المساعد الشخصي الرقمي

اعرض النسخة الكاملة : نقد كتاب "جناية سيبويه"



جمال حسني الشرباتي
03-03-2006, 09:15 PM
نـَظَرات في كتاب (جناية سيبويه) ـــ د.نبيل أبو عمشة*
----------------------------------------------

أولاً: المقدّمة.‏

ليس الغرض من هذه النظرات مصادرة حقّ الآخرين في الكتابة أو النقد، ولو كان المنتَقَدُ قواعد اللغة، أو اللغة نفسها، فالعربيّة لغة هذه الأمّة، وأهمّ مقومات بقائها؛ حظيت عند الأوائل بما لم تحظ به لغة أخرى، ومن حقّ أبنائها في كلّ زمان أن يقولوا فيها ما يعتقدون أنّه الخير والصلاح لها، فهم أهل مكّة، وهم أدرى بشعابها.‏

بيد أنْ الناظر في أمرِ مَن يدّعون النقد والإصلاح تدخله الريبة فيما يكتبون، وينازعه الشك في أنّ أهل مكّة اليوم –إن كانوا من أهلها حقّاً- ما زالوا يعرفون شعابها، أو يعرفون مكّة نفسها.‏

ولا ريب أنّ الجهل بأمر هذه الشعاب فيه من الخطر ما فيه، وأقلّ ذلك أنّه يفضي إلى ضرب من العشوائيّة والتيه، هذا إذا أحسنّا الظنّ بهم وبما يصنعون، وإلاّ فإنّ أمراً قد دُبّر بليل، والغرض ممّا يلهثون وراءه لا يخفى على أحد، فالتخلص من العربيّة وقواعدها، وإحلال العاميّات محلّها مقدّمة لمحو أبرز معالم شخصيّة الأمّة، وقطع حاضرها عن ماضيها، وجعلها جسداً واهناً لا طاقة له على الصمود أو البقاء تمهيداً للإجهاز عليها.‏

وبين أيدينا نموذجٌ ممّا يكتبه هؤلاء، تجاوز فيه المؤلف حدود النقد إلى الهدم والاجتثاث.‏

وما كان هذا الكتاب ليستحق الردّ لو نظرنا إلى ظاهره، وهو نقد النحو العربيّ ممثلاً بسيبويه، ففيه من التهافت ما يغني عن الردّ، وقديماً قالوا "الرديء لا يساوي حمولته"، بيد أنّ مراميه أبعد من ذلك، وهو ما سيظهر للقارئ بجلاء.‏

ثانياً: البحث:‏ هذا الكتاب الذي سمّاه صاحبه "جناية سيبويه"(1) تعدَّدت غاياته، وأقربُها نقد النحو العربيّ، إن جاز لنا أن نسمّي ما جاء فيه نقداً.‏

والظاهر أيضاً من عنوانه أنّ مؤلّفه لا يقرّ بتسميته نحواً عربيَّاً، ولذا عزاه إلى سيبويه، مع أنّه لم يطلّع على كتاب هذا الأخير ولا وقف على شيء من كلامه، وأغلب الظنّ أيضاً أنّه لم يطّلع على مصنفات النحويين ولم يجاوز مقدّمات بعضها في أحسن الأحوال.‏

ومهما يكن فإنّ النحو الذي أراد الكاتب نقده، وبعبارة أدقّ هدمه واطّراحه، ليس هو تلك الأصول التي بنى عليها النحاة قواعدهم، ولا منهجهم في بناء القاعدة، فهذا ما لا طاقة له به، بل اتجه –وهذا كلّ ما لديه- إلى ما يمكن أن نسميه نماذج من التطبيق الإعرابي، يقف المرء عليها في كتب اللغة العربيّة التي صُنّفت لأغراضٍ تعليميّة، ولا سيّما الكتب المدرسيّة، وإلى بعض مصطلحات الإعراب التي استقرّت عند المتأخرين والمعاصرين ممّا يصاحب عادةً مثل تلك النماذج، ظنّاً منه أن هذا هو نحو سيبويه أو النحو العربيّ.‏

ولقد اصطنع المؤلّف في إطلالته شيئاً من الحياء، فأسرَّ أنّه كان متردّداً في نقد النحو، وينتابه الخوف "لأنّ السادة العلماء الأفاضل ومن بعدهم من النحاة قد ربطوه بالقرآن الكريم، فجعلوه كالقرآن لا يحقّ لأحدٍ نقده أو معارضته"(2).‏

ولا يخفى ما في هذا التردّد والخوف من تكلّف، لأنّه –أي المؤلّف- يعلم أنّ ما كتبه المعاصرون في نقد النحو العربي وتوجيهه أكثر من أن يحاط به، ولم نسمع عن واحدٍ من هؤلاء أنه استتيب أو طلب منه الرجوع عمّا كتب، ولعله يعلم أيضاً أنّ ابن مضاء القرطبي لم يتردّد قبله بألف سنة، ولم يعتوره خوف حين نقد النحاة في كتابه المشهور "الردّ على النحاة" ولعلّه لم يَبْلُغه أن سيبويه تعرّض للنقد من قبل بعض النحويين كالمبرّد، وهو من مدرسته ومن أتباعه، ولا يخفى على أحد انقسام النحاة إلى طوائف ومدارس حتّى ألّفت في خلافاتهم المطوّلات.‏

ولو أنّهم ربطوا النحو بالقرآن لما انتهى إلينا شيء من هذا كلّه، ولما رأينا اجتراء بعض النحويين على القرّاء وقراءاتهم أحياناً فلم يسلم هؤلاء من النقد، ولم يتكلف منتقدوهم الورع. فلا داعي إذاً لهذا الذي تكلّفه إن كان ما يضمره خيراً للّغة وقواعدها.‏

لكن من يمضي في قراءة المقدّمة –وهي الفصل الأوّل من الكتاب- يدرك من الوهلة الأولى أنّ الرجل لا يبتغي نقداً ولا إصلاحاً، بل هدماً كاملاً، لا لقواعد العربيّة فحسب، بل للعربيّة نفسها، تلك اللغة التي ما فتئ ينعتها بالقِدم، وأنّ "مفردات أجدادنا العرب القدامى غير كافية لاستيعاب كافة المسميات في أيّامنا المعاصرة"(3)، ولذا –والدعوة له- لا بدّ من اعتماد اللهجات بديلاً لهذه اللغة، كما سيأتي بعد قليل.‏

ولا ريب أنّه كلام غريب لا يصدر إلاّ عمّن ينظر إلى اللغة على أنّها كائن جامد، وإلاّ فكيف يطلب من لغة أن تستوعب منذ نشأتها "كافة المسميات في أيامنا المعاصرة".‏

إنّ اللغة كائن حيّ، وهي في كل مرحلة من مراحل حياتها تستوعب بفضل من يتكلمون بها مسميّات عصرها، وإنْ مسَّها شيء من الجمود أو الوهن فمِن هؤلاء وليس منها، ولعلّ ما في العربيّة من علائم الخصوبة يجعلها أكثر اللغات قدرة على استيعاب كلّ جديد.‏

وكان حريّاً به أن يشعر بشيء من الغيرة عندما يرى لغة كالعبريّة، وهي لغة غابت عن ساحة التخاطب أكثر من ألفي سنة، كيف استطاع متعلّموها أن ينهضوا بها ويجعلوا منها لغة تواكب العصر، ولعلّ الذي لا يعرفه المؤلف أن كتب النحو العربي كانت متكأً لهؤلاء في بناء قواعد لغتهم، فهل هذا مما جناه سيبويه على غير العربيّة أيضاً، أم أنّها وجدت قوماً يهتمون بلغتهم ويُعلون من قدرها، لأنها الرابط المتين لهم؟؟‍‍!! لا كالذي تلقاه العربية من أبنائها.‏

