المساعد الشخصي الرقمي

اعرض النسخة الكاملة : حول تاء التأنيث



مهاجر
08-06-2006, 07:34 AM
بسم الله
السلام عليكم

فمن المعلوم أن "تاء التأنيث" التي تلحق آخر الفعل الماضي ، حرف ، بالإجماع ، ولا اعتداد بخلاف الجلولي الذي ادعى أنها اسم ، فقوله هذا ، كما يقول ابن هشام ، رحمه الله ، خرق للإجماع .
وربما وصلت هذه التاء بـــ :
حرف ، كقوله تعالى : (ولات حين مناص) ، فوصلت بـــ : "لا" ، و "لات" ، تعمل عمل "ليس" ، فتقدير الكلام : وليس الحين حين مناص ، والله أعلم .
أو بـــ : "رب" ، كقول الشاعر :
ماوي يا ربتما غارة ******* شعواء كاللذعة بالميسم
أو بــ : "ثم" ، كقول الشاعر :
ولقد أمر على اللئيم يسبني ******* فمضيت ثمت قلت لا يعنيني
وبدخول تاء التأنيث الساكنة وتاء الفاعل على : "ليس" و "عسى" ، علمت فعليتهما ، خلاف من قال بحرفيتهما .
وبدخول تاء التأنيث الساكنة وحدها على : "نعم" و "بئس" ، علمت فعليتهما ، خلاف من قال بأنهما اسمان ، فتقول : نعمت المرأة هند ، و : بئست المرأة حمالة الحطب .

مغني اللبيب ، (1/137) .
و"منحة الجليل بتحقيق شرح ابن عقيل" ، (1/22) .



وعن أحكام تأنيث عامل الفاعل ونائب الفاعل يقول ابن هشام ، رحمه الله ، في شرح شذور الذهب :
الحكم الرابع : أن عاملهما يؤنث إذا كان مؤنثين ، وذلك على ثلاثة أقسام : تأنيث واجب ، وتأنيث راجح ، وتأنيث مرجوح .

والعامل هنا لا يقتصر على الفعل ، كما أشار إلى ذلك ابن هشام ، رحمه الله ، في "شرح قطر الندى" ، فتاء التأنيث إما أن تكون :
متحركة : إذا كان العامل فعلا ، كقولك : الشمس طلعت .
أو ساكنة : إذا كان العامل وصفا ، كقولك : زيد قائمة أمه ، فعامل الرفع في "أمه" هو اسم الفاعل : "قائمة" ، فإذا ما استبدلته بالفعل الدال على حدثه ، سكنت تاء التأنيث فتقول : زيد قامت أمه ، أو : زيد تقوم أمه ، إذا كان العامل فعلا مضارعا .

فأما التأنيث الواجب ففي مسألتين :
إحداهما : أن يكون الفاعل المؤنث ضميرا "متصلا" ، ولا فرق في ذلك بين حقيقي التأنيث ومجازيه ، فالحقيقي نحو :
هند قامت ، ففاعل "قامت" ، ضمير مستتر عائد على المبتدأ "هند" تقديره : هي .
والمجازي نحو : الشمس طلعت ، أي : طلعت هي ، فالفاعل ، أيضا ، ضمير مستتر يعود على مؤنث مجازي وهو "الشمس" .

وأما إن كان الضمير منفصلا لم يؤت بالتاء ، نحو : هند ما قام إلا هي ، خلاف قولك : هند ما قامت ، فالتأنيث واجب لعدم الفصل .

وضابط التفريق بين المؤنثين : الحقيقي والمجازي ، أن الأول ما له فرج ، وقد أشار إلى ذلك ابن مالك ، رحمه الله ، بقوله :
................ ******* أو مفهم ذات حر
أي : المؤنث الحقيقي ، والحر ، بكسر الحاء ، هو الفرج ، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم في حديث المعازف عند البخاري : (ليكونن مِنْ أُمَّتِي أَقْوَامٌ يَسْتَحِلُّونَ الْحِرَ وَالْحَرِيرَ وَالْخَمْرَ وَالْمَعَازِفَ وَلَيَنْزِلَنَّ أَقْوَامٌ إِلَى جَنْبِ عَلَمٍ يَرُوحُ عَلَيْهِمْ بِسَارِحَةٍ لَهُمْ يَأْتِيهِمْ يَعْنِي الْفَقِيرَ لِحَاجَةٍ فَيَقُولُونَ ارْجِعْ إِلَيْنَا غَدًا فَيُبَيِّتُهُمْ اللَّهُ وَيَضَعُ الْعَلَمَ وَيَمْسَخُ آخَرِينَ قِرَدَةً وَخَنَازِيرَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ) .
أي : يستحلون ، ضمن ما يستحلون ، الفروج بالزنى ، والحرير باللبس .

