المساعد الشخصي الرقمي

اعرض النسخة الكاملة : تحليل النص الأدبي



سامح
22-03-2003, 03:33 PM
الهدف من دراسة النص الأدبي :
الوقوف على إبداعات الأديب في نصه وماتجلى فيه
من جماليات جعلت القارئ ينفعل بها ويتأثر
مثلما انفعل بها الأديب من قبل وتأثر ؛ انفعالاً وتأثراً يجعلانه
مشدوداً إلى مافي النص من سمات فنية ترقى بالأدب , ومن
قيم موضوعية تسمو بالإنسان إلى مراقي التقدم والكمال .

صفات الناقد الجيد

-سلامة الذوق ؛ لأن المتنبي يقول :

ومن يك ذا فم مريض ,,, يجد مراً به الماء الزلالا .

-دقة الحس , فلابد من أن يتجاوب الناقد والأثر الأدبي
وينفعل به انفعالاً عميقاً , فينتقل بكل حواسه إلى الجو
الذي عاش فيه الأديب ويتقمص شخصيته .

- التجرد , فلايكون لهواه منفذاً إلى حكمه , فقد أنصف
النقاد المسلمون قبلاً الأخطل النصراني , فينبغي أن لايكون
للهوا سلطان على حكم الناقد .

قبل تحليل النص :

- معرفة الأديب ( فالأدب يفسر الأديب ,
وحياة الأديب تفسر الأدب )
فبعض النصوص الخالدة لانستطيع فهمها إلا بمعرفة قائليها ,
ولانستطيع أن نعلل بعض الظواهر الأدبية إلا بذلك
( لم أجاد الحطيئة الهجاء ولم يجد الفخر؟!!!)
علماً بأن من الباحثين من يرى إبعاد الآثار الأدبية عن أجوائها.

-المناسبة :
وهي السبب المباشر لإنشاء النص , فالقصيدة
كالبركان يعتمل بالتوتر تحت سطح الأرض وساعة انفجاره تأتي متأخرة عن ساعة تكوينه , وهناك فئة من النقاد ترى
إبعاد النص عن مناسبته , وعن صاحبه لكي يحلل النص دون
نظر إلى الظروف المحيطة به , وهذا صحيح , ولكن المناسبة كالضوء الذي يساعدنا على رؤية ماتحت النص , وعلى الدارس
أن لايغرق في دراسة مناسبة النص وقائله , فتكون دراسة نفسية .

- الزمان والمكان :
فمعرفة الزمان مهمة لمعرفة تطور الأجناس , والظواهر الأدبية
ولمعرفة فضل من تقدم ومزية من تأخر , ومعرفة المكان
تساعد على وصف الظواهر الأدبية وتفسيرها , فأدب الصحراء
يختلف عن أدب المدينة , وأدب الريف يمتاز عن أدبي المدينة
والصحراء .

- قراءة النص :
على دارس النص أن يخلص إلى قراءة النص قراءة صحيحة
واعية , تفحص عن فهمه له , وإحساسه به , ووقوفه على
مضمونه .

# تحليل النص :

وهنا يتناول الشكل والمضمون كل على
حدة , دون أن ينسى أنهما مرتبطان بلا انفصال .

عناصر النص الأدبي:

الشكل :
1-بناء القصيدة:
- المطلع .
-الخاتمة .
-الطول .
-الوحدة .

2- اللغة ( الأسلوب ).
3- الصورة الأدبية .
4- الموسيقا .

المضمون :

1- الأفكار .
2- العاطفة .

يتبع

سامح
05-04-2003, 04:45 PM
أولاً : الشكل /

المطلع :
البيت الأول فاتحة القصيدة متى ماعثر عليها الشاعر انصب على موضوعه لأنه المفتاح الذي يدخل به المتلقي إلى فضاء النص .

# من الشروط التي حددت لجودة المطلع :

1-أن يكون خالياً من المآخذ النحوية .
2- أن يكون معبراً عن مضمون النص وأن تراعى فيه جودة اللفظ
والمعنى معاً, ومن المطالع التي توحي بموضوعها قول أبي تمام :

السيف أصدق أنباء من الكتب ... في حده الحد بين الجد واللعب

فموضوعها هنا ( الحرب والحماسة ).

كذلك لابد أن لا يكون مما يتشاءم منه أو يتطير به , بل حسن الوقع على النفس بعيداً عن التعقيد , واضحاً سلس النغم والجرس .

3-إن لم يكن رائعاً فينبغي أن لايكون بارداً كقول أبي العتاهية :

ألا مالسيدتي مالها ... أدلاًّ فأحمل إدلالها

فمثل هذا الكلام لايناسب في بداية قصيدة تلقى بمناسبة اجتماعيةكبيرة يبايع فيها المهدي بالخلافة.

4-أن يكون نادراً انفرد الشاعر باختراعه كقول المتنبي :
الرأي قبل شجاعة الشجعان ... هو أول وهي المحل الثاني

ب الخاتمة :

استحسن نقادنا الأقدمون أن يكون البيت الأخير مختاراً رائعاً
لأنه آخر ما يرتسم في النفس ويعيه السمع.
وأحسن الانتهاء ماجمع الجودة والإشعار بتمام الكلام .
ومن ذلك قول علي السنوسي في قصيدته ( كيف أصبحت )
كيف أصبحت وماذا تصنعين ... وإلى أي مكان تنظرين
ينعي على الأمة الإسلامية ماوصلت إليه من ذلة وهوان أمام أعدائها
ويثير الحماسة لاسترداد الحقوق المسلوبة , فيختم القصيدة
بهذا البيت المليء حماسة :

أفما آن لنا ياأمتي ... أن نرد الصاع للمستهترين

الطول /
لم يحدد القدماء طولاً معيناً للقصيدة ,
وكان شعراء العرب يميلون إلى القصائد القصيرة لأسباب فنية
واجتماعية ونفسية
منها : الرغبة في التنقيح , والاكتفاء بماقل ودل .
ومنها :أن القصيدة القصيرة أروج وأسير عند الحفاظ والرواة .
ومنها : حرصهم على تجنيب السامع السآمة والملل .

والمعدل المألوف الذي اتفق عليها شعراء المعلقات
ومن بعدهم حتى العصر الأموي يراوح بين ( 20--> 50 بيتاً ).

فالطول يحدد باعتبار المتلقي وباعتبار الوقت وكذا القائل
ويحدد بالتجربة الشعرية والثروة اللغوية .
وبالغرض من القصيدة , وبالوزن والقافية , وكان ابن الرومي
يميل إلى الأوزان والقوافي التي تساعد على إطالة القصيدة .