ومهما يكن فقد عرض الكاتب في المقدّمة الأسباب التي تدعوه إلى اطّراح قواعد العربيّة، ويمكن إجمالها فيما يأتي:‏

1-إنّ هذه القواعد غير منطقيّة ولا عقلانية، طالباً من "السادة النحاة وعلماء اللغة أن يوسعوا صدورهم، ويشاركوه في قراءة الكتاب ليعرفوا إذا ما كانت قواعد لغتنا معقلنة أو منطقيّة" آملاً "أن يحكّموا عقولهم وضمائرهم"(4).‏

ولا بأس أن ننتظر حتى يلقي عصاه، فلعلّ قواعدنا، كما يزعم المؤلف، هي على الوصف الذي يراها عليه.‏

2-إنّ هذه القواعد "لم تستطع أن تؤدّي دورها المطلوب، بينما استطاعت لغتنا العريقة والجميلة!! أن تنتشر لتختلف اللهجات فيها"، وعليه فنحن لا نحتاج إلى "أن نتكلّم بلغة منمّقة مقعّدة" بل يكفينا اعتماد اللهجات، لأنّ الأذن تألفها، واللهجة المثلى التي ارتضاها المؤلف أمرها هيّن، إذ "يمكن لأي فرد عربيّ أن يفهم الحوار في الأفلام والتمثيليات والبرامج المصريّة، علماً أنّها تتكلم اللهجة المصريّة المحكيّة البعيدة كليّاً عمّا يسمّونه اللغة العربيّة الفصحى"(5).‏

ولا ريب أنّ دعوته إلى اعتماد اللهجات ليست الأولى، ولن تكون الأخيرة، والخوض في هذه المسألة هو من المعاد المكرور، لكنّ الذي غاب عنه، وربما عن غيره من أصحاب هذه الدعوة، أنّ القواعد لم تكن في يومٍ من الأيّام سبباً في نشوء اللهجات، فلهجات العربيّة قديمة، عاشت وترعرعت قبل أن تولد القواعد. وأمّا لهجة الأفلام والتمثيليات المصريّة- ولكي لا نظلمه، فقد اختار لنا القديمَ منها –ففيها راحة للبال لا شك، لكننا لسنا بحاجة بعدها إلى لغة علم أو اقتصاد أو سياسة.. فنحن أمّة تفيض جوانحنا عاطفة، وما في هذه الأفلام قد يروي ما عندنا، وأمّا مَن لا هوى له في تلك الأفلام فلعلّ المؤلف سينتخب له لهجة أو لُغَيّة أخرى، وأفلاماً غيرها يميل إليها ذوقه وينهض بها لسانه!!.‏

3-إنّ تعقيد القواعد سببٌ رئيسيّ لعدم انتشار العربيّة(6):‏

ولا ندري علام استند الكاتب في مثل هذا الحكم، فكأنّه يستخفّ بعقل القارئ، لأنّ اكتساب اللغة لا يشترط فيه دَرْسُ القواعد وتعلّمها، وإلاّ فكيف يكتسب الطفل لغته، وكيف يكتسب العامل الأميّ غير لغته حين يقيم في بلدٍ آخر.‏

وإن سلّمنا بما يقول فكيف نفسّر انتشار العربيّة بعد الفتوح الإسلاميّة خارج جزيرة العرب على ألسنة من دخلوا الإسلام من غير العرب حتى قبل ظهور القواعد.‏

4-إنّ هذه القواعد لم يضعها العرب "لأنّ سيبويه كونه فارسي الأصل قام بوضع قواعد لأمثاله في ذلك الوقت كي لا يلحنوا في لفظ كلمات اللغة العربيّة"(7).‏

ومثل هذا الكلام تشتمّ منه رائحة العصبيّة المقيتة، ولا يصدر اليوم إلاّ عمّن لا يريد الخير لأمّته، وإلا فكثيرٌ من علماء اللغة والنحو والطبّ والفلسفة والدين والاجتماع وكثيرٌ من أدبائنا وشعرائنا ليسوا في أصولهم عرباً، فهل ننسلخ عنهم ونتّبرأ من إبداعهم وإن كان بالعربيّة! ألم يذب هؤلاء في معين الثقافة العربيّة، فأصبحوا جزءاً من هذه الأمّة وتراثها!.‏

والفرق بين الكاتب الذي يبدي حرصه على عروبته وعروبة لغته وبين هؤلاء العلماء (الأعاجم) = أن الأوّل شديد الهزء بلغته وقواعدها، بل تراه يمسك بتلابيب أشعر شعرائها قديماً ليسخر من شعره ومن صوره الفنيّة(8)، أمّا هؤلاء الذين يهاجمهم فقد تغنّوا بالعربيّة وبُهروا بها، ورأوا فيها سحراً، ألم يستمع إلى ابن جنّي- وهو العالم اللغوي الروميّ الأصل الذي بهرت آراؤه في اللغة المعاصرين- وهو يقول: "إنني إذا تأملتُ حال هذه اللغة الشريفة الكريمة اللطيفة وجدتُ فيها من الحكمة والدقّة والإرهاف والرقّة ما يملك عليّ جانب الفكر حتى يكاد يطمح به أمام غلوة السحر"(9).‏

ثمّ من ذا الذي يصدّق أنّ رجلاً بمفرده كسيبويه له مقدرةٌ على وضع قواعد للغة مترامية الأطراف كالعربيّة، وما من عذر للكاتب إلا جهله بتاريخ النحو العربي ومعرفة المراحل التي مرّ بها حتى انتهى إلى سيبويه، ولعلّه لو تصفح كتاب هذا الأخير لعرف أسماء بعض العلماء الذين صيغت على أيديهم قواعد العربيّة.‏

ومن يصدّق أيضاً أنّ كتاب سيبويه وضع للأعاجم كي لا يلحنوا في لفظ الكلمات، أم تراه يظنّه من كتب (لحن العامّة)، ونعذره مرّة أخرى لأنّه كما أسلفت لم يطّلع على هذا الكتاب ولا على كتب لحن العامّة، ولا يعرف شيئاً عن مضامينها.‏

5-القرآن الكريم لم يكن يتّبع قواعد سيبويه، أو بعبارة أخرى وهي له أيضاً: لم يخضع لقواعد سيبويه(10).‏
وسوف ننتظر أيضاً ما كتبه في الفصول اللاحقة لنرى إن كان لديه برهان ما يقول.‏

6-إنّ قواعد العربيّة تقوم على الشكل والاهتمام بحركات أواخر الكلمات، دون الالتفات إلى المضمون.‏
ولم يسأم الكاتب من تكرار مثل هذا الكلام في أكثر صفحات كتابه(11)، ويكفي أن أسوق ههنا مثالاً واحداً يستبين منه قصده، وذلك قوله: "عندما رصد سيبويه وأتباعه كلام العرب كقولهم: "في القوم عالمٌ" وجدوا "عالم" مرفوعة فلم يكن لهم خيار واعتبروها مبتدأ، وهكذا تتوالى التخريجات التي تعتمد الحركة الأخيرة للكلمة لا المعنى، وتعتمد الوهم لا الحقيقة". ولمّا كانت هذه الحركات خالية الدلالة عنده أعلن بما يشبه الصياح إنّه "ليستوي عندي إذا قلنا: كان أحمدُ فائزاً، أو قلت: كان أحمدَ فائزٌ. أو قلت: كان أحمدُ فائزٍ، أو قلت: كان أحمدْ فائز، ولا حاجة إلى رفع أو نصب أو جرّ "(12).‏