والثاني ما كان تأنيثه غير حقيقي ، فلا فرج له ، وإنما هو من باب التأنيث اللفظي .

وأما قول الشاعر :
إن السماحة والمروءة ضمنا ******* قبرا بمرو على الطريق الواضح
فضرورة ، إذ الصحيح في الاختيار : إن السماحة والمروءة ضمنتا ............
لأن الضمير المستتر في "ضمنا" عائد على مؤنثين مجازيين : السماحة والمروءة .

وكذا قول عامر بن جوين الطائي :
فلا مزنة ودقت ودقها ******* ولا أرض أبقل إبقالها
ففي قوله : فلا مزنة ودقت ، اطراد للقاعدة ، لأن الضمير في "ودقت" عائد على مؤنث مجازي "مزنة" .
وأما في قوله : (أرض أبقل) ، ضرورة ، لأن الضمير في "أبقل" ، عائد على مؤنث مجازي "أرض" ، ومع ذلك ذكر الفعل .
فأتى بالقاعدة في شطر ، وأتى بشاذ من الشواذ في الشطر الآخر .

وقول الأعشى ميمون بن قيس :
فإما تريني ولي لمة ******* فإن الحوادث أودى بها
حيث ذكر الفعل "أودى" ، ضرورة ، لأن ضميره عائد على مؤنث مجازي ، فلو جرى على القاعدة لقال : "أودت" .
بتصرف من "منحة الجليل" ، (2/70 ، 71) .


الثانية : أن يكون الفاعل اسما ظاهرا متصلا ، أي بالفعل فلا يفصل بينهما أي فاصل لفظي ، حقيقي التأنيث : مفردا ، أو تثنية له ، أو جمعا بالألف والتاء ، فالمفرد كقوله تعالى : (إذ قالت امرأة عمران) ، فــــ "امرأة" اسم ظاهر ، حقيقي التأنيث ، فاعل للفعل "قالت" ، ولا فاصل لفظي بينهما ، فوجب تأنيثه ، كما تقدم ، والله أعلم .

والمثنى كقولك : قامت الهندان ، والجمع كقولك : قامت الهندات .
وأما قول لبيد بن ربيعة :
تمنى ابنتاي أن يعيش أبوهما ******* وهل أنا إلا من ربيعة أو مضر ؟
أي : وهل أنا إلا واحد من البشر يجري علي ما يجري عليهم من مصيبة الموت ؟
قوله ضرورة إن قدر الفعل ماضيا ، إذ الصحيح في الاختيار : تمنت ابنتاي ، لأن الفاعل اسم مثنى ظاهر ، حقيقي التأنيث ، غير مفصول عن عامله بفاصل ، فتأنيثه واجب ، كما تقدم .
وأما إن قدر مضارعا ، وأصله : تتمنى ، فحذفت إحدى التاءين ، كما في :
قوله تعالى : (فأنذرتكم نارا تلظى) ، أي : تتلظى .
وقوله تعالى : (تنزل الملائكة) ، أي : تتنزل الملائكة .
وقوله تعالى : (فأنت له تصدى) ، أي : تتصدى .
وقوله تعالى : (فأنت عنه تلهى) ، أي : تتلهى .
وقولك : تزكى ، أي تتزكى .
و : وتقدم ، أي تتقدم .
و : تهذب ، أي تتهذب .
وقول حميد بن ثور الهلالي :
ألا فاسلمي ثم اسلمي ثمت اسلمي ******* ثلاث تحيات وإن لم تكلمي
أي : وإن لم تتكلمي .

إن قدر كذلك ، فلا ضرورة .

وأما قوله تعالى : (إذا جاءك المؤمنات) ، فإنما جاز عدم تأنيث الفعل ، فلم يقل : إذا جاءتك المؤمنات ، لوجود الفاصل بين الفعل والفاعل ، فالفاعل اسم ظاهر حقيقي التأنيث ، وهو "المؤمنات" ، ولكنه فصل بكاف المخاطب عن عامله ، فجاز تذكير الفعل ، وإن كان مرجوحا ، كما سيأتي إن شاء الله ، والله أعلم .

