المساعد الشخصي الرقمي

اعرض النسخة الكاملة : وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً لِّمِيقَاتِنَا



لؤي الطيبي
08-03-2006, 06:14 AM
السلام عليكم

ما سر إسقاط حرف الجر في قوله تعالى : { وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً لِّمِيقَاتِنَا } [الأعراف:155] ؟

فالصناعة النحوية تقتضي تقدير المحذوف ، وهو حرف الجرّ (من) ، أي : من قومه ، ليتّضح المعنى وتستقيم العبارة .

ولكن البلاغة لا تقف عند حدود ما تقتضيه الصناعة النحوية من تقدير للمحذوف . بل تقتضي أن نبحث عن سرّ الحذف في هذا الموطن وغيره في القرآن العظيم .

فهلا بيّنتم لنا الجمال البياني وجلاله في هذه الآية الكريمة ؟

جمال حسني الشرباتي
08-03-2006, 07:18 AM
حلوة منك أخي المشرف أن تمثل دور السائل؟؟:)

لؤي الطيبي
08-03-2006, 09:56 AM
نتعلم من الأفاضل أمثالكم - أستاذنا جمال ..:)

عزام محمد ذيب الشريدة
08-03-2006, 03:26 PM
الأستاذان الفاضلان:
السلام عليكما
عند سقوط حرف الجر من المفعول الثاني فيجب تقديمه حتى لا يكون صفة للنكرة التي قبله ،فكونه مفعولا ثانيا أقرب من كونه صفه ،ولهذا يتقدم نحو الكلمة التي تربطه معها علاقة معنوية أقوى،لأن الكلام يترتب بحسب الأهمية وقوة العلاقة المعنوية.
والله أعلم

لؤي الطيبي
08-03-2006, 03:50 PM
الأستاذان الفاضلان:
السلام عليكما
عند سقوط حرف الجر من المفعول الثاني فيجب تقديمه حتى لا يكون صفة للنكرة التي قبله ،فكونه مفعولا ثانيا أقرب من كونه صفه ،ولهذا يتقدم نحو الكلمة التي تربطه معها علاقة معنوية أقوى،لأن الكلام يترتب بحسب الأهمية وقوة العلاقة المعنوية.
والله أعلم

وعليك السلام ورحمة الله
حياك الله أخي عزام ..
وهلا عرفتنا بالنكتة البلاغية من وراء هذا الحذف ؟

موسى أحمد زغاري
08-03-2006, 10:50 PM
،لأن الكلام يترتب بحسب الأهمية وقوة العلاقة المعنوية.

والله أعلم
أخي عزام الشريدة أراك تكثر من مثل هذه الجملة في أجوبتك ، فهلاَّ وضحت كيف ندرك فهم النكتة البلاغية حسب هذه القاعدة المطردة لديك . وشكرا

لؤي الطيبي
08-03-2006, 11:12 PM
أمهلكم من الوقت حتى يوم الجمعة ..
وبعديها فشّ جائزة :)

سليم
09-03-2006, 12:12 AM
السلام عليكم
أخي لؤي الطيبي بارك الله وحيّاك ,عدا ما ذكرتَ من الصناعة النحوية في إسقاط حرف الجر (من) هناك ايضًا نكتة بلاغية :ان (من) التي بمعنى التبعيض لا تحدد ولا تعيّن اي السبعين , ولأِنَّ السَّبْعِينَ الَّذِينَ اِخْتَارَهُمْ مُوسَى مِنْ قَوْمه إختارهم بعينهم ,وهذا من عادة العرب أن تحذف الذي من حشو الكلام إذا عُرف موضعه ...فهم ليسوا أيّ سبعين وانما هم سبعون بعينهم...معروفون.
والله أعلم

د. خالد الشبل
09-03-2006, 01:30 AM
بوركتم.
سأعيدكم إلى الصناعة مرة أخرى، فأقول:

