خيرا ...
وبارك فيكم
وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة.



وإياك يا أحمد ..



تلميذكم / أحمد

إنما أخوكم دونكم أبا يحيى،
أو مثلكم إن شئتم.
هذا ثم إنه سدد الله مسعاك.
ولا زلت منعماً بكل خير.
,
,

أحمد بن يحيى
02-01-2021, 11:37 PM
جميل ما شاء الله

وأقترح تفسير بعض الغريب في الحاشية

أفعلُ إن شاء الله..
وجزاكم الله خيرًا وجمَّل حالكم شيخنا الفاضل أبا معاذ.

أحمد بن يحيى
02-01-2021, 11:41 PM
وإياك يا أحمد ..




إنما أخوكم دونكم أبا يحيى،
أو مثلكم إن شئتم.
هذا ثم إنه سدد الله مسعاك.
ولا زلت منعماً بكل خير.
,
,

جزاكم الله خيرا شيخنا أبا طلال وزادكم بمزيد تواضعكم رفعة وشرفا!

أحمد بن يحيى
03-01-2021, 03:08 PM
باب: مِنْ فأل الشعر وطيرته، ومعه باب: منافع الشعر ومضاره :

والشِّعْرُ مِفْتاحٌ لِبَابِ الْفَأْلِ = بِصِدْقِ مَوْعُودٍ ونَيْلِ فَضْلِ(1)

كَفَأْلِ (حَسَّان) بِيَوْمِ النُّصْرَهْ = بِفَتْحِ مَكّةٍ؛ فَوَفَّىْ شِعْرَهْ :

تَمَطُّرُ الْجِيَادِ، والنِّسَاءُ = تَمْسَحُهَا، مَوْعِدُها كَدَاءُ(2)

ورُبَّمَا تَطَيَّرُوا بِــ (ما) و(مَنْ)(3) = ودِيْنُنا يَدْعُو إلى الفألِ الحَسَنْ

ورُبَّمَا دَعَا بِسُوْءِ جَابَهْ(4)= مُوَافِقًا لِسَاعَةِ الإجابهْ

فَوَاطَأَ الشِّعْرُ بِهِ الْقَضَاءا = وبِالَّذِي بَغَىْ بِهِ قَدْ بَاءَا(5)

كَمِثْلِ ما رُوِيْ ولَيْسَ يُعْلَمْ = أَثَبَتَ الّذَي رَوَوْهُ أمْ لَمْ(6)

بِأَنَّ (قَيْسًا) قَدْ دَعَا أنْ يُبْتَلَىْ = بِغَيْرِ (ليلى) فَأُذِيْقَ الْعِلَلَا(7)

ومِثْل ما دَعَا بِهِ (الْمُؤَمَّلُ)(8) = مِنَ الْعَمَىْ، فَكَانَ ما يُؤَمِّلُ

وتِلْكَ زَلاَّتُ اللسانِ فاحْذَرُوا = فَكَالرُّؤَى تَصْدُقُ إذْ تُفَسَّرُ

والشعرُ دَيْنٌ والقَرِيْضُ سَلَفُ = ورُبَّ قَوْلَةٍ دَوَاهَا التَّلَفُ

مِنْ مِثْلِ ما يُرْوَىْ عَنِ (ابْنِ الرُّومِيْ) = بِأنَّهُ قَدْ غِيْلَ بالْمَسْمُومِ(9)

لأنّهُ كانَ كثيرَ الْهَجْوِ = يَعْدُوْ على الأعْراضِ كُلَّ عَدْوِ(10)

و(المُتَنَّبِيْ) ــ بِالْهِجَا ــ قَدْ قُتِلا = و بَيْتَ شِعْرٍ صارَ يُرْوَى مَثَلا(11)

ورُبَّ غَمْرٍ ماتَ حَتْفَ شِعْرِهِ(12) = ما كانَ فيهِ حازِمًا لأَمْرِهِ

ورُبَّما سالَ لَهُ النُّضَارُ = ورُبَّما أكْدَتْ بِهِ الأحجارُ(13)

والرِّزْقُ والآجالُ ذَاْ مَقْدُوْرُ = لا حِيْلَةٌ فيها ولا تَدْبِيرُ (14)

________________________________________
(1) الفأل الحسن: توقع الخير في المستقبل والاستبشار به. وضده: التطير.
(2) إشارة إلى تفاؤل حسان بن ثابت ـ رضي الله عنه ـ بفتح مكة في أبيات مشهورة له قالها، أولها : عدمنا خيلنا إن لم تروها...
وفيها دخول الخيل على تلك الحال والصفة. وقد صدّقه الله في هذا بإذنه وفضله.
تَمَطُّرُ الجياد: إسراعها يسبق بعضها بعضا. كَدَاء: الثَّنِيَّةِ الْعُلْيَا الَّتِي بِالْبَطْحَاءِ.
(3) بِـ (ما) و(مَن): أي : بغير العاقل وبالعاقل.
(4) أساء جَابَةً: تعجل في الدعاء على نفسه أو على من يحب.
(5) واطَأ : وافق. بَغَى: تعدَّى في الدعاء.
(6) أمْ لمْ... : أي: أم لم يثبت.
(7) هو قيس بن الملوح، المشهور بـ: (مجنون ليلى). والبيت: إشارة إلى قوله: (فهلاّ بشيءٍ غَيْرِ ليلى ابتلانيا). قيل: إنه ابتلي بالبرص قبل أن يموت. والله أعلم.
(8) هو: المُؤَمَّل بن أُمَيْل بن أسيد المحاربي.
(9) غِيْل: قُتل غِيْلةً وغدرا على غفلة منه. بالمسموم: بالسُّمّ. وهو: ابن الرومي: علي بن العباس بن جريج الرومي، الشاعر المشهور.
(10) يَعْدُو: من العدوان والظلم والتسلط.
(11)إشارة إلى بيته المشهور: الخيل والليل والبيداء تعرفني... وقيل إنه كان سببًا في رجوعه عن الفرار ومقتله. بالهِجَا: أي بسبب هجائه لغيره. الباء للسببية.
(12)الغَمْرُ: قليلُ الخبرة غيرُ المُجرِّب، أو: غير الناظر في عواقب الأمور. حَتْفَ شِعْرِه: على الكناية؛ كأنّ الشعر كان السبب في هلاكه.
(13) ربما اغتنى بكثرة النُّضَار(الذهب الخالص)، وربما أكْدَى(افتقر)، مأخوذ من: أكْدى الحافِر: إذا بلغ الكُدْية فلا يمكنه أن يحفر. والكُدْية: الأرضُ الغليظةُ أَو الصُّلبةُ لا تعمل فيها الفأس.
(14) الحِيْلة: القدرة والتصرف.

أحمد بن يحيى
06-01-2021, 03:43 PM
بابُ: تَعَرُّضِ الشعراءِ:

وعَالِمُ الشِّعْرِ تَرَاهُ مُعْرِضَا * عَنْ أنْ يَكُوْنَ حَكَمًا مُفَرِّضا(1)

كَـ (عُمَر) إذْ قَصَدَ التَّحَاشِيْ * بين(بني الْعَجْلانِ)(2) و(النَّجَاشِيْ)(3)

فَأَوْكَلَ الأمْرَ(4) إلى (حَسَّانَا) * مَعْ أنَّهُ قَدْ عَرَكَ الْبَيَانا(5)

ولَمْ يَكُنْ أقْصَرَ مِنْهُ بَاعَا * بَلْ حُجَّةٌ أرَادَهَا انْتِزَاعَا

أو أنَّهُ أرَادَ دَرْءَ الْحَدِّ * بِشُبْهَةٍ لَعَلَّهَا أنْ تُجْدِيْ

وقَدْ مَضَى الْقَوْلُ بِمَجْرَى الْحُكْمِ * ولَزِمَ الْمُجْرِمَ إثْمُ الْجُرْمِ(6)

فَمَا هَجَا الْقَوْمَ ولكِنْ سَلَحَا * بِمُخْبَثِ الْقَوْلِ الّذِيْ قَدْ طَفَحَا(7)

كَذَا (الْحُطَيْئَةُ)(8) الذي قد سُجِنا * في (الزِّبْرِقَانِ)(9) إذْ هَجَا وهَجَّنَا

قامتْ عليهِ حُجَّةٌ وحُجَّةُ * أُقِيْمَ فيها الْعَدْلُ والْمَحَجَّةُ(10)

وحَادَ في الْحُكْمِ أبو عُبَيْدَهْ(11) * لِسَائِلٍ، فَرَاغَ ثَمَّ حَيْدَهْ

(أبو نُوَاسَ)، (ابْنُ أبي عُيَيْنَهْ): ** سَمِّ لنا الأشْعَرَ مِنْهُمْ عَيْنَهْ(12)

فقالَ لا أحْكُمُ في الأحياءِ * كأنه قد حارَ مِنْ خَفَاء

وإنه لَعَالِمٌ مُعَلَّمُ * لكنها حاجَةُ نَفْسٍ تُكْتَم(13)

للشعرِ حَدٌّ قاطِعٌ ومِيْسَمُ(14) * وقَلَّمَا منهُ كَرِيمٌ يَسْلَمُ

فَكَمْ وَضِيْعٍ في الْوَرَى قَدْ رَفَعَا * وكم رفيعٍ حَطَّه ووَضَعَا

للشُّعَرا ألسنةٌ حِدَادُ * تُفْرَى بها الأعراضُ والأكبادُ

لِذَا اتَّقَى الأشرافُ مَزْحَ الشُّعَرا * وَجِدَّهُمْ بالأعْطِيَاتِ والقِرَى

واتَّخَذَ الْمُلوكُ منهمْ أُجَرَا * يُحَسِّنُونَ ما عَسَاهُ مُنْكَرَا(15)

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــ
(1) فلا يحكم فيه حكما جازما؛ حتى يقلّبه على أوجه التأويل؛ كما فعل عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ في حمله هجاءَ النجاشي لـ (بني العجلان) على المحمل الحسن درءًا للحد بالشبهة.
(2) هم: بنو العجلان بن عبدالله بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة. وقد لقب أبوهم بالعجلان ، لتعجيله القِرَى للضيوف.
(3) هو : قيس بن عمرو النجاشي الحارثي.
(4) أَوْكَلَ الأمر إليه: فَوَّضَهُ إيّاه، وعَهِد به إليه.
(5)عرَكَ البيانا: استوفاه علما ونظرا، وكان عمر من أعلم الناس بنقد الشعر وأنفذهم فيه بصرا. مأخوذ من: عَرَكَ البَعيرُ: حَزَّ جَنْبَه بمِرْفَقِه حتى خَلَصَ إلى اللَّحْمِ.
(6) قيل إنه (أي النجاشي الشاعر) قد أقيم عليه الحدّ، وقيل: بل سُجِن.
(7) إشارة إلى حكم حسان: (ما هجاهم؛ ولكنْ سلح عليهم!). ومُخْبث القول: الهجاء المُقْذِع. طَفَحا: فاض وزاد.
(8) هو: أبو مُلَيْكة جرول بن أوس بن مالك العبسي.
(9) هو: الزبرقان بن بدر التميمي. في الزبرقان: (في) للسببية؛ أي بسبب هجائه له. ومنه قوله:
دع المكارمَ لا ترحلْ لبُغيتها * واقعدْ، فإنك أنت الطاعِمُ الكاسي.
(10) أي: حجة عمر وحجة حسان رضي الله عنهما. وقيل: إنه أمر به فسُجن في حفرة من الأرض. المَحَجَّةُ: الحُكْمُ البيِّن الواضح الموافقُ للصواب. مأخوذ من محجّة الطريق؛ وهو: جادَّتُه ووَسَطُه.
(11) هو: أبو عبيدة مَعْمَر بن المثنّى التيمي البصري. النحوي اللغوي، مولى بني تيم، تيم قريش.
(12) أبو نواس: هو الحسن بن هانئ الحكميّ بالولاء، وابن أبي عيينة هو: أبو عيينة بن محمد بن أبي عيينة المهلبي.
وقد سئل أبو عبيدة عن أيهما أشعر؛ فحاد عن الجواب وتوقف فيه.
(13) لعله لم يرد الفصل في الحكم؛ حتى لا تكثر اللجاجة والأخذ والرد في أمر تتفاوت فيه الآراء. وربما ناله بذلك سوء. والله أعلم.
(14) المِيْسَمُ اسمٌ للآلة التي يُوسَم بها كالمِكْواة. والمعنى على الاستعارة.
(15) أُجَرَا: بتخفيف الهمزة؛ أي: أجَرَاءُ، يعملون بالأجْرَة.

د:إبراهيم الشناوى
08-01-2021, 07:29 AM
أعانكم الله أبا يحيى وسددكم
هذه بعض الملاحظات أرجو النظر فيها


كَـ (عُمَر) إذْ قَصَدَ التَّحَاشِيْ * في الْحُكْمِ في (تَمِيْمَ)(2) و(النَّجَاشِيْ)(3)لماذا نصبتم (تميم) مع أنه علم لمذكر


ولَمْ يَكُنْ أقْصَرَ مِنْهُ بَاعَا * بَلْ حُجَّةٌ أرَادَهَا انْتِزَاعَاهل حجة هنا منصوبة من باب الاشتغال: (أراد حجةً أرادها انتزاعا)

وقَدْ مَضَى الْقَوْلَ بِمَجْرَى الْحُكْمِ * ولَزِمَ الْمُجْرِمَ إثْمُ الْجُرْمِ(6)هل (القول) هنا مرفوع لأنه فاعل (مضى)؟

وفقكم الله

أحمد بن يحيى
08-01-2021, 05:46 PM
أعانكم الله أبا يحيى وسددكم
هذه بعض الملاحظات أرجو النظر فيها

وإياكم شيخنا الفاضل..
شكرًا لك. والمرء قليلٌ بنفسه، كثيرٌ بإخوانه.


لماذا نصبتم (تميم) مع أنه علم لمذكر
شكرًا على هذه الملاحظة المهمة.
هو مجرور. وقد رأيتُ الفتح أخف في الضرورة(بمعاملته معاملة الممنوع من الصرف) من الكسر؛ ولكن اللبس حاصل بين (تميم) العلم، و(تميم) القبيلة!
فلعلي أغيرها إلى: (بين بني العجلان والنجاشي)؛ حتى لا أضطر إلى الضرورة مرة أخرى بعدم تنوين (تميمِ).
وجزاكم الله خيرا..


هل حجة هنا منصوبة من باب الاشتغال: (أراد حجةً أرادها انتزاعا)
في الحقيقة : لقد ترددتُ بين النصب والرفع.. واستقر الرأي أخيرًا: على رفعها باستئناف الجملة بعد (بل) على تقدير: بل (هي) حجةٌ ...


هل (القول) هنا مرفوع لأنه فاعل (مضى)؟
سهو في الطباعة؛ وسيتم إصلاحه. فشكر الله لكم التنبيه عليه.


وفقكم الله

حفظكم الله ورعاكم وجزاكم خيرًا على اهتمامكم وملحوظاتكم الكريمة .
دمت طيبا مباركا.

العر بية لسان قومي
09-01-2021, 04:45 AM
جزاك الله خيرا وأعانك

أحمد بن يحيى
09-01-2021, 08:26 PM
جزاك الله خيرا وأعانك
جزاك الله خيرًا شيخي الفاضل، وبارك فيك.

أحمد بن يحيى
09-01-2021, 08:44 PM
باب التَكَسُّب بالشعر والأنَفَةُ منه:

وقد مَضَى المَقَالُ في التَّكَسُّبِ * ولم يَكُنْ ذا عادةً في العَرَبِ

حتى ارْتَضَاهُ (النَّابِغُ الذُّبْيَانيْ)(1) * مُرْتَضِخًا عَطِيَّةَ (النُّعْمَانِ)(2)

وقَصَدَ (الأعْشَى) بهِ اتِّجَارَا * يَطُوْفُ دارًا مَرَّةً فَدَارَا(3)

أكْثَرَ فِيْ إلْحَافِهِ (الْحُطَيْئَهْ) * يَأخُذُ مِنْهُ غَصْبَهُ وفَيْئَهْ(4)

ولَمْ يَكُنْ (زُهَيْرُ) عِنْدَ (هَرِمِ)(5) * إلا جَوَادًا كَرَمًا بِكَرَمِ(6)

يُبْلِي الزَّمَانُ حُلَّةَ الْعَطَّارِ * ولَيْسَ تَبْلَىْ حُلَّةُ الأشعارِ

شَهَادَةٌ قال بها لَهُ (عُمَرْ): * لا يَكْذِبُ المَدْحَ ولَكِنْ ما خَبَرْ(7)

كذاكَ كانَ حالُ مَنْ تَقَدَّمَا * يَأْنَفُ(8) سُؤْلاً ويَرَاهُ مَأْثَمَا

لامَ (لَبِيْدٌ)(9) بِنْتَهُ أيْ بِنْتِيْ: *أجَدْتِ لولا أنَّكِ اسْتَعَدْتِ(10)

لذاكَ فاقَ الشاعرُ الخطيبا * إذْ كانَ قَبْلُ الشاعرَ الأديبا

إذْ كانَ جُلُّ الشعرِ في الْمَحَامِدِ * بِكُلِّ مَجْدٍ طَارِفٍ و تَالِدِ(11)

حتى فَشَتْ في أهْلِهِ الضَّرَاعَهْ * فكانَ سُلَّمًا إلى الوَضَاعَهْ(12)

لَكِنَّ بَعْضَ الشعراءِ أَنِفَا * مِثْلَ (جَمِيْلٍ)(13) عَنْ مَدِيْحِ الشُّرَفَا

أوْ قاصِدٍ طَرِيقَةَ (ابْنِ الأحْنَفِ)(14) * لِبَالِغِ الْحِشْمَةِ والتَّظَرُّفِ

كذاكَ كانَ في الحِجَازِ (عُمَرُ * إِبْنُ أبِيْ رَبيعَةَ)(15) الْمُشْتَهِرُ

قَدْ قَصَدُوا النَّسِيْبَ والتَّغَزُّلا * أمَّا الْهِجَاءُ وكَذَا الْمَدْحُ فَلَا

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) هو: زياد بن معاوية بن ضباب الذبياني الغطفاني المضري، أبو إمامة، المشهور بالنابغة الذبياني.
(2) آخِذًا من فَضْل عطاياه وماله. ذُكِر أن أبا عمرو بن العَلاء سُئل: لِمَ خضع النابغةُ للنعمان؟ فقال: رغِب في عطائه وعصافيره(إبِلِه).
(3)جعل شعره مَتْجَرًا يتّجر به نحو البلدان والملوك عربًا وعجما.
(4) يأخذ ما أسمحت به النفوس وطابت الخواطر، وكذا ما لم تسمح به وتطب.
(5) هو: هرم بن قطبة بن سنان بن عمرو الفزاري، من قضاة العرب المشهورين في الجاهلية.
(6) كانت مدائحه تكافئ عطايا هرم وصِلاته؛ بل أكثر غناء وبقاء؛ كما قال عمر بن الخطاب لابنة زهير لما سألها: ما فعلتْ حُلَلُ هَرِم بن سنان التي كساها أباك. قالت: أبلاها الدهر. فقال عمر: لكن ما كساه أبوك هرمًا لم يُبْلِه الدهرُ!
(7)وذلك قوله ـ رضي الله عنه ـ في شأن زهير: لا يمدح الرجلَ إلا بما فيه.
(8) يأنف سُؤْلا: يأبى المسألة بالشعر تنزُّهًا وترفُّعا.
(9) هو: أبو عقيل لَبيد بن ربيعة بن مالك العامِري. من شعراء المعلقات.
(10) وذلك قوله لابنته لما شكرت الوليد بن عقبة بشعر مدح نيابة عنه؛ قال: (لقد أجدْتِ لولا أنكِ استعدْتِ)؛ كراهية في قولها: (فعُدْ إنّ الكريمَ له مَعَادُ). ويُروى: لولا أنك استزدتِ.
(11)بكل مجد قديم وحديث.
(12) حتى فشا فيهم ذل المسألة، فكان سببا في إراقة ماء الوجه طمعا وجشعا فوق البلغة والكفاف.
(13) هو: جميل بن عبد الله بن مَعْمَر العُذْري القُضاعي، المشهور بـ(جميلِ بُثينة).
(14) هو: أبو الفضل، العباس بن الأحنف بن الأسود بن طلحة الحنفي اليمامي. كان شاعرا عُذريا مطبوعا.
(15) هو: عمر بن عبد الله بن أبي ربيعة المخزومي القرشي، أبو الخطاب. اشتهر بشعر الغزل .

أحمد بن يحيى
12-01-2021, 07:56 PM
بابُ: تَنَقُّل الشعرِ في القبائل:

والشِّعْرُ كانَ قَبْلُ في (رَبِيْعَهْ) * (مُهَلْهِلٌ)(1) كانَ بِهِ طَلِيْعَهْ (2)

خالُ (امْرِئِ القَيْسِ)، وجَدُّ (عَمْرِو) * لأُمِّهِ(3)، والشِّعْرُ فِيْهِمْ يَجْرِي

وإنَّمَا سُمِّيَ بِالْمُهَلْهِلِ * لِخِفَّةٍ في شِعْرِهِ الْمُسَهَّلِ(4)

وقِيْلَ: لاخْتِلاَفِهِ، وقِيْلَ بَلْ * لِقَوْلِهِ: (هَلْهَلْتُ)(5) فِيْ بَيْتٍ فَدَلّ

ومِنْ (رَبِيْعَةَ) الْمُرَقِّشَانِ * أَكْبَرُهُمْ فَذَاكَ عَمُّ الثَّانِيْ(6)

وأَصْغَرٌ مِنْهُمْ فَعَمُّ (طَرَفَهْ) * وَكُلُّهُمْ أدَّىْ لِمَنْ قَدْ خَلَفَهْ

وخَالُهُ :الْمَشْهُوْرُ بِـ (الْمُتْلَمِّسِ) * كَذَاكَ (أَعْشَى) خَالُهُ: (ابْنُ عَلَسِ)(7)

ومِنْهُمُ (الْحَارِثُ إِبْنُ حِلِّزَهْ)(8) * و(ابْنُ قَمِيْئة)(9)، وكُلٌّ أحْرَزَهْ

ثُمَّتَ في (قَيْس) أنَاخَ الشِّعْرُ:* النَّابِغَانِ وزُهَيْرُ، الْغُرُّ

و(ابْنُ زُهَيْرٍ: كَعْبُ)، و(لَبِيْدُ) * وكُلُّهُمْ مُقَدَّمٌ مُجِيْدُ

(حُطَيْئَةُ)، (الشَّمَّاخُ) و(الْمُزَرِّدُ) * وكُلُّهُمْ في شِعْرِهِ مُجَوِّدُ(10)

ثُمَّ اسْتَقَرَّ في (بَنِيْ تَمِيْمِ) * في حَسَبٍ ونَسَبٍ مُقِيْمِ

أشْعَرُهُمْ ـ لا شَكَّ ـ (أوْسُ بْنُ حَجَرْ)(11) * وقِيْلَ: بَلْ أشْعَرُ ما جَادَتْ (مُضَرْ)

قَدَّمَهُ ـ وقَدْ حَكَوْهُ ـ (الأصْمَعِيْ)(12) * على (زُهَيْرٍ)، وجَمِيْعٌ ألْمَعِيْ(13)

وقِيْلَ بَلْ طَأْطَأَ مِنْهُ (النَّابِغَهْ) * وكُلُّهُمْ لَهُ أيَادٍ سَابِغَهْ

والْحَيُّ مِنْ (هُذَيْلَ) فَهْوَ أَشْعَرُ * قَالَ بِهِ (حَسَّانُ)، قَوْلٌ يُؤْثَرُ(14)

وقِيْلَ أَهْلُ السَّرَوَاتِ أعْذَبُ * أفْصَحُهَا والشِّعْرُ مِنْها أَعْجَبُ

(بَجِيْلَة)، (هُذَيْلُ) عند الحَدِّ * ثم تَلِيْهِمَا (سَرَاةُ الأزْدِ) (15)

وقِيْلَ: بَلْ (عُلْيَا تَمِيْم) أفْصَحُ * كَذَا و(سُفْلَى قَيْس)(16)، كُلٌّ مُفْصِحُ

وقِيْلَ بَلْ سَافِلَةُ الْعَالِيَةِ ـ * (هَوَازِن) ـ عَالِيَةُ السَّافِلَةِ(17)

وقَدَّمُوا في الشِّعْرِ سَادَاتِ الْيَمَنْ * إذْ كَثُرُوا على امْتِدَادٍ في الزَّمَنْ

(الْمَلِكُ الضِّلِّيْلُ) ذَاكَ أوَّلُ * (حَسَّانُ) في الإسلامِ فَهْوَ أَكْمَلُ

وفِي الْمُوَلَّدِيْنَ: (إبْنُ هَانِيْ)(18) * وصَحْبُهُ، وكُلُّهُمْ يَمَانِيْ

(دِعْبِلُ)(19) فِيْهِمْ، وكَذَاكَ (مُسْلِمُ)(20) * واذْكُرْ (أبَا الشِّيْصِ)(21) فَذَاكَ مِنْهُمُ

طَبَقَةٌ، ثُمَّتَ تَتْلُوْ طَبَقَهْ * طَائِيَةٌ بِحُسْنِها مُمَنْطَقَهْ:

(الْبُحْتُرِيُّ) شَاعِرُ الْعَمُوْدِ * كذا (حَبِيْبٌ) رائِدُ التَّجْدِيْدِ(22)

وخَاتَِمُ الشِّعْرِ فَذَاكَ يُحْمَدُ * الْمُتَنَبِّي ابْنُ الْحُسَيْنِ أَحْمَدُ(23)

وقِيْلَ عَادَ الشِّعْرُ في (رَبِيْعَهْ) * كَمَا بَدَا، فَحَمِدَتْ صَنِيْعَهْ (24)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) هو: أبو ليلى المهلهل، عديّ بن ربيعة بن الحارث التغلبي. شاعر من أبطال العرب في الجاهلية.
(2) طليعة: من الروّاد الأوائل في قول الشعر، كما قال الفرزدق: ومهلهلُ الشعراء ذاك الأول.
(3) هو خالُ امرئ القيس بن حُجْر الكندي، وجَدُّ عمرٍو بن كلثوم (أبو أمه).
(4) من التَّسْهيل؛ لِخِفَّة فيه ورِقَّة.
(5) في قوله: لَمَّا تَوَغَّلَ في الكُراعِ هَجِينُهُم*هَلْهَلْتُ أَثْأَرُ مالِكاً أَو صِنْبِلا.
(6) ومن (ربيعة): المرقِّشان (الأكبر والأصغر)، والأكبر منهما عَمُّ الأصغر، والأصغرُ عَمُّ طرفة بن العبد، واسم الأكبر: عوف بن سعد، واسم الأصغر: عمرو بن حرملة، وقيل: ربيعة بن سفيان.
(7) هو:المُتَلمِّس(سُكِّنت التاء لضرورة النظم)، وهو خالُ طرفة، واسمه: جرير بن عبد المسيح. والأعشى، واسمه: ميمون بن قيس بن جندل، وخاله: المُسيَّب بن عَلَسَ، واسم المسيب: زهير.
(8) هو: الحارث بن حِلِّزة بن بكر بن وائل بن أسد بن ربيعة.
(9) هو:عمرو بن قَمِيئة، ابن أخ المرقش الأكبر، وقيل: إنه أخوه. وقيل إنه كان صاحب امرئ القيس في رحلته إلى قيصر الروم التي هلك فيها.
(10) ثم تحول الشعر في شعراء (قَيْس)، فمنهم: النابغتان (الذبياني والجعدي)، وزهير بن أبي سلمى، وابنه كعب، لأنهم يُنسبون في عبد الله بن غطفان، واسم أبي سلمى: ربيعة. ولبيد، والحطيئة، والشماخ: واسمه مَعْقِل بن ضِرَار، وأخوه مُزَرِّدُ، واسمه: جَزْءُ بن ضرار، وقيل: بل اسمه يزيد، وجَزْء أخوهُما.
(11) أوس بن حَجَر بن مالك التميمي، أبو شُريح. من كبار شعراء تميم في الجاهلية.
(12) هو: عبد الملك بن قريب بن علي بن أصمع الباهلي. من رواة العرب، وأحد أئمة العلم باللغة والشعر والبلدان.
(13) كان الأصمعي يقول: أوس أشعر من زهير، ولكن النابغة طأطأ منه. وكان زهيرٌ راويةَ أوس، وكان أوس زوج أمِّ زهير.
(14) سئل حسان بن ثابت رضي الله عنه: من أشعر الناس؟ فقال: أرجلاً أم حَيَّاً؟ قيل: بل حَيّاً، قال: أشعر الناس حياً هذيل. قال ابن سلام الجمحي: وأشعر هذيل أبو ذؤيب غير مدافع.
(15) قال الأصمعي: قال أبو عمرو بن العلاء: أفصح الشعراء لساناً وأعذبهم أهل السروات، وهن ثلاث وهي الجبال المطلة على تهامة مما يلي اليمن: فأولها هذيل، وهي تلي السهل من تهامة، ثم بجيلة في السراة الوسطى، وقد شركتهم ثقيف في ناحية منها، ثم سراة الأزد أزد شنوءة، وهم بنو الحارث بن كعب بن الحارث بن نصر بن الأزد.
(16) قال أبو عمرو أيضاً: أفصح الناس عُلْيا تميم وسُفْلى قَيْس.
(17) قال أبو زيد: أفصح الناس سافلة العالية وعالية السافلة، يعني: عَجُز هوازن.
(18) هو: أبو نواس، الحسن بن هانئ .
(19) هو: أبو علي دِعْبِلُ بْنُ عَلِي بْنُ رَزين الخُزَاعِيُّ. من مشاهير شعراء العصر العباسي.
(20) هو: مسلم بن الوليد الأنصاري، أحد أعلام الشعراء في العصر العباسي، فارسي الأصل، عربي الولاء؛ إذ كان جدُّه مولى آل سعد بن زرارة الخزرجي.
(21) هو: أبو الشِّيْص، محمد بن عبد الله بن رَزين الخزاعي، وهو ابن عم دعبل الخزاعي .شاعر عباسي مولّد مشهور.
(22) كان البحتري (أبو عبادة الوليد) على مذهب الأعراب في الشعر؛ وهو ما عُرف عند النقاد بـ (عمود الشعر). وكان أبو تمام(حبيب بن أوس) على مذهب المجددين أصحاب البديع.. وسيأتي بيان ذلك في أبواب تالية إن شاء الله.
(23) هو أبو الطيب الشاعر المشهور. نُسبَ في (كِنْدَة)؛ فكان يقال: بُدِئَ الشعر بكندة؛ يعنون امرأ القيس، وخُتِمَ بكندة، يَعْنُونَ أبا الطيب. وقيل: إنه جعفي. وقيل: كان غامض النسب. والله أعلم.
(24) قال بعضهم: رجع الشعر إلى (ربيعة)؛ فختم بها كما بدئ بها؛ يريدون مهلهلاً وأبا فراسٍ(الحمداني).

أحمد بن يحيى
15-01-2021, 06:00 PM
باب في القدماء والمُحْدَثين:

كُلُّ قَدِيْمٍ فَجَدِيْدٌ مُحْدَثُ * في إِثْرِ كُلِّ سَابِقٍ يُوَرَّثُ(1)

شِعْرُ (جَرِيْرٍ)(2) وكَذَا (الْفَرَزْدَقُ)(3) * مُوَلَّدٌ في جَنْبِ مَنْ قَدْ سَبَقُوا(4)

إذْ لَمْ يَرَوْهُ، أَقْصِدُ الْمُوَلَّدَا * أهْلاً ـ ولَوْ كَانَ رَصِيْنًا جَيِّدَا:

لِأَنْ يَكُوْنَ مَعْدِنَ الرِّوَايَةِ * ومَوْضِعَ الشَّاهِدِ والْعِنَايَةِ

لأنَّهُ ـ وإنْ سَمَا إلى نَمَطْ * فَقَلَّ مَنْ يَضْبِطُهُ إلا خَلَطْ

وكُلُّ حُسْنٍ فإلَيْهِ سُبِقُوا * وكُلُّ قُبْحٍ فَبِهِ تَحَقَّقُوا(5)

(إبْنُ الْعَلاَءِ)(6) ذَاهِبٌ ذَا الْمَذْهَبَا * و(الأصْمَعِيْ)، وكُلُّ مَنْ قَدْ صَحِبَا

و(ابْنُ قُتَيْبَة)(7) فَلاَ يَرَاهُ * فَالْعِلْمُ قَائِمٌ بِمَنْ أدَّاهُ

قَدْ قَسَّمَ اللهُ بِهِ الْقُسُوْمَا * ووَزَّعَ الأرْزَاقَ والْفُهُوْمَا(8)

لَوْ كَانَ يَفْنَى الشِّعْرُ قَدْ أفْنَاهُ * تَوَارُدُ الْقَوْمِ على أحْسَاهُ(9)

لَكِنَّهُ صَوْبُ الْعُقُوْلِ دَائِبَا * سَحَائِبٌ مِنْهُ تَلِيْ سَحَائِبا

بِذَاكَ وَفَّى النَّقْدَ في تَمَامِ * الشاعِرُّ النَّطْسُ(10) أبو تَمَّامِ(11)

وشُعَراءُ كُلِّ عَصْرٍ أَهْلُهُ * على يَدَيْهِمْ سَيْبُهُ وفَضْلُهُ (12)

ورَائِقُ الشِّعْرِ هُوَ الْمُجَوَّدُ * لَيْسَ بِحُوْشِيٍّ ولَيْسَ يَبْرُدُ(13)

حَلَاوَةُ الشِّعْرِ كَذَا طُلَاوَتُهْ * مَقَاصِدٌ تَحْكُمُها تِلاوَتُهْ (14)

لِلشِّعْرِ طَبْعٌ ولَهُ أَتِيُّ * نَزْقٌ إذا اسْتَكْرَهْتَهُ عَصِيُّ (15)

مَنْ لَمْ يُقِمْ حَدَّ الْمَعَانِيْ وَهِمَا * ومَنْ أحَاطَ عِلْمَ ذَاكَ عَلِمَا(16)

وقِيْلَ مَأثُوْرُ الْقَرِيْضِ كَالنَّغَمْ * يَجْهَلُهُ مَنْ لَيْسَ يَدْرِيْ كَيْفَ تَمّ (17)

لا يَعْرِفُ الْمُحْكَمَ إلاّ مَنْ حَكَمْ * وقَدْ يَزِلُّ الطَّرْفُ عَنْ طَوْدٍ أَشَمّ(18)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) كلُّ قديم من الشعراء فهو مُحْدَثُ في زمانه بالإضافة إلى مَنْ كان قبله.
(2) هو: أبو حَزْرة، جرير بن عطيّة بن الخطفى، من بني كليب بن يربوع، من قبيلة تميم، أحد ثلاثة شعراء كانوا المقدمين على شعراء العصر الأموي، وهم: جرير والفرزدق والأخطل.
(3) هو: همّام بن غالب بن صعصعة ، من بني دارم من قبيلة تميم، من أدّ بن طابخة. ويكنى أبا فراس، ولُقب بالفرزدق لغلظٍ وتجهّمٍ واستدارةٍ بوجهه؛ فهو يشبه الرغيف.
(4) كان أبو عمرو بن العلاء يقول: لقد حَسُن هذا المُوَلَّد حتى هممت أن آمر صبياننا بروايته، يعني بذلك شعر جرير والفرزدق، فجعله مولداً بالإضافة إلى شعر الجاهلية والمخضرمين، وكان لا يَعُدُّ الشعرَ إلا ما كان للمتقدمين.
(5) قال الأصمعي: جلست إليه (أي إلى عمرو بن العلاء) ثمانيَ حِجَجٍ، فما سمعته يحتج ببيت إسلامي. وسُئل عن المولّدين فقال: ما كان من حسن فقد سُبقوا إليه، وما كان من قبيح فهو من عندهم؛ ليس النمطُ واحدًا: ترى قطعة ديباج، وقطعة مسيح، وقطعة نطْع.
(6) هو: أبو عمرو زبّان بن عمار التميمي المازني البصري، المشهور بأبي عمرو بن العلاء. من أئمة اللغة والأدب وأحد القراء السبعة.
(7) هو: أبو محمّد، عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدِّيْنَوَرِيّ، من أشهر أعلام المئة الثالثة في الأدب واللغة والأخبار وعلوم القرآن والحديث.
(8) كما قال: لم يَقْصُرِ اللهُ الشعرَ والعلم والبلاغة على زمن دون زمن، ولا خص قومًا دون قوم، بل جعل الله ذلك مشتركًا مقسومًا بين عباده في كل دهر، وجعل كل قديم حديثًا في عصره.
(9) أي : على أحسائه: وأحساء جَمْعُ: حَسْيُ، وحِسْيُ، وحِسَى: سَهْلٌ من الأرضِ يَسْتَنْقِعُ فيه الماءُ، أوغِلَظٌ فَوْقَهُ رَمْلٌ يَجْمَعُ ماءَ المَطَرِ، وكُلَّما نَزَحْتَ دَلْواً، جَمَّتْ أُخْرَى.
(10) عَالِمٌ نَطْسٌ : مُدَقِّقٌ فِي الأُمُورِ، بَعِيدُ النَّظَرِ.
(11) وذلك قوله: فلو كان يَفْنَى الشِّعْرُ أفناه ما قَرَتْ * حياضُك مِنْه في العصور الذواهبِ
ولكنه صَوْبُ العقول؛ إذا انجَلَتْ * سحائبُ منه أُعْقِبتْ بسحائبِ
(12) هم أولى به وبمعانيه في زمانهم(كما غيرهم أولى بها في زمانه)؛ لأنهم يعيشونه واقعا محسوسا، ويتفاعلون مع أحداثه وحوادثه. سَيْبُه: مزيد عطائه وتدفقه.
(13) الجيد الحَسَنُ من الشعر: هو الذي يختاره العلماء بالشعر، ويبقى غابِرُه على الدهر، ويبعد عن الوحشي المستكره، ويرتفع عن المولد المُنتحَل، ويتضمن المثل السائر، والتشبيه المصيب، والاستعارة الحسنة. وليس التوليد والرقة أن يكون الكلام ركيكاً سَفْسَافاً، ولا بارداً غَثّاً، كما ليست الجزالة والفصاحة أن يكون حوشياً خشناً ولا أعرابياً جافياً، ولكنْ حالٌ بين حالين.
(14) الشعر ذو الحلاوة والطلاوة تظهر محاسنه عند تلاوته، وفي مقاطع إنشاده، وغيرُ الحسنِ يختلُّ عند الإنشاد.
(15) مَنْ تكلّفَ غيرَ طَبْعِه استعصى عليه. الأتِيُّ: السَّيْلُ المندفِع؛ يأتي من حيثُ لا يُدْرَك. النَّزِق: صَعْبُ الانقيادِ، سريعُ التَحوُّل: من الإسماح واليسر إلى الإباء والعسر.
(16) ليس للشاعر المُحْدَث أن يتكلَّف معاني القدماء إلا أنْ يُحِيطَ بها علما ويعيشها واقعا؛ فإنما الشاعرُ ابنُ زمانه.
(17) قيل إنّ قائلَ الشعرِ الحُوشِّي بمنزلة المُغَنِّى الحاذقِ بالنَغَم غَيْرِ المطربِ الصوتِ؛ يُعْرضُ عنه إلا من عَرَفَ فَضْلَ صنعتِه.
(18) قد يُجْهَلُ حَقُّ القديمِ العتيق، ويَقْصُرُ ذوقُ المُحْدَثِ (لا سيما العامِيّ) عن إدراك علو منزلته وفضله في الشعر؛ كما يتقاصر بَصَرُ الواقف تحت الجبل العظيم عن إدراك مدى امتداده وشموخه. والله أعلم.

عبد الله عبد القادر
15-01-2021, 08:11 PM
بوركت أستاذي أبا يحيى وجزاك الله خيرا بما أمتعتنا.
في الهامش رقم (11) كلمة (منه) سقطت سهوا في عجز البيت.
ولكم مني ما تستحقون من التحية والتوقير.

أحمد بن يحيى
15-01-2021, 09:52 PM
بوركت أستاذي أبا يحيى وجزاك الله خيرا بما أمتعتنا.في الهامش رقم (11) كلمة (منه) سقطت سهوا في عجز البيت. ولكم مني ما تستحقون من التحية والتوقير.

قد تم إصلاح ما تفضلتم به من استدراك..
وقد أنرت المتصفح بجميل حضورك أستاذي، ونبيل استحسانك
فجزاك الله خيرًا على كرم المتابعة والمرور وبارك فيك.

وتقبلوا خالص المودة والتقدير والاحترام،،،

أبو الحارث سمير عطلاوي
16-01-2021, 02:03 PM
بارك الله فيك وأعانك

أحمد بن يحيى
16-01-2021, 08:26 PM
بارك الله فيك وأعانك


حياك الله أخي الفاضل، وبارك فيك
وجزاك خيرًا على كريم مرورك ودعائك.

مع خالص التحية والتقدير،،،

أحمد بن يحيى
19-01-2021, 02:16 PM
باب المشاهير من الشعراء:

والشُّعَرَاءُ فَهُمُو كَثِيْرُ = ولَيْسَ يُحْصَى جَمُّهَا الْغَفِيْرُ

ومِنْهُمُ مِنَ الَّذِيْنَ شُهِرُوا = وطَارَ ذِكْرُهُمْ بِمَا قَدْ ذُكِرُوا

واخْتَلَفَ النَّاسُ مَنِ الْمُقَدَّمُ = مِنْ بَيْنِهِمْ؛ فَأخَّرُوا وقَدَّمُوا

فَإِنْ يَكُنْ مِنْهُمْ عَلَى سَوَاءِ = فَذَاكَ مِنْهُمْ حَامِلُ اللِّوَاءِ(1)

هُوَ (ابْنُ حُجْرٍ) رَائِدُ الْفَصِيْحِ = و(الْمَلِكُ الضِّليْلُ) (ذُو الْقُرُوْحِ)(2)

وخَاسِفُ الشِّعْرِ أَصَحَّ بَصَرَا = عَنِ الْمَعَانِي الْعُوْرِ مِمَّا افْتَقَرَا(3)

(عُمَرُ) قَدْ فَضَّلَهُ كَذَا (عَلِيّ) = بِمَوْضِعٍ يَسْمُوْ بِهِ، فَهْوَ عَلِيّ

لأنَّهُ الأحْسَنُ فِيْهِمْ نَادِرَهْ = أسْبَقُهُمْ إذَاْ تُعَدُّ بَادِرَهْ(4)

أوَّلُ مَنْ قَدْ قَيَّدَ الأَوَابِدَا(5) = مُسْتَوْقِفًا كَذَا بَكَى الْمَعَاهِدَا(6)

وَنَعَتَ النِّسَاءَ بِالْغِزْلانِ = وبِالْمَهَا، والْخَيْلَ بالْعِقْبَانِ(7)

وَقَرَّبَ الْمَأْخَذَ حَتَّى لَطُفَا = بِالْوَصْفِ والتَّشْبِيْهِ؛ مِمَّا خَسَفَا(8)

فاتَّبَعَتْهُ الشُّعَرَا في سَنَنِهْ = وفَرَّعُوا الْقَوْلَ عَلَى مُسْتَحْسَنِهْ

وقَدْ مَضَى أنَّ (زُهَيْرًا) قَدْ سَمَا = (عُمَرُ) قَدْ قَدَّمَهُ، فَقُدِّمَا:

بِـ (مَنْ وَمَنْ)(9) وأَنَّهُ إنْ مَدَحَا = أَبْلَغَ في الْمَدْحِ ومَا إنْ جَنَحَا

لا يَقْصِدُ الْحُوْشِيَّ أوْ يُعَاظِلُ = قَدِ اسْتَوَى النَّظْمُ ومِيْزَ الْفَاضِلُ(10)

أمَّا (أبو بَكْرٍ) فَأعْلَى (النَّابِغَهْ) = بِحُلَلٍ مِنَ الثَّنَاءِ سَابِغَهْ

وأنَّهُ الأعْذَبُ فِيْهِمْ بَحْرَا = كَذَاكَ والأبْعَدُ ثَمَّ قَعْرَا(11)

دِيْبَاجَةُ الشِّعْرِ كَذَاكَ الرَّوْنَقُ = مَحَاسِنٌ بِهَا عَلَيْهِمْ يَسْبِقُ

وقَدَّمُوا بِحَسَبِ الأغْرَاضِ = إذْ كُلُّ مَاضٍ في مَدَاهُ مَاضِيْ:(12)

أَشْعَرُهُمْ: (زُهَيْرُ) إِمَّا رَغِبَا = (نَابِغَةٌ) كَذَا إذا مَا رَهِبَا

كَذَلِكَ (الأعْشَى) إذا ما طَرِبَا = وفِيْ رِوَايَةٍ: إذا ما شَرِبَا

(عَنْتَرَةٌ) كَذَاكَ إمَّا كَلِبَا = كَذَا (جَرِيْرٌ) ـ زِيْدَ ـ إمَّا غَضِبَا(13)

وخَيْرُ شِعْرٍ؛ فَالْمُعَلَّقَاتُ(14) = ونَعْتُهَا ـ كَذَا ـ: الْمُذَهَّبَاتُ

قَدْ ذُهِّبَتْ وعُلِّقَتْ في الْكَعْبَهْ(15) = لأنَّهَا مِنَ الْقَرِيْضِ كَعْبَهْ(16)

وقِيْلَ بَلْ لأنَّهَا تُعَلَّقُ = في خَزْنَةِ الملْكِ بِهَا تُوَثَّقُ

وقَدْ مَضَتْ أقْوَالُ بَعْضِ الْحُكَمَا = ثُمَّ تَلِيْ أقْوَالُ بَعْضِ الْعُلَمَا:

قَالَ (لَبِيْدٌ) حِيْنَ لَمَّا سُئِلا = مَنْ أشْعَرُ النَّاسِ؟ فَجَلَّى الْمُشْكِلا:

الْمَلِكُ الضِّليلُ، فالْقَتِيْلْ = ثُمَّ أنَا الشَّيْخُ (أبوعَقِيْلْ)(17)

ونَحْو ذا قَدْ سُئِلَ (الْحُطَيْئَهْ) = فَقَامَ في الْجَوَابِ بَعْدَ فَيْئَه:

(زُهَيْرُ) جَلَّىْ، ثُمَّ (نَابِغٌ) يَلِيْ = واللهِ لَوْلا جَشَعٌ في (جَرْوَلِ)

لَكُنْتُ فَيْهِ أشْعَرَ الْمَاضِيْنَا = وإنَّنِيْ لَأشْعَرُ الْبَاقِيْنَا

قَضَى (ابْنُ عَبَّاسٍ): فَذَا إِلَيْكَهْ = كَذَاكَ أَنْتَ يا أبا مُلَيْكَهْ(18)

وقَالَتِ الْحُذَّاقُ: فَالْفُحُوْلُ = ثَلاثَةُ: مَثْنَىْ، فَهُمْ قَبِيْلُ:

(زُهَيْرُ) قَدْ يُشْبِهُهُ (الْفَرَزْدَقُ) = (نَابِغَةُ): (الأخْطَلُ)، إذْ تُوَفِّقُ

يُشَابِهُ (الأعْشَى) كَذَا (جَرِيْرُ) = فَكُلُّ شَاعِرٍ لَهُ نَظِيْرُ(19)

واخْتَلَفَتْ جَمَاعَةُ الأمْصَارِ = كُلٌّ لَهُ رَأيٌ عَنِ الْكِبَارِ:

(الْمَلِكُ الضِّليلُ) عِنْدَ الْبَصْرَةِ = كَذلِكَ (الأعْشَى) لأهْلِ الْكُوْفَةِ

وفِي الْحِجَازِ وكَذَاكَ الْبَادِيَهْ = (زُهَيْرُ) أوْ (نَابِغَةٌ) سَوَاسِيَهْ

قَدْ قَدَّمَ (النَّابِغَ) أهْلُ العَالِيَهْ = كَذَا الْحِجَازُ لـِ (زُهَيْرٍ) رَاوِيَهْ(20)

وفِي الْمُوَلَّدِيْنَ حَيْثُ تَذْكُرُ = فَاذْكُرْ (أبا نُوَاس)، فَهْوَ أَشْهَرُ

أشْعَرُ مِنْهُ، بَلْ وأعْلَى طَبَقَهْ: = (بَشَّارُ)، كُلَّ مِفْصَلٍ قَدْ طَبَّقَهْ(21)

(حَبِيْبُ) مِثْلُ (الْبُحْتُرِيْ) كَمْ أَخْمَلا = مِنْ شاعِرٍ وكَمْ أجَادُوا الْمِقْوَلا(22)

و(إبْنُ مُعْتَزٍّ) كَذَا (ابْنُ الرُّوْمِيْ) = مِنْ سَادَةِ الشِّعْرِ وفِي الْقُرُوْمِ(23)

و(الْمُتَنَبِّي) اذْكُرْ؛ فَذَاكَ الآسِيْ = ومَالِئُ الدُنْيَا وشُغْلُ النَّاسِ

وكُلُّ شاعِرٍ إذا ما اشْتُهِرَا = فَمُخْمِلٌ ذِكْرًا لِمَنْ قَدْ ذُكِرَا

كَمِثْلِ (دِيْكِ الجِنِّ)(24) و(الْمُعَذَّلِ)(25) = غَمَرَهُمْ (حَبِيْبُ) ـ أوْ كَـ (دِعْبِلِ)(26)

و(الْخُبْز أرْزِيْ) و(الصَّنُوبَرِيُّ) = (أبو فِرَاسٍ)، غَالَهُمْ مَحْكِيُّ(27)

أَقْصِدُ ذَاكَ الصَّائِحَ الْمَحْكِيَّا = إبْنَ الحُسَيْنِ أحْمَدَ الْجُعْفِيَّا
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) على سوَاءِ: أي على مَدْرَجةٍ مستويةٍ من الإحسان؛ لا يكادُ يُخْتَلَفُ فيها. رُوِيَ عن النبي صلى الله عليه وسلم ـ في امرئ القيس أنه أشعرُ الشعراء وقائدهم إلى النار، يعني شعراء الجاهلية والمشركين. وقد ضَعَّف أهلُ العلم هذا الحديث؛ كالحافظ ابن حَجَر في (لسان الميزان).
(2) مِنْ ألقاب امرئ القيس بن حجر: المَلِكُ الضِّليلُ وذُو القُرُوْح.
(3) قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه للعباس بن عبد المطلب ـ رحمه الله ـ وقد سأله عن الشعراء: (امرؤ القيس سابِقُهم: خَسَفَ لهم عَيْنَ الشعر فافْتَقَر عن معانٍ عُوْرٍ أصحَّ بَصَر). قال عبد الكريم: (خَسَفَ لهم): من الخَسِيفِ، وهي البئر التي حفرت في حجارة فخرج منها ماءٌ كثير، وجَمْعُها (خُسُف)، وقوله: (افتقر أي: فتح، وهو من (الفقير)، وهو فَمُ القَنَاة، وقوله: (عن معان عور)، يعني أنّ امرأ القيس من اليمن، وأنّ اليمن ليست لهم فصاحةُ نِزَارٍ، فجعل لهم معاني عورًا فتح منها امرؤ القيس أصح بصر.
(4) فضّله علي رضي الله عنه بأن قال: رأيته أحسَنَهم نادرة، وأسبقهم بادرة، وأنه لم يقل لرغبة ولا لرهبة.
(5) وذلك قوله: وقد أغتدي والطيرُ في وُكُنَاتها* بمُنْجَرِدٍ قَيْدِ الأوابدِ هَيْكَلِ
(6) جمع ذلك في أول المعلقة: فوقف واستوقف، وبكى واستبكى.
(7)من تشبيهه للخيل بالعصا قوله: بِعِجْلِزَةٍ قد أَتْرَزَ الجَرْيَ لحمَها * كُمَيْت كأَنَّها هِرَاوَةُ مِنْوَالِ.
ومن تشبيهه لها بالعِقبان قوله: كأنِّي بِفَتْخَاءِ الجَنَاحَينِ لَِقْوَةٍ * صَيُودٍ مِن العِقْبَانِ طَأْطَأْتُ شِمْلالِ
واللقوة هي : العُقابُ.
(8) ممّا خسَفا، أي: ممّا فتح لهم من أبواب المعاني.
(9) هو(صاحِبُ مَنْ ومَنْ) في مستهلّ أبيات الحكمة المشهورة في معلقته.
(10) روى ابن سلاّم يرفعه عن عبد الله بن عباس أنه قال: قال لي عمر بن الخطاب رضي الله عنه: أنشدْني لأشعر شعرائكم، قلت: من هو يا أمير المؤمنين؟ قال: زهير، قلت: ولم كان كذلك؟ قال: كان لا يعاظل بين الكلام، ولا يتتبع حوشيه، ولا يمدح الرجل إلا بما فيه، ثم قال ابن سلام على عقب هذا الكلام: قال أهل النظر: كان زهير أحصَفَهم شعرًا، وأبعدهم من سخف، وأجمعهم لكثير من المعاني في قليل من المنطق، وأشدهم مبالغة في المدح.
(11) كان أبو بكر رضي الله عنه يقدم النابغة؛ ويقول: هو أحسنهم شعراً، وأعذبهم بحراً، وأبعدهم قعراً.
(12) أي: كلُّ مُجيدٍ لغرضه الذي يقصده؛ فهو نافذٌ فيه، مُنفِذٌ فيه القول.
(13) عن الرغَب يكون المديح، وعن الرهَب الاعتذارُ، وعن الطرب صفةُ الشراب، وعن الكَلَب الفخرُ بالفتوة والشجاعة، وعن الغضب الهجاء.
(14) قال محمد بن أبي الخطاب في كتابه الموسوم بجمهرة أشعار العرب: إن أبا عبيدة قال: أصحاب السبع التي تسمى السمط: امرؤ القيس، وزهير، والنابغة، والأعشى، ولبيد، وعمرو بن كلثوم، وطرفة. قال: وقال المفضل: من زعم أن في السبع التي تسمى السمط لأحد غير هؤلاء فقد أبطل.. فأسقط من أصحاب المعلقات عنترة، والحارث بن حلِّزة، وأثبت الأعشى، والنابغة.
(15) كانت المعلقات تسمى المذهبات؛ وذلك لأنها اختيرت من سائر الشعر فكتبت في القبَاطيّ بماء الذهب وعُلِّقت على الكعبة؛ فلذلك يقال: مُذَهَّبة فلان؛ إذا كانت أجود شعره، ذكر ذلك غيرُ واحد من العلماء، وقيل: بل كان الملك إذا استجيدت قصيدة الشاعر يقول: علقوا لنا هذه، لتكون في خزانته.
(16) على التشبيه؛ أي: إليها توجُّههم في طلبِ الشعرِ وقَصْدِه.
(17) سئل لبيد: من أشعر الناس؟ قال: الملك الضليل، قيل: ثم من؟ قال: الشاب القتيل(يعني طرفة)، قيل: ثم من؟ قال: الشيخ أبو عقيل (يعني نفسه).
(18) سأله ابن عباس رضي الله عنه: من أشعرُ الناس ؟ فقال: الذي يقول: ومن يجعل المعروف من دون عرضه * يَفِرْهُ، ومن لا يَتَّقِ الشتمَ يُشتم
وليس الذي يقول: ولستَ بمُسْتَبْقٍ أخًا لا تَلُمُّه * على شَعَثٍ، أيُّ الرجالِ المُهَذَّبُ؟ بِدُونِه، ولكن الضراعة أفسدته كما أفسدت جَرْوَلاً(يقصد نفسه)، والله لولا الجشع لكنتُ أشعر الماضين، وأمّا الباقون فلا شك أني أشعرهم، قال ابن عباس: كذلك أنت يا أبا مليكة!
(19) كان الحُذّاق يقولون: الفحول في الجاهلية ثلاثة، وفي الإسلام ثلاثة متشابهون: زهير والفرزدق، والنابغة والأخطل، والأعشى وجرير.
(20) الذي أتت به الرواية عن يونس بن حبيب النحوي أن علماء البصرة كانوا يقدمون امرأ القيس، وأن أهل الكوفة كانوا يقدمون الأعشى، وأن أهل الحجاز والبادية كانوا يقدمون زهيرًا والنابغة، وكان أهل العالية لا يعدلون بالنابغة أحداً، كما أن أهل الحجاز لا يعدلون بزهير أحداً.
(21) بشار بن برد، وهو أفضل المولَّدين من الشعراء؛ كما روى ذلك الجاحظ وغيره من العلماء، ويليه أبو نواس، ثم أبو تمام والبحتري.
(22) يقال: إنهما أخملا في زمانهما خمسمائة شاعر كلهم مجيد.
(23) القُرومُ: جمعُ قَرْم، وهو من الرجال: السيِّدُ المُعَظَّم. أي إنهم من سادات الشعر والمُقدَّمين فيه.
(24) هو: عبد السلام بن رغبان بن عبد السلام بن حبيب الملقب بديك الجن. من أشهر شعراء الشام.
(25) هو: عبد الصمد بن المعذل بن غيلان بن الحكم العبدي القيسي، أبو القاسم. شاعر عباسي مجيد.
(26) كلُّ هؤلاء الثلاثة: دعبل، وديك الجن، وابن المعذل؛ قد غمرهم أبو تمام وأخمل ذكرَهم؛ على رغم مكانتهم الشعرية العالية.
(27) وكذلك كاد أبو الطيب أن يخفي أبا فراس الحمداني؛ لولا مكانُه من ابن عمه سيف الدولة. أما الصنوبري والخبز أرزي وغيرهما؛ فقد سقطوا عنه سقوطًا ذريعا. والصنوبري، هو: أبو بكر أحمد بن محمد بن الحسين الضَّبِّي الحلبي الأنطاكي . والخُبز أَرزي، هو: نصر بن أحمد بن نصر بن مأمون البصري أبو القاسم. شاعرٌغَزِل، عَلَتْ له شهرة.