وربما قيل بأن الفاعل في الحقيقة هو "أل" الموصولة في "المؤمنات" ، وهي اسم جمع ، فكأنه قيل : إذا جاءك اللاتي آمن ، والفعل مع اسم الجمع الدال على جماعة الإناث جائز التأنيث ، لأنك إن قدرته بـــ "جماعة" أنث الفعل ، فيكون تقدير الكلام : إذا جاءتك جماعة النساء اللاتي آمن ، وإن قدرته بـــ "جمع" ، ذكر الفعل ، فيكون تقدير الكلام : إذا جاءك جمع النساء اللاتي آمن .

وقد يكون التقدير : إذا جاءك النسوة اللاتي آمن ، فيكون التذكير جائزا ، لأن "النسوة" ، اسم جمع ، واسم الجمع ، وإن دل على جماعة من الإناث ، لا ينطبق عليه حد المؤنث الحقيقي ، لأن يصدق على كل أنثى بمفردها ، أن لها فرجا ، ولا يصدق على جماعة من الإناث أن لهن فرجا واحدا ليقال بأنهن مجتمعات يمثلن مؤنثا حقيقيا ، والله أعلم .

وأما في قوله تعالى : (قد جاءتكم موعظة) ، فقد اتصلت تاء التأنيث بالفعل رغم فصله عن الفاعل بكاف الخطاب ، والفاعل مؤنث مجازي ، فجاءت الآية على الوجه الأرجح ، كما سيأتي إن شاء الله .

وكذا في قوله تعالى : (قد جاءتكم بينة) ، فما قيل في الآية السابقة يقال في هذه الآية .

وفي سورة الأنعام ، الآية 157 : (قد جاءكم بينة) ، حذفت التاء ، للفصل بين الفعل وفاعله بكاف الخطاب ، فجاءت الآية ، كالآية الأولى ، على الوجه المرجوح .

بتصرف من "سبيل الهدى بتحقيق شرح قطر الندى" ، للشيخ محمد محيي الدين عبد الحميد ، رحمه الله ، ص184 .

وأما التأنيث الراجح ففي مسألتين أيضا :
إحداهما : أن يكون الفاعل اسما ظاهرا ، متصلا بفعله ، مجازي التأنيث ، كقولك : طلعت الشمس ، فـــ "الشمس" : اسم ظاهر ، مجازي التأنيث ، متصل بفعله ، فلك أن تقول : طلعت الشمس ، أو : طلع الشمس .
ومنه قوله تعالى : (وما كان صلاتهم عند البيت) ، فالفاعل : "صلاتهم" ، وهو هنا فاعل مجازا باعتبار أنه مرفوع جاء بعد فعل وإن كان الفعل في حقيقته ناسخا والفاعل اسما له ، اسم ظاهر ، مجازي التأنيث ، متصل بفعله ، فيجوز في غير القرآن ، جوازا راجحا ، أن تقول : وما كانت صلاتهم عند البيت ، فالآية جاءت على الوجه المرجوح ، ولا يعني ذلك أنها غير فصيحة ، بل هي فصيحة وإن لم تكن الأفصح ، ولا يشترط في كل ألفاظ القرآن أن تكون الأفصح وإنما يكفي أن تكون فصيحة تكلم العرب بها ، والله أعلم .

وقوله تعالى : (فانظر كيف كان عاقبة مكرهم) ، وما قيل في الآية السابقة يقال في هذه الآية ، لأن الفاعل ، مجازا ، اسم ظاهر مجازي التأنيث ، غير منفصل عن فعله بفاصل ، ومع ذلك جاءت الآية على الوجه المرجوح فذكر الفعل ، والله أعلم .

وقوله تعالى : (وجمع الشمس والقمر) ، وفي غير القرآن يصح على الوجه الراجح : وجمعت الشمس والقمر .


ومن هذا النوع ، أن يكون الفاعل : جمع تكسير ، أو اسم جمع ، لجماعة إناث ، لأنه ، كما تقدم ، لا ينطبق حد المؤنث الحقيقي عليهما ، كـــ "هنود" ، جمع التكسير لـــ "هند" ، إذ لا يصدق على المجموع أن له فرجا واحدا ، وإن صدق على كل واحدة منه أن لها فرجا ، و "نسوة" ، اسم الجمع الدال على جماعة النساء ، وسبقت الإشارة إليه تفصيلا ، والله أعلم .

