المساعد الشخصي الرقمي

اعرض النسخة الكاملة : نظرات في ردود ابن مالك على جمهور النحويين (1) لام الابتداء



د.بهاء الدين عبد الرحمن
09-05-2006, 11:25 PM
:::

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين أما بعد فهذه تعليقات كتبتها منذ سنوات على ردود ابن مالك على شرح التسهيل، أدعو الله أن يعينني على إتمامها وأن ينفع بها الباحثين في علم النحو.

قال ابن مالك في شرح التسهيل:1/22:
(وأما لام الابتداء فمخلصة للحال عند أكثرهم، وليس كما ظنو بل جائز أن يراد الاستقبال بالمقرون بها كقوله تعالى( وإن ربك ليحكم بينهم يوم القيامة) [النحل:124] و(إني ليحزنني أن تذهبوا به)[يوسف:13] فـ(يحزن) مقرون بلام الابتداء وهو مستقبل، لأن فاعله الذهاب، وهو عند نطق يعقوب عليه السلام بـ(يحزن) غير موجود فلو أريد بـ(يحزن) الحال لزم سبق معنى الفعل لمعنى الفاعل وهو محال.) انتهى كلامه رحمه الله.

قلت: لأكثرهم أن يقولوا : اللام مخلصة للحال في الآيتين، أما الأولى فللدلالة على استحضار المستقبل وكأنه واقع في الحال، ويكون هذا نظيرا لاستحضار الماضي وكأنه واقع في الحال أو ما يسمى بحكاية الحال الماضية كقوله تعالى(وتحسبهم أيقاظا وهم رقود ونقلبهم ذات اليمين وذات الشمال وكلبهم باسط ذراعيه بالوصيد) [الكهف:18]

وأما الآية الثانية فإن الحزن وقع من يعقوب في الوقت الذي طلب فيه أخوة يوسف أن يذهب يوسف معهم، والسياق يدل على هذا: (قالوا يا أبانا مالك لا تأمنا على يوسف وإنا له لحافظون أرسله معنا غدا يرتع ويلعب وإنا له لحافظون) [يوسف:11،12] فقد أوجس يعقوب من قولهم هذا خيفة وساوره الحزن وعلم أنهم يضمرون أمرا ليوسف فحزن بسبب طلبهم أن يذهب يوسف معهم، وتوقع ما قد يحدث له فكأن التقدير - والله أعلم - إني ليحزنني توقع مكروه بسبب أن تذهبوا بيوسف، فأقيم السبب وهو الذهاب الذي لم يقع بعد مقام المسبب وهو توقع حصول المكروه الذي وقع في حال التكلم، فلا يلزم سبق معنى الفعل لمعنى الفاعل، ومثل هذا أن يخبرك أحدهم بقدوم زيد غدا، فتقول وقد فرحت بالنبأ:إني ليسرني أن يقدم زيد غدا، فتعبر عن سرورك الحاصل بالنبأ، ولا تعني أنك غير مسرور الآن ، ولكن السرور سيتم غدا، وهذا واضح بإذن الله ، وبه يسقط اعتراض ابن مالك على الجمهور.

وإلى الملتقى في حلقة قادمة بإذن الله.

خالد بن حميد
09-05-2006, 11:53 PM
نفعنا الله بعلمك أستاذنا الفاضل . ونرجو ألا يطول ميعاد الحلقة الثانية :) .
دمت بحفظ الله ورعايته

معالي
10-05-2006, 01:09 AM
السلام عليكم

شكر الله لكم، وبارك فيكم وفي علمكم.
أسجّل حضوري مفيدة من علمكم الكبير، وواردة نبعكم الغزير!
نفعنا الله بعطائكم الجليل، وجزاكم عنا خير الجزاء.

السُّهيلي
10-05-2006, 01:47 AM
:::

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين أما بعد فهذه تعليقات كتبتها منذ سنوات على ردود ابن مالك على شرح التسهيل، أدعو الله أن يعينني على إتمامها وأن ينفع بها الباحثين في علم النحو.

