المساعد الشخصي الرقمي

اعرض النسخة الكاملة : خـلــــود وعالـمــيــة



أنــوار الأمــل
13-03-2003, 09:21 PM
خلودٌ وعالَمـيـّة
000000000000
اللغة العربية لغة خالدة... أستند في هذه المقولة إلى قول الله عز وجل: "إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ" ـ الحجر:9

وقول الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أحبوا العربية لثلاث: لأني عربي، والقرآن عربي، وكلام أهل الجنة عربي

فالقرآن محفوظ بوعد الله عز وجل، ولسان القرآن العربية

وأهل الجنة فيها خالدون، ولسانهم العربية

فالله عز وجل اصطفى هذه اللغة الشريفة لأعظم كتاب.. كتاب هدايته.. فكانت إشراقة النور على البشرية جمعاء باللغة العربية التي وصلت وقت نزول القرآن إلى أسمى درجات الكمال، وارتقت إلى ذرا البيان… وتم لها النضج والاستواء، واكتست أبهى الحلل، وتحلت بالإعجاز في الكتاب الخالد

والقرآن قرآن بلغته .. بألفاظه .. بمعانيه .. بأساليبه .. وهو معجز بها جميعها، ولا ينقل إلى أي لغة أخرى ويكون بها معجزا، يمكن أن تترجم المعاني.. لكن الترجمة لا تسمى قرآنا أبدا، ولا يتعبد بقراءتها، ولا يُصلى بها

وعندما نزل القرآن، وتلاه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على أهل مكة خلب ألبابهم، وأسر قلوبهم، فهم قد سمعوا كلاما من كلامهم، يُقرأ بلغتهم، يستعمل أساليبهم، يجري على طرائقهم، لكنه على ذلك مبهر بكل ما يحمله الإبهار من معان، لقد فهموا مقاصده، وتذوقوا بلاغته، وأعجبوا بفصاحته، وأُخذوا ببيانه، ولم يستطيعوا أن يأتوا بجملة صغيرة تشبهه قوة وسبكا وبيانا وإعجازا فخسروا التحدي: " فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ" ـ البقرة

وكان حريا بهم أن يؤمنوا بعد ذلك كله لكنه الكبر والإصرار على الباطل واتباع الأولين

وقد جعل الله عز وجل عروبة القرآن سبيلا للتعقل، فقال عز من قائل سبحانه: " إنا أنزلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون" ـ يوسف
ومع انتشار الإسلام من أرض الجزيرة حيث مشرق شمسه، وبلوغه أصقاعا بعيدة في أطراف العالم، كان القرآن يستقدم إلى بساتين العربية كل مسلم صادق تاقت نفسه إلى كمال دينه بإتقان لغته، وهفت روحه إليها حتى حطت على أفنان أساليبها وأزهار ألفاظها، ونعمت بثمار معانيها، فسعى إلى التضلع منها والارتواء من معينها، ثم جذب سحر بيانها بعضهم ليكونوا رواد علوم العربية، ومنهم علَم النحو سيبويه الفارسي الأصل، العربي اللسان

وبهذا اتسع مفهوم كلمة (العربي) لتشمل كل من نطق بالعربية وإن كان غير عربي النسب، وخرج من هذه الكلمة كل من تكلم بغيرها وإن كان عربي الأصل، وقد ورد في الأثر : ليست العربية من أحدكم بأب ولا أم، العربية لسان، فمن تكلم العربية فهو عربي.

فانتشر لسان العربية في أرجاء الدولة الإسلامية كافة، فصار لسانا عالميا، "وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً" سـبأ28 لم يبذل العرب المسلمون من أجل ذلك مالا ولا جهدا ولا وضعوا خططا لنشر لسانهم وإحلاله محل اللغة الأصلية لتلك الشعوب كما تفعل دول أخرى لنشر لغاتها في البلاد عامة وفيما تحتله خاصة

وازدهر التأليف في علوم العربية حرصا من علمائها على كتاب الله فألفوا في مفردات القرآن وغريبه وإعرابه، وألفوا في النحو والصرف والأصوات والبلاغة والإعجاز، فقد كانوا يعلمون أن امتلاك اللغة سبيل فهم القرآن وتدبر آياته، ويعلمون أن اللغة مفتاح للعلوم كلها، فإنك لن تستطيع أن تكون فقيها أو مفسرا وأنت لا تعرف اللغة، ولا تكون جغرافيا أو مؤرخا وأنت لا تعرف اللغة، لأنك لن تسطيع أن تقرأ ما كان قبلك قراءة وعي وتعقل؛ فيتأثر فهمك ويختل علمك، ولن تعرف اللغة العربية ـ أو غيرها ـ جيدا ما لم تتمرس بها وبسننها بمدارسة النصوص البليغة وقراءتها، وعلى رأسها القرآن الكريم والحديث النبوي

وعدم إتقان اللغة قد يؤدي إلى الضلال لسوء الفهم، وقد سمع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم رجلا يلحن في كلامه ـ يخطئ في إعراب الكلام ـ فقال: أرشدوا أخاكم فقد ضل، فذلك الخطأ في الفهم سيحدث في القرآن وفي اللغة وستنبني عليه أحكام وأحكام، فوجب امتلاك مفتاح الولوج إلى القرآن وكل العلوم

وكان عمر بن الخطاب يأمر ألا يقرئ القرآن إلا عالم بلغة العرب، وقال ابن تيمية: إن اللغة العربية نفسها من الدين، ومعرفتها فرض واجب، فإن فهم الكتاب والسنة فرض، ولا يفهم إلا بفهم اللغة العربية، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب