المساعد الشخصي الرقمي

اعرض النسخة الكاملة : هل يكفي عدم السّماع؟



عاملة
19-05-2006, 09:02 PM
بسمه تعالى
ورد في كثيرٍ من الكتب النّحويّة الاستدلال على عدم صحّة لغةٍ أو إعرابٍ ما من خلال عدم سماعه وعدم كونه منقولاً أو عدم كون نقله متواتراً، ولكنْ ألا يمكننا أنْ نقول: إنّ عدم السّماع لا يُعَدّ بمجرَّده دليلاً على عدم الجواز، وذلك استناداً إلى المقولة المعروفة التي تقول: (مجرّد عدم الوجدان ليس دليلاً على عدم الوجود)، فلعلّ ما لمْ يُسْمَع صدر عنهم ولكنْ لمْ يصل إلينا نتيجةً لبُعْد الشُقّة والزمان، أو لأسبابٍ أُخْرى مختلفة، ولا سيّما أنّه ليس في استطاعة أحدٍ من النّحاة أنْ يدّعي وصول جميع كلمات العرب واستعمالاتهم إلينا، وأنّ الاستقراء لكلماتهم كان تامّاً مستوعباً لجميع ما صدر عنهم؛ إذْ كيف نستطيع أنْ نقبل مثل هذه الدّعوى، مع علمنا باعتماد رواة اللّغة آنذاك على محفوظاتهم وما استوعبته ذاكرتهم، لعدم شياع التدوين في ذلك العصر، بل لكون أكثرهم أمّيّين كما ينطق بذلك الكتاب العزيز في كثيرٍ من آياته؟؟ نرجو التعليق للإفادة.

أبو ريان
19-05-2006, 09:44 PM
يستدل بعدم ورود السماع إذا لم يصح القياسوانعدم النظير أو تعارض مع القياس 0000 للاستفادة أكثر راجعي كتب أصول النحو مثل الاقتراح في علم أصول النحو وجدله للسيوطي والخصائص لابن جني وغيرها كثير000

أبو مالك العوضي
20-05-2006, 11:24 PM
هذا الكلام صواب في أصله، وهو أن (عدم السّماع لا يُعَدّ بمجرَّده دليلاً على عدم الجواز)، ولكن ليس تصوير المسألة كما ذكرتم، لأن المثبت هو المطالب بالدليل، وليس النافي، فالنافي ليس مطالبا بالدليل، لأنه لا يستطيع أن يأتي بدليل على النفي، فهذا ليس في مقدور البشر، فهل يمكن أن يأتي أحد بدليل مثلا على أن العرب لم يقولوا: (شنظبرطان)؟
لكي تستطيع أن تأتي بدليل على ذلك يلزمك أن تحيط بكلام العرب جميعه، ثم تستقرئه جميعا لتتيقن من أن هذه الكلمة لم ترد عن العرب.
وهذا مستحيل، لسببين: الأول: أن كلام العرب لم يجمع كله كما ذكر، الثاني: أنه لا يحيط بكلام العرب المنقول أحد.
ولو كانت هذه الحجة صحيحة، وهي أن (عدم النقل ليس دليلا على عدم الجواز) لكان أي إنسان يستطيع أن يتكلم بما يشاء من الألفاظ والتعبيرات ولا نستطيع أن نخطئه؛ وكل قواعد النحو التي ذكر العلماء فيها أنه لا يجوز كذا أو لا يصح كذا مبنية على الاستقراء وعدم الوجدان، ولم يقل أحد منهم مطلقا إن (عدم النقل ليس دليلا على عدم الجواز)، ويمكن أن يقال هذا الكلام في بعض الأحيان ولكن مقرونا بدليل مسموع، للدلالة على أن الذي خطأ العبارة لم يقف على جميع ما ورد، أما أن يقال غفلا بلا دليل، فلا يكون هذا.
وإلا للزم من ذلك أن نصحح كل شيء ولا نخطئ أي شيء في الكلام.
فليقل لنا الذي يقول بهذا الكلام: ما رأيك في هذه الكلمات الرائعة:
شنظبرطان - خشكرنزيت - بلعشتكون - فندرقميط - خرطزنبح
:

عاملة
21-05-2006, 10:49 PM
بسمه تعالى
أشكر أخويّ العزيزيْن على هاتيْن المداخلتيْن القيّمتيْن..
وبالنّسبة لكلام الأخ أبي مالك أقول: ما فهمته من كلامك أنّك تعتقد صحّة مقولة (عدم السّماع لا يُعَدّ بمجرَّده دليلاً على عدم الجواز)، ولكنّك ترى أنّ النّافي للغةٍ أو إعرابٍ ما لا يحتاج في نفيه هذا إلى دليل، وإنّما الذي يحتاج إلى الدّليل هو مدّعي الإثبات، فكأنّك بنيْت على أنّ الأصل قبول دعوى النّافي وتصديقها والأخذ بها، وإنْ لمْ ينهضْ دليلٌ ليعضدها، وهذا بحسب الظّاهر غير دقيق، ولعلّ الصواب ما أشار إليه أبو ريّان من أنّ مقولة (عدم السّماع لا يُعَدّ بمجرَّده دليلاً على عدم الجواز) مقولةٌ صحيحة، ولكنْ هذا لا يعني أنّه لا يمكن الاستدلال بعدم السّماع أبداً، بل يستدلّ به إذا وُجِد معه دليلٌ آخريدلّ على النّفي، كعدم صحّة القياس أو عدم النّظير.. ولعلّك أشرْتَ إلى هذا عندما قلت: (ويمكن أن يقال هذا الكلام في بعض الأحيان ولكن مقرونا بدليل مسموع). والله العالِم.
ومجدّداً أرجو التعليق للإفادة.