قال ابن مالك في شرح التسهيل:1/22:
(وأما لام الابتداء فمخلصة للحال عند أكثرهم، وليس كما ظنو بل جائز أن يراد الاستقبال بالمقرون بها كقوله تعالى( وإن ربك ليحكم بينهم يوم القيامة) [النحل:124] و(إني ليحزنني أن تذهبوا به)[يوسف:13] فـ(يحزن) مقرون بلام الابتداء وهو مستقبل، لأن فاعله الذهاب، وهو عند نطق يعقوب عليه السلام بـ(يحزن) غير موجود فلو أريد بـ(يحزن) الحال لزم سبق معنى الفعل لمعنى الفاعل وهو محال.) انتهى كلامه رحمه الله.

قلت: لأكثرهم أن يقولوا : اللام مخلصة للحال في الآيتين، أما الأولى فللدلالة على استحضار المستقبل وكأنه واقع في الحال، ويكون هذا نظيرا لاستحضار الماضي وكأنه واقع في الحال أو ما يسمى بحكاية الحال الماضية كقوله تعالى(وتحسبهم أيقاظا وهم رقود ونقلبهم ذات اليمين وذات الشمال وكلبهم باسط ذراعيه بالوصيد) [الكهف:18]

وأما الآية الثانية فإن الحزن وقع من يعقوب في الوقت الذي طلب فيه أخوة يوسف أن يذهب يوسف معهم، والسياق يدل على هذا: (قالوا يا أبانا مالك لا تأمنا على يوسف وإنا له لحافظون أرسله معنا غدا يرتع ويلعب وإنا له لحافظون) [يوسف:11،12] فقد أوجس يعقوب من قولهم هذا خيفة وساوره الحزن وعلم أنهم يضمرون أمرا ليوسف فحزن بسبب طلبهم أن يذهب يوسف معهم، وتوقع ما قد يحدث له فكأن التقدير - والله أعلم - إني ليحزنني توقع مكروه بسبب أن تذهبوا بيوسف، فأقيم السبب وهو الذهاب الذي لم يقع بعد مقام المسبب وهو توقع حصول المكروه الذي وقع في حال التكلم، فلا يلزم سبق معنى الفعل لمعنى الفاعل، ومثل هذا أن يخبرك أحدهم بقدوم زيد غدا، فتقول وقد فرحت بالنبأ:إني ليسرني أن يقدم زيد غدا، فتعبر عن سرورك الحاصل بالنبأ، ولا تعني أنك غير مسرور الآن ، ولكن السرور سيتم غدا، وهذا واضح بإذن الله ، وبه يسقط اعتراض ابن مالك على الجمهور.

وإلى الملتقى في حلقة قادمة بإذن الله.
.
أخي الأغر ..
شكر الله سعيك وماتقوم به من جلب للفائدة ..
واسمح لي بإضافة بسيطة :

أما تقدير الآية الأولى فقد ذكره ابن هشام في مغني اللبيب
ولعلك لم تطّلع عليه .. أو أردت فقط أن تضيف إثباتاً بمعنى
آيةِ أصحاب الكهف .. ويوجد دليل أقوى من هذا
لأن آية الكهف فيها استحضار الماضي والمثال المراد إثباته
هو جعل المستقبل حاضراً لليقين بتحققه ..
بينما يوجد هناك آيات فيها استحضارٌ للمستقبل
ومنها قوله تعالى :
" أدخلوا الجنة أنتم وأزواجكم تحبرون "


أما الآية الثانية في سورة يوسف ..
فقد وافقتَ فيها كلام العلماء ولكنهم لم يقدّروها بتوقّع الحزن كما قلت
بل قالوا إن المقصود يحزنني قصدُ أن تذهبوا به ..
وهذا - في رأيي المتواضع - أحسن .. لأنه ليس هناك دليل في الآية أن يعقوب عليه السلام متأكّد من أنه سيحدث أمرٌ لاتحمد عاقبته ..
ولكن هو حزِنَ بمجرد قصدهم الذهاب به لأنه كان يحبه حباً شديداً ..


والله أعلم ..