ولا يخفى أنّ الرجل ههنا دلّ على خبيئة نفسه ولم يستطع إخفاء ما يضمره من تجاوز هدم القواعد إلى هدم اللغة نفسها، لأنّ الحركات هي صنع المتكلّم لا النحويّ، ونحن لا يسعنا إلاّ أن نقبل منه قوله "ليستوي عندي"، فهو أمرٌ يخصّه وحده، وإلاّ فاللغة أكثر منطقيّة من هذه الفوضى التي ينادي بها، لأنّ حركات الأواخر لم تكن في يومٍ من الأيام أصواتاً تزيّن بها الألفاظ بل هي دوالُّ أو أدوات يُتوصّل بها إلى فهم مقاصد الكلام، فالرفع عند العربيّ –لا المؤلّف- علامة الإسناد (الفاعليّة والابتداء) والنصب علامة الفضلة (المنصوبات) والجرّ علامة الإضافة أو وجود حرف جرّ.‏

ولو كان الشكل أو حركة الأواخر سيطرا على أذهان النحاة ما وجدناهم يفرّقون بين أنواع المنصوبات، ويقولون: حال وتمييز ومفعول مطلق ومفعول لأجله ومفعول به ومفعول فيه.. وهي تقسيمات قوامها المعنى لا غير، ولما فرّقوا بين المرفوعات، وقالوا: مبتدأ وخبر وفاعل، ولما فرّقوا بين مجرورٍ بالحرف أو مجرورٍ بالإضافة.‏

ولو كانت حركة الأواخر هي التي صنعت الفكر النحوي لوجدنا النحاة يسلّمون بهذا الشكل لا يحيدون عنه، ولما احتكموا إلى المعنى، ولا أخذوا بقياسٍ أو سماع، نعم لو سلموا به لما اختلف حكمهم على الجار والمجرور في الآيات (وما ربُّك بظلاّم للعبيد( [فصلت: 46]، و (ما اتخذ الله من ولد( [المؤمنون: 91]، و ( هل من خالق غير الله( [فاطر: 3]، و (ما جاءنا من بشير( [المائدة: 19].‏

فالألفاظ الواقعة بعد أحرف الجر ههنا مجرورة، بيد أنّ النحاة لم يكتفوا بهذا الشكل وحركة الأواخر، بل أدركوا بالفطرة اللغويّة السليمة التي يفتقر إليها المؤلف أن أحرف الجر هذه لم تؤدّ معاني خاصّة بها كما هي الحال عليه مع حروف الجر، بل جيء بها لضربٍ من التوكيد فحكموا – من جهة المعنى –على (ظلاّم) بأنّها خبرٌ لـ (ما) العاملة عمل (ليس)، وعلى (ولد) بأنّها مفعول به، وعلى (خالق) بأنها مبتدأ، وعلى (بشير) بأنها فاعل... ولو كان الشكل معوّلهم لما بحثوا عن مواضع هذه الألفاظ أو عن وظائفها في سياق جُمَلها.‏

ولا شكّ أنّ هذا الذي سمّاه الكاتب شكلانيّة القواعد هو الذي جعل سيبويه عنده من الجناة مع أنّ هذا الأخير بريء مما رُمي به، ولو تصفحنا كتابه لوقفنا على ما لا يحصى من الشواهد التي تظهر أنّه بنى قواعده على المعنى لا الشكل، ولعلّ مثالاً واحداً من كتابه يثبت ذلك ويجعلنا نتساءل بعده عن الجاني الحقيقي.‏

قال سيبويه معلقاً على بيت امرئ القيس:‏

ولو أنّما أسعى لأدنى معيشة * * * * * كفاني ولم أطلب قليل من المال‏

"فإنما رفع [أي قليل] لأنّه لم يجعل القليل مطلوبه، وإنّما كان المطلوب عنده الملك، وجعل القليل كافياً، ولو لم يُرِد ذلك ونصب فَسَد المعنى"(13).‏

والذي أراده سيبويه ههنا أنّه لا يصحّ أن تجعل كلمة (قليل) من باب التنازع، بحيث تكون مطلوبة للفعلين المتقدّمين (كفى) و (أطلب) فيصلح فيها الرفع على الفاعليّة للأوّل، والنصب على المفعوليّة للثاني، لأنّ الشاعر –وهو ملك- لا يطلب القليل بل المُلْكَ الذي ضاع منه، أمّا المال فيكفيه منه القليل، ولذا وجب أن تكون كلمة (قليل) مرفوعة على أنها فاعل (كفى)، ولو نصبت على المفعوليّة لـ أطلب فسَد المعنى.‏

ولا ريب أنّ المؤلف سيشعر بشيء من الخيبة لأنّ تفكير سيبويه لم يجاوز المعنى، وبنى ما بناه عليه وحده.‏

هذا ما عرض له مؤلّف الكتاب في فصله الأوّل، أمّا في الفصول اللاحقة فقد شرع فيما يمكن أن يسمّى نقداً جزئيّاً تفصيلياً لقواعد العربيّة.‏

ولمّا كان تتبّع جميع ما في الكتاب يُثقل على القارئ رأيت أن أقتصر على الفصل الثاني لأنّ ما فيه يكفي لإظهار قصده، والفصول اللاحقة ما هي إلاّ تكرار. ويبدو لي أيضاً أن المؤلف زاده من العربيّة قليل، لكنْ تملّكته شهوة الشهرة بالمخالفة والردّ، وظنّ أنّ أسلوب الخطابة، والهزء بالقواعد وأهلها، والإكثار من العجب والاستغراب والاندهاش، قد يلقى صدى عند قارئ استخف به أيّما استخفاف، لكنّه كان واهماً فما جاء به ما هو إلاّ زيف لا يسلم عند أدنى نظر، وإن دلّ على شيء –سوى ما يضمره- فإنه يدل على جهلٍ بالعربيّة وقواعدها.‏


------------------

جناية سيبويه (الرفض التام لما في النحو من أوهام) تأليف زكريا أوزون، دار الريّس، لندن، 2002م
---------------------
يتبع

أبو ذكرى
03-03-2006, 09:44 PM
في السنة التالية للسنة التي أصدر فيها زكريا أوزون كتابه جناية سيبويه ، أصدر كتابا أسماه جناية البخاري، وكنت أنتظر كتابا له بعنوان جناية محمد، لأن تدرجه في هدم الإسلام يبدو جليا من خلال الكتابين الأولين.

جمال حسني الشرباتي
03-03-2006, 09:49 PM
بارك بك وفيك أخي المشرف الفاضل على هذه اللفتة

لؤي الطيبي
03-03-2006, 10:53 PM
مخطّط مُعلن عنه منذ سقوط الخلافة الإسلامية ..
فبعد أن قسّموا "امبراطوريتنا" إلى أقاليم .. فدولات .. فدويلات .. فحكم ذاتي لذا ولذاك .. رأوا أنهم لم ينجحوا في تمزيق الأمة .. ومن أهم أسباب فشلهم أن للأمة قاسم مشترك عظيم : لغتنا العربية الحبيبة ..
فماذا بقي لهم ؟
تقسيمنا لقبائل متناحرة ، وكل قبيلة "بلهجتها" ..
ولكن : يمكرون ويمكر الله ، والله خير الماكرين ..
موضوع قيّم ..
مشكور أخي جمال ..

