المساعد الشخصي الرقمي

اعرض النسخة الكاملة : الرد على عبده خال..!



المعتمد بن عباد
15-03-2006, 10:53 PM
يعاني إعلامنا منذ القدم مشكلة عظيمة الشأن كبيرة الخطر ما عرفت مثلها الأيام ولا رأت نظيرها الأعوام ولكنها مع كل هذه العظمة والخطورة لم تجد لها نهاية تنتهي إليها أو حلاً قادراً على أن يقضي عليها ... وعلى كل حال فهذه المشكلة الّلاغبة تتمثل في فتح الإعلامِ البابَ أمامَ أناسٍ ليسوا أهل علم أو أرباب فكر أو حتى أصحاب ثقافة أخذوا يصولون ويجولون ويشرقون ويغربون في صفحاته الخضراء والصفراء وهم إذ ذاك يعون تماما ويدركون حق الإدراك أنهم يكذبون على أنفسهم وعلى الناس ولكن العجب سبحان الله! يكمُنُ في أنَّ هؤلاء النفر مع مرور الوقت وتقادم العهد أخذوا يصدقون هذا الكذب ويرون فيه حقيقةً ثابتةً تُحتِّمُ عليهم أن يبدوا أراءهم في كل قضيةٍ ويحشروا أنفسهم في كل فن.!

وبعد إدراك هذه الحقيقة من قبل العديد من أهل الفكر والثقافة لم يعودوا يحفلوا كثيرا بما يصدره ذلك الإعلام الضائع فأخذوا يترفعون عن حياضه التافهة ويمقتون ردهاته السمجة والسخيفة في نفس الوقت , ولذلك لا نرى أولئك الرجال العظام على صفحاته بشكل دائم أو بصورة مستمرة نظرا لهذه الحقيقة المرَّة.

أما الصنف الآخر ـ المشار إليه سابقا ـ فلا تكاد تخلو منهم صفحات الجرائد اليومية خضراءها وصفراءها لسببٍ أو لغير سبب لداعٍ أو لغير داعٍ..!

وعلى كل حال فلا يهم هذا الأمر كثيرا بقدر ما يهم تطاول أولئك الرعاع وإقدامهم أحيانا على أمور عميقة ذات حقائق راسخة تمس وجدان الفرد المسلم وتثير حفيظة عندما تناقش من قبلهم نقاشا سخيفا سمجاً لا يقوم على فهم أو إطلاع أو دراية.

ومن ذلك ما طالعتنا به صحيفة المدينة يوم الجمعة الموافق 3/2/1427هـ في ملحق الرسالة عندما ألقت تساؤلاً هاماً على أكادمييْن اثنين من المهتمين بالأدب الإسلامي وهما: د/ أحمد البهكلي و أ.د عمر بن قينه الجزائري , فجاءت إجابتهما قوية مركزة تدور حول القضايا التي طالما تحدث عنها وكتب فيها مهتمون إسلاميون في أكثر من مناسبة أو محفل.

وفي بداية الحوار سُئل الدكتور أحمد البهكلي عن سبب غياب القصة الإسلامية المبدعة؟ وليست القصة بمفهومها السطحي التي في الغالب تميل إلى الوعظ ولإرشاد وأشبه ما تكون بخطب المنابر!

فأجاب الدكتور قائلاً : " أشعر أن هناك مبالغة متعمَّدة ضد الأدب الإسلامي فحينما تُنكر جهود وإسهامات شعراء من أمثال محمد إقبال وعمرو بهاء الدين الأميري وهاشم الرفاعي وعصام الغزاوي وحسن الأمرائي وغيرهم ... وكذلك إنكار جهود وإسهامات روائيين وقاصِّين أمثال الدكتور نجيب الكيلاني وغيره فإن ذلك يدخل في المغالطة الصريحة من أنه لا توجد قصة إسلامية ولا قاصِّين إسلاميين خدموا الإسلام من خلال نتاجهم الأدبي فإن ذلك لا يعدو أحد شيئين الأول الجهل بمثل هذه النِّتاجات وعدم الإطلاع عليها والثاني تعمُّد إنكار جهود هؤلاء المبدعين الذين اثبتوا أنهم مبدعون في ميدان الأدب ... القصة ... الرواية الإسلامية ".وأضاف الدكتور أيضاً ما مضمونه : قد تلحظ ما يثار من أنه لا يوجد قاصُّون أو روائيون أو مسرحيون إسلاميون خدموا الإسلام من خلال أدبهم ؟!!وهذه مغالطة فهناك العديد والعديد من أولئك الرجال العظام والمبدعين الكبار الذين خدموا الأدب الإسلامي في كل جوانبه من أمثال نجيب الكيلاني في الرواية حيثُ أمدَّ الساحة الروائية بأكثر من أربعين رواية , وكذلك أحمد باكثير في جانب المسرحية حيث ألف أكثر من ثلاثين مسرحية وغيرهم كثير , ولكن هذا الأمر وهذا الاتهام سببُهُ قضيةُ العدالةِ النقديةِ والتجرؤ في إصدار الأحكام جزافاً بغير علم...

