المساعد الشخصي الرقمي

اعرض النسخة الكاملة : "وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً"



سليم
20-04-2006, 07:38 PM
يقول الله تعالى:" وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً" (الاسراء),وقد اجمع المفسرون على انه لا عذاب لمن لم يصله من الله خبراً، ويأتيه من الله بـيِّنة، ويبعث فيهم رسولاً.
وهذه مقتطفات من اقوال بعضهم:
قال الطبرسي:"معناه وما كنا معذبين قوماً بعذاب الاستئصال إلا بعد الإعذار إليهم والإنذار لهم بأبلغ الوجوه وهو إرسال الرسل إليهم مظاهرة في العدل وإن كان يجوز مؤاخذتهم على ما يتعلق بالعقل ومعجلاً فعلى هذا التأويل تكون الآية عامة في العقليات والشرعيات, وقال الأكثرون من المفسرين وهو الأصح أن المراد بالآية أنه لا يعذب سبحانه في الدنيا ولا في الآخرة إلا بعد البعثة فتكون الآية خاصة فيما يتعلق بالسمع من الشرعيات فأما ما كانت الحجة فيه من جهة العقل وهو الإيمان بالله تعالى فإنه يجوز العقاب بتركه وإن لم يبعث الرسول عند من قال إن التكليف العقلي ينفك من التكليف السمعي على أن المحققين منهم يقولون إنه وإن جاز التعذيب عليه قبل بعثة الرسول فإنه سبحانه لا يفعل ذلك مبالغة في الكرم والفضل والإحسان والطول فقد حصل من هذا أنه سبحانه لا يعاقب أحداً حتى ينفذ إليهم الرسل المنبّهين إلى الحق الهادين إلى الرشد استظهاراً في الحجة لأنه إذا اجتمع داعي العقل وداعي السمع تأكد الأمر وزال الريب فيما يلزم العبد. وقد أخبر سبحانه في هذه الآية عن ذلك وهذا لا يدل على أنه لو لم يبعث رسولاً لم يحسن منه أن يعاقب إذا ارتكب القبائح العقلية إلا أن يفرض في بعثة الرسول لطفاً فإن عند ذلك لا يحسن منه سبحانه أن يعاقب أحداً إلا بعد أن يوجه إليه مما هو لطف له فيزاح بذلك علته.
وقال الزمخشري: وَمَا كُنَّا مُعَذّبِينَ } وما صحّ منا صحة تدعو إليها الحكمة أن نعذب قوماً إلا بعد أن { نَبْعَثَ } إليهم { رَسُولاً } فتلزمهم الحجة. فإن قلت: الحجة لازمة لهم قبل بعثة الرسل، لأنّ معهم أدلة العقل التي بها يعرف الله، وقد أغفلوا النظر وهم متمكنون منه، واستيجابهم العذاب لإغفالهم النظر فيما معهم، وكفرهم لذلك، لا لإغفال الشرائع التي لا سبيل إليها إلا بالتوقيف، والعمل بها لا يصح إلا بعد الإيمان. قلت: بعثة الرسل من جملة التنبيه على النظر والإيقاظ من رقدة الغفلة، لئلا يقولوا: كنا غافلين فلو لا بعث إلينا رسولاً ينبهنا على النظر في أدلة العقل.
وقال إبن عاشور: وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولاً }عطف على آية { من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه } الآية.
وهذا استقصاء في الإعذار لأهل الضلال زيادة على نفي مؤاخذتهم بأجرام غيرهم، ولهذا اقتصر على قوله: { وما كنا معذبين } دون أن يقال ولا مثيبين. لأن المقام مقام إعذار وقطع حجة وليس مقام امتنان بالإرشاد.والعذاب هنا عذاب الدنيا بقرينة السياق وقرينة عطف{ وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها }[الإسراء: 16] الآية. ودلت على ذلك آيات كثيرة، قال الله تعالى:{ وما أهلكنا من قرية إلا لها منذرون ذكرى وما كنا ظالمين }[الشعراء: 209] وقال:{ فإذا جاء رسولهم قضي بينهم بالقسط وهم لا يظلمون }[يونس: 47].
على أن معنى (حتى) يؤذن بأن بعثة الرسول متصلة بالعذاب شأن الغاية، وهذا اتصال عرفي بحسب ما تقتضيه البعثة من مدةٍ للتبليغ والاستمرار على تكذيبهم الرسول والإمهال للمكذبين، ولذلك يظهر أن يكون العذاب هنا عذاب الدنيا وكما يقتضيه الانتقال إلى الآية بعدها.
على أننا إذا اعتبرنا التوسع في الغاية صح حمل التعذيب على ما يعم عذاب الدنيا والآخرة.
ووقوع فعل { معذبين } في سياق النفي يفيد العموم، فبعثة الرسل لتفصيل ما يريده الله من الأمة من الأعمال.
ودلت الآية على أن الله لا يؤاخذ الناس إلا بعد أن يرشدهم رحمة منه لهم. وهي دليل بين على انتفاء مؤاخذة أحد ما لم تبلغه دعوة رسول من الله إلى قوم، فهي حجة للأشعري ناهضة على الماتريدي والمعتزلة الذين اتفقوا على إيصال العقل إلى معرفة وجود الله، وهو ما صرح به صدر الشريعة في التوضيح في المقدمات الأربع. فوجود الله وتوحيده عندهم واجبان بالعقل فلا عذر لمن أشرك بالله وعطل ولا عذر له بعد بعثة رسول.
وتأويل المعتزلة أن يراد بالرسول العقل تطوُّحٌ عن استعمال اللغة وإغماض عن كونه مفعولاً لفعل { نبعث } إذ لا يقال بعث عقلاً بمعنى جعل.
هذه اقوال بعض المفسرين,والسؤال الذي يطرح نفسه الان:هل كفارهذا الزمان ممن تنطبق عليهم هذه الآية ,أي أن الله ليس بمعذبهم لعدم إيصال الاسلام اليهم على نمط يلفت النظر,خاصة بعد ان هدمت الخلافة وتغيّب تطبيق الاحكام الشرعية من قِبل الدولة.