جمال حسني الشرباتي
04-03-2006, 07:33 AM
وهاهي اعتراضات الكاتب الجاني في الفصل الثاني ----فلنكمل بعمق رد الدكتور د.نبيل أبو عمشة*
عليها
---------------------------------------
2-الفصل الثاني:‏

سمّاه المؤلف "الكلمات والجمل"، تناول فيه بالنقد

: الكلمة، الجملة الاسميّة (الأفعال الناقصة!!، الأحرف المشبهة بالفعل)، الجملة الفعلية (الأفعال حسب زمن وقوعها، حسب اكتمالها، حسب مفعولها، حسب تجرّدها، الأفعال المزيدة، حسب صرفها، حسب صحّتها، حسب فاعلها، حسب إعرابها، الفاعل).‏

*اعتراضات المؤلّف في الميزان:‏
----------------------

أولاً: الجملة الاسميّة:‏ 1-مصطلح "الجملة الاسميّة: فيه نظر:‏

يرى الكاتب أنّ الجملة الاسميّة يجب أن يقتصر مفهومها على المعتقدات أو الحقائق العلميّة الثابتة التي لا تتبدّل بتبدّل الزمن، مثل (الأرض كرويّة) و (الله عظيم)، أمّا قولنا (الطفل سعيد) و (زيدٌ قويّ) فلا يجوز أن يسمّى جملة اسميّة، لأنّ "مثل هذا التركيب يغيب عنه تأثير الزمن ويفيد الديمومة والثبات؛ إذ لا يعقل أنّ الطفل كان سعيداً، وهو سعيدٌ الآن، وسيبقى سعيداً في المستقبل، وهذا لا ينطبق على صفات البشر"، وعليه "فمصطلح الجملة الاسميّة من حيث الدلالة والمعنى يحتاج إلى إعادة نظر"(14) .‏

وهذا الذي انتهى إليه هو من السذاجة بمكان، إذ لا يمكن لأحد أن يحكم على تلك الجمل التي سردها، من حيث زمنها ودلالتها، بمعزل عن السياق، أي لا بد أن تكون ضمن كلامٍ يفهمه المتكلّم والسامع، وعليه فإنّ ما تَوَهَّمه من غياب الزمن في قولنا "الطفل سعيد" غير صحيح، لأنّ زمن الجملة مفهوم عند المتكلّم والسامع، وأنا حين أقول لِمَن هو أمامي: "السماء صافية" لا أقصد البتّة أنها كانت صافية وأنّها ستبقى إلى ما شاء الله كذلك، بل سيفهم مني، بالمشاهدة، أنّها لحظة راهنة، هي زمن التكلّم، طال أو قصر.‏

ولعلَّ الذي دفعه إلى توهّم الديمومة والثبات في قولنا "الطفل سعيد" اعتقاده أنّ الصفة المشبهة "سعيد" و "قويّ" تدلّ على الديمومة- هذا إذا أحسنّا الظنّ به وأنه سمع عمّا يسمّى بالصفة المشبهة- وهو اعتقادٌ غير صحيح، لأنّ من الصفة المشبّهة ما هو صفة عارضة، مثل "عطشان" و "شبعان" و "فَرِحٌ" و "سعيدٌ" ومنها ما هو ثابتٌ أو كالثابت، والثبوت أيضاً أمرٌ نسبي، فقد يلازم صاحبه، وقد ينفك عنه، وهذا ما عناه الرضيّ الأستراباذي حين قال: "الصفة المشبهة ليست موضوعة للاستمرار في جميع الأزمنة"(15).‏

وأغلب الظن أنّ حكم الكاتب على مثل هذه التراكيب بعدم الصحّة، لخلّوها من الدلالة على الحقائق، وبالتالي فإنّ إطلاق مصطلح (الجملة الاسميّة) عليها خطأ=أمرٌ تسرَّب إليه من الإنكليزية التي تخلو قواعدها من هذا المصطلح وتستخدم ما يسمّى "المضارع البسيط" للدلالة على الحقائق الثابتة والمعتقدات، فرأى حينئذٍ أنّ إلباس العربيّة هذا اللبوس فيه نقدٌ أو إصلاحٌ للقواعد.‏

والحقّ ما عليه نحاة العربيّة من أنّ الجملة الاسميّة هي التي صدرها اسم، سواءٌ دلّت على حقيقة ثابتة أم متغيّرة، وأمّا مسألة الزمن فيها فشيء مستفادٌ من "الخبر" وطبيعته الاشتقاقيّة غالباً، ومستفادٌ قبل كلّ شيء من السياق والقرينة.‏
---------------------

2-لا يجوز تعدّد الخبر:‏
اعترض الكاتب على مسألة تعدّد الخبر، لأنّ الخبر الأوّل "قام بالمهمّة" "والاسم بعده فقد وظيفته، فلم يعد يخبر عن المبتدأ"(16).‏

ولا وجه لهذا الاعتراض، وهو اعتراضٌ قديم قال به بعض النحاة(17)، لأنّ الخبر إنّما هو حكمٌ يطلقُ على المبتدأ، ومن المقبول عقلاً أن يطلق على الشيء أكثر من حكم(18)، فنقول مثلاً: (بلدنا زراعيٌّ، صناعيّ) و (عنترةُ فارسٌ شاعر).‏
ثمّ إنّ الخبر وإن تعدّدَ لفظاً يظلُّ واحداً من جهة المعنى(19)، فقولنا (بلدنا زراعي صناعي) أي: بلدنا جامعٌ لصفات مختلفة، وكذا المثال الذي بعده.‏

---------------------------------

3-لا يجوز أن يتوالى مبتدآن:‏

فإذا قلت "المدينة شوارعها نظيفة" لم يجز لك أن تدّعي أن "المدينة" مبتدأ، وأنّ "شوارعها" مبتدأ أيضاً، "إذ كيف نسمح لأنفسنا أن نسميه [أي شوارع] مبتدأ ولم نبدأ به"(20).‏

ومثلُ هذا الكلام ينمّ عن ضعف الكاتب في فهم طبيعة الجملة الاسميّة، والعلاقة بين أجزائها، لأنّ المبتدأ في العربيّة لا يشترط فيه التقدم أو السبق دائماً وإن كان هو السابق من حيث المرتبة، بل هو المسند إليه الذي لم يتقدّمه عامل، ويؤلّف مع الخبر جملة اسميّة.‏

والجملة التي توقّف عندها الكاتب هي من هذا النوع، إلاّ أنّها –في مصطلح النحاة- جملة كبرى تداخل إسنادها، ويعنون بالكبرى تلك الجملة التي يكون صدرها مبتدأ أو ما أصله مبتدأ، وخبرها جملة لا مفرد، فيتحصّل فيها حينئذٍ إسنادان، لا إسنادٌ واحد.‏

ففي المثال السابق أسند المتكلّم "نظافة الشوارع" إلى "المدينة"، فالمدينة مسندٌ إليه مبتدأ، ثمّ أسند النظافة إلى الشوارع، فالشوارع أيضاً مسندٌ إليه، مبتدأ.‏

ولو تأملنا هذه الجملة الكبرى لرأينا أنها في الأصل جملة واحدة صغرى، لا مركبة، وهي: شوارعُ المدينة نظيفة، لكن المتكلّم قدّم من أجزائها ما هو موضع اهتمام عنده، وهو "المدينة"، وتقديمُ ما يعتقد المتكلمُ أهميته فاشٍ في اللغة الإنسانية لم تتفرد به العربيّة، فأصبحت الجملة "المدينة شوارع نظيفة"، وهي جملة مفككة لا رابط بين أجزائها، فأُصلحت بالضمير (ها)، فتداخل إسنادها، وسمّاها النحاة جملة كبرى توالى فيها مبتدآن.‏

فالمسألة إذن لا تقوم على سبقٍ لفظي، بل هي علاقات إسناديّة قصد إليها المتكلّم، وليس للنحويّ إلاّ أن يصفها.‏

وحتّى لو سلّمنا بشرط التقدّم أو السبق الذي أراده الكاتب –وهو سبق لفظيّ شكلي- فإنّه متحقق في هذه الجملة الكبرى المكوّنة من جملتين، فكلّ من المبتدأين فيها هو المتقدم في جملته، والجملتان هما:‏