أحمد بن يحيى
24-01-2021, 11:32 AM
باب المُقِلِّين من الشعراء والمُغَلَّبِين، ومعه باب من رَغِبَ من الشعراء عن مُلاحاة غير الأكْفاء:

ومِثْل ما أكْثَرَ مِنْهُمْ مُكْثِرُ = كَذَا مُقِلُّوْنَ بِهِ قَدْ شُهِرُوا

فَمِنْهُمُ الْقَتِيْلُ، ذَاكَ (طَرَفَهْ) = ماتَ صَغِيْرًا قَدْ أتَمَّ شَرَفَهْ(1)

أفْضَلُهُمْ واحِدَةً عِنْدَ الثِّقَهْ: = (لِخَوْلَةَ) الدَّالِيَّةُ الْمُعَلَّقَهْ(2)

كَذَا (عَبِيْد)، وهو (إبْنُ الأبْرَصِ) = (أقْفَرَ مِنْ) قد جُمْهِرَتْ فَخَصِّصِ(3)

(عَلْقَمَةُ الْفَحْلُ)، فَذَاكَ ثَالِثُ = لَهُ ثَلاثٌ حُسْنُهُنَّ لابِثُ:

(ذَهَبْتَ)، (هَلْ ما)، وكذا (طَحَا بِك) = كأنَّمَا هُنَّ نَسِيْجُ حَابِكْ(4)

(إبْنُ أبِيْ كَاهِل) مِمَّنْ أحْسَنَا = بـِ (بَسَطَتْ رَابِعَةُ الْحَبْلَ لَنَا)(5)

و(الأسْوَدُ بنُ يَعْفُر) ذُوْ مِقْوَلِ = بِمَا شَدَا في شِعْرِهِ: (نامَ الْخَلِي)(6)

واذْكُرْ(عَدِيَّاً)، كَسُهَيْلٍ فِيْها = مُعَارِضًا بِأرْبَعٍ يُزْجِيْها(7)

(سَلَامَةُ)، (الْحُصَيْنُ)، و(ابْنُ عَلَسِ) = كذلك المشهورُ بِـ (المُتْلَمِّسِ)(8)

ومِنْ أُوْلِي الْمُعَلَّقَاتَ فاذْكُرَا= (عَمْرَ ابْنَ كُلْثُوم)، كَذَاكَ (عَنْتَرَا)

كَذلِكَ (الْحَارِثُ إبْنُ حِلِّزَهْ) = وكُلُّهُمْ أحْرَزَ فَضْلاً مَيَّزَهْ(9)

واخْصُصْ بِذَاكَ مَلِكًا ضِلِّيْلا = أجْوَدهُمْ شِعْرًا؛ وإنْ قَلِيْلا(10)

ولا يَزَالُ شاعرٌ مُغَلَّبَا = وإنْ يَكُنْ قَدْ حَازَ فِيْهِ قَصَبَا(11)

كالنَّابِغِ الْجَعْدِيِّ لَمَّا غُلِّبَتْ = عَلَيْهِ (لَيْلَى الأَخْيَلِيَّةُ) اِذْ رَبَتْ(12)

وكَانَ في الشِّعْرِ قَلِيْلَ التَّرَفِ = مُشْتَهِرًا بِقِلَّةِ التَّكَلُّفِ

تَجِدْ خِمَارًا عِنْدَهُ بِوَافِ = ومُطْرَفًا يُسَامُ بالآلافِ(13)

وقَدْ يُكَادُ الشاعرُ النِّحْرِيْرُ = يَغْلِبُهُ ذو لَسَنٍ خَطِيْرُ

كَمِثْلِ ما كِيْدَ بِهِ بَشَّارُ = (حَمَّادُ عَجْرَد) بِهِ سُعَارُ(14)

وكانَ قَبْلُ لَمْ يُجِبْ تَرَفُّعَا = حَتَّى اسْتَطَالَ في الْهِجَا وأقْذَعَا

قَدْ كَانَ أوْلَى أنْ يَغُضَّ مِنْهُ = بِتَرْكِهِ، وأنْ يَكُفَّ عَنْهُ

لأنَّهُ أقَلُّ مِنْهُ بَأْوَا = ولا يَكَادُ أنْ يَنَالَ شَأْوَا(15)

لِذَا (جَرِيْرٌ) لَمْ يُجِبْ (بَشَّارَا) = ولَوْ هَجَاهُ لَعَلا مِقْدَارَا(16)

كَذَاكَ حَالُ كُلِّ ذِيْ عَلاَءِ = لَيْسَ يُجِيْبُ غَيْرَ مَا أكْفَاءِ

وبَعْضُهُمْ قَدْ كَفَّ لا يُهَاجِيْ = كَمِثْلِ ما يُرْوَى عَنِ (الْعَجَّاجِ)(17):

أحْسَابُنَا تَمْنَعُنا أنْ نُظْلَمَا = أحْلامُنا تمنعنا أنْ نَظْلِمَا(18)

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) هو طرَفة بن العبد، وفي ذلك قالت أخته ترثيه:
عَدَدْنا له سِتاً وعشرين حِجَّةً = فلمّا تَوَفَّاها استوى سَيِّدًا ضَخْما
فُجِعنا به لما رجونا إيابَه = على خَيْرِ حَالٍ؛ لا وَلِيْدًا ولا قَحْما
(2) هو أفضلُ الناسِ واحدةً عند العلماء؛ وهي المعلقة: (لِخَوْلَةَ أطْلالٌ ببُرْقَةِ ثَهْمَدِ).
(3) هو: عَبيد بن الأبرص بن جُشَم بن عامر الأسدي. من قدماء شعراء العصر الجاهلي المشهورين، ومن المعَمَّرين فيه. شُهر له معلقته التي أولها: أقفر من أهله ملحوبُ. وهي معدودة في (المُجَمْهرات).
(4) لعلقمة الفحل ثلاث قصائد مشهورات إحداهن: ذَهَبْتَ من الهجران في كلِّ مذهب، ويروى: في غير مذهب، والثانية قوله:
طَحَا بك قلبٌ في الحِسَان طَرُوبُ، والثالثة قوله: هل ما عَلِمْتِ وما اسْتُودِعْتِ مكتومُ.
(5) هو: أبو سعيد سُويد بن أبي كاهل بن حارثة الكناني اليشكري، شاعر مخضرم من مخضرمي الجاهلية والإسلام. من مختاراته: قصيدته العينية المشهورة، وأشهرها قوله: بَسَطَتْ رابِعَةُ الْحَبْلَ لنا= فوَصَلْنَا الحبلَ منها ما اتَّسَعْ.
(6) هو: الأسود بن يعفر النهشلي التميمي، أبو نهشل، وأبو الجراح. شاعر جاهلي، من سادات تميم. من أشهر شعره قصيدته التي أولها: نام الخلي فما أحِسُّ رُقَادي.
(7) هو: عَدِي بن زيد بن حمّاد بن زيد العِبَادي التميمي. أحد شعراء العصر الجاهلي البارزين. قيل فيه: عَدِيٌّ في الشعراء مثل سهيلٍ في النجوم؛ يعارضها ولا يجري معها. شاعرُ مُقِلّ، ومشهوراتُه أربع: قوله:أرواحٌ مُوَدِّعٌ أم بكورُ؟. وقوله: أتعرفُ رسم الدار مِن أمِّ معبد!. وقوله: ليس شيء على المنون بباقي. وقوله: لم أر مِثْلَ الفتيان في غِيَرْ الأيام ينسَوْنَ ما عواقِبُها.
(8) من المقلين المحكمين: سَلَامَة بن جَنْدَل التميمي، وحُصَين بن الحُمام المري، والمتلمِّس، والمُسَيَّب بن عَلَس: كل أشعارهم قليلٌ في ذاته جيدُ الجملة. ويروى عن أبي عبيدة أنه قال: اتفقوا على أن أشعر المقلين في الجاهلية ثلاثة: المتلمس، والمسيب بن عَلَس، وحُصَين بن الحُمَام المرّي، وأما أصحاب الواحدة فطرفة أولهم عند الجمحي، وهو الحكم الصواب.
(9) ومنهم: عنترة، والحارث بن حلزة، وعمرو بن كلثوم، من أصحاب المعلقات المشهورات.
(10) كان امرؤ القيس مُقِلاًّ، كثير المعاني والتصرف، لا يصح له إلا نيّف وعشرون شعراً بين طويل وقطعة، ولا ترى شاعرًا يكاد يُفْلِتُ من حبائله؛ وهذه زيادة في فضله وتقديمه.
(11) المُغَلَّبُ من الشعراء: الذي لا يزال مغلوباً. قال امرؤ القيس: فإنَّكَ لم يَفْخَرْ عليك كفاخرٍ = ضعيفٍ، ولم يَغْلِبْكَ مِثْلُ مُغَلَّبِ. ومن المغلَّبين : النابغةُ الجعدي ـ رغم سبقه ومكانته. قد غُلِّب عليه أوس بن مَغْرَاء القريعي، وغُلِّبَتْ عليه ليلى الأخيلية. قال الجمحي: وقد غلب عليه من لم يكن إليه في الشعر ولا قريباً منه: عقال بن خويلد العقيلي وكان مفحماً بكلام لا بشعر، وهجاه سوَّار بن أوفى القشيري.
(12) هي: ليلى بنت عبد الله بن الرحّال العامرية، من بني عامر بن صعصعة، الأخيلية؛ نسبة إلى جدها معاوية بن عبادة المعروف بالأخيل. كان بينها وبين النابغة الجعدي مهاجاة. وقيل: إنّ موتَ الجعدي كان بسببها: فرَّ من بين يديها فمات في الطريق مسافرًا، والأصح أنها هي التي ماتت في طلبه.
(13) قال الجمحي: وكان الجعدي مختلف الشعر، سئل عنه الفرزدق فقال: مَثَلُه مثل صاحب الخُلْقَان: ترى عنده ثوب عَصْبٍ، وثوب خَزّ، وإلى جانبه سَمَلُ كِساء. وكان الأصمعي يمدحه بهذا، وينسبه إلى قلة التكلف، فيقول: عنده خمار بِوَافٍ، ومُطْرَف بآلاف ـ بِواف: يعني بدرهم وثلث.
(14) هو حمّاد بن عمر بن يونس بن كليب السوائي، أبو عمرو، المعروف بعجرد. وكان ماجناً متّهماً بالزندقة، وله في بشار بن برد أهاج مُقذعة، اغتيل، في أغلب الظن، بالأهواز.
(15) قال الجاحظ: ما كان ينبغي لبشار أن يضادّ حماد عجرد من جهة الشعر؛ لأن حماداً في الحضيض وبشاراً في العَيُّوق.
(16) هجا بشارٌ جريرًا بأشعار كثيرة فلم يجبه، قال بشار: ولم أهجه لأغلبه، ولكن ليجيبني فأكون من طبقته، ولو هجاني لكنت أشعر الناس!
(17) هو: أبوالشَّعثاء، عبد الله بن رُؤْبَةَ بن لبيد السَّعديُّ التَّميميُّ، يتصل نسبه بزيد بن مناة. شـاعرٌ أموي راجزٌ مشهور، والعجَّاجُ لقبه، من العَجِّ، وهو رفع الصَّوت.
(18) حُكي عن العجاج أنه قيل له: لم لا تهجو؟ فقال: ولم أهجو؟ إن لنا أحسابًا تمنعنا من أن نُظلَم، وأحلامًا تمنعنا من أن نَظلِم!

أحمد بن يحيى
27-01-2021, 03:13 PM
باب في الشعراء والشعر:

وطَبَقَاتِ الشُّعَرَا فَقَسِّمِ: = لِجَاهِلِيٍّ فِيْهِ، فَالْمُخَضْرَمِ

يَلِيْهِ إِسْلامِيُّ، ثُمَّ مُحْدَثُ = والْمُحْدَثُونَ طَبَقَاتٌ تُبْحَثُ (1)

وكُلُّ مُحْدَثٍ إلى الذي سَبَقْ = فَنَازِلٌ عَنْهُ، وإنْ رَقَّ ودَقّ (2)

قَدْ ذَهَبَ القَدِيمُ بالحَلاوةِ = رَشَاقَةً فِيْهِ، وبالطُّلاَوةِ

والجَاهِليُّ إنْ يَكُنْ قَدْ أَسْلَمَا = فَسَمِّهِ في نَعْتِهِ الْمُخَضْرَما

كَأنَّهُ قَدِ اسْتَوَى تَمَامُهُ = كَخِضْرِمِ الماءِ عَلَا جِمَامُهُ

وقِيْلَ بَلْ كالأُذُنِ الْمُخَضْرَمَهْ = يَقْطَعُ بالإسلامِ عَهْدًا صَرَمَهْ (3)

وقِيْلَ إنَّ بَعْضَ مَنْ قَدْ أسْلَمَا = قَطعَ آذانًا لإبْلٍ؛ خَضْرَمَا (4)

وقِيْلَ بَلْ بِالحاءِ غَيْر الْمُعْجَمَهْ = مِنْ: خَلَطَ الشَّيْءَ، وتِلْكَ (الحَضْرَمَهْ) (5)

و(الشعراءُ فَاعْلَمَنَّ أرْبَعَهْ) = لـِـ(جَرْوَلٍ) نِسْبَتُه، مُفَرّعَهْ:

(فَشَاعِرٌ لا يُرْتجَى لِمَنْفَعَهْ = وشاعرٌ يُنْشِدُ وَسْطَ الْمَجْمَعَهْ

وشاعرٌ آخَرُ لا يُجْرَى مَعَهْ = وشاعرٌ يُقَالُ: خَمِّرْ في دَعَهْ) (6)

وقَوْله، وكانَ مِمَّنْ يَنْظِمُهْ: = (الشِّعْرُ صَعْبٌ وطَوِيلٌ سُلَّمُهْ (7)

والشعرُ لا يَسْطِيْعُهُ مَنْ يَظْلِمُهْ= إذا ارْتَقَى فِيْهِ الَّذِي لا يَعْلَمُهْ

زَلَّتْ بِهِ إلى الحَضِيْضِ قَدَمُهْ = يُرِيْدُ أنْ يُعْرِبَهُ فَيُعْجِمُهْ)

أَشْعَرُ بَيْتٍ فَهْوَ ما قَدْ صَدَقَا = يُعْرَضُ: إنْ كَيْسًا وإمَّا حُمُقَا

قَدْ قالَهُ (حَسَّانُ) وَهْوَ مَنْ هُوْ! = فَسَارَ في نَقْدِ الْقَرِيْضِ عَنْهُ (8)

يَمُوْتُ قَبْلَ أهْلِهِ الرَّدِيُّ = وجَيِّدٌ مِنْهُ فَذَاكَ حَيُّ:

مَقَالَةٌ لِـ(دِعْبِلٍ) مَذْكُوْرَهْ = مَحْمودةٌ سائِرَةٌ مَشْهُورهْ (9)

والشاعرُ الْخِنْذِيْذُ: فَهْوَ الرَّاوِيْ = مَعْ حِذْقِهِ بالشعرِ، ذاكَ الْحَاوِيْ

رُوَاتُهُ: أولئِكَ الْفُحُوْلُ = بِذَاكَ كانَ (رُؤْبَةٌ) يَقُوْلُ

وغَيْرُ رَاوٍ، فَهْوَ فِيْهِمْ: مُفْلِقُ = إلاَّ يَكُنْهُ، فَهْوَ فِيْهِ أَحْذَقُ

وشاعرٌ: سَمَا بِقَوْلٍ نَسَجَهْ = فَوْقَ الرَّدِيءِ فَهْوَ يَعْلُوْ دَرَجَهْ

والرَّابِعُ: الشُّعْرُوْرُ، ذَاكَ الأسْفَلُ = لا ناقةٌ فِيْهِ ولَيْسَ جَمَلُ (10)

وقِيْلَ فِيْهِمْ: مُفْلِقٌ، ومُطْلَقُ = شُوَيْعِرٌ، شُعْرُوْرُ تَمَّ الْمَنْطِقُ (11)

وقِيْلَ هُمْ ثلاثةٌ: فَشَاعِرُ = شُوَيْعِرٌ، شُعْرُوْرُ فَهْوَ آخِرُ

يُقَالُ هذا شاعرٌ؛ إذا شَعَرْ = لأنَّهُ أَرْهَفُ حِسًّا في الْبَشَرْ

وبَعْضُهُمْ لَيْسَ لَهُ سِوَى اسْمِهِ = يَعْرَى إذا عَرَّيْتَهُ مِنْ رَسْمِهِ

ما ثَمَّ تَوْلِيْدٌ ولا اخْتِرَاعُ = أوْ ظُرْفُ لَفْظٍ، لا ولا ابْتِدَاعُ

لا يَسْتَطِيْعُ بَسْطَةً في الْمَعْنَى = أوْ سَبْكَهُ أوْ صَرْفَهُ؛ فَيَغْنَى

لَيْسَ سِوَى الْوَزْنِ عَلَى التَّقْتِيْرِ = ولَيْسَ ذَا فَضْلاً مَعَ التَّقْصِيْرِ (12)

وربما يَصْعُبُ صُنْعُ الشِّعْرِ = لِحَاذِقٍ بِهِ، كَنَقْلِ الصَّخْرِ (13)

لأنَّهُ أَبْصَرُهُمْ بِآلَتِهْ = يَعْرِفُ مِنْهُ بُعْدَ قَصْدِ غَايَتِهْ

وقَدْ يَمِيْزُ الشِّعْرَ غَيْرُ حَابِكِهْ = كَمَا يَمِيْزُ الثَّوْبَ غَيْرُ حَائِكِهْ (14)

كَالصَّيْرَفِيْ لا يَضْرِبُ الدِّيْنَارا = لَكِنَّهُ يَقْدُرُه مِقْدَارا

لِذَاكَ قِيْلَ ناقِدُ الأشْعَارِ = كَمَا يُقالُ ناقِدُ الدِّيْنارِ

صنَاعَةٌ بِهَا كَثِيْرٌ قَدْ شُهِرْ = كَـ (خَلَف الأحْمَر) مِمَّنْ قَدْ ذُكِرْ (15)

أَتَاهُ ـ يَوْمًا ـ رَجُلٌ فَقَالا: = لَسْتُ لِمَا قُلْتَ أُقِيْمُ بَالاَ

فَقَالَ: هَلْ يَنْفَعُكَ اسْتِحْسَانُ = لِدِرْهَمٍ لَيْسَ لَهُ وِزَانُ! (16)

لِذَاكَ كانَ عِلْمُهُمْ بِعِلْمِهِ = يَمْنَعُهُمْ مِنْ قَوْلِهِ ونَظْمِهِ (17)

لِلشِّعْرِ صَنْعَةٌ كَذَا ثقَافَهْ = كَكُلِّ صَنْعَةٍ بِها لَطَافَهْ

قَالَ بِهِ في (الطَّبَقَاتِ) الْجُمَحِيْ = مُحَقِّقًا فِيْهِ بَرَأْيٍ مُنْجَحِ (18)

مِنْها الَّذِيْ يَثْقَفُهُ الْعِيَانُ = والأُذْنُ، والأَيْدِيْ، كَذَا الِّلسَانُ

كَصَنْعَةِ اللؤلُؤِ لَيْسَتْ تُعْرَفُ = إلاّ عِيَانًا لَيْسَ حَدًّا يُوْصَفُ

والصَّيْرَفِيْ ذِي الْبَصَرِ الصَّرِيْحِ = بِبَهْرَجِ النَّقْدِ وبِالصَّحِيْحِ

وعَارِفٍ بِالْبَزِّ والْمَتَاعِ = عَلَى اشْتِبَاهِ الْمَسِّ والذِّرَاعِ (19)

وبَاصِرٍ كَذَاكَ بِالرَّقِيْقِ = سَوْمًا عَلَى التَّقْدِيْرِ والتَّحْقِيْقِ (20)

إذْ رُبَّما تَجْمَعُ شَيْئَيْنِ صِفَهْ = بَيْنَهُمَا بَوْنٌ لِمَنْ قَدْ عَرَفَهْ

كَذَلِكَ الشِّعْرُ؛ لِغَيْرِ غايَةِ = يُعْرَفُ بِالدَّرْسِ وبِالرِّوَايَةِ (21)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) طبقات الشعراء أربع: جاهليٌ قديم، ومُخَضْرَمٌ، وهو الذي أدرك الجاهلية والإسلام، وإسلاميٌ، ومُحْدَث. ثم صار المحدثون طبقاتٍ: أولى وثانية على التدريج هبوطا...
(2) أي لا يُضارع قيمة القديم ولا يجاريه؛ وإن حلا لفظُه ورقّ، ورَشُقَ معناه ودقّ؛ ففي الجاهلية والإسلام مَن ذَهَبَ بكلِّ حلاوة ورشاقة، وسَبَق إلى كلّ طلاوة ولباقة.
(3) قال أبو الحسن الأخفش: يقال: ماءٌ خِضْرِم، إذا تناهى في الكثرة والسَّعَة، فمنه سُمِّي الرجل الذي شهد الجاهلية والإسلام مُخَضْرَماً، كأنه استوفى الأمرين، قال: ويقال: أذن مُخَضْرَمة، إذا كانت مقطوعة؛ فكأنه انقطع عن الجاهلية إلى الإسلام.
(4) حكى ابن قتيبة عن عبد الرحمن (ابن أخي الأصمعي) عن عمِّه (الأصمعي)، قال: أسْلَمَ قومٌ في الجاهلية على إبِلٍ قطعوا آذانها؛ فسُمِّي كل من أدرك الجاهلية والإسلام مخضرما.
(5) من الحَضْرمة، وهي الخَلْطُ؛ لأنه خَلَطَ الجاهلية بالإسلام.
(6) الأبيات منسوبة إلى الحطيئة (جَرْوَل)، وقيل هي لغيره. وقد جاءت بروايات مختلفة. وهذه الرواية هي ما أثبتها المصنِّف رحمه الله. (خَمِّرْ في دَعَهْ): المعنى على الكناية؛ أي يقال له: اسْتَحِ من قول الشعر واسترْ جهلك به، والزم مكانك حيث أنت؛ مِن: خامَرَ الرجلُ بيتَه وخَمَّرَهُ: لزمه فلم يَبْرَحْهُ. وَكَذَلِكَ خامَرَ المكانَ؛ أَنشد ثَعْلَبٌ: (وشاعِرٍ يُقالُ خَمِّرْ فِي دَعَهْ). وَيُقَالُ للضَّبُعِ: خامِرِي أُمَّ عامِرٍ أَي اسْتَتِري. أَبو عَمْرٍو: خَمَرْتُ الرجلَ أَخْمُرُه إِذا اسْتَحْيَيْتُ مِنْهُ. ابْنُ الأَعرابي: الخِمْرَةُ الِاسْتِخْفَاءُ.
(7) وقَوْله: (أي: الحطيئة)؛ معطوفٌ على القول السابق.
(8) وذلك قوله: وَإِنَّ أَشْعَرَ بَيْتٍ أَنتَ قائِلُهُ* بَيتٌ يُقالُ إِذا أَنشَدْتَهُ: صَدَقا
وَإِنَّما الشِعرُ لُبُّ الْمَرْءِ يَعرِضُهُ* عَلى الْمَجالِسِ إِن كَيْساً وَإِن حُمُقا
(9) كما قال: سأقضِي ببيتٍ يَحْمَدُ الناسُ أمْرَهُ * ويكثرُ من أهلِ الرواياتِ حاملُهْ
يموتُ رديءُ الشعرِ مِنْ قَبْلِ أهلِهِ * وجَيِّدُه يَبقى وإنْ مات قائلُهْ
(10) الشعراء أربعة: شاعرٌ خِنْذِيذ، وهو الذي يَجمع إلى جودة شعره روايةَ الجيِّدِ من شعر غيره، وسئل رؤبة عن الفحولة، قال: هم الرواة؛ وشاعرٌ مُفْلِق، وهو الذي لا رواية له إلا أنه مُجَوِّدٌ كالخنذيذ في شعره؛ وشاعرٌ فقط، وهو فوق الرديء بدرجة؛ وشُعْرور، وهو لا شيء.
(11) وقيل: بل هم شاعرٌ مُفْلِق، وشاعرٌ مُطْلَق، وشُوَيعر، وشُعْرُور. والمفلِق: هو الذي يأتي في شعره بالفَلَق، وهو العَجَب، وقيل: الداهيةُ.
(12) قال المصنف ـ رحمه الله: (وإنما سمي الشاعر شاعراً؛ لأنه يَشْعُرُ بما لا يشعر به غيره، فإذا لم يكن عند الشاعر توليدُ معنى ولا اختراعه، أو استظراف لفظ وابتداعه، أو زيادة فيما أجحف فيه غيره من المعاني، أو نقص مما أطاله سواه من الألفاظ، أو صَرْف معنى إلى وجه عن وجه آخر؛ كان اسم الشاعر عليه مجازاً لا حقيقة، ولم يكن له إلا فضل الوزن، وليس بفضل عندي مع التقصير).
(13) قيل: عَمَلُ الشعرِ على الحاذق به أشدُّ من نقل الصخر، ويقال: إنَّ الشعر كالبحر أهْوَنُ ما يكون على الجاهل أهْوَلُ ما يكون على العالِم، وأتْعَبُ أصحابِه قلبًا من عرَفه حقَّ معرفته.
(14) قد يميز الشعر من لا يقوله، كالبَزَّاز يميز من الثياب ما لم ينسجه، والصيرفي يَخْبُر من الدنانير ما لم يسبكْه ولا ضرَبه، حتى إنه ليعرف مقدار ما فيه من الغش وغيره فينقص قيمته.
(15) هو: أبو مُحْرز، خلف بن حيان الأحمر، عالمٌ من كبار علماء البصرة، نحوي لغوي راوية قلَّ نظيره. وقد كان أبو عمرو بن العلاء وأصحابه لا يَجْرُون مع خلف الأحمر في حَلْبَة هذه الصناعة (النقد) ولا يَشُقُّون له غباراً؛ لنفاذه فيها، وحذقه بها، وإجادته لها.
(16) مِمَّا يُحكى: أن رجلاً قال لخلف الأحمر: ما أبالي إذا سمعتُ شعرًا استحسنتُه ما قلتَ أنت وأصحابك فيه! فقال له: إذا أخذتَ درهمًا تستحسنه وقال لك الصيرفي إنه رديء هل ينفعك استحسانُك إياه!
(17) قيل للمُفَضَّل الضَّبيّ: لِمَ لا تقول الشعر وأنت أعلم الناس به؟ قال: عِلْمي به هو الذي يمنعني من قوله، وأنشد: (وقد يَقْرِضُ الشعرَ البَكِيُّ لسانُه * وتُعْيِي الْقَوَافِي الْمَرْءَ وَهْوَ لَبِيبُ).
(18) هو: أبو عبد الله، محمد بن سلاَّم بن عبيد الله بن سالم الجمحي، عالمٌ بالأدب وأخبار العرب، وراوٍ معروف. ومقولته هذه هي من أشهر المقولات النقدية في النقد العربي، وقد وردت في كتابه: (طبقات فحول الشعراء)؛ أولها قوله: (وللشعر صَناعة وثقافة يعرفها أهل العلم كسائر أصناف العلوم والصَّناعات: منها ما تَثْقَفُه العين، ومنها ما تثقفه الأذن، ومنها ما تثقفه اليد، ومنها ما يثقفه اللسان...)؛ حتى قوله: (... يَعْرِفُ ذلك أهل العلم به عند المعاينة والاستماع، بلا صفة يُنْتَهَى إليها ولا علمٍ يُوقَف عليه، وإنَّ كثرةَ المُدارسَةِ للشيء لَتُعْدِي على العلم به، وكذلك الشعر يعرفه أهل العلم به).
(19) البَزُّ: الثيابُ، أو مَتاعُ البيتِ من الثيابِ ونحوِها.
(20) الرَّقيق: العبيد المماليك؛ والمراد هنا: الإماء الجواري خاصة.
(21) قال المُصنِّف ـ رحمه الله: وسمعت بعض الحذاق يقول: ليس للجودة في الشعر صفة، إنما هو شيء يقع في النفس عند المميِّز: كالفِرِنْدِ في السيف، والملاحة في الوجه، وهذا راجعٌ إلى قول (الجمحي)؛ بل هو بعينه، وإنما فيه فَضْلُ الاختصار.

أحمد بن يحيى
30-01-2021, 05:42 PM
باب حَدّ الشعر وبِنْيته، ومعه باب: اللفظ والمعنى، وباب في المطبوع والمصنوع:

وَبِنْيَةُ الشِّعْرِ إليكَ ما هِيَهْ: = لَفْظٌ، ووَزْنٌ، ثُمَّ مَعْنًى، قافِيَهْ

مِنْ بَعْدِ عَقْدِ نِيَّةٍ وقَصْدِ = إذْ رُبَّ مَوْزُوْنٍ بِغَيْرِ عَقْدِ

كَمِثْلِ مَوْزُونٍ مِنَ القرآنِ = ومِنْ كَلامِ المُصطفى العَدْنانِيْ (1)

فَلَا يُحَدُّ ثَمَّ حَدَّ الشِّعْرِ = إذْ لَيْسَ يَجْرِيْ مِنْهُ حَيْثُ يَجْرِيْ (2)

أرْبَعَةٌ أركانُهُ: الْهِجَاءُ = والمدْحُ، والنَّسِيْبُ، والرِّثَاءُ

قَوَاعِدُ الشعرِ، فَتِلْكَ: الرَّغْبَةُ = وغَضَبٌ، وطَرَبٌ، والرَّهْبَةُ

فالمدْحُ والشُّكْرُ نِتَاجُ الرَّغْبَةِ = والاعْتِذارُ فَقَرِيْنُ الرَّهْبَةِ

ورِقَّةُ النَّسِيْبِ صِنْوُ الطَّرَبِ = كَذَا الْهِجَاءُ فَهْوَ إبْنُ الْغَضَبِ(3)

لِلشِّعْرِ أغْرَاضٌ مِنَ المَعَانِيْ = قالَ بِها (عَلِيٌ الرُّمَّانِيْ) (4)

إِنْسُبْ بِهِ وامْدَحْ وهَاجِ وافْتَخِرْ = وصِفْ بِمَا شَبَّهْتَ فيهِ واسْتَعِرْ (5)

وقِيْلَ أصْنَافُ القَرِيْضِ ثَمَّهْ: = لَهْوٌ، مَدِيْحٌ، فَهِجَاءٌ، حِكْمَهْ

وكُلُّ صِنْفٍ تَحْتَهُ فُنُوْنُ = عَنْهُ إذا ما فُرِّعَتْ تَكُوْنُ (6)

وقِيْلَ بَلْ جَمِيْعُهُ نَوْعَانِ: = مَدْحٌ، هِجَاءٌ، فَهُمَا ضِدَّانِ (7)

والْبَيْتُ في الشِّعرِ كَبَيْتِ الأبْنِيَهْ = أحْوَالُهُ في الْوَزْنِ شِبْهُ الأَخْبِيَهْ

طَبْعٌ بِهِ، رِوَايَةٌ، مَعَالِمُهْ: = قَرَارُهُ، سَمْكٌ لَهُ، دَعَائِمُهْ

ساكِنُهُ الْمَعْنَى؛ فَنِعْمَ ساكِنُهْ! = وبَابُهُ الدُّرْبَةُ؛ ذِيْ مَحَاسِنُهْ(8)

والشِّعرُ عِنْدَ صَاحِبِ (الْوَسَاطَهْ) = عِلْمٌ لَهُ شُرُوْطُهُ الْمُنَاطَهْ

يَشْتَرِكُ الطَّبْعُ مَعَ الرِّوَايَةِ = فِيْهِ، كَذَا الذَّكَاءُ في كِفَايَةِ

يَقْوَىْ مَعَ الدُّرْبَةِ والْمِرَانِ = حتى يَنَالَ رُتْبَةَ الإحسانِ(9)

واللَّفْظُ جِسْمٌ رُوْحُهُ مَعْنَاهُ = يَقْوَىَ بِهِ، فَإِنْ ضَنِيْ أَضْنَاهُ (10)

لِلْقَوْمِ في آثَرِهَا مَذَاهِبُ = كُلٌّ لَهُ طَبْعٌ عَلَيْهِ غَالِبُ

مَنْ آثَرَ اللَّفْظَ، فَتِلْكَ فِرَقُ = ثَلاثَةٌ في حَالِها تَفْتَرِقُ:

مِنْ قَاصِدٍ لِفَخْمِهِ والْجَزْلِ = أوْ قَاصِدٍ إلى الرَّقِيقِ السَّهْلِ

وثَالِثٍ مُقَعْقِعٍ في جَلَبَهْ = فَكُلَّمَا أَرَاغَ مَعْنًى غَلَبَهْ

فَالْمَقْصِدُ الأوَّلُ: نَهْجُ الْعَرَبِ = في غَيْرِ ما تَصَنُّعٍ أوْ كَذِبِ (11)

كَغَضْبَةٍ دَوَّى بِها (بَشَّارُ) = مِزَاجِهَا الْمَجْدُ كَذَا الْفَخَارُ (12)

والمقْصِدُ الثانيْ: فَفِيْهِ يُغْتَفَرْ = لِيْنٌ، إذا ما اسْتَرْسَلَ الشِّعْرُ فَثَرّ

كالشاعرِ السَّهْلِ (أبي الْعَتَاهِيَهْ) = و(أَحْنَفٍ)، فَكُلُّهُمْ سَوَاسِيَهْ (13)

والآخَرُ النَّاكِصُ عَمَّا طَلَبَهْ: = فَكَــ(ابْنِ هَانِيْ) في ابْتِدَا (الْمُذَهَّبَهْ) (14)

ومُؤْثِرُ المعنى فَذَاكَ طَالِبُهْ = بِأَيِّ لَفْظٍ كَانَ فَهْوَ غَاصِبُهْ

كالمتنبيْ وكَذَا ابْن الرُّومِيْ = بِمُسْتَوِي الطَّبْعِ على الْعُمُوْم ِ(15)

وغَيْرُهُمْ، فإنَّهُمْ تَنَطَّعُوا = وأفْسَدُوا الشعر بِمَا تَصَنَّعُوا

وأكْثَرُ الناسِ على تَفْضِيْلِ = لَفْظٍ عَلَى الْمَعْنَى لَدَى التَّفْصِيلِ

إذِ الْمَعَانِيْ في طِبَاعِ النَّاسِ = ومَطْلَبُ اللَّفْظِ كَغَالِي الْمَاسِ

فَجَوْدَةُ اللَّفْظِ وحُسْنُ السَّبْكِ = وصِحَةُ التَّألِيفِ، مَعْنًى تُذْكِي (16)

وقِيْلَ فَالْمَعْنَى كَمِثْلِ الصُّوْرَهْ = ولَفْظُهُ كَالْكُسْوَةِ الْمَنْظُورَهْ

إنْ لم تُقَابَلْ صُوْرَةُ الْحَسْنَاءِ = تَضَاءَلَتْ في عَيْنِ كُلِّ رَائِيْ

ولَيْسَ يُغْنِي اللُّطْفُ في الْمَعَانِيْ = عَنِ الْكَلامِ الْجَزْلِ، وَهْوَ غَانِيْ (17)

لِلشُّعَرَا أمْثِلَةٌ مَألُوفَهْ = ألْفَاظُهَا بِحَدِّهَا مَعْرُوفَهْ

بِالنَّمَطِ الْعَالِي الْفَصِيْح في الْعَرَبْ = عَلَى مَنَاحِي الْقَوْلِ حِيْنَ يُنْتَخَبْ

ولَيْسَ للشاعرِ أنْ يَعْدُوها = لِفَرْطِ تَقْصِيْرٍ وأنْ يَجْفُوها

إلاَّ عَلَى نَحْوٍ مِنَ التَّظَرُّفِ = بِأعْجَمِ الَّلفْظِ وبِالتَّفَلْسُفِ

وإنَّما الشِّعْرُ الَّذِي قَدْ أَطْرَبَا = وحَرَّكَ الطَّبْعَ بِمَا قَدْ أَعْجَبَا

والشعرُ: مَطْبُوْعٌ، كَذَا مَصْنُوْعُ = والأَصْلُ فِيْهِ فَهُوَ الْمَطْبُوعُ

بِمُحْكَمِ الْقَوْلِ عَلَى التَّمَامِ = مُلْتَحِمِ الأجْزَاءِ والنِّظَامِ (18)

وصَنْعَةُ الشعرِ بِلَا تَكَلُّفِ: = فَنَظَرٌ فِيْهِ بِلا تَعَسُّفِ

تُقِيْمُ مُنْآدًا عَلَى التَّثْقِيْفِ = وتُلْحِقُ الرَّدِيْفَ بالرديفِ (19)

بِهَا (طُفَيْلٌ) سُمِّيَ الْمُحَبِّرَا = لأنَّهُ فِيْهِ يُدِيْمُ نَظَرَا (20)

كَذَا (زُهَيْرٌ) في عَبِيْدِ الشِّعْرِ = أشْهَرُهُمْ في ضَبْطِهِ والسَّبْرِ

لِذَاكَ كَانَ شِعْرُهُ الْحَوْلِيُّ = كأنَّهُ الْوَسْمِيُّ والْوَلِيُّ (21)

كَذَلِكَ (النَّابِغَةُ الذُّبْيَانِيْ) = و(جَرْوَلٌ) في الْحَوْكِ والإتْقَانِ (22)

والْخَوْضُ في الصَّنْعَةِ: فالتَّصْنِيْعُ = وفي اصْطِلاحِ النَّقْدِ: فَالْبَدِيْعُ (23)

بِهِ (ابْنُ مُعْتَزٍّ) بِشِعْرٍ أَلْطَفَا = فَأَبْدَعَ الْوَصْفَ، وأَيْضا صَنَّفَا(24)

أَوَّلُ مَنْ فَتَقَهُ: (بَشَّارُ) = (أبو نُوَاس) مِثْلُهُ يُخْتَارُ(25)

فَأَكْثَرَ الْقَوْلَ عَلَيْهِ (مُسْلِمُ) = وكانَ قَبْلُ نُتَفًا إذْ يُنْظَمُ (26)

حتى انْتَهَى ثَمَّ إلى (حَبِيْبِ) = فَخَاضَ فِيْهِ خَوْضَةَ الأَرِيْبِ

لَكِنَّهُ اسْتَعْصَىْ عليهِ حِيْنَا = وإنْ يَكُنْ مُسْتَوْثقًا مَتِيْنَا

فَبَاْنَ ما كَانَ مِنَ الْمَصْنُوعِ = مِنْ جَيِّدٍ مِنْ شِعْرِهِ الْمَطْبُوعِ

ومَنْ يَكُنْ طَبْعٌ عليهِ غَالِبُ = كالبُحْتُرِيْ؛ فَشِعْرُهُ مُقَارِبُ (27)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الشعر يقوم بعد النية من أربعة أشياء، وهي: اللفظ، والوزن، والمعنى، والقافية، فهذا هو حدُّ الشعر؛ لأن من الكلام موزوناً مقفى وليس بشعر؛ لعدم القصد والنية، كأشياء اتّزنت من القرآن، ومن كلام النبي صلى الله عليه وسلم، وغير ذلك مما لم يطلق عليه أنه شعر.
(2) للباقلاني في كتابه: (إعجاز القرآن) كلامٌ نفيس في نفي الشعر من القرآن؛ وإن بدا بعضه على وِزَان الشعر. (يُراجَع ـ للاستزادة ـ في موضعه).
(3) قيل: قواعد الشعر أربعة: الرغبة، والرهبة، والطرب، والغضب: فمع الرغبة يكون المدح والشكر، ومع الرهبة يكون الاعتذار والاستعطاف، ومع الطرب يكون الشوق ورقّة النسيب، ومع الغضب يكون الهجاء والتوعّد والعتاب الموجع.
(4) هو: أبو الحسن علي بن عيسى بن علي الرماني، أحد الأئمة المشاهير، من كبار النحاة، كان إمامًا في علم العربية، ومعتزليًا متكلما. من أشهر مؤلفاته في البلاغة: «النُّكَت في إعجاز القرآن»، طبع في مجموعة: «ثلاث رسائل في إعجاز القرآن» للرماني والخطّابي والجرجاني. وقد نقل عنه كثير من العلماء؛ ومنهم ابن رشيق في «العمدة».
(5) قال الرماني: أكثر ما تجري عليه أغراض الشعر خمسة: النسيب، والمدح، والهجاء، والفخر، والوصف، ويدخل التشبيه والاستعارة في باب الوصف.
(6) قيل: يجمع أصناف الشعر أربعة: المديح، والهجاء، والحكمة، واللهو، ثم يتفرع من كل صنف من ذلك فنون؛ فيكون من المديح المراثي والافتخار والشكر، ويكون من الهجاء الذم والعتاب والاستبطاء، ويكون من الحكمة الأمثال والتزهيد والمواعظ، ويكون من اللهو الغزل والطرد وصفة الخمر والمخمور.
(7) قيل: الشعر كله نوعان: مدحٌ، وهجاءٌ؛ فإلى المدح يرجع الرثاء، والافتخار، والتشبيب، وما تعلق بذلك من محمود الوصف: كصفات الطلول والآثار، والتشبيهات الحسان، وكذلك تحسين الأخلاق: كالأمثال، والحكم، والمواعظ، والزهد في الدنيا، والقناعة. والهجاء ضدُّ ذلك كله.
(8) قال المصنف ـ رحمه الله: (البيت من الشعر كالبيت من الأبنية: قرارُه الطبعُ، وسَمْكه الرواية، ودعائمه العلم، وبابُه الدُّرْبة، وساكنه المعنى، ولا خير في بيت غير مسكون، وصارت الأعاريض والقوافي كالموازين والأمثلة للأبنية، أو كالأواخِيِّ والأوتاد للأخبية، فأما ما سوى ذلك من محاسن الشعر فإنما هو زينة مستأنفة ولو لم تكن لاستغنى عنها).
(9) قال القاضي علي بن عبد العزيز الجرجاني صاحبُ كتاب الوَسَاطة: الشعر علم من علوم العرب يشترك فيه الطبع والرواية والذكاء، ثم تكون الدُّرْبةُ مادةً له، وقوة لكل واحد من أسبابه؛ فمن اجتمعت له هذه الخصال فهو المحسن المبرز، وبقدر نصيبه منها تكون مرتبته من الإحسان.
(10) اللفظ جسم، وروحه المعنى، وارتباطه به كارتباط الروح بالجسم: يضعف بضعفه، ويقوى بقوته.
(11) وأصحابه من الشعراء يذهبون إلى فخامة الكلام وجزالته، على مذهب العرب من غير تصنع.
(12) وذلك قوله:
إذا ما غضبنا غَضْبَةً مُضَرِيَةً = هَتَكْنا حجابَ الشمسِ أو قطرتْ دما
إذا ما أعَرْنا سَيِّدًا من قبيلـــة = ذُرَى مِنْبَرٍ صَلَّى علينـــــا وسلَّمـــــا
(13) مِمَّن ذهب إلى سهولة اللفظ فَعُنِيَ بها، واغتُفِرَ له فيها الركاكةُ واللين المفرط: كأبي العتاهية، وعباس بن الأحنف، ومن تابعهما، وهم يرون الغاية قول أبي العتاهية:
يا إخوتي إن الهوى قاتلــي = فيسِّروا الأكفان من عاجل
ولا تلوموا في اتباع الهوى = فإنني في شُغُلٍ شاغــــــل
عينيْ على عتبـةَ مُنْهَلَّــــــةٌ = بدمعها المنسكبِ السائــل
إلى آخر ما قال من هذا العذب السلسال...
(14) وهو القسم الثالث: شعراؤه أصحاب جلبة وقعقعة بلا طائل معنى إلا القليل النادر: كأبي القاسم بن هانئ ومن جرى مجراه؛ كقوله أول مذهبته:
أصاخت فقالت: وَقْعُ أجْرَدَ شَيْظَمِ = وشامت فقالت: لَمْعُ أبيضَ مِخْذَمِ
وما ذُعِرَتْ إلا لِجَرْسِ حُلِيِّهــــــا = ولا رَمَقَـــتْ إلا بُرًى في مُخـــدَّم
وأبو القاسم بن هانئ، هو: محمَّد بن هانئ بن محمَّد بن سعدون الأزديُّ الأندلسيُّ، مِنْ شعراء الأندلس والمغرب.
(15) من الشعراء من يؤثر المعنى على اللفظ فيطلب صحته، ولا يبالي حيث وقع من هُجْنة اللفظ وقبحه وخشونته: كابن الرومي، وأبي الطيب، ومن شاكلهما؛ على طبعٍ يحجزهما عن التكلف والتصنع المقيت؛ على خلاف من جاء بعدهم من متكلفي الشعراء.
(16) قال المصنف ـ رحمه الله: (وأكثر الناس على تفضيل اللفظ على المعنى، سمعت بعض الحذاق يقول: قال العلماء: اللفظ أغلى من المعنى ثمناً، وأعظم قيمة، وأعز مطلباً؛ فإن المعاني موجودة في طباع الناس، يستوي الجاهل فيها والحاذق، ولكن العمل على جَوْدة الألفاظ، وحسن السبك، وصحة التأليف، ألا ترى لو أن رجلاً أراد في المدح تشبيه رجل لما أخطأ أن يشبهه في الجود بالغيث والبحر، وفي الإقدام بالأسد، وفي المضاء بالسيف، وفي العزم بالسيل، وفي الحسن بالشمس، فإن لم يحسن تركيب هذه المعاني في أحسن حُلاها من اللفظ الجيد الجامع للرقة والجزالة والعذوبة والطلاوة والسهولة؛ لم يكن للمعنى قدر).
(17) قال المصنف: (وبعضهم ـ وأظنه ابن وكيع ـ مثّل المعنى بالصورة، واللفظَ بالكسوة؛ فإن لم تُقابَل الصورةُ الحسناء بما يشاكلها ويليق بها من اللباس فقد بُخِسَتْ حقَّها، وتضاءلتْ في عَيْنِ مُبْصِرها. وقال عبد الكريم ـ وكان يؤثر اللفظ على المعنى كثيراً في شعره وتآليفه: الكلام الجزل أغنى عن المعاني اللطيفة من المعاني اللطيفة عن الكلام الجزل. وإنما حكاه ونقله نقلاً عمّن روى عنه النحَّاس).
(18) قال المصنف: ( والعرب لا تنظر في أعطاف شعرها بأن تجنس أو تطابق أو تقابل، فتترك لفظة للفظة، أو معنى لمعنى، كما يفعل المحدثون، ولكن نظرها في فصاحة الكلام وجزالته، وبسط المعنى وإبرازه، وإتقان بنية الشعر، وإحكام عقد القوافي وتلاحم الكلام بعضه ببعض). وهذا هو الأصل الذي وضع عليه الشعر أولا، وما عرف بعد ذلك بعمود الشعر.
(19) قال المصنف: (والمصنوع وإن وقع عليه هذا الاسم فليس متكلفاً تكلف أشعار المولدين، لكن وقع فيه هذا النوع الذي سموه صنعة من غير قصد ولا تَعَمُّل، لكن بطباع القوم عفوًا، فاستحسنوه ومالوا إليه بعض الميل، بعد أن عرفوا وجه اختياره على غيره، حتى صنع زهير الحوليات على وجه التنقيح والتثقيف: يصنع القصيدة ثم يكرر نظره فيها خوفاً من التعقب بعد أن يكون قد فرغ من عملها في ساعة أو ليلة، وربما رَصَدَ أوقات نشاطه فتباطأ عمله لذلك).
(20) هو: طُفَيل بن عوف بن كعب الغنوي؛ نسبةً إلى قبيلة غَنِي من قيس عيلان، وقيل في نسبه غير ذلك. يُكنى أبا قُرّان، ولُقِّب (طفيل الخيل) لكثرة وصفه إياها، و(المحبِّر) لجودة شعره، ولحسن وصفه الخيل.
(21) الوَلِيُّ: المطر يأتي بعد المطر المعروف بالوَسْمِيّ؛ سُمِّي به لأنه يلي الوسمي.
(22) كان الأصمعي يقول: زهير والنابغة من عبيد الشعر، يريد أنهما يتكلفان إصلاحه ويشغلان به حواسهما وخواطرهما. ومن أصحابهما في التنقيح وفي التثقيف والتحكيك: طفيل الغنوي. وقد قيل: إن زهيراً روى له، وكان يسمى مُحبِّراً لحسن شعره. ومنهم الحطيئة، والنمر بن تَوْلَب، وكان يسميه أبو عمرو بن العلاء الكَيِّسَ.
(23) الإكثار من الصنعة يُدخلها في باب التكلف والتصنع طوعًا أو كرها؛ وهي المدرسة التي عرفت بمدرسة البديع. والنموذج فيها: هو أبو تمام حبيب بن أوس الطائي.
(24) قال المصنف ـ رحمه الله: (وما أعلم شاعراً أكمل ولا أعجب تصنيعاً من عبد الله بن المعتز؛ فإن صنعته خفية لطيفة لا تكاد تظهر في بعض المواضع إلا للبصير بدقائق الشعر، وهو عندي ألطف أصحابه شعراً، وأكثرهم بديعاً وافتتاناً، وأقربهم قوافي وأوزاناً، ولا أرى وراءه غاية لطالبها في هذا الباب). ولابن المعتز مصنف في بديع الشعر؛ ذكر فيه مستحسنه، ونعى على المتكلفين فيه والمستكثرين منه، كأبي تمام.
(25) قيل: أول من فتق البديع من المحدثين بشار بن برد، وابن هَرْمَة، وهو ساقَة العرب وآخر من يستشهد بشعره. ثم أتبعهما مقتدياً بهما كلثوم بن عمرو العَتَّابي، ومنصور النمري، ومسلم بن الوليد، وأبو نواس. واتبع هؤلاء حبيب الطائي، والوليد البحتري، وعبد الله بن المعتز.
(26) هو أول من تكلف البديع من المولدين، وأخذ نفسه بالصنعة، وأكثر منها. ولم يكن في الأشعار المحدثة قبل مسلم (صريع الغواني) إلا النبذ اليسيرة، وهو زُهَيْرُ المولَّدين: كان يبطئ في صنعته ويجيدها.
(27) قيل: إذا كان الشاعر مُصَنِّعاً بان جيده من سائر شعره: كأبي تمام؛ فصار محصوراً معروفاً بأعيانه، وإذا كان الطبع غالباً عليه لم يبن جيده كل البينونة، وكان قريباً من قريب: كالبحتري ومَنْ شاكله.

أحمد بن يحيى
05-02-2021, 07:44 PM
باب في القِطَع والطوال، ومعه باب في البَدِيهة والارتجال:

والشِّعْرُ مِنْهُ الْقِطَعُ الْقِصَارُ = كَذَا الطِّوَالُ، فَكَذَا الأشعارُ(1)

سَبْعَةُ أبْيَاتٍ، وقِيْلَ عَشَرَهْ = فَهْيَ قَصِيْدةٌ بِذَا مُشْتَهِرَهْ(2)

ويُسْتَحَبُّ الطُّوْلُ في الإعْذَارِ = ومَوْقِفِ التَّرْهِيْبِ والإنْذَارِ

كَذَاكَ في التَّرغِيْبِ والإصْلاحِ = لأنَّها مَوَاضِعُ الإيْضَاحِ

فِعْلَ (زُهِيْرٍ) وكَذَا (ابْن حِلِّزَهْ) = إذْ عَضَّدُوا الْقَوْلَ بِتَالٍ عَزَّزَهْ

أَمَّا الْمُقَطَّعاتُ فَهْيَ تَحْسُنُ = في مَوْضِعٍ تَقْصُرُ عَنْهُ الألْسُنُ

لأنَّها عِنْدَ النِّزَاعِ تَجْمُلُ = وعِنْدَ مَنْ مَقْصِدُهُ التَّمَثُّلُ(3)

حتَّى تَكُوْنَ في الْكَلَامِ غُرَرَا = لائِحَةً تَعْلَقُ في سَمْعِ الْوَرَى(4)

وعَالِمُ الْمَعْنَى وبِالصَّوَابِ = يَأْتِيْ بِفَصْلِ الْقَوْلِ في الْخِطَابِ(5)

(فَرَزْدَقٌ) إذْ أَحْسَنَ الْمُقَطَّعَا = عَلَا بِهِ عَلَى (جَرِيْرٍ) مَوْضِعَا(6)

وقِيْلَ: مَنْ يُطِيْلُ ذَاكَ أَعْجَبُ = وفِيْ نُفُوسِ الْقَوْمِ فَهْوَ أَهْيَبُ

لأنَّهُ إذَا يَشَاءُ جَرَّدَا = مِمَّا أطَالَ قِطْعَةً فَجَوَّدَا

قالَ (الْكُمَيْتُ): إنْ أُطِلْ لا أُقْصِرُ = إنِّيْ على إقْصَارِهَا لَأَقْدَرُ(7)

وفي الْمُقَطَّعَاتِ جَمٌّ شُهِرُوا = وبِالْهِجَا ذاكَ الَّذِي قَدْ ذَكَرُوا:

إيَّاكُمُ (مَنْصُوْرَ) إمَّا رَمَحَا = بِالزَّوْجِ؛ إِذْ كانَ بِذَاكَ أَسْمَحَا(8)

وزَعَمُوا الشِّعْرَ جَمِيْعًا كانَا = مُقَطَّعًا مُرْتَجَزًا إذْ كانَا

أَوَّلُ مَنْ قَصَّدَهُ (مُهَلْهِلُ) = كَذَا امْرُؤُ الْقَيْسِ، وَكُلٌّ أَوَّلُ(9)

و(الأَغْلَبُ الْعِجْلِيُّ) أَرْبَى في الرَّجَزْ = ثُمَّ تَلَا (الْعَجَّاجُ) فَازْدَادَ وبَزّ(10)

ومَدَحُوا (فَرَزْدَقًا)؛ إذْ جَمَعَا = إلى الْقَصِيْدِ رَجَزًا وقِطَعَا(11)

وفي بَدِيْهَةٍ وفي ارْتِجَالِ = سَمَوْا بِعَذْبٍ رائِقٍ سَلْسَالِ(12)

مِنْهُمْ (أبو نُوَاس)، فَهْوَ دَاهِيَهْ = والشاعِرُ الرَّسْلُ (أبو الْعَتَاهِيَهْ)(13)

إذْ لا يَكَادُ فَيْضُهُمْ يَنْقَطِعُ = لِقُوَّةٍ في طَبْعِهِمْ تَجْتَمِعُ

ومِنْ عَجِيْبِ قَصَصِ الْبَدِيْهِ = ما كانَ مِنْ شَأْنِ (حَبِيْبٍ) فِيْهِ

وشَاهِدِ الْمِشْكَاةِ والنِّبْرَاسِ = إذْ لامَهُ (الْكِنْدِيُّ) في الْقِيَاسِ

في حَضْرَةٍ مِنْ (أحْمَدَ بن الْمُعْتَصِمْ) = فَأَبْرَمَ الْمَدْحَ بِسَلْسَالٍ شَبِمْ(14)

ومَا شَدَا (ابْنُ الْجَهْمِ) في تَسْهِيْلِ: = (أهْلاً وسَهْلاً بِكَ مِنْ رَسُوْلِ

جِئْتَ بِمَا يَشْفِيْ مِنَ الْغَلِيْلِ = بِرَأْسِ إسْحَاقَ بن إِسْمَاعِيْلِ)

نادَى بِهِمْ (جَعْفَرُ): يا جَمِيْعُ = قُوْمُوا الْقُطُوا الْجَوْهَرَ لا يَضِيْعُ(15)

سُهُوْلَةُ الْقَوْلِ كَذَا انْثِيَالُهْ = مِنْ: (شَعَرٍ رَجْلٍ)، فَذَا ارْتِجَالُهْ

أَوِ ارْتِجَالِ الْبِئْرِ فِعْلَ الرَّجْلِ = إدْلاءَهُ رِجْلَيْهِ دُوْنَ حَبْلِ

أمَّا الْبَدِيْهُ :فَــ(بَدَأْ) و(بَدَهَا) = مُشْتَقُّهَا؛ أُبْدِلَتِ الْهَمْزَةُ (هَا)(16)

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) سئل أبو عمرو بن العلاء: هل كانت العرب تُطِيل؟ فقال: نعم لِيُسْمَع منها، قيل: فهل كانت تُوْجِز؟ قال: نعم لِيُحفظ عنها.
(2) قيل: إذا بلغت الأبيات سبعةً فهي قصيدة، ولهذا كان الإيطاء بعد سبعة غيرَ معيبٍ عند أحد من الناس. ومن الناس من لا يَعُدُّ القصيدةَ إلا ما بلغ العشرة وجاوزها ولو ببيت واحد.. ويستحسنون أن تكون القصيدة وِتْراً، وأن يتجاوز بها العقد، أو توقف دونه؛ كل ذلك ليدلُّوا على قلة الكلفة، وإلقاء البال بالشعر.
(3) تُستحب الإطالة عند الإعذار، والإنذار، والترهيب، والترغيب، والإصلاح بين القبائل، كما فعل زهير، والحارث بن حِلّزة، ومَنْ شاكلهما، وإلاّ فالقِطَعُ أَطْيَرُ في بعض المواضع، والطوال للمواقف المشهورات. وقال بعض العلماء: يحتاج الشاعر إلى القطع حاجَتَهُ إلى الطوال، بل هو عند المحاضرات والمنازعات والتمثُّل والْمُلَح أحْوَجُ إليها منه إلى الطوال.
(4) قيل لابن الزِّبَعْرَي: إنك تقصر أشعارك، فقال: لأن القصار أوْلَجُ في المسامع، وأجْوَلُ في المحافل، وقال مرة أخرى: يكفيك من الشعر غُرَّةٌ لائحة، وسُبَّةٌ فاضحة.
(5) قال أحد المجوِّدين، وهو محمد بن حازم الباهلي:
أبَى لي أنْ أطيلَ المدحَ قَصْدِيْ = إلى الْمَعْنَى وعِلْمِيْ بالصـَّـــــــــــوابِ
وإيجازِيْ بمختَصَـــرٍ قَصِيـــــرٍ = حَذَفْتُ به الطويـــــلَ من الجَــــــوَاب
(6) يُحكى أن الفرزدق لما وقع بينه وبين جرير ما وقع وحُكِمَ بينهما قال بعض الحكّام: الفرزدقُ أشعرُ؛ لأنه أقواهما أسْرَ كلامٍ، وأجراهما في أساليب الشعر، وأقدرهما على تطويل، وأحسنهما قِطَعاً، فقُدِّمَ بالقِطَع كما ترى.
(7) لام قومٌ الكُمَيتَ على الإطالة فقال: أنا على الإقصار أقْدَر.
(8) قال المصنف ـ رحمه الله ـ: وكانوا يقولون في زمان منصور الفقيه وهو قريب من عصرنا هذا: إياكم ومنصورًا إذا رَمَحَ بالزَّوْج، وكان ربما هجا بالبيت الواحد.
(9) زعم الرواة أن الشعر كله إنما كان رجَزاً وقِطَعاً، وأنه إنما قُصِّدَ على عهد هاشم بن عبد مناف، وكان أول من قصَّده مهلهل وامرؤ القيس، وبينهما وبين مجيء الإسلام مائة ونيف وخمسون سنة. وذكر ذلك الجمحي وغيره.
(10) أول من طوَّل الرجز وجعله كالقصيد الأغلبُ العِجْلي شيئاً يسيراً، وكان على عهد النبي صلى االله عليه وسلم، ثم أتى العجَّاج بَعْدُ فافتنَّ فيه؛ فالأغلب العجلي والعجاج في الرجز كامرئ القيس ومهلهل في القصيد.
(11) والشاعر إذا قطَّع وقصَّد ورجَز فهو الكامل؛ وقد جمع ذلك كله الفرزدق، ومن المحدثين أبو نواس، وكان ابن الرومي يُقصِّد فيجيد، ويطيل فيأتي بكل إحسان، وربما تجاوز حتى يُسْرِف، وخير الأمور أوساطها.
(12) قال المصنف: البديهة عند كثير من الموسومين بعلم هذه الصناعة في بلدنا أو من أهل عصرنا هي الارتجال، وليست به؛ لأن البديهة فيها الفكرة والتأيُّد، والارتجال ما كان انهماراً وتدفقاً لا يتوقف فيه قائله.. وقال: وأما البديهة فبَعْدَ أن يفكر الشاعر يسيراً ويكتب سريعاً إن حضرت آلة، إلا أنه غير بطيء ولا مُتَرَاخٍ، فإن أطال حتى يفرط أو قام من مجلسه لم يُعَدَّ بديهاً.
(13) كان أبو نواس قوي البديهة والارتجال، لا يكاد ينقطع ولا يُرَوِّي إلا فلتةً، رُوِيَ أنّ الخصيب قال له مرة يمازحه وهما بالمسجد الجامع: أنت غير مدافع في الشعر، ولكنك لا تخطب! فقام من فوره يقول مرتجلاً:
منحتكمُ يا أهل مصر نصيحتـــي = ألا فَخُذُوا مِن ناصــحٍ بنصيـبِ
رماكـــمْ أميرُ المؤمنيـــن بحيـَّـةٍ = أكولٍ لحيَّــــات البـــلاد شَروب
فإنْ يكُ باقي سِحْرِ فرعونَ فيكمُ = فإنَّ عصا موسى بِكَفِّ خصيب
ثم التفت إليه وقال: واالله لا يأتي بمثلها خطيب مِصْقَع فكيف رأيت؟ فاعتذر إليه وحلف إن كنت إلا مازحاً.
وكان أبو العتاهية ــ فيما يقال ــ أقْدَرَ الناس على ارتجال وبديهة؛ لقرب مأخذه، وسهولة طريقته، اجتمع عدة من الشعراء فيهم أبو نواس؛ فشرب أحدهم ماء، ثم قال: أجيزوا: (بَرَدَ الماءُ وطابا)، فكلُّهم تلعثم، حتى طلع أبو العتاهية، فقال: فيم أنتم؟ فأنشدوه، فقال وما تَرَوَّى: (حَبَّذا الماءُ شَرَابا) فأتى بالقسيم رَسْلاً شبيهاً بصاحبه، وذلك هو الذي أعْوَزَ القومَ لا وَزْنُ الكلام.
(14) من عجيب ما روي في البديهة حكاية أبي تمام حين أنشد أحمد بن المعتصم بحضرة أبي يوسف يعقوب بن إسحاق بن الصباح الكِنْدِي وهو فيلسوف العرب: إقدام عَمرٍو، في سماحة حاتم = في حِلْمِ أحْنَفَ في ذَكاء إيَاسِ
فقال له الكِنْدي: ما صنعتَ شيئاً، شبهت ابن أمير المؤمنين وولي عهد المسلمين بصعاليك العرب! ومَنْ هؤلاء الذين ذكرت؟ وما قدرهم؟ فأطرق أبو تمام يسيراً، وقال:
لا تنكروا ضَرْبِيْ له مَنْ دُوْنَه = مَثَلاً شَرُوداً في النَّدَى والباسِ
فالله قد ضرب الأقَـلَّ لِنُــــورِه = مَثَلاً من المِشْكـــاة والنبــراس
(15) قال المصنف: حُكِي عن علي بن يحيى أنه قال: كنت عند المتوكل إذ أتاه رسولٌ برأس إسحاق بن إسماعيل، فقام علي بن الجهم يخطر بين يديه ويقول:
أهلاً وسهلاً بك من رسـول
جئت بما يشفي من الغليــل
برأس إسحاق بن إسماعيل
قال المتوكل: قوموا التقطوا هذا الجوهر لا يضيع.
(16) اشتقاق البديهة من بَدَهَ بمعنى بَدَأ، أُبدلت الهمزةُ هاءً، كما أُبدلت في أشياء كثيرة لقربها منها.
والارتجال: مأخوذ من السهولة والانصباب، ومنه قيل: شَعْرٌ رَجْلٌ، إذا كان سَبْطاً مسترسلاً غير جَعْدٍ، وقيل: هو من ارتجال البئر، وهو أن تَنْزِلها برجليك من غير حبل.