الوحدة :

وهي إما موضوعية أو عضوية

1-الوحدة الموضوعية :
إذا كان النص في موضوع واحد , فهو ذو وحدة موضوعية
فتكون القصيدة مدحاً أو وصفاً أو رثاءاً ......., وأغلب
الشعراء القدماء لم يلتزموا بوحدة الموضوع .
وليست وحدة الموضوع أن يكون النص مديحاً أو غزلاً
أو رثاءاً فحسب بل أن يكون النص مراعياً مقتضى الحال
أي ( الغرض الأساس من القصيدة ).

2-الوحدة العضوية :
فلابد أن تكون عملاً فنياً تاماً , فهي كالجسم الحي يقوم
كل قسم منها مقام جهاز من أجهزته , ولايغني عنه غيره
في موضعه إلا كما تغني الأذن عن العين أو القدم عن الكف
أو القلب عن المعدة .
ومن علامات الوحدة العضوية براعة الأسلوب القصصي الذي
يساعد على الترابط والتلاحم في القصيدة .

والوحدة العضوية في الأدب القصصي أصل من أصوله
ولايجوز إهماله ولايمكن أن يسمى العمل الأدبي قصة بدونه
لأن القصة مبنية على تلاحم الأجزاء مرتبة تعتمد على توالي
الأحداث وتأثيرها في نفوس المتلقين .

يتبع .

سامح
01-05-2003, 08:31 PM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته





وطاوي ثلاث عاصبِ البطنِ مُرْْمَلٍ "=" بتيهاءَ لم يعرِفْ بها ساكنٌ رسما
أخي جفوةٍ فيه من الأنسِ وحشةٌ "=" يرى البؤسَ فيها من شراسته نُعْمى
وأفرد في شِعْبٍ عجوزاً إزاءَها "=" ثلاثةُ أشباحٍ تخالهُمُ بَهْمَا
حفاةٌ عراةٌ مااغتذَوا خُبْزَ مَلَةٍ "=" ولاعَرفوا للُبِّر مُذْ خُلِقُوا َطعْمَا
رأى شبحاً وسْط َالظلامِ فراعَهُ "=" فلما بدا ضيفاً تسورَ واهْتَمَا
فقال ابنهُ لما رآه بِحَيْرَةٍ "=" أيا أبتِ اذبحْنِي ويَسِرْ لهُ طُعْمَا
ولاتعتذر بالعُدْمِ علَّ الذي طَرَا "=" يظُنُ لنَا مَالاً فيُوسِعُنَا ذَمَا
فرَوَّى قليلاً , ثم أحجمَ بُرْهَةً "=" وإن هوَ لمْ يذبحْ فتاهُ فقدْ هَمَّا
وقال هَيَََا رباهُ ضيفٌ ولاقِرَى "=" بحَقِكَ لاتَحْرِمْهُ تالليْلَةَ اللَحْمَا
فبيناهُمَا عَنَّتْ على البُعْدِ عَانَةٌ "=" قَدِ انْتَظَمَتْ مِنْ خَلْفِ مِسْحَلِهَا نَظْمَا
عِطَاشاً تُرِيْدُ الماءَ فانسابَ نحوها "=" على أنه منها إلى دمها أظما
فأمهلها حتى تَرَوَّت عِطاشها "=" فأرسل فيها من كِنَانتِهِ سَهْما
فخرت نَخُوْصٌ ذاتُ جَحْشٍ سَمِيْنَةٌ "=" قد اكتنزت لحماً وقد طبَّقَتْ شَحْما
فيا بِشْرَهُ إذ جرها نحو قومه "="ويابشرهم لمَّا رأوا كَلْمَهَا يَدْمَى
فباتوا كراماً قد قضوا حق ضيفهم "=" فلم يغرموا غَرْماً وقد غَنِمُوا غَنْمَا
وبات أبوهُمْ مِنْ بشاشتهِ أباً "=" لضيفهمُ والأمُّ مِن بِشرها أما




معرفة الأديب :
اسمه جرول بن مليكة العبسي
شاعر مخضرم ممن عنوا بتنقيح قصائدهم قبل عرضها
كان دعياً في نسبه وكان سفيهاً حاقداً على المجتمع حتى لم
يترك أحداً دون أن يهجوه حتى هجا نفسه وأمه وأباه وزوجته
كان من الذين يمتهنون التكسب بالشعر .

.. المناسبة :
لم أحصل على مناسبة تروى عن الحطيئة لتكون سبباً لهذه القصيدة
وربما نسجت القصة في خيال الشاعر دون أن تقع على أرض واقعه .

.. الزمان :
في عصر الحطيئة , والذي عاش فيه بين ظلام الجاهلية ونور الإسلام .

.. المكان :
في أرض جزيرة العرب الصحراوية الجافة , والتي طبعت الناس بطبيعتها.

.. المطلع :
مناسب , فهو ينبئ عن غرض القصيدة , ويثير فضول القارئ حينما يسمع
( وطاوي ..) فيتساءل .. ما قصة هذا الطاوي ..؟

.. الخاتمة :
أحسن الشاعر الخاتمة لإشعاره بنهاية القصيدة , وكذا جودة معناها إذ
أوحى الختام بالبشر الذي أعقب الحل .

.. الطول :
استطاع الشاعر أن يروي لنا هذه القصة الشعرية المتكاملة في أبيات قليلة
وهي قصة متكاملة حبكها الشاعر مقتصراً على الأحداث الضرورية فكان هذا
القدر من الأبيات كافياً لاستيعاب هذه التجربة , وهذا دليل تميز الشاعر .

.. الوحدة :
الموضوعية متحققة , فهو يتحدث عن الكرم , والعضوية متحققة ,
إذ جاءت أجزاء القصيدة مترابطة , ومبنية بناءاً عضوياً دقيقاً .

سامح
15-05-2003, 01:15 PM
الأسلوب ( اللغة ):

يظهر الرسام عواطفه من خلال اللوحة , والأديب رسام يرسم بالكلمات
واللغة هي المعدن الذي يصهر من خلاله أوانيه , فاللغة إناء يصب فيه
سائل هو ( المضمون ) , والأديب يقدم هذا المشروب أياً كان طعمه من
خلال هذا الإناء , فقد يكون متيناً , جميلاً , رديئاً , قبيحاً .. واللغة
هي المفردات والتراكيب .. ننظر إليها من خلال :

1- الغرابة والألفة والابتذال :

ينبغي أن تكون لغة الأدب مأنوسة أليفة , على علوها وشرفها بأن
تكون لغته وسطاً بين لغة المتقعرين من الرواة ولغة العامة الركيكة .
يقول أبو هلال العسكري " وأما المختار من الكلام فهو الذي تعرفه
العامة إذا سمعته ولاتستعمله في محاوراتها ".