جمال حسني الشرباتي
20-04-2006, 10:37 PM
الأخ الكريم سليم

أنا لا أنصح بعرض أقوال الطبرسي الشيعي أو الزمخشري المعتزلي في بعض الآيات العقدية لما للفريقين من توجه عقدي مخالف لما عليه أهل السنة وممّا قد يخفى على القاريء العادي

لؤي الطيبي
21-04-2006, 03:11 AM
أنا لا أنصح بعرض أقوال الطبرسي الشيعي أو الزمخشري المعتزلي في بعض الآيات العقدية
رأي سديد .. بل وأقول في جميع مسائل العقيدة ..

ثم إليك أخي الحبيب سليم جواباً شافياً كافياً لكل ما يتعلق بالمسائل المطروحة حول هذه المسألة من كتاب (دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب) للشيخ العلامة محمد الأمين الشنقيطى رحمه الله .

يقول الشيخ رحمه الله : " قوله تعالى : ( وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً ) . هذه الآية الكريمة فيها التصريح بأن الله تعالى لا يعذب أحداً حتى ينذره على ألسنة رسله عليهم الصلاة والسلام ، ونظيرها قوله تعالى : ( رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ ) ، وقوله تعالى : ( ذَلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ ) ، إلى غير ذلك من الآيات ،

ويؤيده تصريحه تعالى بأن كل أفواج أهل النار جاءتهم الرسل في دار الدنيا في قوله تعالى : ( كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا ) الآية . ومعلوم أنّ (كلما) صيغة عموم ، ونظيرها قوله تعالى : ( وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَراً ) إلى قوله تعالى : ( قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ ) فقوله : ( وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا ) يعمّ كلّ كافر ، لما تقرر في الأصول من أن الموصولات من صيغ العموم ، لعمومها كلّما تشمله صلاتها كما أشار له في مراقي السعود بقوله :
وقد تلا الذي التي الفروع *** صيغة كل أو لجميع

ومعنى قوله : (وقد تلا الذي الخ..) : أن (الذي) ، و(التي) وفروعها صيغ عموم ككل وجميع ، ونظيره أيضا قوله تعالى : ( وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا ) إلى قوله : ( وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ ) فإنه عام أيضاً ؛ لأن أول الكلام ( وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ ) وأمثال هذا كثيرة في القرآن .