أحمد بن يحيى
07-02-2021, 07:22 PM
باب في آداب الشاعر:

لِلشِّعْرِ آدابٌ إذَا تَحَلَّى = بِحَلْيِهَا الشَّاعِرُ زادَ فَضْلا

يَكُوْنُ في العُيونِ ذَا مَهَابَهْ = في عِلْيَةِ القَوْمِ وذا خِلاَبَهْ:

حُلْوُ شَمَائِلٍ وطِيْبُ مَحْتِدِ = وشَرَفُ النَّفْسِ وإسْمَاحُ اليَدِ(1)

وبُلْغَةٌ في العِلْمِ والآدَابِ = والشِّعْرِ والأخبارِ والأنْسَابِ

بِشَاهِدٍ يَكُوْنُ ذا غَنَاءِ = لا سِيَّما في المدْحِ والهِجَاءِ(2)

فالشاعرُ الفَحْلُ فَذَاكَ الرَّاوِيَهْ = في كُلِّ قَوْلٍ ضارِبٌ في ناحِيَهْ

فَيَهْتَدِيْ فِيْهِ لِكُلِّ مَقْصِدِ = فِيْمَا لَعَلَّ غَيْرَهُ لا يَهْتَدِي

وقالَ (رُؤْبَةٌ) بِمَدْحِ شاعِرِ = مِنَ الأُلَى رَوَوْا بِبَحْرٍ زاخِرِ:

(لَقَدْ خَشِيْتُ أنْ تَكُوْنَ ساحِرَا = راوِيَةً مَرًّا وَمَرًّا شاعِرَا)(3)

والشُّعَرَا كانَتْ لِبَعْضٍ تَرْوِيْ = وذَاكَ عَنْها ثابِتٌ ومَرْوِيْ

مِثْلَ (زُهَيْرٍ) كانَ راوِي (ابْنِ حَجَرْ) = و(جَرْوَلٌ) راوِيْ (زُهَيْرٍ) في الخَبَرْ

راوِيْ (جَمِيْلٍ) فَكَذَا ( كُثَيِّرُ) = وقَدْ رَوَى عنهُ وكانَ يُكْثِرُ(4)

ولَيْسَ يُسْتَغْنَى عَنِ الْمُوَلَّدِ = لِحِلْيَةِ البَدِيْعِ والتَّجَدُّدِ

وفي القَدِيمِ غايَةُ الإحْكَامِ = والقَصْدُ فِيْها غايَةُ الْمَرَامِ(5)

مَعْرِفَةٌ ثَمَّةَ بِالْمَقَاصِدِ = ومَأْخَذِ القَوْلِ وبِالْمَعَاقِدِ

فَفِي النَّسِيْبِ الذُّلُّ والتَّخَضُّعُ = والمدْح يُطْرِيْ مُبْلِغًا ويُسْمِعُ

وفي الهِجَاءِ قارِعٌ إذْ يُوْجِعُ = يَخُبُّ في الفَخْرِ كَذَاكَ يُوْضِعُ(6)

وفي العِتَابِ خَفَّضُوا ورَفَّعُوا = واسْتَعْطَفُوا حَنُّوْا بِهِ ورَجَّعُوا(7)

إذْ كُلُّ قَوْلٍ فَلَهُ مَقَامُ = ولِلْمَقَامِ رِيْشُهُ اللُّؤَامُ (8)

والشاعرُ الحَاذِقُ مَنْ قَدْ جَوَّدَا = يُلْقِيْ رَدِيئًا ويُقِيْمُ جَيِّدَا(9)

ورُبَّما يُقَارِعُ النِّحْرِيْرَا = مَنْ قَدْ يُظَنُّ مُضْعَفًا حَسِيْرَا

كَـ(اليَشْكُرِيْ) إذْ مَاتَنَ (الضِّلِّيْلا) = رَدَّ (ابْنَ حُجْرٍ) لا يَرَى سَبِيلا(10)

و(عُقْبَةٌ) لَمَّا ازْدَرَى (ابْنَ بُرْدِ) = أَصْمَاهُ (بَشَّارُ) ارْتِجَازَ الرَّعْدِ:(11)

(يا طَلَلَ الحَيِّ بِذَاتِ الصَّمْدِ = بالله خَبِّرْ كَيْفَ كُنْتَ بَعْدِيْ) (12)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) مِنْ حُكْمِ الشاعرِ أن يكون حُلْوَ الشمائل، حسن الأخلاق، طَلْقَ الوجه، بعيد الغَوْرِ، مأمونَ الجانب، سَهْل الناحية، وَطِيْءَ الأكناف، فإن ذلك مما يحببه إلى الناس، ويزينه في عيونهم، ويقربه من قلوبهم، وليكن مع ذلك شريف النفس، لطيف الحس، عَزُوف الهمة، نظيف البِزَّة، أنِفاً؛ لتهابه العامة، ويدخل في جملة الخاصة، فلا تمجّه أبصارهم، سَمْحَ اليدين، وإلا فهو كما قال ابن أبي فَنَن واسمه أحمد: (وإنَّ أحَقَّ الناس باللوم شاعرٌ * يلومُ على البخل الرجالَ ويَبْخَلُ).

(2) والشاعر مأخوذٌ بكل علم، مطلوب بكل مكرمة؛ لاتساع الشعر واحتماله كلَّ ما حمل: من نحو، ولغة، وفقه، وخبر، وحساب، وفريضة، واحتياج أكثر هذه العلوم إلى شهادته، وهو مُكْتَفٍ بذاته، مُستغنٍ عما سواه؛ ولأنه قيد للأخبار، وتجديد للآثار. وصاحبه الذي يَذُمُّ ويَحْمَد ويهجو ويَمْدَح، ويعرف ما يأتي الناس من محاسن الأشياء وما يذرونه، فهو على نفسه شاهد، وبحجته مأخوذ. وليأخذْ نفسَه بحفظ الشعر والخبر، ومعرفة النسب، وأيام العرب؛ ليستعمل بعض ذلك فيما يريده من ذكر الآثار، وضرب الأمثال.

(3) كان الشاعر من المطبوعين المتقدمين يَفْضُلُ أصحابَه برواية الشعر، ومعرفة الأخبار، والتلمذة بمن فوقه من الشعراء، فيقولون: فلانٌ شاعرٌ راوية، يريدون أنه إذا كان راويةً عَرَف المقاصدَ، وسهل عليه مأخذ الكلام، ولم يضق به المذهب، وإذا كان مطبوعاً لا علم له ولا رواية ضَلَّ واهتدى من حيث لا يعلم، وربما طلب المعنى فلم يصل إليه وهو ماثل بين يديه؛ لضعف آلته: كالْمُقْعَدِ يجد في نفسه القوة على النهوض فلا تعينه الآلة. وقد سئل رؤبة بن العجاج عن الفحل من الشعراء، فقال: هو الراوية، يريد أنه إذا رَوَى استفحل. قال يونس بن حبيب: وإنما ذلك لأنه يجمع إلى جيد شعره معرفةَ جَيدِ غيره، فلا يحمل نفسه إلا على بصيرة، وقال رؤبة في صفة شاعر: ( لقد خشيتُ أن تكون ساحراً = راويةً مَرًّا ومَرا شاعرا)؛ فاستعظم حاله حتى قرنها بالسحر. وقال الأصمعي: لا يصير الشاعر في قريض الشعر فَحْلاً حتى يروي أشعار العرب، ويسمع الأخبار، ويعرف المعاني، وتدور في مسامعه الألفاظ. وأول ذلك أنه يعلم العَروض؛ ليكون ميزاناً له على قوله؛ والنحوَ؛ ليصلح به لسانه وليقيم به إعرابه؛ والنسبَ وأيام الناس؛ ليستعين بذلك على معرفة المناقب والمثالب وذكرها بمدح أو ذم.

(4) كان الحطيئة راوية زهير، وكان زهير راوية أوس بن حَجَر وطُفَيْل الغنوي جميعاً، وكان كُثَيِّر راوية جميل مفضلاً له: إذا استنشد لنفسه بدأ بجميل، ثم أنشد ما يراد منه.

(5) قال المصنف ـ رحمه الله ـ: ولا يستغني المولَّد عن تصفح أشعار المولَّدين؛ لما فيها من حلاوة اللفظ، وقرب المأخذ، وإشاراتِ الْمُلَحِ، ووجوه البديع الذي مثْله في شعر المتقدمين قليل، وإن كانوا هم فتحوا بابه، وفتقوا جلبابه، وللمتعقب زيادات وافتنان، لا على أن تكون عمدة الشاعر مطالعة ما ذكرته آخر كلامي هذا دون ما قدمته؛ فإنه متى فعل ذلك لم يكن فيه من المتانة وفضل القوة ما يبلغُ به طاقةَ من تَبِعَ جادَّتَه، وإذا أعانته فصاحة المتقدم وحلاوة المتأخر اشتد ساعده، وبَعُدَ مرماه، فلم يقع دون الغرض؛ وعسى أن يكون أرْشَقَ سِهَاماً، وأحسنَ موقعاً، ممن لو عَوَّلَ عليه من المحدثين لقصَّرَ عنه، ووقع دونه، وليجعلْ طلبَه أولاً للسلامة، فإذا صحَّتْ له طَلَبَ التجويدَ حينئذ، وليرغب في الحلاوة والطلاوة رغبتَه في الجزالة والفخامة، وليجتنبْ السُّوْقِيَّ القريب، والحُوشيَّ الغريب، حتى يكونَ شعرُه حالاً بين حالين، كما قال بعض الشعراء:
(عليك بأوساط الأمور؛ فإنها * نجاةٌ، ولا تركب ذَلُولاً ولا صَعْبا).

(6) يَخُبُّ في الفَخْرِ كَذَاكَ يُوْضِعُ: أي يسرع فيه ويعدو (فلا يتلعثم ولا يبطئ). مأخوذ من: (الخَبَبِ) و(الإيْضَاعِ)؛ وهما نوعان من أنواع السير السريع للدوابّ.

(7) أوَّلُ ما يحتاج إليه الشاعر ـ بَعْدَ الجدّ الذي هو الغاية، وفيه وحده الكفاية ـ حُسْنُ التأتي والسياسة، وعِلْمُ مقاصد القول؛ فإن نَسَبَ ذلّ وخضع، وإن مدح أطرى وأسمع، وإن هجا أخَلَّ وأوجع، وإن فخر خَبَّ ووَضَعْ، وإن عاتب خَفَّض ورفّع، وإن استعطف حَنَّ ورجَّع، ولتكنْ غايته معرفة أغراض المخاطَب كائنًا من كان؛ ليدخلَ إليه من بابه، ويُداخِلَه في ثيابه؛ فذلك هو سرُّ صناعة الشعر ومغزاه الذي به تفاوت الناس وبه تفاضلوا..

(8) قد قيل: لكل مقام مقال، وشِعْرُ الشاعر لنفسه وفي مراده وأمور ذاته من مزح، وغزل، ومكاتبة، ومجون، وخمرية، وما أشبه ذلك غَيْرُ شعره في قصائد الحفل التي يقوم بها بين السماطين: يُقْبَلُ منه في تلك الطرائق عَفْوُ كلامِه، وما لم يتكلَّفْ له بالاً.. ولا يُقبل منه في هذه إلا ما كان مُحَكَّكًا، مُعَاوَدًا فيه النظرُ، جيداً، لا غَثَّ فيه، ولا ساقِطَ، ولا قَلِقَ؛ وشعرُهُ للأمير والقائد غيرُ شعرِه للوزير والكاتب، ومخاطبتُه للقضاة والفقهاء بخلاف ما تقدم من هذه الأنواع..
ولِلْمَقَامِ رِيْشُهُ اللُّؤَامُ: الرِّيْشُ اللُّؤامُ: ريش السَّهْمِ المنتظم المعتدل. أي: لكل مقام ما يناسبه من المقال؛ فينتظمه مُلائمًا له كانتظام ريش السهم المعتدل. وكلما اعتدل ريش السهم كلما كان أدعى لإصابته الهدف. وخِلافُ اللُّؤَامِ: اللُّغَابُ (وهو مِن السهامِ فاسِدُ الرِّيْشِ).

(9) لا يَضرُّ المتأخرَ من الشعراء في الزمان تأخرُه إذا أجاد، كما لا ينفع المتقدمَ تقدُّمُه إذا قصَّر، وإن كان له فَضْلُ السَّبْقِ فعليه درك التقصير، كما أن للمتأخر فضل الإجادة أو الزيادة، ولا يكون الشاعر حاذقاً مُجودِّاً حتى يتفقد شعره، ويعيدَ فيه نظره، فيسقط رديه، ويثبت جيده، ويكون سَمْحاً بالركيك منه، مُطَّرِحاً له، راغباً عنه؛ فإنَّ بيتاً جيداً يُقاوِم ألْفَي رديء.

(10) يجب على الشاعر أن يتواضع لمن دونه، ويعرف حقَّ من فوقه من الشعراء؛ فإن امرأ القيس وكان شديد الظِّنة في شعره، كثيرَ المنازعة لأهله، مُدِلاًّ فيه بنفسه، واثقاً بقدرته لقي التَّوْأمَ اليَشْكُرِيَّ، واسمه الحارث بن قتادة، فقال له: إن كنت شاعرًا كما تقول فمَلِّطْ لي أنصافَ ما أقول فأَجِزْها، قال: نعم، فقال امرؤ القيس: (أحارِ تَرَى بُرَيْقاً هَبَّ وَهْنًا)، فقال التوأم: (كَنَارِ مَجُوْسَ تَسْتَعِرُ اسْتِعَارَا)
فقال امرؤ القيس: (أرِقْتُ لَهُ ونامَ أبو شُرَيْحٍ)، فقال التوأم: (إذا ما قلتُ قد هدأ استطارَا)
فقال امرؤ القيس: (كأنَّ هَزِيْمَهُ بِوَراءِ غَيْبٍ)، فقال التوأم: (عِشَارٌ والِهٌ لاَقَتْ عِشارَا)
فقال امرؤ القيس: (فلمَّا أن عَلَا كَنَفَيْ أُضَاخٍ)، فقال التوأم: (وَهَتْ أعْجَازُ رَيِّقِهِ فَحَارَا)
فقال امرؤ القيس: (فلم يَتْرُكْ بِذاتِ السِّرِّ ظَبْيًا)، وقال التوأم: (ولم يترك بجَهْلَتِها حِمَارَا).
فلما رآه امرؤ القيس قد ماتنه، ولم يكن في ذلك الحَرْس أي: العَصْر من يماتنه ــ أي: يقاومه ويطاوله ــ آلى ألاّ ينازع الشعر أحداً آخر الدهر!

(11) أَصْمَاهُ (بَشَّارُ) ارْتِجَازَ الرَّعْدِ: أي: بِرَجَزٍ كارْتِجَازِ الرعد. وارتجاز الرعد: صوتُه المتوالي وقعقعته. وأصماه: أصابه في مَقتل.

(12) أمّا عقبة بن رؤبة بن العجاج فإنه أنشد عقبة بن سَلْم (والي البصرة من قبل أبي جعفر المنصور) بحضرة بشار أرجوزة، فقال: كيف ترى يا أبا معاذ؟ فأثنى بشار كما يجب لمثله أن يفعل، وأظهر الاستحسان، فلم يعرف له عقبةُ حقَّه، ولا شكر له فِعْلَه، بل قال له: هذا طِرَازٌ لا تحسنه، فقال له بشار: ألمثلي يقال هذا الكلام؟ أنا واالله أرجز منك ومن أبيك ومن جدك، ثم غدا على عقبة بن سلم بأرجوزته التي أولها: (يا طَلَلَ الحَيِّ بِذاتِ الصَّمْدِ = بالله خَبِّرْ كيف كنتَ بَعْدِي)؛ فَضَحَ بها ابنَ رؤبة فضيحةً ظاهرة كان غنياً عنها..

أحمد بن يحيى
12-02-2021, 12:53 AM
باب عَمَل الشعر وشَحْذ القريحة له:

لِكُلِّ شاعرٍ تَجِيْءُ فَتْرَهْ = يَلْقَى بِهَا مِنَ القَرِيْضِ عُسْرَهْ

(فَرَزْدَقٌ) وكانَ في الفُحُولِ = قالَ وقَدْ قاسَاهُ في ذُهُولِ :

يَمُرُّ بِيْ وَقْتٌ وعِنْدَ نَفْسِيْ = أَهْوَنُ مِنْ بَيْتٍ فَقَلْعُ ضِرْسِيْ(1)

يُقَالُ: أَفْصَى شاعرٌ وأَصْفَى = أَجْبَلَ، أَكْدَى. قَدْ عَرَفْتَ وَصْفَا

مَرْجِعُهَا في الأصْلِ لِانْقِطَاعِ = وَفِي انْحِبَاسٍ عَقِبَ انْدِفَاعِ(2)

ومِنْهُ: أَخْلَى، فَهْوَ فِيْهِ مُخْلِيْ: = إنْ لَمْ يُصِبْ مَعْنًى عَظِيمَ الفَضْلِ

رَدَّ بِهِ (ابْنُ الجَهْمِ) شِعْرَ (أَشْجَعَا)= أَفْكَرَ فِيْهِ (البُحْتُرِيْ) ثُمَّ وَعَى(3)

واسْتَجْلَبُوا الشِّعْرَ بِكُلِّ حِيْلَهْ = تَشْحَذُهُ، لَمْ يَتْركُوا وَسِيْلَهْ(4)

مُسْتَهْتنًا كَمِثْلِ عَيْنِ الماءِ = بَعْدَ جِمَامٍ ثَجَّ في روَاءِ

بِنَظَرٍ في رائِقِ الأشعارِ = وقَدْحِ زَنْدٍ مِنْهُ، فَهْوَ وَارِيْ(5)

وخَلْوَةٍ بِذِكَرِ الأحبابِ = ورَشْفَةٍ مِنْ رَيِّقِ الشَّرَابِ(6)

ومِنْ طَوَافٍ بالرِّياضِ الْمُعْشِبَهْ = أوِ ارْتِحَالٍ في قِفَارٍ مُجْدِبَهْ(7)

ورُبَّما تَوَسَّدُوا النِّيَاقَا = مُهَمْلِجَاتٍ تَبْعَثُ السِّبَاقَا(8)

كَمَا هَمَى الشِّعْرُ عَلَى (الفَرَزْدَقِ) = عَلَى العِتَاقِ بِالقَرِيْضِ الْمُعْتَقِ(9)

لِلشِّعْرِ أوقاتٌ يَفِيْ أَتِيُّهُ = يُسْمِحُ بَعْدَ عَنَتٍ أَبِيُّهُ

في أوَّلِ اللَّيلِ وفي البُكُورِ = وعِنْدَ خَلْوَةٍ، وفي الْمَسِيْرِ

وساعةَ النَّشَاطِ والفَرَاغِ = في بُلْغَةٍ تُغْنِيْ، وفي بَلَاغِ(10)

بِلَا تَكَلُّفٍ ودُوْنَ كَدِّ = حتى يُنَالَ عَفْوُهُ في قَصْدِ

لأنَّهُ أَكْرَمُ ثَمَّ جَوْهَرَا = كَأنَّما مِنْ نَبْعِهِ تَفَجَّرَا

في شَرَفِ اللَّفْظِ، وفي الإحْكَامِ = لِصِحَّةِ الْمَعْنَى، مَعَ الْمَقَامِ(11)

لِلشُّعَراءِ في صَنِيْعِ الشِّعْرِ = طَرَائِقٌ يُجْرُونَها، فَيَجْرِيْ:

فَمِنْهُمُ الَّذِي يَجُوْلُ خاطِرُهْ = لِقُوَّةِ الطَّبْعِ، فَيَهْمِيْ ماطِرُهْ

يُلْهَمُ بَيْتًا قَبْلَهُ أَبْيَاتُ = أوْ بَعْدَهُ، فَيُجْمَعُ الشَّتَاتُ

وذاكَ في الشعرِ هُوَ الْمَطْبُوْعُ = قَدِ اسْتَوَى الْمُفَرَّقُ الْمَجْمُوْعُ(12)

ومِنْهُمُ مَنْ يَنْصِبُ القَوَافِيْ = فَيَعْقِدُ الْمَعْنَى بِحَدٍّ وَافِيْ

يُعَلِّقُ الأَعْجَازَ بِالصُّدُوْرِ = ويُحْكِمُ الصَّنْعَةَ في تَدْبِيْرِ

أصْحَابُهُ قَدْ يَمَّمُوا التَّصْنِيْعَا = وكَلَّفُوا شِعْرَهُمُ البَدِيْعَا(13)

ومِنْهُمُ مَنْ يَحْصُرُ القَوَافِيْ = يَأْخُذُ مِنْها الرَّائِقَ الْمُكَافِيْ

يُجِيْلُ فيها مُسْتَدَامَ النَّظَرِ = فَيُحْكِمُ القَوْلَ عَلَى التَّخَيُّرِ

وهؤلاءِ فَهُمُ الحُذَّاقُ = بِمُحْكَمٍ جَزْلٍ بِهِ اتِّسَاقُ(14)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) لا بد للشاعر ــ وإن كان فحلاً، حاذقاً، مُبَرِّزاً، مُقَدَّماً ــ من فترة تَعْرِض له في بعض الأوقات: إما لشغل يسير، أو موت قريحة، أو نُبُوِّ طبع في تلك الساعة أو ذلك الحين. وقد كان الفرزدق ــ وهو فحل (مُضَرَ) في زمانه ــ يقول: تمرُّ علي الساعة وقَلْعُ ضرس من أضراسي أهْوَنُ عليَّ من عمل بيت من الشعر.

(2) إذا تمادى ذلك على الشاعر قيل: أصْفَى وأفْصَى، كما يقال: أفْصَتِ الدجاجةُ إذا انقطع بيضها، وكذلك يقال له: أجْبَل، كما يقال لحافر البئر إذا بلغ جبلاً تحت الأرض لا يعمل فيه شيء: أجْبَل، ومثل أجبل: أكْدَى، إلا أنهم خَصُّوا به العطاءَ، وذلك أن يصادف حافر البئر كُدْيَةً فلا يزيد شيئاً على ما حفر.

(3) يقال: أخْلَى الشاعر، كما يقال أخلى الرامي، إذا لم يُصِبْ معنى. حُكي عن البحتري أنه قال: فاوضتُ ابنَ الجهم علياً في الشعر، وذكر (أشْجَعَ السُّلَمِيَّ) فقال: إنه كان يُخْلِي، فلم أفهمها عنه، وأَنِفْتُ أن أسأله عنها، فلما انصرفت فكرت فيها، ونظرت في شعر (أشجع)؛ فإذا هو ربما مَرَّتْ له الأبيات مغسولةً ليس فيها بيت رائع.

(4) للناس ضروبٌ مختلفة: يستدعون بها الشعر، فتشحذ القرائح وتنبه الخواطر، وتلين عريكة الكلام، وتسهل طريق المعنى: كل امرئ على تركيب طبعه، واطراد عادته.

(5) قال بكر بن النَّطَّاح الحَنَفِي: الشعر مثل عين الماء: إن تركتها اندفنت، وإن استَهْتَنْتَها هتنت، وليس مراد (بَكْرٍ) أن تُسْتَهْتَنَ بالعمل وحده؛ لأنا نجد الشاعر تَكِلُّ قريحتُه مع كثرة العمل مِرارًا، وتُنْزَف مادَّتُه، وتَنْفَد معانيه، فإذا أجَمَّ طبعه أياماً وربما زماناً طويلاً ثم صنع الشعر جاء بكل آبِدَة، وانهمر في كل قافية شاردة، وانفتح له من المعاني والألفاظ ما لو رامه من قَبْلُ لاستغلق عليه، وأُبْهِمَ دونه، لكنْ بالمذاكرة مَرَّةً؛ فإنها تقدح زناد الخاطر، وتفجر عيون المعاني، وتوقظ أبصار الفطنة، وبمطالعة الأشعار كَرَّةً؛ فإنها تبعث الجدَّ، وتُولِّد الشهوة.

(6) سئل ذو الرمة: كيف تعمل إذا انقفل دونك الشعر؟ فقال: كيف ينقفل دوني وعندي مفتاحه؟ قيل له: وعنه سألناك، ما هو؟ قال: الخلوة بذكر الأحباب. وقيل لأبي نواس: كيف عملك حين تريد أن تصنع الشعر؟ قال أشرب حتى إذا كنت أطْيَبَ ما أكون نَفْسًا بين الصاحي والسكران صنعتُ وقد داخَلَني النشاطُ وهَزَّتني الأرْيَحِيَّة.

(7) قيل لكُثَيِّر: كيف تصنع إذا عسر عليك الشعر؟ قال: أطوف في الرِّبَاع الْمَحِيْلَة؛ والرياض الْمُعْشِبة، فيسهل علي أرْصَنُه، ويسرع إلى أحسنه.

(8) مُهَمْلِجَات: هَمْلَجَتِ الدابةُ: سارت سيرًا حسنًا في سُرْعة وبَخترة .

(9) رُويَ أن الفرزدق كان إذا صعبت عليه صنعة الشعر ركب ناقته، وطاف خالياً منفرداً وحده في شِعَاب الجبال وبطون الأودية والأماكن الخَرِبة الخالية، فيعطيه الكلامُ قِيَادَه. حكى ذلك عن نفسه في قصيدته الفائية: (عَزَفْتَ بأعْشَاشٍ وما كِدْتَ تَعْزِفُ).
وذكر أن فتى من الأنصار بحضرة كُثَيِّر ــ أو غيره ــ فاخَرَهُ بأبيات حسان بن ثابت: (لنا الجَفَناتُ الغُرُّ يَلْمَعْنَ بالضُّحَى * وأسْيَافُنَا يَقْطُرْنَ مِنْ نَجْدَةٍ دَمَا)، فأنْظَرَهُ سنةً فمضى حَنِقاً، وطالت ليلته ولم يصنع شيئاً، فلما كان قرب الصباح أتى جبلاً بالمدينة يقال له (ذُباب)، فنادى: أخاكم يا بني لُبَيْنَي، صاحبكم، صاحبكم، صاحبكم! وتوسَّد ذراع ناقته، فانثالت عليه القوافي انثيالاً، وجاء بالقصيدة بُكْرَةً وقد أعجزت الشعراء وبهرتهم طولاً وحسناً وجودة.

(10) قال ابن قتيبة: وللشاعر أوقات يُسْرِعُ فيها أَتِيُّه، ويُسْمِحُ فيها أبِيُّه: منها أول الليل قبل تَغَشِّي الكرى، ومنها صدْرُ النهار قبل الغداء، ومنها يوم شرب الدواء، ومنها الخلوة في الحبس والمسير، ولهذه العلل تختلف أشعار الشاعر ورسائل المترسِّل. وقال بعض أهل الأدب: حسب الشاعر عَوْناً على صناعته أن يجمع خاطره، بعد أن يُخْلي قلبه من فضول الأشغال، ويَدَعَ الامتلاء من الطعام والشراب، ثم يأخذ فيما يريده. وأفضلُ ما استعان به الشاعر فَضْلُ غِنًى أو فَرْطُ طَمَع.

(11) يُنظر في ذلك ــ للتوسع ــ: (صحيفة بِشْر بن المعتمر)؛ فإنها قد جمعت أكثر هذه المعاني.

(12) من الشعراء مَن يَسْبِق إليه بيتٌ واثنان، وخاطِرُه في غيرهما: يجب أن يكونا بعد ذلك بأبيات، أو قبله بأبيات، وذلك لِقُوَّةِ طبعه، وانبعاثِ مادَّتِه.

(13) ومنهم ــ كأبي تمام وأضرابه ــ مَن يَنْصب القافية للبيت؛ لِيُعَلِّقَ الأَعْجازَ بالصُّدُور، وذلك هو التَّصْدِيرُ في الشعر، ولا يأتي به كثيراً إلا شاعرٌ مُتَصنِّعٌ كحبيب ونظرائه.

(14) ومنهم مَن إذا أخذ في صنعة الشعر كتب من القوافي ما يصلح لذلك الوزن الذي هو فيه، ثم أخذ مستعملها، وشريفها، ومُسَاعِدَ معانيه، وما وافقها، وأطَّرَحَ ما سوى ذلك، إلا أنه لا بد أن يجمعها ليكرر فيها نظره، ويعيد عليها تَخَيُّره في حين العمل، هذا الذي عليه حُذَّاق القوم. (ملاحظة: لا يشترط في ذلك كتابة القوافي؛ بل ربما جمعها الشاعر الحاذق في ذهنه، وصَرَّفها وتصرَّف فيها في خياله ـ على وفرتها وتكاثرها في ذهنه وخياله. والله أعلم).

أحمد بن يحيى
15-02-2021, 10:58 PM
الإخوة والأخوات/الفضلاء والفضليات، أعضاء منتدى الفصيح، وكل من شرفني في هذا المتصفح:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

فتجدون في المرفقات ما سبق من حلقات هذا المنظوم(المتواضع)، مع هامشه ـ مُصَوَّرا..
أسأل الله ـ جل وعلا ـ أن يوفق لإتمامه، وبه أستعين!

مُرحبًا بكل ملحوظة أو استدراك أو تصويب..
مع جزيل الشكر على كرم المتابعة والمرور..

أحمد بن يحيى
18-02-2021, 09:17 PM
باب في المقاطع والمطالع، ومعه باب المبدأ والخروج والنهاية:

لِلْبَيْتِ مَقْطَعٌ كَذَاكَ مَطْلَعُ = إخْتَلَفُوا في حَدِّهَا وفَرَّعُوا

مَقَاطِعٌ: أَوَاخِرُ الفُصُوْلِ = مَطَالِعٌ: أوَائِلُ الوُصُوْلِ

آخِرُ شَطْرٍ أَوَّلٍ: فَالفَصْلُ = وأوَّلُ الثانِيْ: فَذَاكَ الوَصْلُ

قِيْلَ القَوَافِيْ فَهِيَ الْمَقَاطِعُ= وأوَّلُ الأبْيَاتِ فَالْمَطَالِعُ

فَجَوْدَةُ الْمَطْلَعِ في التَّفَنُّنِ = والْحُسْنُ في الْمَقْطَعِ بِالتَّمَكُّنِ

حتَّى يُرَدَّ أَوَّلٌ مِنْهُ عَلَى = آخِرِهِ، مُصَدَّرًا مُكَمَّلَا(1)

ثَلاثَةُ بِهَا تُنَالُ الغَايَهْ = ألْمَبْدَأُ، الخُرُوْجُ، فَالنِّهَايَهْ

بِحُسْنِهَا يُسْتَحْسَنُ الكَلَامُ = ويَسْتَوِي القَرِيْضُ والنِّظَامُ(2)

أَمَّا الْمَبَادِيْ فَلَهَا شُرُوطُ = والحُسْنُ فيها لازِمٌ مَشْرُوطُ

لِذَاكَ قِيْلَ الشِّعْرُ قُفْلٌ أَوَّلُهْ = مِفْتَاحُهُ، وكَالدَّلِيْلِ مُجْمَلَهْ

جَيِّدُهُ الْمُرَادُ: فَهْوَ سَهْلُهُ = وحُلْوُهُ، وفَخْمُهُ، وجَزْلُهُ

مُوَطَّأُ الأكْنَافِ بِالتَّجْوِيْدِ = مُبَرَّأٌ مِنْ لوْثَةِ التَّعْقِيدِ

مُشَاكِلاً لِحَالِ مَنْ يُخَاطِبُ = فَلا يَسُوْؤُهُ ولا يُغَاضِبُ

إذْ رُبَّما تَجْفُو طِبَاعُ الشاعرِ = عَنْ دَرَكِ الْمَعْنَى بِعَيْبٍ ظاهِرِ

مِثْل (أبي النَّجْمِ) بِمَا قَدْ مَثَّلا = أَغْفَلَ في عَيْنَيْ (هِشَامٍ) حَوَلا:

(كَالشَّمْسِ قَدْ كَادَتْ ولَمَّا تَفْعَلِ= كأنَّها في الأُفْقِ عَيْنُ الأَحْوَلِ)(3)

وافْتَتَحُوا الأشْعَارَ بِالنَّسِيْبِ= لأنَّهُ أقْرَبُ لِلْقُلُوبِ

وَدَاعِيًا إلى الَّذِي يَلِيْهِ = مُسْتَدْرِجًا بِمَا يَلَذُّ فِيْهِ

تَعَدَّدَتْ في ذَلِكَ الْمَقَاصِدُ = كُلٌّ لَهُ وَجْهٌ إليهِ قَاصِدُ:

فَالبَدَوِيُّ يَذْكُرُ الرَّحِيْلا = ويَصِفُ الطُّلُوْلَ والْحُمُوْلا

يَشُوْقُهْ بَرْقٌ ولَمْحُ نَاْرِ = رِيْح الصَّبَا وشَمَّة العَرَارِ

ولَيْسَ يَعْدُو وَصْفهُ النِّسَاءَ = يُعَدِّدُ الْمَحَاسِنَ اسْتِقْصَاءَا

والحَضَرِيُّ يَذْكُرُ الصُّدُوْدَا = ويَصِفُ النِّسْرِيْنَ والوُرُوْدَا

والْهَجْرَ والْوَاشِيْنَ والرَّقِيْبَا = والكَأْسَ والنَّدِيْمَ والطُّيُوْبَا

وأَكْثَرُوا مِنْ غَزَلِ الغِلْمَانِ = ولَمْ يَكُنْ في سَالِفِ الزَّمَانِ(4)

وربَّما احْتَذَوْا على التَّقْلِيدِ = لِلْمَنْهَجِ القَدِيمِ في القَصِيدِ

فَذَكَرُوا الرِّحْلَةَ والدِّيَارَا = والرَّحْلَ والإِنْضَاءَ والأَسْفَارَا

حتَّى يَكُوْنَ وُصْلَةً لِلْمِدَحِ = بِمُسْتَحِقٍّ لجَزِيْلِ الْمِنَحِ(5)

ومِنْهُمُ مَنْ يَتْرُكُ النَّسِيْبَا = مُقْتَضِبًا يُعَاجِلُ الْمَطْلُوبَا

كـ (المتنبيْ) و(أبي نُوَاسِ)= بِقَصْدِ مَدْحٍ أوْ لِنَعْتِ كَاْسِ(6)

وبِالخُرُوْجِ أَحْسَنُوا التَّخَلُّصَا = مِنَ النَّسِيْبِ لِلْمَدِيْحِ مُخْلَصَا

بِوُصْلَةٍ تَكُوْنُ مِثْلَ القَنْطَرَهْ = بِحِيْلَةٍ لَطِيفَةٍ مُعْتَبَرَهْ

(المتنبيْ) مُكْثِرٌ في فَنِّهْ = وَجُلُّهُ فَغَايَةٌ في حُسْنِهِ(7)

ولَمْ يَكُنْ ذَا مَذْهَبًا في الشِّعْرِ= بَلْ يَقْطَعُونَ القَوْلَ مِثْلَ الطَّفْرِ(8)

ثُمَّ الخِتَامُ وهْوَ مِثْلُ القُفْلِ = بِمُحْكَمٍ كَالِابْتِدَاءِ جَزْلِ(9)

وربَّما لَمْ يَخْتِمُوا فَقَطَعُوا = والنَّفْسُ فِيْها رَغْبَةٌ وطَمَعُ

كَــ (الْمَلِكِ الضِّليلِ) في الْمُعَلَّقَهْ = لَمْ يَخْتِمِ الشِّعْرَ، ولَكِنْ عَلَّقَهْ(10)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) قال المصنف ــ رحمه الله ــ: اختلف أهل المعرفة في المقاطع والمطالع: فقال بعضهم: هي الفصول والوصول بعينها، فالمقاطع: أواخر الفصول، والمطالع: أوائل الوصول، وهذا القول هو الظاهر من فحوى الكلام، والفصل: آخر جزء من القسيم الأول كما قدمت، وهي العَروض أيضاً، والوصل: أول جزء يليه من القسيم الثاني. وقال غيرهم: المقاطع: مُنقطَع الأبيات، وهي القوافي، والمطالع: أوائل الأبيات. وسألت الشيخ أبا عبد االله محمد بن إبراهيم بن السمين عن هذا، فقال: المقاطع أواخر الأبيات، والمطالع أوائلها، قال: ومعنى قولهم: (حَسَنُ المقاطعِ جَيِّدُ المطالعِ): أن يكون مقطع البيت ــ وهو القافية ــ متمكناً غير قلق ولا متعلقٍ بغيره، فهذا هو حسنه، والمطلع ــ وهو أول البيت ــ جودته أن يكون دالاً على ما بعده كالتصدير وما شاكله.

(2) قال المصنف: قيل لبعض الحذاق بصناعة الشعر: لقد طار اسمك واشتهر، فقال: لأنني أقللتُ الحَزَّ، وطبَّقتُ الْمَفْصِلَ، وأصبتُ مقاتلَ الكلام، وقرطستُ نُكَتَ الأغراضِ؛ بحُسْنِ الفواتحِ والخواتم ولُطْفِ الخروج إلى المدح والهجاء. وقد صدق، لأنَّ حسنَ الافتتاح داعيةُ الانشراح، ومطيةُ النجاح، ولطافةَ الخروج إلى المديح، سببُ ارتياحِ الممدوح، وخاتمةَ الكلام أبقى في السمع، وألصقُ بالنفس؛ لقربِ العهدِ بها؛ فإنْ حَسُنَتْ حَسُن، وإن قبحت قبح، والأعمال بخواتيمها، كما قال رسول االله صلى االله عليه وسلم.

(3) الشعر قُفْلٌ أولُه مفتاحُه، ولذلك ينبغي للشاعر أن يُجوِّد ابتداء شعره؛ فإنه أول ما يَقْرَعُ السمعَ، وبه يُستدل على ما عنده من أولِ وَهْلة، ولْيجعلْه حلواً سهلاً، وفخماً جزلاً، وليرغبْ عن التعقيد في الابتداء؛ فإنه أوَّلُ العِيِّ، ودليلُ الفهَّة، وليحترسْ مما تناله فيه بادرةٌ، أو يقع عليه مطعنٌ، وإنما يؤتى الشاعر في هذه الأشياء؛ إما مِن غفلةٍ في الطبع وغِلَظ، أو من استغراق في الصنعة وشغل هاجس بالعمل يذهب مع حسن القول أين ذهب؛ كما حصل ـ على سبيل المثال ــ مع (أبي النجم العجلي) الراجز المشهور، وقد أنشد هشام بن عبد الملك قوله: (والشَّمْسُ قد كادَتْ ولَمَّا تَفْعَلِ * كأنها في الأُفْقِ عَيْنُ الأَحْوَلِ)، وكان هشامٌ أحْوَلَ، فأمر به فحُجب عنه مدة، وقد كان قبل ذلك من خاصّته: يسمر عنده، ويمازحه. والفطن الحاذق يختار للأوقات ما يشاكلها، وينظر في أحوال المخاطبين؛ فيقصد مَحَابَّهُمْ، ويميل إلى شهواتهم وإن خالفت شهوتَه، ويتفقد ما يكرهون سماعه فيجتنب ذكره. (ملاحظة: ذكر المصنف أمثلة كثيرة للابتداءات الجيدة الحسنة؛ لا يسع المقام لذكرها هنا، فمن أراد الاستزادة؛ راجَعَها في كتاب المصنف رحمه الله).

(4) للشعراء مذاهب في افتتاح القصائد بالنسيب؛ لما فيه من عَطْف القلوب، واستدعاء القبول بحسب ما في الطباع من حب الغزل، والميل إلى اللهو والنساء، وإنّ ذلك استدراج إلى ما بعده. ومقاصد الناس تختلف: فطريق أهل البادية ذكر الرحيل والانتقال، وتوقُّع البَيْن، والإشفاق منه، وصفة الطلول والحمول، والتشوق بحنين الإبل ولمع البروق ومر النسيم، وذكر المياه التي يلتقون عليها والرياض التي يحلُّون بها من خُزامى، وأقْحُوان، وبَهَار، وحنْوَة، وظَيَّان، وعَرَار، وما أشبهها من زهر البرية الذي تعرفه العرب. وتنبته الصحارى والجبال وما يلوح لهم من النيران في الناحية التي بها أحبابهم، ولا يَعْدُون النساءَ إذا تغزلوا ونسبوا. وأهل الحاضرة يأتي أكثر تغزلهم في ذكر الصدود، والهجران، والواشين، والرقباء، ومَنَعة الحرس والأبواب، وفي ذكر الشراب والنَّدامَى، والورد والنِّسرين والنَّيْلُوْفَر، وما شاكل ذلك من النواوير البلدية، والرياحين البستانية، وفي تشبيه التفاح والتحية به، ودَسّ الكتب، وما شاكل ذلك مما هم به منفردون، مثل تغزلهم بذكر الغلمان تصريحا.

(5) قال المصنف: منهم (أي: من المحدثين) من سلك في ذلك مسلك الشعراء(القدماء) اقتداء بهم، واتباعاً لما ألفته طباع الناس معهم، كما يذكر أحدهم الإبل، ويصف المفَاوِز على العادة المعتادة، ولعله لم يركب جملاً قط، ولا رأى ما وراء (الجَبَّانة).. والعادة أن يذكر الشاعر ما قطع من المفاوز، وما أنْضَى من الرِّكاب، وما تجشَّم من هول الليل وسهره، وطول النهار وهَجِيره، وقلة الماء وغُؤوره، ثم يخرج إلى مدح المقصود؛ ليوجب عليه حق القَصْدِ، وذِمَام القاصد، ويستحق منه المكافأة. وكانوا قديماً أصحاب خيام: ينتقلون من موضع إلى آخر؛ فلذلك أول ما تبدأ أشعارهم بذكر الديار، فتلك ديارهم، وليست كأبنية الحاضرة؛ فلا معنى لذكر الحضري الديارَ إلا مجازاً.. وكانت دوابهم الإبل لكثرتها، وعدم غيرها، ولصبرها على التعب وقلة الماء والعلف فلهذا أيضاً خَصُّوها بالذكر دون غيرها ولم يكن أحدهم يرضى بالكذب فيصف ما ليس عنده كما يفعل المحدثون.

(6) من الشعراء مَن لا يجعل لكلامه بَسْطاً من النسيب، بل يهجم على ما يريده مكافحة، ويتناوله مصافحة، وذلك عندهم هو: الوثب، والبتر، والقطع، والكَسْع، والاقتضاب، كقول أبي الطيب مفتتحًا بالمديح مُنكرًا للنسيب: (إذا كان مَدْحٌ فالنَّسِيْبُ المقَدَّمُ * أَكُلُّ فَصِيْحٍ قالَ شِعْراً مُتَيَّمُ!)، وقول أبي نواس مُفضِّلا نَعْتَ الخمر على صِفَةِ الطَّلَل: (صِفَةُ الطُّلُوْلِ بَلاغَةُ القُدْمِ * فَاجْعَلْ صِفَاتِكَ لِابْنَةِ الكَرْمِ).

(7) قال المصنف: أما الخروج فهو عندهم شبيه بالاستطراد، وليس به؛ لأن الخروج إنما هو أن تخرج من نسيب إلى مدح أو غيره بلُطْفِ تَحَيُّل، ثم تتمادى فيما خرجت إليه. والاستطراد: أن يبني الشاعر كلاماً كثيراً على لفظة من غير ذلك النوع، يقطع عليها الكلام، وهي مراده دون جميع ما تقدم، ويعود إلى كلامه الأول، وكأنما عثر بتلك اللفظة عن غير قصد ولا اعتقاد نية، وجل ما يأتي تشبيهاً، وسيرد عليك في بابه مبيناً إن شاء االله تعالى.. وقد أربى أبو الطيب على كل شاعر في جودة فصول هذا الباب الثلاثة (المبدأ، والخروج، والنهاية)؛ إلا أنه ربما عَقَّد أوائل الأشعار ثقة بنفسه، وإغراباً عن الناس، ويقع له في الخروج ما كان تركه أولى به، وأشعر له، وإنما أدخله فيه حُبُّ الإغراب في باب التوليد، حتى جاء بالغث البارد، والبشع المتكلف.

(8) كانت العرب لا تذهب هذا المذهب في الخروج إلى المدح، بل يقولون عند فراغهم من نعت الإبل وذكر القفار وما هم بسبيله: (دَعْ ذا) و(عَدِّ عن ذا) ويأخذون فيما يريدون أو يأتون بِــ(إنَّ) المشددة ابتداءً للكلام الذي يقصدونه، فإذا لم يكن خروجُ الشاعر إلى المدح متصلاً بما قبله ولا منفصلاً بقوله: (دع ذا) و(عَدِّ عن ذا) ونحو ذلك سُمي طَفْراً وانقطاعا. ولربما قالوا بعد صفة الناقة والمفازة " إلى فلان قَصَدَتْ" و "حتى نزلتْ بفناء فلان" وما شاكل ذلك.

(9) وأما الانتهاء فهو قاعدةُ القصيدة، وآخرُ ما يبقى منها في الأسماع، وسبيلُه أن يكون مُحْكَماً: لا تمكن الزيادة عليه، ولا يأتي بعدَه أحسنُ منه، وإذا كان أولُ الشعر مفتاحاً له وجب أن يكون الآخِرُ قُفْلاً عليه.

(10) من العرب من يختم القصيدة فيقطعها والنفس بها متعلقة، وفيها راغبة مشتهية، ويبقى الكلام مبتوراً كأنه لم يتعمد جعله خاتمة: كل ذلك رغبة في أخذ العَفْو، وإسقاط الكلفة، ألا ترى معلقة امرئ القيس كيف ختمها بقوله يصف السيل عن شدة المطر: (كأنَّ السِّبَاعَ فيه غَرْقَى غُدَيَّةً * بأرْجَائِهِ القُصْوَى أنَابِيْشُ عُنْصُلِ) فلم يجعل لها قاعدة كما فعل غيره من أصحاب المعلقات، وهي أفضلها.

العر بية لسان قومي
18-02-2021, 11:20 PM
الإخوة والأخوات/الفضلاء والفضليات، أعضاء منتدى الفصيح، وكل من شرفني في هذا المتصفح:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

فتجدون في المرفقات ما سبق من حلقات هذا المنظوم(المتواضع)، مع هامشه ـ مُصَوَّرا..
أسأل الله ـ جل وعلا ـ أن يوفق لإتمامه، وبه أستعين!

مُرحبًا بكل ملحوظة أو استدراك أو تصويب..
مع جزيل الشكر على كرم المتابعة والمرور..

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته
ابداع أستاذ أحمد وكأنك قد ألفت مثل هذا النوع قبله.
وأعحبني أنك شرحت منهجك في المقدمة. لأني سمعت أن العالم يشرح منهجه في المقدمة فأعجبني ذلك منك.

أحمد بن يحيى
19-02-2021, 07:45 PM
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته
ابداع أستاذ أحمد وكأنك قد ألفت مثل هذا النوع قبله.
وأعحبني أنك شرحت منهجك في المقدمة. لأني سمعت أن العالم يشرح منهجه في المقدمة فأعجبني ذلك منك.

حُيِّيتَ أستاذي الفاضل وأخي الكريم/ العربية لسان قومي
وإن مرورك الكريم لممّا يسعدني ويشرفني؛ فكيف وقد اتصل بمعقود الثناء وكريم الاحتفاء!
فجزاك الله خيرًا وبارك فيك،،،

مع خالص التحية والتقدير،،،
أخوك/ أحمد

أحمد بن يحيى
24-02-2021, 11:28 AM
باب البلاغة، ومعه باب الإيجاز، وباب البيان، والنظم، وباب المخترع والبديع:

بَلَاغَةُ الْمَرْءِ مَعَ البَيَانِ = فَذَلِكَ الجَمَالُ في الِّلسَانِ(1)

وَكُلُّ إنْسَانٍ: فَحَيٌّ يَنْطِقُ = حُدَّ بِهِ، بِذَاكَ جَاءَ الْمَنْطِقُ(2)

لِذَا البَيَانُ فَعِمَادُ العِلْمِ = كَالرُّوْحِ إذْ كَانَتْ عِمَادَ الجِسْمِ(3)

وأَكْثَرُوا الْمَقَالَ في البَلَاغَهْ = مِنْ: بَلَغَ الْمَرْءُ بِهَا بَلَاغَهْ(4)

إصَابَةُ الْمَعْنَى مَعَ الإيْجَازِ = نَظْمًا يَكُوْنُ ظاهِرَ الإعْجَازِ(5)

حُسْنُ عِبَارَةٍ مَعَ الدَّلَالَةِ = دُوْنَ تَوَعُّرٍ ولا إحَالَةِ

يُسَابِقُ الَّلفْظ بِهِ مَعْنَاهُ = لِقُرْبِهِ وَبُعْدِ مُنْتَهَاهُ

مَعْرِفَةٌ بِفَصْلِهِ والْوَصْلِ = عَلَى تَخَيُّرِ الكَرِيْمِ الجَزْلِ

قَلِيْلُهُ فَذَاكَ مِنْهُ يُفْهَمُ = كَثِيْرُهُ فَلَيْسَ مِمَّا يُسْأَمُ

وَقِيْلَ: قُدْرَةٌ عَلَى البَيَانِ = بِجَمْعِ نَعْتِ الذَّمِ والإحْسَانِ

كَـ(الزِّبْرِقَانِ) ذَمَّهُ (ابْنُ الأَهْتَمِ) = مِنْ بَعْدِ مَدْحٍ صادِقًا لَمْ يَظْلِمِ

فَامْتَدَحَ الرَّسُوْلُ مِنْ تِبْيَانِهِ = مَا يَسْحَرُ السَّامِعَ في بَيَانِهِ(6)

وَالأَصْلُ في بَلَاغَةٍ: فَالطَّبْعُ = يَجْرِيْ بِهَا كَمَا يَسِيْلُ النَّبْعُ

بِآلَةٍ ثَمَّ تُعِيْنُ فِيْهَا = تَكُوْنُ مِيْزَانًا لَهَا تُوْفِيْهَا

بِأَضْرُبٍ مَشْهُوْرَةٍ تُجَازُ = فِيْمَا يَلِيْ، أَوَّلُهَا الإيْجِازُ:(7)

دَلَالَةُ الَّلفْظِ لَهَا مُعَادِلُ = يَنْقُصُ، أو يَزِيْدُ، أو يُمَاثِلُ

قَدْ يُكْتَفَى، وقَدْ يُسَاوِيْ مِثْلَهَا = مِثْلَ: اسْأَلِ القَرْيَةَ، واسْأَلْ أَهْلَهَا

فَالِاكْتِفَا: حَذْفٌ لِقَوْلٍ مُفْتَرَضْ= يَدُلُّ بَاقِيْهِ عَلَيْهِ، لِغَرَضْ(8)

كَذَلِكَ الإيْجَازُ: قَوْلٌ يُخْتَصَرْ = بِالحَذْفِ أحْيَانًا، وحِيْنًا بِالقِصَرْ(9)

بَدِيْعُهُ فَذَاكَ مِنْهُ غَايَتُهْ = كَمُوْجَزِ الذِّكْرِ سَمَتْ بَلَاغَتُهْ

كَآيَةِ (الأعْرَافِ) في سِيَاقِ = قَدْ جَمَعَتْ مَكَارِمَ الأخْلَاقِ

وآيَة الطُّوْفَانِ لَمَّا سَكَنَا = في (هُوْد) كَانَتْ في البَدِيْعِ سَنَنَا(10)

كَذَا كَلَامُ الْمُصْطَفَى بِمَا عَلِمْ = لأنَّهُ الْمُعْطَى جَوَامِعَ الكَلِمْ(11)

ورُبَّما يُحْذَفُ لِلضَّرُورَهْ = فَلَيْسَ في الإيجازِ بِالضَّرُورَهْ

لِأَنَّ مِنْ مَقَاصِدِ الإيجازِ = تَكَاثُرُ الْمَعْنَى مَعَ الإعْجَازِ(12)

وقِيْلَ في دَلَالَةِ البَيَانِ: = إحْضَارُكَ الْمَعْنَى بِلَا تَوَانِيْ

تُدْرِكُهُ النَّفْسُ بِلَا تَعْقِيْدِ = ودُوْنَ إبْطَاءٍ ولَا تَفْنِيْدِ(13)

لِذَا مِنَ البَيَانِ ما قَدْ يَسْحَرُ = كَذَا مِنَ الشِّعْرِ الحَكِيْمُ الْمُبْهِرُ(14)

وأَحْسَنُ البَيَانِ: فَهْوَ الْمُوْجَزُ = وغَايَةٌ فِيْهِ الكِتَابُ الْمُعْجِزُ

مِثَالُهُ: فَسُوْرَةُ (الإخْلَاصِ) = كَذَاكَ مِنْهُ: آيَةُ القِصَاصِ(15)

ثُمَّ كَلَامُ الْمُصْطَفَى الرَّسُوْلِ = وصَحْبِهِ، وتَابِعٍ جَلِيْلِ(16)

وبُلَغَاء الشُّعَرَا والخُطَبَا = ومَنْ حَذَا حَذْوَهُمُ وانْتَسَبَا

وأَجْوَدُ الشِّعْرِ: الَّذِي قَدْ لُحِمَا = أُفْرِغَ سَبْكًا واحِدًا إذْ نُظِمَا

بِمَخْرَجٍ سَهْلٍ عَلَى الِّلسَانِ = يَجْرِيْ بِهِ كَجِرْيَةِ الدِّهَانِ

وضِدُّهُ: فَذَلِكَ الْمَمْجُوْجُ = لَيْسَ لَهُ في أُذُنٍ وُلُوْجُ

قَدْ شَبَّهُوْهُ مِثْلَ بَعْرِ الكَبْشِ = مُفَرَّقًا يَنْثُرُهُ إذْ يَمْشِيْ

وشَبَّهُوا مُخْتَلِفَ الأبْيَاتِ = ــ في بُعْدِهَا ــ مِثْلَ بَنِي العَلَّاتِ(17)

لِذَا تَرَاهُمْ زَاوَجُوا الألْفَاظَا = بِمِثْلِهَا وأَمْعَنُوا الحِفَاظَا(18)

فَلَاحَظُوا الشِّعْرَ بِعَيْنِ النَّظَرِ= مُهَذَّبًا دَانِيْ قِطَافِ الثَّمَرِ

كَيْ لَا يَكُوْنَ بَالِغَ التَّعْقِيْدِ = ومُشْكِلَ الْمَعْنَى عَلَى الْمُرِيْدِ:

بِمُلْبِسِ التَّقْدِيمِ والتَّأخِيْرِ = أوْ مُعْظِلٍ يَعْصَى عَلَى التَّفسِيْرِ

ورُبَّما تَقَارَبُ الحُرُوْفُ = فَيْعْسُرُ النَّظْمُ؛ بِمَا تَحِيْفُ

يَثْقُلُ في السَّمْعِ وَفِي الِّلسَانِ = فَلَا يَحُوْزُ رُتْبَةَ البَيَانِ(19)

مُخْتَرَعٌ: قَائِلُهُ لَمْ يُسْبَقِ = إلَيْهِ في مَعْنَاهُ، إذْ لَمْ يُلْحَقِ

مِثْل (امْرِئِ القَيْسِ)، وكَاْنَ أَوَّلَا = فَافْتَرَعَ الْمَعْنى، بِمَا تَمَثَّلَا(20)

زِيَادَةُ الْمَعْنَى فَذَا: التَّوْلِيْدُ = مِنْ سَابِقٍ لَهُ، فَلَا يُعِيْدُ

إذْ لَوْ أَعَادَ لَفْظَهُ ونَسَقَهْ = لَعُدَّ هَذَا مِنْ قَبِيْلِ السَّرِقَهْ

ولِاقْتِدَاءٍ؛ لَمْ يَكُنْ مُخْتَرِعَا = وإنْ أَجَادَ نَظْمَهُ وأَبْدَعَا(21)

فَالِاخْتِرَاعُ: السَّبْقُ في الْمَعَانِيْ = بِمُفْرَدَاتٍ ما لَهَا ثَوَانِيْ

مُشْتَقُّهُ مِنْ: (خَرِعٍ) و(خِرْوَعِ) = فَلَانَ بَعْدَ العِزِّ والتَّمَنُّعِ

وإنْ يَكُنْ في الَّلفْظِ: فَالبَدِيْعُ = بِلُطْفِ مَعْنى؛ فَبِهِ صَنِيْعُ

وأَصْلُهُ: الجَدِيْدُ في الحِبَالِ = بِمُبْتَدَا لَمْ يُنْتَكَثْ بِحَالِ(22)

وفِي البَدِيْعِ أَضْرُبٌ تُجَازُ = فيما يلي، أولها: الْمَجَازُ:(23)

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) سئل النبي ــ صلى االله عليه وسلم ــ: فِيْمَ الجَمالُ؟ فقال: " في اللسان"، يريد: البيان.

(2) قال أصحاب المنطق: حَدُّ الإنسان: الحيُّ الناطقُ؛ فمن كان في المنطق أعلى رتبةً كان بالإنسانية أولى.

(3) قيل: الروح عماد الجسم، والعلم عماد الروح، والبيان عماد العلم.

(4) قال أبو عبيدة: البَلِيْغُ: البَلْغُ، بفتح الباء، وقال غيره: البَلْغُ: الذي يبلغ ما يريد من قول وفعل. وقد جمع المصنف ــ رحمه الله ـ في كتابه (العمدة) ــ وهو الذي عليه مدار هذا النظم ــ أكثر أقاويل العلماء في ماهية البلاغة اصطلاحا.. وهي مقولات كثيرة متداخلة حاول الناظم ــ جَهْدَه تسديدا ومقاربة ــ إيجازَها وجمعها في هذا المنظوم المختصر. والله ولي التوفيق.. وللاستزادة في تعريفات البلاغة: ينظر في كتاب المصنف ــ رحمه الله؛ فإنه قد أَوْعَبَ واستوعَب.

(5) قد يُعْجِزُ كلامُ بعضِ البشر بعضًا؛ لِعُلوِّه في درجة البلاغة والبيان، ولكنه إعجازٌ نسبي متفاوت، والمعجز المطلق هو كلام الله ــ عز وجل ــ (الكتاب المبين والذكر الحكيم).

(6) كما فعل عمرو بن الأهتم بين يدي رسول االله صلى االله عليه وسلم وقد سأله عن الزِّبْرِقان بن بدر، فأثنى خيراً فقال: مانعٌ لحوزته، مُطاعٌ في أنديته ـ ويروى في أَذِيْنِهِ (أو: أَدْنَيْه) ـ فلم يرضَ الزبرقان بذلك، وقال: أما إنه قد علم أكثرَ مما قال، ولكن حَسَدني لشرفي ــ وفي روايةٍ أخرى حسدني مكاني منك، يخاطب النبي صلى االله عليه وسلم ــ فأثنى عليه عمرٌو شرّاً، وقال: أما لئن قال ما قال لقد علمتُه ضَيِّقَ الصدر، زَمِرَ المروءة، أحمقَ الأب، لئيم الخال، حديث الغنى، ثم قال: واالله يا رسول االله ما كذبتُ عليه في الأولى، وقد صدقتُ في الآخرة، ولكنْ أرضاني فقلت بالرضا، وأسخطني فقلت بالسخط، فقال رسول االله ــ صلى عليه وسلم: "إنَّ من البيان لَسِحْراً ". قال أبو عبيد القاسم بن سَلاَّم: وكأن المعنى ــ واالله أعلم ــ أنه يبلغ من بيانه أن يمدح الإنسان فيَصْدُق فيه حتى يصرف القلوب إلى قوله، ثم يذمه فيصدق فيه حتى يصرف القلوب إلى قوله الآخر، فكأنه سَحَرَ السامعين بذلك.