أما المداخلة الثانية فكانت لأستاذنا الكبير الدكتور عمر بن قينه الجزائري حيث أجاب عن التساؤل السابق بقوله : " غياب القصة الإسلامية بمفهومها الفكري الناضج وروحها العقدية الحيَّة يعود إلي غياب المبدع القصصي نفسه بهذين البعدين " فكريا وعقديا " إلى جانب غياب الأداة الفنية ... حضور القصة الإسلامية كنوع أدبي كامل الأدوات الفنية بهذين المضمونين يتطلب قلما قويا نابضا بالحياة تشرب صاحبه بعمق حتى التضلع ظلالَ الرسالةِ الإسلامية ودورها في الحياة لإشاعة الفضيلة وروح حب العمل والتكافل والتعاون ... وأضاف : غياب الأقلام القصصية الفنية الإسلامية ليس لغياب كتاب مبدعين إسلاميين بقدر ما هو غياب الرؤية الإسلامية المكينة والفاعلة لديهم وقصور أداة المعالجة في نسيج أدبي هادئ ناضج ".



ولكن ما لفتَ الانتباه هو مداخلة لعبده خال ذُيِّلَ بها ذلك التقرير حيث ورد في حديثه مجموعة من الأخطاء والمغالطات التي أنبأت عن جهل في القول وإدعاء للثقافة والإطلاع حيث قال : " ماذا نقصد بقصة إسلامية؟ يبدو أن هذا السؤال ينسل من تحت رداء مصطلح الأدب الإسلامي ... وأضاف أن القصة هي القصة بمعنى أنها منتج يعتمد على المرسل بتوجهاته وأفكاره ومخزونه الثقافي وليس مقتصرا على كونه مسلم أو غير مسلم وليُسْقِط الأدب الإسلامي ما تمَّ كتابته من قبل المسيحيين الذين أنعشوا اللغة العربية من خلال المهجر إلى قوله : " أعطني واحدا ممن يصرخ ليل نهار بمصطلح الأدب الإسلامي قدم فنا راقيا يتغنى فيه كما فعل هؤلاء ـ يقصد المسيحيين ـ!

ثم أضاف : " فالذي يتحكم في المرء مخزونه الثقافي ومناداتنا بمصطلح الأدب الإسلامي أو القصة الإسلامية هذا يعني أننا نُدخل أناساً في الإسلام ونخرج آخرين فحين نخرج أدباء من مثل غازي القصيبي ونجيب محفوظ من مسمى أدباء مسلمين هو حكم مبطَّن على أنهما خارج دائرة الإسلام..!

ثم يقول : " عندما نقول قصة إسلامية فلا بد أن يكون الواقع كما هو وليتحرك المرسل وفق يقينيَّة من مسلمات العقدية وأتصور أن التقاط المشاهد القصصية زوايا مختلفة يمكِّن القصة أن تحيا كفن وليست كخطبة لأن للفن شروطه وأدواته..."



تساءل عبده خال أولا عن المقصود بقصة إسلامية ثم أردف أنها تنسل من تحت رداء الأدب الإسـلامي وهذا المفهوم صحيح ؛ لأن القصة الإسلامية هي نوع من أنواع الأدب الإسلامي , ولكن المهم هو ما أشار إليه بعد ذلك حيث وصف الأدب الإسلامي بأنه مصطلح يحاول البعض تأسيسه على أنه يُعنى بالقضايا الإسلامية , ولكنه غير محدد الأبعاد!

وهذه مغالطة كبيرة جدا إذا ما نظرنا إلى الجهود الكبيرة التي أفناها منظروا هذا الأدب في تعريفه وتوضيح أبعاده و حدوده , وأبسط تعريف لهذا المصطلح هو " الفن الجميل من منطلق إسلامي " وحتى وإن تعددت التعريفات طولا وقصرا فإنها تصب في بحر واحد , والحقيقة أن هذا الرأي يندرج تحت مظلة التجرؤ في النقد الذي يقوم على إصدار الأحكام جُزافا إما للجهل به أو لمجرد استبطان رأيٍّ آخر أو تيارٍ مختلف وهذه ولا شك عدم علميَّة في النقد الصحيح والمنصف.



ثانيا:أكد عبده خال على أن القصة هي القصة حيث تقوم على أنها منتج يعتمد على المرسل بتوجهاته وأفكاره ومخزونه الثقافي وليس مقتصرا على كون المرسل مسلما أو غير مسلم.

وهذا الأمر صحيح ولا غبار عليه , ولكن من قال أن الأدب الإسلامي يخالف هذا أو يرفضه؟ إن الأديب والروائي والقاص على وجه الخصوص في الأدب الإسلامي لا يمكن أن ينتج شيئا دون أن يكون لديه هذا المخزون الثقافي والمعرفي , ولكنَّه يتميز عن الآخرين في كون هذا المخزون ممتزجا بالروح الإسلامية الرائعة والراقية في نفس الوقت تلك الروح التي تراعي فطرة النفوس وتحترم ذوقها وتقدر مشاعرها حق التقدير فيجد فيها القارئ المسلم وغير المتعة والأُنس إلى جانب الفائدة المعرفية وكل هذا يجده القارئ دائما في قالب فنِّي جميل يراعي ذوقه الإسلامي العام.



ثالثا :إن الأدب الإسلامي لا يُسقط كلَّ الأعمال التي صدرت من غير المسلمين لذلك فهو يحترمها ويتعامل معها ويقدر ما فيها من إبداع وحسن وجمال ويستفيد منها أيضاً , أما إذا كانت هذه الأعمال غنائية ساقطة أو شهوانية ما جنة لا جمال فيها ولا إبداع فلا حاجة له بها وهذا ما يفرضه الذوق الفطري السليم.



رابعا :إن الذين ينادون بالأدب الإسلامي ليل نهار فِعلاً لم يقدموا فنّاً راقياً من وجهة نظر عبده خال والسببُ في ذلك أنَّهُ لم يقرأ ولم يطلع على نِتاجهم الأدبي أو حتَّى على شيءٍ منه ولعل المتسبب في ذلك هو التعتيم المفروض حول هذا النَّتاج من الإعلام الذي نراه و أمثاله فيه ليل نهار ولعل جهله هذا قد جاء الآن مايبرِّرُهُ ولكنَّ الأمرَ الذي لا مبرِّرَ لهُ هو تقولُهُ عليه بغير علم.



خامسا :إن الأدباء الإسلاميين يؤمنون بأن الذي يتحكم في المرء هو مخزونه الثقافي والمعرفي ولكنهم يؤمنون بأن غاية الجمال فيه هي امتزاجه بروح وذوق الإسلام , ولا حاجة للأدباء في الحكم على الأشخاص بالكفر أو غيره لأن اهتمامهم ينصب على النص المدروس وما يحتويه ومحاولة الحكم عليه برؤية إسلامية ؛ لأن القلب أحيانا قد يكون فيه إيمان ولكنه لا يكون بالدرجة التي تكبح ظهور الفحش و تمنع جريانه على اللسان.



سادسا:والأدباء الإسلاميون أيضاً كغيرهم يؤمنون بواقعية العمل الأدبي ولكنهم يشترطون التجربة الشعورية الكاملة والناضجة , ولا يقصدون الواقعية المبتذلة الجامدة كما يدعي عبده خال ؛ لأنهم لا يتنازلون عن الناحية الفنية و التجربة الشعورية أبداً.

أما قوله " ليست خطبة " فقد مرّ سابقا أن الأدب الإسلامي لا يتنازل عن الناحية الفنية بأي شكل من الأشكال ؛ لأنها هي روح الأدب وثوبه القشيب الذي يميزه عن غيره من الفنون...




وأخيراً



أختم هذا المقال بهذه الطُرفة التي أحسب أنها جميلة ومعبرة ... يُقال إن سيد قطب ـ رحمه الله ـ كتب عن حسن البنا فقال : إن حسن البنا له من اسمه نصيب فقد بنى و أحسن البناء ... وبعد مرور فترة طويلة كتب أحد الباحثين عن سيد قطب ـ رحمه الله ـ فقال : إن سيد قطب ـ رحمه الله ـ له من اسمه نصيب فإنه سيد من سادات الفكر وقطب من أقطاب الإسلام ... وها هو السيناريو اليوم يتجدد ولكن في اتجاه معاكس أشد ما تكون المعاكسة ومخالف أشد ما تكون المخالفة وهو أنَّ عبده خال له من اسمه نصيب فهو عبدٌ في تبعيته الفكرية غير العاقلة أو مدركة للتيار المتحرر ...وخالٍ من كلِّ مقوماتِ الفهمِ والعلمِ عند حديثِهِ عن مصطلح القصة الإسلاميَّة و الأدب الإسلامي عموماً ... فعند قراءة كلامه تدرك للوهلة الأولى مدى عمق جهله بتاريخ الأدب والنقد الإسلامي وذلك نظراً لأن كلامه هو عبارة عن ترجيع لـغمغمات واعتراضات واهية قد أفــاض منظروا الأدب الإسلامي في نقضها وردها في العديد من المؤلفات والرسائل الأكاديميَّة ... والله من وراء القصد...

المعتمد بن عباد

نائل سيد أحمد
16-03-2006, 09:23 AM
جهد مبارك ، ولكل مجتهد نصيب .