المساعد الشخصي الرقمي

اعرض النسخة الكاملة : مباحث لغويه (التمييز)3



عمرمبروك
01-09-2006, 03:40 PM
معنى التمييز والعامل فيه

الحمد لله رب العالمين ربنا، والصلاة والسلام على رحمة الله تعالى للعالمين نبينا سيدنا ومولانا محمد، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وصحبه الغر الميامين، ومن اهتدى بهديهم إلى يوم الدين:

سلام الله عليكم ورحمته وبركاته، وأهلًا بكم معنا في ضوء (المقتضب) للمبرد الذي يعد مقتضبًا من كتاب سيبويه، والذي يعد خلاصة لمباحث جمة في علم العربية، والمبرد ويروي فيه المبرد أي: على صيغة اسم الفاعل والمفعول.

هو محمد بن يزيد بن عبد الأكبري -رحمه الله تعالى- بن مالك بن الحارث من أَسْلم، وهو شيخ العربية بعد سيبويه بلا جدال، وأول شيوخه بلا جدال أيضًا هو سيبويه، والذين ترجموا له قالوا: إنه ولد في السنة العاشرة بعد المائة الثانية، وقد يطفو سؤال هنا ويأتي مسرعًا ويكون نصه: كيف إنه وُلد بعد موت سيبويه بنحو ثلاثين عامًا ونقول: إن أول شيوخه سيبويه؟!

والجواب عن ذلك يسير، وهو أن شيخ الإمام العلامة المبرد هو المازني، وقد قرأ على المازني سيبويه، وهذه القراءة تَلْمذَة، وكتاب سيبويه -كما يقول الشيخ عبد الخالق عضيمة رحمه الله-: كالدوحة الباسقة، وجميع المؤلفات غصون حولها وفروع، فما من أستاذ في النحو إلا وسيبويه أستاذه، أدرك ذلك الزمان فَتَلْمَذَ له حقيقة ورآه عينًا، وتحسسه دمًا وسمعه صوتًا، أو لم يدركه بأن حِيل بينه وبينه بأزمان لكنه اطلع على كتابه وأفاد منه، فهو شيخه بالقوة، وإن لم يكن شيخه بالمجلس.

من شيوخ المبرد: المازني، والرياشي، والزيادي، ومن شيوخه كذلك الجاحظ -لزمه وقرأ عليه.

ومن تلامذته: الزجاج، وله قصة طريفة مذكورة في إعراب القرآن ومعانيه، حيث إنه كان يعمل زجاجًا وهو الشيخ إبراهيم، وأراد أن يتعلم على يد المبرد، وقد ذكرتْ كتب التراجم أن المبرد لم يكن يعلمه مجانًا، وعده بعضهم في البخلاء، واتفق على أن يعطيه كل يوم درهمًا على أن يظل ذلك مدة حياة أحدهم -أي: لا ينقطع- والقصة في ذلك طويلة، ولكن الشاهد فيها أن الزجاج من تلاميذ المبرِّد أو المبرَّد، والمشهور هو المبرِّد.

ومن تلاميذه كذلك: الأخفش، وأبو بكر بن السراج صاحب (الأصول) وأبو بكر بن أبي الأزهر، وابن كيسان، وأبو الحسين بن عبد الله بن عبد الله، وأبو الحسين بن عبد الله بن سفيان النحوي -على الجميع رحمة الله تعالى.

ولنا أن نقف حول هذا العنوان الواضح المبين من (المقتضب) للمبرد -عليه رحمة الله- وهو عنوان: "التبيين والتمييز" ولعلنا نقف عند هذا العنوان من ناحيتين:

الناحية الأولى: أنه واضح، وربما قال قائل من هذه الناحية: إنه أوضح من عناوين سيبويه، والجواب: لا تتسرع، فعند سيبويه ما هو واضح، وما هو مختصر، وما هو مبهم وطويل، وكذلك عند المبرد لو تتبعت كتابَه، فكِلا الرجلين يأتي بالعُنوان في كلمة حينًا، وفي مجموعة كلمات أحيانًا أخرى.

وأما الناحية الثانية: فهي ناحية تكشف لك الطريق إذا أردت أن تطلع على باب التمييز في النحو، ستجد من العلماء من يذكر خلافًا بين النحاة فيقول: وهو معروف بالتمييز عند قوم وبالتبيين عند قوم آخرين وليت شعري، ما الفرق بين التبيين والتمييز؟ وقد ذكرهما المبرد، وكأنه يقول لمن جاءوا بعده وأثاروا مسائل خلافية كثيرة: اعلموا أن التبيين هو التمييز، فلا داعي إلى أن تقولوا: إنه تمييز عند قوم، وتبيين عند قوم آخرين.

يقول محمد بن يزيد -عليه رحمة الله-: اعلم -وأنا أزيدك فأقول: اعلم يرحمني الله وإياك على الاعتراض الميسر-: أن التمييز يعمل فيه الفعل وما يشبهه في تقديره، ومعناه في الانتصاب واحدٌ وإن اختلف العامل فيه، أو إن اختلفت عوامله، السطر الأول سطر مهم في النحو العربي؛ لأن النحو العربي -كما نعلم- يقوم على نظرية يسميها كثير من الباحثين نظرية العامل، أي: أن النحو العربي يقوم على أساس العامل التمييز والتبيين يكون اسمًا منصوبًا وقد يجر -وسوف نرى ذلك بالتفصيل- وهذا الذي يكون منصوبًا ما الذي عمل فيه النصب؟ الجواب: الفعل، وما يشبهه، أي: وما يشبه الفعل المصدر: اسم الفاعل، اسم المفعول، الصفة المشبهة، أفعل التفضيل، أنت ترى أن ذلك من عبارات المبرد الواضحة من أول الأمر.

اعلم أن التمييز يعمل فيه، يعني: أن التمييز معمول فيه، معمول فيه ماذا؟ الجواب: معمول فيه النصب، ما الذي عمل فيه النصب؟ الفعل أو شبهه يعني: كأن العمل الأصلي إنما يكون للفعل، وما كان في معنى الفعل إنما يعمل بالحمل على الفعل -وهذا كلام مهم خطير جدًّا في بنائه، وأنت مازلتَ على الطريق للدراسات العليا، أن تتحسس ألفاظ الشيوخ، وأنت تستقي منها المعاني، وأن تقف على حقيقة الأساليب العلمية، وما تحمله من مضامين غالية عالية، وما تحمله من مضامين غالية جدًّا.

اعلم أن التمييز يعمل فيه الفعل وما يشبهه، ما نوع "ما" في قوله: وما يشبهه، يعني: والذي يشبهه، إذن هي موصولة، لماذا قدم المبرد الفعل؟ الجواب: لأن العمل يكون للفعل باعتبار الأصل، والأصل مقدم دائمًا على الفرع، وقد نبهتُك إلى أن اللغة تمثل حياة أصحابها، وهذا يدل على أن أباك يقدم عليك، وعلى أن جدك يقدم كذلك، وعلى أن الصلاة المكتوبة تقدم على السنة، وأن صيام رمضان يقدم على صيام الاثنين والخميس، كل ذلك على شريطة واحدة: البيت أولًا، ثم تأتي الزينة، الجُدر أولًا، ثم يأتي البلاط... وهكذا في اللغة.

الفعل هو العامل الأساسي، وما يشبه الفعل يعمل بالحمل على الفعل كالصفة المشبهة، تقول: ما أنت بالحسن وجهًا، ما الذي نصب وجهًا؟ ما أنت بالكريم يدًا؟ الصفة المشبهة وهي ليست فعلًا، وإنما هي تشبه الفعل، هكذا يقول المبرد.

قال -رحمه الله-: فمعناه: أن يأتي مبينًا عن نوعه، وضرب لنا مثالًا على ذلك هو أقرب إلى درس العدد، ما معنى ذلك؟ معنى ذلك أن العدد يحتاج إلى تمييز، وقد ذكر المبرد مثاله فقال: عندي عشرون درهمًا، هكذا تنطق العبارة، كأنك ذكرت العدد وهو عشرون، وكعادة المبرد وشيخه سيبويه يقف عند العبارة ذاكرًا ما بدا للمتحدث، وما الذي أضافه إلى جملته الأولى.

فيقول المبرد: لما قلتَ: عندي عشرون وثلاثون ذكرتَ عددًَا مبهمًا يقع على كل معدود، يعني: عندما قلت: عندي عشرون، أو عندي ثلاثون، إذا سكت عند هذه العبارة كان معنى ذلك: أن يذهب عقل السامع أو القارئ كلَّ مذهب، إذ إنه من الجائز أنك تريد أن تقول: عندي عشرون عبدًا، أو عندي عشرون أمةً، أو عندي عشرون بغلًا، أو عندي عشرون حمارًا، أو عندي عشرون جملًا، أو عند عشرون أخًا، أو عندي عشرون صديقًا، أو عندي عشرون كتابًا، المعدودات لا تتناهى.

إذن: أنت بقولك: عندي عشرون درهما، صرفتَ النظر عن كل معدود إلا عمَّا ذكرتَ من تمييز بيَّن عددَك، فأنت تقول: عندي عشرون درهما، ونحن نقول: أحسنتَ، إذ إنك صرفتَ أنظارَنا عن احتمالات نذكُرُها، وهذه الاحتمالات منها: عندي عشرون امرأةً، وعندي عشرون رجلًا، وعندي عشرون كتابًا، وعندي ثلاثون بيتًا، وعندي أربعون طيارةً، وعندي ثمانون قطارًا، كلٌّ معدود، لا نقف عند حد، وإنما نمد الكلام كل مد، فتتسع دائرة الاحتمالات، ونقول: خذ، وتقول: هات، ولن ينتهي الأمر إلى فائدةٍ.

قال المبرد -وكأنه سأل سؤالًا وأجاب عنه، فماذا قال؟ وما سؤاله؟ وما الفائدة المرجوة منه؟

يقول: "ولم يَجُزْ أن تذكر جمعا عبارة قصيرة" جاءت إثر قوله: وتقول: عندي عشرون درهما، قال: "لم يجز أن تذكر جمعا" فما معنى هذه العبارة؟

معناها: أنك حين قلت: عندي عشرون درهمًا، لم تقل بالطبع: عندي عشرون دراهم، هذا مراد المبرد من قوله: ولم يجز أن تذكر جمعا، يعني: لم يجز أن تذكر التمييز جمعًا، وإنما ذكرته مفردًا، فبما علل المبرد ذلك؟ ذكر الحكمَ فقال: ولم يجز أن تذكر جمعًا، وذكر العلة التي تبين لك جمال العربية، وأنها متضافرة الألفاظ متجانسة، يُذكر الجمع في قولك: عشرون، فكيف يُذكر تمييز العشرين جمعًا فيأتي جمعٌ بعد جمع؟ الجمع محقق في العدد، حيث قلتَ: عندي عشرون، ثم يأتي مِن بعد ذلك المفرد، فتقول: درهما، يقول المبرد: ولم يجز أن تذكر جمعًا؛ لأن الذي قبله قد تبين أنه جَمعٌ، وأنه مِقدار منه معلوم.
%%%%%%%%%%%%%%
فضل الذكر
عن معاذ بن جبل قال: قال رسول الله : { ألا أخبركم بخير أعمالكم وأزكاها عند مليككم، وأرفعها في درجاتكم، وخير لكم من إنفاق الذهب والفضة، ومن أن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم، ويضربوا أعناقكم } قالوا: بلى يا رسول الله. قال: { ذكر الله عز وجل } [رواه أحمد].
وفي صحيح البخاري عن أبي موسى، عن النبي قال: { مثل الذي يذكر ربه، والذي لايذكر ربه مثل الحي والميت }.
وفي الصحيحين عن أبي هريرة قال: قال رسول الله : { يقول الله تبارك وتعالى: أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه إذا ذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم، وإن تقرب إلي شبرا تقربت إليه ذراعا، وإن تقرب إلي ذراعا تقربت منه باعا، وإذا أتاني يمشي أتيته هرولة }.
و قد قال تعالى: يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكرا كثيرا [الأحزاب:41]، وقال تعا لى: والذاكرين الله كثيرا والذاكرات [الأحزاب:35]، أي: كثيرا. ففيه الأ مر با لذكر بالكثرة والشدة لشدة حاجة العبد إليه، وعدم استغنائه عنه طرفة عين.
وقال أبو الدرداء رضي الله تعالى عنه: لكل شيء جلاء، وإن جلاء القلوب ذكر الله عز وجل.
ولا ريب أن القلب يصدأ كما يصدأ النحاس والفضة وغيرهما، وجلاؤه بالذكر، فإنه يجلوه حتى يدعه كالمرآة البيضاء. فإذا ترك الذكر صدئ، فإذا ذكره جلاه.
و صدأ القلب بأمرين: بالغفلة والذنب، وجلاؤه بشيئين: بالاستغفار والذكر.

عمرمبروك
02-09-2006, 11:38 PM
تتمه
تنكير التمييز

ثم يتعرض المبرد -رحمة الله عليه- إلى سر التنكير في التمييز، يعني: التمييز أو التبيين يكون منكرًا، أنت قلتَ: عندي عشرون درهمًا، وكلمة: درهمًا نكرة لا معرفة، فما سر هذا التنكير؟

يقول المبرد سائلًا ومجيبًا: ولم يجز أن يكون الواحد الدال على النوع معرفة؛ لأنه إذا كان معروفًا كان مخصوصًا، وإذا كان منكورًا -يعني: نكرة - كان شائعًا في نوعه، والنوع: دراهم، وأنت قلتَ: عندي عشرون درهمًا، أي: جنسًا شائعًا من جنس الدراهم لا مخصصًا.

قال -عليه رحمة الله-: فأما النصب فإنما كان فيه؛ لأن النون مَنَعتِ الإضافة، والحق أنه وقف ها هنا طويلًا، وكان وقوفه لتبيين حقيقة الأسلوب، وما يجوز فيه، وما لا يجوز، يعني: ذكر آنفًا أن التمييز منصوب، وأن عامل النصب فيه الفعل وما يشبه الفعل، وذكر مثالَ التمييز المنصوب فقال: عندي عشرون درهما، فإذا سألتُكَ وقلت: مثِّل لتمييز منصوب، قلتَ: عندي عشرون درهما، وإذا سألتُك وقلتُ لك في ضوء (المقتضب) للمبرد: لماذا جاء التمييز درهما مفردًا؟

تقول: لأن الجمع قد سبقه وهو عشرون، فكلمة عشرون تدل على الجمعية ولا داعي إلى أن يأتي جمع بعد جمع، وإنما تحقق الجمع في قولك: عشرون، ثم جاء المفرد بعد الجمع؛ لبيان ما هو مجموع مذكور في العبارة.

وكذلك حين قال المبرد: وما سر التنكير فيه؟

قال: لأن النكرة تدل على الشيوع في الجنس، والشيوع في الجنس يتحقق بالنكرة لا يتحقق بالمعرفة، ولم يجز أن يكون الواحد الدال على النوع معرفة كما ذكر المبرد.

هذه المسألة التي تأتي الآن كأنه قال: لماذا كان درهمًا منصوبًا هكذا حين قلت: عندي عشرون درهمًا، وتقف عليها هكذا: عندي عشرون درهما، سبب النصب -كما قال المبرد-: أن النون منعت الإضافة، أيُّ نون؟ أنتَ تقول: عندي عشرون، إذن كلمة درهمًا هيهات أن تكون مضافًا إليه، السؤال: لماذا يبعد ويستحيل أن تكون كلمة درهمًا مضافًا إليه؟ لأنها إذا كانت مضافًا إليه فمعنى ذلك أن كلمة عشرون لا بد أن تأتي بدون نون، فهل قال أحدٌ: عندي عشرو... درهما؟!

أنتم تعلمون أن نون المثنى ونون جمع المذكر السالم تُحذفانِ عند الإضافة، يعني: نقول مثلًا: جَناحا الطائر يحلقان في فضاء مِلؤه الأمل، تقول: جناحا الطائر، الأصل: جناحان للطائر، حُذفت اللام تخفيفًا، فصارت الكلمة: جناحان الطائر، ثم حذفت النون للإضافة فصار التركيب: جناحا الطائر، وهكذا.

وكذلك نون جمع المذكر السالم، أنتَ تقول: ساكنون المدن معذبون، وساكنون القرى يتمتعون بمناظر جميلة ومشاهد طبيعية أو طبعية، فتحذف النون إن قصدتَ أن تكون عبارتك سليمة، فتقول: ساكنو المدن، وكذلك قول الله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ} (النساء: من الآية: 97) {ظَالِمِي} أصلها: ظالمين، ولكن حذفت النون منها؛ لإضافتها.

وقد بين سيبويه وغيره من السادة العلماء: أن هناك فرقًا في التعبير بين: الضاربي زيد، والضاربين زيدًا، على أن الضاربين زيدًا في الاستقبال، وهو عامل عمل الفعل، وزيدًا مفعول به، وعلى أن الضاربي زيد على الإضافة، ومن موجبات الإضافة: أن تحذف نون المثنى، وأن تحذف نون جمع المذكر السالم كما عَرَفتَ.

يذكر المبرد أن تمييز درهمًا إنما جاء منصوبًا؛ لأنه لا يُستطاع أن يؤتَى به مجرورًا، وما سبب ذلك يا علامة؟ يا محمدُ؟ قال: سبب ذلك أن النون منعت الإضافة، معنى ذلك: أن ثبوت النون في قولك: عشرون دليل على أن ما بعد كلمة عشرون لا يمكن أن يكون مضافًا إليه، فماذا يكون إذن؟ يكون منصوبًا، وهو منصوب على التمييز وليس مجرورًا على الإضافة، والنون خير شاهد على ذلك.

يقول المبرد مستطردًا: فإن منعت النون الإضافة عمِلت هذه الأسماءُ فيما بعدها بما فيها من معنى الفعل، وكان المنصوب مفعولًا صحيحًا؛ لأنها أسماءُ الفاعلين في الحقيقة.