ويلخص ابن هشام ، رحمه الله ، هذا الضابط بقوله : وليس لك أن تقول : التأنيث في النساء والهنود حقيقي ، لأن الحقيقي هو الذي له فرج ، والفرج لآحاد الجمع ، لا للجمع ، وأنت إنما أسندت الفعل إلى الجمع لا إلى الآحاد .

ولا يقتصر الأمر على جمع التكسير الخاص بـــ "الإناث" ، بل يتعداه إلى جمع التكسير الخاص بــــ "الذكور" ، فلك أن تقول : قام الزيود ، على معنى الجمع ، أي : قام جمع الزيود ، ولك أيضا أن تقول : قامت الزيود ، على معنى الجماعة ، أي : قامت جماعة الزيود .

وكذا قولك : أورق الشجر ، أي : أورق جمع الشجر ، و : أورقت الشجر ، أي : أورقت جماعة الشجر .

ومن تقدير الجماعة ، قوله تعالى : (قالت الأعراب) ، أي : قالت جماعة الأعراب ، وقوله تعالى : (كذبت قوم نوح المرسلين) .
ومن تقدير الجمع ، قوله تعالى : (وقال نسوة) ، أي : وقال جمع من النساء .
والنكتة البلاغية في ذلك أن الجماعة تدل على التحزب لفكرة أو عقيدة معينة ، وهو ما تميز به الأعراب أصحاب العصبيات ، وأما الجمع فهو دال على تجمع لا هدف له ، كما هو الغالب على مجالس النساء التي يغلب عليها العبث وكثرة الكلام ، وهو ما اتسم به الجمع الذي اجتمع عند امرأة العزيز .
مستفاد من شرح الشيخ الدكتور عبد الغني عبد الجليل ، حفظه الله ، لشذور ابن هشام رحمه الله .

وللشيخ محمد محيي الدين ، رحمه الله ، تحقيق لطيف جمع فيه حالات تأنيث الفعل المسند للألفاظ التي تدل على معنى الجمع قال فيه ما ملخصه :

الأشياء التي تدل على معنى الجمع ستة أشياء :
الأول : اسم الجمع نحو : قوم ورهط ونسوة .
والثاني : اسم الجنس الجمعي نحو : روم وزنج وكلم ، ويقابله اسم الجنس الإفرادي نحو : زيت وخل وماء ، وهو غير داخل في هذه المسألة .
والثالث : جمع التكسير لمذكر نحو : رجال وزيود .
والرابع : جمع التكسير لمؤنث نحو : هنود وضوارب ، جمع ضاربة .
والخامس : جمع المذكر السالم نحو الزيدين والمؤمنين والبنين .
والسادس : جمع المؤنث السالم نحو الهندات والمؤمنات والبنات .

وللعلماء في الفعل المسند إلى هذه الأشياء ثلاثة مذاهب :
المذهب الأول : مذهب الكوفيين ، وهو أنه يجوز في كل فعل أسند إلى شيء من هذه الأشياء الستة أن يؤتى به مؤنثا وأن يؤتى به مذكرا ، والسر في هذا أن كل واحد من هذه الأشياء الستة يجوز أن يؤول بالجمع فيكون مذكر المعنى ، فيؤتى بفعله خاليا من علامة التأنيث ، وأن يؤول بالجماعة فيكون مؤنث المعنى ، فيؤتى بفعله مقترنا بعلامة التأنيث ، فتقول على هذا :
جاء القوم ، أي جاء جمع القوم ، وجاءت القوم ، أي جاءت جماعة القوم ، وتقول : زحف الروم ، وزحفت الروم ، وفي التنزيل : (غلبت الروم) ، أي غلبت جماعة الروم ، وتقول : جاء الرجال ، وجاءت الرجال ، وتقول : جاء الهنود ، وجاءت الهنود ، وتقول : جاء الزينبات ، وجاءت الزينبات ، وفي التنزيل : (إذا جاءك المؤمنات) ، وتقول : جاء الزيدون ، وجاءت الزيدون ، وفي التنزيل : (آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل) ، فأنث الفعل : (آمنت) ، رغم أن فاعله "بنو" جمع مذكر سالم .
وكذا قول قربط بن أنيف :
لو كنت من مازن لم تستبح إبلي ******* بنو اللقيطة من ذهب بن شيبانا
فأنث الفعل : (تستبح) ، رغم أن فاعله : (بنو اللقيطة) ، جمع مذكر سالم ، والسر في ذلك ، كما يقول الشيخ محيي الدين ، رحمه الله ، في "منتهى الأرب بتحقيق شرح شذور الذهب" ص205 ، أن الجمع هنا ، وإن كان جمع مذكر سالم ، إلا أنه أشبه جمع التكسير من جهة تغير بنية المفرد فيه ، فالمفرد : "ابن" و الجمع : "بنون" ، والخطب في جمع التكسير أهون ، فالتأنيث بنية الجماعة ، والتذكير بنية الجمع كما تقدم .