الفعلُ الذي يتعدى إلى مفعولين ثلاثةُ أقسام:
الأول : أن يكون الأصل فيه أن يتعدى إلى واحد، فيُنقل بالهمزة أو التضعيف فيتعدى إلى اثنين .
الثاني: أن يكون الأصل فيه أن يتعدى إلى واحد بنفسه، وإلى آخر بحرف الجر ، ثُمّ يُسقط حرف الجر فيظهر عمل الفعل(1) .
الثالث : أن يتعدى إلى اثنين بنفسه . مثال الثاني : سمّيتُ ولدي زيداً . الأصل : سمّيت ولدي بزيدٍ . وتقول : اخترت الرجالَ زيداً . الأصل : اخترت من الرجال زيداً . ومنه قوله تعالى : { واخْتَارَ مُوْسى قَوْمَهُ سَبْعِيْنَ رَجُلاً } . والتقدير : من قومه . وقال بعضهم : يمكن أن يكون ( سبعين ) بدلاً من ( قومه ). هذا ملخص في هذه المسألة، وأما التفصيل فأقول:
ذهب أكثر النحويين (2) إلى أن ( قومه ) من قوله تعالى : { وَاخْتَارَ مُوْسَى قَوْمَهُ سَبْعِيْنَ رَجُلاً } منصوب ، لأنه حذف حرف الجر ، فنفذ الفعل إلى المفعول المحذوف منه حرف الجر(3) . وأصله - والله أعلم - مِنْ قومه (4) .
فقولهم : اخترت الرجالَ زيداً ، أصله : من الرجال ، لأن ( اختار ) فعل يتعدى إلى مفعول واحد بغير حرف الجر ، وإلى الثاني بحرف الجر ، والمقدم في الرتبة هو المنصوب بغير حرف الجر ، فإن قُدِّم المجرور فلنوع من العناية ، وهي البيان ، وإلا فالنية فيه التأخير (5) .
ومما جاء من هذا قول الشاعر :
مِنّا الذي اخْتِيْرَ الرِّجالَ سَماحةً ** وَجُوْداً إذا هَبَّ الرياحُ الزَّعازِعُ (6)
أي مِن الرجال .
وقول الآخر :
أَسْتَغْفِرُ اللهَ ذَنْبَاً لَسْتُ مُحْصِيَهُ ** ربَّ العِبادِ إليه الوَجْهُ والعَمَلُ(7)

أي مِنْ ذنبٍ .
قال ابن أبي الربيع في شرح الجمل: "واستدل أبو القاسم، على أن العرب تقول : اخترت الرجالَ زيداً بقوله تعالى : { واختار موسى قومه سبعين رجلاً } فقال : تأويله : من قومه ، وهذا الذي ذكر هو البيّن في الآية .. ورأيت بعض المتأخرين يقول: يمكن أن يكون { سبعين رجلاً } بدلاً من ( قومه ) ، وجعلهم قومه وإن كان قومه أكثر من ذلك ، لأنهم عمدة قومه . والبيّن في الآية ما أخذها عليه أبو القاسم ، وهو الصواب " (8)
وأجاز بعضهم أن يكون ( سبعين ) بدلاً من ( قومه ) (9) ، بدل بعض من كل ، وجعله ابن أبي الربيع بدل كل من كل ، فذكر جواب من قال بذلك إن قيل له : كيف يكون السبعون رجلاً هم قومه ، مع أن القوم أكثر من ذلك ؟ قال : " وجعلهم قومه ، وإن كان قومه أكثر من ذلك ، لأنهم عمدة قومه " (10) .
والذين ذكروا هذا الرأي إنما ذكروه معتبرين البدل بعضاً من كل ، وهو الأولى فيما ذهبوا إليه ، لأن قوم موسى - عليه السلام - أكثر من سبعين .
وقد ضُعِّف هذا القول لأمرين :
الأول : أن الاختيار لابد فيه من مُخْتار ومختار منه ، وإذا أُعرب بدلاً يكون المختارُ منه محذوفاً ، وما هو واحد في نفسه لا يصح اختياره .
الثاني : أنه لابد من رابط بين البدل والمبدل منه ، وقد قدروه بـ ( منهم ) (11) .
ففي هذا الإعراب تكلُّفُ حذفٍ في رابط البدل ، وفي المختار منه . ويظهر لي أن ما ذهب إليه ابن أبي الربيع متابعاً فيه أكثر النحويين هو الأقرب ، لأن حذف حرف الجر ووصول أثر الفعل إلى الاسم جائز في لغة العرب ، ولأن الإعراب على أنه بدل يفضي إلى تكلف تقدير محذوف ، ولا شك أن إجراء الكلام على ظاهره ، وعلى مقتضى لغة العرب أولى من التقدير والتأويل .
وشيء آخر وهو أن قولنا : اخترت الرجال زيداً يجوز فيه تقديم المفعول الأول ، فيكون : اخترت زيداً الرجالَ ، وفي تقديم المفعول على المجرور بمِنْ دلالة على أنه مفعول ثانٍ ، وليس ببدل ، إذ البدل لا يسوغ تقديمه (12) . والله أعلم .