ونحن نقف هنا وقد قرأنا عبارة المبرد، وكأن التمييز المنصوب مشبه بالمفعول به، وهو يستطرد في لطف وفي جمال، ويذكر ما ذكره سيبويه من تشبيه "ما" بـ"ليس" وكأن "ما" إنما شبهت بـ"ليس" لمعنى النفي وهو عين ما قاله سيبويه وهو مقرر علينا، إلا أن سيبويه -رحمة الله عليه- يذكر أن "ما" تُحمل على "ليس"؛ لوجه شبه مشروط، فهما للنفي، فإذا اختل شرط من الشروط عادت "ما" تميمية، وذكر ذلك في باب: "إلحاق القول بالظن".

والمبرد هنا يقول: إن الإضافة قد امتنعت، ومعنى أن الإضافة قد امتنعت في نحو: عندي عشرون درهمًا، وعندي عشرون ثوبًا، وعندي عشرون صديقًا، وهكذا، فمعنى ذلك: أن ما بعد العدد هو مفعول به من حيث المعنى، يعني كأنه يريد أن يقول: إن هناك نوعًا من الشبه بين التمييز المنصوب وبين المفعول به في الحقيقة، ثم ذكر هذا الأمر، وهو إلحاق "ما" بـ"ليس" كما ذكرها سيبويه -عليه رحمة الله.

وقال: والتشبيه يكون للفظ وللتصرف والمعنى -أي: وللمعنى- وقال: فأما المعنى فتشبيه كـ"ما" بـ"ليس" ثم قال: وليس فعل -يعني: اعلم أن ليس فعل- و"ما" حرف، يعني كأنه يريد أن يقول لك: أن أتأمل بالنيابة عنك، أتأمل أن "ليس" من الأفعال، وأن "ما" من الحروف، وكأنك يا قارئ (المقتضب) تسألني: كيف يُشَبَّهُ الحرفُ بالفعل، وبين الحرف والفعل بون شاسع؟ وأنا أجيب فأقول لك: لقد راعينا المعنى المشترك بين الحرف وبين الفعل، فإن سألتني وقلتَ لي: ما هذا المعنى المشترك بينهما؟

قلتُ لك: النفي، إذن النفي جامع محقق بين ما هو حرف وبين ما هو فعل، وهذا بسببه شُبِّهت "ما" بـ"ليس" مع وجود الفارق في أصل كل منهما، فهذا سبيل الإلحاق، وسبيل كل ما كانت النون فيه عاملة، يعني: ليست محذوفة من أجل الإضافة.

وقد سبقت أن نبهت حضراتكم إلى أن قول النحاة: الضاربون زيدًا على خلاف: الضاربو زيد، حين تقول: الضاربون زيدًا من الرحماء يعني: لم يوجوعوه، ولم يقولوا كما قال الأول: تحية بينهم ضرب وجيع، وإنما قلت: الضاربون زيدًا أي: الذين سيضربونه في المستقبل، أو الضاربون زيدًا الآن من الرحماء، زيدًا إعرابه: مفعول به، وأنتم تعلمون أن اسم الفاعل يعمل عمل فعله إذا كان محلًّا بـ"أل" عمل بلا شرط، وإذا لم يكن محلًّا بـ"أل" عمل بشرط الاعتماد على نفي أو استفهام وبشرط الدلالة على المستقبل.

فإذا حذفت النون فقد سبق السيف العزل، وصار التركيب: الضاربو زيد بالإضافة، وحذفت من أجله النون، ولا نصبَ ولا مفعولية، وإنما جاءت الإضافة لفظية؛ لكي تريح الناس من ثقل النون، ولكي ترفع القُبح من بعض الأوجه الجائزة في الصفة المشبهة التي إذا جاء النصب بعدها كان ذلك قبيحًا؛ لأن الصفة المشبهة تؤخذ من الفعل القاصر لا من الفعل المتعدي، والفعل المتعدي: هو الذي ينصب المفعول، فلما جاء ما بعدها منصوبًا نزلت منزلة المتعدي في هذا النصب وهو قبيح.

وإذا جاء مرفوعًا فمعنى ذلك: أنك تقول: رأيتُ الرجلَ الحسنَ الوجهُ، كيف تقول: رأيت الرجل الحسن الوجه هكذا برفع الوجه؟ وأنت تعلم أنه لا بد من اشتماله على ضمير يعود على الصفة المشبهة كأن تقول: رأيت الرجل الحسن وجهُه، تخلصًا من هذا كله قلنا: رأيت الرجل الحسن الوجهِ؛ تخلصًا من نصب قبيح ومن رفع قبيح أيضًا.

هذا الذي قاله النحاة وذكَروه وفصلوه المبرد -رحمه الله- يذكر لنا هنا وجهه وجماله، ويبين لنا ما ذكره من وجود النون التي منعت الإضافة، وبما أنها منعت الإضافة فقد أوجبت العمل، والعمل هنا النصب، والنصب محمول على النصب، والمعنى المشترك هو ثبوت النون التي منعت الإضافة كما كان المعنى المشترك بين "ما" و"ليس" هو النفي، وإن كان أحدهما من واد، والآخر من واد بعيد آخر.

وكما قال شوقي:

فَإِن يَكُ الجِنسُ يا بنَ الطَلحِ فَرَّقَنا إِنَّ المَصائِبَ يَجمَعنَ المُصابينا

هو يريد أن يؤكد هذه الحقيقة لنا وأن يبرزها في ثوب قشيب جميل، كأنه يقول: لو أن سائلًا سأل وقال: ما الدليل على النصب؟ قلنا له: وجود النون، أو أن سائلًا سأل وقال: ما الحكم؟ قلنا: النصب، فلو قال: فلِمَه -بهاء السكت-؟ قلنا: لأن النون حَالت دون الإضافة.

كأنَّا نقول: هل كان المبرد يترقب الإضافة بين عشرين ودراهم؟ قلنا: نعم، لماذا؟ لأن المبرد يعلم أن العدد -وقد سبق بيانه- من الثلاثة إلى العشرة المفردة يكون تمييزه جمعًا مجرورًا؛ لأنه من تمامه، وتمييز الشيء بعضه، أنتَ تميز ما عندك فكأنك تذكر بعضَ ما عندك، والملازمة تقتضي الإضافة، لكنه يقف أمام تعبير وارد، ويحلل هذا التعبير الوارد ويطوف حوله، ويقول: اعلموا أن الاتفاق أن النون إذا ثبتت فلا إضافة -أي: فلا جر- إذن: ماذا بقي لنا؟ وماذا بقي أمامنا؟ إنما هو النصب على هذا الوجه التشبيهي الجميل الذي ذكره محمد بن يزيد -عليه رحمة الله.

يقول المبرد: فإن قلت: هل يجوز عندي عشرو... رجل؟ عاد إلى السؤال من جديد، وكأنه يريد أن يقول لنا: الفصيحُ المستعملُ الصوابُ الذي لا يصح غيره أن تقولَ: عندي عشرون رجلًا، أو عندي عشرون درهمًا بالنصب، فماذا لو أنك قلتَ: عندي عشرو... رجل؟ أو عندي عشرو... درهم بالجر؟ قال: فإن ذلك غير جائز.

أصدر المبرد الحكمَ وأراح البلادَ والعبادَ، وقال:

إنْ قلتَ لي: هل يجوز عندي عشرو... رجل؟ يعني: بحذف النون مع الإضافة وجر رجل على أنه مضاف إليه ذلك غير جائز، يعني: لا تفكر في جواز ذلك، ثم يبين لنا السبب فيقول: لأن الإضافة تكون على جهة الملك، يعني: كما تعلمون في باب الإضافة: أن الإضافة -على رأي العلماء- إما أن تكون على معنى "اللام" واللام هي الملك، وأكثر الإضافة على معنى اللام، ثم يليها الإضافة على معنى "مِن" ثم يليها الإضافة على معنى "في" بل مكر الليل والنهار أي: مكرٌ في الليل والنهار، وهذا خاتم ذهب أي: من ذهب، وتقول: درهم زيد، وكتاب زيد، أي: كتاب لزيد، أكثر الإضافات على معنى "اللام".

وهو يريد أن يقول لنا: إن كلمة عشرين هنا لا يمكن أن تكون العَلاقة بينها وبين درهم أو رجل علاقة "من" يعني: عشرون من رجل قد يستقيم هذا التعبير على التبيين والتوضيح، لكن العشرين من رجل لا يمكن أن يكون مثل خاتم من حديد؛ لأن المضاف إليه جنس للمضاف، وليس قولنا: عشرو... رجل بأن الرجل جنس للعشرين -كما تعلمون- حتى إن المبرد في أول الأمر قال: إن الداعي إلى التمييز أن هناك ما لا يُحصى من المعدودات، يعني: عشرون رجلًا، وعشرون امرأةً، وعشرون... كذا، فكلمة عشرو... رجل لا يمكن أن تكون كلمة رجل هي الأصل أو الجنس لكلمة عشرين أو كلمة عشرون على وجه رفعها عندما نذكرها هكذا كما ذكرها المبرد.

وإنما نقول: جرِّب أيضًا كذلك في لا تقول: عندي عشرو... في رجل، جرب كذلك اللام لا تقول: عندي عشرو... لرجل، يعني: ليست العشرون ملكًا للرجل، كما أنك تقول: ثوب زيد بمعنى: ثوب لزيد، إذن معنى ثوب لزيد: أن زيدًا يملك الثوب، هكذا؛ لكن: عندي عشرو... زيد، هل معنى ذلك أن العشرين أو العشرون على وجه رفعها ملكٌ لرجل؟ أم أنَّ ملكية أنا ثابتة بهذا التعبير حين قلت: عندي أي: لي عشرون رجلًا؛ لهذا لا يستقيم التركيب هكذا: عندي عشرو... رجل؛ لأنَّا لو قلنا: عندي عشرو... رجل لقلناه على الإضافة، والإضافة غير ممكنة؛ لأنها على معنى اللام التي للملك، والملكية هنا لا تتحقق.

إذن: وجب أن يعود التركيب سائغًا فراتًا عذب شرابه، فنقول: عندي عشرون درهمًا، وعندي عشرون رجلًا، بإثبات النون ونصب ما بعد العدد على أنه تمييز، وهو -كما قال المبرد-: مفرد منصوب، ليس في حاجة إلى جمع؛ لأن قبله جمعًا، وليس في حاجة إلى التعريف؛ لأنه يدل على الشيوع وهو منصوب تشبيهًا بالعمل -عمل اسم الفاعل- والأسماء التي ثبتت فيها النون، فدل ذلك على إعمالها لا على إضافتها.

عمرمبروك
03-09-2006, 03:22 PM
بين الإفراد والجمع في التمييز

وأخيرًا ذكر هذا السؤال، فقال: هل يجوز أن تقولَ: عندي عشرو... رجل؟ وبين أن ذلك لا يجوز:

والحق أن المبرد -عليه رحمة الله- يستطرد كما يستطرد سيبويه، فيبين في غير عنوان قائلًا: إذا قلتَ: أنتَ أفرغ عبد في الناس، لاحظ هنا أن قوله: أنت: مبتدأ، وأفرغ: خبر، وعبد: مضاف إليه مجرور، ماذا يعني المبرد بهذا؟ إنما يعني العبد نفسه أي: أنت أفرغ عبد، هو لا يعني الناس، إلا أنه إذا قال: أنتَ أفرغ العبيد، فقد قدم عليهم ذلك العبد في الجملة، يقول المبرد: إننا أمام تعبيرين مهمين، ما هما؟ تعبير يكون فيه التمييز مفردًا ويستحيل أن يكون جمعًا، يعني: أنتَ تقولُ: عندي عشرون درهمًا، لا يجوز أن تقول: عندي عشرون دراهم، وإنما يجوز أن تقول كما في قول الله تعالى: {قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً} (الكهف: 103) فذكر - سبحانه وتعالى- التمييز: {أَعْمَالاً} جمعًا لا مفردًا، ذلك يجوز، فيجوز أن تقول: أفرغ الناس عبدًا، فتعني: جماعة العبيد.

ويقول: والجمع أبين إذا كان الأول غيرَ -يعني: مقصود في العدد- يعني يمكن أن تقول: أفرغ الناس عبيدًا كما قال الله تعالى: {قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً} لماذا؟ لأن العمل يتعدد من فرد إلى فرد، {الأَخْسَرِينَ} في قول الله تعالى مقصودون، كما أن العبيد يمكن أن يكونوا مقصودين، وعندئذ يقول المبرد: أفرغ الناس عبدا، جاء مفردًا، فكأنك تعني جماعة العبيد يعني: عبد من جملة العبيد المعدودين.

ثم يقول: ومن التمييز: ويحه رجلا، وحسبك به شجاعا، إلا أنه ذكر هنا شيئًا خطيرًا جدًّا فقال: وتدخل مِن ها هنا يعني: تستطيع أن تقول: حسبك به مِن شجاعٍ، ولله دره فارسًا، جاء التمييز منصوبًا، ولله دره من فارس، ولذلك يجيء التمييز مجرورًا بمِن هنا، وحسبك به مِن شجاع.

لكن السؤال هنا الذي طرحه المبرد -عليه رحمة الله-: هل يجوز أن تقول: عندي عشرون مِن درهمٍ كما قلت: حسبك به من شجاعٍ؟ الجواب: لا، وأنت مطمئن تمامَ الاطمئنان، لماذا؟ لأنه حين قلتَ: حسبك به من شجاع حَسُنَ أن تدخل مِن توكيدًا لذلك الذكر، فتقول: ويحه من رجل، ولله دره من فارس، وحسبك به من شجاع، ولماذا لا يجوز: عشرون من درهمٍ، ولا هو أفرغهم من عبدٍ؟ لأنه لم يذكره في الأول، ومعنى لم يذكره في الأول: كأنك حين قلت: حسبك به من شجاع، المخاطب يعلم من هو الذي حسبه، يعني: مَن هو كافيه؟ من هو يكفيه؟ لا يريد شجاعًا غيره من ملايين الشجعان، هو مذكور في الأول فحسن أن تَذكر مِن توكيدًا لِمَا ذكرتَه، أو لمن ذكرته قبله، وهذا لا يحدث في المثال: عندي عشرون درهما.

التطبيق العملي في هذا الذي ذكره المبرد أن أقول لك: بيِّن الصواب والخطأ فيما يأتي:

حسبك به من شجاع، صحيحة هذه العبارة أم خاطئة؟ الجواب: صحيحة.

عندي عشرون من درهمٍ، ضع علامة صح أو علامة خطأ أمام العبارة، العبارة نضع أمامها عبارة الخطأ؛ لأن مِن لا تدخل ها هنا، فليس قولنا: عندي عشرون درهما كقولنا: حسبك به -أي: بزيد، أو بخالد، أو بفلان - لكني قلتُ: عندي عشرون درهمًا، وقلت حين قلت: عندي عشرون درهمًا لم تذكر اسمًا مبتدأ به يعود عليه كما عاد: حسبك به من شجاع على زيد أو عمرو أو محمد أو غير ذلك من الأسماء؛ لهذا حكم المبرد بأن زيادة مِن في نحو قولنا: حسبك به من شجاع جائزة، وأن زيادة مِن في قولنا: عندي عشرون من درهم لا يجوز؛ لأن هذا الأسلوب يختلف تمامًا عن هذا الأسلوب، هذه من الحقائق.
بين المبرد والفراء في قوله تعالى: {وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ}

بقي أن نقول: إن المبرد -عليه رحمة الله- ذكر قول الله تعالى: {وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ} (النحل: من الآية: 53) وقال: إنه يرى إن قوله: {مِنْ نِعْمَةٍ} {نِعْمَةٍ} تمييز مجرور بمِن، والحق أن هناك خلافًا بينه وبين الفراء -عليه رحمة الله- ومَن وافَقه من أن كلمة: {مَا} شرطية، يعني: {مَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ} ودخلت الفاء في جواب الشرط.

وأن: {مَا} عند المبرد ومن وافقه اسم موصول بمعنى الذي، يعني: الذي بكم من نعمة بيان وتبيين، يعني: تمييز مجرور بمن، فـ{مَا} مبهمة، وهي إما أن تكون شرطية، وإما أن تكون اسمَ موصول، المبرد -عليه رحمة الله- يراها: موصولة، والفراء -عليه رحمة الله- يراها: شرطية.

قد تسألني وتقولُ: كيف دخول الفاء على تقدير الشيوخ والعلماء؟ أقول لك: إن الفاء تدخل في جواب الشرط، إذا أردنا أن نقول: إن: {مَا} شرطية على ما يراه الفراء قلنا: دخلت الفاء هنا؛ لأنها تدخل في جواب الشرط، يعني: فتلك النعمة من الله: {وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ} جواب الشرط إذا كان جملة اسمية يعني: إذا كان جملة اسمية وجب اقترانه بالفاء كما في قوله تعالى: {وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ} (الطلاق:من الآية: 3) دخلت الفاء على قوله تعالى: {هُوَ حَسْبُهُ} لأنها جملة اسمية.

ويدخل حرف الفاء كذلك على جواب الشرط إذا كان طلبيًّا: أمرًا، أو نهيًا، أو استفهامًا، ويدخل إذا كان الفعل مصدرًا بـ" سوف"، أو منفيًّا بـ"لن"، أو بـ"ما"، أو كان فعلًا جامدًا غير متصرف: إن تجتهدَ فنِعمَ الطالب أنتَ، ونحو ذلك، إذن: دخلت الفاء في جواب الشرط فـ{مَا} شرطية.

لكن المشكلة التي قد تغيب عنك بعض الوقت أن تقول: إذا حملناها على تقدير المبرد: بأنها موصولة، يعني: الذي بكم من نعمة فمن الله: {مَا} إعرابها: مبتدأ -هذا عظيم- أين خبرها؟ ما بكم من نعمة كائن أو استقر أو مستقر من الله، دخلت أيضًا الفاء في خبر المبتدأ، فكيف تدخل الفاء في خبر المبتدأ وهو موصول؟

الجواب ما ذكره العلماء من أن: المبتدأ إذا كان شبيهًا للشرط في العموم -لأن كلمة: ما، ومهما، ومن يجتهد، نحن لم نعين أحدًا، وإنما أفادت هذه الأدوات العموم- دخلت الفاء في خبره؛ تشبيهًا له بالشرط في عمومه، يعني: كأن هناك تجاذبًا بين أداة الشرط وبين اسم الموصول، أداة الشرط تدل على العموم، والاسم الموصول يدل على العموم، فلمَّا كان العموم مشتركًا بينهما ودخلت الفاء في جواب الشرط كذلك تدخل في خبر المبتدأ، كأنها تقول له: أنا منك، أو أنا بعضُ آيات شبهك بالشرط الذي كان.