أ-المدينة شوارعها نظيفة.‏

ب-شوارع المدينة نظيفة.‏

------------------------


4-لماذا المبتدأ اسم وليس فعلاً؟‏
"وماذا سيكون الفرق؟ أمورٌ لا يصح المنطق إلاّ برفضها من أساسها أصلاً"(21) ولسنا ندري عن أي منطق يتحدّث، بل لسنا ندري إن كانت القواعد غايته أم اللغة نفسها، ولا يسعنا إلاّ أن نذكّره مرّة أخرى أنّ المبتدأ في كلام العرب هو ما يجري الحديث عنه، ولذا سمّاه النحاة مسنداً إليه أو محكوماً عليه، أو مُحدَّثاً عنه، وألفى هؤلاء بالاستقرار أنّ هذه الوصاف لا تكون إلاّ للاسم، أمّا الفعل فقد قادهم الاستقراء أيضاً إلى أنّه الجزء الذي يحمل الفائدة ويُخبر به عن المبتدأ أو يُحكم به عليه، فإذا قيل "زيد قام" فإننا بذلك إنّما نخبر عن (زيد) بالقيام، فزيد هو المبتدأ لأنّه المخبر عنه، و (قام) هو المخبر به وهو محل الفائدة ولذا سميّ خبراً، ولا أظن الفرق بينهما يخفى على ذي بصيرة.‏

ثمّ إنّنا لو سلّمنا بما يدعو إليه المؤلّف، وهو أن يكون المبتدأ فعلاً لآل الأمر إلى نتيجة حتميّة، وهي أنّ هذا المبتدأ (الفعل) لن يكون بحاجة إلى خبر، لأنّ الفعل في حدّ ذاته خبر لأنّه مُحَدَّث به، ثمَّ إن هذا المبتدأ (الفعل) لا بدّ أن يكون له فاعل- ولا أدري إن كان المؤلف يقبل ذلك أم أنه سيفرغ الفعل من فاعله أيضاً. ومهما يكن فسوف ننتهي إلى جملة فعليّة، تسمّى عنده مبتدأ وخبراً.‏

ونسأله بعد ذلك: إذا كان الفعل مبتدأ فأين الخبر؟ ثمّ كيف نسميّه مبتدأ وهو يلبس ثوب الخبر؟‏

وإذا كان المبتدأ فعلاً فما الحكمة من استعمال العرب الجملة الاسميّة في كلامهم وما الفرق بين الجملة الاسميّة والفعليّة... أسئلة تترك للمؤلف وحده أن يجيب عنها.‏

-------------------------------
5-لماذا يعلّق النحاة شبه الجملة بمحذوف تقديره "كائن" أو "موجود"؟‏
عندما نقول "الطفل في المنزل" "لماذا لا يكون الجارّ والمجرور متعلقين بخبر محذوف تقديره "مسجون" مثلاً أو "حزين" أو "سعيد" في البيت، أو غير ذلك من التأويلات التي تبقى احتمالاتها قائمة مثل "كائن" أو "موجود"(22).‏

كذا قال، وهو كلام لا تستسيغه حتى العوامّ، وفيه دلالة بيّنة على أنّه لا يعرف من أساليب العربيّة في الحذف وطرائق تعبيرها شيئاً:‏

وبيان ذلك أن من عادة العرب أن يحذفوا من الجملة ما هو مفهوم عند السامع، ولا سيّما إنّ كان هذا المحذوف دالاًّ على مطلق الوجود، ولذا نراهم يقولون (لا شكّ في ذلك) فيفهم السامع بلا عناء أنّ المراد: لا شك (موجود) في ذلك. ويقول العربي: الرجل في الدار، فيفهم السامع أيضاً أن المراد: (موجودٌ) في الدار، وقد سمّى النحاة هذا الخبر الملتَزم حذفه (كوناً عامّاً أو مطلقاً)، لأنّه لا يتعلّق بذكره فائدة، ومنه قول جرير:‏

لولا الحياء لهاجني استعبارُ‏

فحذف خبرَ المبتدأ بعد (لولا) لأنّه كونٌ مطلق، ولو قال: لولا الحياء موجود, لكان حشواً لا فائدة فيه.‏

أمّا إذا أراد العربي أن يخبر عن صفةٍ خاصّة كنوم الرجل في داره قال: الرجل نائمٌ في الدار، ملتزماً ذكر الخبر، وإذا أراد أن يخبر عن مرض الطفل قال: الطفل مريضٌ، بلا حذف أيضاً، وإذا أراد أن يخبر أن هذا الطفل مريضٌ، وهو في داره، قال: الطفل مريضٌ في الدار.‏

وقد سمّى النحاة هذا الخبر الملتزم ذكره (كوناً مقيّداً) لأن السامع لا يُدْركه إلاّ بذكره. وعليه فإن تعليق شبه الجملة بمحذوف تقديره كائن أو موجود لا يكون إلاّ إذا دلّ الخبر على مطلق الوجود، أمّا إذا كان شيئاً مخصوصاً لا يفهم إلاّ بذكره كالمرض والنوم والجلوس والقعود والحزن فلا يجوز حذفه البتّة وعليه فثمة فرق لا يخفى على أحد بين (الطفل في المنزل) و (الطفل سعيدٌ في المنزل)(23).‏

وما توهمه الكاتب أنّ مسجون وحزين وسعيد هي بمنزلة كائن أو موجود إنّما هو تخليطٌ وعبث تنأى عنه ألسنة العرب وأسماع العقلاء من البشر.‏

-------------------------

6-(ماذا) جملة!!‏
لفت الكاتب، على وجه العجب، نظر قارئه إلى أنّ بعض النحاة يعتبرون (ماذا) جملة اسميّة كاملة، مكوّنة من (ما) الاستفهاميّة و (ذا) التي هي اسم إشارة، ثمّ علّق ساخراً: "تأمّل عزيزي القارئ تلك البلاغة، وتأمّل الجملة التامّة التي استوفت شروط المبتدأ والخبر، وتأمّل المدلول العميق الذي يفهمه السامع عندما يقال له (ماذا) أو ما هذا؟"(24).‏

وقبل أن نستغرق في التأمل نعود إلى تذكير الكاتب أن تراكيب اللغة لا تصاغ في الفراغ، وأنّ لكلّ جملة سياقاً يجب أن تنتظم في سلكه، هذا أوّلاً.‏

والأمر الآخر الذي أخفاه الكاتب عن قارئه هو أنّ اسم الإشارة يجب أن يتلوه الاسم المشار إليه لأنّ اسم الإشارة مبهمٌ بذاته، لا يدلّ على محدّد، وهذا المشار إليه قد يكون غير مذكورٍ في التركيب اللغوي، لأنّه مفهومٌ عند السامع، فحين يقول أحدنا لصديقه: ما هذا؟ فإنّ المتكلّم والسامع يعرفان الشيء المشار إليه، وبذلك تكون الجملة واضحة المعالم، تامّة، ذات مدلول، بل إنّ هذه الجملة أعرف من قولنا "مَن القادم؟" لأنّ المتكلّم ههنا يجهل القادم، بخلاف الأوّل، فإن المسؤول عنه حاضرٌ مُشَاهَد(25).‏

وتعمَّد الكاتب أيضاً أن يحذف (ها) التنبيه التي تقترن عادة باسم الإشارة (ذا)، مع أنّ حذفها في مثل هذا التركيب، أي بعد (ما) الاستفهامية لا يكاد يُعْرَف إلاّ في بيت أو بيتين التقطهما النحاة من شوارد الأشعار(26).‏

ثمّ إنّ قوله: "بعض النحاة يعتبرون (ماذا) جملة..." فيه إطلاقٌ وتعمية، لأنّ هؤلاء لا يعدّونها كذلك إلاّ إذا تعيّن أن تكون (ذا) اسم إشارة، وهو أمرٌ نادر أيضاً لم يقع إلاّ في بيت من الشعر أو بيتين(27) مسلّمين بأنّ (ماذا) أكثر ما تستعمل في كلام العرب مركّبة من (ما) الاستفهاميّة و(ذا) الموصوليّة، أو أنّها بتمامها اسم استفهام.‏

----------------------------

يتبع

موسى أحمد زغاري
04-03-2006, 01:34 PM
والله لقد أثلجت صدري أخي جمال لطرح هذا الموضوع الحيوي .
والعربية لغة القرآن ، ولن يستطيعوا أن يهزموها .