___________________
(1) قال أبو حيان عن هذه الأفعال : " هي مقصورة على السماع ، وهي : اختار ، واستغفر ، وأمر ، وكنى ، ودعا ، وزوج ، وصدق " البحر المحيط 4/398 . وينظر : الكتاب 1/38 ، وشرحه للسيرافي 1/144أ وللصفّار 2/675 ، والأصول 1/180 ، وزاد السمين على هذه الأفعال : حدّث ، أنبأ ، وأخبر ، وخبّر إذا لم تضمّن معنى ( أعلم ) ، الدر المصون 5/474 ، وينظر : شرح شذور الذهب 369-376 .
(2) ينظر ك مجاز القرآن 1/229 ، ومعاني القرآن للأخفش 1/339 ، والمقتضب 4/330 ، ومعاني القرآن للزجاج 2/380 ، والأصول 1/178 ، والمسائل العضديات 99 .
(3) ينظر : شرح عيون كتاب سيبويه 42 .
(4) ينظر : المقتضب 4/330 ، والكامل 1/47 .
(5) ينظر : شرح المفصل 8/50 .
(6) من الطويل ، وهو مطلع قصيدة ، للفرزدق في مدح قبيلته . الديوان 1/418 . والزعازع : جمع زَعْزَع ، وهي الريح التي تهب بشدة ، يعني بذلك الشتاء حيث يقل فيه الزاد ، فيقول : هو جواد في مثل هذا الوقت . ينظر : الخزانة 9/124 . ورواية الديوان : ( وخيراً ) بدل ( وجوداً ) . والبيت دخله الخرم ، وهو سقوط أو أول الوتد المجموع ، فهو أثلم ، ويروى : ( ومنّا ) فلا خرم فيه . ينظر : العيون الغامزة 120-121 ، والمرشد الوافي 32 .
والشاهد فيه قوله : اختير الرجالَ ، والأصل : من الرجال ، فلما حذف حرف الجر وصل أثر الفعل فنصب الاسم .
ينظر : الكتاب 1/39 ، ومعاني الأخفش 1/339 ، والمقتضب 4/330 ، والأصول 1/180 ، والإفصاح للفارقي 287 ، وشرح نهج البلاغة 1/15 ، وخزانة الأدب 9/123 - 125 .
(7) من البسيط، وهو من أبيات سيبويه الخمسين التي لا يعرف قائلها . وقوله : ( ذنباً ) اسم جنس بدل قوله: لست محصيه . و : إليه الوجه والعمل أي : التوجه في الدعاء والمسألة والعبادة والعملُ له .
والشاهد فيه قوله : أستغفر الله ذنباً حيث حذف حرف الجر ( من ) والأصل : أستغفر الله من ذنب .
ينظر : الكتاب 1/37 ، ومعاني القرآن للفراء 2/314 ، وتأويل مشكل القرآن 299 ، والإيضاح للزجاجي 139 ، وشرح أبيات سيبويه لابن النحاس 43 ، ولابن السيرافي 1/420 ، والخصائص 3/247، والخزانة 3/111 .
(8) البسيط 1/423-424 .
(9) ينظر : اللباب 1/269 ، والتبيان 1/597 ، والبحر المحيط 4/399 ، والدر المصون 5/475 ، والفتوحات الإلهية 3/119 . ولم أقف على من نسب هذا القول ، وأجازه أبو البقاء على ضعف
(10) ينظر : البسيط 1/424 .
(11) ينظر : التبيان 1/597 ، والبحر المحيط 4/399 .
(12) ينظر : شرح المفصل 8/51 .

لؤي الطيبي
09-03-2006, 06:28 AM
لأِنَّ السَّبْعِينَ الَّذِينَ اِخْتَارَهُمْ مُوسَى مِنْ قَوْمه إختارهم بعينهم ,وهذا من عادة العرب أن تحذف الذي من حشو الكلام إذا عُرف موضعه ...فهم ليسوا أيّ سبعين وانما هم سبعون بعينهم...معروفون.
والله أعلم


وجعله ابن أبي الربيع بدل كل من كل ، فذكر جواب من قال بذلك إن قيل له : كيف يكون السبعون رجلاً هم قومه ، مع أن القوم أكثر من ذلك ؟ قال : " وجعلهم قومه ، وإن كان قومه أكثر من ذلك ، لأنهم عمدة قومه " (10) ..... ويظهر لي أن ما ذهب إليه ابن أبي الربيع متابعاً فيه أكثر النحويين هو الأقرب ، لأن حذف حرف الجر ووصول أثر الفعل إلى الاسم جائز في لغة العرب ، ولأن الإعراب على أنه بدل يفضي إلى تكلف تقدير محذوف ، ولا شك أن إجراء الكلام على ظاهره ، وعلى مقتضى لغة العرب أولى من التقدير والتأويل .

بارك الله فيكما ..
أخي سليم .. لقد اقتربت حقّاً من النكتة البلاغية ..
أخي خالد .. لقد أبدعت في تأصيل قواعد المسألة ..
وإليكما السرّ الذي أوشكتما على إظهاره في كلامكما :

نرى - والله تعالى أعلم بما نزّل - أن إسقاط حرف الجرّ القصد منه هو النعي على بني إسرائيل لكثرة تمرّدهم وعصيانهم ، ودوام مخالفتهم لنبيّهم ، حتى كأنّه لم يجد فيهم خياراً غير هؤلاء السبعين ، فهم القوم كل القوم في ميزان الطاعة والصلاح . وفي ذلك ما فيه من التلميح بكثرة العاصين وقلّة الصالحين فيهم .

فموسى عليه السلام بحث ونقّب فلم يجد إلا هؤلاء السبعين ، ولو قال (من قومه) لما أفاد هذا المعنى ، ولدلّ على أن في بني إسرائيل أخيار غيرهم ، وأن موسى عليه السلام إنما اختار منهم الأخْيَر فالأخْيَر ، فيكون هذا عذراً لهم . ولذلك فإنه في إسقاط حرف الجر قد حُسم الأمر وانتهى : لا نقيم وزناً لبني إسرائيل كلهم ، باستثناء السبعين الذين اختارهم موسى .