كل الذي بين المبرد وبين غيره في قول الله -تبارك وتعالى-: {وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ} أن الإمام -عليه رحمة الله- يرى كما قال: وأنا أرى قوله -عز وجل-: {وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ} على هذا، يعني: على أن مِن بيانية، يعني: دخلت على مبين، دخلت على تمييز مجرور، و{مَا} كما ذكر المحقق العلامة عُضيمة -عليه رحمة الله- عنده: اسم موصول.

تحية لكم، سلام الله عليكم ورحمته وبركاته.

عمرمبروك
03-09-2006, 03:23 PM
تقديم التمييز على عامله الفعل

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم النبيين ورحمة الله تعالى للعالمين سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه، ومن دعا بدعوته إلى يوم الدين:

ما زلنا مع المبرد، ومع كتابه (المقتضب) وعنوان محاضرتنا التمييز بين التقديم والإعراب، ولنا أن نقف عند هذا العنصر الأول من المحاضرة، وعنوانه تقديم التمييز على عامله الفعل، وفي هذه السطر دقة تعلمناها من المبرد حيث قال:

واعلم أن التبيين -ومراده بكلمة التبيين التمييز كما عرفنا- ذلك أنه قضى على خلاف حين قال في أول الباب: التبيين والتمييز، وكأنه قال: إن التبيين بمعنى التمييز، نص المبرد: واعلم -يخاطب بذلك قارئ كتابه- أن التبيين إذا كان العامل فيه فعلًًا جاز تقديمه" عبارةٌ عربيةٌ واضحةٌ تدل على رأي العلامة المبرد في جواز تقديم التمييز على عامله، وذلك بشرط، إذا سألنا ما هذا الشرط؟ أجابنا -رحمه الله- بقوله: إذا كان العامل فيه فعلًا.

ولنا أن نعلم أن حكم التقديم جائزٌ، فمعنى ذلك أنك إذا قلت: طاب زيدٌ نفسًا، جاز لك أن تقول: نفسًا طاب زيدٌ، لماذا؟ لأنه تمييزٌ عمل فيه النصب فعلٌ، وأنت قد عرفت أن العامل إما أن يكون فعلًًا، وإما أن يكون جاريًا مجرى هذا الفعل، وهو الذي عبر عنه المبرد بأنه ما يُشبه الفعل، فإذا كان العامل فعلًَا فمعنى ذلك أن ذلك شرطٌ لجواز ولا تقل لتقديم التمييز؛ لأن قولك لتقديم التمييز يوهم أن التقديم واجبٌ إذا كان العامل فعلًًا، أنت تقول: طاب فعل ماض مبنيٌّ على الفتح، وزيدٌ فاعلٌ مرفوعٌ وعلامة رفعه الضمة الظاهرة، ثم تأتي بالتمييز منصوبًا فتقول: نفسًا على هذا النسق، يعني يأتي الفعل أولًًا، ثم يأتي بعد الفعل فاعله، ثم يأتي بعد الفعل والفاعل ما يبين طاب زيدٌ طعامًا، أم طاب زيدٌ ماءً، أم طاب زيدٌ هواءً، أم طاب زيدٌ سكنًا، أم طاب زيدٌ نفسًا، يعني هناك أمور مبهمة يتطرق نحوها الاحتمال إذا قلنا: طاب زيدٌ، كما أن هناك احتمالات في قولنا: عندي عشرون، عندي عشرون رجلًا، أم عندي عشرون كتابًا، أم عندي عشرون امرأة، وهكذا لا ندري، فلما قلت: عندي عشرون رجلًا ذهبت الاحتمالات كلها، وذلك بأنك قد بينت -أي قد ميزت- وكانت ميزتك أنك قلت رجلًا، أو أنك قلت درهمًا، أو أنك قلت غير ذلك من الأسماء.

لك الآن أن تقارن بين ما ذكره لك المبرد من رفع الاحتمالات في قولك: عندي عشرون درهمًا أن تقارن ذلك بمسألة تقديم التمييز على عامله الفعل طاب زيدٌ نفسًا، في هذا المثال الذي ذكره المبرد تستطيع أن تقدم التمييز على عامله، أي أنك إذا قلت: طاب زيدٌ نفسًًا كنت عربيًّا فصيحًا، وإذا قلت: نفسًا طاب زيدٌ كنت عربيًّا فصيحًا، وأنت تدرس باب التمييز من كتاب (المقتضب) للمبرد فلابد أن تعرف ماذا قال المبرد؟ هذا مهم جدًّا، وهو قد منحك القاعدة ميسرة حكمًا عربيًّا، فقال: واعلم أن التبيين -أي التمييز- إذا كان العامل فيه فعلًًا جاز تقديمه.

أنا أقول لك: ما معنى قول المبرد: جاز تقديمه؟ تقول لي: معنى قول المبرد: جاز تقديمه أن حكم التقديم جائزٌ ليس بواجب، يعني ما الذي يقصده كذلك، أو ما الذي نستنتجه نحن من أن الحكم هو الجواز؟ الجواب: أن ذلك يدل على اتساع اللغة، وما معنى اتساع اللغة؟ معناها أن هناك أوجهًا مختلفة تصح في الأسلوب الواحد، يعني تستطيع أن تقول: طاب زيدٌ نفسًا، وتستطيع أن تقول: نفسًا طاب زيدٌ، لا يخطئك في الأول أحدٌ، ولا يخطئك في الثاني كذلك أحدٌ؛ إذن فلغتك فيها متسعٌ كما أن في دينك متسعًا والحمد لله، يقول المبرد: لتصرف الفعل، ومعنى ذلك أن الفعل هو الأصل، والأصل يتصرف فيه ما لا يتصرف في غيره من الفروع، هذا هو المراد، يعني نقول على رأي المبرد: لماذا جاز تقديم التمييز على عامله الفعل دون غيره؟

ويكون الجواب: لأن الفعل فيما يرى المبرد وغيره، يعني لا خلاف بين المبرد وبين غيره في أن الفعل هو العامل الأساس، وأن هذا العامل الأساس يتصرف فيه أو يتصرف؛ لأنه الأساس، أما غيره من نحو الصفة المشبهة، فلا يجوز أن تقول: وجهًا زيدٌ الحسن؛ لأن العامل هنا الحسن، وهو صفةٌ مشبهةٌ، والصفة المشبهة وإن كانت تعمل النصب في التمييز فإنها لا تكون بمثابة الفعل؛ حيث إن الفعل عامل أصيل، وحيث إن الصفة المشبهة إنما عملت النصب في التمييز بالحمل على الفعل، وليس من العدل أن تكون الصفة الفرع كالفعل الذي هو أساس، هذا ما ينبغي أن نعرفه جميعًا، وأن نقف عنده بادئ بدء.

نقول: إذا كان العامل غير فعل امتنع تقديم التمييز على عامله، يقول المبرد في مثاله: كما في قولك: تصببت عرقًا، أعرب هذا المثال؟ تصبب فعل ماض مبنيٌّ على الفتح المقدر الذي منع من ظهوره كراهية وجود متحركات فيما هو كالكلمة الواحدة، والتاء فاعلٌ مبنيٌّ في محل رفع، وعرقًا إنما هو تمييزٌ منصوبٌ وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة، هذا عظيمٌ، ماذا يعني المبرد بهذا المثال؟ يعني المبرد بهذا المثال أن العامل في التمييز جاء فعلًا، وعلى هذا يجوز فيه أن يتقدم التمييز على عامله، بمعنى ماذا؟ بمعنى أنك تقول: عرقًا تصببتُ، كما قلت: نفسًا طاب زيدٌ، تقدم التمييز على عامله في المثالين؛ لأن العامل فعلٌ يتصرف أو يتصرف فيه بما لا يتصرف في غيره؛ لأنه هو الأساس في العمل هكذا.

قال هو -رحمه الله تعالى-: تقول: عرقًا تصببت، يعني المثال أصله: تصببت عرقًا، على هذا الترتيب تصبب فعل ماض، والتاء فاعلٌ، وعرقًا تمييزٌ منصوبٌ وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة، أما قولنا: عرقًا تصببُ، فإن عرقًا تمييز، أين عامله؟ تصبب، كيف جاء الترتيب؟ جاء بتقديم التمييز على عامله، وما عامله؟ فعل، حدد الفعل تصبب؛ إذن ما سر إباحة التقديم، أو لماذا جاز التقديم؟ والجواب: أن هذا التقديم إنما جاز لأن العامل فعل وهو تصبب، وهكذا قال المبرد: ثم قال، ماذا قال؟ قال: وهذا لا يجيزه سيبويه -رحم الله الجميع. معنى قوله: وهذا لا يجيزه سيبويه أن سيبويه -رحمة الله عليه- لا يجيز الذي أجازه المبردون.
الخلاف بين سيبويه والمبرد في تقديم التمييز

نحن أمام مسألة خلافية ذكرها المبرد في (المقتضب) وبدأ بنفسه، فقال:

إذا كان العامل في التبيين فعلًا جاز تقديمه، هذا عظيمٌ، وذكر المثال يعني لم يذكر شاهدًا، وسوف يأتي الشاهد، وبين كيف يكون الترتيب مع التقديم، فقال: وذلك مثل تصببتُ عرقًا، تقول: عرقًا تصببتُ، ثم ذكر رأي شيخه، فقال: وهذا لا يجيزه سيبويه لماذا؟ لأنه يراه كقولك: عشرون درهمًا، معنى هذا أن المبرد -رحمة الله عليه- يذكر علة منع سيبويه تقديم التمييز على عامله الفعل، ما هذه العلة؟

العلة أن قولنا: تصببتُ عرقًا مثل قولنا: عندي عشرون درهمًا، لا يجوز لنا أن نقدم كلمة درهمًا، وهي تمييزٌ، فنقول: عندي درهمًا عشرون، هذا لا يجوز، وكما لا يجوز لنا أن نقول: درهمًا عندي عشرون، ولا عندي درهمًا عشرون، وإنما الجائز الممكن أن نقول: عندي عشرون درهمًا فقط لا غير، كذلك نقول: تصببت عرقًا لا غير، يعني لا نقول عرقًا تصببتُ، لماذا؟ لأن لا نقول: درهمًا عشرون، وكما لا يجوز أن نقول: درهمًا عشرون لا نقول: عرقًا تصببتُ، هذا ما نقله المبرد عن شيخه سيبويه بالنسبة إلى مسألة جواز تقديم التمييز على عامله، يقول: لأنه -أي سيبويه- يراه -أي: أن سيبويه يرى- تصببت عرقًا كقولك عشرون درهمًا، وهذا أفرههم عبدًا يعني أطولهم وأعلاهم، وليس هذا بمنزلة ذلك، عاد المبرد إلى كلامه، فكان من كلامه أن خطأ سيبويه في الحمل، يعني أن سيبويه حمل قول الناس تصببتُ عرقًا على عندي عشرون درهمًا، فقال سيبويه: لا يجوز عرقًا تصببت، كذلك لأن لا نقول: درهمًا عشرون، قال المبرد: وليس هذا بمنزلة ذلك.

يوضح قوله فيقول: لأن عشرين درهمًا إنما عمل في الدرهم ما لم يؤخذ من الفعل، هو يريد أن يقول: العامل غير العامل يعني عندي عشرون درهمًا لم يعمل في درهمًا فعلٌ كالذي ورد في قولنا: تصببتُ عرقًا، وطاب زيدٌ نفسًا، ماذا من أوجه الخلاف بين قولنا: تصببتُ عرق وبين قولنا: عندي عشرون درهمًا؟

يقول: ألا ترى أنه يقول -أي سيبويه- وغير سيبويه يقول: هذا زيدٌ قائمًا، طبعًا كأن المبرد يُلمح إلى ما جاء في سورة "هود" من قول الله تعالى ربِّنا: {وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا} المنصوب على الحالية شيخًا، والعامل فيه ما في اسم الإشارة من معنى الفعل، لكنه ليس فعلًا {وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا} انتصب شيخًا على الحالية، وهو كذلك يقول: هذا زيدٌ قائمًا انتصب قائمًا على الحالية، يقول: ولا يجيز -أي: أن سيبويه لا يجيز- قائمًا هذا زيدٌ، لماذا؟ لأن العامل غير فعلٍ، يعني لأن العامل في الحال ليس فعلًا، وإنما هو ما تضمنه اسم الإشارة من معنى الفعل، وهو أشير هكذا، فكما أن العامل لما كان غير فعلٍ امتنع تقديم الحال فما يقول أحد: قائمًا هذا زيدٌ.

لكن إذا انتقلنا إلى تركيبٍ آخر في الحال -يعني في درس الحال- وهو قولنا: جاء زيد راكبًا، هل يجوز أن نقول: راكبًا جاء زيدٌ؟ الجواب: نعم، ما إعراب هذه الجملة جاء زيدٌ راكبًا؟ جاء فعل ماض مبنيٌّ على الفتح، وزيدٌ فاعلٌ مرفوعٌ وعلامة رفعه الضمة الظاهرة، وراكبًا حالٌ منصوبةٌ وتقول حالٌ منصوبٌ وعلامة نصبه أو نصبها الفتحة الظاهرة، وتستطيع أن تقدم الحال على عاملها فتقول: راكبًا جاء زيدٌ، ومسرعًا وصل القطار، وسعيدًا بدأ الناجح، وهكذا نستطيع أن نقدم الحال على عاملها الذي هو بلا خلاف فعلٌ، ولا يجوز هذا في نحو قولنا: هذا زيدٌ قائمًا، أي لا نقول: قائمًا هذا زيد؛ إذن فرق المبرد بين الحال التي يكون العامل فيها فعلًا كما في قوله: راكبًا جاء زيدٌ وبين الحال التي يكون العامل فيها غير فعلٍ كما في قوله: هذا زيدٌ قائمًا، وقال ما نصه: لأن العامل فعلٌ فلذلك أجزنا تقديم التمييز إذا كان العامل فعلًًا، وهذا رأي أبي عثمان المازني؛ إذن أبا عثمان المازني يوافقه المبرد، ويخالف سيبويه -عليه رحمة الله.

وذكر المبرد شاهدًا الذي وعدناكم بأن نذكره، وقلنا: وسوف يذكر الشاهد بعد، فما هذا الشاهد؟ يقول الشاعر:

أَتَهجُرُ لَيلى لِلفِراقِ حَبيبُها وَما كانَ نَفسًا بِالفِراقِ تَطيبُ

قال الشاعر: أَتَهْجُ/ رُ لَيْلَـ لِلْ/ فِرَاقِي/ حَبِيبُهَا/ مَفَاعِلن/ ومَا كَا/ فَعُولن/ نَ نَفْسََن بِلْ/ مَفَاعِيلن/ فِرَاقِي/ فَعُولن/ تَطِيبُو/ فَعُولن.

هنا جاء الشاهد من الطويلوعروضه حَبِيبُهَا مَفَاعِلٌ مقبوضةٌ وجوبًا، وجاء الضرب تَطِيبُ فَعُولُ وأصله مَفَاعِي، وجاء محذوفًا؛ إذن الضرب محذوفٌ، والعروض مقبوضة، وبهذا يتم بين أيدينا من شواهد سيبويه، ومن شواهد المبرد استكمال لبحر الطويل، عروضٌ واحدةٌ مقبوضةٌ وجوبًا، والضرب كالعروض أو صحيح أو محذوف كما في هذا الشاهد، يقول: كيف تهجر ليلى للفراق حبيبه وليلى وغير ليلى ما كان نفس بالفراق تطيب، يعني لا تطيب نفس بالفراق، ولا يطيب أحدٌ نفسًا سواءٌ كان ذلك الأحد ليلى أم كان ذلك الأحد قيس، سواءٌ كان ذلك الأحد رجلٌ أم كان ذلك الأحد امرأة، المهم أنه لا توجد نفسٌ تطيب بالفراق، ماذا جرى في التعبير؟ قال:

............................. وَما كانَ نَفسًا بِالفِراقِ تَطيبُ

أي: ما كان بالفراق تطيب ليلى نفسًا، يعنى لا تطيب ليلى بالفراق نفسًا، الحق أي أن هذا الشاهد الذي استشهد به المبرد على أن التمييز يكون مقدمًا، ويجوز تقديمه إذا كان العامل فيه فعلًا كتطيب ذكره غير المبرد هكذا:

أَتَهجُرُ لَيلى لِلفِراقِ حَبيبُها وَما كانَ نَفسي بِالفِراقِ تَطيبُ

هذه رواية ذكرها العلماء، وقالوا: إن هذه هي الرواية عندنا إذا قال: وما كان نفسي فقد انقطع الكلام، بعضهم يقول: هذه رواية وهذه رواية، ولننظر نحن في القياس، يعني هل القياس أن يتقدم التمييز على عامله إذا كان فعلًا كما قال المبرد -عليه رحمة الله؟ الجواب: أن روايتهم التي ذكروها: وما كان نفسي بالفراق تطيب ليس فيه تمييزٌ منصوبٌ حتى نقول: إنه تقدم أو تأخر، الوزن واحد، ولعلك تذكر ما قاله الناس في بيتٍ مشهورٍ في اقتران جواب الشرط بالفاء حين قال الشاعر:

مَن يَفعَلِ الحَسَناتِ اللَهُ يَشكُرُها .........................

قالوا: هذه جملة اسمية جاءت جواب شرط، وهو غير مقترن بالفاء، والشعر باب الضرورة، وحُذِفَتْ الفاء للضرورة الشعرية؛ لأن الشاعر إذا ذكرها انكسر البيت، وإذا انكسر البيت لا يصح؛ لأنه لو قال: مَنْ يَفْعَل الْ -والبيت من البسيط- مَنْ يَفْعَلِ لْـ/ حَسَنا/ تِفَلله/ انتهى البيت انكسر؛ إذن قال الشاعر:

مَن يَفعَلِ الحَسَناتِ اللَهُ يَشكُرُه .........................