(7) قال المصنف ـ رحمه الله ـ : قال أبو الحسن علي بن عيسى الرُّمَّاني: أصْلُ البلاغةِ الطَّبْعُ، ولها مع ذلك آلات تعين عليها، وتوصل لِلْقُوَّة فيها، وتكون ميزاناً لها، وفاصلة بينها وبين غيرها، وهي ثمانية أضرب: الإيجاز، والاستعارة، والتشبيه، والبيان، والنظم، والتصرف، والمشاكلة، والمثل، وسيرد كل واحد منها بمكانه من هذا الكتاب إن شاء االله تعالى.

(8) قال المصنف: الإيجاز عند الرُّمَّاني على ضربين: مطابقٌ لفظُه لمعناه: لا يزيد عليه، ولا ينقص عنه، كقولك: "سَلْ أهْلَ القرية"، ومنه ما فيه حذف للاستغناء عنه في ذلك الموضع، كقول االله ـ عز وجل: "واسأل القرية" وعبَّر عن الإيجاز بأن قال: هو العبارة عن الغرض بأقل ما يمكن من الحروف، ونعم ما قال، إلا أنَّ هذا الباب متسعٌ جداً، ولكل نوعٍ منه تسميةٌ سماها أهل هذه الصناعة.. فأما الضرب الأول مما ذكر أبو الحسن فهم يسمونه: (المساواة). ومن بعض ما أنشدوا في ذلك قول الشاعر:
يا أيهــا الْمُتَحَلِّـيْ غَيْرَ شِيْمَتِـهِ = إنَّ التَّخَلُّـــقَ يأتي دُوْنَــــه الْخُلُــقُ
وَلَا يُوَاتِيْكَ فِيْمَا نَابَ مِنْ حَدَثٍ = إلَّا أخُو ثِقَــــةٍ، فَانْظُرْ بِمَنْ تَثـِـــقُ
فهذا شعرٌ لا يزيد لفظُه على معناه، ولا معناه على لفظه شيئاً..
والضرب الثاني مما ذكر الرماني ــ وهو قول االله عز وجل "واسأل القرية" ــ يسمونه: (الاكتفاء)، وهو داخل في باب المجاز؛ وفي الشعر القديم والمحدَث منه كثير، يحذفون بعض الكلام لدلالة الباقي على الذاهب: من ذلك قول االله عز وجل: "ولو أنَّ قرآناً سُيِّرَتْ به الجبالُ أو قُطعَتْ به الأرض أو كلّم به الموتى"، كأنه قال: لكان هذا القرآن. ومثله قولهم: لو رأيت علياً بين الصفين، أي: لرأيت أمرا عظيماً. ومن الحذف قول الله عز وجل: " فأما الذين اسودَّتْ وجوههم أكَفَرتم بعد إيمانكم " أي: فيقال لهم: أكفرتم بعد إيمانكم؟. ومن كلام النبي صلى الله عليه وسلم قوله للمهاجرين وقد شكروا عنده الأنصار: " أليس قد عرفتم ذلك لهم؟ " قالوا: بلى، قال: " فإنَّ ذلك "، يريد: فإنّ ذلك مكافأة لهم.

(9) الإيجاز قسمان: (إيجازُ حَذْفٍ)؛ وهو ما مثَّل له المصنف بأمثلة الاكتفاء آنفة الذكر، و(إيجازُ قِصَر)؛ وهو ما سيمثل له في بديع الإيجاز فيما يلي من كلام الله ــ عز وجل ــ وكلام نبيه المصطفى صلى الله عليه وسلم.

(10) من الإيجاز البديع (إيجاز القِصَر) قول االله عز وجل: "وقيلَ يا أرضُ ابلعي ماءكِ، ويا سماء أقلعي، وغِيْضَ الماء، وقُضيَ الأمر، واستوتْ على الجُودِيِّ، وقيل: بُعْداً للقوم الظالمين" وقوله تعالى: " خُذِ العَفْو، وأمُرْ بالعُرْف، وأعرِض عن الجاهلين"؛ فكلُّ كلمة من هذه الكلمات في مقام ِكلامٍ كثير، وهي على ما ترى من الإحكام والإيجاز، ومثل ذلك قوله تعالى: "يحسبون كل صيحةٍ عليهم، هُمُ العَدُوُّ، فاحْذَرْهُمْ، قاتَلَهُمُ االله أنَّى يؤفكون"، وقوله تعالى: "وأخرى لم تَقْدِروا عليها قد أحاطَ الله بها" وقوله: "إنْ يتّبعونَ إلا الظنَّ وما تهوى الأنفس".

(11) من الإيجاز البديع في كلام النبي ــ صلى الله عليه وسلم ــ قوله للأنصار: "إنكم لتَكْثُرون عند الفَزَع، وتَقِلُّون عند الطمع" وقوله ـ عليه الصلاة والسلام ــ: "كَفَى بالسلامة داء". ومثل هذا كثير في كلامه ــ صلى االله عليه وسلم، ومَنْ أولى منه بالفصاحة وأحق بالإيجاز! وقد قال: " أُعْطِيتُ جوامعَ الكَلِم".

(12) كما قال علقمة بن عَبَدة: (كأنَّ إبْرِيقَهُمْ ظَبْيٌ على شَرَفٍ * مُفَدَّمٌ بِسَبَا الكَتَّانِ مَلْثُومُ)، يريد: "بسبائب الكتان"، فحذف اضطراراً؛ لأن الوزن لا يستقيم له إلا بعد الحذف، وكذلك قول لبيد: (دَرَسَ الْمَنَا بِمُتَالِعٍ فَأبَانِ)، يريد: " المنازل" فحذف للضرورة أيضاً.

(13) قال أبو الحسن الرماني في البيان: هو إحضار المعنى للنفس بسرعة إدراك، وقيل ذلك لئلا يلتبس بالدلالة؛ لأنها إحضار المعنى للنفس وإن كان بإبطاء. وقال: البيان: الكشف عن المعنى حتى تدركه النفس من غير عُقْلة؛ وإنما قيل ذلك لأنه قد يأتي التعقيد في الكلام الذي يدلّ، ولا يستحق اسم البيان.

(14) كما قال النبي صلى االله عليه وسلم: " إنَّ من البيان لسِحْرا". وكما قال ـ عليه الصلاة والسلام ـ: " إنَّ من الشعر لحُكْما" ورُوِي " لحكمة".

(15) من البيان الموجز الذي لا يقرن به شيء من الكلام قول االله تعالى: " ولَكُمْ في القِصَاصِ حياة" وقوله في الإعراب عن صفته: " قل هو االله أحد، االله الصمد، لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفواً أحد"، فبيَّن تعالى أنه واحدٌ لا ثانيَ معه، وأنه صَمَدٌ لا جَوْفَ له وقيل: الصمد السَيِّد الذي يُصْمَد إليه في الأمور كلها، ولا يعدل عنه، وقيل: العالي المرتفع وأنه غير والد ولا مولود، وأنه لا شِبْهَ له ولا مِثْل، وقيل: إن الكفو ههنا الصاحبة ــ تعالى االله ــ وإنما نزلت هذه السورة لما سألت اليهودُ رسولَ االله صلى االله عليه وسلم فقالوا له: صِفْ لنا ربك وانْسُبه فقد وصف نفسه في التوراة ونسبها، فأكْبَرَ رسولُ االله صلى االله عليه وسلم ذلك، وقال: لو سألتموني أن أصف لكم الشمس لم أقدر على ذلك، فبينما هو كذلك إذ هبط عليه جبريل عليه السلام فقال: يا محمد " قل هو االله أحد" السورة.

(16) من البيان الموجز في كلام رسول الله ــ صلى الله عليه وسلم ــ وصحابته رضي الله عنهم: قوله صلى الله عليه وسلم: " المسلمون تتكافأ دماؤهم، ويسعى بذِمَّتهم أدناهم، وهُمْ يَدٌ على مَنْ سِوَاهُمْ " و " المرء كثيرٌ بأخيه "، فهذا كلامٌ في نهاية البيان والإيجاز.
وقال أبو بكر ــ رضي االله عنه ــ في بعض مقاماته: " وُلِّيْتُ أموركم ولستُ بخيركم، أطيعوني ما أطَعْتُ االله ورسوله، فإن عصيت االله فلا طاعة لي عليكم"، فقد بلغ بهذه الألفاظ الموجزة غاية البيان. وقال عمر بن الخطاب ــ رضي االله عنه ــ في بعض خطبه: " أيها الناس، إنه واالله ما فيكم أحدٌ أقوى عندي من الضعيف حتى آخُذَ الحق له، ولا أضعف عندي من القوي حتى آخذ الحق منه" وروى ذلك المبرد عن العتبي، وذكر الأخفش عن علي بن سليمان هذه الخطبة فقال: الصحيح عندي أنها لأبي بكر.. ومن كلام عمر ــ رضي االله عنه: "كفى بالمرء غيّاً أن تكون فيه خلة من ثلاث: أن يعيب شيئاً ثم يأتي مثله، أو يبدو له من أخيه ما يخفى عليه من نفسه، أو يؤذي جَلِيْسَه فيما لا يعنيه". وكتب عثمان بن عفان إلى علي بن أبي طالب رحمة االله عليهما لما أحيط به: " أما بعد فإنه قد جاوَزَ الماءُ الزُّبَى، وبلغ الحزامُ الطُّبْيَين، وتجاوز الأمر بي قدره، وطمع فيّ مَنْ لا يدفع عن نفسه. فَإنْ كُنْتُ مَأكُولاً فَكُنْ أنتِ آكِلِيْ* وإلاَّ فَأدْرِكْنِيْ ولَمَّا أُمَزَّقِ". (البيت الذي قد تضمنته الرسالة من شعر الممزَّقِ العبدي، يقوله لعمرو بن هند في قصيدة مشهورة، وبه سمي الممزَّق، واسمه شاس بن نهار).

(17) قال أبو عثمان الجاحظ: أجْوَدُ الشعر ما رأيتَه مُتلاحِمَ الأجزاءِ، سَهْلَ المخارج، فتعلم بذلك أنه أُفْرِغَ إفراغاً واحداً، وسُبِكَ سبكاً واحداً؛ فهو يجري على اللسان كما يجري الدهان. وإذا كان الكلام على هذا الأسلوب الذي ذكره الجاحظ لَذَّ سماعه، وخَفَّ مُحتمله، وقرب فهمه، وعَذُب النطق به، وحَلِيَ في فم سامعه، فإذا كان متنافراً متبايناً عسر حفظه، وثقل على اللسان النطق به، ومَجَّتْهُ المسامع فلم يستقر فيها منه شيء. وأنشد الجاحظ قال: أنشدني أبو العاصي قال: أنشدني خَلَف: (وَبَعْضُ قَرِيْضِ القَوْمِ أَبْنَاءُ عَلَّةٍ * يُكِدُّ لِسَانَ النَّاطِقِ الْمُتَحَفِّظِ). وأنشد عنه عن أبي البيداء الرياحي: (وشِعْرٍ كَبَعْرِ الكَبْشِ فَرَّقَ بَيْنَهُ * لِسَانُ دَعِيٍّ في القَرِيْضِ دَخِيْلِ).

(18) الناس مختلفو الرأي في مزاوجة الألفاظ: منهم من يجعل الكلمة وأختها، وأكثر ما يقع ذلك في ألفاظ الكتاب، وبه كان يقول البحتري في أكثر أشعاره، من ذلك قوله: (تَطِيْبُ بِمَسْرَاهَا البِلَادُ إذَا سَرَتْ * فَيَفْغَمُ رَيَّاهَا ويَصْفُوْ نَسِيْمُهَا)، ففي القسيم الآخر تناسب ظاهر.. ومنهم من يقابل لفظتين بلفظتين، ويقع في الكلام حينئذ تفرقة وقلة تكلف: فمن المتناسب قول علي بن أبي طالب رضي الله عنه في بعض كلامه: " أين من سعى واجتهد، وجمع وعَدَّد، وزخرف ونَجَّد، وبنى وشَيَّد"، فأتبع كلَّ لفظة ما يشاكلها، وقرنها بما يشبهها. ومن الفَرْق المنفصل قول امرئ القيس:
كأنيَ لَمْ أرْكَـــبْ جَــــوَاداً لِـــلَــذَّةٍ = ولم أتَبَطَّنْ كاعِباً ذَاتَ خَلْخَالٍ
ولم أَسْبَإِ الزِّقَّ الرَّوِيَّ، ولم أقُـــلْ = لِخَيْلِيَ كُرِّيْ كَرَّةً بَعْدَ إجْفَـــال
وكان قد ورد على سيف الدولة رجل بغدادي يعرف بالمنتخب، ولا يكاد يَسْلَم منه أحد من القدماء والمحدثين، ولا يذكر شعر بحضرته إلا عابه، وظهر على صاحبه بالحجة الواضحة، فأنشد يوماً هذين البيتين، فقال: قد خالف فيهما وأفسد، لو قال:
كأني لم أركب جـــواداً، ولم أقل = لخيلي كري كـــرة بعد إجفال
ولـم أســـبإ الــزق الــروي للذة = ولم أتبطن كاعباً ذات خلخال
لكان قد جمع بين الشيء وشكله؛ فذكر الجواد والكر في بيت، وذكر النساء والخمر في بيت، فالتبس الأمر بين يَدَي سيف الدولة، وسَلَّمُوا له ما قال، فقال رجلٌ ممن حضر: ولا كرامة لهذا الرأي، الله أصْدَقُ منك حيث يقول:" إن لك ألا تجوع فيها ولا تَعْرَى، وأنك لا تظمأ فيها ولا تَضْحَى"، فأتى بالجوع مع العري ولم يأت به مع الظمأ، فَسُرَّ سيف الدولة، وأجازه بصلة حسنة.

(19) قال المصنف: من الشعراء مَنْ يضع كل لفظة موضعها لا يَعْدُوه؛ فيكون كلامه ظاهرًا غير مُشْكل، وسهلاً غير متكلف، ومنهم من يُقَدِّم ويؤخر: إما لضرورة وزن، أو قافية وهو أعذر، وإما ليدلّ على أنه يعلم تصريف الكلام، ويقدر على تعقيده، وهذا هو العيُّ بعينه، وكذلك استعمال الغرائب والشذوذ التي يقلُّ مثلها في الكلام، فقد عيب على مَنْ لا تَعْلَقُ به التهمة نحو قول الفرزدق: (على حالَةٍ لَوْ أنَّ في البَحْرِ حاتماً * على جُوْدِهِ ما جَادَ بالماءِ حاتم)، فخفض حاتماً على البدل من الهاء التي في " جوده " حتى رأى قوم من العلماء أن الإقواء في هذا الموضع خير من سلامة الإعراب مع الكلفة.. ورأيت من علماء بلدنا من لا يحكم للشاعر بالتقدم، ولا يقضى له بالعلم، إلا أن يكون في شعره التقديم والتأخير، وأنا أستثقل ذلك من جهة ما قدمت، وأكثر ما تجده في أشعار النحويين. ومن الشعر ما تتقارب حروفه أو تتكرر فتثقل على اللسان، نحو قول ابن بشر: (لم يَضِرْهَا والحَمْدُ لله شَيْءٌ * وانْثَنَتْ نَحْوَ عَزْفِ نَفْسٍ ذَهُوْلِ)، فإن القسيم الآخر من هذا البيت ثقيل؛ لقرب الحاء من العين، وقرب الزاي من السين. وقال آخر: (وقَبْرُ حَرْبٍ في مَكَانٍ قَفْرٍ * ولَيْسَ قُرْبَ قَبْرٍ حَرْبٍ قَبْرُ)، فتكررت الألفاظ، وترددت الحروف، حتى صار أُلْقِيَّة(أحجيَّة) يختبر به الناس، ولا يقدر أحد أن ينشده ثلاث مرات إلا عثر لسانه فيه وغلط. وقال كعب بن زهير: (تَجْلُوْ عَوَارِضَ ذِيْ ظَلْمٍ إذَا ابْتَسَمَتْ * كأنَّهُ مُنْهَلٌ بِالرَّاحِ مَعْلُولُ)، فجمع بين الضاد والذال والظاء، وهي متقاربة متشاكلة..
قال علي بن عيسى الرماني: أسباب الإشكال ثلاثة: التغيير عن الأغلب كالتقديم والتأخير وما أشبهه، وسلوك الطريق الأبعد، وإيقاع المشترك، وكل ذلك اجتمع في بيت الفرزدق:
وما مثلُه في الناس إلا مُمَلَّكاً * أبو أمِّهِ حَيٌّ أبوه يُقَارِبُهْ
فالتغيير على الأغلب سوء الترتيب؛ لأن التقدير: "وما مثله في الناس حي يقاربه إلا مملكاً أبو أمه أبوه "يريد بالمُمَلَّك هشام بن عبد الملك، والممدوح هو إبراهيم بن هشام خال هشام بن عبد الملك؛ وأما سلوك الطريق الأبعد فقوله: "أبو أمه أبوه" وكان يجزئه أن يقول:"خاله"، وأما المشترك فقوله: "حي يقاربه"؛ لأن لفظة: "حي" تشترك فيها القبيلة والحي من سائر الحيوان المتصف بالحياة، قال: وإذا تفقدت أبيات المعاني رأيتها لا تخرج عن هذه الأسباب الثلاثة.

(20) المخترَع من الشعر هو: ما لم يُسْبَق إليه قائلُه، ولا عمل أحد من الشعراء قبله نظيره أو ما يقرب منه، كقول امرئ القيس: (سَمَوْتُ إليها بَعْدَ ما نَامَ أهْلُهَا * سُمُوَّ حَبَابِ الماءِ حَالاً عَلَى حَالِ)، فإنه أول من طرق هذا المعنى وابتكره، وسَلَّم الشعراء إليه، فلم ينازعه أحد إياه، وقوله: (كأنَّ قُلُوبَ الطَّيْرِ رَطْباً ويَابِساً * لَدَى وَكْرِهَا العُنَّابً والحَشَفُ البَالِيْ). وله اختراعات كثيرة يضيق عنها الموضع، وهو أول الناس اختراعًا في الشعر.

(21) والتوليد: أن يستخرج الشاعر معنى من معنى شاعر تقدمه، أو يزيد فيه زيادة؛ فلذلك يسمى التوليد، وليس باختراع؛ لما فيه من الاقتداء بغيره، ولا يقال له أيضاً سرقة إذا كان ليس آخذاً على وجهه، مثال ذلك قول امرئ القيس: (سموت إليها بعد ما نام أهلها * سمو حباب الماء حالاً على حال)، فقال عمر بن عبد الله بن أبي ربيعة ــ وقيل: وضاح اليمن ــ: (فَاسْقُطْ عَلَيْنَا كَسُقُوْطِ النَّدَى * لَيْلَةَ لا نَاهٍ ولا زَاجِرُ)، فولَّد معنى مليحاً اقتدى فيه بمعنى امرئ القيس دون أن يشركه في شيء من لفظه، أو ينحو نحوه إلا في المحصول، وهو لطف الوصول إلى حاجته في خفية. وأما الذي فيه زيادة فكقول جرير يصف الخيل: (يَخْرُجْنَ مِنْ مُسْتَطِيْرِ النَّقْعِ دَامِيَةً * كَأنَّ آذَانَهَا أطْرَافُ أقْلَامِ)، فقال عديَّ بن الرِّقَاع يصف قَرْن الغزال: (تُزْجِيْ أَغَنَّ كأنَّ إبْرَةَ رَوْقِهِ * قَلَمُ أَصَابَ مِنَ الدَّوَاةِ مِدَادَهَا)، فولَّد بعد ذكر القلم إصابته مداد الدواة بما يقتضيه المعنى؛ إذ كان القرن أسود. وقال العُمَاني الراجز بين يدي الرشيد يصف الفرس: (تَخَالُ أُذْنَيْهِ إذَا تَشَوَّفَا * قَادِمَةً أوْ قَلَمًا مُحَرَّفَا)، فولَّد ذكر التحريف في القلم، وهو زيادة صفة.

(22) الفرق بين الاختراع والإبداع ــ وإن كان معناهما في العربية واحداً ــ أن الاختراع: خَلْقُ المعاني التي لم يُسْبَق إليها، والإتيان بما لم يكن منها قَطّ، والإبداع: إتيان الشاعر بالمعنى المستظرَف، والذي لم تجر العادة بمثله، ثم لزمته هذه التسمية حتى قيل له بديع وإن كثر وتكرر، فصار الاختراع للمعنى والإبداع للفظ؛ فإذا تم للشاعر أن يأتي بمعنى مخترع في لفظ بديع فقد استولى على الأمد، وحاز قصب السبق. واشتقاق الاختراع من التليين يقال: "بيت خَرِع" إذا كان لَيِّناً، والخِرْوَع فِعْوَل منه، فكأنّ الشاعر سَهَّل طريقةَ هذا المعنى ولَيَّنه حتى أبرزه. وأمّا البديعُ: فهو الجديد، وأصلُه في الحِبَال، وذلك أن يفتل جديداً ليس مِنْ قُوَى حَبْلٍ نقضت ثم فتلت فتلاً آخر. وأنشدوا للشَّمَّاخ بن ضرار: (أَطَارَ عَقِيْقَهُ عنه نُسَالاً * وأُدْمِجَ دَمْجَ ذِيْ شَطَنٍ بَدِيْعِ).

(23) قال المصنف ـ رحمه الله ـ: والبديع ضروب كثيرة، وأنواع مختلفة، أنا أذكر منها ما وسعته القدرة وساعدت فيه الفكرة، إن شاء الله تعالى، على أن ابن المعتز وهو من جمع البديع، وألّف فيه كتاباً لم يعدّه إلا خمسة أبواب: الاستعارة أولها، ثم التجنيس، ثم المطابقة، ثم رد الأعجاز على الصدور، ثم المذهب الكلامي، وعدَّ ما سوى هذه الخمسة أنواعَ محاسن، وأباح أن يسميها مَنْ شاء ذلك بديعاً، وخالفه من بعده في أشياء منها يقع التنبيه عليها والاختيار فيها حيثما وقعت من هذا الكتاب، إن شاء الله تعالى.

أحمد بن يحيى
27-02-2021, 08:33 AM
باب المجاز، ومعه باب الاستعارة، وباب التمثيل، وباب المثل السائر:

أَمَّا الْمَجَازُ، فَهْوَ فَخْرُ العَرَبِ = قَدْ أَكْثَرُوا مِنْهُ، وَشَطْرُ الأَدَبِ(1)

مِنْ قَوْلِهِمْ: جَازَ مَجَازًا: إِذْ أَخَذْ = في جَنْبَةِ القَوْلِ طَرِيْقًا فَنَفَذْ(2)

قَسِيْمُهُ: الحَقِيْقَةُ الْمُسْتَعْمَلَهْ = تَمْنَعُهَا قَرِيْنَةٌ، لا بُدَّ لَهْ(3)

مُعَلَّقًا مِنْهَا بِأَدْنَى سَبَبِ = ولَا يُعَدُّ مِنْ قَبِيْلِ الكَذِبِ

إِذْ كَانَ في جُلِّ الكَلَامِ دَاخِلَا = فَإِنْ يَكُنْ كِذْبًا لَكَانَ بَاطِلَا

تَقُوْلُ: أَوْشَكَ الجِدَارُ، هَمَّ أَنْ = يَنْقَضَّ، كَادَ أَوْ أَرَادَ. تُخْبِرَنْ

لا تَسْتَطِيْعُ غَيْرَ أَنْ تُجِيْزَا = فِعْلاً لِفَاعِلٍ وتَسْتَجِيْزَا(4)

وفِي العُمُوْمِ فَالْمَجَازُ أَبْلَغُ = مُبَيِّنًا يَبْلُغُ مَا لَا تَبْلُغُ(5)

ويَدْخُلُ التَّشْبِيْهُ فِيْهِ؛ إِذْ بَقِيْ = عَلَى مَجَازِ الجَمْعِ لَا التَّحَقُّقِّ

كَذَاكَ فِيْهِ تَدْخُلُ الكِنَايَهْ = إِذْ لَفْظُهَا لَيْسَ مَدَارَ الغَايَهْ(6)

وأَفْضَلُ الْمَجَازِ: الِاسْتِعَارَهْ= لِأنَّها مِنْ زِيْنَةِ العِبَارَهْ

غَايَتُهَا: الإيجَازُ والْمُبَالَغَهْ = تُفَتِّقُ الْمَعْنَى وَتُعْلِيْ بَالِغَهْ

مِلَاكِهُا: التَّقْرِيْبُ والْمُنَاسَبَهْ= في بُعْدِ غَايَةٍ، مَعَ الْمُقَارَبَهْ

مُسْتَهْجَنٌ بَعِيْدُهَا القَبِيْحُ = كَـ: بُحَّ صَوْتُ الْمَالِ إذْ يَصِيْحُ

ويُكْتَفَى فِيْهَا بِمُسْتَعَارِ = عَنْ أَصْلِهْ الْمَنْقُوْلِ والْمُعَارِ(7)

فَبَعْضُهَا مَخْرَجُهُ التَّشْبِيْهُ = وبَعْضُهَا لَيْسَ لَهُ شَبِيْهُ:

كَمِثْلِ (ذِي الرُّمَةِ) إذْ أَدَارَا = مُلَاءَةً لِلْفَجْرِ فَاسْتَعَارَا

أَوْ كَـ(لَبِيْدٍ) وَقَدِ اسْتَعَارَا = لِلشَّيْءِ مَا لَيْسَ لَهُ، اقْتَدَارَا:

يَدُ الشَّمَالِ وكَذَا زِمَامُهَا= غَدَاة رِيْحٍ، فَاسْتَوَى تَمَامُهَا(8)

وذَاكَ عِنْدَ العَرَبِ اتِّسَاعُ = إذْ لَهُمُ في كُلِّ مَعْنًى بَاعُ(9)

أَحَاسِنٌ مِنْهَا فَفِي القُرْآنِ = وفِي كَلَامِ الْمُصْطَفَى العَدْنَانِيْ(10)

كَذَاكَ جَاءَتْ في بَدِيْعِ الشِّعْرِ = كَصِفَةِ الَّليْلِ لَدَى (ابْنِ حُجْرِ)(11)

ومِنْ ضُرُوْبِهَا كَذَا: التَّمْثِيْلُ= رَائِدُهُ: فَالْمَلِكُ الضِّلِّيْلُ

وَوَصْفَهُ مَدَامِعَ العُيُونِ = وقَدْحَهَا في مُهْجَةِ الْمَفْتُونِ

مَثَّلَ عَيْنَيْهَا بِسَهْمَيْ مَيْسِرِ = وقَلْبَهُ مِثْلَ عُشُوْرِ الجُزُرِ

أَعْشَارُهَا تَقْدَحُ في أَعْشَارِ = تَمَّمَ تَمْثِيْلاً بِمُسْتَعَارِ(12)

والْمَثَلُ السَّائِرُ بَابٌ عَالِيْ = مِنْ أَوْجُهِ الإحْسَانِ في الْمَقَالِ

أَفْضَلُهُ: مُوْجَزُهُ والْمُحْكَمُ = وصَادِقٌ مِنْهُ إذَا يُتَمَّمُ

يُنْعَتُ بِــ: الشَّارِدِ والشَّرُوْدِ = كَجَمَلٍ مُسْتَصْعَبٍ عَنِيْدِ

وقِيْلَ: ما لَيْسَ لَهُ نَظِيْرُ = ونادِرٌ مَطْلَبُهُ عَسِيْرُ(13)

يَجِيْءُ نَثْرًا ويجيء شِعْرَا = لَكِنَّهُ في الشِّعْرِ أَعْلَى قَدْرَا(14)

قَدْ قُدِّمَ النَّابِغَةُ الذُّبْيَانِيْ = بِضَرْبِهِ الأمْثَالَ في الْمَعَانِيْ

بِالْبَيْتِ، بَلْ بِنِصْفِهِ، بَلْ بِأَقَلْ = فَاتَّبَعَتْهُ الشُّعَرَا فِيْمَا فَعَلْ(15)

وتَحْسُنُ الأمثالُ في الأشعارِ = بِنُبَذٍ ودُوْنمَا إكْثَارِ

ودُوْنَ إِكْرَاهٍ ولَا تَعَسُّفِ = أوْ طَلَبِ البَدِيْعِ والتَّكَلُّفِ(16)

أَحْسَنُ مَنْ قَدْ نَظَمَ الأَمْثَالَا = (إبْنُ الحُسَيْنِ)، فَعَلَا وطَالَا(17)

ومُعْجِزٌ، فَذَاكَ في القرآنِ = لا سِيَّما الطِّوَالُ في البَيَانِ(18)

صَرِيْحُهُ: بِذِكْرِ لَفْظِ الْمَثَلِ = وكَامِنٌ: بِغَيْرٍ لَفْظٍ يَنْجَلِيْ(19)

ثُمَّ الرَّسُوْلُ، وهْوَ أَبْلَغُ البَشَرْ = مِشْكَاةُ نُوْرٍ وهُدًى لِمَنْ ذَكَرْ(20)

ثُمَّتَ أمثالٌ جَرَتْ في الناسِ = واسْتُعْمِلَتْ في القَوْلِ والقِيَاسِ

كَثِيْرَةٌ مَجْمُوعَةٌ مُشْتَهِرَهْ = قَدْ دُوِّنَتْ في الكُتُبِ الْمُعْتَبَرَهْ(21)

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) العرب كثيراً ما تستعمل المجاز، وتعدُّه من مفاخر كلامها؛ فإنه دليل الفصاحة، ورأس البلاغة، وبه بانت لغتها عن سائر اللغات. وهو شَطْرُ الحُسْن، كما ذكر ذلك (الزركشي).

(2) معنى المجاز: طريقُ القول ومَأْخَذُه، وهو مصدر: جُزْتُ مَجَازاً كما تقول " قُمْتُ مَقَاماً "، وقلتُ مَقَالاً". حكى ذلك (الحاتمي).

(3) قال المصنف ــ رحمه الله ــ: "وما عدا الحقائق من جميع الألفاظ ثم لم يكن مُحالاً مَحْضاً فهو مجاز؛ لاحتماله وجوه التأويل، فصار التشبيه والاستعارة وغيرهما من محاسن الكلام داخلة تحت المجاز، إلا أنهم خصوا به أعني اسم المجاز باباً بعينه؛ وذلك أن يُسمى الشيء باسم ما قارَبَه أو كان منه بِسَبَبٍ، كما قال جرير ابن عطية: (إذَا سَقَطَ السَّمَاءُ بِأَرْضِ قَوْمٍ * رَعَيْنَاهُ وإنْ كانوا غِضَابَا)، أراد المطر لقربه من السماء، ويجوز أن تريد بالسماء السحاب؛ لأن كل ما أظلك فهو سماء، وقال "سقط"، يريد سقوط المطر الذي فيه، وقال "رعيناه" والمطر لا يُرْعَى، ولكن أراد النبت الذي يكون عنه؛ فهذا كله مجاز، وكذلك قول العَتَّابي: (يا ليلةً ليْ بِــ(حُوَّارَِيْنَ) ساهرةً * حتى تَكَلَّمَ في الصُّبْحِ العَصَافِيْرُ)، فجعل الليلة ساهرة على المجاز، وإنما يُسْهَر فيها، وجعل للعصافير كلاماً، ولا كلام لها على الحقيقة... ومن أناشيد هذا الباب قول الفرزدق: (والشَّيْبُ يَنْهَضُ في الشَّبَابِ كأنَّهُ * لَيْلٌ يَصِيْحُ بِجَانِبَيْهِ نَهَارُ). وقال يعقوب بن السكيت: العرب تقول: بأرض بني فلان شجر قد صاح؛ إذا طال، وأنشدوا للعجاج: (كَالكَرْمِ إذ نادَى مِنَ الكَافُوْرِ)، قال ابن قتيبة: لما تَبَيَّنَ الشجرُ بطوله ودلَّ على نفسه جعله كأنه صائح؛ لأن الصائح يدل على نفسه بصوته. وأنشد غيره قول سُوَيْد بن كُرَاع في نحو هذا: (رَعَى غَيْرَ مَذْعُورٍ بِهِنَّ، وَرَاقَهُ * لُعَاعُ تَهَادَاهُ الدَّكَادِكُ وَاعِدُ)، يقال: نباتٌ واعد، إذا أقبل كأنه قد وَعَدَ بالتمام، وكذلك إذا نَوَّرَ أيضاً قيل: قد وَعَدَ".
(يظهر من كلام المصنف ـ رحمه الله ـ أنه جعل للمجاز معنى عامّاً رديفًا لمعناه اللغوي، يدخل فيه كل ما عدا الحقائق، ومن ذلك التشبيه والكناية. كما ذكر معناه الخاص؛ لَمَّا قال: إلا أنهم خصوا به أعني اسم المجاز باباً بعينه، ومثّل له، وهو قريب من التعريف المشهور للمجاز ــ بقسميه: اللغوي والعقلي ــ وهو: اللفظ المستعمل في غير ما وُضع له في اصطلاح التخاطب لعلاقة، مع قرينة مانعة من إرادة المعنى الحقيقي. والله أعلم).

(4) من كلام عبد الله بن مسلم بن قتيبة في المجاز قال: (لو كان المجاز كذباً لكان أكثر كلامنا باطلاً؛ لأنّا نقول: نَبَتَ البَقْلُ، وطالت الشجرة، وأينعت الثمرة، وأقام الجبل، ورخُصَ السعر، ونقول: كان هذا الفعل منك في وقت كذا، والفعل لم يكن وإنما يكون، وتقول: كان الله، وكان بمعنى حدث، والله قبل كل شيء، وقال في قول الله عز وجل: " فوَجَدَا فيها جِدَاراً يُرِيْدُ أنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَه " لو قلنا لمنكر هذا كيف تقول في جدار رأيته على شفا انهيار؟ لم يجد بُدّاً من أن يقول: يَهُمُّ أن ينقضَّ، أو يكاد، أو يقارب، فإن فعل فقد جعله فاعلاً، ولا أحسبه يصل إلى هذا المعنى في شيء من ألسنة العجم إلا بمثل هذه الألفاظ).

(5) المجاز في كثير من الكلام أبلغُ من الحقيقة، وأحسنُ موقعاً في القلوب والأسماع. كما قال الرماني: الاستعارة الحسنة (وهي من المجاز): ما أوجبَ بلاغةً، ببيانٍ لا تنوب مَنَابَه الحقيقة، كقول امرئ القيس: (قَيْد الأوَابِد).

(6) قال المصنف ـ معللا إدخاله التشبيه والكناية في المجاز ـ: (وأما كون التشبيه داخلاً تحت المجاز؛ فلأن المتشابهين في أكثر الأشياء إنما يتشابهان بالمقاربة على المسامحة والاصطلاح، لا على الحقيقة، وهذا يبين في بابه إن شاء الله تعالى.
وكذلك الكناية في مثل قوله ــ عز وجل ــ إخبارًا عن عيسى ومريم عليهما السلام: " كانا يأكلان الطعام " كناية عما يكون عنه من حاجة الإنسان..).

(7) الاستعارة أفضل المجاز، وأول أبواب البديع، وليس في حِلَى الشعر أعجبُ منها، وهي من محاسن الكلام إذا وقعتْ مَوْقَعَها، ونزلت موضعها. قال أبو الحسن الرمَّاني: (الاستعارة استعمالُ العبارة على غير ما وُضعت له في أصل اللغة)، وقال القاضي الجرجاني: (الاستعارة ما اكْتُفِيَ فيها بالاسم المستعار عن الأصلي، ونُقلت العبارة فجعلت في مكان غيرها، ومِلَاكُهَا بقرب التشبيه، ومناسبة المستعار للمستعار له، وامتزاج اللفظ بالمعنى حتى لا يوجد بينهما منافرة، ولا يتبين في أحدهما إعراض عن الآخر). وقال قوم آخرون منهم أبو محمد الحسن بن علي بن وكيع: خير الاستعارة ما بَعُدَ، وعلم في أول وَهْلَة أنه مستعار، فلم يدخله لبس، وعاب على أبي الطيب قوله: (وقَدْ مَدَّتِ الخَيْلُ العِتَاقُ عُيونَها * إلى وَقْتِ تَبْدِيْلِ الرِّكَابِ مِنَ النَّعْلِ)؛ إذ كانت الخيل لها عيون في الحقيقة، ورجح عليه قول أبي تمام: (سَاسَ الأمورَ سِيَاسَةَ ابْنِ تَجَاربٍ * رَمَقَتْهُ عَيْنُ الْمُلْكِ وهْوَ جَنِيْنُ)؛ إذ كان الْمُلْك لا عَيْنَ له في الحقيقة. وقال أبو الفتح عثمان بن جني: الاستعارة لا تكون إلا للمبالغة، وإلا فهي حقيقة، قاله في شرح بيت أبي الطيب: (فتىً يملأ الأفعال رأياً وحكمةً * وبادرةً أحْيَانَ يَرْضَى ويَغْضَبُ). وكلام ابن جني أيضاً حَسَنٌ في موضعه؛ لأن الشيء إذا أُعطي وَصْفَ نفسِه لم يُسَمَّ استعارة، فإذا أعطي وصف غيره سمي استعارة، إلا أنه لا يجب للشاعر أن يبعد الاستعارة جداً حتى ينافر، ولا يقربها كثيراً حتى يحقق، ولكن خير الأمور أوساطها. وعلى ذلك مضى جلة العلماء، وبه أتت النصوص عنهم، وإذا استعير للشيء ما يقرب منه ويليق به كان أولى مما ليس منه في شيء، ولو كان البعيد أحسن استعارة من القريب لَمَا استهجنوا قول أبي نواس: (بُحَّ صَوْتُ المَالِ مِمَّا * مِنْكَ يَشْكُو ويَصِيْحُ)، فأي شيء أبعدُ استعارةً من صوت المال؟ فكيف حتى بح من الشكوى والصياح مع ما أن له صوتاً حين يوزن أو يوضع!

(8) قال المصنف: والناس مختلفون فيها (أي في طرائق الاستعارة): منهم من يستعير للشيء ما ليس منه ولا إليه، كقول لبيد: (وغَدَاة رِيْحٍ قَدْ وَزَعْتُ وَقرَّةٍ * إِذْ أَصْبَحَتْ بِيَدِ الشَّمَالِ زِمَامُهَا)، فاستعار للريح الشمال يدًا، وللغَدَاة زِمامًا، وجعل زمام الغداة ليد الشمال؛ إذْ كانت الغالبةَ عليها، وليس اليد من الشمال، ولا الزمام من الغداة. ومنهم من يخرجها مخرج التشبيه، كما قال ذو الرمة: (أقَامَتْ بِهِ حتّى ذَوَى العُوْدُ والْتَوَى * وسَاقَ الثُّرَيَّا في مُلَاءَتِهِ الفَجْرُ)، فاستعار للفجر ملاءة، وأخرج لفظه مخرج التشبيه.. وكان أبو عمرو بن العَلاء لا يرى أن لأحدٍ مثل هذه العبارة، ويقول: ألا ترى كيف صيَّر له ملاءة، ولا ملاءة له، إنما استعار له هذه اللفظة!

(9) الاستعارة عند العرب إنما هي من اتساعهم في الكلام اقتداراً ودالَّة، ليس ضرورة؛ لأن ألفاظ العرب أكثر من معانيهم، وليس ذلك في لغة أحد من الأمم غيرهم، فإنما استعاروا مجازاً واتساعاً.

(10) الاستعارة كثيرة في كتاب الله ــ عز وجل ــ وكلام نبيه ــ صلى الله عليه وسلم: من ذلك قوله تعالى: " لَمَّا طَغَى الماءُ "وقوله: "ولمَّا سَكَتَ عن موسى الغَضَبُ"، وكثيرٌ من هذا لو تُقُصِيَ لطال جداً. وقول النبي ــ صلى الله عليه وسلم ــ: "الدنيا حُلْوَةٌ خَضِرَة" وقوله لحالبٍ حَلَبَ ناقة: "دَعْ دَاعِيَ الَّلبَن" يعني بقيةً من اللبن في الحلب، وقوله: "ربِّ تَقَبَّلْ توبتي، واغْسِلْ حَوْبَتي" فَغَسْلُ الحَوْبة استعارةٌ مليحة.

(11) من أناشيد هذا الباب ــ وهو فيما زعم ابن وكيع أوَّل استعارة وقعت ــ قول امرئ القيس يصف الليل:
ولَيْلٍ كَمَوْجِ البَحْرِ أَرْخَى سُدُوْلَهُ = عَلَيَّ بِأنواعِ الهُمُــومِ لِيَبْتَلِــــيْ
فَقُلْتُ لَـــهُ لَمَّا تَمَطَّـــى بِصُلْبـِــهِ = وَأَرْدَفَ أَعْجَازاً وَنَاءَ بِكَلْكَــــــلِ
فاستعار لليل سدولاً يرخيها، وهو الستور، وصُلْباً يتمطى به، وأعجازاً يردفها، وكلكلاً ينوء به.

وقد ذكر المصنف أمثلة شعرية وافرة للاستعارة المستحسنة، كما ذكر أمثلة من الاستعارات المستهجنة؛ تُراجَع في مواضعها من الكتاب والباب.

(12) قال المصنف: (ومن ضروب الاستعارة: التمثيل، وهو المماثلة عند بعضهم، وذلك أن تمثل شيئاً بشيء فيه إشارة، نحو قول امرئ القيس وهو أول من ابتكره، ولم يأت أملح منه: (وما ذَرَفَتْ عَيْنَاكِ إلَّا لِتَقْدَحِيْ * بِسَهْمَيْكِ في أَعْشَارِ قَلْبٍ مُقَتَّلِ)، فمثَّل عينيها بِسَهْمَي الميْسِر ــ يعني: الْمُعَلَّى، وله سبعة أنصباء، والرقيب، وله ثلاثة أنصباء ــ فصار جميعُ أعشارِ قلبِه للسهمين اللذين مَثَّل بهما عينيها، ومَثَّلَ قلبَه بأعْشَارِ الجزور؛ فتمت له جهات الاستعارة والتمثيل.

(13) قال المصنف: (المثل السائر في كلام العرب كثيرٌ نظماً ونثراً، وأفضلُه أوْجَزُه، وأَحْكَمُه أصْدَقُه، وقولهم: "مَثَلٌ شَرُودٌ وشارِدُ": أي: سائرٌ لا يُرَدُّ كالجمل الصعب الشارد الذي لا يكاد يعرض له ولا يرد. وزعم قوم أن الشرود ما لم يكن له نظير كالشاذ والنادر).

(14) إنما وُزِنَ المثَلُ في الشعر ليكونَ أَشْرَدَ له، وأخَفَّ للنطقِ به.

(15) مثل قوله: (حَلَفْتُ فَلَمْ أتْرُكْ لِنَفْسِكَ رِيْبَةً * ولَيْسَ وَرَاءَ اللهِ لِلْمَرْءِ مَذْهَبُ)، وقوله: (ولَسْتَ بِمُسْتَبْقٍ أخَاً لا تَلُمُّهُ * عَلَى شَعَثٍ، أَيُّ الرجَالِ الْمُهَذَّب).

وقد بسط المؤلف طائفة من الأمثال المضروبة في الشعر على نحو طريقة النابغة في تكثير الأمثال في البيت وتقسيمها، تراجع في موضعها من الكتاب والباب.

(16) قال المصنف: (هذه الأشياء في الشعر إنما هي نُبَذٌ تُستحسن، ونُكَتٌ تُستظرف، مع القلة، وفي الندرة، فأما إذا كثرت فهي دالة على الكلفة، فلا يجب للشعر أن يكون مثلاً كله وحكمة كشعر صالح بن عبد القدوس؛ فقد قعد به عن أصحابه وهو يقدمهم في الصناعة لإكثاره من ذلك، وما نص عليه العلماء في كتبهم، وكذلك لا يجب أن يكون استعارة وبديعًا كشعر أبي تمام... وإنما هرب الحذاق عن هذه الأشياء؛ لما تدعو إليه من التكلف؛ لا سيما إن كان في الطبع أيسر شيء من الضعف والتخلف).

(17) اشتهر أبو الطيب المتنبي بالأمثال، مع جودة نظم وحُسْنِ تَأَتٍّ؛ فانسلكتْ في تضاعيف شعره، وجَرَتْ على ألسنة أكثر الناس.

(18) قد تأتي الأمثال الطوال محكمة إذا تولاها الفصحاء من الناس، فأما ما كان منها في القرآن فقد ضمن الإعجاز، قال الله عز وجل: "مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ"، وقال: "وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَٰكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ ۚ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث ۚ ذَّٰلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا ۚ فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ"، وقال: "مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا ۚ بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ ۚ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ" فهذه أمثال قصار.. وقال: "إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَن يَضْرِبَ مَثَلًا مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا ۚ فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ ۖ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَٰذَا مَثَلًا ۘ يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا ۚ وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ"، ومن الأمثال الطوال قوله تعالى: " ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِّلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ ۖ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ ، " وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِّلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِندَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِن فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ، "وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ" وقال: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالْأَذَىٰ كَالَّذِي يُنفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۖ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا ۖ لَّا يَقْدِرُونَ عَلَىٰ شَيْءٍ مِّمَّا كَسَبُوا ۗ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ ، وقال: "وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّىٰ إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِندَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ ۗ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ"، ثم قال: " أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُّجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ سَحَابٌ ۚ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا ۗ وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ".

(19) تنقسم الأمثال في القرآن قسمين: المثل الصريح : وهو الظاهر والمصرَّح به مثل قوله تعالى: {مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ} [البقرة:17]، فلا يحتاج إلى دليل، كفى بلفظه الصريح دليلا. الثاني : الكامن: وهو الذي لا يذكر في النص لفظ المثل وإنما يكون حكمه حكم الأمثال، كقوله تعالى: {أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} [التوبة:109]، فالمثل هنا يؤخذ من مكنون النص ودلالاته.

(20) من كلام النبي ــ صلى الله عليه وسلم ــ في الأمثال قوله: " كُلُّ الصَّيْدِ في جَوْفِ الفَرَا " قاله لأبي سفيان بن حرب حين أسلم، وقوله: "مَثَلُ المؤمن كمثل الخَامَةِ من الزَّرْعِ تُميلها الريح مَرَّةً هكذا ومرة هكذا، ومثل المنافق مثل الأرْزَةِ الْمُجْذِيَةِ على الأرض حتى يكون انجِعَافُها مرة"، وقوله حين ذكر الدنيا وزينتها فقال: "وإنَّ مِمَّا يُنْبِتُ الرَّبِيْعُ ما يَقْتُلُ حَبَطاً أو يُلِمُّ"، وقوله: "وإيَّاكُمْ وخَضْرَاء الدِّمَن" قيل: وما خضراء الدمن؟ قال: "المرأةُ الحسناء في المَنْبتِ السوء".

(21) كقولهم: "تَسْمَع بالْمُعَيْدِيِّ خيرٌ مِنْ أنْ تَرَاه" يضرب مثلاً للذي رؤيته دون السماع به، وفي كل ما جرى هذا المجرى، وكذلك قولهم: "عَلَى أهْلِها جَنَتْ بَرَاقِش" يضرب مثلاً للرجل يهلك قومه بسببه. وقد صُنفت في ذلك المصنفات الكثيرة المشتهرة. والله أعلم.

أحمد بن يحيى
02-03-2021, 03:20 PM
باب التشبيه:

قِرَانُكَ الشَّيْءَ بِمَا يُنَاسِبُهْ = فَذَلِكَ التَّشْبِيْهُ إذْ تُقَارِبُهْ

بـِ (الْكَافِ) أو (كَأَنَّ)، أو مِثَالِهَا = بِالطَّيِّ للأدَاةِ، أو إرْسَالِها

وَجِهَةٍ تَجْمَعُ في التَّصَوُّرِ = في عَرَضٍ تَكُوْنُ لا في الجَوْهَرِ

بِنِسْبَةٍ بَيْنَهُمَا جُزْئِيَّهْ = كَيْ لا يَكُوْنَهُ عَلَى الكُلِّيَّهْ

كَالبَحْرِ عِلْمًا ونَدَىً ثَجَّاجَا = ولَا تُرِيْدُ مِلْحَهُ الأُجَاجَا(1)

غَايَتُهُ: إِخْرَاجُ مَا قَدْ غَمُضَا = لِوَاضِحٍ بِهِ يُجَلِّيْ غَرَضَا(2)

يَكُوْنُ بِالصُّوْرَةِ أو بِالصِّفَةِ = أو حَالَةٍ زَائِدَةٍ مُفْرَدَةِ

مِثْل وُقُوفِ (المتَنَبِّيْ) هَائِمَا = مِثْلَ الشَّحِيْحِ قَدْ أَضَاعَ خَاتمَا(3)

ومِنْهُ: مَا يُبْنَى بِنَاءَ الْمَصْدَرِ = بِلَا أَدَاةٍ وبِفِعْلٍ مُضْمَرِ(4)

وقِيْلَ في أَفْضَلِهِ الْمُرَادِ: = إِدْنَاؤُكَ الوَصْفَ مِن اتِّحَادِ

بِهِ (ابْنُ حُجْرٍ) شَبَّهَ الجَوَادَا = بِأَرْبَعِ الصِّفَاتِ، قَدْ أَجَادَا(5)

وكَانَ قَبْلُ لَفَّ ثُمَّ نَشَرَا = تَشْبِيْهَ شَيْئَيْنِ بِشيئينِ مَرَى(6)

فَاتَّبَعَتْهُ الشُّعَرَا في الصُّنْعِ: = تَمْثِيْلَ (بَشَّارٍ): مُثَارَ النَّقْعِ...(7)

فَأَكْثَرُوا تَعْدِيْدَهُ تَعَمُّلَا = وأَهْمَلُوا الْمُرَكَّبَ الْمُمَثَّلَا(8)

وقِيْلَ: بَلْ تَقْرِيْبُكَ البَعِيْدَا = بِنِسْبَةٍ تَجْعَلُهُ مَشْهُودَا

إيْضَاحُكَ الْمَعْقُوْلَ بِالْمَحْسُوْسِ = وبَعْثُكَ الْمَعْنَى لَدَى النُّفُوْسِ(9)

بِقَصْدِ إِيْجَازٍ ولِلْمُبَالَغَهْ = في حُجَّةٍ دَامِغَةٍ وبَالِغَهْ

كَالْمُعْجِزِ البَالِغِ في القرآنِ = فَصَّلَهُ في (النُّكَتِ) (الرُّمَّانِيْ)(10)

ومِنْ كَلَامِ الْمُصْطَفَى: بَدِيْعُهُ = مُوْجَزُهُ، مُحْكَمُهُ، رَفِيْعُهُ(11)

ومِنْهُ في الشعرِ كَثِيرٌ يَسْمُو = لا سِيَّما ما قِيْلَ عَنْهَا: العُقْمُ

مِثْلَ عَقِيْمِ الرِّيْحِ لا نِتَاجُ = تَلْقَحُهُ، ولا لها خَرَاجُ

أصْحَابُهَا لم يُسْبَقُوا إليها = ولا تَعَدَّى أَحَدٌ عليها:

(عَنْتَرَةٌ) في صِفَةِ الذُّبَابِ = في هَزْجِهِ، أو صِفَةِ الغُرَابِ

كَذَا (ابْنُ حُجْرٍ) وَصْفَهُ (ثَبِيْرَا) = (نَابِغَةٌ) إذْ يَصِفُ النُّسُوْرَا

(حُطَيْئَةٌ) في صِفَةِ الُّلغَامِ = (شَمَّاخُ) وَصْفَ رِيْشَةِ النَّعَامِ(12)

وغَيْرهَا ــ وإنْ جَفَاهَا بَعْدَهُمْ = مُوَلَّدُوْنَ لم يُسِيْغُوا وِرْدَهُمْ

مَعْ أَنَّها أَقْرَبُ لِلإصَابَةِ = في صِفَةِ الشَّيْءِ، مَعَ الغَرَابَةِ

كَنَعْتِهِمْ لِأَحْسَنِ البَنَانِ = بِدُوْدَةِ الرَّمْلِ عَلَى البَيَانِ

فَتَرَكُوْهَا لِلْمَعَانِي الأُخَرِ: = أَغْصَانَ فِضَّةٍ، وقُضْبَ دُرَرِ

إذْ كُلُّ شِعْرٍ بِالزَّمَانِ أَلْيَقُ = وكُلُّ وَصْفٍ فَلَهُ مُصَدّقُ(13)

ورُبَّما اسْتُكْرِهَ في التَّشْبِيْهِ = غَائِبَةٌ تَظْهَرُ لِلنَّبِيْهِ

(نَابِغَةُ) اسْتَدْرَكَ مِنْهُ (الأصْمَعِيْ) = وَصْفَ السَّقِيْمِ لِلْحَبِيْبِ الأَرْوَعِ

واسْتَبْشَعُوا في صِفَةِ الشَّقَائِقِ = ذِكْرَ الدِّمَاءِ مَعْ رَقِيْقٍ رَائِقِ

مَعْ أَنَّها أَوْقَعُ في البَيَانِ = وغَايَةٌ في الوَصْفِ والتِّبْيَانِ(14)

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) التشبيه: صفة الشيء بما قاربه وشاكله، من جهة واحدة أو جهات كثيرة لا من جميع جهاته؛ لأنه لو ناسبه مناسبة كلية لكان إيّاه، ألا ترى أن قولهم "خَدٌّ كالورد" إنما أرادوا حمرة أوراق الورد وطراوتها، لا ما سوى ذلك من صُفْرة وسطه وخضرة كمائِمِه، وكذلك قولهم " فلان كالبحر، أو كالليث " إنما يريدون كالبحر سَمَاحة وعلماً، وكالليث شجاعة وقرما، وليس يريدون ملوحة البحر وزعوقته، ولا شَتَامة الليث وزهوقته؛ فوقوع التشبيه إنما هو أبداً على الأعراض لا على الجواهر؛ لأن الجواهر في الأصل كلها واحد، اختلفت أنواعها أو اتفقت؛ فقد يشبهون الشيء بسميه ونظيره من غير جنسه، كقولهم "عين كعين المهَاة، وجِيْدٌ كجيد الرِّيْم"، فاسم العين واقع على هذه الجارحة من الإنسان والمهاة، واسم الجيد واقع على هذا العضو من الإنسان والريم، والكاف للمقاربة، وإنما يريدون أن هذه العين لكثرة سوادها قاربت أن تكون سوداء كلها كعين المهاة، وأن هذا الجيد لانتصابه وطوله كجيد الريم، ألا ترى أن الأصمعي سئل عن الحَوَر فقال: أن تكون العين سوداء كلها كعيون الظباء والبقر، ولا حور في الإنسان، هذا أحد أقوال الأصمعي في الحور، ويدلك على أن التشبيه إنما هو بالمقاربة كما قلنا.

(2) قال المصنف ــ رحمه الله ــ : (والتشبيه والاستعارة جميعاً يُخْرِجان الأغمضَ إلى الأوضح، ويقرِّبان البعيد، كما شَرَط الرماني في كتابه، وهما عنده في باب الاختصار. قال: واعلم أن التشبيه على ضربين: تشبيهٌ حسن، وتشبيه قبيح، فالتشبيه الحسن هو الذي يخرج الأغمض إلى الأوضح فيفيد بياناً، والتشبيه القبيح ما كان على خلاف ذلك، قال: وشَرْحُ ذلك أنَّ ما تقع عليه الحاسة أوضحُ في الجملة مما لا تقع عليه الحاسة، والمشاهد أوضح من الغائب؛ فالأول في العقل أوضح من الثاني، والثالث أوضح من الرابع، وما يدركه الإنسان من نفسه أوضح مما يعرفه من غيره، والقريب أوضح من البعيد في الجملة، وما قد أُلِفَ أوضح مما لم يُؤْلَف، ثم عاب على بعض شعراء عصره: (صُدْغُهُ ضِدُّ خَدِّهِ مِثْلُ ما الوَعْــ ... دُ إذا ما اعتبرتَ ضِدُّ الوعيدِ)؛ مِنْ قِبَل أنه شبَّه الأوضح بالأغمض، وما تقع عليه الحاسة بما لا تقع عليه، وكذلك قوله: (وَلَهُ غُرَّةٌ كَلَوْنِ وِصَالٍ * فَوْقَهَا طُرَّةٌ كَلَوْنِ صُدُوْدِ)، وقال في موضع آخر: التشبيه على ضربين والأصل واحد: فأحدهما التقدير، والآخر التحقيق؛ فالذي يأتي على التقدير التشبيه من وجه واحد دون وجه، والذي يأتي على التحقيق التشبيه على الإطلاق، وهو التشبيه بالنفس، مثل تشبيه الغراب بالغراب، وحجر الذهب بحجر الذهب إذا كان مثله سواء، وحمرة شقائق بحمرة الشقائق.
قال المصنف: أما ما شَرَطَ ــ يقصد الرماني ــ في التشبيه فهو الحق الذي لا يُدفع، لا أنه قد حمل على الشاعر فيما أخذ عليه؛ إذ كان قصد الشاعر أن يشبه ما يقوم في النفس دليله بأكثر مما هو عليه في الحقيقة، كأنه أراد المبالغة، ولعله يقول أو يقول المحتج له: معرفة النفس والمعقول أعظم من إدراك الحاسة، لا سيما وقد جاء مثل هذا القرآن وفي الشعر الفصيح: قال الله عز وجل: "طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ"، فقال قوم: إن شجرة الزقوم لها صورة منكرة وثمرة قبيحة يقال لها: رؤوس الشياطين، وقال قوم: الشياطين الحيات في غير هذا المكان، والأجود الأعرف أنه شبه بما لا يشك أنه منكر قبيح؛ لما جعل الله عز وجل في قلوب الإنس من بشاعة صُوَر الجن والشياطين، وإن لم يروها عياناً، فخوفنا تعالى بما أعد للعقوبة، وشبهه بما نخاف أن نراه، وقال امرؤ القيس: (أَيَقْتُلُنِيْ والْمَشْرَفِيُّ مُضَاجِعِيْ * ومَسْنُونَةٌ زُرْقٌ كَأنْيَابِ أَغْوَالِ)، فشبه نصال النَّبْل بأنياب الأغوال لما في النفس منها.

(3) قال القاضي الجرجاني: التشبيه والتمثيل يقع مرة بالصورة والصفة، وأخرى بالحالة والطريقة، اعتذر بذلك عن قول أبي الطيب: (بَلِيْتُ بِلَى الأطلالِ إنْ لَمْ أَقِفْ بها * وُقُوفَ شَحِيْحٍ ضَاعَ في التُّرْبِ خَاتَمُهْ)، إنه إنما أراد وقوفاً خارجاً عن المتعارف. وأنشد: (رُبَّ لَيْلٍ أَمَدُّ مِنْ نَفَسِ العَا ... شِقِ طُوْلاً قَطَعْتُهُ بِانْتِحَابِ).

(4) كقول امرئ القيس: (سَمَوْتُ إليها بَعْدَ ما نامَ أهْلُها * سُمُوَّ حَبَابِ الماءِ حَالاً على حَالِ)، وقوله أيضاً: (إذَا ما الثُّرَيَّا في السماءِ تَعَرَّضَتْ * تَعَرُّضَ أَثْنَاءِ الوِشَاحِ الْمُفَصَّلِ)، يريد كسمو حباب الماء، وكتعرض أثناء الوشاح. وأبدع من هذا عندهم وأغرب قول المنخل اليشكري: (دَافَعْتُها فَتَدَافَعَتْ * مَشْيَ القَطَاةِ إلى الغَدِيْرِ)؛ وإنما بَرَاعته عندهم لَمَّا لم يكن قبله فِعْلٌ من لفظه.

(5) ذكر قدامة بن جعفر أن أفضل التشبيه ما وقع بين شيئين اشتراكهما في الصفات أكثر من انفرادهما، حتى يدنى بهما إلى حال الاتحاد، وأنشد في ذلك وهو عنده أفضل التشبيه كافةً: (لَهْ أَيْطَلَا ظَبْيٍ، وسَاقَا نَعَامَةٍ * وإرْخَاءُ سِرْحَانٍ، وتَقْرِيْبُ تَتْفُلِ).