والله أعلم

عزام محمد ذيب الشريدة
09-03-2006, 03:09 PM
السلام عليكم
النكرة تبحث دائما عما يعرفها ويوضحها أو يخصصها ،أو كما يقول ابن القيم -رحمه الله-:النكرة تطلب الوصف طلبا حثيثا ،كقولنا:طالب في الصف،ففي الصف ليس الخبر وإنما هي صفة للطالب ،ولهذا مازال الكلام ناقصا،ونحن بحاجة إلى الخبر من أجل تمام المعنى ،وإلا بقي المستمع في انتظار الخبر ولهذا نقول له :طالب في الصف مؤدب.أما إذا أردنا أن تكون شبه الجملة هي الخبر ،فيجب أن نقدمه حتى نقطع توهم السامع الذي يظنها صفة ،وليعرف أن المتقدم خبر لا صفة،أي من أجل أمن اللبس
ومثله الأية الكريمة "واختارموسى قومه سبعين رجلا "والأصل:سبعين رجلا من قومه،وعند سقوط حرف الجر ،يتقدم المفعول الثاني ،حتى لا يلتبس بصفة النكرة ،أي من أجل أمن اللبس.
قال تعالى أخي موسى: "يؤتي الحكمة من يشاء " والحكمة هي المفعول الثاني لأنها مفعول لفظا ومعنى ،والأصل أن يتأخر هكذا: يؤتي من يشاء الحكمة ،ولكن تأخيرها يجعلها مفعولا به للفعل يشاء ،ولأن هذا المعنى ليس مقصودا ،فيجب أن يتقدم المفعول الثاني (الحكمة) نحو الكلمة التي تربطه معها علاقة معنوية أقوى، وهي كلمة"يؤتي" من أجل أمن اللبس،أو لأن بقاءه في مكانه يسبب اللبس ،ولهذا نقول أخي موسى :إن الكلام يترتب ويتجاور بحسب قوة العلاقة المعنوية.

والله أعلم

موسى أحمد زغاري
09-03-2006, 03:33 PM
الأساتذة الكبار:
لؤي
جمال
عزام
خالد
سليم
ما زلت أشعر أمامكم أني صغير جدا .
موسى

عزام محمد ذيب الشريدة
09-03-2006, 03:36 PM
متابعة:
أخي لؤي:جملة :اختار موسى سبعين رجلا قومه ،تعنى نفس المعنى الذي ذكرته ،فلِم لم تبق كلمة (قومه )في مكانها؟
شكرا لكم جميعا.

لؤي الطيبي
09-03-2006, 11:44 PM
السلام عليكم
أخي الفاضل عزام ..
لم أفهم سؤالك !
هل تقصد أنه لا فرق بين قولي : " اختار موسى قومه سبعين رجلاً " ، وقولي : " اختار موسى سبعين رجلاً قومه " ؟

فإن كان هذا هو المراد ، فهاك الجواب ، وأنقله لك من كتاب (بدائع الفوائد) :

قال أبو بكر الزرعي - رحمه الله : الاختيار تقديم المجرور في باب (اخترت) وتأخير المفعول المجرّد عن حرف الجرّ ، فتقول : اخترت من الرجال زيداً ، ويجوز فيه التأخير . فإذا أسقطت الحرف لم يحسن تأخير ما كان مجروراً به في الأصل ، فيقبح أن تقول : اخترت زيدا الرجال ، واخترت عشرة الرجال ، أي : من الرجال ، لما يوهم من كون المجرور في موضع النعت للعشرة ، وأنه ليس في موضع المفعول الثاني .

ونضيف للفائدة العامّة :

قال أبو بكر : وأيضاً فإن الرجال معرفة فهو أحق بالتقديم للاهتمام به كما لزم في تقديم المجرور الذي هو خبر عن النكرة من قولك : في الدار رجل ، لكون المجرور معرفة وكأنه المخبر عنه . فإذا حذفت حرف الجر لم يكن بدّ من التقديم للإسم الذي كان مجروراً نحو اخترت الرجال عشرة . والحكمة في ذلك أن المعنى الداعي الذي من أجله حذف حرف الجر هو معنى غير لفظ ، فلم يقو على حذف حرف الجر إلا مع اتصاله به وقربه منه .

ووجه ثانٍ وهو أن القليل الذي اختير من الكثير إذا كان مما يتبعّض ثم ولي الفعل الذي هو اخترت توهّم أنه مختار منه أيضاً ، لأن كل ما يتبعّض يجوز فيه أن يختار وأن يختار منه ، فألزموه التأخير وقدّموا الاسم المختار منه ، وكان أولى بذلك لما سبق من القول . فإن كان مما لا يتبعّض نحو زيد وعمرو ، فربما جاز على قلة في الكلام نحو قول الشاعر : ومنا الذي اختير الرجال سماحة . وليس هذا كقولك اخترت فرساً الخيل ، لأن الفرس اسم جنس فقد يتبعّض مثله ويختار منه . وزيد من حيث كان جسماً يتبعّض ، ومن حيث كان عَلماً على شيء بعينه لا يتبعّض فتأمّل هذا الموضع .