على حذف الفاء للضرورة الشعرية، جاء أناسٌ وقالوا: لا، البيت لا يُروى هكذا، وإنما يُروى:

مَن يَفعَلِ الخير فالرّحمَنُ يَشكُرُه وَالشَرُّ بِالشَرِّ عِندَ اللَهِ مِثلانِ

جاء برواية قالوا: هذه هي الرواية، ماذا تريدون أن تثبتوا؟ أرادوا أن يثبتوا أن جواب الشرط إذا كان جملةً اسميةً وجب اقترانه بالفاء، وأصبح البيت الذي هو من البسيط ليس شاهدًا في الموضوع، وإنما صار مثالًا، يعني يُعدُّ شاهدًا؛ لأنه من عصور الاحتجاج، ولأنه ورد فيه الجملة الاسمية جوابَ شرطٍ، وقد اقترنت بالفاء، فلا شاهد هنا بالنسبة إلى من يقول: إن الجملة الاسمية إذا جاءت جواب شرطٍ بدون فاء فذلك للضرورة الشعرية، هم جاءوا بـ:

مَن يَفعَلِ الخير فالرّحمَنُ يَشكُرُه ........................

مَنْ يَفْعَلِ لْ/ خَيْرَ فَـرْ/ رَحْمَانُ يش / كُرُهُو/ فَعِلن/ مخبونة وجوبًا كما تعملون، الوزن مستقيم على ماذا؟ على وجود الفاء في الجملة الاسمية؛ إذن فما الشاهد هنا؟ لا شاهد إلا على أن قول الشاعر:

مَن يَفعَلِ الحَسَناتِ اللَهُ يَشكُرُه .........................

من باب أن جواب الشرط جاء جملة اسمية غير مقرونة بالفاء، وهذا محالٌ، لماذا؟ لأن الرواية عند هؤلاء "من يفعل الخير فالرحمن يشكره" هذه روايتنا، كذلك قالوا في بيت المقتضب:

أَتَهجُرُ لَيلى لِلفِراقِ حَبيبُها وَما كانَ نَفسًا بِالفِراقِ تَطيبُ

قالوا: إنما الرواية عندنا: وما كان نفسي بالفراق تطيب قطعة جهيزة قول كل خطئ، فما الداعي إلى ذكر القياس أو غير القياس هنا، وقد أتيتم برواية ليس فيها تمييزٌ أصلًا حتى نقول: إنه يجوز تقديمه على عامله، أو لا يجوز تقديمه على عامله، لقد ذكرتم البيت هكذا:

أَتَهجُرُ لَيلى لِلفِراقِ حَبيبُها وَما كانَ نَفسًا بِالفِراقِ تَطيبُ

إما أن نعرب كان ونفسي اسمها، وجملة تطيب خبرها في محل نصب، فإن سأل سائلٌ وقال: كيف نقول: وما كان نفسي على أن نفسي اسم لكان ولم نقل: وما كانت نفسي؟ كان الجواب سهلًا بأن نفسي مؤنثٌ، وتأنيثه مجازي فيجوز أن نقول: وما كان نفسي وما كانت نفسي، وإما أن نعتبر أن اسم كان الشأن، ويكون نفسي مبتدأً، وتكون جملة تطيب في محل رفع خبر المبتدأ، ويكون المبتدأ وخبره معًا جملة اسمية في محل نصب خبرًا لكان الشامية هذا يجوز، فأين التمييز هنا.
من التمييز ما يكون مجرورًا، ووجه الجر والنصب مع مائة ومع عشرين

ثم ينتقل بنا المبرد رحمة الله إلى فكرة أخرى نستطيع أن نسميها من التمييز ما يكون مجرورًا، يقول: واعلم أن من التمييز ما يكون خفضًا، هذه عبارة الخفض يعني الجر، ويعبر بالمصدر، وهو يريد واعلم أن من التمييز ما يكون مجرورًا، وذلك الذي ذكره من جريه أي المبرد -رحمه الله- أنه مثّل له بمائة درهمٍ، وبألف درهمٍ، ونبهنا إلى أن معناه معنى عشرين درهمًا، أي أن درهمًا في قولنا: عشرون درهمًا، أو عندي عشرون درهمًا تساوى الأمر من حيث المعنى مائة درهم، عشرون درهمًا المعنى واحد، وهو التمييز سواء ورد مجرورًا أو ورد منصوبًا كما في عشرين درهمًا.

يريد المبرد أن يقول هنا: إن تمييز المائة وتمييز الألف يكون مفردًا مجرورًا، هو لا يتعرض للإفراد والجمع، وإنما يتعرض لوجه الإعراب وهو الخفض، وقال: يأتي ذلك على وجهٍ أبينه لك، معنى ذلك أن هذا الوجه وجه إضافة، حين تقول: مائة درهمٍ تكفيني، أو حين تقول: حسبي ألف درهمٍ، جاء التمييز هنا مجرورًا، وهذا على معنى الإضافة، وتستطيع أن تقول ذلك في باب العدد، فتقول: تمييز المائة والألف إنما هو تمييزٌ مجرورٌ، وتمييز العقود -عشرون، ثلاثون، أربعون، خمسون، ستون- يكون كذلك مفردًا منصوبًا؛ ولذلك جمع المبرد بين المثالين، فقال: مائة درهمٍ، وألف درهمٍ، ثم ذكر أن معنى ذلك عشرين درهمًا يعني أن معناه معنى عشرين درهمًا فكذلك النصب، إنما هو على التمييز، والجر إنما هو على التمييز، قال: ولكنك أضفت إلى المميز، يعني الذي أردت أن تميزه أضفته، وأنت هنا ما الذي أردت أن تميز؟ المائة، أردت أن تميزها فهي مميزة، مميزة يعني: جيء بالتمييز من أجلها -من أجل تمييزها ومن أجل تبيينها- تقول: مائة درهمٍ، وألف درهمٍ بالإضافة أضفت التمييز إلى المميز، فقال: ولكنك أضفت إلى المميز.

ثم أتى بعبارة أنصح لك بأن تحفظها، وهي قوله: لأن التنوين غير لازم، كأنه يعود بك أو يعود بنا إلى ما قاله في نحو قولنا: عندي عشرون درهمًا، لماذا لا يصح عندي عشرو درهمٍ؟ فقال هنالك: لأن النون حاجزٌ يمنع الإضافة؛ إذن النون لازمة والإضافة ممتنعة، وكذلك هنا هو يقول: لأن التنوين غير لازم، ولكي تتضح هذه العبارة لنا يعود فيقول: والنون في عشرين لازمة؛ إذن هنا من حقنا أن نقول: ما الفرق بين تنوين مائة وبين نون عشرين؟ ويكون الجواب: التنوين في مائة غير لازم، والنون في عشرين لازمة؛ إذن من حقِّن أن نقول: وما الذي يترتب على ذلك؟ والجواب: أن الذي يترتب على عدم لزوم التنوين في مائة جر ما بعدها، والذي يترتب على لزوم النون في عشرين نصب ما بعدها.

بهذا البيان الجميل الشافي يبين لنا المبرد الفرق بين جر درهمٍ في نحو قولك: عندي مائة درهمٍ، وبين نصب درهمًا في نحو قولك: عندي عشرون درهمًا، النصب في درهمًا من لزوم النون في عشرين، بينما الجر في نحو قولنا: عندي مائة درهمٍ التمييز درهمٍ مجرور، وسبب الجر أن تنوين مائة غير لازم، يعني تستطيع أن تنون مائة؛ ولذلك نقول: مائة من الإبل، وألفًا من الدنانير، وألف دينار، ونقول على نحوها: فدان قمح، وفدان من قمح، وهكذا نقول هنا في مائة: مائة درهم، ونقول في العشرين: عشرون درهمًا.

فما الفرق بين الجر في درهم، والنصب في درهمًا على المثالين بهذا الترتيب عندي مائة درهم، وعندي عشرون درهمًا؟ الجر بالإضافة، والنصب على التشبيه بالمفعول به-لو أردت أن أذكرك- لأنه قال: إن ثبوت النون يدل على العمل، كأنك قلت: الضاربون زيدًا، فكذلك عندي عشرون درهمًا، انتصب التمييز، وذلك على التشبيه كما شُبِهَتْ ما بليس، وقد سبق بيان ذلك.
معنى الإضافة في التمييز

عمرمبروك
03-09-2006, 03:25 PM
تتمه
معنى الإضافة في التمييز

يقول -عليه رحمة الله- فأما قولك: زيدٌ الحسن وجهًا والكريم أبًا، فإنه خارج في التقدير من باب الضارب زيدًا؛ لأنك تقول: هو الحسن الوجه يا فتى، وإن كان الخفض أحسن، ماذا يعني المبرد بقوله: وإن كان الخفض أحسن؟ الجواب: يعني المبرد بقوله: وإن كان الخفض أحسن أن الجر بعد الصفة المشبهة بالفعل أو باسم الفاعل أن الصفة المشبهة باسم الفاعل، وهي من الألفاظ الشبيهة بالفعل في العمل الجر بعدها أحسن لماذا؟ لأن الجر سوف يخلصنا من قبح النصب.

ولماذا قال العلماء: إن نصب الوجه بعد الصفة المشبهة قبيح؟ الجواب: أنه قبيح؛ لأن فيه تشبيه القاصر بالمتعدي، والرفع كذلك قبيحٌ -كما قلنا- لأنهلا يوجد فيه ضمير، يعني لم نقل: حسنٌ وجهه، فالجر يخلصنا من رفع القبح، وهذا ما قاله النحاة في الإضافة اللفظية.

وهي إضافة الوصف المشبه للفعل، قالوا: إن لها غرضين، فالإضافة اللفظية من أغراضها أنها تفيد التخفيف، ويتحقق هذا التخفيف بحذف التنوين الذي هو ممّا يُحذف من أجل الإضافة، قالوا: هذا ضارب زيدٍ، قالوا: ضارب اسم فاعل، والأصل فيه قبل أن ينجر إليه زيدٌ: ضاربٌ، أنت تقول: هذا ضاربٌ زيدًًا أعملته فلما أعملته نونته، والتنوين ثقيلٌ، فلما أضفته لا بد أن يُحذف التنوين من أجل الإضافة فحذف التنوين؛ إذن لولا الإضافة ما حُذِفَ التنوين، فحذف التنوين خفة، هذا مراد قول النحاة: الإضافة اللفظية تفيد التخفيف، ثم قالوا: أو رفع القبح، ما معنى أو رفع القبح؟ يقصدون بهذا الصفة المشبهة؛ لأنها -كما قلنا- إذا جاء ما بعده منصوبًا تشبهت بالمتعدي، وهي لا تصاغ إلا من القاصر -أي: من اللازم- وإذا جاء ما بعدها مرفوعًا فلابد أن يشتمل على ضمير، وخلوه من الضمير قبحٌ، فماذا نفعل؟ نأتي بما بعدها مضافًا إليه مجرورًا، فيكون جره أفضل طريقة للتخلص من هذين القبحين -احفظوا هذا يحفظكم الله.

يقول المبرد: فأما قولك: أنت أفره عبدٍ في الناس، فإنما معناه أنت أحد هؤلاء الذين فضلتهم، يريد أن يقول: إن هناك مثالين لا بد أن يعرفهما دارسي العربية، حين تقول: أنت أفره عبد في الناس معناها أنت أحد هؤلاء الناس، ذكر مثالًا أولًا على هذا فقال: تقول: الخليفة أفضل بني هاشم هذا يجوز، ولكن لا يجوز الخليفة أفضل بني تميم؛ لما تعلمونه من أن الخلافة الأصل الأصيل فيها أن تكون من بني هاشم قوم النبي -صلى الله عليه وسلم وآله- فالخليفة حين نقول أفضل بني هاشم لماذا صح هذا التعبير؟ لأن الخليفة من بني هاشم، ولما لم يكن من بني تميم لا يجوز أن نقول: الخليفة أفضل بني تميم، كيف نفضله على أناسٍ هو ليس منهم، أما إذا كان الخليفة منهم جاز ذلك كما قال المبرد.

وسلام الله عليكم ورحمته وبركاته.

قبة الديباج
03-09-2006, 04:30 PM
بارك الله فيك .. ونفع بك

أبو تمام
04-09-2006, 01:41 AM
بارك الله فيك أخي عمر ، ونفعنا بكم ..

جهد مبارك -إن شاء الله - وبما أنك تطرقت لسيرة المبرد فلعلي أضيف شيئا يسيرا عن ذلك الرجل .

فهو لفطنته سمّاه أستاذه المازني بالمبرِّد(اسم الفاعل) ، لكن الكوفيون حرّفوه وجعلوه المبرَّد ( اسم مفعول ) ، ولا يخفى على احد أثره النحوي ، لكن يعاب عليه جرأته على تخطئة القرّاء ، والقراءة نفسها وإن كانت صحيحة متواترة ولكنها لا توافق القواعد النحوية ، فتارة يحكم عليها باللحن ، وتارة أخرى يعيب قارءها بأنه لا يفقه بالعربية شيئا ، وهذا بلاشك لا يصح بأي شكل من الأشكال ، لأن هذه القراءات متواترة عن المصطفى صلى الله عليه وسلم ، فكيف يرميها باللحن ، ولعل أشهرها ما ذكر عنه أنه قال " إذا صليت خلف إمام وسمعته يقرأ بقوله تعالى"تساءلون به والأرحامِ" بالكسر ، أخذت نعلي ومضيت " أو نحو ذا الكلام .

ولكنه مع هذا يعد من أبرع نحاة البصرة ، والقارئ لكتاب الكامل في اللغة والأدب يعجب بأسلوبه ، وإسهابه ، واستطراده الممتع الشيق ، فالأدب يمتزج مع الفائدة النحوية وكلها تصب في قالب واحد ، وأنا عن نفسي لا أنام إلا بقراءة صفحات من ذا الكتاب ، وأنصح من لم يقرأه بأن يتناوله ، لأن به الفائدة النحوية الممزوجة بأدبنا العربي .

لك أعذب التحايا أخي الكريم

عمرمبروك
04-09-2006, 02:37 AM
في البداية أشكر الأخوين (قبة الديباج وأبو تمام ) على هذه المشاركة , وأسأل الله أن ينفعنا وإياكم بما تعلمنا , وأن يجعل هذا العلم طريقاً لفهم كتابه وسنة رسوله .
****
التحفـة السنيـة بشـرح المقـدمـة الآجـروميـة لمحمـد محيـي عبـد الحميـد

« بَابُ التَّمْيِيـزِ »

قَالَ: التَّمْيِيزُ هُوَ: الِاسْمُ الْمَنْصُوبُ، الْمُفَسِّرُ لِمَا انْبَهَمَ مِنَ الذَّوَاتِ، نَحْوَ قَوْلِكَ: « تَصَبَّبَ زَيْدٌ عَرَقًا » وَ « تَفَقَّأَ بَكْرٌ شَحْمًا » و َ« طَابَ مُحَمَّدٌ نَفْسًا » وَ « اشْتَرَيْتُ عِشْرِينَ كِتَابًا » وَ « مَلَكْتُ تِسْعِينَ نَعْجَةً » وَ « زَيْدٌ أَكْرَمُ مِنْكَ أَبًا » وَ « أَجْمَلُ مِنْكَ وَجْهًا ».
وأَقُولُ: للتمييز في اللغة معنيان؛ الأول: التفسير مطلقًا، تقول: ميّزتُ كذا .. تريد أنك فسَّرتَهُ.
والثاني: فصلُ بعضِ الأمور عن بعض تقول: ميَّزتُ القوم، تريد أنك فصلتَ بعضَهم عن بعض.
والتمييز في اصطلاح النحاة عبارة عن « الاسم، الصريح، المنصوب، المُفَسِر لما انبهم من الذوات أو النَّسب ».
فقولنا: « الاسم » معناه أن التمييز لا يكون فعلًا ولا حرفًا.
وقولنا: « الصريح » لإخراج الاسم المؤول، فإن التمييز لا يكون جملة ولا ظرفًا، بخلاف الحال كما سبق في بابه.
وقولنا: « المفسر لما انبهم من الذوات أو النسب » يشير إلى أن التمييز على نوعين، الأول: تمييز الذات، والثاني: تمييز النسبة.
أما تمييز الذات ـ ويسمى أيضًا تمييز المفرد ـ فهو « ما رفع ابهام اسم مذكور قَبلَهُ مُجملِ الحقيقة » ويكون بعد العدد، نحو قوله تعالى: ﴿ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا ﴾، ﴿ إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ ﴾ أو بعد المقادير، من الموزونات، نحو « اشتريتُ رطلا زيتًا » أو المَكيلاتِ، نحو « اشتريتُ إردَبًَّا قمحًا » أو المساحات، نحو « اشتريتُ فدانًا أرضًا ».
وأما تمييز النسبة ـ ويسمى أيضًا تمييز الجملة ـ فهو: « ما رفع إبهام نسبة في جملة سابقة عليه » وهو ضربان؛ الأول: مُحوَّل، والثاني: غير محول.

فأما المحول فهو على ثلاثة أنواع:

النوع الأول: المحول عن الفاعل، وذلك نحو « تَفَقَّأ زيدٌٌ شحمًا » الأصل فيه « تفقأ شحمُ زيد » فحذف المضاف ـ وهو شحم ـ وأقيم المضاف إليه ـ وهو زيدٌ ـ مُقامَهُ، فارتفع ارتفاعه، ثم أتى بالمضاف المحذوف فانتصب على التمييز.

النوع الثاني: المحول عن المفعول وذلك نحو قوله تعالى: ﴿ وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا ﴾ أصله « وفجرنا عيون الأرض » ففُعل فيه مثلُ ما سبق.