مع أنه جاء في بعض الآيات ما يفهم منه أن أهل الفترة في النار ، كقوله تعالى :( مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ ) ، فإن عمومها يدل على دخول من لم يدرك النبي صلى الله عليه وسلم، وكذلك عموم قوله تعالى :( وَلا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً ) ، وقوله تعالى : ( إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ) . وقوله :( إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلءُ الأَرْضِ ذَهَباً ) الآية ، إلى غير ذلك من الآيات .

اعلم أولا : أن من يأته نذير في دار الدنيا وكان كافرا حتى مات اختلف العلماء فيه هل هو من أهل النار لكفره أو هو معذور لأنه لم يأته نذير ؟ كما أشار له في مراقي السعود بقوله : ذو فترة بالفرع لا يراع *** وفي الأصول بينهم نزاع .

وسنذكر إن شاء الله جواب أهل كل واحد من القولين ، ونذكر ما يقتضي الدليل رجحانه ، فنقول : - وبالله نستعين - قد قال قوم : إن الكافر في النار ولو مات في زمن الفترة وممن جزم بهذا القول النووي في شرح مسلم ؛ لدلالة الأحاديث على تعذيب بعض أهل الفترة ، وحكى القرافي في (شرح التنقيح) الإجماع على أن موتى أهل الجاهلية في النار لكفرهم كما حكاه عنه صاحب (نشر البنود) وأجاب أهل هذا القول عن آية : ( وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ ) وأمثالها من ثلاثة أوجه :

الأول : إن التعذيب المنفي في قوله :( وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ ) وأمثالها هو التعذيب الدنيوي فلا ينافي ثبوت التعذيب في الآخرة ، وذكر الشوكاني في تفسيره أن اختصاص هذا التعذيب المنفي بالدنيا دون الآخرة ذهب إليه الجمهور ، واستظهر هو خلافه ، ورد التخصيص بعذاب الدنيا بأنه خلاف الظاهر من الآيات ، وبأن الآيات المتقدمة الدالة على اعتراف أهل النار جميعا بأن الرسل أنذروهم في دار الدنيا صريح في نفيه .

الثاني : أن محل العذر بالفترة المنصوص في قوله : ( وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ ) الآية وأمثالها في غير الواضح الذي لا يلتبس على عاقل ، أما الواضح الذي لا يخفى على من عنده عقل كعبادة الأوثان فلا يعذر فيه أحد ؛ لأن جميع الكفار يقرّون بأن الله هو ربهم وهو خالقهم ورازقهم ، ويتحققون أن الأوثان لا تقدر على جلب نفع ولا على دفع ضر ، لكنهم غالطوا أنفسهم فزعموا أنها تقربهم إلى الله زلفى ، وأنها شفعاؤهم عند الله مع أن العقل يقطع بنفي ذلك .

الثالث : أن عندهم بقية إنذار مما جاءت به الرسل الذين أرسلوا قبله - صلى الله عليه وسلم - تقوم عليهم بها الحجة ، ومال إليه بعض الميل ابن قاسم في (الآيات البينات) وقد قدمنا في سورة آل عمران أن هذا القول يرده القرآن في آيات كثيرة مصرحة بنفي أصل النذير عنهم كقوله : ( لِتُنْذِرَ قَوْماً مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ ) وقوله : ( أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْماً مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ ) ، وقوله : ( وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا وَلَكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْماً مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِك ) وقوله : ( وَمَا آتَيْنَاهُمْ مِنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَهَا وَمَا أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ ) ، إلي غير ذلك من الآيات .