فالغرابة : أن تكون الكلمة وحشية لايظهر معناها , فيحتاج في معرفتها
إلى أن ينقر عنها في كتب اللغة .

معيار الغرابة :
- عصر الأديب

ليس المقصود بالكلمة الغريبة أنها التي لايعرف معناها إلا في المعجم فكم
كلمة لانعرف معناها عندما نسأل عنها ولكننا نفهمها من خلال السياق.
كلفظة ( السميدع ) في قول الشاعر:
ومن ضاق ذرعاً بالحياة فإنها :: تضيق به وهو الكريم السميدع
فكلمة ( السميدع ) وهي تعني الشريف في قومه فهمناها من السياق
فأذهب ذلك غرابتها .

- الموضوع :
فالأديب يغرب إذا وصف مالانألف كالصحراء والناقة والوحوش ....

- الغريب لايذم إلا إن كان متكلفاً كثيراً , ولذلك وجدنا في كتاب الله
- عزوجل- كلمات غريبة , ولاسيما في الجزء الأخير منه اختلف
الصحابة - رضي الله عنهم- في معناها .
ومن الأمثلة على الغريب المذموم ماشاع في مقامات الحريري .

- الغرابة في القافية يمكن التساهل فيها وقبولها . والغريب في الشعر
أكثر من النثر .

الابتذال :

الكلمة المبتذلة هي التي لاكتها العامة حتى عطلت إشعاعها , فصارت
باهتة منطفئة , ولغة الأدب ينبغي أن تمتاز عن لغة العلم ولغة الحياة
اليومية بسموها ورقيها .

وليس شيوع اللفظة بذاته هو المقياس للحكم على الكلمة بالابتذال بل
يعتمد مقياس الابتذال على صفة كامنة في اللفظة وهي ( إيحاؤها ,
إشعاعها , إشراقها ) فإذا فقدت هذه الصفات عدت مبتذلة .
ففي اللغة كلمات شائعة لم يفقدها استعمالها بريقها , وهي أيضاً ضرورية
لابديل عنها مثل : الإنسان , الزمان ,الجار , الأخ ,الأخت , الجوع ....

ثمة كلمات شائعة في اللغة ولكنها لاتصلح للشعر , كما أنها إذا كثرت
في النثر هجنته ؛ لأن النثر لغة الحياة الواقعية , لايستطيع أن يتجاوز
مادتها ولذلك حسن فيه مالايحسن في الشعر .. مثل : البصل والباذنجان
والطماطم والفجل والشاي ...
نعيب على صلاح عبد الصبور قوله في قصيدة ( الحزن ) :
ورجعت بعد الظهر في جيبي قروش
فشربت شاياً في الطريق
ورتقت نعلي
أو قول محمود درويش في قصيدة ( الموعد الأول ):
حلقت ذقني مرتين
مسحت نعلي مرتين
أخذت ثوب صاحبي وليرتين
لأشتري حلوى لها وقهوةً مع الحليب

هناك كلمات يبعدها عن النمط الأدبي احتقار الناس لمعانيها مثل
( الخنفساء , الجعل )

كلمات يكره الناس المجاهرة بمعانيها ويستترون عند قضائها كالألفاظ
الدالة على قضاء الحاجة والمتصلة بالنظافة كالتقيؤ والبصاق والألفاظ
الجنسية .
لذلك نعيب على بعض الشعراء الحدثاء كنزار قباني وصلاح عبد الصبور
تصريحهم بما لايجب التصريح به .

- والكلمات الأعجمية مبتذلة مستكرهة في النثر والشعر, ولكن ورودها
في النثر قد يكون ضرورة معرفية أما في الشعر فينبغي الإقلال منها .

- المصطلحات الشائعة في اللغة العلمية كمصطلحات أهل اللغة
والشريعة والمنطق واللغة اليومية ( الإعلان , التصريح , البيان )
وتجد ذلك في شعر العلماء .

- للزمان أثر في ابتذال اللفظة , فكم كلمة بدأت مشعة حسنة , توحي
بالمعنى , ثم أصبحت مع الاستعمال عادية أو رديئة ؛لأنها فقدت
إشعاعها , أو أصبحت مباشرة .
من ذلك كلمة ( تكاليف ) في قول زهير :
سئمت تكاليف الحياة ومن يعش :: ثمانين حولاً لاأبا لك يسأم
فقد جاءت مقبولة مشرقة في عصره , ولكن التكاليف في عصرنا
أصبحت من معجم المحاسبة .

للابتذال علاقة بالغرض وبالمقام فالذي يصف مرضاً أصاب عزيزاً
لابد أن يستعمل حقله الدلالي فتجد ( الحشا ) ( الدواء ) ( الحمى )
ومن يصف قبراً أو زهد في الدنيا غير من يصف قصراً فخماً ,
فالأول يورد الدود والبلى , ولكن هذه الكلمات لاتصلح لوصف فاكهة
بستان .
من يخاطب عامياً خطاباً عاماً يقبل منه أن يأتي بأسلوب أقل سمواً
من أسلوب آخر يخاطب به آخر في مقام آخر .
على أن الأديب قد يأتي بكلمة عامية الدلالة فيمنحها فيضاً من حسه
فتتوهج وتلمع بين يديه كما تتوهج الجوهرة بين يدي الصائغ الماهر .
خذ كلمة ( بابا ) العامية وانظر كيف وهبها الأميري فيضاً من شعور
الأب العطوف , وذوق الأديب المرهف
فنشيدهم ( بابا ) إذا فرحوا :: ووعيدهم ( بابا ) إذا غضبوا

يتبع ..

سامح
27-06-2003, 01:21 AM
2- الطول والقصر :
لأن مبنى الشعر على الإيجاز حسن أن تكون كلماته قصيرة
( قليلة الحروف )..لأن الكلمات القصيرة أوجز وأخف على
السمع وعلى اللسان .. وأجود موسيقى خفية.
فناسب الشعر قصر الكلمات وقصر الجمل أيضاً
ولذلك عاب النقاد على المتنبي استعماله ( سويداواتها )
حين قال :
إن الكرام بلا كرام منهم ُ ... مثل القلوب بلا سويداواتها
فالكلمات الكثيرة الحروف أصعب لأنها تتطلب جهداً عضلياً
أكثر من غيرها .