النوع الثالث: المحوَّلُ عن المبتدأ، وذلك نحو قوله تعالى: ﴿ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا ﴾ وأصله « مالي أكثرَ من مالِكَ »فحذف المضاف، وهو «مال » وأُقيمَ المضاف إليه ـ وهو الضمير الذي هو ياء المتكلم ـ مقامه فارتفع ارتفاعًا وانفصل؛ لأن ياء المتكلم ضميرٌ متصل كما عرفت، وهو لا يبتدأ به، ثم جيء بالمضاف المحذوف فَجُعلَ تمييزًا، فصار كما ترى.
وأما غير المحول فنحو « امتلأ الإناءُ ماءً »

« شُرُوطُ التَّمْيِيزِ »

قَالَ: وَلَا يَكُونُ إِلَّا نَكِرَةً، وَلَا يَكُونُ إِلَّا بَعْدَ تَمَامِ الْكَلَامِ.

وَأَقُولُ: يشترط في التمييز أن يكون نكرة، فلا يجوز أن يكون معرفة، وأما قول الشاعر:
رَأيتُكَ لمَّا أن عَرَفتَ وُجُوهَنا صَدَدْتَ وطِبٍْتَ النَّفسَ يَا قيسُ عن عمرِو
فإن قوله « النفس » تمييز، وليست « أل » هذه « أل » المُعَرِّفة حتى يلزم منه مجيء التمييز معرفة، بل هي زائدة لا تفيد ما دخلت تعريفًا؛ فهو نكرة، وهو موافق لما ذكرنا من الشرط.
ولا يجوز في التمييز أن يتقدم على عامله، بل لا يجيء إلا بعد تمام الكلام، أي: بعد استيفاء الفعل فاعله، والمبتدأ خبره.

تَمْرِينَاتٌ

1 ـ بَيِّنْ أَنْوَاعَ التَّمْيِيزِ تَفْصِيلًا فِي الْجُمَلِ الْآتِيَةِ: « شربتُ كوبًا ماءً، اشتريتُ قنطارًا عسلًا، ملكت عشرة مثاقيل ذهبًا، زرعتُ فدانًا قطنًا، رأيتُ أحد عشر فارسًا، ركب القطار خمسون مسافرًا، محمد أكمل من خالد خلقًا وأشرف نفسًا وأطهر ذَيلًا، امتلأ إبراهيم كبرًا ».
2 ـ ضَعْ فِي كُلِّ مَكَانٍ مِنَ الْأَمْكِنَةِ الْخَالِيَةِ مِنَ الْأَمْثِلَةِ تَمْيِيزًا مُنَاسِبًا:
أ ) الذهب أغلى ... من الفضة. هـ) الزرافة أطول الحيوانات ...
ب) الحديد أقوى ... من الرصاص. و ) الشمس أكبر ... من الأرض.
ج) العلماء أصدق الناس ... ز) أكلت خمسة عشرَ ...
د) طالب العلم أكرم ... من الجهال. ح) شربت قدحًا ...

3 ـ اجْعَلْ كُلَّ اسْمٍ مِنَ الْأَسْمَاءِ الْآتِيَةِ تَمْيِيزًا فِي جُمْلَةٍ مُفِيدَةٍ:
شعيرًا، قصبًا، خُلُقًا، أدبًا، ضَحكًا، بأسًا، بَسَالة .

4 ـ هَاتِ ثَلَاثَ جُمَلٍ يَكُونُ فِي كُلِّ جُمْلَةٍ مِنْهَا تَمْيِيزً مَسْبُوقٌ بِاسْمِ عَدَدٍ، بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ اسْمُ الْعَدَدِ مَرْفُوعًا فِي وَاحِدَةٍ وَمَنْصُوبًا فِي الثَّانِيَةِ وَمَخْفُوضًا فِي الثَّالِثَةِ.

تَدْرِيبٌ عَلَى الْإِعْرَابِ
أَعْرِبِ الْجُمْلَتَيْنِ الْآتِيَتيَنْ:ِ
« محمد أكرم من خالد نفسًا، عندي عشرون ذراعًا حريرًا ».


الْجَوَابُ

1 ـ محمد: مبتدأ، مرفوع بالابتداء، وعلامة رفعه الضمة الظاهرة.
أكرم: خبر المبتدأ، مرفوع بالمبتدأ، وعلامة رفعه الضمة الظاهرة.
من خالد: جار ومجرور متعلق بأكرم.
نفسًا: تمييز نسبة محول عن المبتدأ منصوبوعلامة نصبه الفتحة الظاهرة.

2 ـ عند : ظرف مكان متعلق بمحذوف خبر مقدم، وعند مضاف وياء المتكلم مضاف إليه، مبني على السكون في محل خفض.
عشرون: مبتدأ مؤخر مرفوع بالابتداء، وعلامة رفعة الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم.
ذراعًا: تمييز لعشرين، منصوب بالفتحة الظاهرة.
حريرًا: تمييز لذراع، منصوب بالفتحة الظاهرة.

المليكي
04-09-2006, 12:30 PM
بارك الله فيكم جميعا ..

هيثم محمد
04-09-2006, 02:02 PM
ممتاز أستاذ عمر بارك الله فيك

عمرمبروك
04-09-2006, 04:15 PM
في البداية : أشكر أخوي (مدرس عربي) ا لذي أخذ من لقبه الشيء الكثير فهو أستاذ لنا , كما أشكر أخي ( المليكي) على مشاركته , وننتظر منكم المشاركة بأي معلومة تفيد في هذا الباب .

(هذا الدرس للشيخ الدكتور/السبيهين , في شرحه لمتن ا لآجرومية في قناة المجد العلمية)
بـــــاب التمييـــــــز


(باب التمييز، التمييز هو الاسم المنصوب المفسر لما انبَهَمَ من
الذوات، نحو قولك: "تصبب زيدٌ عرقاً" و"تفقأ بكر شحماً" و"طاب محمدٌ
نفساً" و"اشتريتُ عشرون غلاماً" و"ملكتُ تسعين نعجة" و"زيد أكرمُ منك
أباً" و"أجمل منك وجهاً" ولا يكون إلا نكرة ولا يكون إلا بعد تمام
الكلام).


بدأ المصنف -رحمه الله تعالى- بتعريف التمييز، فعرفه بقوله: ( التمييز
هو الاسم المنصوب المفسر لما انبَهَمَ من الذوات )، لا نحتاج أن نعيد
ما قلناه من قبل من المأخذ الذي أخذه عليه كثير من الدارسين وطلبة
العلم أنه ذكر الحكم في التعريف، فجعل الحكم بأنه منصوب جزءًا من
التعريف فتوقف معرفة التمييز على معرفة حكمه وتوقفت معرفة حكمه على
معرفة تعريفه، فصار كل واحد منهما متوقفاً على الآخر ولا يستطيع الواحد
الوصول إلى أحدهما دون الآخر، فوقع الدور والدور باطل، فصار التعريف
مدخولاً، وبناءً عليه فالأولى أن لا يذكر الحكم في التعريف؛ لأن
التعريف لتحليل الشيء ثم بعد ذلك يبين حكمه.


على كل حال هو هنا ذكر أنه هو: ( الاسم المنصوب المُفَسِر لما انبَهَمَ
من الذوات )، قبل أن أدخل في مسألة تحديد الحديث عن التمييز, نحن كان
آخر أو من آخر ما ذكرناه الحديث عن الحال، ويقع الالتباس كثيرًا عند
طلاب العلم في مسألة الحال والتمييز والفرق بينهما، والاشتباه فيهما،
فإذا رأوا اسماً منصوبًا أتى بعد الجملة التبس الأمر عليهم, فمنهم من
يقول: لا أستطيع تمييز هل هو تمييز أم حال أو على الأقل في بعض
الأساليب لا يتضح له هل هذا الاسم تمييز أو حال.


والحق أن الأمر واضح وبينهما فرق، بل الفرق بينهما جلي ولعلي أذكر بعض
الفروق بينهما ليتضح الأمر للإخوة:





الفرق بين الحال والتمييز


1- الحال يقع مفرداً وغير مفرد والتمييز لا يكون إلا مفرداً:


طبعاً نحن عرفنا عند الحديث عن الحال أن الحال يقع مفرداً وهو الأصل،
لكنه يقع جملة ويقع ظرفا، يقع جاراً ومجروراً الجملة بنوعيها: اسمية،
وفعلية، ومر بنا التمثيل لكل واحد من هذه الأشياء، أما التمييز فلا
يكون إلا مفرداً ، فهذا هو أول فرق بينهما، طبعاً المفرد اسم لا يكون
فعلا ولا حرفاً. قد يقول قائل: فإن جاءني اسم مفرد منصوب، فربما التبس
علي، هو مفرد الحال يقع مفردًا والتمييز يقع مفردًا، وكلاهما اسم، فكيف
أعرف هل هو حال أو تمييز؟


2- الأصل في الحال أن يكون مشتقاً والتمييز لا يكون إلا جامداً:


نحن عرفنا عند الحديث عن الحال أنه الأصل فيه أنه لا يكون إلا مشتقًا،
وإن وقع غير ذلك أولناه به، ولذلك إذا جاءنا: ادخلوا الأول فالأول,
قلنا: مرتبين، جاءوا رجلاً رجلاً، يعني مترتبين، فإذا جاء جامداً
أُوِِّلَ بمشتق، وإلا فالأصل أن يكون مشتقاً, لكن التمييز يكون جامداً
لأنك تأتي به لبيان أو لتوضيح المقصود بالذات، كما يقول الله -سبحانه
وتعالى- حكاية عن يوسف -عليه السلام-: ﴿ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ
كَوْكَبًا ﴾ [يوسف: 4]، فـ ﴿ كَوْكَبًا ﴾ هنا كما ترون اسم جامد غير
مشتق، وهو تمييز للعدد ﴿ أَحَدَ عَشَرَ ﴾ لأن "أحد عشر" هذا اسم مبهم
لا يعرف المقصود به أحد عشر ماذا؟ فيأتي التمييز لبيانه كما سيأتي,
وكما ترون هو جامد وليس مشتقاً، وهذا يكون في التمييز ولكنه لا يكون في
الأحوال على الصحيح, الأصل في الحال أن يكون مشتقاً ، وما جاء من جامد
منه فإنه يؤول بالمشتق.


3- كل من الحال والتمييز له معنى غير الآخر:


الفاصل في الفرق بين الحال والتمييز: هو المعنى، أنت تأتي بالحال
لماذا؟ لتبين هيئة صاحبه وقت حدوث الفعل، عندما أقول: "أقبل الرجل
ضاحكاً"، أنا الآن لا أفسر الرجل، لا أميزه أبين هيئته أو أبين حاله،
ولا أفسر "أقبل"، لكني أذكر الهيئة التي أقبل عليها، فالرجل هو صاحب
الحال، ونحن نبين هيئته في وقت حدوث الفعل، وهو الإقبال، هذا هو
المقصود بالحال.


أما التمييز في قولنا: "عندي عشرون كتاباً" فإن "كتاباً" هذه لا تبين
هيئة شيء، لكنها تفسر المقصود بالعشرين بالذات، هذه الذات التي هي
عشرون، العدد هي هنا تفسره المقصود به، فإذن هي لا تميز الهيئات،
ولكنها تفسر الذوات، فالتمييز إذن يفسر ذاتاً مبهمة غير واضحة، والحال
أن الذوات الموجودة في الكلمة واضحة، لكنه يبين الهيئة التي وقع الفعل
عليها من صاحبه، لعل الأمر اتضح ولذلك هم عند حديثهم عن الحال يقولون:
إن الحال يبين الهيئة، وأما التمييز فيبين الذات الأصل فيه أو النسبة
كما سيأتي في أنواع التمييز أنه قد يبين ذاتاً أو يبين نسبة.


الذوات يا دكتور، بالنسبة للذوات تكون بعد الأرقام أم أن هناك أدوات
أخرى؟.


فيه، فيه ذوات أخرى، فيه مثلاً المقادير، كقولك مثلاً: "اشتريت متراً
قماشاً" فقماشاً هنا تمييز، بين هذا الطول, هذا مقدار من المقادير
ففسره، فإذن التمييز يأتي وأكثر ما يأتي طبعاً إذا كان للذات لا للعدد،
لكنه ليس بشرط أن يكون هو خاص بالعدد وسيأتي بيانه -إن شاء الله
تعالى-.


4- يجوز تكرار الحال ولا يجوز تكرار التمييز بدون عطف:


من الفروق وإن كانت لا تكثر، الفروق الواضحة بينهما نحن عرفنا في الحال
أنه يأتي مكرراً فتقول مثلاً في قول الله -سبحانه وتعالى-: ﴿ فَخَرَجَ
مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ ﴾ [القصص: 21]، الآن ﴿ خَائِفًا ﴾ حال،
و﴿ يَتَرَقَّبُ ﴾ حال، اجتمع حالان لصاحب واحد، ولكن التمييز لا يصح
فيه ذلك إلا بالعطف، لا تستطيع أن تقول مثلاً: "رأيت عشرين عالماً
ومتعلماً" ممكن هذا بالعطف بالواو، لأن العشرين هذه لمجموعة من الناس
بعضهم ممن يعلمون، وبعضهم ممن يتعلمون، فجاء التمييز هنا لأكثر من واحد
ولكن أحدهما معطوف على الآخر ولكن لا يمكن أن تقول: "رأيت عشرين عالماً
متعلماً" أما الحال فإنه يقع هذا ويقع هذا، فلك أن تأتي به معطوفاً
فتقول: "جاء الرجل راكباً وضاحكاً" ولك أن تقول: "جاء الرجل راكباً
ضاحكاً" والتمييز يجب فيه العطف، وحيئنذ يعرف الثاني معطوفًا ولا يعرب
تمييزًا وإن كان هو في الحقيقة تمييزًا آخرَ.


5- يجوز تقديم الحال ولا يجوز تقديم التمييز:


الأمر الآخر أيضاً يمكن أن يكون فرقا فارقا بينهما: مسألة الجواز، جواز
التقدم والتأخر، نحن عرفنا في الحال أنك لك أن تقدم الحال لغرض بلاغي
فتقول: "راكبا جاء زيد" طبعاً الغرض البلاغي هنا قد يكون شخص سألك كيف
جاء زيد؟ هو يهتم الآن بالحال بالهيئة، فتقدم هذا الأمر لأهميته
واهتمام السامع به، فتقول: "راكبا جاء زيد"، فلا مانع من ذلك، فالحال
يتقدم، أو "جاء راكبا زيد" تقدم على صاحبه وتقدم حتى على الفعل على
العامل فيه، وأما التمييز فعلى الصحيح لا يتقدم على ذلك فلا تقول مثلاً
في قولك: "اشتريت عشرين كتاباً"، ما تقول: "كتاباً اشتريت عشرين"، فلا
يتقدم التمييز على الصحيح على عامله وبالذات إذا صار فعلا أو مشتقًا.


على ذلك فالفروق بينهما واضحة وأكبر هذه الفروق ما تعلق منها بالمعنى،
فإن الحال كما عرفنا يبين الهيئات ولا يفسر شيئًا مبهمًا لكنه يبين
الهيئة التي يكون عليها صاحبه وأما التمييز فهو على اسمه، تمييز أي
تفسير وإيضاح فهو يوضح شيئًا مبهما إما ذات وإما نسبة وسأبين لكم بعد
قليل المقصود بالذات والنسبة.


تمييز الذات والنسبة، يعني نحن الآن التمييز جاء اسمه تمييز، ميزت
الشيء يعني وضحته بعد أن كان مبهماً، قد يفسر أو يميز أو يوضح كلمة
واحدة مفردة وقد يحتاج إلى أن يميز ويوضح مجمل الكلام، يعني تكون
مثالات واضحة ما تحتاج إلى تمثيل، لكن انتساب الشيء إلى الشيء, نسبة
الشيء إلى الشيء هي المبهمة، كيف ذلك؟ نبدأ بالمفرد الأمثلة فيه واضحة،
عندما قلت منذ قليل: "اشتريت عشرين كتاباً" أو عندما يقول المصنف:
(ملكت تسعين نعجة) فإذن الآن في قولنا: "اشتريت عشرين كتاباً" واضح أن
كلمة " اشتريت" واضحة ما فيها إشكال، لكن عشرين هذه هي غير واضحة،
تحتاج إلى تمييز وتوضح ، عشرين ماذا؟ لو وقفت عليها وقلت: "اشتريت
عشرين" لا يعلم السامع ما المشترى، فتحتاج أن تميز كلامك فتقول:
"كتاباً"، أو كما قال المصنف: (غلام) فميز المقصود بالعشرين، ما
انبهم في هذه الكلمة، في هذه المفردة عشرين، فهي تمييز مفرد؛ لأن عندنا
كلمة مفردة واحدة مبهمة فميزها التمييز ووضحها فسميناه تمييزاً مفردًا،
ومثله: (ملكت تسعين نعجة)، فإنك إذا قلت: (ملكت تسعين) وسكت، السامع لا
يعلم، تسعين ماذا؟


فإذن هذه المفردة هذه الكلمة مبهمة تحتاج إلى إيضاح وإزالة الإبهام
فتأتي بكلمة نعجمة هذه لإزالة هذا الإبهام فيها، فكان هذا التمييز
مفرد، أي لكلمة واحدة.


حتى يا دكتور إذا كانت تسعين هذه يعني ليست بمعنى التسعة. تسعين تدخل
ضمن المفرد؟.


نعم, ليس المقصود هنا بالمفرد ما كان قسيمًا للمثنى والجمع، المقصود
بالمفرد يعني الكلمة الواحدة، ما كان كلمة واحدة، أما قسيمه هو ما
سيأتي من قولنا: تمييز نسبة، والنسبة هي نسبة الفاعل إلى الفعل أو نسبة
المبتدأ إلى الخبر .. إلى آخره، يعني انتساب الشيء المسند إلى المسند
إليه، فهنا هو المقصود بتمييز النسبة، لا تتضح، وسيتبين هذا الآن.