المصدر:
كتاب بدائع الفوائد :
http://arabic.islamicweb.com/Books/taimiya.asp?book=64&id=286

أرجو أن يكون هذا التوضيح شافياً كافياً ..
ودمتم ..

عزام محمد ذيب الشريدة
10-03-2006, 01:41 PM
بوركت أستاذي الفاضل
وقد كتب عن ذلك السهيلي في نتائج الفكر في النحو.

عماد كتوت
10-03-2006, 04:48 PM
يا الله كم يشعر المرء بضآلته وهو يرى هذا العلم الغزير عندكم، بارك الله فيكم جميعا، ولي سؤال بمناسبة هذه الآية ، وهو هل نعرب (قومه) منصوب على نزع الخافض فقط ؟ أم لها إعراب آخر؟ أرجو التفصيل للأهمية.

جمال حسني الشرباتي
10-03-2006, 05:33 PM
قال الرازي رحمه الله


(وعندي فيه وجه آخر وهو أن يكون التقدير: واختار موسى قومه لميقاتنا وأراد بقومه المعتبرين منهم إطلاقاً لاسم الجنس على ما هو المقصود منهم وقوله: { سَبْعِينَ رَجُلاً } عطف بيان وعلى هذا الوجه فلا حاجة إلى ما ذكروه من التكلفات.)

وهذا بيان أغنى فعلا عن التكلفات----وهذا الإستخدام منتشر---في كثير من الأحيان نقول --اجتمعت العائلة الفلانية مع العائلة العلّانية مع أنّ المجتمعين قسم معتبر من العائلتين---وإذا أردت عطف البيان قلت--إجتمعت العائلة الفلانية المثقفون منهم

لؤي الطيبي
10-03-2006, 06:23 PM
ولي سؤال بمناسبة هذه الآية ، وهو هل نعرب (قومه) منصوب على نزع الخافض فقط ؟ أم لها إعراب آخر؟
الأخ شاعر
السلام عليكم

لقد اتفقت أقوال العلماء على نصب (قومه) في هذه الآية الكريمة بنزع الخافض ، والتقدير : اختار موسى من قومه ، يقول أبو عبيدة : " مجازه اختار موسـى من قومـه ، ولكن بعض العرب يجتازون فيحذفون (من) ، قال العجاج : تحت التي اختار له الله الشجر " .

ويقول الأنباري : " قومه ، وسبعين ، منصوبان مفعولان باختار ، إلا أنه تعدى إلى سبعين من غير تقدير حذف حرف الجر ، وتعدّى إلى قومه بتقدير حذف حرف الجر ، والتقدير فيه : واختار موسى من قومه سبعين رجلا ، فحذف حرف الجر فتعدّى الفعل إليه " .

ويقول الزمخشري : " أي من قومه فحذف الجار وأوصل الفعل كقوله : منا الذي اختير الرجال سماحة " .

ويقول أبو حيان : " اختار افتعل من الخير، وهو التخيّر والانتقاء ، واختار من الأفعال التي تعدّت إلى اثنين أحدهما بنفسه والآخر بواسطة حرف الجرّ ، وهي مقصورة على السماع ، وهي اختار ، واستغفر ، وأمر ، وكنى ، ودعا ، وزوج ، وصدق ، ثم يحذف حرف الجر ويتعدّى إليه الفعل ، فيقول : اخترت زيدا من الرجال ، واخترت زيداً الرجال ، قال الشاعر :
اخترتك الناس إذا رثت خلائقهم --- واعتلّ من كان يرجى عنده السؤل " .

ولا شكّ أنّ ما ذكره علماؤنا رحمهم الله لا غبار عليه من حيث الصحّة ، لكنه ليس سوى مجرّد تصحيح للمعنى وتعليل للحذف ، وهو ما ينبغي علينا أن نتجاوزه للبحث عن أسرار نزع الخافض في هذه الآية الكريمة وغيرها من الآيات .

وكما أشرنا من قبل فإن حذف حرف الجرّ دلّ على أن موسى عليه السلام قد اجتهد في البحث والتنقيب في قومه ، فلم يجد فيهم خياراً سوى هؤلاء السبعين ، ولو قيل : اختار موسى من قومه سبعين رجلاً ، لدلّ على أن في القوم خياراً كثيرين وأن اختيار موسى عليه السلام قد وقع على هؤلاء السبعين رجلاً . ولا عجـب أن يقصـد القـرآن إلـى ذلك ، بعد آيات تحدّثت عمّا صنعه بنو إسرائيل بموسى عليه السلام ، وعبادتهم العجــل من دون الله .

وهنالك من الشواهد القرآنية على هذه الظاهرة ، مما يشيع في جوانب النصّ كل تلك الدلالات والإيحاءات بما لا تنهض به الكلمات .. وتعجز عنه الجمل الطوال ..