ولاريب أن الكلمات الطويلة عيب في الشعر .. وأن كثرة الكلمات
الطويلة عيب في النثر ..ولذلك جعل ابن سنان الخفاجي اعتدال
الكلمة ( عدم طولها ) من شروط فصاحتها .
على أن طول الكلمة لايخل بفصاحتها إلا إذا صعب النطق بها .
والكلمة التي تطول قد تكون مقبولة إذا خفت بسبب نوع الحروف
وترتيبها وشيوع المدود والإدغام وحروف الوصل ( الحرف الذي
بعد قافية البيت ) .. اقرأ كلمة ( اسبكرت ) تجدها خفيفة في قول
امرئ القيس :
( إذا مااسبكرت بين درع ومجول ).
وإذا كان مبنى الشعر على الكلمات القصيرة فإن مبناه أيضاً
على الكلمات القصير فإن مبناه أيضاً على الجمل القصيرة
لأن الجمل القصيرة أكثر موسيقى خفية , ولأنها أنسب لطبيعة
الشعر ( الإيجاز ).. وقد تطول الجملة في القصيدة .. ولكنها لاتتجاوز بيتاً واحداً .. ومن أجل هذا الاختصار كره علماء النقد
والبلاغة التضمين .. وهوأن يرتبط البيت ببيت لاحق وسابق
وعدوه من عيوب القصيدة على أن طول الكلمات والجمل يجيء
في النثر ذا ارتباط بالمعنى وكلما كان النص أوجز وأبلغ كان أقصر .. ويجب تقسيم الجملة الطويلة في دلالتها لتكون قصيرة في موسيقاها كما تجد في علامات الوقف في القرآن الكريم
كما في سورة النبأ .. وإذا طالت الجملة في معناها قسمها البليغ إلى أشباه جمل يحسن الوقوف عليها لالتقاط النفس .

3-التقديم والتأخير :
الأصل في التركيب النحوي الشائع أن يأتي على نمطين :
أ. الجملة الفعلية : الفعل=> الفاعل => المفعول به أو الصفة أو الحال أو التمييز .
ب. الجملة الأسمية : المبتدأ => فالخبر .
غير أن الأسلوب الأدبي يغير هذا الأصل لأسباب عديدة :
منها تنويع الأسلوب , ومنها مراعاة موسيقى اللفظ , أو مراعاة المعنى .

-تأمل قول أبي الطيب :
على قدر أهل العزم تأتي العزائم ...وتأتي على قدر الكرام المكارم
الأصل :
تأتي العزائم على قدر أهل العزم وتأتي المكارم على قدر الكرام
ولكنه خالف هذا الأصل مراعاة للموسيقى , وهذه الظاهرة موجودة في أساليب القرآن الكريم .. كقوله تعالى (( إياك نعبد وإياك نستعين )).. فالأصل : نعبدك ونستعينك .. وقد عدل عن الأصل مراعاة لموسيقى اللفظ لتمام السجع .. ولغاية أخر معنوية هي الاختصاص .
ومن أغراض التقديم تعجيل المسرة أو المساءة والتفاؤل , ومن أجل ذلك استحسنوا أن تكون أول كلمة في قصائد المحافل موحية عذبة كقول شوقي :
هنيئاً أمير المؤمنين فإنما ... نجاتك للدين الحنيف نجاة
تعجيل المساءة : راسبٌ أنت في الامتحان .
ومن أغراض التقديم التشويق :
ثلاثة يذهبن الحزن ... الماء والخضرة والوجه الحسن

يتبع ,,

سامح
30-06-2003, 04:14 PM
4- الإنشاء والخبر:
فالخبر : إخبار عن شيء , ولذلك أمكن أن يقال لقائله:
صدقت ,إذا وافق الحقيقة ,وإن خالف الحقيقة ..قيل :كذبت
أما الإنشاء : فهو تعبير عن الإحساس الذاتي بطلب أو غير
طلب .. ولذلك لايمكن لمن تمنى شيئاً أن يقال له : كذبت أو صدقت . وهو قسمان :
الطلبي : مايطلب المتكلم به شيئاً من المتلقي كالأمر والنهي والاستفهام والنداء .
غير الطلبي : وهو مايبدي المتكلم شعوراً بالارتياح أو الكراهية
أو الثناء أوالذم ..كالتمني والترجي والتعجب والقسم والمدح والذم
[ عسى , لعل , كاد , شك , جعل ..]
صيغ العقود : وهي الاتفاقات التي تجري بين الناس في البيع والشراء والرهن
والوصية وماإلى ذلك .
[ بعت , اشتريت , زوجت ,ووهبت ...]
وقد تكون بالماضي أوغيره كقولك : أنا الموقع أدناه .
والكلام بطبيعته يتراوح بين الخبروالإنشاء والكلام العادي تكثر
فيه الجمل الخبرية سواء كان نصاً أدبياً ,أوعلمياً أوشفوياً أو مكتوباً .
ولكن قد تزيد نسبة الإنشاء , وقد تزيد نسبة الخبر لمقاصد أدبية
فالخبر يشيع في مواقف الوصف والتقرير والإخبار , وتزداد نسبة
الإنشاء في مواقف الحماسة والتحريض والإثارة .
وأسلوب الإنشاء أكثر إثارة للذهن ؛ لأنه أكثر حركة واندفاعاً وهذا مايجعل الصورة الأدبية تهز الذهن لتشخيصها وحركتها ؛ لإن
الإنشاء طلب والطلب يقتحم ذهن المتلقي والسامع .

ولأثر الإنشاء تجد الخطاب في القرآن الكريم
يبدأ أحياناً كثيرة :
( ياأيها الذين ءامنوا ...) وهو إشارة للمؤمن : أن أنصت واستمع فثمة خير تدعى إليه , أو ر تنهى عنه .
ومن أجل ذلك استفتح الشعراء القدامى والحدثاء قصائدهم
بالإنشاء يدعون أصحابهم أو بناجون قلوبهم , وتأمل
مطالعهم تجد ذلك بيناً .

فالإنشاء : إذاً يثير الذهن , وهذا يذكرنا بأنه أكثر حيوية واندفاعاً , ومن أجل ذلك يكثر في مواطن الحماسة والتحريض والتهديد والوعيد وفي مواطن الوعظ والتذكير , وهو من شوافع الجزالة .


يتبع ,,

سامح
20-08-2003, 09:45 AM
اعتذر أحبتي حيث قمت بحذف جميع الردود
حفاظاً على تسلسل الموضوع .


سأبدأ بإذن الله التطبيق
على قصيدة المتنبي التي اختارها شاعرنا الحاضر الغائب
أبو خالد لنطبق عليها ماذكرنا ..

أتمنى أن يُستفاد من الموضوع :)

جزاكم الله خيراً على المتابعة .

أنشودة المطر
08-04-2005, 09:24 AM
شكراً لك سامح..

