المساعد الشخصي الرقمي

اعرض النسخة الكاملة : المنظومة النحوية – للخليل بن أحمد الفراهيدي التعريف بها وتحقيق نسبتها ( 3 )



يوسف الراجحي
04-08-2002, 12:10 AM
ولعل فيما يلي - اضافة الى قول خلف الاحمر - لدليلا على صحة نسبة المنظومة للخليل.

(1) وجود عشر نسخ من نص المنظومة المنسوبة للخليل، بخطوط لنساخ مختلفين بعضها في دائرة المخطوطات والوثائق التابعة لوزارة الثقافة والتراث القومي بسلطنة عمان، وبعضها في مكتبات خاصة مثل نسخة السيد محمد أحمد البوسعيدي ونسخة مكتبة الفاضل سالم بن حمد بن سليمان الحارثي بالمضيرب بشرقية عمان.

(2) نسبت القصيدة في النسخ السابقة الى الخليل بن احمد، باستثناء النسخة (ب) التي لم يذكر ناسخها نسبتها الى احد، والملاحظ ايضا ان قصيدة الخليل في النسخة (ب) لم تنسب لغير الخليل،فربما سقط من الناسخ ذكر مؤلفها نسيانا، وعلى هذا يلاحظ ان احدا لم ينسبها لغير الخليل بن أحمد ولم يشك احد من النساخ في ~ملك النسبة. وما ورد في نهاية النسخة (أ) من نص منظومة الخليل لا يعد من هذا القبيل. يقول الناسخ في نهاية منظمومة الخليل: "تمت قصيدة الخليل بن احمد العروضي رحمة الله عليه وعلى جميع المسلمين والمسلمات.آمين وصلى الله على محمد النبي الامي وآله وسلم تسليما، تم معروضا على حسب الطاقة والامكان والله أعلم بصحته"، فقد كان الناسخ أمينا مع نفسه وكان حريصا في مجموعه الذي ضم منظومة الخليل ان يقول تلك العبارة أو قريبا منها حتى تبرأ ذمته، بل ذكر صراحة في مرة من المرات ان مخطوطه الذي نسخه عرض على نسخة من بعض النسخ" وهذا يظهر امانته التي اقتضت منه تلك العبارة "والله أعلم بصحته" اذ لو كان يشك في تلك النسبة ما كان قد نسب المنظومة الى الخليل بن احمد صراحة في أولها، والقصد أن الله أعلم بصحة النص المقدم الذي نسخه.

(3) لم أجد أحدا من النساخ أو من غير النساخ يشك في صحة نسبة هذه المنظومة الى الخليل بن احمد إلا ما ورد على لسان الدكتور ابراهيم السامرائي عندما كان يتكلم عن المصطلحات النحوية في كتابه "المدارس النحوية" وتوقف امام مصطلح النسق. نجده يقول (9):"النسق من مصطلحات

الخليل، فقد جاء في "مقدمة في النحو" (10) ان للخليل قصيدة في النحو، جاء فيها بيتان يتحدث فيهما عن النسق وحروفه، مستعملا كلمة النسق، وهما:

فانسق وصل بالوار قولك كله

وبلا وثم واو فليست تعقب (ا1)

الفاء ناسقة كذلك عندنا

وسبلها(12) رحب المذاهب مشعب

واذا صحت هذه الابيات، ولا اراها تصح، فالذي يعنينا أن النسق قديم، وقد التزم به الكوفيون كما استعمله البصريون ليفرقوا في باب العطف بين عطف البيان وعطف النسق".

ولست ادري بالمقصود بصحة هذه الأبيات عند الدكتور السامرائي ؟ هل يكون المقصود بصحة الأبيات صحة دلالتها على القضية المستشهد لها ؟ أم يكون المقصود صحة نسبة هذه الابيات على سبيل حذف المضاف من كلام الدكتور السامرائي، مع ملاحظة انه كان من الأفضل الا يترك هذا الأمر غامضا بحذف المضاف لما يترتب عليه من أحكام.