والله أعلم

جمال حسني الشرباتي
10-03-2006, 07:04 PM
الأخ لؤي

رأي الرازي لا يتعارض مع نظرتك البلاغية للآية من حيث إشارتها إلى قلة الصالحين وأنّهم وصلوا إلى السبعين رجلا بصعوبة

لؤي الطيبي
10-03-2006, 07:19 PM
الأخ لؤي

رأي الرازي لا يتعارض مع نظرتك البلاغية للآية من حيث إشارتها إلى قلة الصالحين وأنّهم وصلوا إلى السبعين رجلا بصعوبة

ولذلك فلم أعقّب عليه ..
بارك الله فيكم أستاذنا جمال ، ونفعنا بعلمكم .

جمال حسني الشرباتي
10-03-2006, 09:25 PM
إذن هلّا عقبت من ناحية لغوية من حيث القول بأنّ "سبعين رجلا" عطف بيان ل "واختار موسى قومه" مستغنيا عن القول بتقدير حذف حرف الجر " من"

لؤي الطيبي
12-03-2006, 04:23 AM
إذن هلّا عقبت من ناحية لغوية من حيث القول بأنّ "سبعين رجلا" عطف بيان لـ "واختار موسى قومه" مستغنيا عن القول بتقدير حذف حرف الجر "من"

أخي الحبيب جمال ..
لو أننا استغنينا عن القول بنزع الخافض ، وفرضنا أن قوله تعالى : { سَبْعِينَ رَجُلاً } هو عطف بيان ، لما تبيّنت لنا الدلالة التي ذكرناها آنفاً ..

لأن تعريف عطف البيان هو : أنه تابع أشهر من متبوعه ، ويأتي لتوضيحه ..
نحو : رحم الله أبا حفص عمر ، وكرّم الله أبا تراب عليا .
وهذا يعني أن عطف البيان يمكن الاستغناء به عن المعطوف عليه ، كما يمكن الاستقلال بالمعطوف عليه وترك المعطوف .

فإن قلت : رحم الله أبا حفص ، اكتمل المعنى ، وتمّت الجملة .
وإن قلت : رحم الله عمر ، كذلك جائز .

ومن هنا يمكننا القول بأن عطف البيان هو البَدَل ، مع فوارق بسيطة لا نريد إثارتها هنا ، ومعظم النحاة الذين خاضوا في هذه الفوارق ، إنما قالوا في نهاية المطاف : لم يتبيّن لنا فرق بين عطف البيان والبَدَل !

ولذلك فإننا إذا استغنينا عن المعطوف عليه في آية سورة الأعراف ، والذي هو (قومه) ، وقلنا : (واختار موسى سبعين رجلاً لميقاتنا) ، لاكتمل المعنى وتمّت الجملة .
وكذلك الأمر في حالة الاستقلال بالمعطوف عليه وترك المعطوف ، فإن قلت : (واختار موسى قومه لميقاتنا) ، فهو أيضاً جائز .

ولكن ليس هذا هو مراد القرآن الكريم ..
ولذلك نرى أن قول الرازي رحمه الله ، والذي تفرّد به دون غيره ، لا يؤدّي المعنى المراد ..
والله أعلم بمراده ..

لؤي الطيبي
12-03-2006, 09:31 PM
ومن الأمثلة على نزع الخافض في القرآن الكريم ، قوله تعالى : { وَاسُتَبَقَا الْبَابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِن دُبُرٍ وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ قَالَتْ مَا جَزَاء مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوَءًا إِلاَّ أَن يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } [يوسف: 25] .

فللعلماء في إعراب الباب في قوله تعالى { وَاسُتَبَقَا الْبَاب } رأيان :
أحدهما : أنه منصوب على نزع الخافض لأن أصل استبق أن يتعدّى بإلى فحذف اتساعاً .
والثاني : أنه منصوب بتضمين استبقا معنى ابتدرا ، وفي هذا الصدد يقول الزمخشري "واستبقا الباب وتسابقا إلى الباب على حذف الجارّ وإيصال الفعـل كقوله (واختار موسى قومه) ، أو على تضمين استبقا معنى ابتدرا ، نفر منها يوسف فأسرع يريد الباب ليخرج ، وأسرعت وراءه لتمنعه الخروج" .

والتعبير بحذف حرف الجر وإيصال الفعل إلى المفعول في هذه الآية الكريمة يوحي برغبة كل من يوسف عليه السلام وامرأة العزيز في الإسراع إلى الباب ، وما هما عليه من سبق كل منهما للآخر في الوصول إلى الباب تحقيقاً لمراده .. فيوسف عليه السلام أسرع إليه ليخرج ، وهي لتمنعه من الخروج ..

ولو قيل " واستبقا إلى الباب " لدلّ التعبير على أن غاية سبقهما أن ينتهي إلى الباب .. وليس هذا ما يسعى النظم الكريم إلى إبرازه من حرص كل منهما في سبق الآخر إلى الباب .. حيث أراد يوسف عليه السلام أن يهرب من مراودتها له محاولاً الإسراع إلى الباب قبلها ليخرج منه ، وهي تحاول الإسراع إليه قبله لتمنعه من الخروج ..