بالمناسبة سمعتُ أن قصيدة (طاوي ثلاث) منحولة للحطيئة؟!
هل لديك توثيق بأنها بالفعل للحطيئة؟!

وما جعلني أميل إلى هذا الرأي أيضاً قولك:"
المناسبة :
لم أحصل على مناسبة تروى عن الحطيئة لتكون سبباً لهذه القصيدة
وربما نسجت القصة في خيال الشاعر دون أن تقع على أرض واقعه ."

وفقنا الله وإياك.

][~عاشقة الضاد~][
15-04-2005, 10:05 PM
لا والله أروع من الروعة موضوعك شامل وكامل
وسأستفيد منة في تحليل نصوصي
أشكرك أخي وجزاك الله ألف خير

سامح
16-04-2005, 06:50 PM
أنشودة المطر

شكراً لك على الملحوظة ..

فعلاً هناك من ذهب إلى هذا الرأي .. وليس لديَّ توثيق
لهذا حالياً ..

أرى بأنه مادام قد بلغنا النص .. وأعجبنا .. وبلغ هذا الحظ
من الدراسة والمطالعة فقد بلغ منزلة ..
حتى لو لم يكن قائله الحطيئة
أو أنه نسب إليه ليشتهر ويذيع صيته .. وهذا ذهب إليه كثير
من الشعراء في عصور متقدمة كان النقاد يقدمون نصوص
الأقدمين على الأحدثين حتى لو سبق الثاني الأول .!!

والقصيدة فعلاً .. لاتتماشى مع نَفَس الحطيئة الساخر
والناقم على الدنيا بما فيها ..

يبقى النص معنا .. وأرانا لو سبرناه لن نقدر على وصله
بالحطيئة .. أو قراءته بانسيابية على أنه نص للحطئية !!

رأي مستفرد
لعل هناك مايعضده في لاحق الأيام ..




الدلوعة ..
حياك الله

وشكراً لك .. يهمنا فعلاً أن نبعث لكم تراتيل معرفة
حتى لو كانت يسيرة .

لكما التحية .. والتقدير

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

الأديب اللبيب
04-12-2008, 03:32 AM
حفظك الله يا سامح أينما وجهت وجهك .

ايام العمر
10-12-2008, 08:15 PM
جزاكم الله خيرا على هذا الموضوع الجميل

سامح
12-12-2008, 09:11 PM
شكر الله لكم هذا التواصل ..
اعتذر الموضوع قديم جداً ..
لكني ربما غفلت عن الإبانة عن مراجع الموضوع
حيث كانت تلك في الأصل محاضرات جامعية
للدكتور : محمد القسومي
مع بعض الإضافات من كتاب التحرير الأدبي : د. حسين علي محمد
وكتاب بناء القصيدة العربية :د. يوسف حسين بكار


طبعا هذه مفاتيح ..

ولكم بعض الكتب يمكن الاستزادة منها :
1- عن بناء القصيدة العربية : د. علي عشري زايد
2- الكلمة والكلام والجمل : د. منير سلطان
3- موسيقى الشعر : د. إبراهيم أنيس
4- المرشد إلى فهم أشعار العرب : عبد الله الطيب

زهرة الزيزفون
16-12-2008, 08:31 AM
نفع الله بك أستاذ سامح.

الأديب الحقيقي
26-12-2008, 11:14 AM
شكراً أخي سامح
استفدت كثيراً واستبيحك عذراً في نسخها وإفادة الآخرين منها مع حفظ الحقوق لك بالتذييل باسمك حين انسخها
تحياتي مصحوبة بدعواتي

ابن آدم
29-12-2008, 02:31 PM
بارك الله فيك ونفع بك

سامح
29-12-2008, 05:49 PM
شكراً للجميع


الأديب الحقيقي
انشرها , ولكن انسبها لأهل الفضل د/ محمد القسومي
فما أنا سوى ناقلٍ , ومضيف

فلورفلور
30-12-2008, 03:56 PM
جهد طيب ،،،
لك جزيل الشكر ....

شكرا
02-01-2009, 05:20 PM
موضوع جميل
كم انا محظوظ لقراءتي له

جزاك الله كل خيرا أستاذ سامح

الحصماني
04-01-2009, 10:48 PM
شكرا ياسيد سامح
القواعد التي ذكرتها تندرج ضمن مانسميه بخطاب التعليم أو النقد المدرسي وإلا فثمة نظريات تسقط من اعتبارها كثير من القواعد المذكورة آنفا فالبنيوية أو النقد البنيوي على سبيل المثال لا يلتف إلى ما ذكرت من الإلمام بالأديب وعصره وكما تعلم فهذا النوع من النقد قائما اساسا على مبدأ موت المؤلف أليس كذلك
تحياتي

سامح
09-01-2009, 06:57 PM
.

صدقت أستاذ الحمصاني

هذه إضاءات يُمْكِنُ أن تُنير للدارسين بداية الطريق
ولكن على الدارسِ تطوير مهاراته , والتعرف على
المناهج النقدية المتعددة , كي يختطَّ لهُ الطريق الذي
يُجِيْدُهُ , ويرى فيهِ الصواب .


شكر الله لك .

أمية الله
06-04-2009, 05:02 PM
جزاكم الله خيراً

رياض خنفوف
10-04-2009, 04:16 PM
هذا ما كنت ومازلت أبحث عنه، فشكرا ألف شكر لك أستاذنا الكريم، وبارك الله فيك وزادك من علمه..

دفء الشتاء
10-04-2009, 09:47 PM
سلمت أناملك

الأستاذ:ناعوس
22-04-2009, 10:20 PM
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على الأنبياء والمرسلين سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين

رياض خنفوف
20-05-2009, 10:09 PM
السلام عليك ورحمة الله وبركاته
لقد قمت بطبع هذه المشاركة وعممت الاستفادة منها لأكثر من صديق
جزاك الله خيرا..

محمد الجبلي
06-07-2009, 08:05 AM
المشاركة الأصلية بواسطة سامح

22-03-2003, 03:33 pm

المشاركة الأصلية بواسطة رياض خنفوف
20-05-2009, 09:09 pm
يظل العظام عظاما يا سامح

الباز
06-07-2009, 04:42 PM
بارك الله فيك
موضوع متكامل ومفيد ..
جزاك الله خيرا .

بالنسبة لقصيدة طاوي ثلاث:
القصيدة -في رأيي- تنضح بنفَس الحطيئة لما فيها من تنقيح
بلغ بها أقصى درجات الفصاحة و الجمال؛وهي ميزة له بتنقيح قصائده
حتى أنه قال : أفضل الشعر الحوليّ المنقح المحكك ..
ولو نظرنا إليها نظرة فاحصة لوجدنا فيها ما تميز به
الحطيئة من هجاء للبخلاء ومدح و إشادة بالكرم و أهله.