د.بهاء الدين عبد الرحمن
10-05-2006, 03:45 AM
الأستاذ أبا طارق حفظه الله
أشكرك على تلطفك بالمرور والاستزادة أعان الله على تحقيقها.
الأستاذة معالي وفقها الله
أشكرك على تفضلك بالاطلاع والمتابعة... جزيت خيرا.

الأستاذ السهيلي سهّل الله له الأمور ولقّاه الرضا والسرور

أشكرك على مشاركتك القيمة وأخبرك أني كتبت تعليقي هذا بدون الرجوع إلى المصادر فما كتبته نظرات بعد تأمل في ردود ابن مالك التي في نفسي منها شيء، وقد سررت أن وافق ما ذكرته آراء بعض العلماء.

وقد كان هدفي من إيراد آية الكهف إثبات النظير لا الشبيه، فالمستقبل نظير الماضي بالنسبة للحاضر، فكما جاء استحضار الماضي جاء هنا استحضار المستقبل.
أما التقدير الذي قدرته في آية يوسف فالباعث عليه أن الإنسان لا يحزن إلا بسبب وقوع مكروه أو توقع وقوعه، وقد كان يعقوب عليه السلام يتوقع أن يكيد الأخوة ليوسف لذلك حذره (يا بني لا تقصص رؤياك على إخوتك فيكيدوا لك كيدا) نعم لم يكن يعقوب عليه السلام متأكدا من حصول المكروه ولكن كان يتوقع أن يكون طلبهم هذا كيدا منهم، وهذا التوقع هو الذي جعله يحزن، والله أعلم.
مرة أخرى أشكرك على إفادتك الثمينة.

مع التحية الطيبة.

أبو مالك العوضي
10-05-2006, 11:32 AM
ومثل هذا أن يخبرك أحدهم بقدوم زيد غدا، فتقول وقد فرحت بالنبأ:إني ليسرني أن يقدم زيد غدا، فتعبر عن سرورك الحاصل بالنبأ، ولا تعني أنك غير مسرور الآن ، ولكن السرور سيتم غدا، وهذا واضح بإذن الله ، وبه يسقط اعتراض ابن مالك على الجمهور.


جزاكم الله خيرا

ولي تعقيب يسير

فإن القائل لو قال: (يسرني قدوم زيد غدا) بغير لام الابتداء لكان معنى هذا الكلام عند جماهير النحويين أن السرور حاصل في الاستقبال، وليس في الحال، وهذه الجملة لا تختلف عن الجملة المذكورة باللام في المعنى، وهذا ليس معناه أن السرور ليس حاصلا في الحال، فقد يكون حاصلا، ولكن الكلام عن دلالة هذا اللفظ، وليس عن دلالة ما يؤخذ من قرائن الحال.

فالأستاذ الأغر بنى اعتراضه على كلام ابن مالك على القرائن المستنبطة من النص، وهذا فيه نظر، فإن الكلام عن النص ذاته ودلالته، وأما ما يستفاد من القرائن فقد يكون صوابا في نفس الأمر، ولكنه ليس مأخوذا من دلالة النص.

أرجو أن يكون كلامي واضحا.

فابن مالك يقيس قولك (إنه ليسرني أن يجيء زيد غدا) على قولك (إنه يسرني أن يجيء زيد غدا)، والفرق بينهما لام الابتداء فقط، ولم يختلف المعنى بين الجملتين، وليس حصول السرور الآن بدليل على خطأ كلام ابن مالك، فإن السرور الحاصل الآن إنما استفيد من قرائن الحال وليس من هذه الجملة، والدليل على ذلك أن مقدار السرور عادة يختلف من حال الإخبار لحال المجيء، فلا شك أنه إن كان مسرورا الآن بالإخبار، أنه سيكون أشد سرورا عند وقت المجيء.