ويتأمل كلام الدكتور السامرائي نقول: لو كان المقصود بالكلام دلالته وصحته لكان هو المسؤول عن ذلك، لانه نقل الكلام خطأ من كتاب خلف الاحمر فأدى ذلك الى الاخلال بموسيقى البيت الثاني، وعدم انسجام المعنى في البيت الأول (تقعب). ولو كان القصد عدم صحة نسبة الأبيات الى الخليل فلم يقدم لنا دليلا على شكه، فما اسهل ان ينفي الإنسان شيئا دون تعليل، علاوة على انه استشهد بالابيات على قضية استخدام البصريين - ومنهم الخليل - لكلمة النسق قائلا:"استعمله البصريون ليفرقوا في باب العطف بين عطف البيان وعطف النسق" وفي هذا اعتراف له بانها قصيدة الخليل وكأن كل همه كان في اثبات وجود مصطلح النسق عند البصريين. ويبدو ان الدكتور السامرائي لم يشأ أن يتعب نفسه في التأكد من استخدام الخليل لهذا المصطلح. ولو توجه الى كتاب الجمل الذي حققه الدكتور فخر الدين قباوة، والذي نسب الى الخليل لكان قد وجد هذا المصطلح يتردد كثيرا على لسان الخليل في كتابه "الجمل" (13).

(4) لعل تعليق الاستاذ "عزالدين التنوخي" الذي حقق كتاب خلف الاحمر "مقدمة في النحو" يحمل دلالة خاصة على ما نحن فيه. فعندما اشار خلف الاحمر الى حروف العطف قال: "وقد ذكرها الخليل بن احمد في قصيدته في النحو، وهى قول الشاعر... الخ" حينئذ يعلق عزالدين التنوخي على "قول الشاعر" قائلا (14): "وصواب التعبير أن يقال (وهي قوله) لعودة التعبير على متقدم ولعله اراد ان يشير الى ان الخليل كان شاعرا، وكان بالفعل شاعرا، والنحاة لا يذكرون ان له قصيدة في النحو، وان كانت كتب المصنفين، لا تذكر بأجمعها في اثبات مصنفاتهم، فعلى هذا تكون هذه القصيدة _ ان صحت نسبتها ~ هي من جملة ما ضاع من كتب الخليل".

هذا النص - على قصره يكشف عما يلي:

(أ) ان كتب المصنفين لا تذكر بأجمعها في اثبات مصنفاتهم، وعلى هذا فلا غرابة ان يكون للخليل تلك القصيدة النحوية دون أن تذكرها الكتب، وبالتالي دون نسبتها اليه.

(ب) ضياع جزء كبير من مؤلفات الخليل، وهذا واضح أيضا من خلال كتب التراجم والسير ومعاجم المؤلفين، وبهذا يمكن ان تكون تلك القصيدة النحوية قد طمرت حبيسة المجاميع اللغوية وغير اللغوية حتى كشف عنها الستار.

(ج) تكشف هذه القصيدة عن شاعرية الخليل بن احمد العميقة بأمثلتها الغزلية ومعانيها الرقيقة وابتعادها عن الاسلوب الجاف الذي يحكم المنظومات النحوية غالبا مما يجعلنا نميل الى تسميتها "قصيدة" لا "منظومة" ولعل هذا ما جعلها مطمورة ضمن أعمال الخليل الشعرية دون اهتمام من النحاة بها حيث انها دالة على شاعر يته لا على كونه ناظما او قائلا منظومة نحوية.

(5) من الادلة الواردة التي تثبت صحة نسبة هذه القصيدة الى الخليل بن احمد ألفراهيدي ما قاله صاحب كتاب "اتحاف الاعيان" (15) من ان للخليل عدة اشعار منها البيتان والثلاثة ومنها أكثر من ذلك، ثم قال: "ومن نظمه قصيدة في النحو أولها:

الحمد لله الحميد بمنه أولى وأفضل ما ابتدأت وأوجب

حمدا يكون مبلغي رضوانه وبه أصير الى النجاة وأقرب

واستمر المؤلف في ذكر قصيدة الخليل حتى البيت رقم 26 الذي يقول فيه الخليل:

فاذا نطقت فلا تكن لحانة فيظل يسخر من كلامك معرب

ثم قال بعد هذا البيت مباشرة (16) عن قصيدة الخليل النحوية:

وهي اطول من هذا يقول في آخرها:

النحو بحر ليس يدرك قعره

وعر السبيل عيونه لا تنضب

فاستغن أنت ببعضه عن بعضه

وصن الذي علمت لا يتشعب

واستمر في ذكر ما جاء عن الخليل، من اشعار أخرى مثل قوله:

يا ويح قلبي من دواعي الهوى

اذ وحل الجيران عند الغروب

اتبعتهم طرفي وقد أزمعوا

ودمع عيني كغيض الغروب

بانوا وفيهم طفلة حرة

تفتر مثل أقاحي الغروب

ولعل ذكر منظومة الخليل النحوية ضمن اشعاره في المؤلفات المختلفة لدليل على ما سبق وقلناه من ان ذلك كان سببا في عدم ظهور وكشف هذه المنظومة الشعرية للخليل، وايضا فان النص الوارد في كتاب "اتحاف الأعيان" لدليل على صحة نسبة هذه القصيدة للخليل بن احمد دون شك في تلك النسبة.