والمذهب الثاني : مذهب أبي علي الفارسي ، رحمه الله ، وخلاصته أنه يجوز الوجهان في جميع هذه الأنواع إلا نوعا واحدا وهو : جمع المذكر السالم ، فإنه لا يجوز في الفعل الذي يسند إليه إلا التذكير ، ويعلق الشيخ محيي الدين ، رحمه الله ، فيقول :
وأنت لو تأملت كلام الناظم ، أي ابن مالك رحمه الله ، لوجدته بحسب ظاهره مطابقا لهذا المذهب ، لأنه لم يستثن إلا السالم من جمع المذكر .

والمذهب الثالث : مذهب جمهور البصريين ، وخلاصته أنه يجوز الوجهان في أربعة أنواع وهي : اسم الجمع ، واسم الجنس الجمعي ، وجمع التكسير بنوعيه ، المذكر والمؤنث ، وأما جمع المذكر السالم فلا يجوز في فعله إلا التذكير ، وأما جمع المؤنث السالم فلا يجوز في فعله إلا التأنيث .

بتصرف من "منحة الجليل" ، (2/72 ، 73) .



يقول ابن هشام رحمه الله :
ومن هذا الباب أيضا قولهم : نعمت المرأة هند ، و: نعم المرأة هند ، فالتأنيث على مقتضى الظاهر ، والتذكير ، (على معنى الجنس) ، لأن المراد بالمرأة الجنس ، لا واحدة بعينها ، مدحوا الجنس عموما ، ثم خصوا من أرادوا مدحه ، فكأن هندا قد مدحت مرة بعد أخرى :
فمدحت ابتداء ، باعتبار دخولها تحت الجنس الممدوح ، ثم مدحت بعينها ، وهذا ما يعرف بـــ : "الخصوص بعد العموم" ، كقوله تعالى : (تنزل الملائكة والروح فيها) ، فخص جبريل صلى الله عليه وسلم بالذكر بعد ذكر الملائكة وهو داخل في عموم الملائكة ، والله أعلم .

وكذا الحال في "بئس" ، فلك أن تقول : بئست المرأة حمالة الحطب ، على مقتضى الظاهر ، وبئس المرأة حمالة الحطب ، على إرادة الجنس ، ثم التخصيص بعد العموم .




والثانية : أن يكون الفاعل ظاهرا ، حقيقي التأنيث ، مفصولا بغير "إلا" عن فعله ، كقولك : قام اليوم هند ، و : قامت اليوم هند ، والثاني أرجح من الأول ، وكذا قولك : حضرت القاضي امرأة ، و : حضر القاضي امرأة ، والأول أرجح ، كما أشار إلى ذلك ابن هشام ، رحمه الله ، في "شرح قطر الندى" ، ص185 .

ومما جاء على الوجه المرجوح :
قول الشاعر :
إن امرأ غره منكن واحدة ******* بعدي وبعدك في الدنيا لمغرور
إذ الأفصح في الاختيار أن يقو : غرته منكن واحدة ، لأن الفاعل : "واحدة" : ظاهر حقيقي التأنيث ، مفصول عن فعله بغير "إلا" ، إذ فصل بالجار والمجرور "منكن" .

وكذا قوله :
لقد ولد الأخيطل أم سوء
فجاء الفعل "ولد" ، أيضا ، على الوجه المرجوح ، فالراجح : تأنيث الفعل لأن الفاصل بينه وبين الفاعل المؤنث الحقيقي ، غير "إلا" ، كما تقدم .
انظر "أوضح المسالك ، شرح ألفية ابن مالك" ، لابن هشام ، رحمه الله ، ص143 .

والمبرد يخص ذلك بالشعر فلا يجيزه في الاختيار .