(6) وذلك قوله في صفة عقاب: (كأنَّ قُلُوبَ الطَّيْرِ رَطْباً ويابِساً * لَدَى وَكْرِهَا العُنَّابُ والحَشَفُ البَالِيْ)، وفيه ما يُسمى في البديع باللفِّ والنَّشْر، قال المبرد: فإن اعترض معترض فقال: فهلَّا فصَّل فقال: كأنه رطبًا العنابُ، وكأنه يابسًا الحشف. قيل: العربي الفصيح الفطن يرمي بالكلام مفهومًا ويرى ما بعد ذلك من التكرير عيّاً، قال ــ جل وعز ــ وله المثل الأعلى: " وَمِن رَّحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِه "، علمًا بأنَّ المخاطبين يعرفون وقت السكون ووقت الاكتساب.

(7) وكان امرؤ القيس أول من شبه شيئين بشيئين في بيت واحد، واتبعه الشعراء في ذلك؛ فقال لبيد ابن ربيعة: (وجَلَا السُّيُولُ عَنِ الطُّلُولِ كأنَّها * زُبُرٌ تُجِدُّ مُتُونَهَا أقْلامُهَا)، فشبه الطلول بالزبر والسيول بالأقلام، بل زاد فشبه جلاء هذه عن هذه بتجديد تلك لتلك. وحُكي عن بشار أنه قال: ما قرَّ بي القرار مذ سمعت قول امرئ القيس: ( كأن قلوب الطير رطباً ويابساً) حتى صنعت: (كأنَّ مُثَارَ النَّقْعِ فَوْقَ رؤوسِنا *وأسْيَافَنَا لَيْلٌ تَهَاوَى كَوَاكِبُهْ).

(8) تمادى الشعراء المتأخرون في تعديد التشبيه بطريق الصنعة، فشبهوا ثلاثة بثلاثة، وأربعة بأربعة، وخمسة بخمسة، وأهملوا في صنيعهم هذا الأصلَ في جمالية التشبيه؛ بما فيه من تمثيل وتركيب صورة. وقد ذكر المصنف أمثلة كثيرة على هذا النوع من التشبيه المتعدد؛ تراجع ــ لمن أراد الاستزادة ــ في موضعها من الكتاب.

(9) قال المصنف: (وسبيل التشبيه ــ إذ كانت فائدته إنما هي تقريب المشبه من فهم السامع، وإيضاحه له ــ أنْ تشبه الأدْوَنَ بالأعلى إذا أردت مدحه، وتشبه الأعلى بالأدون إذا أردت ذمه.. لأن المراد في التشبيه ما قدمته من تقريب الصفة وإفهام السامع، وإن كان ما شابه الشيء من جهة فقد شابهه الآخر منها، إلا أن المتعارف وموضوع التشبيه ما ذكرت.

(10) في القرآن تشبيه كثير، كقوله تعالى: " وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّىٰ عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ "، وقوله تعالى: " وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّىٰ إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِندَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ ۗ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ " وقوله: "وَإِذَا غَشِيَهُم مَّوْجٌ كَالظُّلَلِ " وقوله: " كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُّنتَشِرٌ ". وقد أحسن أبو الحسن الرماني في كتابه: (النُّكَت في إعجاز القرآن) البيان عن تشبيهات القرآن في ضوء تقسيمات التشبيه التي ذكرها (وللاستزادة: يُراجع الكتاب المذكور: باب التشبيه ـ ضمن ثلاث رسائل في إعجاز القرآن).

(11) ومن كلام النبي ــ صلى الله عليه وسلم ــ: "إنَّ الْمُؤْمِنَ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا. وشَبَّكَ أصَابِعَهُ" وقال: "إِيَّاكُمْ وَالْحَسَدَ فَإِنَّ الْحَسَدَ يَأْكُلُ الْحَسَنَاتِ كَمَا تَأْكُلُ النَّارُ الْحَطَبَ". وكثير من هذا يطول تقصيه.

(12) من التشبيهات عُقْمٌ لم يُسبق أصحابها إليها، ولا تعدى أحدٌ بعدهم عليها، واشتقاقها فيما ذكر من الريح العقيم، وهي التي لا تلقح شجرة ولا تنتج ثمرة، نحو قول عنترة العبسي يصف ذباب الروض:

وخَلَا الذُّبَابُ بها فَلَيْسَ بِبَارِحٍ = غَرِداً كَفِعْلِ الشَّـارِبِ الْمُتَرَنـِّــمِ
هَزِجاً يَحُكُّ ذِرَاعَــهُ بِذِراعِـــهِ = قَدْحَ الْمُكِبِّ عَلَى الزِّنَادِ الأَجْذَمِ
وقوله أيضاً في صفة الغراب: (خَرِقُ الجَناحِ كَأَنَّ لِحْيَيْ رَأسِهِ* جَلَمَانِ بِالأَخيارِ هَشٌّ مُولَعُ)
وقال الحطيئة يصف لغام ناقته: (تَرى بين لَحْيَيْها، إذا ما تَرَغَّمَتْ، لُغَاماً كَبَيْتِ العَنْكَبُوتِ الْمُمَدَّدِ)
وقال الشمَّاخ يصف آثار ريش نعامة: (كأنما مُنْثَنِيْ أقْمَاعِ ما مَرَطَتْ * مِنَ الْعَفَاءِ بِلِيْتَيْهَا الثآلِيْلُ)،
وقول عدي بن الرِّقَاع يصف قَرْن ظَبْي: (تُزْجِيْ أَغَنَّ كأنَّ إبْرَةَ رَوْقِهِ * قَلَمٌ أَصَابَ مِنَ الدَّوَاةِ مِدَادَهَا). ويدخل فيها قول امرئ القيس: (كَأَنَّ ثَبِيْـراً فِي عَرَانِيْـنِ وَبْلِـهِ * كَبِيْـرُ أُنَاسٍ فِي بِجَـادٍ مُزَمَّـلِ).

(13) قال المصنف: وقد أتت القدماء بتشبيهات رغب المولدون إلا القليل عن مثلها استبشاعاً لها، وإن كانت بديعة في ذاتها، مثل قول امرئ القيس: (وَتَعْطُـو بِرَخْصٍ غَيْرِ شَثْنٍ كَأَنَّــهُ * أَسَارِيعُ ظَبْيٍ أَوْ مَسَاوِيكُ إِسْحِـلِ)، فالبنانة لا محالة شبيهة بالأسروعة، وهي دودة تكون في الرمل، وتسمى جماعتها بنات النقا، وإياها عنى ذو الرمة بقوله: (خَرَاعِيْبُ أَمْثَالٌ كأنَّ بَنَانَها * بَنَاتُ النَّقَا تَخْفَى مِرَاراً وتَظْهَرُ)، فهي كأحسن البنان: ليناً، وبياضاً، وطولاً، واستواءً، ودقة، وحمرة رأس، كأنه ظفر قد أصابه الحناء، وربما كان رأسها أسود، إلا أنَّ نَفْسَ الحضري المولد إذا سمعت قول أبي نواس في صفة الكأس: ( تُعَاطِيْكَهَا كَفٌّ كَأَنَّ بَنَانَها. إِذا اعْتَرَضَتْها العَيْنُ صَفُّ مَدَارِي)، أو قول علي بن العباس الرومي: (أَشَارَ بِقُضْبَانٍ مِنَ الدُّرِّ قُمِّعَـتْ * يَوَاقِيْتَ حُمْراً فَاسْتَبَـاحَ عَفَافِـي)، وقول عبد الله بن المعتز: (أَشَرْنَ عَلَى خَوْفٍ بأغصانِ فِضَّةٍ * مُقَوَّمَةً أَثْمَارُهُنَّ عَقِيْقُ)؛ كان ذلك أحب إليها من تشبيه البنان بالدود في بيت امرئ القيس، وإن كان تشبيهه أشَدَّ إصابة. وفي قول الطائي أبي تمام: (بَسَطَتْ إليكَ بَنَانَةً أُسْرُوْعَا * تَصِفُ الفِرَاقَ ومُقْلَةً يَنْبُوعَا)، وقرب هذا عنده وهو مدح من قول حسان في الهجو: (وأُمُّكَ سَوْدَاءُ نُوْبِيَّةٌ * كأنَّ أنَامِلَهَا الْحُنْظُبُ)، إذ كانا جميعاً من خَشَاشِ الأرض. فأما قول امرئ القيس: (أو مساويك إسحل) فجارٍ مجرى غيره من تشبيهاتهم؛ لأنهم يصفونها بالعَنَم والأقلام وما أشبه ذلك، والبنان قريب الشبه من أعواد المساويك: في القدر، والاستواء، والإملاس، إلا أن الأول على كراهته أشبه بها.

(14) عاب الأصمعي بين يدي الرشيد قول النابغة: (نَظَرَتْ إليكَ بحاجةٍ لم تَقْضِهَا * نَظَرَ السَّقِيمِ إلى وُجُوهِ العُوَّدِ)، على أنه تشبيه لا يُلحق، ولا يشق غبار صاحبه، ولم يجد فيه المطعن إلا بذكر السقيم؛ فإنه رغب عن تشبيه المحبوبة به، وفضل عليه قول عدي بن الرقاع العاملي:
وكأنَّها وَسَـطْ النِّسـاءِ أَعَارَهَـا = عَيْنَيْهِ أَحْوَرُ مِنْ جَآذِرِ جَاسِمِ
وَسْنَاْنُ أَقْصَدَهُ النُّعَاسُ فَرَنَّقَتْ = في عَيْنِـهِ سِنَـةٌ ولَيْسَ بِنَائـِـمِ
كما استبشع قومٌ قول الآخر يصف رَوْضاً: (كأنَّ شَقَائِقَ النُّعْمَانِ فِيْهِ * ثِيَابٌ قَدْ رَوِيْنَ مِنَ الدِّمَاءِ)
فهذا وإنْ كان تشبيهاً مصيباً فإنَّ فيه بشاعة ذكر الدماء، ولو قال من العصفر مثلاً أو ما شاكله لكان أوْقَعَ في النفس وأقرب إلى الأنس. والله أعلم.

أحمد بن يحيى
04-03-2021, 05:16 PM
باب الإشارة، ومعه باب التتبيع:

وَمِنْ عَجِيْبِ الشِّعْرِ: فَالإشَارَهْ = بِلَمْحَةٍ تَكُوْنُ في العِبَارَهْ

بِمُجْمَلٍ يُعْرَفُ: لَا مِنْ ظَاهِرِ = في الَّلفْظِ، بَلْ مِنْ مُسْتَكِنٍّ غَائِرِ(1)

كَقَائِلٍ في لَبَنٍ بِالْمَا خُلِطْ: = (جاءُوا بِمَذْقٍ هَلْ رَأَيْتَ الذِّئْبَ قَطّ)

أَشَارَ لِلَّوْنِ عَلَى التَّشْبِيْهِ = إشَارَةً تُغْنِيْ لَدَى النَّبِيْهِ(2)

ومِنْ إشَارَةٍ كَذَا: التَّفْخِيْمُ = لِكُلِّ أَمْرٍ شَأَنُهُ عَظِيْمُ

في الذِّكْرِ مِنْهُ: فَافْتِتَاحُ (الْقَارِعَهْ) = لِلْقَلْبِ والسَّمْعِ فَتِلْكَ قَارِعَهْ

إشَارَةٌ بِـ(مَا) عَلَى اسْتِفْهَامِ = أَفَادَ تَهْوِيْلاً مَعَ اسْتِعْظَامِ(3)

ورُبَّما جاءتْ بِمَعْرِضِ الصِّلَهْ = إيْمَاءةً تُغْنِي عَنِ التَّفْسِيرِ لَهْ

كَقَوْلِهِ: (خَلَّفْتِ مَا خَلَّفْتِ) = بَيْنَ جَوَانِحِيْ، فَمَا أَنْصَفْتِ

أَوْمَى بِهَا (كُثَيِّرٌ) إيْمَاءَا = فَبَسَطَ الْمَعْنَى بِحَيْثُ شَاءَ(4)

كَذَا إشَارَةٌ مَعَ التَّعْرِيْضِ = مَدْحًا وذَمَّاً، مِنْهُ في القَرِيْضِ:

تَعْرِيْضُ (كَعْبٍ) بـِ (قُرَيْشٍ) مَادِحَا = وقِيْلَ بِالأنْصَارِ ــ أَيْضا ــ قَادِحَا

في البُرْدَةِ السَّائِرَةِ الْمَشْهُوْرَهْ = وقِصَّةٍ قَدْ ذُكِرَتْ مَأثُوْرَهْ

فَغَضِبَ الأنصارُ والْمُهَاجِرَهْ = مِنْ قِسْمَةٍ عَلَى الجَمِيْعِ جَائِرَهْ(5)

ومِنْ ضُرُوبِهَا كَذَا: التَّلْوِيْحُ = يَسُوْقُهُ ذُو الْمِقْوَلِ الفَصِيْحُ

كَمِثْلِ مَا جاءَ بِهِ (الذُّبْيَانِيْ) = في صِفَةِ الَّليْلِ مِنَ البَيَانِ

إذْ قَصَدَ الصُّبْحَ بِذَاكَ الرَّاعِيْ = نُجُوْمَهُ، كَمِثْلِ فِعْلِ الرَّاعِيْ(6)

كِنَايَةٌ كَذَا تَجِيْءُ مَثَلَا = وَعَنْ خَسِيْسِ لَفْظَةٍ قَدْ عُدِلَا

مِثْل الجُلُوْدِ قَدْ أَتَتْ كِنَايَهْ = عَنِ الفُرُوْجِ، في أَتَمِّ غَايَهْ(7)

ومِثْلُ ذَا يَكْثُرُ في القُرْآنِ = لأنَّهُ روْحٌ مِنَ البَيَانِ

وقَدْ يُوَرُّوْنَ عَنِ النِّسَاءِ = بِالشَّاءِ، والبَيْضِ، وبِالظِّبَاءِ

حِيَاطَةً لَهُنَّ في تَكَرُّمِ = وغَيْرَةً على مَقَامِ الْحُرَمِ(8)

ومِنْ إشَارَةٍ كَذَاكَ: الَّلحْنُ = في القَوْلِ: فَحْوَاهُ وَلَيْسَ الْمَتْنُ

فِعْلَ (مُهَلْهِلٍ) مَعَ الْعَبْدَيْنِ = وقَوْلَهُ: (مَنْ مُبْلِغِ الْحَيَّيْنِ...

فَعَرَفَتْ إِبْنَتُهُ مُرَادَهْ = فَأَبْلَغَتْ وَصَاتَهُ الْمُرَادَهْ(9)

ورُبَّما جِيْءَ بِهَا لِلتَّعْمِيَهْ = مُلْغزَةً عَلَى سَبِيْلِ الأُحْجِيَهْ

كَقَوْلِهِمْ: صَارَ فُلَانٌ كَلْبَا = ثُمَّ غَزَالاً صَارَ. حُلَّ صَعْبَا(10)

ومِنْ إشَارَةٍ كَذَا: إيْمَاءُ = بِالطَّرْفِ والرَّأْسِ، بِهَا غَنَاءُ

وذَاكَ مَعْدُوْدٌ مِنَ البَيَانِ = ذَكَرَهُ (الجَاحِظُ) و(الرُّمَّانِيْ)(11)

ومِنْ إشَارَةٍ كَذَا: التَّتْبِيْعُ = تَجَاوُزُ الشَّيْءِ لَهُ تَبِيْعُ

في صِفَةٍ بِمَا يَنُوْبُ عَنْهَا = دَلَالَةً عَلَى الْمُرَادِ مِنْهَا

وَصْفَ (امْرِئِ الْقَيْسِ) لِذَاتِ نعْمَةِ = مُتْرَفَةٍ مَكْفِيَّةٍ في الخِدْمَةِ

تُضْحِيْ فَتِيْتُ الْمِسْكِ في فِرَاشِهَا = لَمْ تَنْتَطِقْ سَعْيًا إلى مَعَاشِهَا(12)

فَهَذِهِ مَحَاسِنٌ لِلشِّعْرِ = وَمُلَحٌ تَفُوْقُ حَدَّ الْحَصْرِ

تَشْبِيْهٌ، اسْتَعَارَةٌ، كِنَايَهْ = أُصُوْلُهُ، بِهَا تُنَالُ الغَايَهْ

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الإشارة من غرائب الشعر ومُلَحه، وبلاغةٌ عجيبة، تدل على بُعْد المرمى وفَرْط المقدرة، وليس يأتي بها إلا الشاعر المبرز، والحاذق الماهر، وهي في كل نوع من الكلام لمحةٌ دالَّة، واختصار وتلويح يُعرف مجملاً، ومعناه بعيد من ظاهر لفظه.

(2) مما جاء في الإشارة على معنى التشبيه قول الراجز يصف لَبَناً ممذوقاً: (جاءُوا بِمَذْقٍ هَلْ رَأَيْتَ الذِّئْبَ قَطّ)، فإنما أشار إلى تشبيه لونه؛ لأن الماء غلب عليه فصار كلون الذئب.

(3) من أنواع الإشارة: التفخيمُ، ومثاله قوله تعالى: "الْقَارِعَةُ مَا الْقَارِعَة"، فقد جاء الاستفهام على جهة التفخيم والتهويل لشأنها العظيم.

(4) قال كُثَيِّر: (تَجَافَيْتِ عَنِّيْ حِيْنَ لا لِيَ حِيْلَةٌ * وخَلَّفْتِ مَا خَلَّفْتِ بَيْنَ الجَوَانِحِ)، فقوله: (وخَلَّفْتِ مَا خَلَّفْتِ) إيماءٌ مَلِيح.

(5) من أنواع الإشارة: التَّعْرِيْضُ: كقول كعب بن زهير لرسول الله ــ صلى الله عليه وسلم: (في فِتْيَةٍ مِنْ قُرَيْشٍ قَالَ قائِلُهُمْ * بِبَطْنِ مَكَّةَ لَمَّا أَسْلَمُوا زُوْلُوا)، فعرَّض بعمر بن الخطاب ــ وقيل: بأبي بكر رضي الله عنهما، وقيل: برسول الله صلى الله عليه وسلم ــ تعريضَ مدحٍ، ثم قال: (يَمْشُوْنَ مَشْيَ الجِمَالِ الزُّهْرِ يَعْصِمُهُمْ * ضَرْبٌ إذَا عَرَّدَ السُّوْدُ التَّنَابِيْلُ)، فقيل: إنه عرَّض في هذا البيت بالأنصار، فغضبت الأنصار، وقال المهاجرون: لم تمدحنا إذ ذممتهم، حتى صرَّح بمدحهم في أبيات يقول فيها: (مَنْ سَرَّهُ كَرَمُ الحَيَاةِ فَلَا يَزَلْ * في مِقْنَبِ مِنْ صَالِحِي الأنصارِ).

(6) من أنواع الإشارة: التَّلْوِيْحُ، ومن أجود ما وقع في هذا النوع قول النابغة يصف طول الليل: (تَقَاعَسَ حَتَّى قُلْتُ: لَيْسَ بِمُنْقَضٍ * وَلَيْسَ الَّذِيْ يَرْعَى النُّجُوْمَ بِآيِبِ)."الذي يرعى النجوم" يريد به الصبح، أقامه مقام الراعي الذي يغدو فيذهب بالإبل والماشية؛ فيكون حينئذ تلويحه هذا عجبًا في الجودة، وأما من قال: إن الذي يرعى النجوم إنما هو الشاعر الذي شكا السهر وطول الليل؛ فليس على شيء. وزعم قوم أنّ الآيب لا يكون إلا بالليل خاصة، ذكره عبد الكريم.

(7) من أوجه الكناية: الرغبة عن اللفظ الخسيس كقول الله عز وجل: "وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا"، فإنها فيما ذُكِر كنايةٌ عن الفروج. ومثله في القرآن وفي كلام الفصحاء كثير.

(8) وعلى هذا المتعارف في الكناية جاء قول الله عز وجل في إخباره عن خصم داود عليه السلام: "إِنَّ هَٰذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ"، كناية بالنعجة عن المرأة، وقال امرؤ القيس: (وبَيْضَةِ خِدْرٍ لا يُرَامُ خِبَاؤُهَا * تَمَتَّعْتُ مِنْ لَهْوٍ بِهَا غَيْرَ مُعْجَلِ)، كناية بالبيضة عن المرأة.

(9) من الإشارات: اللَّحْنُ، وهو كلام يعرفه المخاطَب بفحواه، وإن كان على غير وجهه، قال الله تعالى: " وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ". ومن أمثلته: قول مهلهل لما غدره عبداه وقد كبرت سنه وشقّ عليهما ما يكلفهما من الغارات وطلب الثارات، فأرادا قتله، فقال: أوصيكما أن ترويا عني بيت شعر، قالا: وما هو؟ قال: (مَنْ مُبْلِغِ الْحَيَّيْنِ أَنَّ مُهَلْهِلاً * لله دَرُّكُمَا ودَرُّ أبِيْكُمَا)، فلما زعما أنه مات قيل لهما: هل أوصى بشيء؟ قالا: نعم، وأنشدا البيت المتقدم، فقالت ابنته: عليكم بالعبدين فإنما قال أبي:
مَنْ مُبْلِغِ الْحَيَّيْنِ أَنَّ مُهَلْهِلاً = أَمْسَى قَتِيلاً بِالفَلَاةِ مُجَنْدَلا
لله دَرُّكُمَـــا ودَرُّ أبِيْكُمَــــــــا = لا يبرح العَبْدانِ حتى يُقْتَلا
فاسْتَقَرُّوا العبدين فأقرَّا أنهما قتلاه، ورُويت هذه الحكاية لمُرَقِّش.

(10) من أخفى الإشارات وأبعدها: اللغز، وهو: أن يكون للكلام ظاهر عجب لا يمكن، وباطن ممكن غير عجب، ومنه: قول أبي المقدام: (وَغُلَامٍ رأيته صَارَ كَلْباً * ثُمَّ مِنْ بَعْدِ ذَاكَ صَارَ غَزَالا)، فقوله: "صار" إنما هو بمعنى: عَطَفَ وما أشبهه، من قول الله ــ عز وجل: "فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ"، ومستقبله: "يَصُوْرُ"، وقد قيل: "يَصِيْر" وهي لغة قليلة، وليس "صار" التي هي من أخوات "كان" مستقبلها: "يصير" فقط، ومعناها: استقرَّ بعد تحوُّل.

(11) قالوا: مبلغ الإشارة أبلغ من مبلغ الصوت، فهذا باب تتقدم الإشارة فيه الصوت، وقيل: حسن الإشارة باليد والرأس من تمام حسن البيان باللسان، جاء بذلك الرماني نصاً، وقاله الجاحظ.

(12) من أنواع الإشارة: التَّتْبِيْعُ، وقومٌ يسمونه: التجاوز، وهو: أن يريد الشاعر ذكر الشيء فيتجاوزه، ويذكر ما يتبعه في الصفة وينوب عنه في الدلالة عليه، وأول من أشار إلى ذلك امرؤ القيس يصف امرأة: (وَيُضْحِيْ فَتِيْتُ الْمِسْكِ فَوْقَ فِرَاشِهَا * نَؤُوْمُ الضُّحَى لَمْ تَنْتَطِقْ عَنْ تَفَضُّلِ)، فقوله: "ويضحي فتيت المسك" تتبيع، وقوله: "نؤوم الضحى" تتبيع ثان، وقوله: "لم تنتطق عن تفضل " تتبيع ثالث، وإنما أراد أن يصفها بالترفُّه، والنعمة، وقلة الامتهان في الخدمة، وأنها شريفة مَكْفِيَّة المؤونة، فجاء بما يتبع الصفة ويدل عليها أفضل دلالة.
(استطرد المصنف بذكر كثير من أمثلة هذا النوع ، تُراجع في موضعها من الكتاب).

والله أعلم.

أحمد بن يحيى
06-03-2021, 12:33 PM
باب التجنيس، ومعه باب الترديد:

تَجْنِيْسُ، أَوْ فَسَمِّهِ: الْجِنَاسَا = أَلَّفَ فِيْهِ (الأَصْمَعِي): (الأَجْنَاسَا)

و(إِبْنُ مُعْتَزٍّ) لَهُ قَدْ ذَكَرَا = مُحَرِّرًا مَعْنَاهُ فِيْمَا حَرَّرَا(1)

مُشْتَبِهٌ في لَفْظِهِ، مُخْتَلِفُ = في صُوْرَةِ الْمَعْنَى، كَمَا قَدْ عَرَّفُوا

لَهُ ضُرُوْبٌ عِدَّةٌ وطُرُقُ= كَثِيْرَةٌ، وأَصْلُهَا مُتَّفِقُ

أَوَّلُهَا وأَصْلُهَا: الْمُمَاثَلَهْ = لأنَّها في الْحَدِّ مِنْهُ مَاثِلَهْ

فَلَفْظَةٌ واحِدَةٌ، ومَعْنَى = مُفْتَرِقٌ وإنْ تَسَاوَى الْمَبْنَى

لِذَاكَ سَمَّوْهُ بِذَا: الْمُسْتَوْفَى = لأنَّهُ حَدَّ البِنَاءِ اسْتَوْفَى

فَأَنْشَدُوا فِيْهِ بِلَفْظٍ فَاتَّفَقْ: = (عَوْدٌ عَلَى عَوْدٍ عَلَى عَوْدٍ خَلَقْ)

مُخْتَلِفٌ مَعْنَاهُ: شَيْخٌ، جَمَلُ = دَرْبٌ كَثِيْرٌ وَطْؤُهُ مُذَلَّلُ(2)

كَذَاكَ مِنْ ضُرُوْبِهِ: الْمُحَقَّقُ = وفِي اشْتِقَاقٍ قِيْلَ فَهْوَ: الْمُطْلَقُ

مُتَّفِقٌ حَرْفًا ولَيْسَ مَعْنَى = ولَا يُسَاوِيْهِ ــ كَذَاكَ ــ مَبْنَى

كَمِثْلِ أَنْفٍ وتَقُوْلُ أَنَفُ = مَبْنَاهُ والْمَعْنَى كَذَا مُخْتَلِفُ(3)

ومِنْ ضُرُوْبِهِ كَذَا: الْمُضَارِعُ = ونَاقِصًا سَمَّوْهُ؛ فَهْوَ وَاقِعُ:

بِنَقْصِ أَحْرُفٍ أَوِ الزِّيَادَةِ = تَبْدِيْلِ تَرْتِيْبٍ مَعَ الإِفَادَةِ

مِنْهُ: (صَفَا) صَارَتْ إلى (صَفَائِحِ) = كَذَا (صَحَائِفٌ) إلى (صَفَائِحِ)

والأَصْلُ في اشْتِقَاقِهِ: التَّقَارُبُ = في مَخْرَجِ الحَرْفِ، كَذَا التَّصَاقُبُ

(يَنْهَوْنَ، يَنْأَوْنَ)، فَذَا مِثَالُهُ = قَدْ عَزَّ في كَلَامِهِمْ مِثَالُهُ(4)

ومِنْ ضُرُوْبِهِ كَذَا: الْمُنْفَصِلُ = في كِلْمَتَيْنِ ثَمَّ إذْ تَنْفَصِلُ

كَـ: نَاظِرَاهُ ثَمَّ، أَوْ دَعَانِيْ = أَمُتْ بِمَا عَيْنَاهُ أَوْدَعَانِيْ(5)

ومِنْ ضُرُوْبِهِ كَذَا: الْمُضَافُ = لِوَاحِدٍ جِنْسَاهُمَا يُضَافُ

مِثَالُهُ: فَقَمَرُ التِّمَامِ = لَيْلُ التِّمَامِ، صِلْ عَلَى انْضِمَامِ(6)

والْحُسْنُ في الجِنَاسِ: في إفَادَتِهْ = بِلاَ تَكَلُّفٍ، مَعَ اسْتِجَادَتِهْ

يُعِيْنُ فِيْهِ الطَّبْعُ والقَرِيْحَهْ = بِنِسْبَةٍ قَدْ عُدِّلَتْ صَحِيْحَهْ

فَإِنْ جَفَا الطَّبْعُ، فَذَاكَ: البَارِدُ = لَيْسَ لَهُ مَعْنًى يُفِيْدُ زَائِدُ

كَثِيْرُهُ فَذَاكَ مِنْ فَرَاغِ = وإنَّما البَالِغُ: ذُو البَلَاغِ(7)

ومِنْ حِلَى الَّلفْظِ كَذَا: التَّرْدِيْدُ = يَزِيْدُ في الْمَعْنَى بِمَا يَزِيْدُ:

تَعْلِيْقُكَ الَّلفْظَ بِمَعْنًى أَوَّلِ = تَرُدُّهُ بِعَيْنِه لِمَا يَلِي(8)

كَمِثْلِ: (أَسْبَاب)؛ بِمَا قَدْ عُلِّقَتْ: = إلى الْمَنَايَا والسَّمَاءِ أُسْنِدَتْ

وذَاكَ في بَيْتِ (زُهَيْرٍ) شُهِرَا = بِحِكْمَةٍ سَائِرَةٍ بَيْنَ الوَرَى(9)

وَرُبَّ تَرْدِيْدٍ يَجِيْءُ مُثْقَلَا = مِثْل (أبي الطَّيِّبِ): فِيْمَا قَلْقَلَا(10)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) ابن المعتز هو أول من نحا هذا النحو وجمعه في كتابه: (البديع)، فقال في التجنيس: (هو أن تجيء الكلمة تُجانِس أُخرى في بيت شعر وكلام، ومجانستها لها أن تشبهها في تأليف حروفها على السبيل الذي ألف الأصمعي كتاب الأجناس عليها. قال الخليل: الجنسُ لكلِّ ضَرْبٍ من الناس والطير والعروض والنحو، فمنه: ما تكون الكلمة تُجانس أخرى في تأليف حروفها ومعناها ويشتق منها، مثل قول الشاعر: ( يَوْمٌ خَلَجْتَ على الخَلِيْجِ نُفُوسَهُمْ)، أو يكون تجانسها في تأليف الحروف دون المعنى مثل قول الشاعر: (إنَّ لَوْمَ العاشِقِ اللُّوْمُ). قال الله تعالى: {وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}، وقال ــ سبحانه ــ: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ} وقال رسول الله ــ صلى الله عليه وسلم ــ: "عُصَيَّةُ عَصَتِ الله، وغِفَارٌ غفر الله لها". وقال: "الظُّلْمُ ظُلُمَات"..).

(2) التجنيس ضروب كثيرة: منها المماثلة، وهي: أن تكون اللفظة واحدة باختلاف المعنى، ومثاله: ما أنشده أبو عمرو بن العلاء: (عَوْدٌ عَلَى عَوْدٍ عَلَى عَوْدٍ خَلَقْ)، وقال: الأولُ الشَّيْخُ، والثاني: الجَمَلُ الْمُسِنُّ، والثالث: الطريقُ القويم قد ذُلِّلَ بكثرة الوطء عليه. فهذا وما شاكله التجنيس المحقق، والجرجاني يسميه المستوفى.

(3) التجنيس الْمُحَقَّقُ: ما اتفقت فيه الحروف دون الوزن، رجع إلى الاشتقاق أو لم يرجع، نحو قول أحد بني عَبْس: (وَذَلِكُمْ أَنَّ ذُلَّ الجَارِ حَالَفَكُمْ * وأنَّ أَنْفَكُمُ لا يَعْرِفُ الأَنَفَا)، فاتفقت الأنْفُ مع الأنَفِ في جميع حروفهما دون البناء، ورَجَعا إلى أصلٍ واحد، هذا عند قدامة أفضل تجنيس وقع، ومثله في الاشتقاق قول جرير ــ والجرجاني يسميه التجنيس الْمُطْلَق، قال: وهو أشهر أوصافه: (وما زال مَعْقُولاً عِقَالٌ عَنِ النَّدَى * وما زال مَحْبُوساً عَنِ الخَيْرِ حَابِسُ)، وقال جرير أيضاً، وفيه المضارعة والمماثلة والاشتقاق، وأنشده ابن المعتز: (تَقَاعَسَ حتى فَاتَهُ الْمَجْدُ فَقْعَسٌ * وأَعْيَا بَنُوْ أَعْيَا وضَلَّ الْمُضَلَّلُ).

(4) مما هو قريب من النوع السابق: نوع يسمونه: الْمُضَارَعَة، وهو على ضروب كثيرة: منها أن تزيد الحروف وتنقص، نحو قول أبي تمام ــ والجرجاني يسميه التجنيس الناقص ــ: (يَمُدُّوْنَ مِنْ أَيْدٍ عَوَاصٍ عَوَاصِمِ)، وهما سواء لولا الميم الزائدة. وكذلك قوله: (قواض قواضب) سواء لولا الباء، ومع ذلك فإن الباء والميم أختان. ومثلُه قولُ البحتري: (فَيَا لَكَ مِنْ حَزْمٍ وعَزْمٍ طَوَاهُمَا * جَدِيْدُ الْبِلَى تَحْتَ الصَّفَا والصَّفَائِحِ). ومنها أن تتقدم الحروف وتتأخر، كقول الطائي: (بِيْضُ الصَّفَائِحِ لا سُوْدُ الصَّحَائِفِ، في * مُتُوْنِهِنَّ جَلَاءُ الشَّكِ والرِّيَبِ)، فقوله "الصفائح، لا سود الصحائف" هو الذي أردت. ومن المضارعة بالتصحيف ونقص الحروف قول البحتري يمدح المعتز بالله: (وَلَمْ يَكُنِ الْمُغْتَرُّ بالله إذْ سَرَى * لِيُعْجِزَ والْمُعْتَزُّ بالله طَالِبُهْ). وأصل المضارعة: أن تتقارب مخارج الحروف، وفي كلام العرب منه كثير غير متكلف، والمحدثون إنما تكلفوه؛ فمن المعجز قول الله ــ عز وجل ــ: "وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ".

(5) أحدث المولدون تجانساً منفصلاً يظهر أيضا في الخط، كقول أبي الفتح البُسْتي: (ناظِرَاهُ فِيْمَا جَنَى ناظِرَاهُ* أوْ دَعَانِيْ أَمُتْ بِمَا أَوْدَعَانِيْ)، فقوله " أو دعاني " إنما هي "أو" التي للعطف، نَسَقَ بها "دعاني" وهو أَمْرُ الاثنين من "دَعْ" على قوله "ناظراه" الذي في أول البيت، وقوله: "أودعاني" الذي في القافية فِعْلٌ ماضٍ مِن اثنين، تقول في الواحد: "أَوْدَعَ يُوْدِعُ" من الوديعة.

(6) وقد ذكروا تجنيساً مضافاً، أنشده جماعة من المتعقبين منهم الجرجاني: (أيَا قَمَرَ التِّمَامِ أَعَنْتَ ظُلْماً * عَلَيَّ تَطَاوُلَ الَّليْلِ التِّمَامِ)، فهذا عندهم وما جرى مجراه إذا اتصل كان تجنيساً، وإذا انفصل لم يكن تجنيساً، وإنما كان يتمكن ما أراد لو أن الشاعر ذكر الليل وأضافه فقال " ليل التمام " كما قال " قمر التمام "، والرماني سمى هذا النوع مُزاوجاً.

(7) قال المصنف ــ رحمه الله ــ في معرض تعليقه على استكثار المتأخرين من الجناسات المتكلفة؛ لا سيما جناس الخط: (وربما صنعوا مثل هذا في القوافي فتأتي كالإيطاء وليس بإيطاء إلا في اللفظ مجازاً، ولا بتجنيس إلا كذلك.. قال عمر بن علي المطوعي:
أميـــــرٌ كلُّه كَــــرَمٌ سَعِدْنَـــا * بِأَخْذِ المجدِ منه واقْتِبَاسِــــهْ
يحاكي النِّيْلَ حِيْنَ يُسَامُ نَيْلاً * ويحكِي باسِلاً في وَقْتِ بَاسِهْ
أراد أن يناسب فجاء القافيتان كما ترى في اللفظ، وليس بينهما في الخط إلا مجاورة الحروف، وهذا أسهل معنى لمن حاوله، وأقرب شيء ممن تناوله، من أبواب الفراغ وقلة الفائدة، وهو مما لا يُشَكُّ في تكلفه، وقد أكثر منه هؤلاء الساقة المتعقبون في نثرهم ونظمهم حتى بردوا.. فأين هذا العمل من قول القائل، وهو أبو فراس:
سَكِرْتُ مِنْ لَحْظِهِ لا مِنْ مُدَامَتِهِ * ومَالَ بالنومِ عَنْ عَيْنِيْ تَمَايُلُــهُ
ومَا السُّلَافُ دَهَتْنِيْ بَلْ سَوَالِفُـهُ * ولا الشَّمُوْلُ زَهَتْنِيْ بَلْ شَمَائِلُهُ
أَلْوَى بِصَبْرِيَ أَصْدَاغٌ لُوِيْنَ لَــهُ * وَغَلَّ صَدْرِيَ مَا تَحْوِيْ غَلَائِلُهُ
فما كان من التجنيس هكذا فهو الجيد المستحسن، وما ظهرت فيه الكلفة فلا فائدة فيه.

(8) التَّرْدِيْدُ: هو أن يأتي الشاعر بلفظة متعلقة بمعنى، ثم يردّها بعينها متعلقةً بمعنى آخر في البيت نفسه، أو في قَسِيمٍ منه، وذلك نحو قول زهير: (مَنْ يَلْقَ يَوْماً عَلَى عِلَّاتِهِ هَرِماً * يَلْقَ السَّمَاحَةَ مِنْهُ والنَّدَى خُلُقَا)، فعلَّق "يَلْقَ" بــ(هرِم)، ثم علَّقها بالسماحة.

(9) وذلك قوله: (ومَنْ هَابِ أَسْبَابَ المنايا يَنَلْنَهُ * ولَوْ رَامَ أسْبَابِ السَّمَاءِ بِسُلَّمِ).

(10) علَّق المصنف على بيت المتنبي (بيت القلاقل) تعليقا طريفًا، وكذلك على بيت آخر يمكن تسميته: (بيت الأسود)، فقال: (وسمع أبو الطيب باستحسان هذا النوع فجعله نصب عينيه حتى مَقَّتَه وزَهَّدَ فيه، ولو لم يكن إلا بقوله: (فَقَلْقَلْتُ بِالْهَمِّ الذي قَلْقَلَ الحَشَا * قَلَاقِلَ عِيْسٍ كُلُّهُنَّ قَلَاقِلُ)، فهذه الألفاظ كما قال كلهن قلاقل، ونحو ذلك قوله: (أُسْدٌ فَرَائِسُهَا الأُسُوْدُ، يَقُوْدُها * أَسَدٌ، تَكُوْنُ لَهُ الأُسُوْدُ ثَعَالِبَا)، فما أدري كيف تخلص من هذه الغابة المملوءة أسوداً!).

وقد ذكر المصنف طائفة من الأشعار المستحسنة في هذا الفن تُراجَع في موضعها. والله أعلم.

أحمد بن يحيى
08-03-2021, 05:59 PM
باب التصدير ومعه أبواب: المطابقة، والمقابلة، والتقسيم، والتسهيم:

ومِنْ بَدِيْعٍ: حِلْيَةُ التَّصْدِيْرِ = بِرَدِّ أعْجَازٍ عَلَى الصُّدُوْرِ

بِصَادِرٍ يَفِيْءُ بَعْدَ وِرْدِ = وسَابِقٍ إلى القَوَافِيْ يَهْدِي

يَكْتَسِبُ البَيْتُ بِهِ حَلَاوَهْ = أُبَّهَةً فِيْهِ، مَعَ الطُّلَاوَهْ(1)

يُقَارِبُ التَّرْدِيْدَ شِبْهَ قُرْبِ = لَكِنَّهُ مُخْتَلِفٌ مِنْ قُرْبِ

بَيْنَا تَرَى التَّرْدِيْدَ في أَضْعَافِ = بِيْتٍ، تَرَاهُ خُصَّ بِالقَوَافِيْ(2)

ومِنْهُ: تَصْدِيْرٌ مَعَ التَّبْدِيْلِ = بِالضِّدِّ في عَكْسٍ مِنَ الْمَقُوْلِ

مِثَالُهُ: الْعَادَاتُ للسَّادَاتِ = فَتِلْكُمُ السَّادَاتُ في الْعَادَاتِ(3)

وفِي البَدِيْعِ فَاذْكُرِ: الْمُطَابَقَهْ= حَذْوَ الْيَدِ الرِّجْلَ، عَلَى الْمُطَابَقَهْ

وذَاكَ في مَشْيِ ذَوَاتِ الأَرْبَعِ = مُطَابِقَاتٍ خَطْوَهَا في الْمَوْضِعِ

وفي اصْطِلَاحٍ: جَمْعُكَ الضِّدَّيْنِ= مَعْنَاهُمَا كَهَيْئَةِ الِّلفْقَيْنِ

عَلَى السَّوَاءِ، قَالَهُ الرُّمَّانِيْ = دُوْنَ زِيَادَةٍ ولا نُقْصَانِ(4)

مِثَالُهُ: الأَعْمَى مَعَ البَصِيْرِ = كَذَلِكَ الظِّلُّ مَعَ الحَرُوْرِ(5)

ورُبَّما يُحْمَلُ في الأَضْدَادِ = مُؤَوَّلٌ دَلَّ عَلَى الْمُرَادِ

(هَاتَاْ) و(تِلْكَ) قَالَهَا (حَبِيْبُ) = مُطَابِقًا، فَشَأْنُهَا عَجِيْبُ

تَأْوِيْلُهَا: ضِدَّانِ في العِبَارَةِ =بِالْقُرْبِ والْبُعْدِ عَلَى الإشَارَةِ(6)

كَذَلِكَ: الْمُثْبَتُ والْمَنْفِيُّ = بَيْنَهُمَا تَطَابُقٌ خَفِيُّ

مِثَالُهَا: (أَعْلَمُ) مَعْ (لا أَعْلَمُ) = ضِدَّانِ في التَّأوِيْلِ مِمَّا يُفْهَمُ

فَهْوَ جِنَاسٌ قَدْ بَدَا في الظَّاهِرِ = وَهْوَ طِبَاقٌ قَدْ خَفِيْ عَنْ نَاظِرِ(7)

فَذَا مِنَ الطِّبَاقِ: غَيْرُ مَحْضِ = قَسِيْمُهُ: الْمَحْضُ، إليه يُفْضِيْ(8)

ورُبَّما ظُنَّ مِنَ الطِّبَاقِ = مَا لَيْسَ في الطِّبَاقِ بِاتِّفَاقِ

كَالقُبْحِ لَيْسَ لِلْجَمَالِ ضِدَّا = لَكِنْ دَمَامَةٌ تُؤَدِّي الْقَصْدَا

وإنَّما ضِدُّ القَبِيْحِ: الحَسَنُ= في مِثْلِ ذَا يَغْلَطُ مَنْ لا يَفْطنُ(9)

فَإِنْ أَتَى الطِّبَاقُ في الأضْدَادِ = أَكْثَرَ مِنْ ضِدَّيْنِ في التَّعْدَادِ

فَهْوَ الَّذِي سُمِّيَ بـِ: الْمُقَابَلَهْ = مَعَانِيًا لِمِثْلِهَا مُقَابِلَهْ

مُوَافِقٌ في إِثْرِ مَا يُوَافِقُهْ = كَذَا مُخَالِفٌ لَهُ مُصَادِقُهْ(10)

يُعَابُ مِنْهَا: السُّوْءُ في التَّقَابُلِ = وَخَلْطُ حَابِلٍ بِهَا بِنَابِلِ

إِذْ حُكْمُهَا: تَوَاجُهُ الأَقْسَامِ = بُمَسْتَحِقِّ الْحُكْمِ في تَمَامِ(11)

فَإِنْ يَكُنْ قَسَّمَهُ وَوَازَنَهْ = مِنْ غِيْرِ ضِدٍّ، فَهِيَ: الْمُوَازَنَهْ(12)

وكُلُّهَا تَفِي الْكَلَامَ حُسْنَهُ = مُتَّسِقًا، وتَسْتَتِمُّ وَزْنَهُ

كَذَلِكَ: التَّقْسِيْمُ في اسْتِقْصَاءِ = جَمِيْعِ أَقْسَامٍ عَلَى سَوَاءِ

مُسْتَوْفِيًا تَمَامَهَا الأكِيْدَا = لا نَقْصَ في القِسْمَةِ أَوْ مَزِيْدَا

مِثْل: قَتِيْلٍ، هَارِبٍ، أَسِيْرِ = في قِسْمَةِ الْمَهْزُوْمِ في النَّفِيْرِ(13)

ومِنْهُ: تَدْرِيْجٌ مَعَ التَّقْسِيْمِ = زِيَادَةً لِلْوَصْفِ في تَتْمِيْمِ(14)

ومِنْ ضُرُوْبِهِ كَذَا: التَّقْطِيْعُ = فَإِنْ يَكُنْ سَجْعًا فَذَا: التَّرْصِيْعُ(15)

كَذَلِكَ: التَّسْهِيْمُ، وَهْوَ الْمُطْمِعُ = وفي انْتِظَامِ الْحُسْنِ ذَاكَ الْمُمْتِعُ

فَيَقْتَضِي الْمَعْنَى تَمَامَ القَافِيَهْ = قَبْلَ وُرُوْدِهَا، فَتَأْتِيْ وَافِيَهْ(16)

وأَصْلُهُ: التَّسْهِيْمُ في البُرُوْدِ = لَوْنًا عَلَى لَوْنٍ مِنَ التَّرْدِيْدِ

سُمِّيَ تَوْشِيْحًا: مِنَ الوِشَاحِ = مُعَطَّفَ الأَثْنَاءِ والنَّوَاحِيْ

وقِيْلَ: بَلْ سُمِّيَ بِـ: التَّوْشِيْجِ =مُشْتَبِكًا كَهَيْئَةِ الْوَشِيْجِ(17)

ومِنْ عَجِيْبِهِ، مَعَ الإبْدَاعِ: = مَا جَاءَ عَنْ (عَدِيٍّ الرِّقَاعِ)

مُشَبِّهًا قَرْنَ غَزَالٍ بَادِيْ = بِقَلَمٍ أَصَابَ مِنْ مِدَادِ

حَدَسَهُ (جَرِيْرُ) و(الفَرَزْدَقُ) = تَمَامَهُ، فَصَدَّقُوا وصُدِّقُوا(18)

لِأَنَّ مَبْنَاهُ عَلَى التَّشْبِيْهِ = في صُوْرَةٍ تَظْهَرُ لِلنَّبِيْهِ

فَإنَّها ــ وإنْ تَكُنْ غَرِيْبَهْ = لَكِنَّها مَحْسُوْسَةٌ قَرِيْبَهْ

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) وهو: أن يردَّ أعجاز الكلام على صدوره، فيدلّ بعضه على بعض، ويسهل استخراج قوافي الشعر إذا كان كذلك وتقتضيها الصنعة، ويكسب البيت الذي يكون فيه أبهة، ويكسوه رونقاً وديباجة ويزيده مائيَّة وطلاوة.
وقد قسَّم هذا البابَ عبدُ الله بن المعتز على ثلاثة أقسام: أحدها: ما يوافق آخِرَ كلمة من البيت آخرُ كلمة من النصف الأول، نحو قول الشاعر: (يُلْفَى إذا مَا الجَيْشُ كانَ عَرَمْرَماً * في جَيْشِ رَأْيٍ لا يُفَلُّ عَرَمْرَمِ)، الآخر: ما يوافق آخر كلمة من البيت أول كلمة منه، نحو قوله: (سَرِيْعٌ إلى ابْنِ العَمِّ يَشْتمُ عِرْضَه * ولَيْسَ إلى دَاعِي النَّدَى بِسَرِيْعِ)، والثالث: ما وافق آخرَ كلمة من البيت بعضُ ما فيه، كقول الآخر: (عَزِيْزُ بَنِيْ سُلَيْمٍ أَقْصَدَتْهُ * سِهَامُ الْمَوْتِ وَهْيَ لَهُ سِهَامُ).

(2) قال المصنف ــ رحمه الله ــ: والتصدير قريب من الترديد، والفرق بينهما أن التصدير مخصوص بالقوافي تُرَدُّ على الصدور، فلا تجد تصديراً إلا كذلك حيث وقع من كتب المؤلفين، وإن لم يذكروا فيه فرقاً، والترديد يقع في أضعاف البيت.. قال أبو الأسود ــ واسمه ظالم بن عمرو بن سفيان الدؤلي ــ: (وما كُلُّ ذِي لُبٍّ بِمُؤْتِيْكَ نُصْحَهُ * وما كُلُّ مُؤْتٍ نُصْحَهُ بِلَبِيْبِ)، فهذا تصدير، وإن كان ظاهره في اللفظ ترديداً للعلة التي ذكرتها.

(3) من التصدير نوع سماه عبد الكريم المضادَّة، وأنشد للفرزدق: (أَصْدِرْ هُمُوْمَكَ لا يَغْلِبْكَ وَارِدُهَا * فَكُلُّ وارِدَةٍ يَوْماً لها صَدَرُ).. ويقاربه من كلام المحدثين قول ابن الرومي: (رَيْحَانُهُمْ ذَهَبٌ على دُرَرٍ * وشَرَابُهُمْ دُرَرٌ على ذَهَبِ)، والكُتَّاب يسمُّون هذا النوع: (التَّبْدِيل)، حكاه أبو جعفر النحاس. ويسمونه أيضا: (العَكْس)، ومن مشهور أمثلته: (عادَاتُ السَّادَاتِ سَادَاتُ العَادَاتِ).

(4) المطابقة: جَمْعُكَ بين الضدين في الكلام أو بيت الشعر. قال الخليل بن أحمد: طابقت بين الشيئين إذا جمعت بينهما على حَذْوٍ واحد وألصقتهما. وذكر الأصمعي المطابقة في الشعر فقال: أصلها وضْعُ الرِّجْل في موضع اليد في مشي ذوات الأربع، وأنشد لنابغة بني جَعْدة: (وخَيْلٍ يُطَابِقْنَ بالدَّارِعِيْنَ * طِبَاقَ الكِلَابِ يَطَأْنَ الهَرَاسَا)، ثم قال: أحسنُ بيت قيل لزهير في ذلك: (لَيْثٌ بِعَثَّرَ يَصْطَادُ الرِّجَالَ، إذَا * مَا الَّليْثُ كَذَّبَ عَنْ أَقْرَانِهِ صَدَقَا). وقال الرمَّاني: المطابقة: مساواة المقدار من غير زيادة ولا نقصان.

(5) من أحسن أمثلة الطباق ما جاء في القرآن من البيان المعجز، ومنه قوله تعالى: (وَمَا يَسْتَوِي الأعْمَى وَالْبَصِيرُ. وَلا الظُّلُمَاتُ وَلا النُّورُ. وَلا الظِّلُّ وَلا الْحَرُورُ. وَمَا يَسْتَوِي الأحْيَاءُ وَلا الأمْوَاتُ)، ومن أفضل كلام البشر قول رسول الله ــ صلى الله عليه وسلم ــ في بعض خطبه: (فَلْيَأخُذِ العَبْدُ مِنْ نَفْسِهِ لِنَفْسِه، ومِنْ دنياه لآخرته، ومِنَ الشَّبِيْبَةِ قَبْلَ الكِبَرِ، ومِنَ الحياة قبل الممَاتِ؛ فَوَالَّذِي نَفْسُ محمدٍ بِيَدِه ما بَعْدَ الموتِ مِنْ مُسْتَعْتَبٍ، ومَا بَعْدَ الدنيا دارٌ، إلا الجنة أو النار)، فهذا هو المعجز الذي لا تكلُّفَ فيه ولا مَطْمَعَ في الإتيان بمثله.

(6) قال المصنف: ومما استغربه الجرجاني من الطباق واستلطفه قول الطائي: (مَهَا الْوَحْشِ إلَّا أَنَّ هَاتَا أَوَانِسٌ * قَنَا الخَطِّ إلّا أنَّ تِلْكَ ذَوَابِلُ)، لمطابقته بهاتا وتلك، وإحداهما للحاضر والأخرى للغائب، فكانتا في المعنى نقيضتين وبمنزلة الضدين. هذا قوله، وليس عندي بمحقق؛ إنما إحداهما للقريب والأخرى للبعيد المشار إليه، ولكن الرجل أراد التخلص فزلَّ في العبارة.

(7) مثاله قول البحتري: (يُقَيَّضُ لِيْ مِنْ حَيْثُ لا أَعْلَمُ الهَوَى * ويَسْرِيْ إليَّ الشَّوْقُ مِنْ حَيْثُ أَعْلَمُ)، فهذا مُجانسٌ في ظاهره، وهو في باطنه مُطابق؛ لأنَّ قوله: "لا أعلم" كقوله: "أجهل".. وقد جاء في القرآن: "هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ".

(8) من الطباق ما هو مَحْضٌ ظاهرُ التضادِّ في اللفظ، ومنه ما هو غير محض، يظهر فيه التضاد في المعنى لا اللفظ، مثل ما سبق من مطابقة أبي تمام هاتا بتلك، وكذلك طباق السلب والإيجاب، ومن أمثلة الطباق المعنوي (غير المحض) قول هُدْبَة بن خَشْرَم: (فَإِنْ تَقْتُلُوْنَا في الحَدِيْدِ فإننا * قَتَلْنَا أخَاكُمْ مُطْلَقاً لَمْ يُكَبَّلِ)، فقوله: (في الحديد) ضدّ قوله: (مطلقاً لم يكبل).

(9) قال المصنف: مما يغلط فيه الناس كثيراً في هذا الباب الجَمَال والقُبْح، كقول بعض المحدثين: (وَجْهُهُ غَايَةُ الجَمَالِ، ولَكِنْ * فِعْلُهُ غَايَةٌ لِكُلِّ قَبِيْحِ)، وليس ضده، وإنما ضده الدَّمَامة، والقُبْح ضده الحُسْن. وقال الصُّوْلِيُّ أبو بكر يصف قلماً: (ناحِلُ الجِسْمِ لَيْسَ يَعْرِفُ مُذْ كَا ... نَ نَعِيْمًا، ولَيْسَ يَعْرِفُ ضُرَّا)، وليس بينهما مضادة. وإنما ضد النعيم البؤس.

(10) المقابلة: مواجهة اللفظ بما يستحقه في الحكم.. وأصلها ترتيب الكلام على ما يجب؛ فيعطي أول الكلام ما يليق به أولاً، وآخره ما يليق به آخراً، ويأتي في الموافق بما يوافقه، وفي المخالف بما يخالفه. وأكثر ما تجيء المقابلة في الأضداد، فإذا جاوز الطباق ضدين كان مقابلة، مثال ذلك ما أنشده قدامة لبعض الشعراء، وهو: (فَيَا عَجَباً كَيْفَ اتَّفَقْنَا؛ فَنَاصِحٌ * وَفِيٌّ، ومَطْوِيٌّ عَلَى الغِلِّ غَادِرُ!)، فقابل بين النصح والوفاء بالغلّ والغدر.

(11) قال المصنف: (ومما عابه الجرجاني على ابن المعتز: (بَيَاضٌ في جَوَانِبِهِ احْمِرَارٌ * كَمَا احْمَرَّتْ مِنَ الخَجَلِ الخُدُودُ)؛ لأنّ الخدود متوسطة وليست جوانب؛ فهذا من سوء المقابلة، وإن عدَّه الجرجاني غلطاً في التشبيه، وإنما العلة في كونه غلطاً ما ذكرناه.. ومن المأخوذ المعيب عندي قول الكُمَيْت يخاطب قضاعة: (رأَيْتُكُمُ مِنْ مَالِكٍ وادِّعَائِهِ * كَرَائِمَةِ الأولادِ مِنْ عَدَمِ النَّسْلِ)، فوقع تشبيهه على الادعاء والرِّئْمَان خاصة، لا على صحة المقابلة في الشبهين؛ لأن هؤلاء ــ فيما زعم ــ يدَّعون أبا، والرائمة تدَّعي ولداً، وهما ضدان. والصواب قول الآخر يهجو كاتباً، أنشده الجاحظ: (حِمَارٌ في الكتابةِ يَدَّعِيْها * كَدَعْوَى آلِ حَرْبٍ في زِيَادِ)، وقال أبو نواس: (أَرَى الفَضْل للدُّنْيا وللدِّيْنِ جامِعاً * كَمَا السَّهْمُ فيه الْفُوْقُ والرِّيْشُ والنَّصْلُ)، فزاد في المقابلة قسماً؛ لأنه قابل اثنين بثلاثة).

(12) من المقابلة ما ليس مخالفاً ولا موافقاً كما شرطوا إلا في الوزن والازدواج فقط، فيسمى حينئذ موازنة.. نحو قول أبي الطيب: (نَصِيْبُكَ في حياتِكَ مِنْ حَبِيْبٍ * نَصِيْبُكَ في مَنَامِكَ مِنْ خَيَالِ)، فوازن قوله: "في حياتك" بقوله: "في منامك" وليس بضده ولا موافقه، وكذلك صنع في الموازنة بين حبيب وخيال، وإن اختلف حرف اللين فيهما، فإن تقطيعه في العروض واحد.

(13) من تعريفات التقسيم: استقصاء الشاعر جميع أقسام ما ابتدأ به، كقول بشَّار يصف هزيمة:
بِضَرْبٍ يَذُوْقُ الموتَ مَنْ ذاقَ طَعْمَهُ = ويُدْرِكُ مَنْ نَجَّى الفِرَارُ مَثَالِبُهْ
فَرَاحَ فَرِيْقٌ في الأَسَارَى، ومِثْلُهُ = قَتِيْلٌ، ومِثْلٌ لاذَ بالبَحْرِ هَارِبُهْ
فالبيت الأول قسمان: إما الموت، وإما حياة تورث عاراً ومثلبة، والبيت الثاني ثلاثة أقسام: أسير، وقتيل، وهارب؛ فاستقصى جميع الأقسام، ولا يوجد في ذكر الهزيمة زيادة على ما ذكر. ومثل ذلك قول عمرو بن الأهتم إلا أنه أكثر إيجازاً: (اشْرَبَا ما شَرِبْتُمَا فَهُذَيْلٌ * مِنْ قَتِيْلٍ، وهَارِبٍ، وأسِيْرِ)، فجمع الوجوه كلها في مصراع واحد.

(14) قال المصنف: من التقسيم نوعٌ هو هذا الأول إلا أنَّ فيه زيادةً: تدريجاً وترتيباً؛ فصَعُبَ لذلك على متعاطيه وقل جداً.. فأحسنه قول زهير بن أبي سلمى: (يَطْعَنُهُمْ ما ارْتَمَوا، حتى إذا طَعَنُوا * ضَارَبَ، حتى إذَا ما ضَارَبُوا اعْتَنَقا)، فأتى بجميع ما استعمل في وقت الهياج، وزاد ممدوحه رتبة، وتقدم به خُطوة على أقرانه، ولا أرى في التقسيم عديلَ هذا البيت، ويليه في بابه قول عنترة: (إنْ يَلْحَقُوا أَكْرُرْ، وإنْ يَسْتَلْحِمُوا * أَشْدُدْ، وإنْ يُلْفَوْا بِضَنْكٍ أَنْزِلِ)، ويروى: وإن يَقِفُوا.