د.ايسر الدبو
22-07-2009, 11:35 PM
لم يكن من السهل أن نحصل على اتفاق في معرفة تحليل النص الأدبي وغاياته بل إن الأمر يزداد صعوبة كلما فتح النقاش ودخلت وجهات النظر ومن هنا لا يمكن أن نطلق في تحليل النص الأدبي للوقوف على إبداعات الأديب لأن هذا يمثل جزءًا من النقد وهي تلك المناهج التي تدور في فلك ما قبل النص ( الاجتماعي والتاريخي والنفسي ) أو مع النص الذي يمثل المناهج النصية كاللسانيات وجومسكي وغيرها وصولا إلى الغايات في فلسفة ما بعد النص المتمثل بدريدا والتفكيك او ياوس /التلقي أن دراسة النص الأدبي يمثل الغاية من الدراسة أو لنقل المنهج المتبع لنصل به إلى الغاية من التحليل وأنني أتفق بأنه من الصعب أن نحصر التحليل بجهة دون أخرى بل وأتفق تمتم مع الرأي الذي يدعو إلى التحليل التكاملي (المبدع - النص -القارئ).
د.أيسر الدبو
جامعة الأنبار / كلية الاداب -قسم اللغة العربية

نوفل الحافظ
16-11-2009, 08:06 PM
بارك الله فيك.......أما الرأي عن قتل المؤلف فلا أتفق كليا معه..لأن المنجز نتاج تجربة شعورية وثقافية خاصة للمؤلف، فكيف يتم فصل اللحم عن العظم...؟؟؟

تحياتي

محمد الجبلي
26-03-2010, 10:51 AM
حفظك الله يا سامح أينما وجهت وجهك .
اللهم آمين

درعمية وأفتخر
25-04-2010, 01:22 AM
ليجزيك ربي كل خير
والله الموضوع مهم جداً
واستفدت منة الكثير
وكنت في أمس الحاجة إليه
بارك الله فيك أخي سامحاً
ولا حرمك ربي الأجر

عصام محمود
28-04-2010, 09:50 AM
الموضوع طيب وهو منهج تعلميي مفيد وبخاصة للمبتدئ في مجال تحليل النصوص الأدبية، ولاشك أن الباحث المحدث بحاجة لفهم هذه القواعد أولا ثم الاستفادة منها وتجاوزها للمناهج الجديدة لكي يصبح ناقدًا مبدعاً متفاعلاً وفي ظني أن النقد لا يقل في الإبداع عن المبدع الأصلي ولذا فالقيود التي وضعتها المناهج التقليدية تحد من تحليق المبدع

عبود
04-03-2011, 01:44 PM
بارك الله فيك

الحميدي99
12-04-2011, 08:42 PM
جزاك الله خيرا ، وزادك علما ، ونفع بك ، وجعلك مباركا

سمراء الجزائر
22-04-2011, 09:56 PM
الأستاذ الفاضل سامح والأخوة الافاضل ..
تحية وبعد:
اطلعت على تحليلك الدقيق والمتميز للنص الشعري ، فقد أردت أن أعقب على شيء مهم هو أن بعض النصوص خاصة المعاصرة لا تخضع لنفس المنهجية في التحليل ، فالنص أصبح متمردا لا يقبض على الكثير من معانيه والأمثلة كثيرة في هذا المجال خصوصا النصوص الروائية.
شكرا لكم

وقار..*
26-04-2013, 11:06 PM
جزاك الله خيراً سامح و رزقنا وإياك الجنة ..

زهرة متفائلة
27-04-2013, 12:37 AM
الحمدلله والصلاة والسلام على رسول الله .....أما بعد :

جزاكم الله خيرا ، وكتب الله لكم الأجر والمثوبة / اللهم آمين

والله الموفق

زهرة متفائلة
30-10-2013, 09:40 PM
شكراً لك سامح..

بالمناسبة سمعتُ أن قصيدة (طاوي ثلاث) منحولة للحطيئة؟!
هل لديك توثيق بأنها بالفعل للحطيئة؟!

وما جعلني أميل إلى هذا الرأي أيضاً قولك:"
المناسبة :
لم أحصل على مناسبة تروى عن الحطيئة لتكون سبباً لهذه القصيدة
وربما نسجت القصة في خيال الشاعر دون أن تقع على أرض واقعه ."

وفقنا الله وإياك.

الحمدلله والصلاة والسلام على رسول الله ....أما بعد :

محاولة للتعقيب !

اليوم قرأتُ هذا في جريـدة الجزيرة هنـــا (http://www.al-jazirah.com/2013/20130711/cu8.htm) :

قصيدة «وطاوي ثلاث...» وصحة نسبتها إلى الحطيئة د. فواز بن عبدالعزيز اللعبون :

راجت في المقررات المدرسية ولدى الناشئة ومحبي الأدب قصيدة ميمية جميلة المبنى والمعنى تُنسب للشاعر الحطيئة (تـ: 45هـ)،(1) ويحكي فيها عن رجل كريم فقير انعزل هو وأسرته في الصحراء، فانتابه ضيف جائع، فلم يجد ما يكرمه به، ففكر في ذبح ابنه، وتقديمه له، وكاد يذبحه لولا أن قطيعاً من حُمُر الوحش مَرَّ حولَه، فاصطاد منه أتانا، فأعدّها وقدمها للضيف، والقصيدة هي:

وَطَاوِي ثَلاثٍ عَاصِبِ البَطْنِ مُرْمِلٍ
بِتَيْهَاءَ لَـمْ يَعْرِفْ بِهَا سَاكِنٌ رَسْما(2)
أَخِي جَفْوَةٍ فِيْهِ مِنَ الإنْسِ وَحْشَةٌ
يَرَى البُؤْسَ فِيْهَا مِنْ شَرَاسَتِهِ نُعْمَى
وَأَفْرَدَ في شِعْبٍ عَجُوْزاً إزَاءَها
ثَلاثَةُ أَشْبَاحٍ تَخَالُهُمُ بَهْما(3)
حُفَاةٌ عُرَاةٌ ما اغْتَذَوا خُبْزَ مَلَّةٍ
وَلا عَرَفُوا لِلْبُرِّ مُذْ خُلِقُوا طَعْما(4)
رَأَى شَبَحاً وَسْطَ الظَّلامِ فَرَاعَهُ
فَلَمَّا بَدَا ضَيْفاً تَسَوَّرَ وَاهْتَمّا(5)