وفي قصة يعقوب لما قال (إنه ليحزنني أن تذهبوا به) ذكر الأستاذ الأغر أن كلامهم هو الذي أوقع الحزن في قلب يعقوب فهو حزن في الحال وليس في الاستقبال.
ولقائل أن يقول: إن هذا الحزن الذي ذكرته إنما فهم من قرائن الحال، ولم يفهم من هذا النص (ليحزنني أن تذهبوا به)، بدليل أن حزنه بذهابهم به حاصل ولا شك، وكذلك فهو ربما يكون أكثر من حزنه بمجرد ذكرهم لكلامهم.
ولقائل أن يقول: إنما قصد يعقوب أنه لا يطيق فراق يوسف كما ذكر ذلك في التفسير، فلا يكون ما ذكره الأستاذ الأغر من معنى الآية دليلا، لأنه احتمال وفهم للآية، وليس نصا، وهو معارض بفهم آخر لعله أوضح وأقرب لدلالة النص، فالفاعل لـ(يحزنني) هو المصدر المؤول من (أن تذهبوا) ولا شك أن نسبة الفاعل للفعل أولى من ادعاء محذوف أو مجاز علاقته المآل كما ذكر؛ لأنها هي الظاهر من الكلام فحمل الكلام عليها أولى.

والله تعالى أعلى وأعلم.

د.بهاء الدين عبد الرحمن
11-05-2006, 02:48 AM
فابن مالك يقيس قولك (إنه ليسرني أن يجيء زيد غدا) على قولك (إنه يسرني أن يجيء زيد غدا)، والفرق بينهما لام الابتداء فقط، ولم يختلف المعنى بين الجملتين،

أخي أبا مالك
ثمّ فرق في المعنى بين هاتين الجملتين، فالمضارع المقرون بلام الابتداء يدل على الحاضر نصا، أي أن السرور حاصل في زمن التكلم.
أما المضارع المجرد من لام الابتداء فيحتمل معنيين : الدلالة على الحاضر والدلالة على المستقبل يعني أن السرور بالمجيء قد يكون حاصلا زمن التكلم أو أنه سيقع مع المجيء، بمعنى: إنه سيسرني أن يجيء زيد غدا، فالمضارع المجرد من لام الابتداء ليس فيه نص على الحال أو الاستقبال، فإذا دخلت لام الابتداء عليه خلصته للحال، وإذا دخلت عليه السين أو سوف خلصته للاستقبال، فمناط النظر في رد ابن مالك على الجمهور هو أن المضارع المقرون باللام ليس نصا في الدلالة على الحال .

مع التحية.

أبو مالك العوضي
11-05-2006, 02:15 PM
أخي الكريم (الأغر)

ألا تلاحظ أنك تستدل بعين المسألة المتنازع عليها؟!!

د.بهاء الدين عبد الرحمن
11-05-2006, 02:26 PM
أخي الكريم أبا مالك

تعليقي الأخير كان على قولك :
ولم يختلف المعنى بين الجملتين،
فقد أردت أن أبين لك الفرق بين الجملتين في المعنى بحسب رأي الجمهور، وليس في كلامي استدلال على صحة رأي الجمهور أو على ضعف رأي ابن مالك.

مع التحية.

أبو مالك العوضي
11-05-2006, 04:28 PM
جزاك الله خيرا أخي الفاضل (الأغر)

ولا يخفى عليك أن هذا الكلام معلوم لابن مالك وكذلك هو ما فهمتُه أنا من كلامك، فهو واضح لدي بحمد الله.

فالجمهور يفرقون في المعنى بين الجملتين وابن مالك يخالفهم في ذلك، فالكلام حينئذ في أدلة كل منهم، وليس في بيان الفرق، فالكلام ليس هو (ما الفرق) ولكن (ما الدليل على هذا الفرق)؟

وفقنا الله وإياك يا أخي الحبيب لما يحبه ويرضاه

خالد بن حميد
18-06-2006, 11:57 PM
يرفع لعدم الاستكمال

د.بهاء الدين عبد الرحمن
20-06-2006, 03:44 AM
الأخ أبا مالك حفظه الله

تقول:
فالجمهور يفرقون في المعنى بين الجملتين وابن مالك يخالفهم في ذلك، فالكلام حينئذ في أدلة كل منهم، وليس في بيان الفرق، فالكلام ليس هو (ما الفرق) ولكن (ما الدليل على هذا الفرق)؟

وأقول: ابن مالك استدل بآية يوسف على أن اللام في (ليحزنني) تدل على أن الفعل سيقع في وقت الذهاب أي في المستقبل بناء على أن الذهاب هو فاعل الفعل (ليحزنني) والفاعل في نظر ابن مالك إن كان اسم معنى يجب أن يكون زمنه زمن فعله، فالمعنى عنده: سيحزنني ذهابكم به، وهذا الاستدلال ليس على إطلاقه، فقد يكون الفعل واقعا الآن في الحاضر وفاعله الذي هو اسم معنى واقعا في المستقبل، ذلك أن الحزن كان حاصلا في زمن التكلم بمجرد أن طلب إخوة يوسف من أبيهم أن يسمح لهم بالذهاب بيوسف، لأنه توقع حدوث مكروه ليوسف بسبب الذهاب الذي سيحصل في المستقبل، فاستدلال ابن مالك غير مسلم به، ولا ينهض للرد على الجمهور.
مع التحية الطيبة.

عنقود الزواهر
20-06-2006, 12:52 PM
أخي الفاضل، الأغر: قولك: "ذلك أن الحزن كان حاصلا في زمن التكلم بمجرد أن طلب إخوة يوسف من أبيهم أن يسمح لهم بالذهاب بيوسف، لأنه توقع حدوث مكروه ليوسف بسبب الذهاب الذي سيحصل في المستقبل، فاستدلال ابن مالك غير مسلم به، ولا ينهض للرد على الجمهور". الذي يظهر لي خلاف ما تراه؛ فما ذكره ابن مالك أقوى في الدلالة على دعواه من قول الجمهور؛ لأن فاعل الحزن، هو الذهاب، ولم يتحقق، والحزن، هو أثر الذهاب، لا الطلب، فقولك مبني على تقدير محذوف هو: إنه ليحزنني طلب ذهابكم به، وعدم التقدير أولى عند إمكانه، وهو ممكن في مسألتنا هذه، فالحزن معلول للذهاب، والذهاب علة له، والمعلول لا يمكن أن يسبق العلة الفاعلة له اتفاقا، وهو عرض مفارق، لا يستمر زمانين، وعلى هذا، يمكن أن يقال: إن حزن يوسف على صنفين: حزن طلب، وحزن ذهاب، والأول ما ذكرته أنت، والثاني ما أراده ابن مالك، وهو الفاعل الحقيقي، الذي ينبغي الحمل عليه.
ويلزم على قول الجمهور حذف الفاعل، الذي هو الطلب، وفي الانفصال عن هذا الالزام تكلف، يمكن الاستغناء عنه ابتداء بما ذهب إليه ابن مالك.
ثانيا: ما استدل به ابن مالك في قوله تعالى: " وإن ربك ليحكم بينهم يوم القيامة" دليل قوي لا يمكن الانفصال عنه إلا بتكلف، والتكلف غير مرضي عند الجميع، إذا أمكن الحمل على غير المتكلف به.

د.بهاء الدين عبد الرحمن
20-06-2006, 03:44 PM
فقولك مبني على تقدير محذوف هو: إنه ليحزنني طلب ذهابكم به، وعدم التقدير أولى عند إمكانه، وهو ممكن في مسألتنا هذه، فالحزن معلول للذهاب، والذهاب علة له، والمعلول لا يمكن أن يسبق العلة الفاعلة له اتفاقا، وهو عرض مفارق، لا يستمر زمانين، وعلى هذا،يمكن أن يقال: إن حزن يوسف على صنفين: حزن طلب، وحزن ذهاب، والأول ما ذكرته أنت، والثاني ما أراده ابن مالك، وهو الفاعل الحقيقي، الذي ينبغي الحمل عليه.