والله أعلم ..

لؤي الطيبي
12-03-2006, 09:38 PM
هلا أتحفتمونا بمزيد من الأمثلة ؟!

موسى أحمد زغاري
12-03-2006, 10:08 PM
أخي الحبيب لؤي ، زادك الله علما ونورا .
إن إعتبار القول بعطف البيان في قوله تعالى { واختار موسى قومه سبعين رجلا } قول ضعيف .
فإن المعنى يكاد لا يظهر لو قلنا {واختار موسى قومه } ولكان المعنى غير ذا أهمية ، أو غير ظاهر . ، ولما كان لذكرباقي الآية { سبعين رجلا } أهمية .
ولا يعقل أن موسى إختار غير قومه ، فلماذا يختارهم ؟ فالمعنى ركيك وضبابي .وأضف على ذلك فإن لذكر العدد ( سبعين ) دلالة هامة وهي أنه إختيار عدد معين بعينه ، وهذا مما يدل دلالة واضحة على أنه إختيار بعض من كل ، وفي هذا بيان على حذف ( من التبعيضية ) . و( من )المحذوفة ليست للجنس .فالقول بالنصب على الخافض هو الأولى .
=======================
أما بالنسبة للآية الثانية . قوله تعالى : { وَاسُتَبَقَا الْبَابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِن دُبُرٍ وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ قَالَتْ مَا جَزَاء مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوَءًا إِلاَّ أَن يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } [يوسف: 25] .
فالمراد من نزع الخافض توجه آخر وهو ، أن القرآن حين يصور قصة ما فأنه يصورها طبق الواقع ، وواقع تلك الحادثة هو هرب يوسف عليه السلام بأقصى ما يستطيع ، وكذلك لحاق امرأة العزيز به بأقصى سرعتها واستطاعتها ، وهذا المشهد لا يحتمل ذكر حرف الجر ( إلى ) لأن المقام لا يتسع لذكره ، من باب إنسجام النص مع المشهد .

لؤي الطيبي
12-03-2006, 10:55 PM
الأخ العزيز موسى ..
أدام الله توفيقك في كل قول وعمل ، وفي كل رأي ونظر..
لقد أحسنت في تصويرك للمشهد .. وأجدت فأبدعت ..

ولنكمل حديثنا عن الأسرار البلاغية التي يبرزها نزع الخافض في القرآن العظيم ، ولنحاول أن نكشف عن مزيد من فوائده الغرر ومراميه اللطاف ..

يقول تعالى : { لِّلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِّسَآئِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَآؤُوا فَإِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ * وَإِنْ عَزَمُواْ الطَّلاَقَ فَإِنَّ اللّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ } [البقرة: 226-227] .

وللعلماء في نصب "الطلاق " وجهان : أحدهما : أنه منصوب بنزع الخافض أو بإسقاط حرف الجر كما قالوا ، لأن عزم يتعدّى بـ(على) !

فلماذا اختار التعبير القرآني إسقاط حرف الجر (على) في الآية الكريمة ؟
وماذا لو أنه قال : (وإن عزموا على الطلاق) ، ألن يفي هذا بالمعنى المراد ؟

سليم
15-03-2006, 01:41 AM
السلام عليكم
أخي لؤي ,بارك الله فيك وحيّاك ,ان الآيات تحمل في طياتها احكام شرعية تتعلق بافعال كان العرب يقومون فيها في الجاهلية (الرجال منهم ) والاسلام,حيث كانوا يقسمون ويحلفون بمهاجرو النساء,وكان من الايمان الحائلة بين البر والتقوى والاصلاح(كما قال ابن عاشور).
واختيار التعبير القرآني باسقاط حرف الجر على لأن المقصود من عزم الطلاق هو التصميم عليه,واستقرار الرأي عليه بعد تأمل وتفكير,وهذا لا يحصل لكل مولل من تلقاء نفسه,وخاصة اذا كان غالب القصد في اليمين المغاضبة والمضارة ,لأن معنى الآية :فإن لم يفيئوا فقد وجب عليهم الطلاق.
والله أعلم

لؤي الطيبي
16-03-2006, 04:48 AM
أحسنت أخي الحبيب سليم ..
بارك الله فيك .. وزادك بصيرة بكتابه المجيد ..

واسمح لي بأن أتوسّع قليلاً في المعنى المراد :

فإن للعلماء في توجيه نصب (عقدة النكاح) آراء عديدة :
أولها : أنه منصوب بنزع الخافض والتقدير : ولا تعزموا على عقدة النكاح ، وقد حكى سيبويه أن العرب تقول : ضرب زيد الظهر والبطن أي : على الظهر والبطن . قال الشاعر :
ولقد أبيت على الطوى وأظله ----- حتى أنال به كريم المأكـل
وأظل عليه ، فحذف (على) ووصل الفعل إلى الضمير فنصبه ، إذ أصل هذا الفعل أن يتعدّى بعلى ، قال الشاعر :
عزمت على إقامة ذي صباح ----- لأمر ما يسوَّد من يسود .