ما تحدثت عنه منذ قليل أو ما ذكرته هل هذا يختص بالعدد؟ هو موضوع
كلامنا الآن فقلنا إن التمييز يكون للمفرد وذكرنا أمثلة للعدد أننا
نذكر عدداً مبهماً كلمة واحد ثم يأتي التمييز موضحاً له، قد يكون
التمييز كما قلنا للمقدار، وهذا المقدار أنواع عندما قد يكون مساحة
تقول: اشتريت مثلاً مترين قماشاً، هذا مقدار، المتران ما يعلم ما هي،
متران من ماذا؟ هل هي من الأرض؟ أو من القماش؟ أو من الحبال؟ أو من
غيرها؟ فتحتاج أن تبين ذلك، "اشتريت مترين قماشاً"، فتقول: "قماشاً"
هذا مقدار، مقدار مساحة، أو تقول مثلاً في ما يكال أو يوزن أو يوزن
تقول: مثلاً بعت صاعين براً، هذا مما يكال كيلاً فيقول: بعت صاعين
برًا، لا يعلم الصاعان ما هما، هو المقدار معروف الآن، هما صاعان، لكن
ما محتوى هذين الصاعين، فلا يتضح إلا بتمييز ، فتقول: براً، فالبر هنا
ميز المفرد الذي هو الكيل هنا، وقد يكون مثلاً وزناً، كقولك مثلاً:
"اجتنيت كيلين عسلاً"، فهذه توزن، أنت ذكرتها بالوزن، فبينت الكيلين ما
هما، فهذه مما يكون التفسير فيها أو التمييز فيها تميزاً لمفرد.


قد يكون هذا المميز ليس بمقدار من المقادير المعروفة سواءً كانت مساحة
أو كيلا أو وزناً، ولكنها يعني تقوم مقامه، أو بمثابته، يعني عندما
يقول الله -سبحانه وتعالى-: ﴿ فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ
خَيْرًا يَرَهُ ﴿ 7 ﴾ ﴾ [الزلزلة: 7]، الآن ﴿ خَيْرًا ﴾ تمييز، ميزت
ماذا؟ ﴿ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ ﴾ فمثال الذرة ليس من الموازين المعروفة عند
الناس لكنه مقدار من المقادير فهو في منزلة هذه الأمور، أقصد الكيل
والوزن والمساحة ؛ لأنه يبين مقداراً وإن لم يكن معتادا أن يكال به أو
يوزن به عند الناس لكنه مقدار معلوم، أو على الأقل معلوم في الذهن وله
فهمه في الذهن.


ممكن أن يكون التمييز ليس بمقدار وليس لعدد يعني عندما تقول: "اشتريت
خاتماً فضة"، قولك: "فضة" هذا ميز الخاتم، ميز نوع الخاتم، هو تمييز
لهذا المفرد، لهذا اللفظ المفرد، لكنه ليس بمقدار ولا (كلمة غير
مفهومة) لعدد، بل هو الخاتم أصله فضه، فهو من تمييز أضيف الفرع إلى
أصله، يعني صار التمييز أصلاً لميز، صار التمييز فيه أصلاً للمييز.


هذه الأمور كلها من تمييز المفردات، أو ما يسمونه تمييز الذات؛ لأنه
عبارة إلى كلمة واحدة تحتاج إلى إيضاح مبهمة تميزت بهذه الطريقة، إذا
كان الأمر كذلك فما المقصود بقولك: تمييز النسبة؟ أحيانًا مضمون الجملة
يكون غير واضح، مفردات الجملة واضحة، لكن مضمونها هو الذي غير واضح،
يعني عندما ننظر مثال للمصنف في قوله: (تصبب زيد عرق)، قبله أو أولى
منه قول الله -سبحانه وتعالى-: ﴿ وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا ﴾
[مريم: 4]، لأن يكون الكلام في هذه وإن كان التمثيل فيهما متساوي،
كلاهما فيه فعل وفاعل وتمييز.


في قول الله -سبحانه وتعالى-: ﴿ وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا ﴾ هو
يتكلم عن زكريا، ﴿ وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا ﴾ طبعاً: ﴿ شَيْبًا ﴾
تمييز، الآن الاشتعال واضح، سرعة حصول الشيء معناه اشتعال، طبعاً هو
تشبيه باشتعال النار؛ لأنه أول ما يبدأ الشيب يكون خفيفاً، ثم يصل إلى
مرحلة يسري بسرعة، فشبه زكريا نفسه لوصوله مرحلة من الكِبَر أنه وصل
إلى مرحلة أن يسرع الشيب إليه فشبهه باشتعال النار في الهشيم، فقال: ﴿
وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا ﴾ فالاشتعال واضح، والرأس أيضاً واضحة،
فليس عندنا مفرد الآن يحتاج إلى تمييز، يعني عندنا شيباً تمييز كما
رأيتم، لكن ليس تمييزًا للاشتعال، الشيب ليس تمييزًا للاشتعال، في
قولنا: ﴿ شَيْبًا ﴾ وهو ليس تميزًا للرأس لكنه تميز لطبيعة ما اشتعل في
الرأس فالنسبة بين الفعل والفاعل هي التي تحتاج إلى تمييز، اشتعل الرأس
ماذا؟ فقال: ﴿ شَيْبًا ﴾، فميز طبيعة هذه، ومثلها كما قلت منذ قليل،
(تصبب زيد عرق)، إذا قلت: (تصبب زيد) الآن لا يعلم ما نوع التصبب هذا
الذي أصابه، ماء أو عرقاً أو أي شيء آخر، دمًا أو غيرها، فإذا قلت:
عرقاً اتضح المقصود، فالتصبب واضح وزيد شخص معروف، لكن قولك: "عرقاً"
هذه ميزت نوع نسبة الفعل إلى فاعله، هذا هو المقصود بتمييز النسبة، وهو
أن تكون المفردات واضحة، لكن انتساب أحد ركني الجملة إلى الآخر هو الذي
فيه إبهام فيحتاج إلى إيضاح وتمييز.


إن كان المقام يحتمل ليس هناك شيء عاجل وضحت الأمور التي يمكن أن يأتي
عليها هذا النوع من التمييز أقصد تمييز النسبة، نحن عرفنا المقصود
بالنسبة وهو انتساب أحد ركني الجملة إلى الآخر، هو الذي غير واضح،
ومفردات الجملة واضحة، كل واحد منها ما يحتاج إلى إيضاح، لكن انتساب
أحدهما إلى الآخر غير واضح.


العلماء يقسمون تمييز النسبة إلى قسمين:


قسم مُحَول: يعني التمييز نفسه حُوِّلَ من شيء كان على حالة ثم تحول
إلى حالة أخرى.


والنوع الآخر: لم يتحول هو باقٍ على حالته.


كيف ذلك؟ عندما نرجع إلى مثالنا السابق في قول الله -سبحانه وتعالى-: ﴿
وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا ﴾ يقول المفسرون: معنى الآية أو تقدير
الآية: اشتعل شيبُ الرأس، الشيب هو الذي يشتعل، شيب الرأس، فإذن ما
الذي فعلناه؟ الشيب في قولنا التقديري، اشتعل شيب الرأس إعرابه فاعل
فنقلناه من كونه فاعلاً إلى أن يكون تمييزاً، اشتعل الرأس شيباً
فقالوا: هذا التمييز محول من فاعل، ومثله "تصبب زيد عرقاً" أصله: تصبب
عرق زيد، فنقلنا العرق من كونها فاعلاً إلى أن صارت تمييزاً، "تصبب زيد
عرقاً"، ومثله المثال هذا الطريف في قوله: (تفقأ بكر شحم) يعني من
السمن، فأصله تفقأ شحمُ بكر، ثم نقل الفاعل.


تفقأ من العلم أو من؟.


لا.. هو قال (لحم)، نعم هو في قوله: تفقأ، العلم لا يفقئ الناس، لكن
هو واضح أنه يقصد سمنه، ووضحه بقوله: (شحم)، فأصله تقديره: تفقأ شحمُ
بكر، ثم نقل الفاعل هذا شحمه إلى أن يكون تمييزًا فقال: (شحم).


(طاب زيد نفس)، أيضاً المثال السابق، وقد أكثر هو من الأمثلة في هذه
وهي متماثلة وهذا قد يكون من المآخذ للمتون المختصرة أن يطال فيها
الأمثلة لشيء واحد، فأصله طابت نفسُ زيد، فاعل ثم حُول هذا الفاعل إلى
تمييز، فصار طاب زيد نفساً، أصله طابت نفس زيد، نفس هي الفاعل، ثم حول
فصارت نفس هي التمييز، "طاب زيد نفساً".


فيسمون هذا النوع من أنواع التمييز تمييزاً محولاً من فاعل.


في قول الله -سبحانه وتعالى-: ﴿ وَفَجَّرْنَا الأَرْضَ عُيُونًا ﴾
[القمر: 12]، هو الآن العيون ليست فاعلاً، ليست هي المتفجِّرة، ولكنها
مفجَّرة، وقالوا: إن التقدير في المعنى: فجرنا عيونَ الأرضِ، فعيون في
الأصل مفعول به، ثم حولت إلى تمييز، ﴿ وَفَجَّرْنَا الأَرْضَ عُيُونًا
﴾.


محول عن مفعول به.


أحسنت, التمييز هنا هو تمييز نسبة وقد بينا كيف صار تمييز نسبة، طبعاً
هو تمييز نسبة لماذا؟ لأن قولنا: ﴿ وَفَجَّرْنَا الأَرْضَ عُيُونًا ﴾
التفجير معروف والأرض معروفة، لكن طبيعة هذا التفجير ما الذي حصل هو
غير معروف, يحتاج إلى تمييز، تمييز نسبة، ثم ما دام تمييز نسبة هو محول
من ماذا؟ كما قلت الآن هو أصله: فجرنا عيونَ الأرض، مفعول به ثم حولنا
المفعول به إلى تنوين فصار المفعول تمييزاً فيقال: إنه تمييز محول عن
مفعول به.


الأمثلة الأخرى في قوله: ( زيد أكرم منك أباً وأجمل منك وجه)،
التقدير طبعاً في قولنا: ( زيد) واضح معناه، و(أكرم) واضح، و(منك) واضح
إذن ليس تمييز مفرد، لأن المفردات واضحة، ليست مبهمة تحتاج إلى تمييز،
لكن النسبة بين زيد والكرم غير واضحة أكرم هو أكرم في ماذا؟ لا يعلم،
فقال: (أب) فأتى بالتمييز، قالوا: أصل الجملة: أبو زيد أكرم منك، هذا
الأصل، فـ «أبو» ماذا كان إعرابها في الأصل؟ أبو زيد أكرم منك، مبتدأ،
ثم تحولت من كونها مبتدأً إلى كونها تمييزًا, فهو إذن تمييز محول من
مبتدأ، ومثلها: (أجمل منك وجه) يعني أصله: وجه زيد أجمل منك، هذا
الأصل، ثم بعد ذلك حول هذا المبتدأ فنقل إلى أن يكون تمييزاً فقال:
(زيد أجمل منك وجه).


إذن تبين الآن أن التمييز تمييز النسبة قد يحول من فاعل وقد يحول من
مفعول به وقد يحول من مبتدأ، فهذه كلها أنواع لتمييز النسبة المحول.



يأتي أحيانًا مثال للتمييز، هو تمييز نسبة يعني لا يميز مفرداً وفي نفس
الوقت لا تستطيع أن تقول: إنه محول في قولك مثلاً: "امتلأ الحوض ماءً"
لا نستطيع أن نقول: إنه تمييز مفرد، لأن الامتلاء واضح والحوض واضح،
فهو تمييز نسبة قطعاً، ولا نستطيع أن نقول: إنه محول؛ لأنه ليس فاعلاً,
ما تستطيع أن تقول: امتلأ ماءُ الحوض، الماء لا يمتلئ, الحوض هو
الممتلئ, ولا مفعول؛ لأن الفعل امتلأ هذا ليس متعدياً لينصب مفعولاً
أصلاً ولا هو محول من مبتدأ فليس التقدير ماء الحوض امتلأ، فإذن هو غير
محول أصلاً، تتبين من هذا أن التمييز نوعان:


- تمييز مفرد.


- وتمييز نسبة.


تمييز مفرد يكون فيه كلمة في الجملة مبهمة تحتاج إلى إيضاح كالعدد
والمقدار.


تمييز النسبة ليس في الجملة شيء يحتاج إلى إيضاح، لكن ارتباط الجملة
بعضها ببعض هو الذي يحتاج إلى إيضاح فيسمى تمييز نسبة، هذا التمييز
المميز للنسبة قد يكون محولاً من أصل مقدر فاعل أو مفعول أو مبتدأ
وربما لا يكون محولاً أصلاً من شيء.


أرجو أن تكون هذه الأمور قد اتضحت الآن في مسألة التمييز ومعنى كونه
للمفرد ومعنى كونه لنسبه، أو لتركيب، والمقصود بتحوله أو عدم تحوله،
إذا كان هذا واضحاً ابتدأت في الباب التالي.


أبتدئ بسؤال الإخوة واستقبال أسئلتهم، فقد نستعرض أمثلة المصنف بصورة
سريعة حتى تكون واضحة ؛ لأن المتن مهم أن يفطن له طالب العلم، أمثلة
المتن أهم عنده من الأمثلة المحدثة أو المجتلبة؛ لأن هذه الأمثلة هي
التي ستبقى معه في متن الكتاب.


(تصبب زيد عرق)، هذا تمييز واضح أنه تمييز نسبة ؛ لأن التقدير: تصبب
عرقُ زيد، فهو محول من فاعل.


(تفقأ بكرٌ شحم) أيضاً هذا تمييز نسبة ومحول من فاعل أيضاً، التقدير:
تفقأ شحمُ بكر.


(طاب زيدٌ نفس)، أيضاً تمييز نسبة محول من فاعل والتقدير: طابت نفسُ
زيد.


(اشتريتُ عشرينَ غلام)، هذا تمييز مفرد عدد؛ لأن الـ "عشرين" هنا غير
واضحة, مبهمة، لا يعلم المقصود بها، فوُضِّحتْ بالتمييز.


(ملكت تسعين نعجية)، أيضاً تمييز مفرد عدد، ولعله فرق بينهما ؛ لأنه
جاء بالأول مذكر والثاني مؤنث، وإلا فلا فرق بينهما، كلاهما تمييز مفرد
عدد.


(زيد أكرم منك أب)، هذا تمييز نسبة وأصله مبتدأ تقديره: أبو زيد أكرم
منك.


(وأجمل منك وجه)، أيضاً تمييز نسبة ومحول من مبتدأ أيضاً؛ لأن
التقدير: وجهه أجمل من وجهك، فهو تمييز نسبة محول من مبتدأ.


ولم يمثل المصنف للتمييز المحول من مفعول به، ولا للتمييز غير المحول
أصلاً، ولا للتمييز المفرد من الأنواع الأخرى الدالة على مقدار أو شبه
المقدار، وإنما اكتفى بتمييز المفرد المبين للعدد.


أستقبل أسئلة إن كان هناك استفسارات مشكلة عند الإخوة ثم أسألهم أنا إن
لم يفعلوا.


إذن تمييز النسبة المحول إما أن يكون محولاً عن فاعل أو مفعول به أو
يكون محولاً عن مبتدأ، ثلاثة أنواع.


أحسنت، بالضبط، هذه التي يحول منها، هذا صحيح، أو يكون غير محول أصلاً.



غير محول لأنه تمييز مفرد.


لا.. هو نفس تمييز النسبة قد يكون غير محول أصلاً، كما مثلنا في قولنا:
"امتلأ الحوض ماءً" أو : "امتلأ الإناء ماءً"، هنا لا تستطيع أن تقول
ماءً هذه نائب فاعل؛ لأنك ما تقول: امتلأ ماءُ الإناء، الماء لا يمتلئ،
الإناء هو الذي يمتلئ، فليس محولاً من فاعل، وليس محولاً من مفعول به؛
لأن امتلأ هذا لازم وليس متعديًا, لا ينصب مفعولاً به أصلاً، وليس
محولاً من مبتدأ؛ لأنك لا تقول: ماء الإناء امتلأ، فالماء أصل لا يوصف
بالإمتلاء، فإذن هو غير محول أصلاً وهذا أحد نوعي تمييز النسبة.


يقول:



1- كيف الإنسان يفرق بين جملة الصفة أو مفرد الصفة والحال في قولنا
مثلاً: "اشتريت صندوق كتب مغلقاً"، هل هو هنا حال أم صفة؟


2- وما إعراب ﴿ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ ﴾ [النمل: 10] ؟


3- ما إعراب جملة: ﴿ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ ﴾ [القصص: 21] ما إعراب جملة
﴿ يَتَرَقَّبُ ﴾ هنا؟ هل نستطيع أن نعربها صفة لـ ﴿ خَائِفًا ﴾ صفة
للحال, أم حال ثانية؟



4- ومتى نعرب الجملة صفة؟ ومتى نعربها حالاً؟.



طيب نأخذ سؤالاً سؤال، واحدة واحدة، حتى لا ننسى لك شيئًا، ما هو
السؤال الأول يا أخي الكريم؟


السؤال الأول: كيف نفرق بين الحال والصفة؟.



التفريق بين الحال والصفة، أنت تريد التفريق فقط بين الحال والصفة، أو
تريد من خلال مثال معين عندك؟


من خلال ما شئت يا فضيلة الشيخ.


طيب، هو الحال والصفة:


- أولاً: الحال منصوبة كما تعلمون، والصفة ليس لها إعراب في ذاتها، أو
النعت وإنما إعرابها تابع لمتبوعها، فإذا كان المتبوع مرفوعاً رفعت،
وإذا كان منصوباً نصبت وإذا كان مجرواً جرت، هذا أول أمر.


- الحال نعرف أنه يبين الهيئة هيئة صاحبها في وقت حصول الفعل، وأما
الصفة فلا تبين الهيئة في وقت معين، وإنما هي لا علاقة لها أصلاً
بالحدوث؛ لأنك قد تصف الشيء بصرف النظر عن حصول هذه الصفة في وقت الفعل
أو في غير وقته, والصفات في غالبها تكون ملازمة، وأما الحال فهي مبينة
للهيئة في وقت الحصول.