أخي الفاضل عنقود
يتعين أحيانا تقدير محذوف، وهو هنا متعين، فالحزن ساور يعقوب عليه السلام بسبب إرادتهم الذهاب بيوسف، فإرادتهم هي سبب الحزن في الحقيقة كما أن توقع أن يأكله الذئب كان سببا في خوفه في قوله: وأخاف أن يأكله الذئب، فالمخوف منه في الحقيقة توقع حدوث هذا المكروه، وهذا التوقع هو علة حدوث الخوف، فهو سابق على المعلول، أما الحدث نفسه أعني أكل الذئب فهو لم يكن حاصلا ولم يحصل، فعلة حزن يعقوب عليه السلام كانت إرادة أبنائه الذهاب بيوسف عليه السلام وما يتبع ذلك من حدوث المكروه له، وهذا لا يعني أن الحزن لم يقع بالذهاب أيضا، فقد حزن يعقوب عليه السلام عندما طلبوا ذهاب يوسف عليه السلام معهم، واشتد حزنه بعد الذهاب، وقول ابن مالك يفيد أن الحزن لم يحصل إلا بعد الذهاب، فالمعنى عنده: إني سأحزن إذا ذهبتم به، أي أن الحزن منتف في زمن التكلم، والمعنى عند الجمهور : إني أحزن الآن بسبب خوفي من ذهابكم به الذي قد يكون سببا لحدوث مكروه له.
مهما يكن فلا يمكن القطع بأحد هذين الاحتمالين، لذلك لا يمكن الاستدلال بهذه الآية ما دامت دلالتها على المعنى الذي ذهب إليه ابن مالك ليست قطعية.

أما تنزيل المستقبل منزلة الحاضر المشاهد في قوله تعالى ( وإن ربك ليحكم بينهم يوم القيامة) فليس فيه تكلف، إذ له نظائر كثيرة في القرآن الكريم.

مع التحية الطيبة

عنقود الزواهر
20-06-2006, 06:00 PM
بارك الله فيك أخي الحبيب، ونفع بك، فالنقاش يحلو معك، ومع أمثالك من الفضلاء.
أخي الحبيب، ألا ترى في تقديرك: "إني أحزن الآن بسبب خوفي من ذهابكم به الذي قد يكون سببا لحدوث مكروه له" تكلف تفسير وتخريج، يغني عنه ما ذهب إليه ابن مالك، فمثلكم لا يخفى عليه أن الحزن، المقصود، هو المتعلق بالذهاب تحقيقا لا تأويلا، وهذا الحزن لا يحصل إلا بعد حصول ما يتعلق به(الذهاب).
وأما قولكم: " وقول ابن مالك يفيد أن الحزن لم يحصل إلا بعد الذهاب"، إن كان المراد نفي الحزن مطلقا، فلم أجد في كلام ابن مالك ما يدل عليه، والذي أفهمه من كلامه أنه نفى حزن الذهاب لا حزن الطلب.
وكذلك ، ألا ترى في مذهب ابن مالك يسرا وسهولة في تناول الأذهان والأفهام للآيات التي احتج بها، وخاصة آية: " وإن ربك..."، على ظاهرها، دون تكلف، علما بأن هذا الظاهر جعل أبا حيان يقيد قاعدة تخليص (لام الابتداء) للحال بقولهـ(غالبا).
سؤال: على مذهب الجمهور: هل نعرب(الذهاب) نائب فاعل!؟ لأن فاعل الحزن الحقيقي عندهم، هو طلب الذهاب، أو نقول والمصدر(الذهاب) سد مسد الفاعل!!!
وأخيرا، ألا ترى أن الحمل على الظاهر مقدم على الحمل على غيره، والحمل على عدم التقدير مقدم على الحمل على التقدير، وأن في مذهب ابن مالك السلامة من التكلف السابق.

د.بهاء الدين عبد الرحمن
22-06-2006, 08:32 PM
الأستاذ الفاضل عنقود الزواهر
إن سألتُ: هل دلالة المضارع (يحزنني) في قوله تعالى:(إني ليحزنني أن تذهبوا به) على الاستقبال قطعية أم احتمالية؟ فإن كان الجواب: قطعية، صح مذهب ابن مالك، وإن كانت دلالته على الاستقبال احتمالية بطل الاستدلال بالآية لرد مذهب الجمهور.

وأعود وأقول: لا تكلف فيما ذهب إليه الجمهور فله نظائر كثيرة.

مع التحية الطيبة.