وأجاب القائلون بأن أهل الفترة معذورون عن مثل قوله ( مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ ) - إلى قوله – ( مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ ) من الآيات المتقدمة ، بأنهم لا يتبين أنهم من أصحاب الجحيم ولا يحكم لهم بالنار ، ولو ماتوا كفارا إلا بعد إنذارهم وامتناعهم من الإيمان كأبي طالب ، وحملوا الآيات المذكورة على هذا المعنى .

واعترض هذا الجواب بما ثبت في الصحيح من دخول بعض أهل الفترة النار كحديث "إن أبي وأباك في النار" الثابت في صحيح مسلم وأمثاله من الأحاديث ، واعترض هذا الاعتراض بأن الأحاديث - وإن صحت - فهي أخبار آحاد يقدم عليها القاطع كقوله :( وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً ) ، واعترض هذا الاعتراض أيضا بأنه لا يتعارض عام وخاص فما أخرجه حديث صحيح خرج من العموم وما لم يخرجه نص صحيح بقي داخلا في العموم ، واعترض هذا الاعتراض أيضاً بأن هذا التخصيص يبطل علة العام ؛ لأن الله تعالى تمدح بكمال الإنصاف .

وصرح بأنه لا يعذب حتى يقطع حجة المعذب بإنذار الرسل في دار الدنيا ، وبيّن أن ذلك الإنصاف التام علة لعدم التعذيب ، فلو عذب إنسانا واحدا من غير إنذار لاختلت تلك الحكمة ولثبتت لذلك المعذب الحجة التي بعث الله الرسل لقطعها كما صرح به في قوله : ( رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ ) وهذه الحجة بيّنها في سورة طه بقوله : ( وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ ) الآية ، وأشار لها في سورة القصص بقوله : ( وَلَوْلا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ ) إلى قوله : ( وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ) ، وهذا الاعتراض الأخير يجري على الخلاف في النقض هل هو قادح في العلة أو تخصيص لها ؟ وهو اختلاف كثير معروف في الأصول عقده في مراقي السعود بقوله : - في تعداد القوادح في الدليل - :

منها وجود الوصف دون الحكم *** سماه بالنقض وعاة العلم
والأكثرون عندهم لا يقدح *** بل هو تخصيص وذا مصحح
وقد روى عن مالك تخصيص *** إن يك الاستنباط لا التنصيص
وعكس هذا قد رآه البعض *** ومنتقى ذي الاختصار النقض
إن لم تكن منصوصة بظاهر *** وليس فيما استنبطت بضائر
إن جاء لفقد الشرط أو لما منع *** والوفق في مثل العرايا قد وقع

والمحققون من أهل الأصول على أن عدم تأثير العلة إن كان لوجود مانع من التأثير أو انتفاء شرط التأثير فوجودها مع تخلف الحكم لا ينقضها ولا يقدح فيها وخروج بعض أفراد الحكم حينئذ تخصيص للعلة لا تقض لها كالقتل عمدا عدوانا فانه علة القصاص إجماعا ولا يقدح في هذه العلة تخلف الحكم عنها في قتل الوالد لولده لأن تأثيرها منع منه مانع هو الأبوة وأما إن كان عدم تأثيرها لا لوجود مانع أو انتفاء بشرط فانه يكون نقضا لها وقدحا فيها .

ولكن يرد على هذا التحقيق ما ذكره بعض العلماء من أن قوله تعالى : ( ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّه ) علة منصوصة لقوله : ( وَلَوْلا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلاءَ لَعَذَّبَهُم ) الآية ، مع أن هذه العلة قد توجد ولا يوجد ما عذب به بنو النضير من جلاء أو تعذيب دنيوي وهو يؤيد كون النقض تخصيصا مطلقا لا قدحاً . ويجاب عن هذا بأن بعض المحققين من الأصوليين قال : إن التحقيق المذكور محله في العلة المستنبطة دون المنصوصة وهذه منصوصة كما قدمنا ذلك في أبيات مراقي السعود في قوله :
وليس فيما استنبطت بضائر *** إن جاء لفقد الشرط أو لما منع

هذا ملخص كلام العلماء وحججهم في المسألة ، والذي يظهر رجحانه بالدليل هو الجمع بين الأدلة ؛ لأن الجمع واجب إذا أمكن بلا خلاف كما أشار له في المراقي بقوله : والجمع واجب متى ما أمكنا ..الخ ..