- الحال تكون نكرة، وأما الصفة فإنها تتبع موصوفها في التعريف
والتنكير، إن كانت نعتاً حقيقياً.


هذه أهم ما يمكن أن يقال في الفرق بين الحال والصفة، وإلا فكلها تأتي
مفردة وتأتي جملاً.


- صاحب الحال يجب أن يكون معرفة، والمنعوت لا يجب أن يكون معرفة، بل قد
يكون نكرة فيكون تابعه نكرة، وقد يكون معرفة فيكون تابعه معرفة، وأما
الحال مع صاحبه فهما متضادان، صاحب الحال يكون معرفة والحال نفسها تكون
نكرة.


إن كان هذا يكفيك فطيب -إن شاء الله- وإن لم يكن يكفيك فأعطني المثال
الذي عندك حتى أوضح لك من خلاله.


ذكر المصنف: ( المنصوب المفسر لما انبَهَمَ ) فهل يعني (انبَهَمَ) لا
يوجد منه لازم ثلاثي؟.


يمكن أن يقال : "أُبْهِمَ" لكنه هو يريد فعل المطاوعة صيغة انفعل هذه
كما تعرف، تقول: أبهمته فانبهم، هو لا يريد الحديث عن أن شخصا أوقع
عليه الإبهام، لكنه يريد أن الإبهام موجود فيه أصلاً، فأتى بفعل
المطاوعة، وأفعال المطاوعة تكون لازمة، تقول مثلاً: كسرته فانكسر؛ لأن
« كسرته » متعدٍ، وانكسر لازم، هو يريد أن يكون هذا الفعل متصفاً به
التمييز نفسه، فجعل فعل المطاوعة الذي هو قبول الفعل استخدمه حتى يكون
منه وليس من غيره الذي أوقعه عليه.


يقول: تمييز النسبة الذي لا يحول، ذكرتم يا فضيلة الشيخ مثالاً:
"امتلأ الحوض ماءً" قلتم: إنه لا يحول، تمييز لا يحول؟.


لا.. ليس لا يحول ، لم يحول من شيء من فاعل أو مفعول أو مبتدأ.


الآن نستطيع أن نقول: إنه محول من اسم مجرور، كقولنا: "امتلأ الحوض
بالماء" .


حينئذ إذا قلت: "امتلأ الحوض بالماء"، هذه ليس لها ضابط ؛ لأن الاسم
المجرور هنا قد يكون، ما تستطيع أن تقول: ليس جزء من جملة بصفة عامة،
لأنه ما أنت تقول: هو من مبتدأ لأنه يطرد أن يقع هذا مبتدأ وتقول: من
فاعل لأنه يطرد أن يكون فاعلا ويطرد أن يكون مفعولاً، لكن عندنا تقول:
"امتلأ بالماء".


تعدى على أي حال بحرف الجر، والمفعول به متعدى إليه بدون حرف الجر.



بدون حرف الجر، هذا على القول بأن حرف الجر هو المعدي؛ لأن بعض العلماء
يقول: حرف الجر لا يعد معدياً، وإنما المفعول به هو المتعدى إليه، أما
المجرور فيكون الفعل معه لازماً، على كل حال هذا الأمر ما دمت ترتضيه
أنت يا شيخ ، ولم يقله أحد من العلماء فيما أعلم، لكنه له وجهه من
الكلام, لكن القضية أن تأتي بأمثلة تقوي كلامك ؛ لأنه اطرد عند العرب
أن تحول التمييز من مفعول به وتحوله من فاعل وتحوله من مبتدأ لكن هل
اطرد منهم أن يحوله من مجرور كما ذكرته الآن، وهل غير المحول يكون
محولا من مجرور كله، أيضاً هذه الأمور كلها لابد أن يتأكد منها لتثبت
هذه القاعدة باسم الشيخ الكريم.


تقول: أريد أمثلة من القرآن للتمييز غير المحول؟.


إذا كانت تقصد النسبة فلم أجد فيه شيئاً، هناك تمييز هناك من فاعل محول
من فاعل ومحول من مفعول ومحول من مبتدأ في القرآن:


﴿ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالاً ﴾ [الكهف: 34]، هذا محول من مبتدأ
والتقدير: مالي أكثر


منك.


﴿ وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا ﴾ [مريم: 4]، هذا محول من فاعل،
والتقدير: اشتعل


شيب الرأس.


﴿ وَفَجَّرْنَا الأَرْضَ عُيُونًا ﴾ [القمر: 12]، هذا محول من مفعول،
والتقدير:


فجرنا عيون الأرض.


لكن غير المحول لا أتذكر له مثالاً، هو نادر مجيؤه، ولعل هذا هو الذي
دعا العلماء إلى ألا ينسبوه كما قال الأخ الكريم إلى أنه محول من
مجرور، لندرة وجوده أصلاً في الكلام ؛ لأن معظم تمييز النسبة الذي يرد
عن العرب إنه يكون محولا من أحد هذه الأمور الثلاثة، ومجيؤه من غير هذه
الثلاثة نادر، ولذلك لا يكاد يخرج عن هذه، وبعضهم يقول: ما جاء بعد
الامتلاء؛ لأنه لم يرَ له مثالاً إلا: امتلأ كذا، مع أنك تستطيع أن
تمثل له بقولك مثلاً: استشاط فلانا غضبا، فإن غضبا هذا أيضاً من
التمييز النسبة غير المحول، لكن أمثلته على كل حال نادرة، وفيما أعلم
لم أجد له مثالاً من القرآن الكريم لندرة أمثلته في اللغة.


الأخ الكريم شارك معنا بعدة أمثلة ربما يريد أن يتأكد من صحتها، يقول:
تمييز الجملة فاعل، "حسن أحمد خلقا".


هذا صحيح، التقدير: حسن خلق أحمد، محول عن فاعل.


يقول: مفعول به: "زرعت الحديقة وردا".


أصله: زرعت ورد الحديقة، صحيح.


محول من المفعول به.


نعم.


محول عن مبتدأ يقول: ﴿ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالاً وَأَعَزُّ
نَفَرًا ﴾ [الكهف: 34].


صحيح، وهذا ذكرته منذ قليل، لأن التقدير: مالي أكثر من مالك، ونفري أعز
من نفرك.


وفي آخر أمثلته يقول: "اشتريت أوقية عسلاً".


نعم، هذا من تمييز المقادير، الذي المفرد فيه هو المبهم واحتاج إلى
تمييز للمقدار.


أنا أريد أن أسأل الإخوة الحقيقة بعض الأسئلة، هل الأولى أن أسأل ويرفع
يده من عنده الجواب فطيب حتى لا أفاجئ.


إذا أذنت لي يا شيخ، نحن انتهينا من المتن أم هناك بقية؟.


لا.. بقي.


سنعود إليه -إن شاء الله-.


لا.. ما وصلنا إلى الآن إلى تنكيره، أنا سأسأل فقط عن مسألة تمييز
المحول حتى أتأكد من رسوخه في ذهن الإخوة ؛ لأن بعض القضايا التي فيها
تفصيل لا أحب الانتقال منها وأنا لا أعلم الرؤوس تهز والوجوه مسفرة،
ولكني أخشى أنه.. والذين ولا أراهم أيضاً في بيوتهم أيضاً قد يكونون
كثير منهم ما اتضح الأمر لهم تماماً حتى أطمئن من المتابعة والإخوة هم
نموذج من المتابعين فأسأل بعض الأسئلة، أنا الآن سأعطي الإخوة مثالين،
لكل واحد مثالين لتمييز المحول إما من فاعل أو مفعول أو مبتدأ، أنا
أريد الآن أن تبين ما نوع هذا وما التقدير.


سأبدأ بإعطاء المثالين, اكتبوا عندكم ومن يستطيع الجواب يرفع يده حتى
لا أفاجئ الإنسان, دائماً المفاجئة تجعل الجواب أحيانًا فيه نوع من
الارتباك.


الأول: يقول الله -سبحانه وتعالى-: ﴿ وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ
عِلْمًا ﴾ [الأنعام: 80]، هذا واحد.


الثاني: ﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ الله صِبْغَةً ﴾ [البقرة: 138]، طبعاً
هو محول من واحد من الثلاثة تبين من أي الأنواع هو وتذكر كيف كان
تقديره.


الذي يعرف الجواب يرفع يده حتى يجب ولا مانع أن يكرر الإنسان ترى أن
يجيب الإنسان أكثر من مرة، تداركا للوقت.


﴿ وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا ﴾ يعني في غير القرآن وسع علم
ربي، إذن هو محول من فاعل، تمييز نسبة محول عن فاعل.


أحسنت، نعم، وفي قوله تعالى: ﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ الله صِبْغَةً ﴾؟


محولة من مبتدأ.


والتقدير:


صبغة مَنْ أحسن مِن الله.


أحسنت، فهو محول من مبتدأ.


في المثال الأول: قد يكون محولاً من مفعول به.


تقديره؟


وسع ربي علمَ كل شيء.


علم الله -سبحانه وتعالى- وسع كل شيء، هذا تقدير؛ لأنك إذا قلبتها
انتقل المعنى إلى معنى آخر، والمعنى الأوجه والأمثل والأليق في الآية
هو سعة علم الله -سبحانه وتعالى-.


فالعلم منسوب إلى الله .


أي نعم، سعة علم الله -سبحانه وتعالى-، هي الآية إثبات لسعة علم الله
-سبحانه وتعالى-.


أعطي مثالين آخرين:


المثال الأول: ﴿ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لله ﴾ [البقرة:
165].


المثال الثاني: ﴿ وَلَن تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولاً ﴾ [الإسراء: 37].



أنا عندي أمثلة كثيرة ولكن يبدو أن الوقت يحتاج إلى تأمل فأكتفي بهذين
السؤالين وأنتقل بعد ذلك حتى الوقت الحقيقة عزيز، تفضل يا شيخ.


﴿ أَشَدُّ حُبًّا لله ﴾ محول عن مبتد.


والتقدير:


والذين آمنوا أشد حباً لله.


كيف صار حباً محولاً من مبتدأ، كيف كان يعني؟


حب المؤمنين لله أشد.


أحسنت، أشد من حب أولئك الأنداء للأنداد، نعم.


يا شيخ هل لا يأتي المحول عن مبتدأ إلا مع أفعال التفضيل؟.


لا يشترط فيه ذلك.


فنقول: المبتدأ يأتي مع أفعل التفضيل.


لا، ما يقال ذلك، هو على كل حال هو مبتدأ هو اسم، وما دام اسم فهو
مبتدأ ، وإعرابه كذلك.


يعني ليس مطرداً في أحوال أفعال التفضيل؟.


أنا لا أتذكر مثالاً آخر لغير أفعل التفضيل لكني لا أستطيع أن أضع
قاعدة أقول فيها: إنه لا يأتي إلا كذلك.


الجواب الثاني، تفضيل يا شيخ.


﴿ وَلَن تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولاً ﴾ هو التمييز محول من مفعول به.



لن تبلغ طولَ الجبال.


ولن تبلغ طولَ الجبال، ممتاز، هذا يمكن أن نقول: محول من مفعول به.


يمكن أيضاً أن نجعلها من فاعل لا يمكن أن نجعلها من فاعل، أي ولن يبلغ
طولك الجبال مثلاً، فبحسب التقدير تستطيع أن تبين كيف كان تحويلها.


بارك الله فيكم، هذا الحقيقة يدل على أن متابعتي الإخوة ترى الأمر
يحتاج إلى تأمل وهذا دليل على أن الإخوة الحقيقة فيهم انتباه وتمييز
زادهم الله توفيقا.


شروط التمييز


نأتي لقول المصنف: (ولا يكون إلا نكرة)، الآن المعروف أن التمييز
الجمهور يرون أنه لا يكون إلا نكرة، وهذا هو الأصل في التمييز أنه يكون
نكرة والأمثلة السابقة كما رأيتم كلها نكرات، هناك من رأى أنه قد يأتي
التمييز معرفة، قيل لهم: ما مثال ذلك؟ قالوا: في قول الله -سبحانه
وتعالى-: ﴿ وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلاَّ مَن
سَفِهَ نَفْسَهُ ﴾ [البقرة: 130]، قالوا: هكذا تقديره عندهم، قالوا:
نفسه تمييز وهي كما ترون معرفة؛ لأنها مضافة إلى الضمير والضمير معرفة
, والمضاف إلى معرفة معرفة، قالوا التقدير: إلا من سفه نفساً، فهو
تمييز نسبة محول من فاعل أي إلا من سفهت نفسه، هذا تقديره، وهذا ذكره
بعض المفسرين، أن هذا هو المعنى في الأصل.


وإذا أخذنا الكلام بهذه الطريقة فالمعنى واضح وصحيح يعني لا يرغب عن
ملة إبراهيم لا يرغب عن الحق يعني لا يجفوا الحق ويتركه إلا شخص نفسه
سفيهة، موصوفة بالسفه، فقالوا: أصله إلا من سفه نفساً، هذا أصله، أي
سفهت نفسه، فهو تمييز نسبة محول من فاعل.


الجمهور الذين يقولون: لا يكون التمييز إلا نكرة، قالوا: لا، هذا ليس
تمييزاً أصلاً، هو صحيح معرفة ولكنه ليس تمييزا وليس له علاقة أصلاً
بباب التمييز، وهنا: ﴿ إِلاَّ مَن سَفِهَ نَفْسَهُ ﴾ ، ﴿ نَفْسَهُ ﴾
مفعول به، طيب كيف يقال: ﴿ سَفِهَ نَفْسَهُ ﴾ هو يسفه نفسه؟ قالوا: لا،
هنا الفعل ضمن معنى فعل آخر، ضمن ﴿ سَفِهَ ﴾ منى جهل، لا يرغب عن ملة
إبراهيم إلا من جهل نفسه، فالاسم مفعول به للفعل المذكور بعد أن ضمن
معنى فعل آخر، طبعاً هذا فيه تأويل لكنه فيه طرد للقاعدة والمعنى معه
مستقيم فلا إشكال فيه.


بقي قوله: ( ولا يكون إلا بعد تمام الكلام)، وهي آخر جملة ذكرها المصنف
في هذا الباب، ولا يكون إلا بعد تمام الكلام، ما المقصود بتمام الكلام؟


مجيء ركنيه، الركنان في الجملة الفعلية : الفعل والفاعل، والركنان في
الجملة الاسمية: المبتدأ والخبر، ولذلك ليس المقصود بتمام الكلام أنه
لا يحتاج إلى المفعولات ولا إلى الأحوال ولا إلى الظروف ولا غيرها، هذه
يحتاج إليها لكنها ليست من ركني الجملة، فإذن من المتممات أو الأشياء
التي تذكر أو مما يسمونها بالفضلات هذه ليس معناها أن لك أن تحذفها ولك
أن تثبتها ولكنها ليست عمداً, ليست من ركني الجملة الأساسيين، وإن كان
الكلام يحتاج إليهما.


التمييز لا يأتي لشيء لم تكتمل فيه الركنان، لابد من اكتمال الركنين،
فالجملة الاسمية: مبتدأ وخبر، فعلية: فعل وفاعل، ثم يأتي التمييز بعد
ذلك، ولا يصح أن تميز جملة غير مكتمل ركناها.


طبعاً نحن عرفنا أن التمييز حكمه النصب كما ذكر هو في تعريفه، وتبين أن
ذكر ذلك الحكم في التعريف فيه نظر، لعلته السابقة.


قد يأتي التمييز مجروراً، كقولك مثلاً: "رأيت خمسة رجال"، فهنا "رجال"
مضاف إليه كما ترون، هو تمييز للخمسة، لكن لا نعربه تمييزاً ، وإن كان
في حقيقته تمييزاً؛ لأنه أصبح مضافاً إليه مجرور، ومثله ما كان مجروراً
بمن، كقولك مثلاً: هذا باب من حديد، فقولك: من حديد، مبين للباب ولما
انبهم منه ومبين لنوعه، لكنك أيضاً لا تعربه تمييزًا وإنما تعربه
مجروراً بمن، وإن كان هو في معناه تمييزًا.


لعل الأمر الآن اتضح فيما يتعلق بالتمييز، حكمه، أنواعه، كيف يكون
مبيناً للمفردات، الأفراد، وكيف يكون مبينا للجمل، والنسب فيها، ما
المقصود بتحويله، ما المقصود باشتراط مجيئه نكرة، لماذا اشترط ورأي من
يرى أنه معرفة، وتأويل ذلك، ثم ما المقصود بمجيئه بعد تمام الكلام، أي
بعد اكتمال ركنيه.


إذا كان لأحد منكم أو من الإخوة السائلين في الموقع أو في غيره سيستعرض
في هذا، فليتفضل قبل أن ننتقل إلى موضوع الاستثناء -إن شاء الله
تعالى-.


تقول: "استفسار" هناك قاعدة تقول: الجمل بعد النكرات صفات، وبعد
المعارف أحوال، هل المقصود بالنكرات والمعارف الموصوف وصاحب الحال؟.



هذا صحيح ؛ لأننا قد عرفنا أن صاحب الحال يجب أن يكون معرفة، وأما
المنعوت فلا يجب أن يكون معرفة، قد يكون نكرة وقد يكون معرفة، إذا
جاءتنا جملة وقد وقعت بعد معرفة فهي تبين هيئة صاحب هذه المعرفة، وإذا
كان بعد نكرة، فلا يصح أن نقول: إنها حال لأن صاحب الحال لا يكون نكرة،
فيجب أن نقول: إنها نعت صفة.


تقول: وكيف نعرفه إن كان محذوفاً؟.


ما هو؟


ربما صاحب الحال.


إذا قلت مثلاً: "جاء يهرول" أنا أعرف الآن أن التقدير: "هو" وهو ضمير،
والضمير كما تعرف معرفة، فإذن ينبغي أن أقول: إن جملة "يهرول" هذه حال؛
لأنها وقعت بعد معرفة، صاحبها معرفة، فوجب أن تكون حالاً، لكن لو قلت
مثلاً: "رأيت رجلاً يمشي" فرجل نكرة هنا، وهو يحتاج إلى ما يصفه، فجملة
"يمشي" هذه الجملة الفعلية صفة له، أو نعت له.