الثاني : أنه مفعول به على تضمين الفعل (تعزموا) معنى فعل يتعدّى بنفسه حيث ضمن معنى تنووا ، أو معنى تصححوا ، أو معنى وجبوا ، أو معنى تباشروا ، أو معنى تقــطعوا أي : تبتوا .

الثالث : أنه منصوب على المصدر والمعنى : ولا تعـقدوا عقدة النكاح . ومعنى العزم : عقد القلب على إمضاء الأمر . وفي إيثار القرآن التعبير بإيقاع النهي على العزم بقوله تعالى (ولا تعزموا عقدة النكاح) بدلاً من التعبير بالنهي الصريح في قولنا : ولا تنكحوا النساء في العدة ، مبالغة في النهي عن عقد النكاح في العدّة لأن العزم على الفعل يتقدّمه ، فإذا نهى عنه كان عن الفعل أنهى .

وقبل أن نبحث في بيان السر البلاغي من وراء نزع الخافض في هذه الآية الكريمة يجدر بنا أن نوضّح أن القول بالتضمين ما هو إلا محاولة من العلماء لتصحيح وجه التعدية ، كما أن الذهاب إليه في هذه الآية الكريمة يؤدّي إلى ضعف بلاغة المعنى لأن سياق الآية الكريمة لا يقتضيه .

وفي هذا الصدد قال الدكتور شاكر أبو اليزيد الصباغ : " ذلك لأن كثيراً من النحاة وبعض المفسرين يطلقون التضمين على أساليب بعضها لا يحتاج فيه إلى تضمين لوفاء الفعل المذكور بأداء المعنى المطلوب، وبعضها لا يتأتى فيه التضمين لعدم إمكان الجمع بين المعنيين، وبعضها يؤدي القول بالتضمين فيها إلى ضعف بلاغة العبارة .
فالفعل (عزم) يتعدّى بـ(على) ، تقول : عزمت على السفر مثلاً ، ولما جاء متعدياً بنفسه في قوله تعالى (ولا تعزموا عقدة النكاح حتى يبلغ الكتاب أجله) ، قالوا بتضمين (تعزموا) معنـى "تنووا" ، فنصب المفعول بنفسه مثله ، ومع أن النية مطلق العزم ، والعزم خصوص عقد الضمير على الشيء ، إذ يقول الزمخشري : وحقيقة العزم القطع . إلا أنه لا داعي - في نظري - لتضمين تعزموا معنى تنووا لأن صدر الآية يؤذن بالعفو عن النية والركون النفسي (ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء أو أكننتم في أنفسكم علم الله أنكم ستذكرونهن ولكن لا تواعدوهن سرا إلا أن تقولوا قولا معروفا ولا تعزموا عقدة النكاح حتى يبلغ الكتاب أجله) .
فالآية رفعت الحرج في التعريض والإضمار القلبي ، ونهت عن المواعدة والعزم ، فليس من المناسب أن نضمن العزم معنى النية " . انتهى .

فما ذكره هذا الباحث مما ينثلج له الصدر وينشرح له الخاطر ، لكن يبقى فيما قاله بأن الفعل (عزم) ورد متعدّياً بنفسه في هذه الآية نظراً لأن هذا الفعل لازم ويتعدّى بـ(على) ، والاسم بعده منصوب بنزع الخافض . يقول أبو حيان : وقيل انتصب - أي عقدة - على إسقاط حرف الجر وهو على هذا التقدير : ولا تعزموا على عقدة النكاح ....، إذ أصل هذا الفعل أن يتعدّى بـ(على) قال الشاعر :
عزمت على إقامة ذي صباح ----- لأمر ما يسوَّد من يسود .
ويقـول السميـن الحلبـي : إنـه منصـوب علـى إسقـاط حـرف الجـر وهـو (على)فإن (عزم) يتعدّى بها .

ولعلك حين تتأمّل ما عليه التعبير القرآني (ولا تعزموا عقدة النكاح) بنزع الخافض ، وقولنا (ولا تعزموا على عقدة النكاح) ، تجد فرقاً بين تعدية الفعل بحرف الاستعلاء (على) وبين إسقاط حرف الجر وإيصال الفعل إلى المفعول مباشرة ، ذلك أن على بما فيها من معنى الاستعلاء تكون آكد في الدلالة على العزم على النكاح لأن زيادة المبنى تؤدّي حتماً إلى زيادة المعنى كما قرر ذلك علماء البلاغة .

أما ما عليه التعبير القرآني فليس فيه هذا التأكيد الذي نحسّ به مع زيادة حرف الاستعلاء ، ونحن إذا نُهينا عن عزم النكاح ، فنحن أكثر نهياً بالنسبة للعزم على النكاح ، ولهذا كان النهي في الآية الكريمة نهياً عن الصيغة الأقل مبالغة .

والله أعلم