جمال حسني الشرباتي
04-03-2006, 04:17 PM
-الأفعال الناقصة:‏
أقحم الكاتب الأفعال الناقصة في باب الجملة الاسميّة، ولا أدري إن كان هذا من قبيل السهو، أم أنّ عدّها من الجمل الاسميّة هو ضرب من الإصلاح والنقد!!‏

ومهما يكن فقد تناولها من زاويتين:‏

أ-تسميتها "ناقصة" أمرٌ غريب:‏
قال: "في التسمية أمرٌ غريبٌ فعلاً، يبينّه المثال (نام زيد) ففعل (نام) هنا تام، في حين أنّ فعل (أمسى) في المثال (أمسى زيد) ناقص"(28).‏

والحقّ أنّ الغرابة تكمن في طريقته في مسخ الأمثلة ظنّاً منه أنّها تؤدّي إلى ما يرمي إليه من أنّ النحاة وهموا حين قسموا الفعل إلى تامّ وناقص، فما الفرق بين نام وأمسى في المثالين، وكلاهما –في اعتقاده- بمعنىً واحد. هذا إذا أحسّنا الظنّ به وأنه قرأ شيئاً ممّا قاله النحاة في الأفعال الناقصة لكنّه لم يع كلامهم، وإلاّ فما انتهى إليه إنما هو محض افتراء وعبث، إذ لم يقل أيٌّ منهم إنّ (أمسى) في نحو هذا المثال الذي ساقه ناقصة، بل هي تامّة مكتفية بمرفوعها الذي هو فاعل لها، ومدلولها شيء واحد هو الدخول في وقت المساء، نقول: دخلنا دمشق وقد أمسينا، أي صرنا في وقت المساء، أمّا إذا جُعِل معناها في الاسم المنصوب بعدها –وهو الذي غيّبه الكاتب أو غاب عنه- كانت ناقصة، فيقال حينئذٍ: أمسى زيدٌ مريضاً، وغالباً ما تتضمن في هذه الحالة معنى الصيرورة أو التحوّل.‏

فالفعل أمسى إذاً، شأنه شأن الأفعال الناقصة، له استعمالان: إذا تضمّن معنى الحدث كان تاماً، فيكتفي حينئذٍ بمرفوعه، وإذا كان الحدث لا يظهر إلاّ في الاسم المنصوب بعده، وهو الخبر، عُدَّ ناقصاً.‏

ب-ما في القرآن يخالف قواعد النحويّين:‏

فالنحاة زعموا أنّ الأفعال الناقصة ترفع اسماً وتنصب خبراً، ونحن "نجد أنّ القرآن الكريم قد خالف ذلك صراحة، حيث يقول عز وجلّ (فَسُبحانَ الله حين تمسون وحين تصبحون( [الروم:‏

17].."‏

فوقع الفعلان تامّين، خلافاً لما يزعمه النحاة، والسؤال بعد ذلك هو "هل لنا أن نعرف الفرق بين الفعل التامّ والناقص؟ وهنا نجد مَنْ يقول: مهلاً فهذا شذوذ، ولكلّ قاعدة شذوذها، وأنا أقول له: هذا خروجٌ صريحٌ يا سيّدي وليس شذوذاً، شئت أم أبيت، وإنّه ليستوي عندي إذا قلت: كان أحمدُ فائزاً، أو قلت: كان أحمدَ فائزٌ، أو قلت كان أحمدُ فائزٍ، أو قلت: كان أحمدْ فائزْ.."(29).‏

ولست أدري إن كان هذا الصراخ نقداً يستحق الردّ عليه، ومهما يكن فإن في كلامه سعياً إلى تغييب حقائق اللغة، ومحاولة لقتل القدرة التعبيريّة الهائلة للعربيّة، وفيه أيضاً تجاهلٌ، وربما جهلٌ بجهود النحويين في وصف أحوال هذه اللغة، ولا يخلو أخيراً من مسٍّ بلغة العرب، لغة القرآن الكريم وفصاحتها.‏

فما ذكره أولاً أنّ ما في القرآن مخالفٌ لقواعد النحاة، بدليل مجيء أمسى وأصبح وكان تامّةً = مبنيّ على مغالطة وجهالة، لأنّ قواعد العربيّة إنما شيّدت قبل كل شيء على النّص القرآني، والدارس لقواعد النحاة لا يداخله شكّ في أنّ ما قام به هؤلاء النحاة ما هو إلاّ وصفٌ أمين للغة القرآن، ووقوعُ بعض الأفعال الناقصة تامّة مكتفية بمرفوعها في بعض استعمالاتها أمرٌ لا يقتصر على القرآن وحده بل هو شائعٌ في كلام العرب شعراً ونظماً، وهو أمرٌ عرفه النحاة قبل المؤلّف ورصدوه رصداً دقيقاً، وانتهوا بعد الاستقراء إلى أنّ الأفعال الناقصة تزول عنها هذه الصفة إذا استعملها المتكلّم متضمنّة معنى الحدث، دالّةً على معناها الأصلي الذي وضعت له، والنحاة كما أسلفت هم الذين وقفوا على أمر هذه الأفعال وتبيّنوا أحوالها، وساقوا من الشواهد ما يدلّ على ذلك، وهي شواهد لا شذوذ فيها إلاّ في مخيّلة المؤلّف، بل هي من تمام القاعدة، فانقسام (كان) إلى تامّة وناقصة شيء يعود إلى طبيعة استعمالها في السياق، وهو ضربٌ من الاتساع في التعبير الذي اتسمت به العربيّة، وانقسام (كان) إلى هذين القسمين لا يختلف عن انقسام (رأى) إلى بصريّة تتعدّى إلى مفعول واحد، وقلبيّة تتعدّى إلى مفعولين، ولا يختلف أيضاً عن قولهم إنّ (جَعَل) تُستعمل بمعنى صيَّر فتتعدّى إلى مفعولين، وبمعنى (أنشأ) فتكون فعلاً ناقصاً من أفعال الشروع، وبمعنى (ظنّ).. وبمعنى (وجَدَ)... ومثل هذا كثيرٌ في العربيّة، وهو دليلُ غِنى في وسائل التعبير، لا الشكل.‏

ولو سلّمنا بمخالفة القرآن لما في القواعد لانتهينا إلى مخالفة القرآن نَفْسَه، لأنّ هذه الأفعال الناقصة استعملت في القرآن ما يزيد على ألف مرّة، منها ما وقعت فيه ناقصة، وهو الأكثر، ومنها ما وقعت فيه تامّة اكتفت بمرفوعها(30)، وعليه فإنّ هذه الأفعال –سيقودنا إليه المؤلف- استعملت بشكل عشوائيّ، مرّة تكتفي بمرفوعها، وأخرى لا تكتفي به بل تحتاج إلى ما يتمّم معناها، وهو المنصوب بعدها، وهكذا فاللغة العربيّة عبثية، وإذاً يجب أن نستبدل بها لغة أخرى (إفرنجية)!!.‏

أمّا تساؤله عن الفرق بين الناقص والتام من الأفعال فجوابه أنّ مبتدئاً لو سمع قولنا (بات الرجل في الفندق) وقولنا (بات الطريق معبّداً) لأدرك بفطرته الفرق بين الفعلين، وما ذكره أخيراً من أنّ الحركات لا قيمة لها، وإنّه ليستوي عنده... أمرٌ يعنيه وحده، كما قال.‏

--------------------------------------
أرجو القراءة للأهميّة ومن ثم تشجيعي على الإستمرار

يتبع

موسى أحمد زغاري
04-03-2006, 05:10 PM
نحن معكم أستاذ جمال
أكمل لو سمحت

أنا البحر
05-03-2006, 10:25 AM
شكرا لأستاذنا جمال الشرباتي على هذا النقل النافع.