وأما التأنيث المرجوح ففي مسألة واحدة وهي :
أن يكون الفاعل مفصولا بـــ "إلا" ، كقولك : ما قام إلا هند ، فالتذكير أرجح باعتبار المعنى ، لأن التقدير : ما قام أحد إلا هند ، فالفاعل في الحقيقة مذكر اللفظ وهو : "أحد" ، وما بعد "إلا" بدل منه .

يقول الشيخ محمد محيي الدين عبد الحميد رحمه الله :
هذا البدل ، أي بدل ما بعد "إلا" ، مما قبلها ، من نوع بدل البعض من الكل ، ألا ترى أن هندا فرد مما يصلح له لفظ أحد ، وأنت لو تدبرت لم تجد مع هند ضميرا يعود إلى أحد ، كما أنك تجد أن "أحدا" ، المبدل منه ، قد انتفى عنه القيام ، في حين أن القيام ثابت لهند ، البدل ، لأن ما بعد إلا يخالف ما قبلها في النفي والإثبات ، ونحن نعلم أن بدل البعض من الكل يجب أن يضاف إلى ضمير يعود إلى المبدل منه ، كقولك : قرأت الكتاب نصفه فالهاء في "نصفه" البدل تعود على "الكتاب" المبدل منه ، كما يجب أن يكون مثل المبدل منه في ثبوت الحكم أو نفيه ، ففي قولك : قرأت الكتاب نصفه حكم القراءة ثابت للمبدل منه : الكتاب والبدل : نصفه ، فيسأل هنا عن السر في مخالفة البدل في الأمرين في صورتنا هذه ، والجواب عن ذلك أن تقول : إن هذه الصورة من الكلام لم يلتزم فيها أحد هذين الأمرين ، لأن الاستثناء المتصل من طبعه يفيد أن المستثنى جزء من المستثنى منه ، إذ لولا ذلك لما صح الاستثناء ، فهو إذن في غير حاجة إلى الضمير ، فإن ما يفيده الضمير قد أفاده الكلام ، فضلا عن أن طبيعة الاستثناء نفي الحكم الثابت للمستثنى منه عن المستثنى فلا يمكن هنا اتحاد حكمي البدل والمبدل منه ، لأن هذا يعني انهيار صورة الاستثناء من أساسها ، إذ كيف يستثنى فرع من أصل مع اتحاد حكمهما ؟

بتصرف من "سبيل الهدى بتحقيق شرح قطر الندى" ، ص185 .




وبعض النحاة يوجب التذكير ، ويجوز التأنيث باعتبار اللفظ كقوله :
ما برئت من ريبة وذم ******* في حربنا إلا بنات العم
فمع إبقاء الاستثناء المفرغ : يكون تقدير الكلام : ما برئ أحد من ريبة وذم في حربنا إلا بنات العم .




فالاستثناء هنا ، كما تقدم ، "مفرغ" ، فيكون سياق الكلام بعد حذف "ما" و "أداة الاستثناء" : برئت من ريبة وذم في حربنا بنات العم ، والله أعلم .

يقول ابن هشام رحمه الله :
والدليل على جوازه في النثر قراءة بعضهم : (إن كانت إلا صيحة واحدة) ، برفع (صيحة) ، فــ "كان" في هذه القراءة : تامة ، فيكون المعنى : إن وجدت إلا صيحة واحدة ، فأنث الفعل رغم فصله عن الفاعل بـــ "إلا" .

وكذا قراءة جماعة من السلف : (فأصبحوا لا ترى إلا مساكنهم) ، ببناء الفعل لما لم يسم فاعله ، وبجعل حرف المضارعة التاء المثناة من فوق ، فأنث الفعل "ترى" ، رغم فصله عن الفاعل بـــ "إلا" .

وزعم الأخفش أن التأنيث لا يجوز إلا في الشعر ، وهو محجوج بالقراءتين السابقتين ، فكأن الأخفش ممن يوجب التذكير ويمنع التأنيث في الاختيار ، والله أعلم .

أحمد ...
08-06-2006, 12:11 PM
بارك الله في مجهودك أخانا مهاجر ... أحسنت أحسن الله تعالى إليك .
وبالله التوفيق .

مهاجر
09-06-2006, 07:43 AM
بسم الله

السلام عليكم

وبارك فيك وأحسن إليك ، أحمدنا ، على لغة : (علا زيدنا يوم النقا رأس زيدكم) ، عند من يجوز إضافة العلم ، وأكرم بك مضافا .