وَقَالَ ابْنُهُ لَمَّا رَآهُ بِحَيْرَةٍ:


أَيَا أَبَتِ اذبَحْنِي وَيَسِّرْ لَهُ طُعْما
وَلا تَعْتَذِر بِالعُدْمِ عَلَّ الذي طَرَا
يَظُنُّ لَنَا مَالاً فَيُوْسِعُنَا ذَمّا(6)
فَرَوَّى قَلِيْلاً ثُمَّ أَجْحَمَ بُرْهَةً
وَإنْ هُوَ لَمْ يَذْبَحْ فَتَاهُ فَقَدْ هَمّا(7)
وقال: هَيَا رَبَّاهُ ضَيْفٌ ولا قِرىً
بِحَقِّكَ لا تَحْرِمْهُ تَاللَّيْلَةَ اللَّحْما(8)
فَبَيْنَا هُمَا عَنَّتْ عَلَى البُعْدِ عَانَةٌ
قَدِ انْتَظَمَتْ مِنْ خَلْفِ مِسْحَلِهَا نَظْما(9)
عِطَاشاً تُرِيْدُ المَاءَ فَانْسَابَ نَحْوَهَا
عَلَى أَنَّهُ مِنْهَا إلى دَمِهَا أَظْما
فَأَمْهَلَهَا حَتَّى تَرَوَّتْ عِطَاشُهَا
فَأَرْسَلَ فِيْهَا مِنْ كِنَانَتِهِ سَهْما(10)
فَخَرَّتْ نَحُوْصٌ ذَاتُ جَحْشٍ سَمِيْنَةٌ
قَدِ اكْتَنَزَتْ لَحْماً وَقَدْ طُبِّقَتْ شَحْما(11)
فَيَا بِشْرَهُ إذْ جَرَّها نَحْوَ قَوْمِهِ
وَيَا بِشْرَهُم لَمَّا رَأَوا كَلْمَها يَدْمَى
فَبَاتُوا كِرَاماً قَدْ قَضَوا حَقَّ ضَيْفِهِمْ
وَلَمْ يَغْرَمُوا غُرْماً وَقَدْ غَنِموا غُنْما
وَبَاتَ أَبُوْهُمْ مِنْ بَشَاشَتِهِ أَباً
لِضَيْفِهِمُ وَالأُمُّ مِنْ بِشْرِها أُمّا(12)

وهذه القصيدة وقفت عليها في ديوانه الذي قرأته وأنا في المرحلة الجامعية، وانتابني فيها شك صحبني إلى اليوم، وذلك للأسباب الآتية:

1 - أن من قرأ شعر الحطيئة وخبره أدرك أن أسلوب هذه الميمية لا يقترب من أسلوبه مطلقا.
2 - أن فكرة إكرام الضيف بتقديم لحم بشري إليه فكرة غير مألوفة عند العرب، بل هي مستوحاة بتصرف من قصص الفداء الموجودة في الثقافات غير العربية، ومنها قصة إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام، وقصص أخرى تدور حول تقديم البشر قرابين للآلهة، وهذا كله لا صلة له بالكرم، وإطعام الضيف.
3 - أن بنية القصيدة القصصية بنية ناضجة تكاد تكتمل اكتمالاً يدهش نقاد القصة أنفسهم، وهذا لم يكن متحققاً في زمن الحطيئة، ولا في الجيل الذي تلاه.
4 - أن في القصيدة خطأ دلاليّاً من الأرجح أنه لم يكن في زمن الحطيئة، فزمنه زمن فصاحة لم تَفْشُ فيه مثل هذه الأخطاء بعد، وهذا الخطأ في لفظة (بُرْهة) الواردة في البيت:
فَرَوَّى قَلِيْلاً ثُمَّ أَجْحَمَ بُرْهَةً
وَإنْ هُوَ لَمْ يَذْبَحْ فَتَاهُ فَقَدْ هَمّا
فالبُرْهَة كما تنص معاجم اللغة التي وقفتُ عليها هي الزمن الطويل من الدهر، وهي هنا في البيت بمعنى اللحظة القصيرة كما يُفهم من السياق بجلاء، وهذه الدلالة الخاطئة أفترض أنها لم تظهر إلا في عصور متأخرة، مما يرجح أن القصيدة كُتِبَت في غير ذلك الزمن.

ولأن هذا كله داخل في الظن والاحتمال وقابل للأخذ والرد فسأسوق برهانين آخرين يكادان يؤكدان أن القصيدة ليست للحطيئة شخصاً ولا زمنا:

1 - أن القصيدة لم ترد في ديوان الحطيئة المعتمد الذي جمعه ورواه ابن السِّكِّيت (تـ: 246هـ)، إنما أوردها المحقق د. نعمان محمد أمين طه في آخر الديوان، وعلق عليها في الحاشية بقوله: «ذكرها جولدتسهير في نشرته لديوان الحطيئة سنة 1891م في نهاية القصائد والمقطوعات التي أَخَلَّتْ بها مخطوطات ديوان الحطيئة، وكذلك ذكرها الأستاذ إفرام البستاني في العدد الذي خص به الشاعر الحطيئة من أعداد مجموعته «الروائع» باختلاف في الرواية، والظاهر أنه نقلها عن ديوان الحطيئة المطبوع في القسطنطينية سنة 1308هـ- 1890م ولم أطلع عليه».(13)
ولم ترد أيضاً في رواية أبي الحسن السكري (275هـ) إلا في آخر الديوان تحت عنوان: (تذييل وتكميل لديوان الحطيئة)،(14) وهذا التذييل والتكميل إما من صنعة مصحح الديوان أحمد بن الأمين الشنقيطي، أو من صنعة أحد الذين أشار إليهم محقق شرح ابن السكيت نعمان طه في حاشيته، فنقل عنه الشنقيطي.
2 - أن المصادر الأدبية والنقدية المتقدمة لم تشر إلى هذه القصيدة ولا إلى أي بيت منها، ومثل هذه القصيدة لو كانت حقّاً للحطيئة أو حتى كُتبت في زمنه لتناولها الأدباء والنقاد واللغويون عرضاً ودراسة واستشهادا.