رابعا: الخليل وقطرب

لقد ذكر الخليل في منظومته النحوية (قطربا) (17) النحوي لا على سبيل التمثيل، بل ان ذكره تجاوز ذلك فقد ذكر الخليل رأيا لتطرب في باب "التاء الأصلية وغير الأصلية" أي ما آخره ألف وتاء دالا على الجمع حيث يشير الخليل الى انه اذا كانت التاء زائدة فانها تنصب بالخفض (بالكسرة) وهو المعروف لدينا جميعا بجمع المؤنث السالم مثل: عمات جمع عمة. اما اذا كانت التاء زائدة فان نصبها يكون بالفتحة وقد عبر الخليل عن الأولى بقوله: "فخفض نصبها" في قوله: (18)

والتاء ان زادت فخفض نصبها

ما عن طريق الخفض عنها مهرب

فتقول ان بنات عمك خرد

بيض الوجوه كانهن الربرب

اما الثانية -وهى التاء الزائدة - فقد عبر عنها بالنصب فقط مشيرا الى ان "قطربا" - كذلك -ينصبها يقول الخليل (19)

ودخلت أبيات الكرام فاكرموا

زوري وبشوا في الحديث وقربوا

وسمعت أصواتا فجئت مبادرا

والقوم قد شهروا السيوف واجلبوا

فنصبت كا أن أتت أصلية

وكذاك ينصبها أخونا قطرب

ويمكن ان يكون الأمر لا اشكال فيه لو انه ذكر "قطربا" في تمثيل لقاعدة ما، اما وان الامر هو نسبة رأي اليه فان الاشكال واقع من هذه الزاوية وهنا تثور في الذهن أسئلة كثيرة، اذ كيف يذكر الخليل (قطربا) وهو_ اي تطرب _ لم يتتلمذ على يديه ؟ بل انه تتلمذ على يد أحد تلاميذ الخليل وهو سيبويه، الا يمكن يكون ذكر الخليل لتطرب مدعاة لان نشك في نسبة هذه القصيدة للخليل وانها منحولة عليه، فلم تذكر كتب التراجم والسير والتاريخ اية علاقة بين الخليل وتطرب، اضافة الى ذلك ان الخليل مات قبل موت تطرب باحدي وثلاثين سنة، هذا على شهرة تلك الرواية التي تذكر أن وفاة الخليل كانت عام 175هـ (20) ووفاة تطرب كانت عام 206هـ (21) فكيف يذكر الخليل "قطربا" مع وجود هذا الفارق الزمني بينهما - ويظل يقين نسبة القصيدة الى الخليل قائما، وهذا موطن التشكك الذي يهدم فكرة ان تكون هذه القصيدة من عمل الخليل.

ساورتني شكوك كثيرة، وانا في بادىء أمر تحقيق نسبة هذه القصيدة عندما كنت اعيد قراءة هذا البيت واسترجع تواريخ الوفاة بشكل خاص لكل من الخليل وتطرب وتلاميذ الخليل، لكن تأمل هذه التواريخ جيدا والاطلاع على طبيعة الحياة في البصرة في ذلك الوقت، بالاضافة الى عوامل أخرى، منها امور نصية، كل هذا هو الذي فك طلاسم المشكلة واضاء الطريق، بل واضاف الى كثيرا من الراحة لتحقيق نسبة هذه القصيدة الى الخليل، ولنتتبع مراحل هذا التحقيق فيما يلي:

يشير صاحب كتاب الاعلام، الى ان وفاة قطرب كانت سنة 206 هـ - 821م (22) على الرأي الاشهر، وكتب التراجم لم تشر الى انه تتلمذ على يد الخليل بن احمد، لكنها تشير الى انه تتلمذ على يد سيبويه، وسيبويه تتلمذ على يد الخليل، والخليل توفي عام 175 هـ - كما أوردنا سلفا - واذا كان الامر كذلك فلا لقاء متخيلا بين الخليل وقطرب، بل ليست هناك علاقة علمية مباشرة بينهما متخيلة او مجسدة، والحقيقة ان المتأمل في حياة تلاميذ الخليل يمكن أن يستنبط أشياء مهمة تغير مجرى التخيل او التصور الذي يطر أعلى الذهن من اول وهلة.