د.بهاء الدين عبد الرحمن
09-06-2006, 11:08 AM
أخي الكريم الأستاذ مهاجر حفظه الله
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته
أشكرك على هذا العطاء، وأدعو الله أن يبارك في علمك .
أرجو أن تعيد النظر معي في مسألة أن في القرآن ما هو مرجوح أو ما هو فصيح لا أفصح، فأنا _ ايها العبد الضعيف (على اسلوب الاختصاص)_ أرى أن ما ذكرته من أنه مرجوح هو الأرجح والأفصح، وسأضرب لك مثالا وهو قولك أو قول من نقلت عنه:

وقوله تعالى : (وجمع الشمس والقمر) ، وفي غير القرآن يصح على الوجه الراجح : وجمعت الشمس والقمر .
فأقول: إن النائب عن الفاعل للفعل (جُمع) هو مجموع الشمس والقمر، ولا يصح الاستغناء عن المعطوف، فهو ليس كقولك: ضُربت هند وزيد، حيث يمكن الاستغناء عن المعطوف فيقال: ضربت هند، إذ لا يقال: جُمعت الشمس، إلا إذا أريد أن أجزاء الشمس كانت مبعثرة فجمعت، وليس هذا هو المراد، وإنما المراد جمع الشمس مع القمر بالدمج، فلما كان نائب الفاعل هو مجموع الشمس والقمر غُلِّب المذكر، كما غُـلِّب في قولهم (القمران) وهم يعنون الشمس والقمر، ومن عادة العرب تغليب المذكر، لذلك فقوله تعالى(وجمع الشمس والقمر) هو الأرجح الأفصح، وقولنا: جمعت الشمس والقمر، هو المرجوح الضعيف.
لذلك أرى أن يقال : إن الكثير أن يؤنث الفعل إن كان الفاعل مجازي التأنيث غير مفصول عن الفعل أو مفصولا، وقد يذكر لأمر معنوي تقتضيه البلاغة كقوله تعالى:
(يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفاء لِّمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ )يونس57
أنث الفعل (جاء) لما أريد بالموعظة معناها الحقيقي، وأريد الاهتمام بها والعناية بشأنها، ولكن لما أريد بالموعظة اللمح إلى أنها تتضمن الحكم أيضا ذكّر الفعل (جاء) في قوله تعالى:
(وَأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَن جَاءهُ مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّهِ فَانتَهَىَ فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللّهِ) البقرة275
أي: فمن جاءه حكم بالتحليل أو بالتحريم فانتهى ، والله أعلم.
فكل خروج في القرآن الكريم عما هو كثير في اللغة إنما هو لأمر يقتضيه المعنى الدقيق المطابق لما تقتضيه الحال، فهو الأفصح والأبلغ والأرجح في محله.

مع التحية الطيبة.

داوود أبازيد
09-06-2006, 05:49 PM
فأقول: إن النائب عن الفاعل للفعل (جُمع) هو مجموع الشمس والقمر، ولا يصح الاستغناء عن المعطوف، فهو ليس كقولك: ضُربت هند وزيد، حيث يمكن الاستغناء عن المعطوف فيقال: ضربت هند، إذ لا يقال: جُمعت الشمس.
الأخ الأغر .. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد .. ونقول: تشاور زيد وخالد ، فلا يصح الاستغناء عن المعطوف أيضا ، ولكنني أخشى أن يفسر بعضهم قولك على خلاف ما تقصد ، فيظن أن كلا من الشمس والقمر هو نائب فاعل .. وهو في النائب عن الفاعل نصف مصيبة ولكنه في الفاعل مصيبة كاملة .. فإذا قالوا: تشاور فعل ماض .. زيد وخالد : فاعل مرفوع .. أو قالوا عندك : الشمس والقمر نائب فاعل .. فهذا أمر أعتقد أنك لا تقبله ، وحتى لا يحدث لبس أو يفهم قولك على غير وجهه أقول : إن نائب الفاعل من حيث المعنى هو مجموع ما ذكر ، أما من حيث اللفظ فالشمس هي نائب الفاعل والقمر اسم معطوف على الشمس ..والفاعل من حيث المعنى هو مجموع من ذكر ولكنه من حيث اللفظ هو زيد فقط ، وخالد اسم معطوف .. وهذا يكون في صيغتي فاعل وتفاعل ، وفي الأفعال التي تقتضي المشاركة مثل جمع ، وكل فعل يصح أن تذكر بعده: بين كذا وكذا ، فالمضاف إليه من حيث المعنى أيضا هو كل ما ذكر ، أما لفظا فهو الكلمة الأولى فقط والباقي معطوف.. والله أعلم .. فهل فهمتك على الوجه الصحيح ؟.