(15) من أنواع التقسيم التقطيع، أنشد الجرجاني للنابغة الذبياني:
ولله عَيْنَا مَنْ رَأَى أهْلَ قُبَّةٍ * أَضَرَّ لِمَنْ عَادَى، وأكْثَرَ نَافِعَا
وأَعْظَمَ أحْلَاماً، وأَكْبَرَ سَيِّداً * وأَفْضَلَ مَشْفُوْعاً إليهِ وشَافِعَا
وإذا كان تقطيع الأجزاء مسجوعاً أو شبيهاً بالمسجوع فذلك هو التَّرْصِيْعُ عند (قُدَامَة)، وقد فضله وأطنب في وصفه إطناباً عظيماً.. وأنشد أبيات أبي المثلم يرثى صَخْرَ الْغَيِّ:
لو كان للدَّهْرِ مالٌ عِنْدَ مُتْلَدِهِ * لَكَانَ لِلدَّهْرِ صَخْرٌ مَالَ قُنْيَانِ
آبِي الهَضِيْمَةِ، نَابٍ بِالعَظِيْمَةِ، مِتْلَافُ الكَرِيمَةِ لا سِقْطٌ ولا وَانِ
حامِي الحقيقةِ، نَسَّالُ الوَدِيْقَةِ، مِعْتَاقُ الوَسِيْقَةِ، جَلْدٌ غَيْرُ ثِنْيَانِ
رَبَّاءُ مَرْقَبَةٍ، مَنَّاعُ مَغْلَبَةٍ * رَكَّابُ سَلْهَبَةٍ، قَطَّاعُ أَقْرَانِ
هَبَّاطُ أوْدِيَةٍ، حَمَّالُ ألْوِيَةٍ * شَهَّادُ أنْدِيةٍ، سِرْحانُ فِتْيَانِ
يُعْطِيْكَ ما لا تَكَادُ النَّفْسُ تُسْلِمُهُ * مِنَ التِّلَادِ وَهُوْبٌ غَيْرُ مَنَّانِ

(16) قال المصنف: (وقدامة يسميه التَّوْشِيْح.. وقيل: إن الذي سماه تسهيماً علي بن هارون المنجم، وأما ابن وكيع فسماه الْمُطْمِع، وهو أنواع: منه ما يشبه المقابلة، وهو الذي اختاره الحاتمي، نحو قول جَنُوبَ أخْتِ عَمْرٍو ذي الكَلْبِ:
فَأُقْسِمُ يا عَمْرُو لو نَبَّهَاكَ * إذاً نَبَّهَا مِنْكَ داءً عُضَالَا
إذاً نَبَّهَا لَيْثَ عِرِّيْسَةٍ * مُفِيْتًا مُفِيْدًا: نُفُوساً ومَالَا
وخَرْقٍ تَجَاوَزْتَ مَجْهُوْلَهُ * بِوَجْنَاءَ حَرْفٍ تَشَكَّى الكَلَالا
فَكُنْتَ النَّهَارَ بِهِ شَمْسَهُ * وكنتَ دُجَى الَّليْلِ فيهِ الهِلَالا
أردت قولها:" مفيتاً نفوساً ومفيداً مالاً"، فقابلت مفيتاً بالنفوس ومفيداً بالمال، وكذلك قولها في البيت الأخير لمّا ذكرت النهار جعلته شمساً ولما ذكرت الليل جعلته هلالاً لمكان القافية، ولو كانت رائية لجعلته قمراً. وسر الصنعة في هذا الباب أن يكون معنى البيت مقتفياً قافيته، وشاهداً بها دالاً عليها كالذي اختاره قدامة للراعي، وهو قوله: (وإنْ وُزِنَ الحَصَى فوَزَنْتُ قَوْمِيْ * وَجَدْتُ حَصَى ضَرِيْبَتِهِمْ رَزِيْنَا)، فهذا النوع الثاني هو أجود من الأول للطف موقعه. والنوع الثالث شبيه بالتصدير، وهو دون صاحبيه، إلا أن قدامة لم يجعل بينهما فرقاً.. وأنشد للعباس بن مرداس: (هُمُ سَوَّدُوا هُجْناً وكُلُّ قَبِيْلةٍ * يُبَيِّنُ عَنْ أحسابِها مَنْ يَسُوْدُهَا).

(17) قال المصنف: (وما أظن هذه التسمية إلا من تسهيم البُرود، وهو أن ترى ترتيب الألوان فتعلم إذا أتى أحدها ما يكون بعده. وأما تسميته توشيحاً فمِنْ تَعَطُّفِ أثناءِ الوشاح بعضها على بعض وجمع طرفيه، ويمكن أن يكون من وشاح اللؤلؤ والخرز، وله فواصل معروفة الأماكن، فلعلهم شبهوا هذا به، ولا شك أن الموشَّحات من ترسيل البديع وغيره إنما هي من هذا، وبعض الناس يقول: إن التوشيج بالجيم، فإن صح ذلك فإنما يجيء من "وَشَجَتِ العُرُوْقُ " إذا اشتبكت، فكأن الشاعر شبك بعض الكلام ببعض.. فأما تسميته الْمُطْمِع؛ فذلك لما فيه من سهولة الظاهر وقلة التكلف، فإذا حُوْوِلَ امتنع وبَعُدَ مَرَامُه).

(18) يُحكى عن عَدِي بن الرِّقَاع أنه أنشد في صفه الظبية وولدها: (تُزْجِيْ أَغَنَّ كأنَّ إبْرَةَ رَوْقِهِ)، فغفل الممدوح عنه، فسكت، فقال الفرزدق لجرير: ما تراه يقول؟ فقال: يقول: (قَلَمٌ أَصَابَ مِنَ الدَّوَاةِ مِدَادَها)، وأقبل عليه الممدوح فأنشد كما قال جرير لم يُغَادر حرفاً.

أحمد بن يحيى
10-03-2021, 02:19 PM
باب التفسير، ومعه باب الاستطراد، وباب التفريع، وباب الالتفات، وباب الاستثناء، وباب التتميم:

كَذَلِكَ التَّفْسِيْرُ بِاسْتِيْفَاءِ = شَرْحٍ لِمُجْمَلٍ، مَعَ الوَفَاءِ

لَمْ يَنْقَطِعْ مَعْنَاهُ عَنْ سِيَاقِهِ = في شَرْحِ ما أُجْمِلَ أوْ إطْلَاقِهِ(1)

أَكْثَرُ مِنْ بَيْتٍ وذَاكَ الأَغْلَبُ = يَخْلُوْ مِنَ التَّضْمِيْنِ، وَهْوَ الْمُعْجِبُ(2)

ورُبَّما ضُمَّ بِبَيْتٍ واحِدِ = بِمُحْكَمٍ قَدْ تَمَّ في الْمَقَاصِدِ

شَرْحَ (أبي الطَيِّبِ): يُخْشَى يُرْتَجَى: صَوَاعِقٌ تُخْشَى، وغَيْثٌ لِلرَّجَا

وَأَصْلُهُ الْمُعْجِزُ في البَيَانِ: = في سُوْرَةِ (الرَّعْدِ) مِنَ القرآنِ(3)

ونُقْلَةُ الْمَعْنَى فَذَا: اسْتِطْرَادُ = كَرّاً وَفَرّاً، أَصْلُهُ: الطِّرَادُ

يَبْدَأُ وَصْفًا فَيَفِرُّ صانِعَا = لِغَيْرِهِ، ثُمَّ يَكرُّ راجِعَا

مِثْل (جَرِيْرٍ) إذْ هَجَا فَاطَّرَدَا = ثَنَّى بِمَهْجُوَّيْنِ لَمَّا اسْتَطْرَدَا:

لِمِيْسَمٍ بِهِ (فَرَزْدَقٌ) عُلِيْ = ضَغَا (البَعِيْثُ)، كانَ جَدْعُ (الأخْطَلِ)

جَازَ (حَبِيْبٌ) صِفةَ الْهَتَّانِ = مُسْتَطْرِدًا إلى هِجَا (عُثْمَانِ)

ورُبَّما جَرَى لَطِيْفَ الَّلمْحِ = مِنْ مَخْرَجِ الذَّمِّ لِبَابِ الْمَدْحِ

لَوْمَ (زُهَيْرٍ) لِلْبَخِيْلِ يَسِمُ =لَكِنَّمَا الْجَوَادُ ذَاكَ (هَرِمُ)(4)

ومنه: إِدْماجٌ مَعَ اخْتِصَارِ = كَدَمْجِ مَطْلُوْبِكَ في إِخْبَارِ(5)

ونُزِّلَ التَّفْرِيْعُ في لُزُوْمِ= مَنْزِلَةَ التَّدْرِيْجِ مِنْ تَقْسِيْمِ

يَزِيْدُ مَوْصُوفًا بِهِ تَوْكِيْدَا = مُفَرِّعًا وَصْفًا لَهُ جَدِيْدَا

مِثَالُه ــ وقَدْ أَتَى في بَيْتِ ــ: = مَشْهُوْرُ مَا يُرْوَى عَنِ (الْكُمَيْتِ):

أَحْلَامُهُمْ تَشْفِي سَقَامَ الغَضَبِ = كَمَا دِمَاهُمْ شَافِيَاتُ الْكَلَِبِ(6)

مُعْتَرِضُ الْكَلَامِ في الْكَلَامِ = فَذَا: الْتِفَاتٌ، سِيْقَ في تَمَامِ

سَمَّاهُ أقْوَامٌ ــ كَذَا ــ مُسْتَدْرَكَا = (قُدَامَةٌ) حَكَاهُ فِيْمَا قَدْ حَكَى

مِثَالُهُ: (زُهَيْرُ) لَمَّا أَنْ تَلَى = وَصْفَ الدِّيَارِ بِـ (بَلَى) بَعْدَ الْبِلَى

و(إِبْنُ مُعْتَزٍّ) لَهُ قَدْ عَرَّفَا = فَأَحْسَنَ التَّوْصِيْفَ فِيْمَا وَصَفَا:

مِنْ غَرَضِ الخِطَابِ للإخْبَارِ = وغَيْبَةٍ مِنْهُ إلى اسْتِحْضَارِ(7)

مِثَالُهُ: الَّذِيْ حَكَاهُ (الأصْمَعِيْ) = مِنَ الْتِفَاتٍ لِــ (جَرِيْرٍ) أَلْمَعِيْ:

عَدَلَ عَنْ سَوْقٍ بِهِ الْكَلَامُ= مُلْتَفِتًا يَدْعُوْ: سُقِي الْبَشَامُ(8)

كَذَاكَ: الِاسْتِثْنَاءُ، إذْ تُسَمِّيْ: = فَذَلِكَ: الْمَدْحُ بِشِبْهِ الذَّمِّ

مِثَالُهُ مِنْ رَائِقِ الْمَعَانِيْ: = مَا قَالَهُ (النَّابِغَةُ الذُّبْيَانِيْ):

لا عَيْبَ في سُيُوفِهِمْ لِعَائِبِ= غَيْرَ فُلُوْلِ الضَّرْبِ في الْكَتَائِبِ(9)

كَذَلِكَ: التَّتْمِيْمُ والتَّمَامُ = مَعَ احْتِرَاسٍ، شَأْنُهُ الإتْمَامُ

(طَرَفَةٌ) جَلَّى بِحُسْنِ مَقْصِدِ: = سَقَى الدِّيَارَ الْغَيْثُ غَيْرَ مُفْسِدِ

كَذَا (زُهَيْرٌ) جَالَ في غَايَاتِهِ = كَقَوْلِهِ فِيْهِ: (عَلَى عِلَّاتِهِ)

وأَصْلُهُ قَدْ جَاءَ في القُرآنِ = مِثْل: (عَلَى حُبِّهِ) في (الإنْسَانِ)(10)

إذْ كُلُّ أَصْلٍ لِبَيَانٍ يُقْتَفَى = فَذَاكَ في القرآنِ ثَمَّ، وَكَفَى

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) التفسير هو: أن يستوفي الشاعر شَرْحَ ما ابتدأ به مجملا، وقلَّ ما يجيء هذا إلا في أكثر من بيت واحد، نحو قول الفرزدق واختاره قدامة:
لقد جِئْتَ قَوْماً لو لجَأْتَ إليهمُ = طَرِيْدَ دَمٍ أو حامِلاً ثِقْلَ مَغْـــرَمِ
لألْفَيْتَ مِنْهُمْ مُعْطِياً ومُطَاعِـناً = وَرَاءَكَ شَزْراً بِالْوَشِيْجِ الْمُقَوَّمِ
هذا جيّدٌ في معناه، إلا أنه غريب مريب؛ لأنه فسَّر الآخر أولاً والأول آخراً؛ فجاء فيه بعض التقصير والإشكال، على أن من العلماء من يرى أنّ ردَّ الأقرب على الأقرب والأبعد على الأبعد أصحُّ في الكلام.

(2) قال المصنف ــ رحمه الله ــ: (وأكثر ما في التفسير عندي السلامة من سوء التضمين لا أنه هو بعينه ما لم يكن في بيت واحد أو شبيه به كالذي أنشده سيبويه: (خَوَّى عَلَى مُسْتَوِيَاتٍ خَمْسِ * كِرْكِرَةٍ وثَفِنَاتٍ مُلْسِ)؛ لأن هذا ــ وإن كان كالبيت المصرَّع ــ فهو بيتان من مشطور الرجز. ومن التفسير الجيد قول حاتم الطائي، ويروى لعتيبة بن مرداس:
مَتَى مَا يَجِئْ يَوْماً إلى المالِ وارِثِيْ = يَجِدْ جُمْعَ كَـــفٍّ غَيْرِ مَلْأَى ولا صِفْــــرِ
يَجِدْ فَرَساً مِثْلَ العِنَــانِ وصَارِمـــــاً = حُسَامـاً إذَا مَا هُزَّ لَمْ يَرْضَ بِالْهَبْـــــــــرِ
وأَسْمَـرَ خَطِّــــيًّـــا كَـــأَنَّ كُعُوْبَــــــهُ = نَوَى الْقَسْبِ قد أَرْبَى ذِرَاعاً عَلَى الْعَشْرِ
فهذا هو التفسير الصحيح السالم من ضرورة التضمين؛ لأنه لم يُعلِّق كلامه بـ(لو) كما فعل الفرزدق، ولا بما يقتضي الجواب اقتضاء كلياً؛ فلهذا حَسُن عندي).

(3) من جيد التفسير في بيت واحد قول أبي الطيب: (فَتًى كالسَّحَابِ الْجُوْنِ يُخْشَى ويُرْتَجَى: * يُرَجَّى الْحَيَا مِنْهُ وتُخْشَى الصَّوَاعِقُ)، فإنه قد أحكمه أشَدَّ إحكام، وجاء به أحسنَ مجيء، حتى أربى على البحتري إذ يقول:
بِأَرْوَعَ مِنْ طَيٍّ كـأنَّ قَمِيْصَـــــــهُ = يُزَرُّ عَلَى الشَّيْخَـــيْنِ زَيْـــدٍ وحَـــاتمِ
سَمَاحاً وبَأْساً كالصَّوَاعِقِ والْحَيَا = إذَا اجْتَمَعَا في الْعَارِضِ الْمُتَرَاكِـــــمِ
وقد ردّ الكلام جميعاً آخره على أوله.. وأصل هذا من المعجز قول الله تعالى: "هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ".

(4) قال المصنف: الاستطراد هو: أن يُرِيك الشاعرُ أنه في وَصْفِ شيءٍ وهو إنما يريد غيرَه، فإن قَطَعَ أو رجع إلى ما كان فيه فذلك استطراد، وإن تمادى فذلك خروج، وأكثر الناس يسمي الجميعَ استطراداً، والصواب ما بينته.. وقيل: أصل الاستطراد أن يريك الفارسُ أنه فرّ ليكرّ، وكذلك الشاعر يريد أنه في شيء فعَرَضَ له شيءٌ لم يقصد إليه فذكره ولم يقصد قصده حقيقة إلا إليه، وأوضح الاستطراد قول السموأل، وهو أول من نطق به حيث يقول:
وَإِنّا لَقَومٌ لا نَرَى القَتْلَ سُبَّةً = إِذا ما رَأَتْهُ عامِرٌ وَسَلُوْلُ
يُقَرِّبُ حُبُّ الْمَوْتِ آجالَنا لَنـا = وَتَكْرَهُهُ آجالُهُم فَتَطُـــوْلُ
ومنه قول جرير: (لَمَّا وَضَعْتُ عَلَى الفرزدقِ مِيْسَمِيْ * وَضَغَا الْبَعِيْثُ جَدَعْتُ أَنْفَ الأَخْطَلِ)، فهجا واحداً واستطرد باثنين.. وأنشد البحتريَّ أبو تمام لنفسه في صفة فَرَس واستطرد يهجو عثمان بن إدريس الشامي:
وســـابِـــحٍ هَطِلِ التَّـعْـــدَاءِ هَتَّــــانِ = عَلَى الجِـــرَاء أَمِـيْــنٍ غَيْرِ خَـــوَّانِ
أَظْمَى الْفُصُوْصِ ومَا تَظْمَى قَوَائِمُه = فَخَـلِّ عَـيْــنَيْـــكَ في ظَمْــآنَ رَيَّـــانِ
فَلَوْ تَــرَاهُ مُــشِيْــحــاً والحَصَى زِيَمٌ = تَحْتَ السَّنَابِكِ مِنْ مَثْنى ووُحْــــدَان
أيْـقَـنْتَ إنْ لَمْ تَــثَــبَّــتْ أنَّ حافِـــرَهُ = مِنْ صَخْرِ تَدْمُرَ أوْ مِنْ وَجْهِ عُثْمَانِ
فقال له: أتدري ما هذا من الشعر؟ قال: لا أدري، قال: هذا الاستطراد، أو قال: المستطرد.
قال الحاتمي: وقد يقع من هذا الاستطراد ما يخرج به من ذم إلى مدح، كقول زهير: (إنَّ البَخِيلَ مَلُوْمٌ حَيْثُ كَانَ ولــَ ـــكِنَّ الجَوَادَ عَلَى عِلَّاتِهِ هَرِمُ)، فسمى الخروج استطراداً كما تراه اتساعا.

(5) حكى أحمد بن يوسف الكاتب أنه دخل على المأمون وفي يده كتاب من عمرو بن مَسْعَدة يردد فيه النظر، فقال: لعلك فكرت في ترديدي النظر في هذا الكتاب، قال: نعم يا أمير المؤمنين، قال: إني عجبت من بلاغته واحتياله لمراده: " كتبت كتابي إلى أمير المؤمنين أعزه الله ومَنْ قِبَلي مِنْ قواده وأجناده في الطاعة والانقياد على أحسن ما يكون عليه طاعةُ جندٍ تأخرت أرزاقهم واختلت أحوالهم"؛ ألا ترى يا أحمد إدماجه المسألة في الإخبار، وإعفاءه سلطانه من الإكثار؟ ثم أمر لهم برزق ثمانية أشهر. وهذا النوع أقلُّ في الكلام من الاستطراد المتعارف وأغرب.

(6) التَفْرِيعُ: وهو من الاستطراد كالتدريج من التقسيم، وذلك أن يقصد الشاعر وصفاً ما ثم يفرع منه وصفاً آخر يزيد الموصوف توكيداً، نحو قول الكُمَيْت: (أحْلَامُكُمْ لِسَقَامِ الْجَهْلِ شَافِيَةٌ * كَمَا دِمَاؤكُمُ يَشْفَى بها الْكَلِبُ)، فوصف شيئاً ثم فرع شيئاً آخر لتشبيه شفاء هذا بشفاء هذا.

(7) وهو: الاعتراض عند قوم، وسماه آخرون الاستدراك، حكاه قدامة، وسبيله أن يكون الشاعر آخذاً في معنى ثم يعرض له غيره فيعدل عن الأول إلى الثاني فيأتي به، ثم يعود إلى الأول من غير أن يخل في شيء مما يشد الأول، كقول كُثَيِّر: (لَوَ انَّ البَاخِلِيْنَ، وأنْتِ مِنْهُمْ * رَأَوْكِ تَعَلَّمُوا مِنْكِ الْمِطَالَا)، فقوله: (وأنت منهم) اعتراضُ كلامٍ في كلام، قال ذلك ابن المعتز، وجعله باباً على حِدَتِه بعد باب الالتفات، وسائر الناس يجمع بينهما. ومن الاستدراك قول زهير: (قِفْ بالدِّيَارِ الَّتي لَمْ يَعْفُهَا الْقِدَمُ * بَلَى، وغَيَّرَهَا الأَرْوَاحُ والدِّيَمُ).
وقد أحسن ابن المعتز في العبارة عن الالتفات بقوله: "هو انصراف المتكلم من الإخبار إلى المخاطبة ومن المخاطبة إلى الإخبار"، وتلا قوله تعالى:"حَتَّىٰ إِذَا كُنتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ".

(8) حُكِيَ عن إسحاق الموصلي أنه قال: قال الأصمعي: أتعرف التفات جرير؟ قلت: وما هو؟ فأنشدَني: (أَتَنْسَى إذْ تُوَدِّعُنَا سُلَيْمَى * بِعُوْدِ بَشَامَةٍ، سُقِيَ البَشَامُ!)، ثم قال: أما تراه مقبلاً على شِعْره، إذْ التفت إلى البشام فدعا له.

(9) الاستثناء: وابن المعتز يسميه توكيد المدح بما يشبه الذم، وذلك نحو قول النابغة الذبياني: (ولا عَيْبَ فِيْهِمْ غَيْرَ أنَّ سُيوفَهُمْ * بِهِنَّ فُلُوْلٌ مِنْ قِرَاعِ الْكَتَائِبِ)، فجعل فلول السيف عيباً، وهو أوكد في المدح.

(10) التتميم: وهو التمام أيضاً، وبعضهم يسمي ضرباً منه احتراساً واحتياطاً. ومعنى التتميم: أن يحاول الشاعر معنى، فلا يدع شيئاً يتم به حسنه إلا أورده وأتى به: إما مبالغة، وإما احتياطاً واحتراساً من التقصير، وينشدون بيت طرفة: (فَسَقَى دِيَارَكِ غَيْرَ مُفْسِدِهَا * صَوْبُ الرَّبِيْعِ ودِيْمَةٌ تَهْمِيْ)، لأن قوله: "غير مفسدها" تتميم للمعنى، واحتراس للديار من الفساد بكثرة المطر. وقال زهير: (مَنْ يَلْقَ يَوْماً عَلَى عِلَّاتِهِ هَرِماً * يَلْقَ السَّمَاحَةَ مِنْهُ والنَّدَى خُلُقَا)، قوله: "على علاته" مبالغة وتتميم عجيب.
والأصل في هذا قول الله ــ عز وجل:" وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا "، فقوله: "على حبه" هو التتميم والمبالغة في قول من قال إنّ الهاء ضمير الطعام، وإن كان كناية عن الله تعالى خرج المعنى عن هذا الباب، وقال الله ــ جلَّ اسمُه ــ: (وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَٰئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ)، فتمَّمَ بقوله: "وهو مؤمن".

أحمد بن يحيى
13-03-2021, 08:07 PM
باب المبالغة، ومعه باب الإيغال، وباب الغلو:

ومِنْ بَدِيْعِ الشِّعْرِ: فَالْمُبَالَغَهْ = عَلَى تَقَصٍّ تَسْتَتِمُّ بَالِغَهْ

لَكِنَّهَا عَلَى ضُرُوْبٍ تَخْتَلِفْ = يُؤْثِرُهَا بَعْضٌ، وبَعْضُهُمْ يَقِفْ:

فَاخْتَلَفُوا في الشِّعْرِ مَاذَا أَجْوَدُهْ: = أَكْذَبُهُ في الْوَصْفِ، أَمْ مُقْتَصِدُهْ

فَالْمَذْهَبُ الأوَّلُ في الْمَعَانِيْ: = فَمَذْهَبُ النَّابِغَةِ الذُّبْيَانِيْ

فَذَاكَ مَا لَامَ بِهِ (حَسَّانَا) = تَقْصِيْرَهُ إِتْمَامَهُ الْبَيَانَا:

في: (الْجَفَنَاتِ)، وكَذَا: (يَلْمَعْنَ) = وقَوْلِهِ: (أَسْيَافُنَا يَقْطُرْنَ)(1)

والْمَذْهَبُ الآخَرُ: الِاقْتِصَادُ = بِصَادِقِ الْوَصْفِ كَمَا يُرَادُ

فَأَشْعَرُ الشِّعْرِ: الَّذِيْ قَدْ صَدَقَا = أَنْشَدَهُ (حَسَّانُ) فِيْمَا أنْشَدَا(2)

لِذَاكَ كَانَ مَنْطِقُ الأَعْرَابِ = مُبَيَّنًا بِالْفَصْلِ في الْخِطَابِ

فَقَرَّبُوا التَّوْصِيْفَ بِالْمَجَازِ = كَذَا بِتَشْبِيْهٍ وبِاحْتِرَازِ

إذْ رُبَّ مَعْنًى شَطَّ بِالإِحَالَةِ = لَفَرْطِ تَهْوِيْلٍ بِلَا دَلَالَةِ(3)

فَقُسِّمَتْ ثَمَّ بِحُكْمِ الْوَاجِبِ = بِحَسَبِ الْمَعْنَى إلى مَرَاتِبِ:(4)

أَحْسَنُهَا فَذَلِكَ: التَّبْلِيْغُ: = إفْرَاطُ وَصْفٍ شَأْنُهُ بَلِيْغُ

بِمُمْكِنٍ عَقْلاً كَذَاكَ عَادَهْ = مُنْتَظِمٍ مَعَاقِدَ الإجَادَهْ

أَبْلَغُهُ: تَرَادُفُ الصِّفَاتِ = ومِنْهُ في القُرْآنِ والآيَاتِ:

في: (النُّوْرِ) في الآيَةِ: أَرْبَعِيْنَا = (كَظُلُمَاتٍ...) مُعْجِزًا مُبِيْنَا(5)

ومِنْ عَجِيْبِهِ كَذَا: الإيْغَالُ: = بُلُوْغُ غَايَةٍ بِهَا الْكَمَالُ

مُشْتَقُّهُ: الإِيْغَالُ في البِلَادِ = تَجَاوُزُ الْحَدِّ مَعَ الإبْعَادِ

وَهْوَ مِنَ التَّتْمِيْمِ كَالْمُكَافِيْ = لَكِنَّهُ يَخْتَصُّ بِالْقَوَافِيْ:

إِيْغَالَ (ذِي الرُّمَّةِ) بِـ: (الْمُسَلْسَلِ) = بَعْدَ تَمَامٍ، ثُمَّ بِـ: (الْمُفَصَّلِ)(6)

ثُمَّتَ: إِغْرَاقٌ، مَعْ اسْتِيْفَاءِ = بِمُمْكِنٍ عَقْلًا عَلَى اسْتِقْصَاءِ

وأَصْلُهُ: اسْتِغْرَاقُ نَزْعِ السَّهْمِ = بَيْنَ حَنِيَّةٍ وَبَيْنَ الْجِسْمِ

حَسَنُهُ سُمِّيَ بِــ: الْمُقَاربِ = بِـ: (كَادَ)، أَوْ شَبِيْهِهَا الْمُقَارِبِ(7)

فَإِنْ يَزِدْ شَيْئًا فَذَا: غُلُوُّ = بِمُفْرِطٍ جَافٍ بِهِ نُبُوُّ

إذْ خَيْرُ مَا قِيْلَ هِيَ الْحَقَائِقُ = أَوْ مَا يُدَانِيْهَا، ومَا يُوَافِقُ

مُشْتَقُّهُ: الْغُلْوَةُ، والْغَلَاءُ = والْغَلَيَانُ إذْ يَجِيْشُ الْمَاءُ

سَمَّوْهِ ــ في شَطَطِهْ ــ: الْمُجَاوِزَا = بِمَا جَفَا الْحَقَّ ومَا تَجَاوَزَا

مِثْل (مُهَلْهِلٍ) بِبَيْتِ شِعْرِ: =أَسْمَعَ قَرْعَ الْبِيْضِ مَنْ بِـ (حُجْرِ)

وعِنْدَ قَوْمٍ ذَاكَ حَدٌّ مُعْجِبُ = وفي مَعَانِي الشِّعْرِ فَهْوَ الْمَذْهَبُ

ورُبَّما أُمْعِنَ في الإفْرَاطِ = في الْوَصْفِ إمْعَانًا بِلَا احْتِيَاطِ

مثل (أبي نُوَاس) لَمْ يُحَقِّقِ = مَخَافَةَ الأَنْطَافِ؛ إذْ لَمْ تُخْلَقِ(8)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) وذلك قوله ــ رضي الله عنه ــ في حضرة النابغة:
لَنَا الجَفَنَاتُ الغُرُّ يَلْمَعْنَ بالضُّحَى = وأَسْيَافُنا يَقْطُرْنَ مِنْ نَجْدةٍ دَمَـــا
ولَدْنا بَنِي العَنْقَـاءِ وابْنَيْ مُحَـرِّقٍ = فأَكْرِمْ بِنَا خالاً وأَكْرِمْ بنا ابْنَمَـــا
فقال له النابغة: إنك لشاعرٌ، لولا أنك قلَّلتَ عددَ جِفانك وفخرت بمن ولَدْت ولم تفخر بمن وَلَدك. وفي رواية أخرى: فقال له: إنك قُلت: "الجَفَنات" فقللت العدد، ولو قلت: "الجِفَان" لكان أكثر، وقلت: "يلمعن بالضحى" ولو قلت: "يبرقن بالدجى" لكان أبلغ في المديح؛ لأن الضيف بالليل أكثر طروقا، وقلت: "يقطرن من نجدة دما" فدللت على قلة القتل، ولو قلت: "يَجْرِيْنَ" لكان أكثر لانصباب الدم، وفخرت بمن ولَدْت ولم تفخر بمن ولَدَك. وقد رُدَّ على هذه الرواية بردود ليس هذا محلّ الاستفاضة فيها، ومنها رد قدامة بن جعفر في كتابه: (نقد الشعر)؛ فخَطَّأَ النابغةَ وحَكَمَ لحسان.


(2) وذلك قوله:
وَإِنَّ أَشْعَرَ بَيْتٍ أَنتَ قائِلُهُ* بَيتٌ يُقالُ إِذا أَنشَدْتَهُ: صَدَقَا
وقد سبقت الإشارة إليه في باب: (الشعراء والشعر).


(3) لابن رشيق في المبالغة رأيٌ وسطٌ بين طرفين؛ فهو يستهجن منها الإحالة والغلو، كما نقل عن بعض الحذّاق بنقد الشعر قوله: المبالغة ربما أحالت المعنى، ولبسته على السامع؛ فليست لذلك من أحسنِ الكلام ولا أفخرِه، لأنها لا تقع موقع القبول كما يقع الاقتصاد وما قاربه؛ لأنه ينبغي أن يكون من أهم أغراض الشاعر والمتكلم أيضاً الإبانَةُ والإفصاح، وتقريب المعنى على السامع؛ فإن العرب إنما فُضِّلت بالبيان والفصاحة، وحلا منطقها في الصدور وقبلته النفوس لأساليب حسنة، وإشارات لطيفة، تكسبه بياناً وتصوره في القلوب تصويراً، ولو كان الشعر هو المبالغة لكانت الحاضرة والمحدثون أشعر من القدماء، وقد رأيناهم احتالوا للكلام حتى قربوه من فَهْم السامع بالاستعارات والمجازات التي استعملوها، وبالتشكُّك في الشبهين، كما قال ذو الرمة:
فَيَا ظَبْيَةَ الْوَعْسَاءِ بَيْنَ جُلَاجِلٍ * وَبَيْنَ النَّقَا آأَنْتِ أَمْ أُمُّ سَالِمِ
فلو أنه قال: "أنت أمُّ سالم" على نفي الشك، بل لو قال: "أنت أحسنُ من الظبية" لما حلَّ من القلوب محلَّ التشكُّك، وكما قال جرير:
فَإِنَّكَ لَوْ رَأَيْتَ عَبِيْدَ تَيْمٍ * وَتَيْماً قُلْتَ: أَيُّهُمُ الْعَبِيْدُ
فلو قال: "عبيدُهم" أو "خيرٌ منهم"، لما ظُنَّ به الصدق، فاحتال في تقريب المشابهة؛ لأنّ في قربها لطافة تقع في القلوب وتدعو إلى التصديق.. والمبالغة في صناعة الشعر كالاستراحة من الشاعر إذا أعياه إيراد معنىً حسن بالغ فيشغل الأسماع بما هو محال، ويُهوِّل مع ذلك على السامعين، وإنما يقصدها من ليس بمتمكِّن من محاسن الكلام ... ثم هو (أي: ابن رشيق) يستدرك ــ مبينا كُنْهَ ذلك النوع الذي استهجنه وأنكره، وموضِّحًا أهمية المبالغة في تحسين الكلام والبيان ــ بقوله: (فأما الغلو فهو الذي ينكره من ينكر المبالغة من سائر أنواعها، ويقع فيه الاختلاف لا ما سواه.. ولو بطلت المبالغة كلها وعيبت لبطل التشبيه وعيبت الاستعارة، إلى كثير من محاسن الكلام: فمن أبيات المبالغة قول امرئ القيس:
كَأنَّ الْمُدَامَ وصَوْبَ الغَمَامِ = ورِيْحَ الْخُزَامَى ونَشْرَ الْقُطُرْ
يُعـَــلُّ بِـــهِ بَـــرْدُ أَنْيـَـابـِهَا = إذَا غَرَّدَ الطَّائِرُ الْمُسْتَحِـــــرْ
فوصف فاها بهذه الصفة سَحَراً عند تغيير الأفواه بعد النوم، فكيف تظنها في أول الليل؟! ومثل ذلك قوله يصف ناراً ــ وإن كان فيه إغراق ــ:
نَظَرْتُ إليها، والنُّجُومُ كأنَّها * مَصَابِيْحُ رُهْبَانٍ، تُشَبُّ لِقُفَّالِ
يقول: نَظَرْتُ إلى نار هذه المرأة تشب لقفال والنجوم كأنها مصابيح رُهْبان. وقد قال:
تَنَوَّرْتُهَا مِنْ أَذْرِعَاتٍ وأهْلُهَا * بِيَثْرِبَ أَدْنَى دَارِهَا نَظَرٌ عَالِ
وبين المكانين بُعْدُ أيامٍ، وإنما يرجع القُفَّال من الغزو والغارات وَجْهَ الصباح؛ فإذا رأوها من مسافة أيام وجه الصباح وقد خمد سَنَاها وكَلَّ موقدها فكيف كانت أول الليل؟!! وشبه النجوم بمصابيح الرهبان؛ لأنها في السحر يضعف نورها كما يضعف نور المصابيح الموقدة ليلها أجمع، لا سيما مصابيح الرهبان؛ لأنهم يكلون من سهر الليل فربما نعسوا ذلك الوقت، وهذا مما أورده شيخنا أبو عبد الله.
ومن معجز المبالغة قول الله عز وجل: " سَوَاءٌ مِّنكُم مَّنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَن جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ"، فجعل من يُسِرُّ القول كمن يجهر به، والمستخفي بالليل كالسارب بالنهار، وكل واحد منهما أشد مبالغة في معناه وأتم صفة).


(4) اقتضى اختلاف الناس في شأن المبالغة إلى مزيد الحاجة إلى التأليف في أقسامها وتفريعاتها ومراتبها من الجودة والإحسان وما يقابلها. وقد استوعب ابن رشيق في كتابه: (العمدة) أكثر ما يمكن أن يقال فيها؛ بل لم تخرج تقسيماته لها عن المستقر من تقسيمات متأخري البلاغيين في زمن التقعيد؛ بل لقد زاد عليهم في تكثير الشاهد والمثال، كما قال ــ رحمه الله ــ مبينا منهجه هذا: (وكلما أكثرتُ من الشواهد في باب؛ فإنما أريد بذلك تأنيس المتعلم وتجسيره على الأشياء الرائعة، ولأريه كيف تصرف الناس في ذلك الفن، وقلبوا تلك المعاني والألفاظ).


(5) التَّبْلِيْغُ عند متأخري البلاغيين، هو: المبالغة الممكنة عقلاً وعادة.
ومنه التَّقَصِّي، وترادُف الصفات. قال المصنف: فمن أحسن المبالغة وأغربها عند الحذاق: التقصي، وهو بلوغ الشاعر أقصى ما يمكن من وصف الشيء، كقول عمرو بن الأيهم التغلبي:
(ونُكْرِمُ جارَنا ما دَامَ فِيْنَا * ونُتْبِعُهُ الكَرَامَةَ حَيْثُ كَانَا)
فتقصَّى بما يمكن أن يقدر عليه فتعاطاه ووصف به قومه.
ومن أغربها أيضاً تَرَادُف الصفات، وفي ذلك تهويلٌ مع صحة لفظٍ لا تُحِيل معنى، كقول الله تعالى: "أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُّجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ سَحَابٌ غڑ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ".


(6) الإيْغَالُ: وهو ضَرْبٌ من المبالغة، إلا أنه في القوافي خاصة لا يعدوها، والحاتمي وأصحابه يسمونه التبليغ، وهو (تَفْعِيل) من بلوغ الغاية، وذلك يشهد بصحة ما قلته، ويدل على ما رتبته.
وحكى الحاتمي عن عبد الله بن جعفر عن محمد بن يزيد المبرد قال: حدثني التوزي قال: قلت للأصمعي: مَنْ أشعرُ الناس؟ قال: الذي يجعل المعنى الخسيس بلفظه كبيراً، أو يأتي إلى المعنى الكبير فيجعله خسيساً، أو ينقضي كلامه قبل القافية، فإذا احتاج إليها أفاد بها معنى، قال: قلت: نحو من؟ قال: نحو الأعشى إذ يقول:
كَنَاطِحٍ صَخْرَةً يَوْمًا لِيَفْلِقَها * فَلَمْ يَضْرِهَا وأَوْهَى قَرْنَهُ الْوَعِلُ
فقد تم المثل بقوله: وأوهى قرنه، فلما احتاج إلى القافية قال: "الوعل" قال: قلت: وكيف صار الوعل مفضلاً على كل ما ينطح؟ قال: لأنه ينحطُّ من قُنَّة الجبل على قرنه فلا يضيره، قال: قلت: ثم نحو من؟ قال: نحو ذي الرمة بقوله:
قِفِ الْعِيْسَ في أطلالِ مَيَّةَ وَاسْأَلِ * رُسُوماً كأخْلَاقِ الرِّدَاءِ الْمُسَلْسَلِ
فتمم كلامه، ثم احتاج إلى القافية فقال " المسلسل" فزاد شيئاً، وقوله:
أَظُنُّ الذي يُجْدِي عليكَ سُؤَالُها * دُمُوعاً كتَبْدِيْدِ الْجُمَانِ الْمُفَصَّلِ
فتمم كلامه، ثم احتاج إلى القافية فقال: "المفصل" فزاد شيئاً أيضاً.
وليس بين الإيغال والتتميم كبير فرق؛ إلا أن هذا في القافية لا يعدوها، وذلك في حشو البيت.
واشتقاق الإيغال من الإبعاد، يقال: أَوْغَلَ في الأرض، إذا أَبْعَدَ، فيما حكاه ابن دريد، وقال: وكل داخل في شيء دخولَ مستعجل فقد أوغل فيه وقال الأصمعي في شرح قول ذي الرمة:
كأنَّ أصْوَاتَ ــ مِنْ إيْغَالِهِنَّ بِنَا ــ * أَوَاخِرِ الْمَيْسِ أصواتُ الفَرَارِيْجِ
الإيغال: سرعة الدخول في الشيء، يقال: أوغل في الأمر، إذا دخل فيه بسرعة، فعلى القول الأول: كأن الشاعر أبعد في المبالغة وذهب فيها كل الذهاب، وعلى القول الثاني: كأنه أسرع الدخول في المبالغة بمبادرته هذه القافية.
وقد مثَّل المصنف بأمثلة كثيرة على هذا النوع، تُرَاجَع في موضعها من الكتاب.


(7) الإِغْرَاقُ: المبالغة الممكنة عقلاً لا عادة.
وأحسنُ الإغراق ما نطق فيه الشاعر أو المتكلم بِـ (كاد) أو ما شاكلها، نحو كأنّ ولو ولولا، وما أشبه ذلك.. ألا ترى ما أعجبَ قولَ زهير:
لَوْ كَانَ يَقْعُدُ فَوْقَ الشَّمْسِ مِنْ كَرَمٍ * قَوْمٌ بأحْسَابِهِمْ أو مَجْدِهِمْ قَعَدُوا
فبلغ ما أراد من الإفراط، وبنى كلامه عَلَى صِحَّة.
ومما استحسنه الرواة ونص عليه العلماء قول امرئ القيس يصف سِناناً:
حَمَلْتُ رُدَيْنِيــــًّا كأنَّ شَبَاتَهُ * سَنَا لَهَبٍ لَمْ يَتَّصِلْ بِدُخَانِ
وإذا نظرت إلى قول أبي صخر:
تَكَادُ يَدِيْ تَنْدَى إذا ما لَمَسْتُهَا * ويَنْبُتُ في أطْرَافِهَا الوَرَقُ النَّضْرُ
وقول أبي الطيب:
وعَجِبْتُ مِنْ أَرْضٍ سَحَابُ أَكُفِّهِمْ * مِنْ فَوْقِهَا وصُخُورُهَا لا تُوْرِقُ
لم يخفَ عنك وجهُ الحكم فيهما، على أن في قول أبي الطيب بعض الملاحة والمخالطة لطبعه في حب الإفراط وقلة المبالاة فيه؛ إذ كان ممكناً أن يقول: إن الصخور أورقت، ولغة القرآن أفْصَحُ اللغات، وأنت تسمع قول الله تعالى: " يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ" وقوله: " إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا" وقوله: " يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ".
والإغراق أصله في الرَّمْي، وذلك أن تجذب السهم في الوتر عند النَّزْع حتى تستغرق جميعه بينك وبين حَنِيَّة القوس، وإنما تفعل ذلك لبُعْدِ الغرض الذي ترميه، وهذه التسمية تدل على ما نحوت إليه وأشرت نحوه.


(8) الغُلُوّ: قال المصنف: (ومن أسمائه أيضاً الإغراق، والإفراط، ومن الناس من يرى أن فضيلة الشاعر إنما هي في معرفته بوجوه الإغراق والغلو، ولا أرى ذلك إلا محالاً؛ لمخالفته الحقيقة، وخروجه عن الواجب والمتعارف.. وقد قال الحذاق: خير الكلام الحقائق، فإن لم يكن فما قاربها وناسبها، وأنشد المبرد قول الأعشى:
فَلَوْ أنَّ ما أَبْقَيْنَ مِنِّيْ مُعَلَّقٌ * بِعُوْدِ ثُمَامٍ ما تَأَوَّدَ عُوْدُهَا
فقال: هذا متجاوز، وأحسنُ الشعر ما قارب فيه القائل إذا شبه، وأحسنُ منه ما أصاب الحقيقة فيه، انقضى كلامه.
وأصحّ الكلام عندي ما قام عليه الدليل، وثبت فيه الشاهد من كتاب الله تعالى، ونحن نجده قد قرن الغلو فيه بالخروج عن الحق؛ فقال ــ جل من قائل ــ: " قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ".
والغلو عند قدامة: تجاوز في نعت ما للشيء أن يكون عليه، وليس خارجاً عن طباعه، كقول النمر بن تَوْلَب في صفة سيفٍ شبه به نفسه:
تَظَلُّ تَحْفِرُ عَنْهُ إنْ ضَرَبْتَ بِه * بُعْدَ الذِّرَاعَيْنِ والسَّاقَيْنِ وَالْهَادِي
إذ ليس خارجاً عن طباع السيف أن يقطع الشيء العظيم ثم يغوص بعد ذلك في الأرض، ولأن مخارج الغلو عنده على "تكاد".
وقال الجرجاني في كتاب الوساطة: والإفراطُ مذهبٌ عام في المحدثين، وموجود كثير في الأوائل، والناس فيه مختلفون: مِنْ مُستحسِن قابل، ومستقبحٍ رادّ، وله رسوم متى وقف الشاعر عندها ولم يتجاوز بالوصف حدَّها سَلِم، ومتى تجاوزها اتسعت له الغاية، وأدَّته الحالُ إلى الإحالة، وإنما الإحالة نتيجة الإفراط، وشعبة من الإغراق.
وقال الحاتمي: وجدت العلماء بالشعر يعيبون على الشاعر أبيات الغلو والإغراق، ويختلفون في استحسانها واستهجانها، ويعجب بعض منهم بها، وذلك على حسب ما يوافق طباعه واختياره، ويرى أنها من إبداع الشاعر الذي يُوْجِب الفضيلة له، فيقولون: أحْسَنُ الشعر أكْذَبُه، وأن الغلو إنما يراد به المبالغة والإفراط، وقالوا: إذا أتى الشاعر من الغلو بما يخرج عن الموجود ويدخل في باب المعدوم فإنما يريد به المثل وبلوغ الغاية في النعت، واحتجوا بقول النابغة وقد سئل: مَنْ أشعر الناس فقال: من استُجِيد كذبُه وأضحك رديئه، وقد طعن قومٌ على هذا المذهب بمنافاته الحقيقة، وأنه لا يصح عند التأمل والفكرة، انقضى كلامه.
ومن أبيات الغلو للقدماء قول مهلهل:
فَلَوْلا الرِّيْحُ أُسْمِعَ مَنْ بِحُجْرٍ * صَلِيْلَ البِيْضِ تُقْرَعُ بالذُّكُوْرِ
وقد قيل: إنه أكذب بيت قالته العرب، وبين (حُجْر) ــ وهي قصبة اليمامة ــ وبين مكان الوقعة عشرةُ أيامٍ، وهذا أشد غلواً من قول امرئ القيس في النار؛ لأن حاسة البصر أقوى من حاسة السمع وأشد إدراكاً..
واشتقاق الغلو من: الْمُغَالاة، ومن غَلْوة السهم، وهي مدى رَمْيته، يقال: غاليت فلاناً مغالاة وغِلاء، إذا اختبرتما أيكما أبعد غَلْوة سهم، ومنه قول النبي عليه الصلاة السلام: "جَرْيُ الْمُذْكِيَاتِ غِلاء" وقد جاء في حديث داحس "غلاء" و "غلاب" بالباء أيضاً، وإذا قلت: غَلَا السعر غَلَاء، فإنما تريد أنه ارتفع وزاد على ما كان، وكذلك: غَلَتِ القدرُ غَلْياً أو غَلَياناً، إنما هو أن يَجِيش ماؤها ويرتفع).
والغلو عند متأخري البلاغيين: المبالغة غير الممكنة لا في العادة ولا في العقل، مثل ما نُعِيَ على أبي نواس قوله:
وأَخَفْتَ أهْلَ الشِّرْكِ حتى إنَّهُ * لَتَخَافُكَ النُّطَفُ التي لم تُخْلَقِ
إذ جعل ما لم يُخْلَق يخافُه.

أحمد بن يحيى
16-03-2021, 08:41 PM
باب التشكك، ومعه باب الحشو وفضول الكلام، وباب الاستدعاء، وباب التكرار:

ومِنْ مَلِيْحِ الشِّعْرِ: فَــ: (التَّشَكُّكُ) = كَأَنَّهُ الْيَقِيْنُ حِيْنَ يُدْرَكُ

بَيْنَ شَبِيْهَيْنِ كَأَنْ لا فَرْقَا = بَيْنَهُمَا، وما عَدَوْتَ الصِّدْقَا

بِبَالِغِ الْمَعْنَى مَعَ التَّشْوِيْقِ = في هَيْئَةٍ أَقْرَبَ لِلتَّصْدِيْقِ

فَحَازَ مِنْ لُطْفٍ ومِنْ إشْرَاقِ = ما لَيْسَ في الْغُلُوِّ والإغْرَاقِ

قَوْلَ (زُهَيْرٍ) في الْهِجَا ــ وقَدْ قَسَا= في (آلِ حِصْنٍ): أَرِجَالٌ أَمْ نِسَا

وحَيْرَة (الْعَرْجِيِّ) يَرْتَادُ الخَبَرْ = (لَيْلَى) مِنَ الظَّبْيَاتِ أَمْ جِنْسِ الْبَشَرْ(1)

ورُبَّ حَشْوٍ لَمْ يَزِدْ في الْمَعْنَى = ما جاءَ إلَّا لِيُقِيْمَ الْوَزْنَا

فَلَيْسَ يُغْنِيْ في مَدَى التَّمَامَ= لأنَّهُ مِنْ فَضْلَةِ الْكَلَامِ

إغْنَاءَ تَتْمِيْمٍ يَفِيْءُ وَارِفَا = وغَيْره مِمَّا ذَكَرْتُ آنِفَا

فَالْحَشْوُ لُكْنَةٌ لَدَى الْخِطَابِ = كَمَا قَضَى في وَصْفِهِ (الْعَتَّابِيْ)

يَكْثُرُ في زَوَائِدِ الإشَارةِ = وغَيْرِهَا مِنْ فَضْلَةِ الْعِبَارةِ

مِثْل: كَذَا كَذَاكَ هَذَا والَّذِي = أَضْحَى وبَاتَ ظَلَّ ذَا وقَدْ وذِيْ(2)

مِنْهُ: إضَافَةٌ لِذَاتِ الْمَعْنَى = مِثْل صُدَاعِ الرَّأْسِ لَيْسَ يَغْنَى(3)

وبَعْضُهُ: قَافِيَةً قَدْ جَاءَا = فَذَاكَ ما سَمَّوْهُ: الِاسْتِدْعَاءَا

كَـ: (رَبِّ لُقْمَانَ) و(رَبِّ هُوْدِ) = في بَعْضِ ما جاءَ مِنَ الْقَصِيْدِ(4)

والْحَشْوُ إنْ زادَ وإنْ أفَادَا = سَمَّوْهُ في الإفَادَةِ: ارْتِفَادَا

كَمِثْلِ: (حَقــًّا) في بَيَانِ (الَأخْطَلِ) = في مَوْضِعِ التَّوْكِيْدِ زِيْدَتْ، فَاجْتَلِ(5)

كَذَلِكَ التَّكْرَارُ بِالتَّرْدِيْدِ = فَحَسَنُ في الَّلفْظِ، لِلتَّوْكِيْدِ

لَفَرْطِ لَهْفَةٍ تُعِيْدُ الِاسْمَا = مِثْل (امرِئِ القَيْسِ) بِذِكْرِ (سَلْمَى)

أوْ مَعْرِضِ التَّنْوِيْهِ والتَّفْخِيْمِ= ذِكْرَ (خُنَاسٍ) (صَخْرَ) في تَعْظِيْمِ

مُعْجِزُهُ في سُوْرَةِ (الرَّحْمنِ) = تَكْرَار تَعْظِيْمٍ مَعَ امْتِنَانِ

ورُبَّما كُرِّرَ لِلتَّأنِيْبِ = أوْ بَالِغِ الوَعِيْدِ والتَّرْهيب

أوْ لِمَزِيْدِ الْحُزْنِ والتَّوَجُّعِ= في مَعْرِضِ التَّأْبِيْنِ والتَّفَجُّعِ

أوِ اسْتَغَاثَةٍ بِبَابِ الْمَدْحِ = أوْ شِدَّةِ التَّوْضِيْعِ عِنْدَ الْقَدْحِ(6)

ورُبَّما تُكَرَّرُ الْمَعَانِيْ = كِلَاهُمَا يُغْنِي غَنَاءَ الثَّانِيْ

مِثْل: نُجُوْمِ الَّليْلِ أوْ كَــ: (يَذْبُلِ) = عَلَى الثُّرَيَّا اشْتَمَلَتْ والْجَنْدَلِ

كَذَاكَ شُدَّتْ بِمُغَارِ الْفَتْلِ= كَـ: (عُلِّقَتْ...) في صِفَةٍ وفِعْلِ(7)

ومِنْ تَكَرُّرِ الْمَعْنَى مَعَ الأَقْسَامِ = فَنٌّ يُسَمَّى: الْمَذْهَب الْكَلَامِيْ

كَـ: الْمَجْدِ لا يَرْضَى بِأَنْ تَرْضَى بِأَنْ...= (حَبِيْبٌ) افْتَنَّ بِهِ حتَّى فَتَنْ(8)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) وهو من مُلَح الشعر وطُرَف الكلام، وله في النفس حلاوة وحُسْنُ موقع، بخلاف ما للغلو والإغراق.
وفائدته الدلالة على قرب الشبهين حتى لا يفرق بينهما، ولا يميز أحدهما من الآخر، وذلك نحو قول زهير:
وما أدْرِيْ وسَوْفَ إِخَالُ أَدْرِيْ * أَقَوْمٌ آلُ حِصْنٍ أَمْ نِسَاءُ
فإنْ تَكُـــنِ النِّسَــاءُ مُـخَـبَّـئآتٍ * فَحُقَّ لِكُلِّ مُحْصَنَةٍ هِدَاءُ
فقد أظهر أنه لم يعلم أنهم رجال أم نساء، وهذا أملح من أن يقول: هم نساء، وأقرب إلى التصديق؛ ولهذه العلة اختاروه.. وقال العَرْجِيُّ:
بالله يا ظَبَيَاتِ الْقَاعِ قُلْنَ لَنَا * لَيْلَايَ مِنْكِنَّ أَمْ ليلى مِنَ البَشَرِ

وإنما سلك طريق ذي الرمة في قوله:
أيَا ظَبْيَةَ الوَعْسَاءِ بينَ جُلَاجِلٍ * وبينَ النَّقَا آأنتِ أَمْ أُمُّ سالمِ



(2) الحَشْوُ: وسماه قوم الاتِّكاء، وذلك أن يكون في داخل البيت من الشعر لفظٌ لا يفيد معنى، وإنما أدخله الشاعر لإقامة الوزن، فإن كان ذاك في القافية فهو استدعاء، وقد يأتي في حشو البيت ما هو زيادة في حسنه وتقوية لمعناه: كالذي تقدم من التتميم، والالتفات، والاستثناء، وغير ذلك، مما ذكرته آنفاً.
من ذلك قول عبد الله بن المعتز يصف خيلاً:
صَبَبْنَا عليها ــ ظالِمِينَ ــ سِيَاطَنَا * فَطَارَتْ بها أَيْدٍ سِرَاعٌ وأَرْجُلُ
فقوله: "ظالمين" حشوٌ أقام بها الوزن، وبالغ في المعنى أشدَّ مبالغة من جهته، حتى علمنا ضرورة أن إتيانه بهذه اللفظة التي هي حشو في ظاهر الأمر أفضل من تركها، وهذا شبيه بالتتميم.. وإنما يطلق اسم الحشو على ما قدمت ذكره مما لا فائدة فيه.
وقد أتى العَتَّابي بما فيه كفاية حيث يقول:
إنَّ حَشْوَ الكَلَام ِمِنْ لُكْنَةِ الْمَرْ ... ءِ وإيجَازَه مِنَ التَّقْوِيمِ
فجعل الحشو لكنة، وليس كل ما يحشى به الكلام لزيادة فائدة لكنة، وإنما أراد ما لا حاجة إليه ولا منفعة، كقول زيد الخيل يخاطب كعب بن زهير:
يَقُوْلُ: أَرَى زَيْداً وقَدْ كَانَ مُعْدِماً * أَرَاهُ لَعَمْرِيْ قد تَمَوَّلَ واقْتَنَى
فقوله: "أراه لعمري" حشو واستراحة يُستغنى عنها بقوله: "أرى زيداً". ومما يكثر به حشو الكلام: "أضحى، وبات، وظل، وغدا، وقد، ويوماً"، وأشباهها، وكان أبو تمام كثيراً ما يأتي بها، ويكره للشاعر استعمال "ذا، وذي، والذي، وهو، وهذا، وهذي" وكان أبو الطيب مولعاً بها، مكثراً منها في شعره، حتى حمله حبه فيها على استعمال الشاذ وركوب الضرورة في قوله:
لَوْ لَمْ تَكُنْ مِنْ ذَا الْوَرَى الَّلذْ مِنْكَ هُوْ * عَقِمَتْ بِمَوْلِدِ نَسْلِهَا حَوَّاءُ


(3) من الحشو غير المفيد: ما نعوه على أبي العيال الهذلي في قوله:
ذَكَرْتُ أَخِيْ فَعَاوَدَنِيْ * صُدَاعُ الرأسِ والوَصَبُ
لأن صداع الرأس من أدواء الرأس خاصة، فليس لذكر الرأس معه معنى.


(4) الاستدعاء: وهو ألا يكون للقافية فائدة إلا كونها قافية فقط، فتخلو حينئذ من المعنى كقول عدي القرشي، أنشده قدامة:
وَوُقِيْتَ الحُتُوفَ مِنْ وَارِثٍ وا ... لٍ، وأَبْقَاكَ صالِحاً رَبُّ هُوْدِ
فإنه لم يأت لهود النبي عليه السلام ههنا معنى إلا كونه قافية.
ومنه كذلك عند السيِّد الحميري في أبيات له قوله: "رب لقمان"


(5) يكره للشاعر قوله في شعره "حَقــًّا" إلا أن تقع له موقعَها في قول الأخطل:
فَأَقْسَمَ الْمَجْدُ حَقــًّا لا يُحَالِفُهُمْ * حتى يُحَالِفَ بَطْنَ الرَّاحَةِ الشَّعَرُ
فإن قوله ههنا: "حَقــًّا" زاد المعنى حسناً وتوكيداً ظاهراً.
ولقد أحسن عبيد الله بن عبد الله بن طاهر في قوله لابن المعتز:
ولَوْ قُبِلَتْ في حادِثِ الدَّهْرِ فِدْيَةٌ * لَقُلْنَا عَلَى التَّحْقِيْقِ نَحْنُ فِدَاؤُهُ
فقوله: "على التحقيق" حشوٌ مليح فيه زيادة فائدة.
ومن الناس من يسمي هذا النوع من الكلام: الاتكاء والارتفاد.


(6) للتكرار مواضع يحسن فيها، ومواضع يقبح فيها، فأكثر ما يقع التكرار في الألفاظ دون المعاني، وهو في المعاني دون الألفاظ أقل، فإذا تكرر اللفظ والمعنى جميعاً فذلك الخذلان بعينه، ولا يجب للشاعر أن يكرر اسماً إلا على جهة التشوق والاستعذاب، إذا كان في تغزل أو نسيب.. كقول امرئ القيس، ولم يتخلص أحد تخلصه فيما ذكر عبد الكريم وغيره، ولا سلم سلامته في هذا الباب:
دِيَارٌ لِسَلْمَى عَافِيَاتٌ بِذِي الْخَـــالِ * أَلَــــحَّ عَلَيْهـــا كُــلُّ أَسْحَـــمَ هَطَّـــــالِ
وتَحْسِبُ سَلَمَى لا تَزَالُ كَعَهْدِنــــا * بِوَادِي الْخُزَامَى أوْ عَلَى رَأْسِ أَوْعَالِ
وتَحْسِبُ سَلْمَى لا تَزَالُ تَرَى طَلاً * مِنَ الْوَحْشِ أوْ بَيْضاً بِمَيْثَـاءَ مِحْـــلَالِ
لَيَالِيَ سَلْمَى إذْ تُرِيْــكَ مُنَضَّـــــداً * وجِيْدًا كَجِيْـــدِ الرِّيْــمِ لَيْسَ بِمِعْطَـــــالِ

أو على سبيل التنويه به، وإشارة بذكره، والتفخيم له في القلوب والأسماع، كقول الخنساء:
وإنَّ صَخْرًا لَمَوْلانَا وسَيِّدُنا * وإنَّ صَخْرًا إذَا نَشْتُوْ لَنَحَّارُ
وإنَّ صَخْرًا لَتَأْتَمُّ الْهُدَاةُ بِهِ * كَأَنَّـــهُ عَلَــمٌ في رأسِهِ نَــارُ
ومن المعجز في هذا النوع قول الله تعالى في سورة الرحمن: " فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ"، كلما عدَّد منَّة أو ذكر بنعمة كرر هذا.

أو على سبيل التقرير والتوبيخ. كقول بعضهم:
إلى كَمْ وكَمْ أشياء منكمْ تُريبني * أُغَمِّضُ عنها لستُ عنها بِذِيْ عَمَى

أو على وجه التوجع إن كان رثاء وتأبيناً، نحو قول متمم بن نويرة:
وقالوا: أَتَبْكِـــيْ كُــلَّ قَبْرٍ رأيْتَــــهُ * لِقَبْرٍ ثَوَى بينَ الِّلوَى فَالدَّكَادِكِ؟
فقلتُ لهمْ: إنَّ الأسى يبعثُ الأسى * دَعُونيْ، فهذا كُلُّــهْ قَبْرُ مالِـــكِ
وأولى ما تكرر فيه الكلام باب الرثاء؛ لمكان الفجيعة وشدة القرحة التي يجدها المتفجع، وهو كثير حيث التُمِسَ من الشعر وُجِد.

أو على سبيل الاستغاثة وهي في باب المديح، نحو قول العديل بن الفرخ:
بَنِيْ مِسْمَعٍ لولا الإلهُ وأنتمُ * بني مسمعٍ لم يُنْكِرِ الناسُ مُنْكَرا

ويقع التكرار في الهجاء على سبيل الشهرة، وشدة التوضيع بالمهجو، كما صنع جرير في قصيدته الدماغة التي هجا بها راعي الإبل؛ فإنه كرر "بني نمير" في كثير من أبياتها.