وقد شغلت في الفصل الماضي بمسألة إصلاح النحو وتجديده في إحدى المواد فكان مما خرجت به من هذه المادة أن إصلاح النحو العربي بين الباحثين قد سلك أحد طريقين:
1. إصلاح النحو بإعادة النظر إلى الأصول التي قام عليها.
2. تيسيره وتقريبه من المتعلمين.

ولو تأملنا ما قدّمه كثير من دعاة التجديد وإصلاح النحو العربي لم نرى شيئا ذا بال, وما هي إلا زوبعة في فنجان كما يقول الشيخ محمد عبد الخالق عضيمة-رحمه الله- في حديثه حول كتاب الرد على النحاة لابن مضاء القرطبي.

ورحمه الله حين قال:"نحن حريصون على قواعد النحو...لا تعصبا للقديم ولا حبا في التقليد ولا رغبة عن الجديد وإنما حرصنا عليها لأنها الوسيلة لاستقامة ألسنتنا وسلامة أقلامنا, وإن استطاع دعاة التجديد أنّ يبتدعوا لنا قواعد أخف حِمْلا, وأقرب تناولا وأيسر تداولا, تغني غناء قواعد النحو وتسد مسدها, إن استطاعوا ذلك فنحن على استعداد لأن نُقبل عليها, وننصرف عن قواعد النحاة بل وعلى استعداد لأن نلقي كتب النحو في البحر"( النحو بين التجديد و التقليد للأستاذ محمد عبد الخالق عضيمة.مجلة كلية اللغة العربية. العدد السادس 1396هـ)

شكرا لأستاذنا جمال الشرباتي مجددا...

جمال حسني الشرباتي
05-03-2006, 05:54 PM
لنتابع نقد الدكتور الفاضل لكتاب الجاهل أوزون

--------------------------



8-الأحرف المشبّهة بالفعل:‏

أ-من المضحك قول النحاة: "إذا خُفِّفت (إن) بطل عملها وأصبحت نافية: قال: "علينا أن لا نلوم الطالب ودارس قواعد النحو إذا كان ضعيفاً في فهمه للأمور النحويّة، لأنّها في أصلها لا تستند إلى منطق سويّ سليم، والمضحك أنّ (إنّ) إذا كانت مخففة بطل عملها وأصبحت حرف نفي.. كما في قوله تعالى (وإنْ كلٌّ لَمَا جميع لدينا محضرون( [يس: 32]، فـ إنْ ههنا ليست حرفاً مشبهاً بالفعل، ولكنها [أي في زعم النحاة] إن المخففة تصحو من جديد وتعمل عمل إنّ المشدّدة، كما في قوله تعالى: (علم أن سيكون منكم مرضى( [المزمل: 20]"(31). هذا كلامه، وأقلّ ما يقال فيه أنه افتراءٌ على النحاة، واستخفاف بعقل القارئ وقبْل ذلك دليل جهل بأساليب العربيّة وكلام النحاة، ولا أظنّ عاقلاً فهم من ظاهر عباراته شيئاً، فكيف تكون المخففة نافية، وكيف تصحو لتعمل عمل "إنّ"، وكيف أنها إذا عملت لا تعدّ حرفاً مشبهاً بالفعل...!!‏

وهنا أراني مضطراً إلى إيضاح ما اختلط في ذهنه من كلام لعلّه قرأه ولم يستوعبه حتى صار هو الآخر "ضعيفاً في فهمه للأمور النحويّة":‏

لقد أجمع نحاة البصرة على أنّ (إنّ) قد تخفّف في كلام العرب، وانتهوا إلى أنّ الأكثر فيها بعد التخفيف أن تكون غير عاملة، جرياً على المسموع، وقلّة من العرب أبقوها عاملة، وبلغتهم قرأ بعض القراء (وإنْ كُلاًّ لَمَا ليوفينّهم ربُّك أعمالهم( [هود: 11]، إذ خُففت (إنْ) وظلت عاملة عمل المشدّدة. وعند البصريين أنّ هذه الأداة حرف إثبات سواء عملت أم أهملت.‏

أمّا نحاة الكوفة فمذهبهم أنّ هذه الأداة لا تُخفف أصلاً، وما ورد من شواهد زعم البصريون أنّها فيها مخففة مردودٌ بأنها حرف نفي واللام بعدها بمعنى إلاّ(32).‏

والظاهر أن ما قاله الكوفيون مآله إلى المذهب الأوّل، لأنّ النفي إذا انتقض بـ إلاّ صار إثباتاً. ومما تقدّم نرى أنّ المؤلف خلط بين المذهبين وجعلهما قولاً واحداً فيه ما فيه من الفساد والتناقض، فالقائلون بجواز التخفيف زعموا أنها حرف إثبات (خلافاً لما توهمّه أنّ المخففة نافية). والقائلون إنها أداة نفي أنكروا القول بجواز تخفيفها.‏

أمّا قوله "تصحو من جديد..." فلم يظهر لي منه قصده ولعله يظهر لأحد، والله أعلم.‏

-------------

يتبع

أرجو الإهتمام والتعقيب

جمال حسني الشرباتي
07-03-2006, 06:33 PM
ثانياً: الجملة الفعليّة:‏ 1-

النحاة حدّدوا المفعول به بناء على الشكل (حركة الآخر) ولم يلتفتوا إلى المعنى:‏

سلف أنّ المؤلف لم يسأم من تكرار مثل هذا الكلام، ودليله ههنا قول النحاة إن الفعل (جلس) لازم، مع أنّنا نقول "جلس أحمد على السرير" وما من شكّ أنّ فعل الجلوس وقع على السرير، فالسرير إذاً مفعول به، وإن كان مجروراً، "وعليه فإنّه كما نرى لا يوجد ما يُسمّى بالفعل اللازم، وإن لم يقم بنصب الاسم بعده"(33).‏

هذا مجمل كلامه، وفيه دلالة قاطعة على أنّه لم يقرأ عن هذه المسألة في مصنفات النحويين قديماً أو حديثاً، وما قاله أمرٌ يُعرف بالبداهة، لم يخف على أحدٍ من النحاة ولا على أصاغر الطلبة، ولو رجع إلى أيّ كتاب في النحو، لرأى فيه أنّ المفعول به قسمان(34):‏

-صريح: هو الذي يتعدّى إليه الفعل بنفسه، نحو: أحبّ وطني.‏

-وغير صريح:
وهو الذي يتعدّى إليه الفعل مستعيناً بحرف الجر، نحو: جلست في الحديقة، ويسمّى الفعل في هذه الحالة لازماً أو قاصراً أو غير مجاوز، لأنّه لم يصل إلى المفعول به بنفسه، بل بوساطة حرف الجرّ.‏