د.بهاء الدين عبد الرحمن
11-06-2006, 12:46 AM
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته أخي داوود

ما ذكرته صحيح ولا خلاف فيه، لكن قصدي أنه من غير الممكن أن تكون في القرآن عبارة واردة على وجه فصيح مرجوح، وتكون في كلامنا ـ نحن البشرـ عبارة تؤدي المعنى نفسه على الوجه الأفصح الأرجح، فكل ما في القرآن هو الأرجح في محله، ولو جئت في غير القرآن فأديت المعنى بتقديم أو تأخير أو غير ذلك لكان ما أتيت به هو المرجوح .

مع التحية الطيبة.

داوود أبازيد
11-06-2006, 06:48 AM
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته أخي داوود
ما ذكرته صحيح ولا خلاف فيه، لكن قصدي أنه من غير الممكن أن تكون في القرآن عبارة واردة على وجه فصيح مرجوح، وتكون في كلامنا ـ نحن البشرـ عبارة تؤدي المعنى نفسه على الوجه الأفصح الأرجح، فكل ما في القرآن هو الأرجح في محله، ولو جئت في غير القرآن فأديت المعنى بتقديم أو تأخير أو غير ذلك لكان ما أتيت به هو المرجوح .مع التحية الطيبة.
حياك الله أخي الأغر ، فمما لا جدال فيه عندنا ـ معشر المسلمين ـ أن ما جاء في القرآن الكريم هو الراجح ، وأن كلامنا ـ أيها البشر ـ هو المرجوح ، لأن التحدي بالإتيان بمثله أو سورة أو آية قائم إلى يوم الدين .. جزاك الله خيرا .

مهاجر
13-06-2006, 07:34 AM
بسم الله
السلام عليكم

بسم الله
السلام عليكم
جزاكم الله خيرا أيها الكرام

واعتذر أيها الأغر الكريم عن التأخر في الرد على مداخلتك القيمة :

ومما يؤيد ما ذهبت إليه من كون التذكير هنا هو الأرجح ، وإن بدا خلاف ذلك لمباشرة الفعل مؤنثا مجازيا :

قول أبي حيان رحمه الله :
..................... دلالة على أنه إذا اجتمع مؤنث ومذكر معطوفان ، فالحكم في الفعل السابق عليهما للسابق منهما ، تقول : قام زيد وهند وقامت هند وزيد ، ويقوم زيد وهند ، وتقوم هند وزيد ، إلاَّ إن كان المؤنث مجازياً بغير علامة تأنيث فيه فيحسن عدم إلحاق العلامة ، كقوله تعالى : { وجُمع الشمس والقمر }

ويقول في موطن آخر :
{ وجمع الشمس والقمر } : لم تلحق علامة التأنيث ، لأن تأنيث الشمس مجازي ، أو لتغليب التذكير على التأنيث . وقال الكسائي : حمل على المعنى ، والتقدير : جمع النوران أو الضياءآن . اهــــ
فالحمل على معنى ، النور أو الضياء ، حمل على معنى مذكر يحسن معه تذكير الفعل ، والله أعلم .


وكذا قدر الزمخشري ، غفر الله له ، معنى مذكرا يصلح معه تذكير الفعل فقال :
وقيل : وجمعا في ذهاب الضوء .


وقد سئلت أحد مشايخ النحو عندنا في مصر ، وهو الشيخ الدكتور عبد الغني عبد الجليل ، حفظه الله ، وكثيرا ما أنقل عنه ، سألته عن هذه الآية ، فرجح ، كما رجحت ، كون التذكير هو الأفصح ، وإن كان الفاعل المباشر للفعل مؤنثا مجازيا ، ولكنه حمله على معنى الجنس ، أي : وجمع جنس ما يسمى شمسا وجنس ما يسمى قمرا ، فكأن الآية تشير إلى جمع شموس وأقمار هذا الكون الفسيح ، يوم القيامة ، وهو ما أثبته علم الفلك في العصر الحديث ، إذ شمسنا هذه واحدة من ملايين ، وربما مليارات الشموس التي خلقها الله ، عز وجل ، والله أعلم .