ووجه الجمع بين هذه الأدلة هو عذرهم بالفترة وامتحانهم يوم القيامة بالأمر باقتحام نار فمن اقتحمها دخل الجنة وهو الذي كان يصدق الرسل لو جاءته في الدنيا ومن امتنع عذب بالنار وهو الذي كان يكذب الرسل لو جاءته في الدنيا لان الله يعلم ما كانوا عاملين لو جاءتهم الرسل وبهذا الجمع تتفق الأدلة فيكون أهل الفترة معذورين ، وقوم منهم من أهل النار بعد الامتحان ، وقوم منهم من أهل الجنة بعده أيضا ، ويحمل كل واحد من القولين على بعض منهم علم الله مصيرهم ، وأعلم به نبيه صلى الله عليه وسلم، فيزول التعارض .

والدليل على هذا الجمع ورود الأخبار به عنه صلى الله عليه وسلم . قال ابن كثير في تفسير قوله تعالى : ( وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً ) بعد أن ساق طرق الأحاديث الدالة على عذرهم وامتحانهم يوم القيامة رادّا على ابن عبد البر تضعيف أحاديث عذرهم وامتحانهم ما نصه : "والجواب عما قال ، إن أحاديث هذا الباب منها ما هو صحيح كما قد نص على ذلك كثير من أئمة العلماء ، ومنها ما هو حسن ، ومنها ما هو ضعيف يتقوى بالصحيح والحسن ، وإذا كانت أحاديث الباب الواحد متصلة متعاضدة على هذا النمط أفادت الحجة عند الناظر فيها" انتهى محل الغرض منه بلفظه .

ثم قال : "إن هذا قال به جماعة من محققي العلماء والحفاظ والنقاد وما احتج به البعض لرد هذه الأحاديث من أن الآخرة دار جزاء لا دار عمل وابتلاء فهو مردود من وجهين : الأول أن ذلك لا ترد به النصوص الصحيحة عنه صلى الله عليه وسلم ولو سلمنا عموم ما قال من أن الآخرة ليست دار عمل لكانت الأحاديث المذكورة مخصصة لذلك العموم . الثاني : أنا لا نسلم انتفاء الامتحان في عر صات المحشر بل نقول دل القاطع عليه ؛ لأن الله تعالى صرّح في سورة القلم بأنهم يُدعون إلى السجود في قوله جل وعلا : ( يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ ) الآية .

ومعلوم أن أمرهم بالسجود تكليف في عرصات المحشر ، وثبت في الصحيح أن المؤمنين يسجدون يوم القيامة وأن المنافق لا يستطيع ذلك ويعود ظهره كالصفيحة الواحدة طبقاً واحدا ًكلما أراد السجود خرّ لقفاه ، وفي الصحيحين في الرجل الذي يكون آخر أهل النار خروجا منها أن الله يأخذ عهوده ومواثيقه أن لا يسأل غير ما هو فيه ، ويتكرر ذلك مرارا ، ويقول الله تعالى يا ابن آدم ما أغدرك ثم يأذن له في دخول الجنة ، ومعلوم أن تلك العهود والمواثيق تكليف في عرصات المحشر والعلم عند الله تعالى ". أ . هـ .

والله أعلم

جمال حسني الشرباتي
21-04-2006, 06:49 AM
الأستاذ لؤي

لا أدري ما سرّ تمسكك بكلام الشيخ الشنقيطي مع أنّ الجمهور على خلافه وأنّ العذاب هو العذاب في الدنيا في الآية محل الخلاف

(( وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً ) .