(7) من التكرار ما هو معيب ظاهر العيب، كقول ابن الزيات:

أتعزِفُ أم تقيمُ على التصابي؟ * فقد كثرتْ مُنَاقَلَةُ العتــــــابِ
إذا ذُكر السلوُّ عن التصابـــي * نفرت من اسمه نفر الصعاب
وكيف يُلام مثلُكَ في التصابي * وأنتَ فتى المجَانَةِ والشباب؟!
سأعزف إن عزفتَ عن التصابي * إذا ما لاح شيبٌ بالغُراب
ألم ترني عَدَلْتُ عن التصابي * فأغرَتْني الملامةُ بالتصابي؟!
قال المصنف: (ملأ الدنيا بالتصابي، على التصابي لعنةُ الله من أجْلِه، فقد برد به الشعرُ، ولا سيما وقد جاء به كله على معنى واحد من الوزن، لم يَعْدُ به عروض البيت، وأين هذا من تكريره على جهة التفخيم في قوله للحسن بن سهل من قصيدة:
إلى الأمير الحسَنِ استجدْتُها * أيَّ مَزَارٍ ومُنَـــاخٍ ومَحَــــلّ
أيَّ مَزَارٍ ومُنَـــاخٍ ومَــحَــــلّ * لخائفٍ ومُسْتَرِيشٍ ذي أمَلْ


ومنه: خفيٌّ غير ظاهر، قال المصنف: (ومن تكرير المعاني قول امرئ القيس، وما رأيت أحداً نبه عليه:
فَيَا لَكَ مِنْ ليــلٍ كأنّ نجومَـــهُ * بِكُلِّ مُغَارِ الْفَتْلِ شُدَّتْ بِيَذْبُــلِ
كأنَّ الثُّرَيَّا عُلِّقَتْ في مَصَامِهَا * بِأَمْرَاسِ كَتَّانٍ إلى صُمِّ جَنْدَلِ
فالبيت الأول يغني عن الثاني، والثاني يغني عن الأول، ومعناهما واحد؛ لأن النجوم تشتمل على الثريا، كما أن يذبل يشتمل على صم الجندل، وقوله: "شدت بكل مغار الفتل" مثل قوله: "علقت بأمراس كتان".


(8) ذكر ابن المعتز أن الجاحظ سمى هذا النوع المذهب الكلامي. قال ابن المعتز: وهذا بابٌ ما علمت أني وجدت منه في القرآن شيئاً، وهو ينسب إلى التكلف، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً.
قال صاحب الكتاب: غير أن ابن المعتز قد ختم بهذا الباب أبواب البديع الخمسة التي خصها بهذه التسمية، وقدمها على غيرها، وأنشد للفرزدق:
لِكُلِّ امرئٍ نَفْسانِ: نَفْسٌ كريمـةٌ * وأخرى يُعَاصِيْها الفتى ويُطِيْعُها
ونَفْسُكَ مِنْ نَفْسَيْكَ تَشْفَعُ للنَّدَى * إذَا قَلَّ مِنْ أحرارِهِنَّ شَفِيْعُهــــــا


وعاب على أبي تمام قوله:
فَالْمَجْدُ لا يَرْضَى بِأنْ تَرْضَى بِأنْ * يَرْضَى المؤمِّلُ منكَ إلَّا بِالرِّضَا
وحُكي أن إسحاق الموصلي سمع الطائي ينشد ويكثر من هذا الباب وأمثاله عند الحسن بن وهب، فقال: يا هذا، لقد شددت على نفسك.

أحمد بن يحيى
19-03-2021, 07:50 AM
باب نفي الشيء بإيجابه، ومعه باب الاطِّراد، وباب التضمين والإجازة:


والنَّفْيُ لِلشَّيْءِ بِإيْجَابٍ لَهُ = فَبَالِغٌ مَعْنَاهُ مُوْفٍ جَزْلَهُ
كَـ: لَاحِبٍ لا يُهْتَدَى مَنَارُهُ = عِنْدَ (امْرِئِ الْقَيْسِ)، فَذَا مُخْتَارُهُ
أيْ: لا مَنَارَ لِطَرِيْقٍ عُفِّيْ = ظَاهِرُهُ الإيجابُ، وَهْوَ مَنْفِيْ
بَالِغُهُ الْمُعْجِزُ: ذَا في: (البَقَرهْ) = في وَصْفِ حَالِ الْفُقَرَاءِ الْمُحْصِرَهْ
(لا يَسْأَلُوْنَ): ذَا مَصَبُّ النَّافِيْ = وَوَاقِعٌ ضِمْنًا عَلَى (الإلْحَافِ)
وفِيْهِ تَعْرِيْضٌ بِمَنْ قَدْ أَلْحَفَا = كَذَاكَ حَمْدٌ لِلَّذِيْ تَعَفَّفَا(1)
ومِنْ بَدِيْعٍ: فَتَوَالِي الْأَسْمَا= عَلَى اطِّرَادٍ، وَبِهِ يُسَمَّى
لا سِيَّمَا مَا جاءَ دُوْنَ كُلْفَهْ = وأَحْسَنَ الشاعرُ ثَمَّ رَصْفَهْ
أَكْثَرَ مِنْهُ مُحْدَثٌ في الشُّعَرَا = كـَ: (المتنبيْ) و(حَبِيْب)، فَجَرَى
وكَانَ قَبْلُ نُتَفًا في الشِّعْرِ = يُؤْتَى بِنَزْرٍ مِنْهُ بَعْدَ نَزْرِ(2)
كَذَلِكَ: التَّضْمِيْنُ، في تَنَخُّلِ = بَيْتٍ لِسَابِقٍ، عَلَى التَّمَثُّلِ
أوْ شَطْرِهِ، يُضَافُ في أَشْعَارِهْ = ولَا يُلَامُ فِيْهِ؛ لِاشْتِهَارِهْ
جَيِّدُهُ مِنْهُ: فَصَرْفُ الْمَعْنَى = لِغَيْرِ أصْلِهِ، يَجِيْءُ ضِمْنَا
ورُبَّمَا جِيْءَ بِهِ مَعْكُوْسَا = أَوَّلُهُ آخِرُهُ مَنْكُوْسَا
ورُبَّمَا جاءَ عَلَى الإشَارَةِ = بِالْوَحْيِ في الَّلفْظِ وفي العِبَارَةِ(3)
إِتْبَاعُكَ الشَّطْرَ بِشَطْرِ يَعْدِلُهْ: = تِلْكَ إِجَازَةٌ لَهْ تُكَمِّلُهْ
كَذَلِكَ البَيْت بِبَيْتٍ فَيَلِيْ = كَابْنَةِ (حَسَّان) وَقَدْ قَالَ: افْعَلِي
مُشْتَقُّهَا: أَجَازَهُ: إذَا سَقَى = لَهُ، وَعَنْهُ: جَازَهُ بِلَا سِقَا(4)
مِنْهُ ــ كذا ــ: التَّمْلِيْطُ: شَطْرًا شَطْرَا = كَــ: (الْيَشْكُرِيِّ) و(ابْنِ حُجْرٍ): شِعْرَا
مِنَ: الْمِلَاطِ، وَهْوَ: طِيْنٌ خُلِطَا = يُدَاخِلُ الْبِنَاءَ، مَلْطًا مُلِطَا
وقِيْلَ فِيْهِ: جَانِبَا السَّنَامِ = هُمَا الْمِلَاطَانِ، عَلَى الإِحْكَامِ(5)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) نَفْيُ الشيء بإيجابه: وهذا الباب من المبالغة، وليس بها مختصاً، إلا أنه من محاسن الكلام، فإذا تأملته وجدت باطنه نفياً، وظاهره إيجاباً.. قال امرؤ القيس:
عَلَى لَاحِبٍ لَا يُهْتَدَى بِمَنَارِهِ * إذَا سَافَهُ الْعَوْدُ النُّبَاطِيُّ جَرْجَرَا
فقوله: "لا يهتدى بمناره" لم يُرِد أنّ له مناراً لا يهتدى به، ولكنْ أراد أنه لا منار له فيهتدى بذلك المنار. ومنه ما جاء في تفسير قول الله عز وجل: "لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا": الذي عليه المحققون من العلماء أن النفي منصبٌّ على السؤال وعلى الإلحاف، أي: إنهم لا يسألون أصلاً تعففاً منهم، لأنهم لو كانوا يسألون ما ظنهم الجاهل أغنياء من التعفف، ولو كانوا يسألون ما كانوا متعففين، ولو كانوا يسألون ما احتاج صاحب البصيرة النافذة إلى معرفة حالهم عن طريق التفرس في سماتهم لأن سؤالهم كان يغنيه عن ذلك. وإنما جاء النفي بهذه الطريقة التي يوهم ظاهرها أنّ النفي متجه إلى الإلحاف وحده؛ للموازنة بينهم وبين غيرهم؛ فإنّ غيرهم إذا كان يسأل الناس إلحافا فهم لا يسألون مطلقا لا بإلحاف ولا بدونه، والنفي بهذه الطريقة فيه تعريض بالملحفين وثناء على المتعففين.

(2) الاطِّرادُ: من حسن الصنعة أن تطرد الأسماء من غير كلفة، ولا حشو فارغ؛ فإنها إذا أطردت دلَّت على قوة طبع الشاعر، وقلة كلفته ومبالاته بالشعر. وذلك نحو قول الأعشى:
أَقَيْسَ بْنَ مَسْعُوْد بْنِ قَيْسِ بْنِ خَالِدِ * وأَنْتَ امْرُؤٌ تَرْجُوْ شَبَابَكَ وَائِلُ
فأتى كالماء الجاري اطراداً وقلة كلفة، وبَيَّنَ النسبَ حتى أخرجه عن مواضع اللبس والشبهة..
ولما سمع عبد الملك بن مروان قول دريد بن الصمة:
قَتَلْنَا بِعَبْدِ الله خَيْرَ لِدَاتِهِ * ذُؤَابَ بْنَ أسماءَ بْنِ زَيْدِ بْنِ قارِبِ
قال كالمتعجب: لولا القافية لبلغ به آدم!
وقد أكثر متأخرو الشعراء ــ كأبي تمام وأبي الطيب ــ من هذا النمط، فأحسنوا حيناً وتعسفوا أحياناً، قال الطائي:
عَمْرو بن كُلثُومِ بن مالكٍ بن عَتَّابِ بن سَعْدٍ سَهْمُكُمْ لا يُسْهَمُ
فخاطب بذلك بني عمرو بن غنم التغلبيين، وهم بنو عم مالك بن طَوْق، فانتظم له ما أراد من الأسماء، إلا أنه ظاهر التكلف.
وجاء أبو الطيب فجاءك بالتعسف في قوله لسيف الدولة:
فأنتَ أبو الهَيْجَا ابْنُ حَمْدَانَ يا ابْنَهُ = تَشَابَـــــهَ مولودٌ كريـــــــمٌ ووالِــــــــــدُ
وحمدانُ حَمْـدونٌ وحمــــــدونُ حــــــارِثٌ = وحارثُ لقمانٌ ولقمانُ راشِدُ
(وينظر في ذلك للاستزادة: ما جاء به ابن رشيق في كتابه؛ لا سيما تعليقه على أبيات المتنبي).

(3) التضمين: هو قَصْدُك إلى البيت من الشعر أو القسيم (الشطر) فتأتي به في أواخر شعرك أو في وسطه كالمتمثل. فمن الشعراء من يضمن بيتا بتمامه وترتيبه، ومنهم من يضمن قسيماً(شطرًا)، نحو قول بعضهم (الصُّوْلي) مضمناً شطورًا من معلقة امرئ القيس:
خُلِـقْـــــتُ علـى بـــــــاب الأميـــــــر كــــأنني = "قفا نبك من ذكرى حبيبٍ ومنزلِ"
إذا جئتُ أشكو طُوْلَ ضيقٍ وفاقـــَــــــةٍ = "يقولون: لا تَهْلِكْ أسىً وتحمـَّــــــــــــــلِ"
ففاضتْ دموعُ العين من سوء ردِّهِمْ = "على النحر حتى بَلَّ دمعيَ مِحْمَلِي"
لقد طالَ تَرْدَادِيْ وقَصْديْ إليكــــــــــــمُ = "فَهَلْ عندَ رَسْمٍ دارِسٍ مِنْ مُعَــــــــــوَّلِ"
ومنهم من يَقْلِب البيت فيضمِّنه معكوساً، نحو قول العباس بن الوليد بن عبد الملك بن مروان لمسلمة بن عبد الملك:
لقد أنكَرْتَنيْ إنكــــــــــارَ خوفٍ = يضمُّ حَشَاكَ عن شتميْ وذَحْلي
كقولِ المرءِ عمرٍو في القوافي = لِقَيْسٍ حِيْنَ خالـَـــفَ كُــــلَّ عـَـــــذْلِ:
عَذِيْرَكَ مِنْ خَلِيلِكَ مِنْ مُرَادٍ = أريــــــدُ حيـــــاتــــَــه ويـــــريــــدُ قـــتــــلـــي
والبيت المضمن لعمرو بن معدي كرب الزبيدي، يقوله لابن أخته قيس بن زهير بن هبيرة بن مكشوح المرادي، وكان بينهما بعد شديد وعداوة عظيمة، وحقيقته في شعر عمرو:
أريد حياته ويريد قتلي * عَذِيرَكَ من خليلك من مراد
ومن التضمين ما يُحيل الشاعر فيه إحالة، ويشير به إشارة، فيأتي به كأنه نظم الأخبار أو شبيه به، وذلك نحو قول بعضهم في معنى قول ابن المعتز: (كما قال عباسٌ وأنفيَ راغِمٌ) إنه لم يرد الأبيات المقدم ذكرها، وإنما أراد قوله للرشيد حين هجرته ماردة:
لا بُدَّ للعاشق مِنْ وَقْفَـــــةٍ * تكونُ بين الوَصْلِ والصَّرْمِ
حتى إذا الهَجْرُ تَمَادَى به * راجَعَ مَنْ يَهْوَى على رُغْمِ
فهذا النوع أبعد التضمينات كلها، وأقلها وُجُوداً، وذلك نحو قول أبي تمام:
لَعَمْرٌو مَعَ الرمْضَاءِ والنارُ تَلْتَظِيْ * أرَقُّ وأحْنَى منك في ساعة الكَرْبِ
أراد البيت المضروب به المثل:
الْمُسْتجيرُ بعمرٍو عِنْدَ كُرْبَتِهِ * كالمستجيرِ مِنَ الرَّمْضَاءِ بالنارِ

(4) الإجازة: بناء الشاعر بيتاً أو قسيماً يزيده على ما قبله، وربما أجاز بيتاً أو قسيماً بأبيات كثيرة، فأما ما أجيز فيه قسيم بقسيم فقول بعضهم لأبي العتاهية:
أجِزْ:
بَرَدَ الماءُ وَطابَا
فقال:
حَبَّذا الماءُ شَرَابا
وأما ما أجيز فيه بيت ببيت فقول حسان بن ثابت وقد أرق ذات ليلة فقال:
مَتَارِيْكُ أذْنابِ الأمورِ إذا اعْتَرَتْ * أخَذْنا الفُروعَ واجْتَنَبْنَا أُصُولَهَا
وأجْبَل، فقالت ابنته: يا أبت، ألا أجيز عنك، فقال: أو عندك ذاك؟ قالت: بلى، قال: فافعلي، فقالت:
مَقَاوِيلُ للمعروف خُرْسٌ عن الخَنَا * كِرَامٌ يُعَاطُوْنَ العَشِيرةَ سُوْلَهَا
قال: فحَمِيَ الشيخُ عند ذاك، فقال:
وقافيةٍ مِثْل السِّنَانِ رَدَفْتُها * تناولتُ مِنْ جَوِّ السماء نُزُولَهَا
فقالت ابنته:
يَرَاهَا الَّذي لا يَنْطِقُ الشعرَ عِنْدَهُ * ويَعجز عن أمثالها أنْ يقولَهَا
وأما ما أجيز فيه قسيم بيت ببيت ونصف فقول الرشيد للشعراء: أجيزوا:
الْمُلْكُ لله وَحْدَهْ
فقال الجماز:
ولِلخليفةِ بَعْدَهْ
وللمُحِبِّ إذَا ما * حبيبُه باتَ عِنْدَهْ
قال المصنف ــ رحمه الله ــ في اشتقاق (الإجازة): والإجازة في هذا الموضع مشتقة المعنى من الإجازة في السَّقْيِ، يقال: أجاز فلان فلاناً، إذا سقى له أو سقاه، الشك مني، وأما اللفظة فصحيحة فصيحة.
وقال ابن السكيت: يقال للذي يَرِدُ على أهل الماء فيستقى: مُسْتَجِيْز: قال القطامي:
وقالوا فُقَيْمٌ قَيِّمُ الماءِ فاسْتَجِزْ * عُبَادَةَ؛ إنَّ الْمُسْتَجِيْزَ على قُتْرِ

(5) قال المصنف: (ومن هذا الباب نوع يسمى التَّمْلِيط، وهو أن يتساجل الشاعران فيصنع هذا قسيماً وهذا قسيماً لينظر أيهما ينقطع قبل صاحبه، وفي الحكاية أن امرأ القيس قال للتوأَمِ اليَشْكُري: إن كنت شاعراً كما تقول فمَلِّطْ أنصافَ ما أقول فأجِزْها، قال: نعم، قال امرؤ القيس: (أحَارِ تَرَى بُرَيقاً هَبَّ وَهْناً) فقال التوأم: (كنارِ مجوسَ تَسْتَعِرُ استعارا)، فقال امرؤ القيس: (أرِقْتُ له ونام أبو شريحٍ)، فقال التوأم: (إذا ما قلت قد هَدَأ اسْتَطَارا)، ولا يزالان هكذا، يصنع هذا قسيماً وهذا قسيماً إلى آخر الأبيات. وقد تقدم إنشادها في باب أدب الشاعر من هذا الكتاب..
واشتقاق التمليط من أحد شيئين: أولهما أن يكون من الْمِلَاطَيْن، وهما جانبا السنام في مرد الكتفين، قال جرير:
ظللْنَ حَوَالَيْ خِدْرِ أسماءَ، وانْتَحَى * بِأسماءَ مَوَّارُ الْمِلاطَيْنِ أَرْوَحُ
فكأن كل قسيم مِلَاطٌ، أي: جانبٌ من البيت، وهما عند ابن السكيت العضدان. والآخر وهو الأجود أن يكون اشتقاقه من الملاط وهو الطين يدخل في البناء يملط به الحائط مَلْطاً، أي: يدخل بين اللبِنِ حتى يصير شيئاً واحدا).

أحمد بن يحيى
23-03-2021, 01:19 AM
باب الاتساع، ومعه باب الاشتراك، وباب التغاير:

والِاتِّسَاعُ: وَهْوَ قَوْلٌ يَجْزُلُ = يَزِيْدُ مَعْنَاهُ بِمَا يُؤَوَّلُ

يَحْتَمِلُ الَّلفْظُ بِهِ مَعَانِيْ = لِقُوَّةٍ فِيْهِ وفِي الْمَبَانِيْ

مِثْل (امْرِئِ القَيْسِ) وَقَدْ أَجَادَا = كَرّاً وَفَرّاً وَصْفَهُ الْجَوَادَا

وقَوْلَهُ: "مَعًا"؛ فَزَادَ الْمَعْنَى= وأَرْدَفَ التَّشْبِيْهَ حتَّى أَغْنَى

فَكَثُرَ التَّأوِيْلُ في بَيَانِهِ = وزَادَتِ الأَلْسُنُ مِنْ تِبْيَانِهِ(1)

كَالِاتِّسَاعِ: الِاشْتِرَاكُ يَغْنَى = يَكُوْنُ: في الَّلفْظِ، كَذَا: في الْمَعْنَى

أَمَّا اشْتِرَاكُ الَّلفْظِ، فَهْوَ أَضْرُبُ: = فَمِنْهُ: مَحْمُودٌ، كَذَا: مُضْطَرِبُ

مَحْمُوْدُهُ: يَخْلُوْ مِنَ الإِيْهَامِ = وشُبْهَةِ التَّأَوِيْلِ في الكَلاَمِ

لَفْظَاهُ حَدّاً واحِدًا قَدْ لَزِمَا = فَذَلِكَ: التَّجْنِيْسُ، قَدْ تَقَدَّمَا

ومِنْهُ: مَا يَحْتَمِلُ التأويلا = بِمُلْبِسٍ يَفْتَقِدُ الدَّلِيلا

فَمِنْهُ: (حَيٌّ)، قَالَهُ (الفَرَزْدَقُ) = مَعْنَاهُ مُوْهِمٌ، فَمَا يُحَقَّقُ

يَحْتَمِلُ: الْفَرْدَ، كَذَا القَبِيْلا = فَلَا تَكَادُ تَعْرِفُ الْمَدْلُولا

وذَا في الِاشْتِرَاكِ لَيْسَ يُحْمَدُ = وإنَّما حَسَنُهُ: الْمُقَيَّدُ

فَتَجِدُ الْقَائِلَ فيهِ اسْتَدْرَكَا = بَالنَّفْيِ ما يُعَيِّنُ الْمُشْتَرَكَا

بِهِ (كُثَيِّرٌ) تَدَارَكَ الْخَطَا: = عَنَى قَصِيْرَاتِ الْحِجَالِ، لا الْخُطَا

وتِلْكَ شُعْبَةٌ مَنَ البَيَانِ = وَغَايَةٌ في الْحُسْنِ والإحْسَانِ

ثُمَّةَ ألفاظٌ عَلَى القِيَاسِ = مُشْتَرَكَاتٌ في عُمُومِ النَّاسِ

مِنْهَا: كَثِيْرٌ سائرٌ مُبْتَذَلُ = كَذَا: قَلِيلٌ خُصَّ فَهْوَ أَكْمَلُ:

بِمَيْزَةٍ تَزِيْدُ في الْعِبَارَهْ = فَضَلَ بَيَانٍ، وكَذَا اسْتِعَارَهْ:

تَصْحَبُهَا قَرِيْنَةٌ فَتَغْنَى = تُحْدِثُ فيها شَرَفًا في الْمَعْنَى

سائِرُهَا مُبْتَذَلٌ مُبَاحُ = لَكِنَّ مَا خُصَّ فَلَا يُبَاحُ(2)

وذَاكَ في مُشْتَركِ الْمَعَانِيْ = وَهْوَ لَدَى تَفْرِيعِهِ نَوْعانِ:

مُشْتَركُ الْمَعْنَى، ولَكِنْ تَخْتَلِفْ = عِبَارَتَاهُمَا، وَكُلٌّ ذُو شَرَفْ

عَلَيْهِ أشْعَارُ السُّرَاةِ الْقُدَمَا = تَفَنَّنُوا فيهِ، وكُلٌّ نَظَمَا

عَلَى مَعَانٍ مُشْبِهَاتٍ بَعْضَهَا = وقَدْ أَجَادُوا ــ رغْمَ ذَاكَ ــ عَرْضَهَا

ونَوْعُهُ الثانيْ، فَذَا: ضَرْبَانِ: = مَا عَمَّ، والْمَخْصُوْصُ بِالْبَيَانِ

أَمَّا عُمُوْمُهُ فَفِي الطِّبَاعِ = ولَيْسَ مُحْتَاجًا إلى اخْتِرَاعِ:

تَشْبِيْه وَجْهٍ حَسَنٍ بِالْقَمَرِ = ورَجُلٍ ذِي كَرَمٍ بِالْمَطَرِ

فيهِ الْفَصِيْحُ يَسْتَوِيْ بِالأَعْجَمِ = كَذَلِكَ النَّاطِقُ مِثْلُ الأَبْكَمِ

أمَّا الَّذِي قَدْ خُصَّ حتَّى ارْتَفَعَا = فَكَانَ في أَوَّلِهِ مُخْتَرَعَا

تَوَاطَؤُوْهُ آخِرًا عَنْ أَوَّلِ = فَعَادَ كَالْمُشْتَركِ الْمُبْتَذَلِ

إلَّا بِمَا زِيْدَ مِنَ التَّوْلِيْدِ = أوْ خُصَّ بِالتَّخْصِيْصِ والتَّقْيِيْدِ(3)

كَذَا: مُغَايِرٌ خِلَافُ الْمَذْهَبِ = وَهْوَ مِنَ الشِّعْرِ عَزِيزُ الْمَطْلَبِ

بِهِ يَصِحُّ ثَمَّ مَذْهَبَانِ = عَلَى نَقِيْضَيْنِ مِنَ الْمَعَانِيْ(4)

تَفْصِيْلُهُ يأتِيْ بِبَابِ السَّرِقَهْ: = بِمَا يُجَلِّيْ حَدَّهُ وطُرُقَهْ

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الاتِّسَاعُ: وذلك أن يقول الشاعر بيتاً يتسع فيه التأويل؛ فيأتي كل واحد بمعنى، وإنما يقع ذلك لاحتمال اللفظ، وقوته، واتساع المعنى. من ذلك قول امرئ القيس:
مَكَرٍّ مِفَرٍّ مُقْبِلٍ مُدْبِرٍ مَعاً * كَجُلْمُوْدِ صَخْرٍ حَطَّهُ السَّيْلُ مِنْ عَلِ
فإنما أراد أنه يصلح للكر والفر، ويحسن مقبلاً مدبراً، ثم قال "معاً" أي: جميعُ ذلك فيه، وشبّهه في سرعته وشدة جريه بجلمود صخر حطه السيلُ من أعلى الجبل؛ فإذا انحطّ من عالٍ كان شديدَ السرعة، فكيف إذا أعانته قوة السيل من ورائه!
وذهب قوم ــ منهم عبد الكريم ــ إلى أن معنى قوله: (كجلمود صخر حطه السيل من عل): إنما هو الصلابة؛ لأن الصخر عندهم كلما كان أظهر للشمس والريح كان أصلب.
وقال بعضُ مَنْ فسَّره من المحدَثِين: إنما أراد الإفراط، فزعم أنه يُرَى مقبلاً ومدبراً في حال واحدة عند الكر والفر لشدة سرعته، واعترض على نفسه، واحتج بما يوجد عياناً؛ فمثله بالجلمود المنحدر من قُنَّة الجبل، فإنك ترى ظهره في النصبة على الحال التي ترى فيها بطنه وهو مقبل إليك، ولعل هذا ما مر قط ببال امرئ القيس، ولا خَطَر في وَهْمه، ولا وقع في خَلَده، ولا رُوْعِه.
وقد ذكر المصنف أمثلة كثيرة رائقة في هذا الباب: (الاتساع)، تراجع في موضعها من كتابه.

(2) الاشتراك: وهو أنواع: منها ما يكون في اللفظ، ومنها ما يكون في المعنى؛ فالذي يكون في اللفظ ثلاثة أشياء: فأحدها: أن يكون اللفظان راجعين إلى حدٍّ واحد ومأخوذَين من حدٍّ واحد، فذلك اشتراك محمود، وهو: التجنيس، وقد تقدم القول فيه، والنوع الثاني: أن يكون اللفظ يحتمل تأويلين أحدهما يلائم المعنى الذي أنت فيه والآخر لا يلائمه ولا دليل فيه على المراد، كقول الفرزدق:
ومَا مِثْلُهُ في النَّاسِ إلَّا مُمَلَّكاً * أبُو أُمِّهِ حَيٌّ أبُوهُ يُقَارِبُهْ
فقوله: "حَيٌّ" يحتمل: القبيلة، ويحتمل: الواحد الحي(من سائر الحيوان المتصف بالحياة)، وهذا الاشتراك مذموم قبيح، والمليح الذي يحفظ لكُثَيِّر في قوله يُشَبِّب:
لَعَمْرِيْ لَقَدْ حَبَّبْتِ كُلَّ قَصِيـْـــــرَةٍ = إلَيَّ، ومَا تَدْرِيْ بِذَاكَ الْقَصَــائِـــرُ
عَنَيْتُ قَصِيْرَاتِ الْحِجَـالِ ولَمْ أرِدْ = قِصَارَ الْخُطَا؛ شَرُّ النِّسَاءِ الْبَحَاتِرُ
فأنت ترى فطنته لما أحسَّ باشتراكٍ كيف نفاه، وأعرب عن معناه الذي نحا إليه.
والنوع الثالث ليس من هذا في شيء، وهو سائر الألفاظ المبتذلة للتكلم بها، لا يسمى تناوُلها سرقة، ولا تداوُلها اتباعاً؛ لأنها مشتركة لا أحد من الناس أولى بها من الآخر، فهي مباحة غير محظورة، إلا أنْ تدخلَها استعارة، أو تصحبَها قرينةٌ تُحْدِث فيها معنى، أو تفيد فائدة، فهناك يتميز الناس، ويسقط اسم الاشتراك الذي يقوم به العذر، ولو غُيِّرت اللفظة وأُتَيَ بما يقوم مقامها كقول ابن أحمر:
بِمُقَلِّصٍ دَرْكِ الطَّرِيدَةِ، مَتْنُهُ * كَصَفَا الخَلِيقَةِ بِالفَضَاءِ الْمُلْبِدِ
فقوله: "دَرْك الطريدة"، وقول الأسود بن يعفر:
بِمُقَلِّصٍ عَتِدٍ جَهِيْرٍ شَدُّهُ * قَيْدِ الأَوَابِدِ والرِّهَانِ جَوَادِ
جميعاً كقول امرئ القيس: (بِمُنْجَرِدٍ قَيْدِ الأَوَابِدِ هَيْكَلِ)، وكذلك قول أبي الطيب: (أَجَلِ الظَّلِيْمِ وَرِبْقَةِ السِّرْحَانِ).
فأما ما ناسب قول الأبيرد اليربوعي يرثي أخاه:
وقَدْ كُنْتُ أَسْتَعْفِيْ الإلهَ إذا اشتكى * من الأجرِ ليْ فيهِ، وإنْ عَظُمَ الأجْرُ
وقول أبي نواس في صفة الخمر:
تَرَى العَيْنَ تَسْتَعْفِيْكَ مِنْ لَمَعانِها * وتَحْسِرُ حتى ما تُقِلُّ جُفُونَهَا
فهو من المشترك الذي لا يعد سرقة.
وقد نص عليه القاضي الجرجاني أنه من المنقول المتداول المبتذل.

(3) وأما الاشتراك في المعاني فنوعان: أحدهما: أن يشترك المعنيان وتختلف العبارة عنهما، فيتباعد اللفظان، وذلك هو الجيد المستحسن، نحو قول امرئ القيس:
كَبِكْرِ الْمُقَانَاةِ البَيَاضَ بِصُفْرَةٍ * غَذَاهَا نَمِيْرُ الْمَاءِ غَيْر مُحَلَّلِ
وقول غيلان ذي الرمة:
نَجْلَاءُ في بَرَجٍ، صَفْراءُ في نَعَجٍ * كأنهّا فِضَّةٌ قد مَسَّهَا ذَهَبُ
فوصفا جميعاً لوناً بعينه: فشبهه الأول بلون بيضة النعام، وشبهه الثاني بلون الفضة قد خالطها الذهب يسيراً ولذلك قال: "قد مسها".
والنوع الثاني على ضربين: أحدهما: ما يوجد في الطِّباع من تشبيه الجاهل بالثور والحمار، والحسن بالشمس والقمر، والشجاع بالأسد وما شابهه، والسخيّ بالغيث والبحر، والعزيمة بالسيف والسيل، ونحو ذلك؛ لأن الناس كلهم الفصيح والأعجم والناطق والأبكم فيه سواء؛ لأنا نجده مُركَّباً في الخليقة أولاً.
والآخر: ضَرْبٌ كان مخترعاً، ثم كثر حتى استوى فيه الناس، وتواطأ عليه الشعراء آخراً عن أول، نحو قولهم في صفة الخد: " كالورد" وفي القَدِّ: " كالغصن"، وفي العين " كعين الْمَهَاة من الوحش"، وفي العنق:" كعنق الظبي، وكإبريق الفضة أو الذهب"، فهذا النوع وما ناسبه قد كان مخترعاً، ثم تساوى الناس فيه، إلا أنْ يُوَلِّدَ أحدٌ منهم فيه زيادة، أو يخصه بقرينة؛ فيستوجب بها الانفراد من بينهم، ومثل ذلك: تشبيه العزم بهبوب الريح، والذكاء بشُوَاظ النار، وسيرد عليك من قوافي باب السرقات وما ناسبها كثير، إن شاء الله تعالى.

(4) التَّغَايُر: وهو أن يتضادَّ المذهبان في المعنى حتى يتقاوما، ثم يصحَّا جميعاً، وذلك من افتنان الشعراء وتصرفهم وغَوْص أفكارهم.. ومن مليح التغاير قول أبي الشِّيْص:
أَجِدُ الْمَلَامَةَ في هَوَاكِ لَذِيذَةُ * حُبـــًّا لِذِكْرِك، فَلْيَلُمْنِي الُّلوَّمُ
وقول أبي الطيب في عكس هذا:
أَأُحِبُّهُ وأُحِبُّ فيهِ مَلامَةً! * إنَّ الْمَلامَةَ فيهِ مِنْ أعدائهِ
وهذا عند الجرجاني هو النظر والملاحظة، وهو يعدُّه في باب السرقات.
ذكر المصنف أمثلة كثيرة ورائقة لهذا النوع: (التغاير)، تراجع في موضعها من كتابه. والله أعلم.

أحمد بن يحيى
31-03-2021, 02:47 AM
باب في التصرف ونقد الشعر، ومعه باب في أغراض الشعر وصنوفه:

والشَّاعِرُ السَّابِقُ: ذُو التَّصَرُّفِ = في كُلِّ مَذْهَبٍ وَوَادٍ يَقْتَفِيْ:

في الْجِدِّ مِنْهُ، وكَذَا في الْهَزْلِ = مَتَى يَشَأْ، وَحُلْوِهِ والْجَزْلِ

بِذَاكَ (بَشَّارٌ) بِهِ تَقَدَّمَا = لِكُلِّ أغْرَاضِ الْقَصِيدِ أَحْكَمَا(1)

فَفَضَّلُوا مَنْ نَوَّعَ الْمَقَاصِدَا = ولَيْسَ مَنْ يَلْزَمُ حَدًّا واحِدِا

لِأَجْلِ ذَاكَ (الْبُحْتُرِيُّ) قَدَّمَا = (أبَا نُوَاسٍ)، لَمْ يُقَدِّمْ (مُسْلِمَا)

مُخَالِفًا في ذَاكَ حُكْمَ (ثَعْلَبِ) = إذْ (ثَعْلَبٌ) في الشِّعْرِ مِثْلُ الأَجْنَبِيْ

فَإِنَّما يَفْصِلُ في طَرَائِقِهْ = مَنْ كانَ مَدْفُوعًا إلى مَضَايِقِهْ(2)

والْعِلْمُ بالشِّعْرِ فَذَاكَ بَابُ = لَيْسَ غَرِيْبُهُ ولا الإعْرَابُ

تَجِدْهُ عِنْدَ أُدَبَا الْكُتَّابِ = في رِقَّةِ الطَّبْعِ وفي الآدَابِ(3)

وذَا أوَانُ الْبَسْطِ في صُنُوفِهِ = وقَدْ مَضَى الْمَقَالُ في تَعْرِيفهِ:

في بابِ: حدِّ الشّعْرِ، قَدْ تَقَدَّمَا = بِهِ البَيَانُ، فاذْكُرَنَّ واعْلَمَا

ثُمَّ تَتِمَّةٌ لا بُدَّ مِنْهَا = يَصْدُرُ هذا الْبَابُ فيها عَنْهَا:

قالَ (أبو العَبَّاسِ)، وَهْوَ: (النَّاشِيْ) = في الشِّعْرِ قَوْلاً لِلْمُرِيدِ النَّاشِيْ(4)

فَتَمَّمَ البَيَانَ عَنْ مُرَادِهِ = لِقَاصِدٍ يَصْدُرُ عَنْ إيْرَادِهِ

جُمْلَة أبْيَاتٍ أَتَتْ في صِفَتِهْ = في نَقْدِهِ وفي مَدَارِ صَنْعَتِهْ:(5)

الشِّعْرُ لَيْسَ في الغَرِيبِ أَبَدَا = ولا الْمُحَالِ، والْمُلَقَّى بدَدَا

ولا خَسِيْسِ القَوْلِ أوْ هَجِينهِ = بَلْ في نَفِيسِهِ وفي ثَمِينهِ

عَلَى تَشَاكُلٍ مِنَ النِّظَامِ = دَانِي الْقِطَافِ مُعْجِزَ الْمَرَامِ

مُهَذَّبًا شَدَدْتَ مِنْ مُتُونِهِ = جَزْلاً، وسَهْلاً في الْتِقَا فُنُونِهِ

فَجُزْتَ بِالإطْنَابِ عَنْ مَظْنُونِهِ = وفُزْتَ بالإيجازِ عَنْ مَكْنُونِهِ

جَمَعْتَ فيهِ قُرْبَهُ بِبُعْدِهِ: = ظَاهِرَهُ ومَا انْطَوَى مِنْ قَصْدِهِ

مُنَاسِبًا فيهِ لِكُلِّ غَرَضِ = بِصِنْوِهِ، مُصِيْبَ كُلِّ غَرَضِ

ومِثْلهُ قَدْ جاءَ في الوَصِيَّهْ = فَاحْرِصْ عَلَيْهَا؛ إنَّها حَفِيَّهْ:

أَقْصِدُ ما وَصَّى بهِ (حَبِيْبُ) = تِلْمِيذَهُ، وكُلُّهُمْ لَبِيْبُ(6)

(ملاحظة: لهذه الحلقة تتمة في تفصيل القول في أغراض الشعر، تأتي تباعًا بإذن الله ومشيئته.. والله الموفق).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) يجب للشاعر أن يكون متصرفاً في أنواع الشعر: من جد وهَزْل، وحلو وجَزْل، وأن لا يكون في النسيب أبرع منه في الرثاء، ولا في المديح أنفذ منه في الهجاء، ولا في الافتخار أبلغ منه في الاعتذار، ولا في واحد مما ذكرت أبعد منه صوتاً في سائرها؛ فإنه متى كان كذلك حُكِم له بالتقدم، وحاز قَصَبَ السَّبْقِ، كما حازها بشار بن برد، وأبو نواس بعده.

(2) حكى الصاحب بن عباد في صدر رسالة صنعها على أبي الطيب، قال: حدثني محمد بن يوسف الحمادي، قال: حضرت بمجلس عبيد الله بن عبد الله بن طاهر وقد حضره البحتري، فقال: يا أبا عُبَادة، أمُسْلم أشعَرُ أم أبو نواس؟ فقال: بل أبو نواس؛ لأنه يتصرف في كل طريق، ويبرع في كل مذهب: إن شاء جَدَّ، وإن شاء هَزَل، ومسلم يلزم طريقاً واحداً لا يتعداه، ويتحقق بمذهب لا يتخطاه فقال له عبيد الله: إن أحمد بن يحيى ثعلباً لا يوافقك على هذا، فقال: أيها الأمير، ليس هذا من علم ثعلب وأضرابه ممن يحفظ الشعر ولا يقوله؛ فإنما يعرف الشعرَ مَنْ دُفِعَ إلى مَضَايقه..

(3) قال الجاحظ: طلبتُ عِلْمَ الشعر عند الأصمعي فوجدته لا يحسن إلا غريبه، فرجعت إلى الأخفش فوجدته لا يتقن إلا إعرابه، فعطفت على أبي عبيدة فوجدته لا ينقل إلا ما اتصل بالأخبار، وتعلَّقَ بالأيام والأنساب، فلم أظفر بما أردت إلا عند أدباء الكتاب: كالحسن بن وهب، ومحمد بن عبد الملك الزيات. قال الصاحب على أثر هذه الحكاية: فلله أبو عثمان، فلقد غاص على سر الشعر، واستخرج أرقَّ من السحر.
(ذكر المصنف ــ رحمه الله ــ طائفة من أشعار الكُتَّاب، تُرَاجَع في موضعها من الكتاب).

(4) هو: أبو العباس عبد الله بن محمد الأنباري الناشئ، ابن شرشير، الشاعر النحوي المتكلم، المشهور بالناشئ الأكبر.

(5) للناشئ الأكبر مجموع أبيات في معنى الشعر ونقده، ومنها قصيدتان، مطلع الأولى ــ وقد تكلم قومٌ في الشعر عند أبي الصقر إسماعيل بن بلبل من حيث لا يعلمون ــ فكتب إليه أبو العباس الناشئ:
لَعَنَ اللهُ صَنْعَةَ الشِّعْرِ، ماذا * مِنْ صُنُوفِ الجُهَّالِ فيها لَقِيْنَا!
إلى آخر الأبيات...
ومطلع الثانية:
الشِّعْرُ ما قَوَّمْتَ زَيْغَ صُدُورِهِ * وشَدَدْتَ بالتَّهْذِيبِ أَسْرَ مُتُونِهِ
إلى آخر الأبيات...
(وقد حاول الناظم في متن النظم ــ مُتصرِّفًا ــ إيجازَ ما اشتملت عليه القصيدتان من نقد الشعر على قدر الوسع. وتمامها في موضعها من كتاب المصنف. والله الموفق).

(6) وهي الوصية المشهورة التي أوصى بها أبو تمام تلميذه البحتري في أول طلبه للشعر؛ كما قال البحتري: (كنت في حداثتي أروم الشعر، وكنت أرجع فيه إلى طَبْع، ولم أكن أقف على تسهيل مأخذه، ووجوه اقتضائه، حتى قصدت أبا تمام؛ فانقطعت فيه إليه، واتكلت في تعريفه عليه).
(تراجع وصية أبي تمام للإفادة والاستزادة في موضعها من الكتاب). والله أعلم.

أحمد بن يحيى
01-04-2021, 09:50 PM
وذَا أَوَانُ القَوْلِ في تَرتِيْبِ = أغْرَاضِهِ؛ والبَدْءُ بِالنَّسِيْبِ:

رَدِيْفُهُ: التَّشْبِيْبُ والتَّغَزُّلُ = عَلَى السَّوَا، ولا يُقَالُ: الْغَزَلُ

فَكُنْهُ ذَا الثَّانيْ عَلَى التَّحَقُّقِ: = إِلْفُ النِّسَا بِالطَّبْعِ والتَّخَلُّقِ

أمَّا النَّسِيبُ وكَذَا التَّشْبِيبُ: = فَنَعْتُ حُسْنِهِنَّ إذْ يَطِيْبُ

ثُمَّ لَهُ مِنْ بَعْدِ ذَا مَذَاهِبُ: = كَصِفَةِ الطَّيْفِ ومَا يُقَارِبُ

وصِفَةِ الْوَجْدِ وكَيْدِ الْعُذَّلِ = والدَّار بَعْدَ الظَّعْنِ والتَّرَحُّلِ(1)

حَقُّ النَّسِيبِ أنْ يَكُوْنَ رَسْلا = دَانِي الْمَعَانِيْ، وقَرِيبًا سَهْلا

يُطْرِبُ رَاعِي الصَّبْوَةِ الْحَزِيْنِ = ويَسْتَخِفُّ ذَا الْحِجَى الرَّصِيْنِ

أَحْسَنُهُ: تَدَلُّهٌ ووَجْدُ = ورِقَّةٌ بها جَوًى وسُهْدُ(2)

أمَّا الْحَبِيبُ فَهْوَ ذُو تَمَنُّعِ = لَيْسَ بِهَيِّنٍ ولا بِطَيِّعِ

لِذَاكَ قَدْ لِيْمَ بِذَاكَ (عُمَرُ = إبْنُ أبي رَبِيعَةَ) الْمُسْتَهْتِرُ:

إذْ جَعَلَ النِّسَا لَهُ طَوَالِبَا = والأصْلُ فيهِ أنْ يَكُونَ الطَّالِبَا(3)

ومِنْ مَعِيْبِهِ لَدَى التَلَبُّثِ: = ما كانَ فيهِ شُبْهَةُ التَّدَيُّثِ:

لامُوا (نُصَيْبًا) عَثْرَةً في قَصْدِهْ: = في مَنْ يَهِيْمُ بَعْدَهُ بِدَعْدِهِ(4)

ومِنْ عُيُوبِهِ مِنَ الْمَعَانِيْ = مَا لَيْسَ مَقْبُولاً مِنَ الأَمَانِيْ:

كَمَنْ تَمَنَّى أنْ يَكُونَ جَمَلَا = ومَنْ يُحِبُّ بَكْرَةً فَاحْتَمَلا

كِلَاهُمَا عَرٌّ بِسَاحٍ يُجْنَبُ = فَتَارَةً يُرْمَى وحِيْناً يُضْرَبُ(5)

حُكْمُ النَّسِيبِ مَزْجُهُ بِمَا يَلِيْ = مِنْ غَرَضٍ، في نَسَقٍ مُكْتَمِلِ

كَخِلْقَةِ الإنسانِ في اتِّصَالِ = أعضَائِهِ وَصْلاً بِلَا انْفِصَالِ

إذَا اشْتَكَى عُضْوٌ تَدَاعَى عُضْوُ = كذلكَ القَصِيدُ؛ فَهْوَ حَذْوُ(6)

بَعْدَ النَّسِيبِ يَكْثُرُ الْمَدِيْحُ = في نُقْلَةٍ مِزَاجِهُا صَحِيْحُ

مَسْلَكُهُ الإيْضَاحُ والإجْزَالُ = في لُغَةٍ رائِقَةٍ تَنْثَالُ

ودُوْنَ تَقْصِيْرٍ ولا تَطْوِيْلِ = ولا سَخَافَةٍ ولا تَهْوِيْلِ(7)

فإنْ يَكُنْ في سَيِّدٍ كَالْمَلِكِ = فَحَسَنٌ سُلُوْكُ كُلِّ مَسْلَكِ:

في الوَصْفِ والتَّشْبِيهِ والتَّلَطُّفِ = دُوْنَ إحَالَةٍ ولا تَكَلُّفِ

وإنْ يَكُنْ في الْحَشْوِ أوْ في السُّوْقَهْ = فَلَا تُجَازُ تِلْكُمُ الطَّرِيقَهْ

إذْ كُلُّ مَمْدُوحٍ لَهُ مَقَامُ = لِذَا كَلَامٌ ولِذَا كَلَامُ

لِذَاكَ عِيْبَ النَّازِلُ السُّوْقِيُّ = في مَلِكٍ مَقَامُهُ عَلِيُّ(8)

قَدْ جَادَ في الْمُلُوكِ شِعْرٌ يُمْدَحُ = كُلٌّ لَهُ يُقَالُ: هَذَا أَمْدَحُ(9)

مِثْل: (أَلَسْتُمْ...) قَالَهُ (جَرِيْرُ) = إفْرَاط وَصْفٍ شَأْنُهُ خَطِيْرُ(10)

إذْ خَيْرُ خَلْقِ اللهِ والأَنْدَى يَدَا: = هُمْ رُسْلُهُ، واخْصُصْ بِهِ (مُحَمَّدَا)(11)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) النسيب والتغزل والتشبيب كلها بمعنى واحد.. وأما الغزل فهو إلْفُ النساء، والتخلُّق بما يوافقهن، فمن جعله بمعنى التغزل فقد أخطأ، وقد نبه على ذلك قدامة وأوضحه في كتابه: (نقد الشعر).
وللنسيب مذاهب كثيرة: أفضلها مذهب المتقدمين؛ لا سيما نعت المحاسن، وللمحدثين مذاهب كثيرة؛ كصفة الطَّيْف، وذكر الديار، ووصف الصبابة. والبحتري في المحدثين أرقُّهم نسيبًا وأملحهم طريقة؛ لا سيما إن ذكر الطيف؛ فإنه الباب الذي شهر به.

(2) حق النسيب أن يكون حلو الألفاظ رَسْلها، قريب المعاني سهلها، غير كَزٍّ ولا غامض، وأن يختار له من الكلام ما كان ظاهر المعنى، رَطْب المكسر، شفاف الجوهر، يُطْرِب الحزين، ويستخفُّ الرَّصِين.
روى الأصمعي عن أبي عمرو بن العلاء أنه قال: أغزل بيت قالته العرب قول عمر بن أبي ربيعة:
فَتَضَاحَكْنَ وَقَدْ قُلْنَ لَهَا: * حَسَنُ في كُلِّ عَيْنٍ مَنْ تَوَدْ
وكان الأصمعي يقول: أغزل بيت قالته العرب قول امرئ القيس:
وما ذَرَفَتْ عيناكِ إلاَّ لِتَضْرِبِيْ * بِسَهْمَيْكِ في أَعْشَارِ قَلْبٍ مُقَتَّلِ
وحُكِيَ عن الوليد بن يزيد بن عبد الملك أنه قال: لم تقل العرب بيتاً أغزل من قول جميل بن معمر:
لِكُلِّ حَدِيثٍ بَيْنَهُنَّ بَشَاشَةٌ * وكُلُّ قَتِيلٍ عِنْدَهُنَّ شَهِيْدُ
وفضلته بهذا البيت سكينة بنت الحسين بن علي رضوان الله عليهم، وأثابته به دون جماعة من حضر من الشعراء.
وقال بعضهم: الأحوص من أغزل الناس بقوله:
إذَا قُلْتُ إنِّيْ مُشْتَفٍ بلقائِها * وَحُمَّ التَّلاقِيْ بيننا زادنيْ سُقْمَا
وقال غيره: بل جميل بقوله:
يَمُوتُ الهوى منيْ إذا ما لَقِيتُها * ويَحْيَا إذا فارقْتُها فَيَعُودُ
وقال آخر: بل جرير بقوله:
فلمَّا التقى الحَيَّانِ أُلْقِيَتِ الْعَصَا * وماتَ الهَوَى لَمَّا أُصِيبَتْ مَقَاتِلُهْ
والأحوص عندهم أغزلهم في هذه الأبيات الثلاثة؛ لزيادته سقمًا إذا التقى المحبوب.
وقال الحاتمي: أغزل ما قالته العرب قول أبي صخر:
فَيَا حُبَّهَا زِدْنِيْ جَوًى كُلَّ لَيْلةٍ * ويَا سَلْوَةَ الأيامِ مَوْعِدُكِ الحَشْرُ

(3) سمع ابن أبي عتيق قول ابن أبي ربيعة المخزومي:
بَيْنَمَا يَنْعَتْنَنِيْ أَبْصَرْنَنِــــــــيْ * دُوْنَ قَيْدِ الْمَيْلِ يَعْدُو بِي الأَغَرْ
قالتِ الكُبرى: أتَعْرِفنَ الفتى؟ * قالت الوسطى: نَعَمْ، هذا عُمَرْ
قالت الصغرى وقد تَيَّمْتُهـــا: * قد عرفناهُ، وهَلْ يَخْفَى القَمَرْ!
فقال له: أنت لم تَنْسُبْ بهن، وإنما نَسَبْتَ بنفسك، وإنما كان ينبغي لك أن تقول: قالت لي فقلت لها، فوضعتُ خدي فوطئتْ عليه.
وكذلك قال له كثير لما سمع قوله:
قالتْ لها أختُها تعاتبهـــا * لا تُفْسِدِنَّ الطَّوَافَ في عُمَــرِ
قُوْمِيْ تَصَدَّيْ له لأُبْصِرَهُ * ثم اغْمِزِيهِ يا أخْتُ في خَفَــرِ
قالت لها: قد غمزتُه فأبَى * ثم اسْبَطَرَّتْ تَشْتَدُّ في أَثَرِي
أهكذا يقال للمرأة! إنما توصف بأنها مطلوبة ممتنعة.

(4) عاب كُثَيِّر على نُصَيْب قوله:
أَهِيْمُ بِدَعْدٍ ما حَيِيْتُ، فإنْ أَمُتْ * فيا لَيْتَ شِعْرِيْ مَنْ يَهِيمُ بها بَعْدِي
حتى إنه قال له: كأنك اغتممت لمن يفعل بها بعدك، وهو لا يكني..

(5) قالت عَزَّة لكُثَيِّر يوماً ــ ويقال بثينة ــ ما أردت بنا حين قلت:
وَدِدْتُ وبَيْتِ اللهِ أَنَّكِ بَكْـــــــرَةٌ * وأَنِّيْ هِجَانٌ مُصْعَبٌ ثُمَّ نَهْــــــرُبُ
كِلانا به عَرٌّ فَمَنْ يَرَنَا يَقُــــــلْ * عَلَى حُسْنِهَا جَرْبَاءُ تُعْدِيْ وأَجْرَبُ
نَكُونُ لِذِيْ مالٍ كثيرٍ مُغَفَّــــــلٍ * فلا هو يرعانا ولا نَحْنُ نُطْلَــــــبُ
إذا ما وَرَدْنا مَنْهَلاً صاحَ أهلُه * علينا، فلا نَنْفَكُّ نُرْمَى ونُضْــــرَبُ
لقد أردت بنا الشقاء، أما وجدت أمنية أوطأ من هذه؟! فخرج من عندها خجلا..

(6) مِن حُكْمِ النسيب الذي يفتتح به الشاعر كلامه أن يكون ممزوجاً بما بعده من مدح أو ذم، متصلاً به، غير منفصل منه، فإن القصيدة مثلها مثل خَلْق الإنسان في اتصال بعض أعضائه ببعض، فمتى انفصل واحد عن الآخر وباينه في صحة التركيب غادر بالجسم عاهة تَتَخَوَّن محاسنه، وتُعَفِّي معالم جماله، ووجدت حذاق الشعراء وأرباب الصناعة من المحدثين يحترسون من مثل هذه الحال احتراسًا يحميهم من شوائب النقصان، ويقف بهم على مَحَجَّة الإحسان.

(7) سبيل الشاعر إذا مدح ملكاً أن يسلك طريقة الإيضاح والإشادة بذكره للممدوح، وأن يجعل معانيه جزلة، وألفاظه نقية، غير مبتذلة سوقية، ويجتنب مع ذلك التقصير والتجاوز والتطويل؛ فإن للملك سآمة وضجراً، ربما عاب من أجلها ما لا يعاب، وحَرَم من لا يريد حرمانه، ورأيت عمل البحتري ــ إذا مدح الخليفة ــ كيف يُقِلُّ الأبيات، ويبرز وجوه المعاني، فإذا مدح الكُتَّاب عمل طاقته، وبلغ مراده.

(8) وإذا كان الممدوح ملكاً لم يبالِ الشاعرُ كيف قال فيه، ولا كيف أطنب، وذلك محمود، وسواه المذموم، وإن كان سوقة فإياك والتجاوز به خُطَّته؛ فإنه متى تجاوز به خطته؛ كان كمن نَقَصه منها، وكذلك لا يجب أن يقصر عما يستحق، ولا أن يعطيه صفة غيره؛ فيصف الكاتب بالشجاعة والقاضي بالحمية والمهابة، وكثيراً ما يقع هذا لشعراء وقتنا، وهو خطأ، إلا أن تصحبه قرينة تدل على صواب الرأي فيه، وكذلك لا يجب أن يمدح الملك ببعض ما يتجه في غيره من الرؤساء، وإن كان فضيلة.
وذلك مثل قول البحتري يمدح المعتز بالله:
لا العَذْلُ يَرْدَعُهُ ولا التَّعْنِيفُ عن كَرَمٍ يَصُدُّهْ
فإنه مما أنكره عليه أبو العباس أحمد بن عبد الله، وقال: مَنْ ذا يعنف الخليفة على الكرم أو يصده! هذا بالهجاء أولى منه بالمدح.
وعيب على الأخطل قوله في عبد الملك بن مروان:
وقد جَعَلَ اللهُ الخلافةَ منهمُ * لِأَبْيَضَ لا عَارِي الْخِوَانِ ولا جَدْبِ
وقالوا: لو مدح بها حَرَسِيــًّـا لعبد الملك لكان قد قَصَّرَ به.

(9) اختُلِفَ في أشعر الناس بَيْتاً من الشِّعْر على أقوال:
قالوا: لما حضرت الحطيئة الوفاة قال: أبلغوا الأنصار أن أخاهم أمدح الناس حيث يقول:
يُغْشَوْنَ حتى ما تَهِرُّ كلابُهُمْ * لا يَسألونَ عَنِ السَّوَادِ الْمُقْبِلِ
قال ثعلب: بل قول الأعشى:
فتىً لو يُبَارِي الشَّمْسَ ألْقَتْ قِناعَهَا * أوِ الْقَمَرَ السَّارِيْ لأَلْقَى الْمَقَالِدَا
أمْدَحُ منه.
وقال أبو عمرو بن العلاء: بل بيت جرير:
أَلَسْتُمْ خَيْرَ مَنْ رَكِبَ الْمَطَايَا * وأَنْدَى العَالَمِينَ بُطُونَ رَاحِ
أسْيَرُ ما قيل في المدح وأسهله.
وقال غيره: بل قول الأخطل:
شُمْسُ العَدَاوَةِ حتى يُسْتَقَادَ لَهُمْ * وأَعْظَمُ الناسِ أحلاماً إذا قَدَرُوا
وقال دعبل: بل قول أبي الطَّمْحَان القَيْنِي:
أضاءتْ لَهُمْ أحسابُهُمْ ووجوهُهُمْ * دُجَى الَّليْلِ حتى نَظَّمَ العِقْدَ ثاقِبُهْ
قال: وقد تنازع في هذا البيت ــ يعني بيت أبي الطمحان ــ قومٌ، وفي بيت حسان في آل جفنة، وبيت النابغة:
فإنك شمسٌ والملوكُ كواكبٌ * إذا طلَعَتْ لم يَبْدُ منهنَّ كوكبُ
وبيت أبي الطمحان أشعرها.
قال الحاتمي: بل بيت زهير:
تَرَاهُ إذَا ما جئتَهُ مُتَهَلِّلاً * كأنَّكَ تُعْطِيهِ الَّذِي أَنْتَ سائِلُهْ
وزهير من أشعر الشعراء في المدح عامة، وله في هرم بن سنان أبيات سائرة، كما شهد له بذلك عمر بن الخطاب ــ رضي الله عنه.
(ويراجع كتاب المصنف للنظر والاستزادة من النماذج المختارة من مدائح زهير وغيره من الشعراء المجودين في غرض المديح).

(10) المقصود قوله في مدح عبد الملك بن مروان ــ وقد سبق ــ:
أَلَسْتُمْ خَيْرَ مَنْ رَكِبَ الْمَطَايَا * وأَنْدَى العَالَمِينَ بُطُونَ رَاحِ

(11) هذا التعليق إضافة من الناظم، وليس في كتاب المصنف ــ رحمه الله تعالى.
لأن في بيت جرير تقرير مطلق أفضلية وخيرية لا تليق إلا بجناب رسول الله := ثم رسل الله عليهم أفضل الصلاة والسلام.