إذن قولك: "جاء الرجل يمشي" و"جاء رجل يمشي" فرق بينهما، أن "جاء الرجل
يمشي" "يمشي" تبين هيئة الرجل وقت مجيئه، وهو معرفة فهي حال، وقولك:
"جاء رجل يمشي" هنا "رجل" نكرة، محتاجة إلى تفسير، فتكون الجملة بعده
نعتاً أو صفة موضحة له.


يقول: يا شيخ بالنسبة للنوع الغير محول النسبي، الدال على الامتلاء،
هل ممكن أن نطلق عليه هذا الشيء: أنه ما دل على الامتلاء؟.


الشيخ مثلاً محمد بن عثيمين -رحمه الله- يسميه ما دل على الامتلاء، لكن
الحق أنه لا يكتفي على هذا، أنا مثلت لك بمثال آخر، كقولك مثلاً:
"استشاط فلان غضباً" هذا ما فيه امتلاء وهو غير محول، لكن لعل الشيخ
اطلع على هذا المثال أو رأى النحويين يمثلون به كثيرًا، فأطلق عليه هذا
الحكم ولا إشكال في ذلك.

هل يمكن أن تكون الآية التي في القرآن: ﴿ مِّلْءُ الأَرْضِ ذَهَبًا ﴾
[آل عمران: 91] تمييزاً لـ ﴿ مِّلْءُ الأَرْضِ ﴾؟.

هذا بالفعل، هو ﴿ مِّلْءُ الأَرْضِ ذَهَبًا ﴾ هي تمييز غير محول.

محمد ماهر
16-09-2006, 02:54 PM
معناها: أنك حين قلت: عندي عشرون درهمًا، لم تقل بالطبع: عندي عشرون دراهم، هذا مراد المبرد من قوله: ولم يجز أن تذكر جمعا، يعني: لم يجز أن تذكر التمييز جمعًا، وإنما ذكرته مفردًا، فبما علل المبرد ذلك؟ ذكر الحكمَ فقال: ولم يجز أن تذكر جمعًا، وذكر العلة التي تبين لك جمال العربية، وأنها متضافرة الألفاظ متجانسة، يُذكر الجمع في قولك: عشرون، فكيف يُذكر تمييز العشرين جمعًا فيأتي جمعٌ بعد جمع؟ الجمع محقق في العدد، حيث قلتَ: عندي عشرون، ثم يأتي مِن بعد ذلك المفرد، فتقول: درهما، يقول المبرد: ولم يجز أن تذكر جمعًا؛ لأن الذي قبله قد تبين أنه جَمعٌ، وأنه مِقدار منه معلوم.
.[/size][/size]
أستاذي الفاضل عمر مبروك جزاك الله خير الجزاء ... بحث رائع وسأعود إليه بالتفصيل مرة أخرى إن شاء الله... ولكن استوقني هنا أمر يتعلق بالجمع، وهو أن المعدود يأتي مفرداً بعد الـ11 .... وعلل العلماء ذلك بأن العدد يدل على الجمع ...
والسؤال هنا : فما علة مجيء المعدود جمعاً مع الأعداد ثلاثة فما فوق وحتى العشرة ... رغم علمنا أن الجمع يطلق على الثلاثة فما فوق... فلماذا لم يأت المعدود هنا مفردأ...؟ وجزاكم الله خيراً ...

عمرمبروك
02-10-2006, 08:12 PM
أستاذي الفاضل عمر مبروك جزاك الله خير الجزاء ... بحث رائع وسأعود إليه بالتفصيل مرة أخرى إن شاء الله... ولكن استوقني هنا أمر يتعلق بالجمع، وهو أن المعدود يأتي مفرداً بعد الـ11 .... وعلل العلماء ذلك بأن العدد يدل على الجمع ...
والسؤال هنا : فما علة مجيء المعدود جمعاً مع الأعداد ثلاثة فما فوق وحتى العشرة ... رغم علمنا أن الجمع يطلق على الثلاثة فما فوق... فلماذا لم يأت المعدود هنا مفردأ...؟ وجزاكم الله خيراً ...

أخي العزيز / محمد ماهر .. حفظه الله
لقد قرأت رسالتك بالأمس (الأحد 9/9/1427)بخصوص السؤال أعلاه , وقد بحثت عن الإجابة في بعض المواقع الإلكترونية ولكن لم أستطع الحصول على جواب لهذا السؤال , وأتمنى من الأخوه الكرام في هذا المنتدى أن لايبخلوا علينا بالإجابه .
ولي وجهة نظر شخصية متواضعه في جواب هذا السؤال : وهي أنه لو قلنا مثلاً (اشتريت ثلاثة قلم) (أي جعلنا التمييز مفرد) فإنها لغة ركيكة غير مستساغه .
وآمل من الأخوه الكرام أن لا يبخلوا علينا بالإجابة والتوجيه الصحيح
بارك الله في الجميع



*************************
تتمه
التميـيز هو اسم منصوب يراد منه إيضاح أو رفع الإبهام المستقرَّ عن ذات مذكورة أو مقدرة: ابتعت ثلاثة أكواب فلو قلنا "ثلاثة" بدون ذكر أكواب لم يفهم الكلام. وهكذا تسمى "ثلاثة" (مميزًا ) وتسمى "أكواب" (تمييزًا).
التمييز نوعان: أ- نوع يلفظ أي يذكر في الكلام, ويكون المميز:
- اسم مساحة: سقيت هكـتارًا ماءً.
- اسم وزن: اشتريت قيراطًا ألماسا.
- اسم كيل: طبخت كوبًا قمحًا.
-اسم عدد: سآتيك بعد عشرين دقيقة.
ب- مميز يلحظ أي لا يذكر ولكن يفهم من خلال المعنى ويحول التمييز عن المبتدأ أو الفاعل أو المفعول به: المدرب أكثر من اللاعبين جرأة (أي المدرب اكثر جرأة من اللاعبين) وتعرب تمييز منصوب بالفتحة وهو محول عن مبتدأ, أو طاب شفيقٌ دارًا (أي طاب دار شفيق) وهو تمييز محول عن فاعل, أو غرست الأرض شجرًا (غرست شجر الأرض) والتمييز هنا محول عن مفعول به.
إعراب التمييز:
- يكون التمييز الملحوظ منصوبًا دائمًا.
- التمييز الذي يلفظ يكون منصوبًا إذا كان المميز مما ذكر أعلاه كاسم مساحة أو اسم وزن أو اسم كيل, أو مجرورًا بالإضافة أو بـ"من": اشتريت قيراطًا ألماسا أو اشتريت قيراط ألماسٍ أو اشتريت قيراطًا من ألماس.
- أما بالنسبة لتمييز العدد أي الاسم النكرة الذي يأتي بعده فيكون مجرورًا أو منصوبًا:
• تمييز العدد من 3 إلى 10 يكون جمعًا مجرورًا: اشتريت خمس طاولاتٍ (طاولات: تمييز مجرور بالكسرة).
• تمييز العدد من 11 إلى 99 يكون مفردًا منصوبًا: في الملعب أربعة وعشرون تلميذًا (تلميذًا: تمييز منصوب بالفتحة).
• تمييز الأعداد 100و 1000 ومضاعفات كل منهما يكون مفردًا مجرورًا: سعر الجاكيت خمسمائة ليرة (ليرة: تمييز مجرور بالكسرة).
صور العدد
يكون العدد:
- مفردًا :4 و 5 و 8 ...
- مركبًا مع العشرة: 11 و 12 و 15و 17 ....
- معطوفًا ومعطوفًا عليه: 23 و 25 و 28 ...
-والأعداد 20 و 30 و 40 و50 و60 و70 ... تسمى عقود.
الأعداد:
- العددان 1 و 2
- الأعداد من 3 إلى 9
- العدد 10
- الأعداد المركبة 11 إلى 19 ما عدا 12
- العدد
كيفية إتباع العدد المعدود في التذكير والتأنيث:
أ- العددان "1" و "2":
• العدد "1" وله لفظان في المذكر والمؤنث "واحد وتأنيثه واحدة" و"أحد وتأنيثه إحدى",
• العدد "2" ويكتب في حالة الرفع "اثنان واثنتان" وفي حالة النصب والجر "اثنـين واثنـتين".
تحذف النون إذا كان العدد مركبًا ومؤلفًا من الرقم "2" مع "العشرة": اثنا عشر. وهذان العددان يتغيران مع المعدود في التذكير والتأنيث سواء كانا مفردين أو مركبين او معطوفًا عليهما وهذا عدد من الأمثلة:
- في الصفِّ صبٌي واحدٌ.
- في الصفِّ فتاةٌ واحدةٌ.
- في الصفِّ واحدٌ وعشرون تلميذًا.
- في الصفِّ واحدةٌ وعشرون تلميذةً.
- في الصفِّ إحدى وعشرون تلميذةً.
- في الصفِّ أحدَ عشر تلميذًا.
- عندهما لعبتان اثنـتان وسريران اثنان.
- جاء اثنـتا عشرة فتاة و اثـنا عشر فتى.
- اشتريت اثنتين وعشرين طاولة واثنين وعشرين كرسي.
ب- الأعداد من "3" إلى "9":
لا تـتبع الأعداد من 3 إلى 9 المعدود من حيث التذكير والتأنيث ولكنها تكون عكسه سواءً أتت مفردة أو مركبة أم معطوفًا عليها. تحدد نوعية المعدود من مفرده:
- اشتريت أربعَ طاولات.
- اشتريت أربعةَ دفاتر.
- اشتريت أربعَ و عشرين طاولة.
- اشتريت أربعةَ عشرَ دفترًا.
ج- العدد "10":
العدد "10" يكون بعكس المعدود من حيث التذكير والتأنيث وهو معرب إذا كان مفردًا ولكنه يوافق المعدود تذكيرًا و تأنيثًا وهو مبني على فتح الجزأين إذا كان مركبًا. ويكون حرف الشين مفتوحًا في المذكر وساكنة في المؤنث عند اتصالها بالتاء:
- اشتريت عشْرة دفاتر وعشَر ممحاة.
- اشتريت خمسةَ عشَر دفترًا وخمسَ عشْرة ممحاة.
د- ألفاظ العقود من "20 إلى 90" و مائة وألف وكل مضاعفتهما:
هذه الألفاظ لا تتغير صيغتها مع المذكر او المؤنث سواءً أكانت مفردة أو معطوفة:
- اشتريت ثلاثين دفترًا.
- اشتريت مائتين وعشرين دفترًا.
إعراب العدد المركب:
1- الأعداد المركبة من "11 إلى 19" مبنية دائمًا على فتح الجزأين باستثناء العدد "12" حيث أن الجزء الأول منه يلحق بالمثنى ويعرب كإعراب المثنى ويـبنى الجزء الثاني على الفتح:
- اشتريت ستةَ أقلامٍ: ستة هي مفعول به منصوب, و أقلام هي تمييز مجرور.
- رحل أربعةَ عشرَ شخصًا: أربعة عشر: هي فاعل مبني على فتح الجزأين, وشخصًا هي تمييز منصوب.
- جاءت اثنتا عشرة تلميذة: أثنتا: فاعل مرفوع بالألف لأنه شبيه بالمثنى, عشرة: يبنى على الفتح.
- زرت اثني عشرَ صديقًا: اثني: مفعول به منصوب بالياء لأنه شبيه بالمثنى, و عشرَ: مبني على الفتح.
2- أما ألفاظ العقود تعرب على أنها ملحقة بجمع المذكر السالم: أرجو إرسال مبلغَ سبعةٍ وثلاثين دولارًا أمريكيًا (سبعةٍ: مضاف إليه مجرور بالكسرة, ثلاثون: معطوف عليه مجرور بالياء لأنه ملحق بجمع المذكر السالم) أو أرجو أن تدفع مبلغًا وقدره سبعةٌ وثلاثون دولارًا أمريكيًا (قدرُه: مبتدأ مرفوع بالضمة الظاهرة, سبعة: خبر للمبتدأ مرفوع بالضمة الظاهرة, ثلاثون: معطوف مرفوع بالواو والنون لأنه ملحق بجمع المذكر السالم.
تعريف العدد بـ"ال"
- إذا كان العدد من جزء واحد فإن "ال" التعريف تدخل على الاسم الذي يليه أي المضاف إليه: اشتريت خمسة الدفاتر أو سبعة الطاولات.
- إذا كان مركبًا فإن "ال" التعريف تدخل على الجزء الأول منه: اشتريت السبعة عشرَ دفترًا من المكتبة.
- إذا كان معطوفًا ومعطوفًا عليه فإن "ال" تدخل على الجزأين: اشتريت السبعة والعشرين كتابًا.
أما بالنسبة للقواعد السابقة فإنها تطبق كلها هنا.
الدلالة على الترتيب العددي
يصوَّغ العدد على وزن فاعل للدلالة على الترتيب ويطابق العدد المعدود من حيث التذكير والتأنيث في جميع حالاته. ويكون معربًا ما عدا الأرقام من 11 إلى 19 فإنها مبنية على الفتح:
- سألاقيك عند الساعة العاشرة والنصف مساءً,
- إنها السنة الرابعة عشرة التي تسافر بها.
- سوف أبدأ التمارين في الواحد والثلاثين من هذا الشهر.
كنايات العدد
كنايات العدد هي كلمات تدل على العدد ولكنها ليست أعدادًا ونأتي على ذكر أهمها:
- بضع
- كم الاستفهامية
- كم الخبرية
- كذا
- نيف ...
بضع
البضع من العدد يدل على الأعداد ما بين 3-9. وتكون على عكس المعدود من حيث النوعية في التذكير والتأنيث أي مثل الأعداد من 3 إلى 9 (بضعة رجال, بضع نساء).وتركب أيضًا مع "العشرة" ( اشتريت بضع عشرة دمية, أو بضعة عشر دفترًا). وتأتي أيضًا مع العقود (بضعة وعشرون رجلاً أو بضع وعشرون امرأة).
كم الاستفهامية وكم الخبرية
اسم مبني على السكون ونعبـّر به عن عدد مبهم القدر والجنس ولهذا نحتاج إلى مميز بعده وهناك كم الاستفهامية وكم الخبرية:
- كم الاستفهامية
وهي سؤال بمعنى أي عدد؟ أي يسأل بها عن العدد وتحتاج إلى جواب والتمييز مفرد منصوب: كم كتابًا اشتريت؟ ويجوز جر التمييز إذا دخل على "كم" حرف جر: بكم ريالٍ اشتريت هذا الكتاب؟
- كم الخبرية
تستعمل للدلالة على كثرة العدد ويكون تمييزها مفردًا أو جمعًا مجرورًا بحرف الجر "من" أو بإضافة كم إليه وهي لا تحتاج إلى جواب:
- كم كتبٍ قرأت؟ (كم من كتبٍ قرأت؟)
- كم فاضل عرفت؟ (كم من فاضل عرفت؟)
وتعرب "كم" سواء كانت استفهامية أو خبرية:
- في محل نصب مفعول به إذا أتى بعدها فعل متعدٍ: كم من نقود أنفقت؟
- في محل رفع مبتدأ: إذا لم يأتي بعدها فعل: كم كتابٍ لديك؟
كذا
كذا تدل على التكثير. وتأتي مفردة أو مكررة أو معطوفة. ويكون تمييزها مفردًا أو جمعًا منصوبًا: حضر الاحتفال كذا رجلاً, (أو كذا رجالاً أو كذا وكذا رجالاً).
نيْف أو نيِّف
تستعمل "نيف" للدلالة على العدد بين عقدين: جاء نيفًا وثلاثين رجلاً.

&&&&&
ذكرى :ورد في فضل العمره في رمضان أنها تعدل حجة , فلا تحرموا أنفسكم من هذا الفضل إن استطعتم .

محمد ماهر
02-10-2006, 08:45 PM
أخي العزيز / محمد ماهر .. حفظه الله
لقد قرأت رسالتك بالأمس (الأحد 9/9/1427)بخصوص السؤال أعلاه , وقد بحثت عن الإجابة في بعض المواقع الإلكترونية ولكن لم أستطع الحصول على جواب لهذا السؤال , وأتمنى من الأخوه الكرام في هذا المنتدى أن لايبخلوا علينا بالإجابه .
ولي وجهة نظر شخصية متواضعه في جواب هذا السؤال : وهي أنه لو قلنا مثلاً (اشتريت ثلاثة قلم) (أي جعلنا التمييز مفرد) فإنها لغة ركيكة غير مستساغه .
وآمل من الأخوه الكرام أن لا يبخلوا علينا بالإجابة والتوجيه الصحيح
بارك الله في الجميع



.
جزاكم الله خيراً أخي الفاضل ...

ولي وجهة نظر شخصية متواضعه في جواب هذا السؤال : وهي أنه لو قلنا مثلاً (اشتريت ثلاثة قلم) (أي جعلنا التمييز مفرد) فإنها لغة ركيكة غير مستساغه .

أظن لو استخدمنا المفرد لقلنا : " اشتريت ثلاثةً قلماً " وبالطبع يبدو ركيكاً وغريباً على سمعنا ... ولكن الذي لفت انتباهي تعليل العلماء لاستخدام المفرد منعاً لاجتماع الجمعين ... وقد أعجبني هذا التعليل ... ولكن لم أجد - كما حصل معك أستاذي الكريم - تخريجاً للأعداد لاستخدام الجمعين في الأعداد مابين الثلاثة والعشرة والمعدود...
وجزاكم الله خيراً .... وأضم صوتي للأستاذ عمر حفظه الله ... راجياً التخريج ... وشكراً ...

نون النسوة
26-01-2007, 01:30 AM
جزاكم الله خيرا وجعله في ميزان حسناتكم
حتى هذه الساعة وأنا أحاول جاهدة استيعاب التمييز المحول وغير المحول حتى دخلت هذا الموضوع ( لم تكن المسألة واضحة كفاية في الكتاب )
ولله الحمد استفدت من هذا الموضوع كثيرا , خاصة فيما يتعلق بكيفية التفريق بين الحال والتمييز

الآن أستطيع النوم فقد دخلت المسألة رأسي :)