ولو نظرت نظرة متأنيّة إلى سياق ما قبلها وما بعدها لعلمت أنّ الكلام كله عن العذاب الدنيوي

(مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً# وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا القَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً # وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ القُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيراً بَصِيراً)

فلا بد من وجود تناسب بين قوله "وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً"

وقوله مباشرة بعدها (وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا القَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً )
والتي بعدها (وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ القُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيراً بَصِيراً)

لؤي الطيبي
22-04-2006, 05:24 AM
الأخ العزيز جمال - حفظه الله ..
إن تخصيص العذاب المنفيّ في قوله تعالى ( وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ ) بعذاب الدنيا ، يردّه ما جاء في سياق الآيات المتقدّمة عليه .
قال تعالى : ( إِنَّ هَـذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا * وأَنَّ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا ... وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَآئِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا * اقْرَأْ كَتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا * مَّنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدي لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً ) [الإسراء: 9-15] .
وإذا ذهب جمهور العلماء إلى القول بأن التعذيب المنفيّ هنا دنيوي لما دلّت عليه الآيات اللاحقة ، فهذا لا ينافي ثبوت التعذيب في الآخرة لما دلّت عليه الآيات المتقدّمة ..
والأولى الجمع بين العذابين ، كما بيّنه الشيخ الشنقيطي رحمه الله ، وغيره من العلماء ..
والله أعلم ..

جمال حسني الشرباتي
22-04-2006, 07:38 AM
[b]الأخ العزيز لؤي

الآية لا تحتاج إلى هذا الجمع الذي قال به الشنقيطي---

# هو يقرّ بأنّ الآية تعني عذاب الدنيا---

# هو بحث بأدلة أخرى تتناول امتحان أهل الفترة في الآخرة وهذا موضوع آخر

فالأمر ليس جمعا بين نصوص لأن الموضوعين مختلفان---موضوع أنّ الله لا يعذب في الدنيا القوم قبل أن يرسل لهم رسولا---وموضوع ما مصير أهل الفترة يوم القيامة

B]

لؤي الطيبي
22-04-2006, 08:30 AM
الأخ جمال ..
أعتذر إليك لأني لم أنقل نصّ الشيخ رحمه الله في تفسير هذه الآية .. ويمكنك الرجوع إليه ، والتأكّد من استدلاله في أضواء البيان .. وإني أقتبس إليك ما قاله بالحرف الواحد في بداية تفسيرها :
"قوله تعالى : ( وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً ) ظاهر هذه الآية الكريمة : أن الله جلّ وعلا لا يعذب أحداً من خلقه لا في الدنيا ولا في الآخرة ، حتى يبعث إليه رسولاً ينذره ويحذره ، فيعصي ذلك الرسول ، ويستمرّ على الكفر والمعصية بعد الإنذار والإعذار ....." .
(أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن ، ج3 ، ص 65) .
وكما ترى ، فلا علاقة لهذا الذي بيّنه هنا بعذاب الفترة الذي ذكره في كتابه (دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب) !
ثم إن الآيات التي تقدّمت هذه الآية لتدلّ بوضوح على أن المقصود هنا العذاب الأخروي !
والله أعلم ..

جمال حسني الشرباتي
22-04-2006, 03:10 PM
الأخ جمال ..

ثم إن الآيات التي تقدّمت هذه الآية لتدلّ بوضوح على أن المقصود هنا العذاب الأخروي !
والله أعلم ..


لا أظن ذلك---لأن الآيات التي تلتها تدل بوضوح أكثر على أنّ المقصود التعذيب الأخروي---

أبو جمال
28-04-2006, 03:30 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

بارك الله في عمالقة الفصيح
وجل من لا يسهو لا إله إلا هو ، فإن الإنسان مهما اتسعت مداركه ، يبقى النسيان آفته ، والغفلة جرثومته .
فتركيزه على أمر قد ينسيه أمرا آخر .

وفي قوله عز وجل ، " وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا " لا بد من النظر في هذه الصيغة وفي السياق الذي حولها حتى نتبين معناها بدقة .

أما الصيغة نفسها فقد جاءت مطلقة ، فقد قال تعالى ، وما كنا معذبين ، ولم يقيد هذا العذاب بأي قيد ، فلم يقل أخرويا ولا دنيويا ولم يقل بالريح ولا بالنار ولا بالصيحة ، وإنما قال فقط معذبين .

وأما السياق الذي حولها فإنها آيات منها ما تحدث عن عذاب في الدنيا ومنها ما تحدث عن عذاب في الآخرة ، وليس في هذه الآيات كلها ما يقيد العذاب الوارد في هذه الآية بالذات ، وإلا فاتوا به إن كان كذلك .

وأقوال علمائنا جميعا على العين والرأس ، وجزاهم الله وإياكم عنا خير الجزاء

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

سليم
28-04-2006, 08:37 PM
أخواني في الله لقد حسم هذا الامر إبن عاشور حيث قال:"والعذاب هنا عذاب الدنيا بقرينة السياق وقرينة عطف{ وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها }[الإسراء: 16] الآية. ودلت على ذلك آيات كثيرة، قال الله تعالى:{ وما أهلكنا من قرية إلا لها منذرون ذكرى وما كنا ظالمين }[الشعراء: 209] وقال:{ فإذا جاء رسولهم قضي بينهم بالقسط وهم لا يظلمون }[يونس: 47].
على أن معنى (حتى) يؤذن بأن بعثة الرسول متصلة بالعذاب شأن الغاية، وهذا اتصال عرفي بحسب ما تقتضيه البعثة من مدةٍ للتبليغ والاستمرار على تكذيبهم الرسول والإمهال للمكذبين، ولذلك يظهر أن يكون العذاب هنا عذاب الدنيا وكما يقتضيه الانتقال إلى الآية بعدها.على أننا إذا اعتبرنا التوسع في الغاية صح حمل التعذيب على ما يعم عذاب الدنيا والآخرة".

أبو جمال
29-04-2006, 10:05 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
أخي الكريم سليم
بارك الله فيك
لدي سؤال ؟؟؟
هل معذبين هنا ، تعني معذبين حسابا على كفرهم بالرسول أم تعني معذبين بسبب إرسال الرسول ؟

" وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين "

وجزاك الله خيرا

سليم
30-04-2006, 01:01 AM
السلام عليكم
ألاخ الفاضل ابا جمال,حفظك واباك اللهُ ,كما تعلم ان الله سبحانه وتعالى كان ينزل عذابه على كل قوم رسول بعثه _قبل سيدنا محمد علي الصلاة والسلام_
إذا كذبه قومه بالخسف والمسخ والغرق والصيحة وأنه تعالى أخر عذاب من كذب رسولنا إلى الموت أو إلى القيامة قال تعالى:" وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُعَذّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ ",واما الاية التي سطرتها: "وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ "فمعنى كون الشريعة المحمدية منحصرة في الرحمة أنها أوسع الشرائع رحمة بالناس فإن الشرائع السالفة وإن كانت مملوءة برحمة إلا أن الرحمة فيها غير عامة إمّا لأنها لا تتعلق بجميع أحوال المكلفين، فالحنيفية شريعة إبراهيم - عليه السلام - كانت رحمة خاصة بحالة الشخص في نفسه وليس فيها تشريع عام، وشريعة عيسى - عليه السلام - قريبة منها في ذلك؛ وإما لأنها قد تشتمل في غير القليل من أحكامها على شدّة اقتضتها حكمة الله في سياسة الأمم المشروعة هي لها مثل شريعة التوراة فإنها أوسع الشرائع السالفة لتعلقها بأكثر أحوال الأفراد والجماعات، وأما رحمة الإسلام بالأمم غير المسلمين فإنما نعني به رحمته بالأمم الداخلة تحت سلطانه وهم أهل الذمة. ورحمته بهم عدمُ إكراههم على مفارقة أديانهم، وإجراءُ العدل بينهم في الأحكام بحيث لهم ما للمسلمين وعليهم ما عليهم في الحقوق العامة.