تلك هي مصطلحاتهم في اللزوم والتعدّي، ولو أنّهم حدّدوا المفعول به بناءً على حركة الآخر، كما زعم، لما قالوا إنّ لهذا المجرور محلاًّ هو النصب، وأجازوا –نقلاً عن العرب- عطف الاسم المنصوب على هذا المحل، ولو عاد المؤلف إلى سيبويه لوجده يورد البيت(35):‏

فإن لم تجد من دون عدنان والداً * * * ودون معدٍّ...‏

شاهداً على أنّ (دون) اسمٌ معطوف على محل (من دونِ) لأنّ المجرور مفعول به من حيث المحل، ولذا جاز العطف عليه بالنصب.‏

أليس في هذا دليل آخر على أنّ ما زعمه المؤلف من أنّ النحاة كانوا أسيري الحركات كلامٌ باطل، وافتراءٌ محض، وتجنٍّ بلبوس العقلانية والموضوعية!!‏

2-ليس هناك ما يتعدّى إلى مفعولين:‏

قال(36): "أمّا ما يسمّونه الأفعال المتعديّة لمفعولين فإنّه لا يمكن أن يقع الفعل على أكثر من واحد، أي أنه لا يمكن للفعل أن يأخذ أكثر من مفعول واحد، وتلك الأسماء المنصوبة التي سميّت مفعولاً به ثانياً.. ضربٌ من التخريجات لحركة النصب التي ارتبطت دائماً في ذهننا بالمفعول به" فإذا قلت: أعطى أحمد الفقير رغيف خبز "فالحقيقة أنّ الذي وقع عليه فعل العطاء أو المنح هو "الفقير"، أمّا الرغيف فهو ليس مفعولاً به ثانياً، وهو يبيّن نوع العطاء، ولا علاقة له بوقوعه" وإذا قلت: أظنّ الطالب ناجحاً "فإن فعل الظن وقع على الطالب ولم يقع على نجاحه، وكلمة (ناجحاً) تبيّن حال الطالب وتتعلّق به، ولا علاقة لها بفعل الظنّ".‏

وهذا الذي انتهى إليه المؤلّف رأي نقبله على أنّه من النقد، وإن كان يفتقر إلى الدقّة، ولو رجع إلى ما قاله النحاة في درسهم لهذه الأفعال لوجد كلامهم أقرب إلى الصواب، قال الرضي: "باب كسوت وأعطيت متعدٍّ إلى مفعولين في الحقيقة، لكنّ أوّلهما مفعول هذا الفعل الظاهر، إذ (زيدٌ) في قولك: كسوت زيداً جبّة وأعطيت زيداً جبّة =مكسوٍّ ومعطىً، وثانيهما مفعول مطاوع هذا الفعل، إذ الجبّة مكتساة ومعطوّة، أي مأخوذة". "وأفعال القلوب [ظنّ وأخواتها] في الحقيقة لا تتعدّى إلاّ إلى مفعول واحد، هو مضمون الجزء الثاني مضافاً إلى الأوّل، فالمعلوم في (علمت زيداً قائماً) قيامُ زيد، لكن نصبهما معاً لتعلّقه بمضمونهما معاً"(37).‏

ولو اطّلع المؤلّف على مثل هذا الكلام لكان أكثر دقّة في كلامه، ولما أطلق الردّ على النحاة، وأمّا قوله إن حركة النصب ارتبطت في ذهننا دائماً بالمفعول به، ففيه تعميم، والصحيح في ذهنه وحده، وإلاّ فهي ترتبط في أذهاننا بسائر المنصوبات كالحال والتمييز والظرف والمفعول به.‏

3-انقسام الفعل إلى مجرّد ومزيد فيه خَلْطٌ ومغالطة..‏

قال(38): "وهنا أيضاً نجد أنفسنا أمام خلط ومغالطة وشدّ وعصر للمعطيات والحقائق، فالفعل المزيد (كاتَبَ) مثلاً إذا حذفنا منه الألف المزيدة –حسب رأيهم- نحصل على الفعل (كتب)، وهو مغايرٌ تماماً في معناه للفعل (كاتَبَ)، وفي كلّ الأحوال فإنّه لا يمكننا إسقاط أيّ من الحروف في الأفعال، سواء كانت مجردة أم مزيدة، لأنّه لا ترادف في مفردات اللغة" كذا قال، وفيه تخليطٌ عجيب وتجنّ على النحويّين، وعدم استبانة مقاصدهم من درس الزائد والأصليّ من الحروف، وهي تتبّع القيم التعبيريّة للحروف الزوائد في بنية الكلمة، فهم من خلال هذا الدرس تتبعوا مثلاً معاني الأبنية في العربيّة، بعد أن تهدّوا إلى الأصل العام الذي تنتظم تحته حروف الزيادة، وهو أنّ كلّ زيادة في المبنى تستدعي زيادة في المعنى، فـ استغفر ليس بمعنى غفر، وكسب ليس مرادفاً لـ اكتسب، وقاتل يختلف عن قتل، وكسَّر لا يساوي كَسَر.. وأوّل درجات هذه المعرفة هي تبيّن الزائد من الأصلي، وإلاّ فكيف ندرس معاني حروف الزيادة إن كان المؤلّف لا يريد أن نفرّق بين الزائد والأصلي، ولا أظنّ أحداً يخفى عليه أنّ الاشتقاق في العربيّة، وهو أظهر سمة في بنيتها الداخليّة يقوم على معرفة الزائد والأصلي.‏

أما ما فهمه من صنع النحاة فلا يرضى به مبتدئ، والمغالطة بيّنة في كلامه حين استعمل عبارة (حذف) و (إسقاط) و (ترادف) فالنحاة لم يسقطوا شيئاً ولا ادّعوا حذف شيء، وهم الذين فرّقوا بين كسب واكتسب، فأين الترادف؟، وهم مدركون كلّ الإدراك لطبيعة العربيّة التي تقوم بنية ألفاظها على ما يسمّى الأصل اللغوي أو الجذر، وهذا الأصل أشبه ما يكون بجذع الشجرة، وحروف الزيادة إنّما هي فروعٌ تعلو على الجذع وتتصل به، فقولنا (ك ت ب) هو الأصل، وبمعرفة حروف الزيادة استطاع متكلمو العربيّة أن يشتقوا نحو: كاتب- مكتوب- كتاب- كتيّب- استكتب- مكتب- مكاتبة...‏

والمؤلف يسمّي، بلا تردّد، معرفة هذا "خلط، ومغالطة، وشدّ، وعصر للمعطيات والحقائق" ويريدنا ألاّ نبصر شيئاً من هذه الحركة الداخليّة لبنية الكلمة‍‍!! فهل بعد هذا الجهل جهل!!!؟‏

---------------------

أرجو المتابعة والتعقيب

نائل سيد أحمد
12-05-2006, 11:25 PM
السلام عليكم :
ـــــــــــــــــــــــ
وكأنه لا يضيع شيىء في الفصيح ، كنت قد كتبت عن الكتاب المذكور قبل أيام ودون أن أعلم بهذه المشالركة الرائعة حقاً ، وما كتبته كان تحت عنوان : من أين أبدأ لعله في المنتدى العام أو الإعلامي وعندما كتبت عبر الباحث الخاص لفظة متعلقة بالموضوع جائت معي مشاركة الأستاذ جمال .

ابن يعيش
13-05-2006, 01:15 AM
لله درك لقد ألقمته الحجر ......

بورك فيك ..

عبد الله رجب
09-01-2008, 11:04 PM
هل تحدث أوزون في هذا الكتاب عن الزمن؟ وفي أي موضع؟
شكرا

عبد الله رجب
09-01-2008, 11:05 PM
هل تحدث أوزون في كتابه عن الزمن؟ وفي أي موضع؟