والذي أرجحه بعد هذا كله :

أن هذه القصيدة كتبت في آخر العصر العباسي أو بعده، فمن الجلي عندي أن مضمون القصيدة تأثر بما تُرجم عن الشعوب الأخرى، ولا سيما ما ترجم عن الهنود والفرس، فمضمونها الدائر حول فكرة ذبح إنسان/ ابن وتقديمه طعاماً للضيف قريبة من أفكارهم الشعبية والأسطورية، وخليقة بها.
كما أن أسلوب القصيدة اللغوي يقترب كثيراً من أساليب مُجِيدي العصور الوسطى، ولا يمت بصلة إلى زمن الحطيئة.
وهذا كله لا يلغي قيمة القصيدة، فهي نفيسة ثرية طريفة، وجدير بالناشئة وغيرهم حفظها ودرسها، وما سبق ليس إلا تصحيح نسبة، وقدح فكرة، ولهذه القصيدة نظائر في تراثنا تستدعي من الباحثين شيئاً من التمحيص وإعادة النظر ولا سيما في شأن النسبة، ولعلي أُكمل ما بدأتُه، وأستعرض مستقبلاً القصيدة الشهيرة:
هَذَا الذي تَعْرِفُ البَطْحَاءُ وَطْأَتَهُ
وَالبَيْتُ يَعْرِفُهُ وَالحِلُّ وَالحَرَمُ
وصحة نسبتها للفرزدق من عدمها، والله أعلى وأعلم.
24 - 8-1434هـ


**** ****

الحواشي:

(1) وهو جرول بن أوس بن مالك العبسي، شاعر مخضرم أدرك ثلاث حقب: الجاهلية، وصدر الإسلام، والعصر الأموي، يراه النقاد الأوائل من الشعراء الفحول الـمُـجيدين، وكان مولعاً بالهجاء، وهجا معظم مَن حوله حتى هجا أمه، وهجا نفسه أيضا، ويمكن أن أعده من أوائل الشعراء الذين رسخوا لفن السخرية، ومع براعته الشعرية كان دميماً بخيلاً قاسي القلب، والناس تهابه وتتقيه، وشعره مسموع ذائع سريع الرواج، وقد سجنه عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- لتطاوله على الناس وأعراضهم، فاستعطفه بأبيات، فعفا عنه، ويقال إنه اشترى منه أعراض المسلمين بثلاثة آلاف درهم.
(2) الطاوي: الجائع. ثلاث: أي ثلاث ليال. عاصب البطن: الذي يَشُدُّ الخِرَق على بطنه ليسكِّن جوعَه. مُرْمِل: فقير محتاج. التيهاء: الصحراء. الرَّسْم: ما بقي في الأرض من آثار الديار.
(3) الشِّعْب: الطريق في الجبل. الأشباح: جمع شَبَح، وهو ما لا تراه العين بوضوح إما لضآلته، أو لبعده، أو لكونه في الظلام. البَهْم: جمع بَهْمة، وهو ولد الضأن والماعز.
(4) المَلَّة: الرماد.
(5) تَسَوَّر: وثب وقفز.
(6) العُدْم: الفقر.
(7) رَوَّى: صَمَتَ مُفكرا. أحجم: تراجع وامتنع. بُرْهَة: البُرْهَة في معاجم اللغة هي الزمان الطويل، وهي هنا في البيت بمعنى الوقت القصير، واستعمال «برهة» بمعنى الوقت القصير من الأخطاء الدلالية الشائعة.
(8) هيا: حرف نداء. قِرَى: طعام، تا الليلة: هذه الليلة.
(9) عَنَّتْ: عَرَضَتْ ولاحَت. العانة: القطيع من الحُمُر الوحشية. المِسْحَل: قائد القطيع.
(10) تَرَوَّت: شَرِبَتْ حتى ارْتَوَتْ. الكِنَانة: جَعْبَة السهام.
(11) خَرَّتْ: سَقَطَتْ بعد وقوف. النَّحُوْص: الأتان الوحشية. اكتنزَتْ: امتلأت. طُبِّقَت: أي أصبح الشحم فوقها طبقات، ويعني أنها أتان ضخمة سمينة.
(12) القصيدة من المضاف إلى: ديوان الحطيئة برواية وشرح ابن السكيت، تحقيق: د. نعمان محمد أمين طه، مكتبة الخانجي، القاهرة، ط:1، 1407هـ- 1987م، ص: 336- 338. وقد اعتمدت الرواية الواردة فيه، وأتممت أبيات القصيدة بالبيتين: (حفاة عراة...، وقال هيا رباه...) وهما أوردهما المحقق د. نعمان طه في حواشي شرحه، وذكر أنه أفادهما من نسخة إفران البستاني.
(13) ديوان الحطيئة برواية وشرح ابن السكيت، تحقيق: د. نعمان محمد أمين طه، مكتبة الخانجي، القاهرة، ط:1، 1407هـ- 1987م، ص: 336.
(14) يُنظر: ديوان الحطيئة بشرح أبي الحسن السكري، اعتنى بتصحيحه: أحمد بن الأمين الشنقيطي، مطبعة التقدم، القاهرة، د.ط، د.ت، ص: 115.


والله أعلم بالصواب

محمد محمد أبو كشك
29-12-2013, 10:13 AM
موضوع رائع هل يمكننى طلب نقله بجملته إلى نافذة الإبداع فهو ضالتنا وهو عين ما نطلبه هناك
هل من الممكن ذلك؟

نحن هنا
22-06-2015, 02:38 AM
صفات الناقد الجيد

-سلامة الذوق ؛ لأن المتنبي يقول :

ومن يك ذا فم مريض ,,, يجد مراً به الماء الزلالا .


يتبع

لهجة صادقة تٌفيد النقاد وكل مَن أراد التصدي لنص أدبي حديثا وتعليقا
والموضوع متجدد الفائدة
جزاك الله عنا خير الجزاء

ألاستاذ الدكتور ايسر الهاشمي
15-09-2015, 02:02 PM
شكرا لهذه المعلومات أخي العزيز ، ولكن يجب أن تعلم أن المتصدي للتحليل الأدبي لابُدَّ من تملّكه الخلفية الكافية من الأدوات التي تساعده للوصول إلى فك مغاليق النص والولوج إلى العمق ،ومن هنا يتمثل اتجاهان مهمان في التصدي لأي نص أولهما الموهبة والذوق الفني في التحليل الأدبي وهذا يتأتى من صقل تلك الموهبة بالخبرة والقراءة والمتابعة ومنها يولد الاتجاه الثاني الذي يتمثل بالأدوات اللغوية والبلاغية والسيسولوجية والمعرفية لكي يصل إلى الهدف من التحليل والذي في نهاية المطاف يتباين من ناقد إلى آخر حسب الميول الفكرية والمرجعيات التي ينطلق منها في التحليل ... من هنا تقع على كاهل الناقد مهمة ليست بالهينة وهي بحاجة إلى معرفة فلسفية وقراءة وخبرة ودراية مع التقدير
الأستاذ الدكتور أيسر الهاشمي