أحمد بن يحيى
04-04-2021, 01:20 AM
ومِنْهُ في الأغْرَاضِ: الِافْتِخَارُ = كَمَا جَرَتْ بِذَلِكَ الأشْعَارُ

بِالنَّفْسِ والآبَاءِ والْقَبِيْلِ = أوْ ما يَكُونُ منه في قَبِيْلِ

(اَلْمُتَنَبِّيْ) ضَيَّقَ الْمَقْصُودَا = فَحَقَّرَ الآبَاءَ والجُدُودَا

وإنَّما يَتِمُّ فَخْرٌ بِهِمَا = فَالْمُنْتَمِيْ يَشْرُفُ مِنْ حَيْثُ انْتَمَى

واخْتَلَفُوا في أيّ بَيْتٍ أَفْخَرُ = فَعَدَّدُوا الْقَوْلَ بِهِ وأَكْثَرُوا

وفي القَصِيْدِ ثَمَّ مِنْهُ يَعْتَلِيْ: = مَشْهُورُ ما يُرْوَى عَنِ (السَّمَوْأَلِ)

حَسَنُهُ في المدْحِ ذاكَ الحَسَنُ = كَذَا قَبِيحُهُ فَذَا الْمُسْتَهْجَنُ(1)

كَذَا الرِّثَاءُ؛ فَهْوَ مَدْحُ صُدِّقَا = خُصَّ بِمَيْتٍ؛ فَبِذَاكَ افْتَرقَا:

عَنْهُ بِمَا فيهِ مِنَ التَّأَسُّفِ = والنَّعْي تَعْظِيمًا لِرَاعِيْ شَرَفِ

سَبِيْلُهُ مَضَارِبُ الأمْثَالِ = بِمَصْرَعِ الأمْلاكِ والأبطالِ

وكَيْفَ دَالَتْ في الزَّمَانِ دُوَلُ = إذْ حانَ منها حيْنُهَا الْمُؤَجَّلُ(2)

ولَيْسَ يَحْسُنُ النَّسِيْبُ قَبْلَهْ = أوْ شُبْهَةٌ منهُ تَشِيْنُ نُبْلَهْ(3)

كالمتنبيْ حِيْنَ شَانَ قَوْلَهْ = في نَعْيِهِ لأُمِّ (سَيْفِ الدَّوْلَهْ):

بِمُسْبَطِرٍّ فَوْقَهَا بِحَالِ = ونَعْتِهِ لِلوَجْهِ بِالجَمَالِ(4)

لِذَاكَ كانَ أصْعَب الرِّثَاءِ = ما كان منه في رِثَا النِّسَاءِ

وجَمْعكَ العَزَاءَ بِالتَّهْنِئَةِ = عَلَى تَبَايُنٍ بِوَجْهِ الصِّفَةِ(5)

كَذَاكَ مِنْ أغراضِ نَظْمِ الشِّعْرِ = بَيْنَ يَدَيْ شَرِيْفِ قَوْمٍ حُرِّ:

اَلِاقْتِضَاءُ؛ طَلَبًا لِحَاجَهْ = تَلَطُّفًا ودُوْنَمَا لَجَاجَهْ(6)

فإنْ يَزِدْ شَيْئاً، فَذَا: عِتَابُ = فيهِ حِجَاجٌ وكَذَا اسْتِعْتَابُ(7)

فإنْ يَزِدْ فَهْوَ مَقَامُ غِلْظَةِ = لَوْمَ (أبي الطَّيِّبِ) (سَيْفَ الدَّوْلَةِ)(8)

أمَّا عِتَابُ صَفْوَةِ الأَكْفَاءِ = فَبَرْدُ وُدٍّ ولَظَى جَفَاءِ(9)

ثُمَّ الوَعِيْدُ ثَمَّ والإنْذَارُ = يَلِيْهِمَا الهِجَاءُ والإِشْهَارُ(10)

خَيْرُ الْهِجَاءِ فَهْوَ غَيْرُ الْمُقْذِعِ = تُنْشِدُهُ العَذْرَاءُ وَسْطَ الْمَخْدَعِ

أَجْوَدُهُ: الْقَصِيْرُ لا الطَّوِيْلُ = أَحْسَنُهُ: التَّعْرِيْضُ، والتَّفْضِيْلُ

أَرْفَعُهُ: سَلْبُ مَعَانِي الْخُلْقِ = ودُوْنَهُ: نَعْتُ مَعِيْبِ الْخَلْقِ

ومِنْ مَلِيْحِ الْهَجْوِ: فَالتَّهَكُّمُ = والِاحْتِقَارُ، وَهْوَ مُرٌّ عَلْقَمُ(11)

ثُمَّةَ في الأغراضِ: الِاعْتِذَارُ = تَضَرُّعًا في طَيِّهِ اسْتِظْهَارُ

رَائِدُهُ الْمُبْدِعُ في الْمَعَانِيْ = فَذَلِكَ: (النَّابِغَةُ الذُّبْيَانِيْ)

وأَصْلُهُ: الْمَحْوُ والِانْقِطَاعُ = والْحَجْرُ والْحَجْزُ والِامْتِنَاعُ(12)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الافتخار هو المدح نفسه، إلا أن الشاعر يخصُّ به نفسه وقومه، وكل ما حسن في المدح حسن في الافتخار، وكل ما قبح فيه قبح في الافتخار؛ فمن أبيات الافتخار قول الفرزدق:
إنَّ الذي سَمَكَ السَّمَاءَ بَنَى لنا * بَيْتاً دَعَائِمُهُ أَعَزُّ وأَطْوَلُ
قال أحمد بن يحيى: أَفْخَرُ بيت قالته العرب قول امرئ القيس:
ما يُنْكِرُ الناسُ مِنَّا حِيْنَ نَمْلِكُهُمْ * كانوا عَبِيْداً وكُنَّا نَحْنُ أَرْبَابَا!
وقال دعبل بن علي: أفخر الشعر قول كعب بن مالك:
وبِبِئْرِ بَدْرٍ إذْ يَرُدُّ وُجُوهَهُمْ * جِبْرِيلُ تَحْتَ لِوَائنا ومُحَمَّدُ
وقال الحاتمي: قول الفرزدق:
تَرَى النَّاسَ إنْ سِرْنَا يَسِيْرُونَ خَلْفَنا * وإنْ نَحْنُ أَوْمَأْنَا إلى الناس وَقَّفُوا
قال: ويتلوه قول جرير:
إذَا غَضِبَتْ عليكَ بَنُو تميمٍ * حَسِبْتَ النَّاسَ كُلَّهُمُ غِضَابَا
وقال آخرون: بل بيت الفرزدق:
ونَحْنُ إذَا عَدَّتْ مَعَدٌّ قَدِيمَها * مَكَانُ النَّوَاصِيْ مِنْ وُجُوْهِ السَّوَابِقِ
وقال غيرهم: بل قوله لجرير:
وإذَا نَظَرْتَ رأيتَ فَوْقَكَ دَارِماً * في الجَوِّ حَيثُ تَقَطَّعُ الأَبصارُ
وقيل: بل قول ابن ميادة واسمه الرماح بن أبرد:
ولو أنَّ قَيْساً قَيْسَ عَيْلانَ أقْسَمَتْ * عَلَى الشَّمْسِ لم يَطْلُعْ عَلَيْكَ حِجَابُهَا
وأفخر بيت صنعه محدث قول بشار:
إذَا ما غَضِبْنا غَضْبَةً مُضَرِيَّةً * هَتَكْنَا حِجَابَ الشَّمْسِ أوْ قَطَرَتْ دَمَا
إذَا ما أَعَرْنَا سَيِّداً مِنْ قَبِيلـــةٍ * ذُرَى مِنْبَــــرٍ صَلَّــى علينــا وسَلَّمَـا
وقد أنكر قدامة أن يمدح الإنسان بآبائه دون أن يكون ممدوحًا بنفسه؛ لأن كثيراً من الناس لا يكونون كآبائهم، والذي ذهب إليه حَسَن.
وأنكر الجرجاني على أبي الطيب قوله:
ما بِقَوْمِيْ شَرُفْتُ بَلْ شَرُفُوا بِيْ * وبِنَفْسِيْ فَخَرْتُ لا بِجُدُودِي
وإنما أخذه من قول علي بن جبلة حيث يقول:
وما سَوَّدَتْ عِجْلاً مآثِرُ غَيْرِهِمْ * ولَكِنْ بهمْ سادتْ على غَيْرِهمْ عِجْلُ
قال: وهذا معنى سوء يقصر بالممدوح، ويغض من حَسَبه، ويحقر من شأن سلفه، وإنما طريقة المدح أن يجعل الممدوح يشرف بآبائه، والآباء تزداد شرفاً به؛ فجعل لكل واحد منهم حظــًّـا في الفخر وفي المدح نصيباً، وإذا حصلت الحقائق كان النصيبان مقسومين، بل كان الكل خالصاً لكل فريق منهم؛ لأن شرف الوالد جزء من ميراثه، ومنتقل إلى ولده كانتقال ماله، فإن رعى وحرس ثبت وازداد، وإن أهمل وضيَّع هلك وباد. وكذلك شرف الوالد يعمُّ القبيلة، وللولد منه القسم الأوفر، والحظ الأكبر.
قال صاحب الكتاب: والذي يقع عليه الاختيار عندي ما ناسب قول المتوكل الليثي:
إنَّا وإنْ أحْسَابُنا كَرُمَتْ * لَسْنَا عَلَى الأحْسَابِ نَتَّكِـلُ
نَبْنِيْ كَمَا كانتْ أَوَائِلُنَــا * تَبْنِيْ ونَفْعَلُ مِثْلَ ما فَعَلُوا
وقول عامر بن الطفيل الجعفري:
فإنيْ وإنْ كُنْتُ ابْنَ سَيِّدِ عامِرٍ * وفَارِسَهَا الْمَشْهُورَ في كُلِّ مَوْكِبِ
فَمَا سَوَّدَتْنِيْ عامِرٌ عَنْ وِرَاثَـةٍ * أَبَــى اللهُ أنْ أسْــمُــوْ بِأُمٍّ ولا أَبِ
ومن أجود قصيدة افتخر فيها شاعر: قصيدة السَّمَوْأل بن عادياء؛ فإنها جمعت ضروب الممادح وأنواع المفاخر، وهي مشهورة.


(2) سبيل الرثاء أن يكون ظاهر التفجع، بَيِّن الحسرة، مخلوطاً بالتلهف والأسف والاستعظام، إن كان الميت ملكاً أو رئيساً كبيراً، كما قال النابغة في حِصْن بن حُذَيفة بن بدر:
يقولونَ حِصْنٌ ثُمَّ تَأْبَى نُفُوسُهُــــمْ * وكَيْفَ بِحِصْنٍ والجِبَالُ جُنُوْحُ
ولم تَلْفظِ الْمَوْتَى الْقُبُورُ، ولم تَزَلْ * نُجُومُ السَّمَاءِ، والأَدِيمُ صَحِيْحُ
فَعَمَّــــا قَلِيــــــلٍ ثَمَّ جَـــــاءِ نَعِيُّـــهُ * فَظَلَّ نَدِيُّ الْحَيِّ وَهْوَ يَنُـــــوْحُ
فهذا وما شاكله رثاء الملوك والرؤساء الجلة.
(وقد ذكر المصنف ــ رحمه الله ــ نماذج حسنة للرثاء تراجع في موضعها من الباب والكتاب).
ومن عادة القدماء أن يضربوا الأمثال في المراثي بالملوك الأعزة، والأمم السالفة، والوعول الممتنعة في قُلَل الجبال، والأسود الخادرة في الغِيَاض، وبحُمُر الوحش المتصرفة بين القفار، والنسور، والعقبان، والحيات؛ لبأسها وطول أعمارها، وذلك في أشعارهم كثير موجود لا يكاد يخلو منه شعر.


(3) ليس من عادة الشعراء أن يقدموا قبل الرثاء نسيبًا كما يصنعون ذلك في المدح والهجاء، وقال ابن الكلبي ــ وكان علامة ــ: لا أعلم مرثية أولها نسيب إلا قصيدة دريد بن الصمة:
أَرَثَّ جَدِيدُ الْحَبْلِ مِنْ أمِّ مَعْبَدِ * بِعَاقِبَةٍ وأَخْلَفَتْ كُلَّ مَوْعِدِ؟!
قال المصنف: وأنا أقول: إنه الواجب في الجاهلية والإسلام، وإلى وقتنا هذا، ومن بعده؛ لأن الآخذ في الرثاء يجب أن يكون مشغولاً عن التشبيب بما هو فيه من الحسرة والاهتمام بالمصيبة؛ وإنما تغزل دريد بعد قتل أخيه بسنة، وحين أخذ ثأره، وأدرك طلبته.


(4) من أشد الرثاء صعوبة على الشاعر أن يرثي طفلاً أو امرأة؛ لضيق الكلام عليه فيهما، وقلة الصفات، ألا ترى ما صنعوا بأبي الطيب ــ وهو فحل مُجَوِّد إذا ذُكِرَ المحدثون ــ في قوله يذكر أم سيف الدولة:
صَلاةُ اللهِ خالِقِنَا حَنُوْطٌ * عَلَى الوَجْهِ الْمُكَفَّنِ بالْجَمَالِ
فقالوا: ماله ولهذه العجوز يصف جمالها؟ وقال الصاحب بن عبَّاد: استعارة حِدَاد في عُرْس، فان كان أراد بالاستعارة الحنوط فقد والله ظَلَم وتعسَّف، وإن كان أراد استعارة الكفن بجمال العجوز فقد اعترض في موضع اعتراض إلى مواضع كثيرة في هذه القصيدة، على أن فيهما ما يمحو كُلَّ زَلَّة، ويعفِّي على كل إساءة قال الصاحب بن عباد: ولقد مررت على مرثية له في أمّ سيف الدولة تدل مع فساد الحس على سوء أدب النفس، وما ظنك بمن يخاطب ملكاً في أمه بقوله:
رِوَاقُ العِزِّ فَوْقَكِ مُسْبَطِرٌّ * ومُلْكُ عِلِيٍّ ابْنِكِ في كَمَالِ
ولعل لفظة الاسبطرار في مراثي النساء من الخذلان الصفيق الرقيق، وأنا أقول: إنَّ أشدَّ ما هَجَّنَ هذه اللفظة وجعلها مقام قصيدة هجاء أنه قرنها بفَوْقك؛ فجاء عملاً تاماً لم يبق فيه إلا الإفضاء.
على أن أبا الطيب كما أساء هنا؛ فقد أحسن غاية الإحسان في قوله:
وَلَوْ أنَّ النِّسَاءَ كَمَنْ فَقَدْنَا * لَفُضِّلَتِ النِّسَاءُ عَلَى الرِّجَالِ
وقوله في هذه القصيدة:
مَشَى الأُمَرَاءُ حَوْلَيْها حُفَاةً * كأنَّ الْمَرْوَ مِنْ زِفِّ الرِّئالِ
ونحو قوله لأخت سيف الدولة:
يا أخْتَ خَيْرِ أخٍ، يا بِنْتَ خَيْرِ أَبِ * كِنَايَةً بِهِمَا عَنْ أشْرَفِ النَّسَبِ
أُجِــلُّ قَــدْرَكِ أنْ تُدْعَيْ مُؤَنَّثَـــــةً * ومَنْ يَصِفْكِ فَقَدْ سَمَّاكِ لِلْعَرَبِ
وهو مما يليق بنساء الملوك وبنات الأشراف.


(5) ومن صعب الرثاء أيضاً جمع تعزية وتهنئة في موضع، قالوا: لما مات معاوية اجتمع الناس بباب يزيد، فلم يقدر أحد على الجمع بين التهنئة والتعزية، حتى أتى عبيد الله بن همام السلولي فدخل فقال: يا أمير المؤمنين، آجرك الله على الرزية، وبارك لك في العطية، وأعانك على الرعية، فقد رزئت عظيماً، وأعطيت جسيماً، فاشكر الله على ما أعطيت، واصبر على ما رزئت، فقد فقدت خليفة الله، وأعطيت خلافة الله، ففارقت جليلا، ووهبت جزيلا؛ إذ قضى معاوية نَحْبه، ووليت الرياسة، وأعطيت السياسة، فأورده الله موارد السرور، ووفقك لصالح الأمور.
فاصبِرْ يَزِيدُ فَقَدْ فارقْتَ ذا ثِقَــةٍ * واشكُرْ حِبَاء الَّذِي بالْمُلْكِ أَصْفَاكَا
لا رُزْءَ أَصْبَحَ في الأقوامِ نَعْلَمُهُ * كَمَا رُزِئتَ ولا عُقْبَى كَعُقْبَاكـــــــا
أصْبَحْتَ واليَ أمْرِ الناسِ كُلِّهِــمُ * فأنتَ ترعاهمُ واللهُ يَرْعاكــــــــــا
وفي معاويةَ الباقِـــيْ لنا خَلَــفٌ * إذَا نُعِيْتَ ولا نَسْمَعْ بِمَنْعَاكـــــــــا
ففتح للناس باب القول.


(6) قال المصنف: حَسْبُ الشاعر أن يكون مدحه شريفاً، واقتضاؤه لطيفاً، وهجاؤه إن هجا عفيفاً؛ فإن الاقتضاء الخشن ربما كان سبب المنع والحرمان، وداعية القطيعة والهجران، وقوم يُدرجون العتاب في الاقتضاء، والاقتضاء في العتاب، وأنا أرى غير هذا المذهب أَصْوَب؛ فالاقتضاء طلب حاجة، وباب التلطيف فيه أجود؛ فإن بلغ الأمر العتاب فإنما هو طلب الإبقاء على المودة والمراعاة، وفيه توبيخ ومعارضة لا يجوز معها بعد الاقتضاء، إلا أن الناس خلطوا هذين البابين، وساووا بينهما.
فمن أحسن الاقتضاء ــ على ما تخيرته، ونحوت إليه ــ قول أمية بن أبي الصلت لعبد الله بن جُدْعان:
أَأَذْكُرُ حاجَتِيْ أمْ قَدْ كَفَانِــــيْ * حَياؤكَ؟ إنَّ شِيْمَتَكَ الْحَيَـــاءُ
وعِلْمُكَ بالحُقُوق وأنْتَ فَرْعٌ * لَكَ الْحَسَبُ الْمُهَذَّبُ والسَّنَاءُ
خَلِيلٌ لا يُغَيِّرُه صَبَـــــــــــاحٌ * عَنِ الخُلُقِ الجَمِيلِ ولا مَسَاءُ
فأرْضُكَ كُلُّ مَكْرمَةٍ بَنَتْهَـــــا * بَنُوْ تَيْمٍ وأنتَ لها سَمــــــــاءُ
إذَا أثنــى عليكَ المـرءُ يَوْمًا * كَفَاهُ مِنْ تَعَرُّضِـــهِ الثَّنَــــــاءُ
تُبَارِي الرِّيْحَ مَكْرُمَةً وجُـوْدًا * إذَا ما الْكَلْبُ أَجْحَرَهُ الشِّتَــاءُ
فأنت ترى هذا الاقتضاء كيف يُلين الصخر، ويستنزل القَطْر، ويحطُّ العُصْمَ إلى السهل!


(7) العتاب ــ وإن كان حياة المودة، وشاهد الوفاء ــ فإنه باب من أبواب الخديعة، يسرع إلى الهجاء، وسببٌ وكِيدٌ من أسباب القطيعة والجفاء، فإذا قلَّ كان داعية الألفة، وقَيْدَ الصحبة، وإذا كثر خشن جانبه، وثقل صاحبه.
وللعتاب طرائق كثيرة، وللناس فيه ضروب مختلفة؛ فمنه ما يمازجه الاستعطاف والاستئلاف، ومنه ما يدخله الاحتجاج والانتصاف، وقد يعرض فيه المنُّ والإجحاف، مثل ما يشركه الاعتذار والاعتراف.
وأحسن الناس طريقاً في عتاب الأشراف شيخ الصناعة وسيد الجماعة أبو عبادة البحتري، كقوله في قصيدة مطلعها:
يُرَيِّبُني الشَّيْءُ تَأتِيْ بِهِ * وأُكْبِرُ قَدْرَكَ أنْ أسْتَرِيْبَا
إلى آخر الأبيات...
(وقد ذكر المصنف نماذج كثيرة لغرض العتاب تراجع في موضعها من الكتاب).


(8) قال المصنف: وأما أبو الطيب المتنبي فكان في طبعه غلظة، وفي عتابه شدة، وكان كثير التحامل، ظاهر الكِبْر والأنفة، وما ظنك بمن يقول لسيف الدولة:
يا أعْدَلَ الناسِ إلا في مُعَامَلَتِيْ * فِيْكَ الْخِصَامُ وأنْتَ الخَصْمُ والحَكَمُ
...
حتى قوله:
إذَا رأيْتَ نُيُوبَ الَّليْثِ بارِزَةً * فَلَا تَظُنَّنَّ أنَّ الليثَ يَبْتَسِمُ
فهذا الكلام في ذاته في نهاية الجودة، غير أنه من جهة الواجب والسياسة غاية في القبح والرداءة، وإنما عرَّض بقوم كانوا ينتقصونه عند سيف الدولة ويعارضونه في أشعاره، والإشارة كلها إلى سيف الدولة، ثم قال بعد أبيات:
يا مَنْ يَعِزُّ علينا أنْ نُفَارقَهُمْ * وِجْدَانُنا كُلَّ شيءٍ بَعْدَكُمْ عَدَمُ
...
حتى قوله:
لَئِنْ تَرَكْنَ ضُمَيْراً عَنْ مَيَامِنِنَا * لَيَحْدُثَنَّ لِمَنْ وَدَّعتُهُمْ نَدَمُ
وإنما قال أولا: (ليحدثن لسيف الدولة الندم) ثم بدله، وليس هذا عتاباً، لكنه سباب، وبسبب هذه القصيدة كاد يقتل عند انصرافه من مجلس إنشادها، وهذا الغرور بعينه.


(9) قال المصنف: فأما عتاب الأكفاء، وأهل المودَّات، والمتعشِّقين من الظرفاء، فَبَابَةٌ أخرى جارية على طرقاتها. قال إبراهيم بن العباس الصولي يعاتب محمد بن عبد الملك الزيات، وقد تغير عليه لما وَزَرَ:
وكُنْتَ أخِيْ بإخَاءِ الزَّمَانِ * فَلَمَّا نَبَا صِرْتَ حَرْباً عَوَانَا
وكُنْتُ أَذُمُّ إليكَ الزمــــانَ * فأصْبَحْتُ فيكَ أَذُمُّ الزمانَــا
وكُنْتُ أعدُّكُ لِلنَّائِبَـــــــاتِ * فَهَا أنا أطلُبُ مِنْكَ الأمَانَــا
وهذا عندي من أشد العتاب وأوجعه.
ومنه بين الأحبة قول القائل:
ولقد عَلِمْتَ فلا تَكُنْ مُتَجَنِّيـــاً * أنَّ الصُّدُودَ هو الفِراقُ الأوَّلُ
حَسْبُ الأحِبَّةِ أنْ يُفَرِّقَ بَيْنَهُمْ * رَيْبُ الْمَنُونِ فما لنا نَسْتَعجِلُ
وعليه قول أبي الطيب ــ والمقصود: البيت الثاني ــ:
زَوِّدِينا مِنْ حُسْنِ وَجْهِكِ ما دامَ فَحُسْنُ الْوُجُوهِ حالٌ تَحُوْلُ
وصِلِـيْـنَا نَصِلْكِ في هــذهِ الدُّنْـــيَا فإنَّ الْمقَــامَ فيها قَلِيــــلُ


(10) كان العقلاء من الشعراء وذوو الحزم يتوعَّدون بالهجاء، ويحذرون من سوء الأحْدُوثة، ولا يُمْضُون القول إلا لضرورة لا يحسن السكوت معها.
قال ابن مقبل:
بَنِيْ عامرٍ، ما تَــأمُرونَ بِشَـــاعــــرٍ * تَخَيَّرَ بَابَـاتِ الكِتـابِ هِجائِيَـا ؟
أَأَعْفُوْ كَمَا يعفـــو الكــريــــمُ فإننــي * أَرَى الشَّغْبَ فيما بيننا مُتَدَانيا
أمُ اغْمِضُ بين الجِلْدِ والَّلحْمِ غَمْضَةً * بِمِبْرَدِ رُوميٍّ يَقُطُّ النَّوَاصِــيـَـا
إلى آخر الأبيات...
وقال جرير لبني حنيفة، وكان ميلهم مع الفرزدق عليه:
أَبَنِيْ حنيفةَ أَحْكِمُوا سفهاءكمْ * إني أخاف عليكمُ أنْ أغْضَبا
أبني حنيفةَ إنني إنْ أهْجُكُــــمْ * أَدَعِ اليَمَامةَ لا تُوَارِيْ أَرْنَبـا
وقال أيضاً لتيم الرباب رهط عمر بن لجأ:
يا تَيْم تَيْمَ عَدِيٍّ لا أبَا لَكُمُ * لا يُلْقِيَنَّكُمُ في سَوْأَةٍ عُمَرُ


(11) يُروى عن أبي عمرو بن العلاء أنه قال: خير الهجاء ما تنشده العذراء في خدرها فلا يقبح بمثلها، نحو قول أوس:
إذَا ناقةٌ شُدَّتْ بِرَحْلٍ ونُمْرُقٍ * إلى حَيِّكُمْ بَعْدِيْ فَضَلَّ ضَلَالُهَا
واختار أبو العباس قول جرير:
لو أنَّ تَغْلِبَ جَمَّعَتْ أحْسَابَها * يومَ التَّفَاخُرِ لَمْ تَزِنْ مِثْقَالا
ومثل قوله:
فَغُضَّ الطَّرْفَ إنَّكَ مِنْ نُمَيْرٍ * فلا كَعْباً بَلَغْتَ ولا كِلابَا
وبين الاختيارين تناسب في عفة المذهب، غير أن بيت جرير الثاني أشد هجاء لما فيه من التفضيل، فقد حكى محمد بن سلام الجمحي عن يونس بن حبيب أنه قال: أشد الهجاءِ الهجاءُ بالتفضيل، وهو الإقذاع عندهم.
قال خلف الأحمر: أشد الهجاء أعفه وأصدقه، وقال مرة أخرى: ما عف لفظه وصدق معناه. ومن كلام صاحب الوساطة: فأمّا الهجو فأبلغه ما خرج مخرج التهزُّل والتهافت، وما اعترض بين التصريح والتعريض، وما قربت معانيه، وسهل حفظه، وأسرع عُلُوقه بالقلب ولصوقه بالنفس، فأما القذف والإفحاش فسبابٌ محض، وليس للشاعر فيه إلا إقامة الوزن.
ومما يدل على صحة ما قاله صاحب الوساطة وحُسْن ما ذهب إليه إعجاب الحذاق من العلماء وفرسان الكلام بقول زهير في تشككه وتهزله وتجاهله فيما يعلم:
وما أدرِيْ وسوف إخَالُ أدرِيْ * أقَوْمٌ آل حِصْنٍ أم نِسَاءُ
فإنْ تَكُنِ النســـاءُ مُخَـبَـئَـــاتٍ * فَحُقَّ لكلِّ مُحْصَنَةٍ هِدَاءُ
وإنّ هذا عندهم من أشدِّ الهجاء وأمَضِّه.
قال المصنف: وجميع الشعراء يرون قِصَرَ الهجاء أجود، وترك الفحش فيه أصوب، إلا جريراً فإنه قال لبنيه: إذا مدحتم فلا تطيلوا الممادحة، وإذا هجوتم فخالفوا، وقال أيضاً: إذا هجوت فأضحك. وسلك طريقته في الهجاء سواء علي بن العباس بن الرومي، فإنه كان يطيل ويُفْحِش، وأنا أرى أن التعريض أهجى من التصريح؛ لاتساع الظن في التعريض، وشدة تعلق النفس به، والبحث عن معرفته، وطلب حقيقته، فإذا كان الهجاء تصريحاً أحاطت به النفس علماً، وقبلته يقيناً في أول وهلة، فكان كلَّ يوم في نقصان لنسيان أو مَلَل يعرض، هذا هو المذهب الصحيح، على أن يكون المهجو ذا قدر في نفسه وحَسَبه؛ فأما إن كان لا يوقظه التلويح، ولا يؤلمه إلا التصريح؛ فذلك، ولهذه العلة اختلف هجاء أبي نواس، وكذلك هجاء أبي الطيب فيه اختلاف؛ لاختلاف مراتب المهجوين.
فمن التفضيل في الهجاء قول ربيعة بن عبد الرحمن الرقي:
لَشَتَّانَ ما بينَ اليَزِيْدَيْنِ في النَّدَى * يَزيدِ سُلَيمٍ والأَغَرِّ ابْنِ حَاتـــــــمِ
فَهَمُّ الفَتَى الأزْدِيِّ إتْلافُ مالِــــــهِ * وهَمُّ الفتى القَيْسِيِّ جَمْعُ الدراهِمِ
فَلا يَحْسَبِ التَّمْتَامُ أنِّيْ هَجَوْتُـــــهُ * ولكننيْ فَضَّلْتُ أهْلَ المكــــــــارِمِ
ومن الاحتقار قولُ جرير في التَّيْم:
ويُقْضَى الأمْرُ حينِ تَغِيْبُ تَيْمٌ * ولا يُسْتأذَنُونَ وَهُمْ شُهُودُ
فإنَّكَ لو رأيْتَ عَبِـيْــــدَ تَيْــــمٍ * وتَيْماً قُلْتَ: أَيّهُمُ العَبِيدُ؟!
ومن مليح التهكم والاستخفاف قول أبي هفان:
سُلَيْمانُ مَيْمُونُ النَّقِيبةِ حازِمٌ * ولكنَّهُ وَقْفٌ عليهِ الْهَزائِـــــمُ
ألَا عَوِّذُوهُ مِنْ تَوَالِيْ فُتُوحِـهِ * عَسَاهُ تَرُدُّ العَيْنَ عَنْهُ التَّمَائِمُ
وأجود ما في الهجاء أن يسلب الإنسان الفضائل النفسية وما تركب من بعضها مع بعض، فأما ما كان في الخِلْقة الجسمية من المعايب فالهجاء به دون ما تقدم، وقدامة لا يراه هَجْواً البتة، وكذلك ما جاء من قِبَل الآباء والأمهات من النقص والفساد لا يراه عيباً، ولا يعد الهجو به صواباً، والناس ــ إلا من لا يُعَدُّ قِلَةً ــ على خلاف رأيه، وكذلك يوجد في الطباع وقد جاء ما أكد ذلك من أحكام الشريعة.
وأما أهجى بيت؛ فقد اختلف فيه على أقوال يمكن تتبعها في مظانها.
وكان النابغة الجعدي يقول: إني وأوساً لنبتدر باباً من الهجاء، فمن سبق منا إليه غلب صاحبه، فلما قال أوس بن مغراء:
لَعَمْرُكَ ما تَبْلَى سَرَابِيْلُ عامرٍ * مِنَ اللؤمِ ما دامَتْ عليها جُلُودُهَا
قال النابغة: هذا والله البيت الذي كنا نبتدره.
قال المصنف: والذي أراه أنا على كل حال أن أشد الهجاء ما أصاب الغرض، ووقع على النكتة، وهو الذي قال خلف الأحمر بعينه.


(12) ينبغي للشاعر أن لا يقول شيئاً يحتاج أن يعتذر منه، فإن اضطره المقدار إلى ذلك، وأوقعه فيه القضاء؛ فليذهب مذهباً لطيفاً، وليقصد مقصداً عجيباً، وليعرف كيف يأخذ بقلب المعتذر إليه، وكيف يمسح أعطافه، ويستجلب رضاه، فإنّ إتيان المعتذر من باب الاحتجاج وإقامة الدليل خطأ، لا سيما مع الملوك وذوي السلطان، وحقه أن يلطف برهانه مدمجاً في التضرع والدخول تحت عفو الملك، وإعادة النظر في الكشف عن كذب الناقل، ولا يعترف بما لم يَجْنِه خوف تكذيب سلطانه أو رئيسه، ويُحِيل الكذب على الناقل والحاسد، فأما مع الإخوان فتلك طريقة أخرى.
وأجَلُّ ما وقع في الاعتذار من مشهورات العرب قصائد النابغة الثلاث: إحداهن: (يا دارَ مَيَّةَ بالعَلْيَاء فالسَّنَدِ) يقول فيها:
فلا لَعَمْرُ الذي مَسَّحْتُ كعبَتَهُ * وما هُرِيْقَ على الأنصابِ مِنْ جَسَدِ
إلى آخر الأبيات...
والثانية: (أَرَسْماً جَدِيداً مِنْ سُعَاد تَجَنَّبُ) يقول فيها معتذراً من مدح آل جفنة ومحتجاً بإحسانهم إليه:
حلفتُ فلم أَتْرُكْ لنفسكَ رِيبةً * وليس وراءَ اللهِ للمرءِ مَذْهَبُ
إلى آخرها...
والثالثة: (عَفَا ذو حسًى مِنْ فَرْتَنَى فالفَوَارعُ) يقول فيها بعد قسم قدمه على عاداته:
لَكَلَّفْتَنِيْ ذَنْبَ امرئٍ وتركْتَهُ * كَذِي الْعُرِّ يُكْوَى غَيْرُهُ وَهْوَ راتِعُ
إلى آخرها...
وفي اشتقاق الاعتذار ثلاثة أقوال: أحدهما أن يكون من المحو، كأنك محوت آثار الْمَوْجِدَة، من قولهم: اعتذرتِ المنازلُ، إذا دَرَسَتْ، وأنشدوا قول ابن أحمر:
أمْ كنتَ تعرفُ آياتٍ فقد جَعَلَتْ * أطلالُ إلْفِكَ بالوَدْكَاء تَعْتَذِرُ
والثاني: أن يكون من الانقطاع، كأنك قطعت الرجل عما أمسك في قلبه من الموجدة، ويقولون: "اعتذرت المياه" إذا انقطعت. وأنشدوا للبيد:
شُهُورُ الصَّيْفِ، واعْتَذَرَتْ إِلَيْهِ * نِطَافُ الشيِّطَينِ مِن الشِّمالِ
والقول الثالث: أن يكون من الحَجْر والمنع ... قال أبو جعفر: يقال "عذرت الدابة" أي جعلت لها عذراً يحجزها من الشِّرَاد، فمعنى: "اعتذر الرجل": احتجز، وعَذَرْته: جعلت له بقبول ذلك حاجزاً بينه وبين العقوبة والعتب عليه، ومنه تعذَّر الأمر: احتجز أن يُقْضَى، ومنه: جارية عَذْرَاء.

أحمد بن يحيى
09-04-2021, 11:11 AM
باب السرقات، وما شاكلها:

والسَّرِقَاتُ، وَهْيَ بابٌ زاخِرُ = في الشِّعْرِ، لا يَسْلَمُ مِنْهُ شاعِرُ(1)

ولا يُتِمُّ ناقِدٌ تَحْصِيْلا = حتَّى يُحِيْطَ عِلْمَهَا تَفْصِيْلا: (2)

في ضَوْءِ أَلْقَابٍ عَلَيْهَا اصْطَلَحُوا = مُوْجَزُهَا يَأتِيْ عَلَى ما اقْتَرَحُوا:(3)

صَرْفٌ لِبَيْتِ غَيْرِهِ يُضَافُ = لِنَفْسِهِ، فَذَاكَ: (الِاصْطِرَافُ):

إنِ ادَّعَاهُ جُمْلَةً فَـ: (الْمُنْتَحَلْ) = جَائِزُهُ: (مُسْتَجْلَبٌ) عَلَى الْمَثَلْ(4)

فإنْ يَكُنْ أَخَذَهُ بِالْغَلَبَهْ = فَهْيَ: (إِغَارَةٌ)؛ بِمَا قَدْ غَصَبَهْ(5)

وأَخْذُهُ عَنْ هِبَةٍ: (مُرَافَدَهْ) = ودُوْنَ أنْ يَسْمَعَهُ: (مُوَارَدَهْ)(6)

في الْبَيْتِ، أمَّا دُوْنَهُ تَمَامَا = فَذَاكَ مَا سَمَّوْهُ: (الِاهْتِدَامَا):

تَمَامُ بَاقِيْهِ بِغَيْرِ لَفْظِهِ = لَكِنْ بِمَعْنَاهُ، ودُوْنَ لَحْظِهِ(7)

فإنْ تَسَاوَيَا بِغَيْرِ الَّلفْظِ = فَـ: (نَظَرٌ) عَلَى لَطِيْفِ الَّلحْظِ:

ومِنْهُ: ضِدَّانِ عَلَى اسْتِحْكَامِ = فَذَاكَ ما سَمَّوْهُ بِـ: (الإِلْمَامِ)(8)

والنَّقْلُ لِلْمَعْنَى: فَذَا: (اخْتِلَاسُ) = مِنْ غَرَضٍ لِغَرَضٍ يُقَاسُ(9)

وبِنْيَة الْكَلَامِ مِمَّنْ وَازَنَهْ = مِنْ دُوْنِ مَعْنَاهُ، هِيَ: (الْمُوَازَنَهْ):(10)

فإنْ يَكُنْ بِكُلِّ لَفْظٍ ضِدُّهُ = فَذَلِكَ: (الْعَكْسُ)، وذَاكَ حَدُّهُ(11)

تَأْلِيْفُ بَيْتٍ صُنْعُهُ دَقِيْقُ = (فَالِالْتِقَاطُ ثَمَّ والتَّلْفِيْقُ):

مُجْتَذَبٌ رُكِّبَ مِنْ أبْيَاتِ = قَدْ جُمِّعَتْ شَتَّى عَلَى جِهَاتِ(12)

و(كَشْفُكَ الْمَعْنَى) فَذَا مَحْمُوْدُ = تُبْرِزُهُ كَأنَّهُ الْجَدِيْدُ(13)

ودَاخِلٌ في (حُسْنِ الِاتِّبَاعِ) = بِنُكْتَةٍ تَحْسُنُ في الطِّبَاعِ:

إمَّا اخْتِصِارًا أوْ بِبَسْطِ جَافِيْ = أوْ حَسَنِ الْكَلَامِ لِلسَّفْسَافِ

أوْ قَلْبِهِ أوْ صَرْفِهِ عَنْ وَجْهِهِ = أوْ بِبَيَانِ غَامِضٍ في كُنْهِهِ

وضِدُّ كُلِّ ذَاكَ مِنْ دَوَاعِيْ = فَدَاخِلٌ في (سُوْءِ الِاتِّبَاعِ)

فإنْ يَكُنْ سَاوَاهُ في احْتِذَاءِ = فَلَيْسَ غَيْرُ فَضْلِ الِاقْتِدَاءِ(14)

وحَسَنٌ أَخْذُكَ قَوْلَ النَّثْرِ = تَسْلُكُهُ مُنَضَّدًا في شِعْرِ(15)

وكُلُّ ذَا يَخْتصُّ بِالْمُخْتَرَعِ = بِمَا بِهِ اخْتصَّ وبِالْمُبْتَدَعِ

دُوْنَ الَّذِيْ قَدْ عَمَّ بِاشْتِرَاكِ = مُبْتَذَلاً عَلَى لِسَانِ الْحَاكِيْ(16)


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) السرقات: بابٌ متسعٌ جداً، لا يقدر أحدٌ من الشعراء أن يدَّعي السلامة منه، وفيه أشياء غامضة، إلا عن البصير الحاذق بالصناعة، وأُخَرُ فاضحة لا تخفى على الجاهل المغفل.

(2) قال القاضي الجرجاني ــ وهو أصح مذهباً، وأكثر تحقيقاً من كثير ممن نظر في هذا الشأن ــ: ولست تُعَدُّ من جهابذة الكلام، ولا من نُقَّاد الشعر، حتى تميز بين أصنافه وأقسامه، وتحيط علمًا برتبه ومنازله، فتفصل بين السَّرَق والغصب وبين الإغارة والاختلاس، وتعرف الإلمام من الملاحظة، وتفرق بين المشترك الذي لا يجوز ادعاء السرقة فيه والمبتذل الذي ليس واحد أحق به من الآخر، وبين المختص الذي حازه المبتدي فملكه واجتباه السابق فاقتطعه.

(3) قال المصنف ــ رحمه الله ــ: (وقد أتى الحاتمي في (حِلْية المحاضرة) بألقاب محدثة تدبرتها ليس لها محصول إذا حُققت: كالاصطراف، والاجتلاب، والانتحال، والاهتدام، والإغارة، والمرافدة، والاستلحاق، وكلها قريب من قريب، وقد استعمل بعضها في مكان بعض، غير أني ذاكرها على ما خيلت فيما بعد).
ثم اختصر المصنف تلك الألقاب في مفتتح الباب ــ ضابطًا لها ــ في مختصر حسن قبل أن يفيض في شرحها والتمثيل لها، فقال:
(والاصطراف: أن يُعجب الشاعر ببيت من الشعر فيصرفه إلى نفسه، فإن صرفه إليه على جهة المثل فهو اختلاب واستلحاق، وإن ادّعاه جُملةً فهو انتحال، ولا يقال: "منتحل" إلا لمن ادعى شعراً لغيره وهو يقول الشعر، وأما إن كان لا يقول الشعر فهو مُدَّعٍ غير منتحل، وإن كان الشعر لشاعر أخذ منه غلبة فتلك الإغارة والغصب، وبينهما فرق أذكره في موضعه إن شاء الله تعالى، فإن أخذه هبة فتلك المرافدة، ويقال: الاسترفاد، فإن كانت السرقة فيما دون البيت فذلك هو الاهتدام، ويسمى أيضاً النسخ، فإن تساوى المعنيان دون اللفظ وخفي الأخذ فذلك النظر والملاحظة، وكذلك إن تضادَّا ودلَّ أحدهما على الآخر، ومنهم من يجعل هذا الإلمام، فإن حول المعنى من نسيب إلى مديح فذلك الاختلاس، ويسمى أيضاً نقل المعنى، فإن أخذ بِنْية الكلام فقط فتلك الموازنة، فإن جعل مكان كل لفظة ضدها فذلك هو العكس، فان صح أن الشاعر لم يسمع بقول الآخر وكانا في عصر واحد فتلك المواردة، وإن ألف البيت من أبيات قد ركب بعضها من بعض فذلك هو الالتقاط والتلفيق، وبعضهم يسميه الاجتذاب والتركيب، ومن هذا الباب كشف المعنى، وسوء الاتباع، وتقصير الآخذ عن المأخوذ منه، وسأورد عليك مما رويته أو تأدى إليَّ فهمُه لكل واحد من هذه الألقاب مثالاً يعرفه العالم، ويقتدي به المتعلم، إن شاء الله تعالى).

(4) أما الاصطراف فيقع من الشعر على نوعين: أحدهما: الاجتلاب، وهو الاستلحاق أيضاً كما قدمت، والآخر: الانتحال؛ فأما الاجتلاب فنحو قول النابغة الذبياني:
وصَهْبَاءَ لا تُخْفِي الْقَذَى وهْوَ دُونَها * تُصَفِّقُ في رَاوُوْقِهَا حِيْنَ تُقْطَبُ
تَمَزَّزْتُهَا والدِّيْــــكُ يَدْعـُو صَبَاحَــــهُ * إذَا ما بَنُو نَعْشٍ دَنَوْا فَتَصَوَّبُـوا
فاستلحق الفرزدق البيت الأخير فقال:
وَإِجَّــانَـــــةٍ رَيـَّـا السُّـــرُورِ كَــأَنَّـــها * إذا غُمِسَتْ فيها الزُّجاجَةُ كَوكَبُ
تَمَزَّزْتُهَا والدِّيْــكُ يَدْعـــُو صَبَاحَـــــهُ * إذَا ما بَنُو نَعْشٍ دَنَوْا فَتَصَوَّبُــوا
وربما اجتلب الشاعر البيتين على الشريطة التي قدَّمت (استلحاقه على جهة المثل دون انتحاله له)؛ فلا يكون في ذلك بأس، كما قال عمرو ذو الطوق:
صَدَدْتِ الْكَأْسَ عَنَّا أُمَّ عَمْرٍو * وكان الكأسُ مجراهُ الْيَمِينا
وما شَــرُّ الثلاثـــةِ أمَّ عَمْرٍو * بِصَاحِبِكِ الذي لا تَصْبَحِينـا
فاستلحقهما عمرو بن كلثوم؛ فهما في قصيدته، وكان عمرو بن العلاء وغيره لا يرون ذلك عيباً، وقد يصنع المحدثون مثل هذا.
والانتحال عندهم قول جرير:
إنَّ الَّذِينَ غَدَوْا بِلُبِّــكَ غَـــادَرُوا * وَشَــلاً بِعَيْنِكَ لا يَزَالُ مَعِيْنَـــا
غَيَّضْنَ مِنْ عَبَرَاتِهِنَّ وقُلْنَ لي: * ماذا لَقِيْتَ مِنَ الْهَوَى ولَقِيْنَا!
فإن الرواة مجمعون على أن البيتين للمَعْلُوط السعدي انتحلهما جرير، وانتحل أيضاً قول طُفَيْل الغنوي:
ولَمَّا الْتَقَى الْحَيَّانِ أُلْقِيَتِ الْعَصَا * وماتَ الْهَوَى لَمَّا أُصِيْبَتْ مَقَاتِلُهْ


(5) الإغارة: أن يصنع الشاعر بيتاً ويخترع معنى مليحاً فيتناوله مَنْ هو أعظم منه ذكراً وأبعد صوتاً، فيروى له دون قائله، كما فعل الفرزدق بجميل وقد سمعه ينشد:
تَرَى النَّاسَ ما سِرْنَا يَسِيْرُونَ خَلْفَنَا * وإنْ نَحْنُ أَوْمَأْنَا إلى النَّاسِ وَقَّفُوا
قال: متى كان الْمُلْك في بني عُذْرَة؟ إنما هو في مُضَر وأنا شاعرها، فغلب الفرزدق على البيت، ولم يتركه جميل ولا أسقطه من شعره.
وقد زعم بعض الرواة أنه قد قال له: تجافَ لي عنه، فتجافى جميل عنه، والأول أصح؛ فما كان هكذا فهو إغارة، وقوم يرون أن الإغارة: أخْذُ اللفظ بأسره والمعنى بأسره، والسَّرَق: أخذ بعض اللفظ أو بعض المعنى؛ كان ذلك لمعاصر أو قديم.
وأما الغصب فمثل صنيعه بالشَّمَرْدَل اليربوعي، وقد أنشد في محفل:
فَمَا بَيْنَ مَنْ لم يُعْطِ سَمْعًا وطاعَةً * وبَيْنَ تَمِيمٍ غَيْرُ حَزِّ الْحَلاقِمِ
فقال الفرزدق: والله لَتَدَعَنَّه أو لتدعَنَّ عِرْضَك، فقال: خذه لا بارك الله لك فيه.
وقال ذو الرمة بحضرته: لقد قلتُ أبياتًا، إن لها لعروضًا وإن لها لمرادًا ومعنى بعيدًا، قال: وما قلت؟ فقال: قلت:
أَحِيْنَ أَعَاذَتْ بِيْ تَمِيمٌ نِسَاءَهَـا * وجُرِّدْتُ تَجْرِيْدَ الْيَمَانِيْ مِنَ الْغِمْـــــدِ
وَمَدَّتْ بِضَبْعَيَّ الرِّبَابُ ومَالِــكٌ * وعَمْرٌو وسَالَتْ مِنْ وَرَائيْ بَنُو سَعْدِ
ومِنْ آلِ يَرْبُوعٍ زُهَــــاءٌ كأنَّــهُ * دُجَى الَّليْلِ مَحْمُودُ النِّكَايَةِ والرِّفْـــــدِ
فقال له الفرزدق: إياك وإياها لا تعودَنَّ إليها، وأنا أحق بها منك، قال: والله لا أعود فيها ولا أنشدها أبدًا إلا لك.
وسمعت بعض المشايخ يقول: الاصطراف في شعر الأموات كالإغارة على شعر الأحياء، إنما هو أن يرى الشاعر نفسه أولى بذلك الكلام من قائله.

(6) المرافدة: أن يُعِيْن الشاعر صاحبه بالأبيات يَهَبُها له، كما قال جرير لذي الرمة: أنشدني ما قلت لهشام المرئي، فأنشده قصيدته:
نَبَتْ عَيْناكَ عن طَلَلٍ بِحُزْوَى * مَحَتْهُ الرِّيْحُ وامْتُنِحَ الْقِطَارَا
فقال: ألا أعينك؟ قال: بلى بأبي وأمي، قال: قل له:
يَعُدُّ النَّاسِبُونِ إلى تَمِيــــمٍ * بُيُوْتَ الْمَجْدِ أربَعَــةً كِبَـــارَا
يَعُدُّوْنَ الرِّبَابَ وآلَ سَعْــدٍ * وعَمْرًا ثُمَّ حَنْظَلَــةَ الْخِيَـــارَا
ويَهْلِكُ بَيْنَهَا الْمَرَئِيُّ لَغْواً * كَمَا أَلْغَيْتَ في الدِّيَةِ الْحُوَارَا
فلقيه الفرزدق، فلما بلغ هذه قال: جيد، أعده، فأعاده، فقال: كلا والله، لقد عَلَكهنَّ من هو أشد لِحْيَينِ منك، هذا شعر ابن المراغة.
والشاعر يستوهب البيت والبيتين والثلاثة وأكثر من ذلك، إذا كانت شبيهة بطريقته، ولا يعد ذلك عيباً؛ لأنه يقدر على عمل مثلها، ولا يجوز ذلك إلا للحاذق المبرز.
أما: المواردة، فقد ادعاها قوم في بيت امرئ القيس وطرفة، حين لم يختلفا إلا في القافية؛ فقال أحدهما: وتَحَمَّلِ، وقال الآخر: وتَجَلَّدِ. ولا أظن هذا مما يصح؛ لأن طرفة في زمان عمرو بن هند شابٌّ حول العشرين، وكان امرؤ القيس في زمان المنذر الأكبر كهلاً واسمه وشعره أشهر من الشمس؛ فكيف يكون هذا مواردة؟ إلا أنهم ذكروا أن طرفة لم يثبت له البيت، حتى استحلف أنه لم يسمعه قط فحلف، وإذا صح هذا كان مواردة، وإن لم يكونا في عصر، وسئل أبو عمرو بن العلاء: أرأيت الشاعرين يتفقان في المعنى ويتواردان في اللفظ لم يلق واحد منهما صاحبه ولم يسمع شعره؟ قال: تلك عقول رجال توافت على ألسنتها، وسئل أبو الطيب عن مثل ذلك فقال: الشعر جادَّة، وربما وَقَعَ الحافر على موضع الحافر.
(7) الاهتدام، نحو قول النجاشي:
وكُنْتُ كَذِيْ رِجْلَيْنِ رِجْلٍ صَحِيْحَةٍ * ورِجْلٍ رَمَتْ فيها يَدُ الْحَدَثَانِ
فأخذ كُثَيِّر القسمَ الأولَ واهتدم باقي البيت فجاء بالمعنى في غير اللفظ، فقال: (ورِجْلٍ رَمَى فيها الزَّمَانُ فَشَلَّتِ).

(8) وأما: النظر والملاحظة، فمثل قول مهلهل:
أَنْبَضُوا مَعْجِسَ الْقِسِيِّ وأَبْرَقْنَا كَمَا تُوْعِدُ الْفُحُوْلُ الْفُحُوْلا
نظر إليه زهير بقوله:
يَطْعَنُهُمْ ما ارْتَمَوْا حتى إذَا طَعَنُوا * ضَارَبَ حتى إذَا ما ضَارَبُوا اعْتَنَقَا
وأبو ذؤيب بقوله:
ضَرُوْبٌ لِهَامَاتِ الرِّجَالِ بِسَيْفِهِ * إذَا حَنَّ نَبْعٌ بَيْنَهُمْ وشَرِيْجُ
والإلمام: ضرب من النظر، وهو مثل قول أبي الشيص: (أجِدُ الْمَلَامَةَ في هَوَاكِ لَذِيذةً)، وقول أبي الطيب: (أأحِبُّهُ وأحِبُّ فيه مَلامَةً) البيت، وقد تقدم ذكرهما في: (التَّغَايُر).

(9) وأما الاختلاس فكقول أبي نواس:
مَلِكٌ تَصَوَّرَ في القُلُوبِ مِثَالُهُ * فكأنَّهُ لم يَخْلُ مِنْهُ مَكَانُ
اختلسه من قول كُثَيِّر:
أُرِيْدُ لِأَنْسَى ذِكْرَهَا فكأنَّما * تَمَثَّلُ لِيْ لَيْلَى بِكُلِّ سَبِيلِ
وقول عبد الله بن مصعب:
كأنَّكَ كُنْتَ مُحْتَكِمًا عليهمْ * تَخَيَّرُ في الأُبُوَّةِ ما تَشَاءُ
ويروى: (كأنك جئت محتكماً عليهم) اختلسه من قول أبي نواس:
خُلِّيَتْ والْحُسْنَ تَأخُذُهُ * تَنْتَقِــيْ منـهُ وتَنْتَخِــبُ
فَاكْتَسَتْ منهُ طَرَائِفَـهُ * ثُمَّ زادَتْ فَضْلَ ما تَهَبُ
أردتُ البيتَ الأول.

(10) الموازنة: مثل قول كُثَيِّر:
تَقُوْلُ مَرِضْنَا فَمَا عُدْتَنَا * وكيفَ يَعُودُ مَرِيضٌ مَرِيضَا
وازن في القسم الآخر قول نابغة بني تغلب:
بَخِلْنَا لِبُخْلِكِ قَدْ تَعْلَمِيْنَ * وكيفَ يَعِيْبُ بَخِيلٌ بَخِيلا

(11) والعكس: كقول ابن أبي قيس، ويروى لأبي حفص البصري:
سُوْدُ الْوُجُوهِ، لئيمةٌ أحسابُهُمْ * فُطْسُ الأُنُوفِ، مِنَ الطِّرَازِ الآخِرِ
أصله قول حسان:
بيضُ الوجوه، كريمةٌ أنسابهم * شُمُّ الأنوفِ، من الطرازِ الأولِ

(12) الالتقاط والتلفيق: مثل قول يزيد بن الطثرية:
إذا ما رآنيْ مُقْبِلاً غَضَّ طَرْفَهُ * كأنَّ شُعَاعَ الشَّمْسِ دُوْنِيْ يُقَابِلُهْ
فأوَّلُهُ من قول جميل:
إذا ما رأونيْ طالعاً مِنْ ثَنِيَّةٍ * يقولون: مَنْ هذا؟ وقد عَرَفُوني
ووسطُه من قول جرير:
فَغُضَّ الطَّرْفَ إنَّكَ مِنْ نُمَيْرٍ * فلا كَعْبًا بَلَغْتَ ولا كِلَابَا
وعَجُزُه من قول عنترة الطائي:
إذا أبْصَرْتَنِيْ أعْرَضْتَ عَنِّيْ * كأنَّ الشَّمْسَ مِنْ حَوْلِيْ تَدُوْرُ

(13) فأما كَشْفُ المعنى، فنحو قول امرئ القيس:
نَمُشُّ بِأَعرَافِ الْجِيَادِ أَكُفَّنَا * إذَا نَحْنُ قُمْنَا عَنْ شِوَاءٍ مُضَهَّبِ
وقال عَبَدة بن الطبيب بعده:
ثُمَّتَ قُمْنَا إلى جُرْدٍ مُسَوَّمَةٍ * أَعْرَافُهُنَّ لأيدينا مَنَادِيلُ
فكشف المعنى وأبرزه.

(14) إذا تناول المتبع معنى فأجاده ــ بأن يختصره إن كان طويلاً، أو يبسطه إن كان كَزّاً، أو يبينه إن كان غامضاً، أو يختار له حسن الكلام إن كان سَفْسافاً، أو رشيقَ الوزن إن كان جافيًا ــ فهو أولى به من مبتدعه، وكذلك إن قَلَبه أو صَرَفه عن وجه إلى وجه آخر، فأما إن ساوى المبتدعَ فله فضيلة حسن الاقتداء لا غيرها، فإن قصَّر كان ذلك دليلاً على سوء طبعه، وسقوط همته، وضعف قدرته.
فمما أجاد فيه المتبع على المبتدع قول الشماخ:
إذَا بَلَّغْتِنِيْ وحَمَلْتِ رَحْلِيْ * (عَرَابَةَ) فَاشْرَقِيْ بِدَمِ الْوَتِيْنِ
فقال أبو نواس:
أقول لناقتـي إذْ بَلَّغَتْنِــيْ * لقد أصبحــتِ مِنِّـــيْ بِاليَمِيْــــنِ
فَلَمْ أَجْعَلْكِ للغِرْبَانِ نُحْلاً * ولا قُلْتُ: "اشرقي بدم الوتين"
وكرره فقال:
وإذَا الْمَطِــيُّ بِنَا بَلَغْـــنَ محمــــدًا * فَظُهُورُهُنَّ على الرجالِ حَرَامُ
قَرَّبْنَنَا مِنْ خَيْرِ مَنْ وَطِئَ الْحَصَى * فَلَهَا علينـا حُرْمَــــةٌ وذِمَــــامُ
ومما يتساوى فيه السارق والمسروق منه: قول امرئ القيس:
فلو أَنَّها نَفْسٌ تموتُ جَمِيعَةً * وَلَكِنّهَا نَفْسٌ تَسَاقَطُ أنْفُسَا
وقول عبدة بن الطبيب:
وما كان قَيْسٌ هُلْكُهُ هُلْكُ واحِدٍ * ولكنه بُنْيَانُ قَوْمٍ تَهَدَّمَا
وسوء الاتباع: أن يعمل الشاعر معنى ردياً ولفظاً ردياً مستهجناً ثم يأتي من بعده فيتبعه فيه على رداءته، نحو قول أبي تمام:
بَاشَرْتُ أَسْبَابَ الْغِنَى بِمَدَائِحٍ * ضَرَبَتْ بأبوابِ الْمُلُوكِ طُبُولا
فقال أبو الطيب:
إذَا كان بَعْضُ النَّاسِ سَيْفاً لِدَوْلَةٍ * فَفِي النَّاسِ بُوْقَاتٌ لَهَا وطُبُولُ
فسرق هذه اللفظة لئلا تفوته.
ومما قصر فيه الآخذ عن المأخوذ منه: قول أبي دهبل الجمحي في معنى بيت الشماخ:
يا نَاقُ سَيْرِيْ واشْرَقِي * بِدَمٍ إذَا جِئْتِ الْمُغِيْـــرَهْ
سَيُثِيْبُنِيْ أُخْرَى سِوَا ... كِ، وتلكَ لِيْ منهُ يَسِيْرَهْ
فأنت ترى أين بلغت همته؟!

(15) أجَلُّ السرقات: نَظْمُ النثر وحَلُّ الشِّعر، وهذه لمحة منه. قال نادب الإسكندر: "حَرَّكَنا الْمَلِكُ بِسُكُونه " فتناوله أبو العتاهية فقال:
قَدْ لَعَمْرِيْ حَكَيْتَ لِيْ غُصَصَ الموتِ وحَرَّكْتَنِيْ لَهَا وسَكَنْتَا
وقال أرسطاطاليس يندبه: "قد كان هذا الشخص واعظاً بليغاً، وما وعظ بكلامه عظة قط أبلغ من موعظته بسكوته"، وقال أبو العتاهية في ذلك:
وكانَتْ في حياتِكَ لِيْ عِظَاتٌ * فأنْتَ اليومَ أَوْعَظُ مِنْكَ حَيَّا

(16) إنما تكون السرقة في البديع المخترع الذي يختص به الشاعر، لا في المعاني المشتركة التي هي جارية في عاداتهم ومستعملة في أمثالهم ومحاوراتهم، مما ترتفع الظنة فيه عن الذي يورده أن يقال إنه أخذه من غيره.
فمما يعد سرقة وليس بسرقة: اشتراكُ اللفظ المتعارف كقول عنترة:
وخَيْلٍ قَدْ دَلَفْتُ لَهَا بِخَيْلٍ * عليها الأُسْدُ تَهْتَصِرُ اهْتِصَارَا
وقول عمرو بن معدي كرب:
وخَيْلٍ قَدْ دَلَفْتُ لَهَا بِخَيْلٍ * تَحِيُّة بَيْنِهِمْ ضَرْبٌ وَجِيْعُ
وقول الخنساء ترثي أخاها صخراً:
وخَيْلٍ قَدْ دَلَفْتَ لَهَا بِخَيْلٍ * فَدَارَتْ بَيْنَ كَبْشَيْهَا رَحَاهَا
ومثله:
وخَيْلٍ قَدْ دَلَفْت لَهَا بِخَيْلٍ * تَرَى فُرْسَانَها مِثْلَ الأُسُودِ
وأمثال هذا كثير.
والله أعلم.

أحمد بن يحيى
09-04-2021, 06:05 PM
خاتمة:

وذا ختام ما ابتدأتُ قَصْدَهْ = من اختصارٍ لكتاب: (الْعُمْدَهْ):

في رَجَزٍ حاولتُ أن أُتَمِّمَهْ = بالمنهج المذكور في المقدمهْ

فالحمدُ لله على إنعامِهِ = بما به أكرَمَ من إتمامِهِ

مُصَلِّيًا على النبيِّ المصطفى = وآلهِ وصحبهِ ومَنْ وَفَى


اللهم صلِّ على نبينا محمد وآله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد.
والحمد لله رب العالمين.

أحمد بن يحيى
09-04-2021, 06:20 PM
الفضلاء والفضليات رواد الفصيح الكرام:
هذا هو ختام المرحلة الأولى من هذا المشروع؛ كما جاء في مقدمة المنظوم، وقد يُكتَفى بها.

تجدون في المرفقات:
المنظوم فقط بلا هوامش شارحة.
والمنظوم مع الهوامش والشرح (في قسمين).

أسأل الله العلي القدير أن ينفع بهذا العمل المتواضع و أن يبارك فيه..
والحمد لله أولاً وآخرا.

أحمد بن يحيى
07-06-2021, 09:09 PM
السلام عليكم ورحمة الله
وبعد:
فقد حصل سهوٌ في التزام الروي في قوله في باب (المبالغة) :
فَأَشْعَرُ الشِّعْرِ: الَّذِيْ قَدْ صَدَقَا = أَنْشَدَهُ (حَسَّانُ) فِيْمَا أنْشَدَا

ويمكن إصلاحه بالقول ـ مثلا ـ:
فَأَشْعَرُ الشِّعْرِ: الَّذِيْ قَدْ قَصَدَا = أَنْشَدَهُ (حَسَّانُ) فِيْمَا أنْشَدَا

أو :
فَأَشْعَرُ الشِّعْرِ: الَّذِيْ قَدْ صَدَقا = أَنْشَدَهُ (حَسَّانُ) فِيْمَا حَقَّقَا

وهو ما أحببت التنبيه عليه
والله ولي التوفيق.