أبو مالك العوضي
21-05-2006, 11:45 PM
ليس هذا ما قصدته من كلامي
وإنما قصدت الآتي:
لو قال أحدهم مثلا: (لا يصح استعمال (لولا) مع ضمير النصب المتصل فلا يقال (لولاك)، وإنما تتصل بضمير الرفع المنفصل فيقال: (لولا أنت) ).
هذا الكلام قاله بعض علماء اللغة ودليله أن ذلك لم يسمع عن العرب، وكلمة (لم يسمع) تكون بحسب استقراء المتكلم.
فيجيء عالم آخر ويقول له: (عدم سماعك ليس دليلا على المنع؛ لأنه قد سمعه غيرك، قال الشاعر:
وأنت امرؤ لولاي طحت كما هوى .... بأجرامه من قلة النيق منهوي)
فهنا هذا المثبت قال هذه الكلمة (عدم السماع ليس دليلا)، ولكنه قرنها بدليل مسموع على كلامه، فكان كلامه صوابا أو متجها.
أما أن يأتي شخص ويقول: (عدم السماع ليس دليلا) ويكتفي بهذه الكلمة، بغير أن يقرنها بدليله المسموع، فهذا خطأ ولا يمكن أن يوجد لحن في الدنيا إذا كانت هذه الجملة صحيحة. لأنه ما من لفظ أو تعبير خطأه أهل اللغة إلا ويمكننا أن نرد عليهم بتلك الجملة (عدم السماع ليس دليلا).
وأما ما قاله الأخ أبو ريان (إذا وجد معه دليل آخر يدل على النفي كعدم صحة القياس أو عدم النظير)، فكلام صحيح ولكنه ليس على إطلاقه؛ لأن العلماء قديما وحديثا من أيام الأصمعي والكسائي إلى عصرنا هذا يخطئون كثيرا من الألفاظ والتعابير لأنها لم تسمع عن العرب، مع أنها قد تكون جارية على القياس، وقد يكون لها كثير من النظائر، ومع ذلك لا تصح لأنها لم تسمع عن العرب.
والقياس نوعان: قياس مطلق وقياس مقيد، فالقياس المطلق يكون في القواعد المطردة كرفع الفاعل ونصب المفعول، فليس شرطا أن نسمع الرفع في كل فاعل والنصب في كل مفعول، بل متى رأينا الفاعل رفعناه وإن لم نسمعه بعينه مرفوعا عن العرب.
والنوع الثاني: القياس المقيد، وهو القياس عند عدم السماع، وأمثلة ذلك كثيرة، مثل أنواع المصادر التي يذكرها الصرفيون، فمثلا هب أنه لم يرد عن العرب جمع كلمة (قلب)، فالمعروف صرفيا أن وزن (فَعْل) يجمع على (فُعُول) قياسا، فلنا أن نجمعها على (قلوب) بهذه القاعدة، ومعنى القياس هنا أنه إذا لم يسمع عن العرب جمع، فأما إذا سمع فإنه يقتصر على المسموع.
وأحب أن أبين أن الأصل في اللغة هو السماع عن العرب، وأما القياس والقواعد النحوية والقواعد الصرفية وعدم النظير .. إلخ، فكل هذه الأمور إنما استنبطها العلماء من هذا المسموع، فهي فرع والمسموع أصل، فلا يصح أن نقلب الآية، ونجعل الفرع حاكما على الأصل، وكذلك لا يصح لنا أن نعطي الأمور أكبر من حقها، لأن كثيرا من هذه الاستنباطات التي استنبطها العلماء تكون أغلبية وليست إحاطية؛ لأنها تكون بحسب استقراء هذا العالم، فقد يقعد قاعدة أو يقيس قياسا، ويخالفه بعض المسموع الشاذ، فلا تكون هذه القاعدة حجة على المسموع المخالف له؛ لأنها أصلا إنما بنيت على استقراء ناقص، والاستقراء الناقص هذا إنما يفيد في تقريب العلوم وضبطها في قواعد يسهل حفظها واستحضارها لجمع شتات المسائل المنثورة في أبواب واضحة معروفة، أما أن تصير هذه القواعد قرآنا نرد به الأصل المسموع من العرب، أو نجعلها حاكما على الأصل فهذا خطأ.
والله تعالى أعلى وأعلم.

عاملة
22-05-2006, 09:35 PM
أخي العزيز أبو مالك
قد أفصحْتَ فأجدْت، ونطقْتَ فأوضحْت، فللّه درك، وعلى الله تعالى أجرك.
وأخيراً.. لي طلبٌ عندك أيّها العزيز، لا أدري إنْ كنْتَ قرأْتَ الموضوع الذي أدرجته أنا تحت عنوان: ما معنى مصطلح (الكلم) عند النّحاة؟ ولقد ذكرْتُ رأياً متواضعاً لي في هذه المسألة هناك، فأرجو منكَ ومن جميع الإخوة التعليق عليه مع الإمكان، لبيان مواطن الضّعْف التي فيه، حرصاً منّي ـ والله يشهد ـ على تحرّي الحقّ والحقيقة.