المساعد الشخصي الرقمي

اعرض النسخة الكاملة : شرح لـــ "تحفة الأطفال"



مهاجر
26-09-2006, 01:40 AM
بسم الله

السلام عليكم
هذا شرح مختصر لمنظومة "تحفة الأطفال" في علم التجويد ، جمعتها من بعض المحاضرات عندي ، لعل مدارستها تكون من تمام مدارسة القرآن في هذا الشهر الكريم ، أسأل الله ، عز وجل ، أن ينفع بها ، وسوف أرسلها تباعا إن شاء الله .

والمنظومة للشيخ سليمان بن حسين بن محمد الجمزوري ، رحمه الله ، نسبة إلى جمزور ، بلد معروفة قريبة من مدينة "طندتا" ، بنحو أربعة أميال ، وأظن "طندتا" ، الآن هي مدينة "طنطا" ، المدينة المعروفة في دلتا مصر .

وهو ، كغالب أهل دلتا مصر ، شافعي المذهب ، فشمال مصر يغلب عليه المذهب الشافعي ، منذ دخل المذهب مصر على يد السلطان الفاتح صلاح الدين الأيوبي ، رحمه الله ، وكان شافعي المذهب ، فأعاد مصر إلى المذهب السني في الاعتقاد ، وإن غلب عليه مذهب الأشاعرة ، في الأصول والمذهب الشافعي في الفروع ، بعد أن كان مذهب حكامها ، "العبيديين" ، الخبثاء ، المنسوبين لفاطمة ، رضي الله عنها ، زورا وبهتانا ، هو المذهب الرسمي لمصر ، وإن بقي أهلها متمسكين بمذهب أهل السنة والجماعة ، بل وغلب مذهبهم المذهب الإسماعيلي الباطني الخبيث في بعض مدن مصر ، كمدينة الإسكندرية ، التي غلب عليها المذهب المالكي ، وعدت بحق أيام بني عبيد ، قاتلهم الله ، قلعة السنة في مصر ، والله أعلم .

وسوف أقتصر ، إن شاء الله ، على شرح الأبيات المتعلقة بالمسائل العلمية التي حوتها المنظومة دون غيرها ، ومع أول هذه الأبيات :

وبعد : فهذا النظم للمريد ******* في "النون والتنوين" و "المدود"

وقوله رحمه الله : "النظم" هو مصدر بمعنى اسم المفعول "المنظوم" ، فهو من باب تبادل الصيغ ، أي نيابة صيغة عن صيغة في الدلالة على معنى معين ، فهنا ، على سبيل المثال ، ناب المصدر "نظم" عن اسم المفعول "منظوم" في الدلالة على معنى المنظوم وهو الأبيات الشعرية ذات الوزن والقافية ، والله أعلم .

والملاحظ على المنظومات العلمية ، أنها تكتب دوما ، على أوزان بحر "الرجز" ، أحد البحور الشعرية المعروفة في علم العروض ، وما ذاك إلا لسهولة التصرف في أوزانه ، وهو ما يتيح للناظم حرية أكبر في نظم المسائل العلمية ، والله أعلم .

وقد أفصح الشيخ ، رحمه الله ، عن مضمون منظومته في هذا البيت ، وإن لم يستوعب ، فمنظومته تزيد على ما ذكره ، ففيها أحكام النون الساكنة والتنوين ، وأحكام الميم الساكنة ، وأحكام النون والميم المشددتين ، وأحكام المتماثلين والمتجانسين والمتقاربين ، وأحكام لام "أل" ولام الفعل ، وأحكام المدود ، وهي ، من وجهة نظري القاصرة ، أفضل فصول المنظومة ، فقد فصل فيها أنواع وأحكام المدود ، تفصيلا بديعا ، كما سيأتي إن شاء الله ، فجزاه الله خيرا عما قدم .

وبداية مع أشهر أحكام التجويد على الإطلاق :
أحكام النون الساكنة والتنوين :
وقبل الخوض فيها لا بد من تعريف النون الساكنة والتنوين مع بيان الفرق بينهما :

فالنون الساكنة : هي ذلك الحرف المعروف من حروف المعجم ، ونطقه : (نون) ، وقد قيدت في هذا الموضع بكونها ساكنة ، أي خالية من أي حركة ، كما في قوله تعالى : "من هاد" .

وأهم ما يلزمنا معرفته عن هذا الحرف في هذا الموضع :
أولا : مخرجه ، ولمعرفة المخرج دور كبير جدا في معرفة الحكم التجويدي ، وتعليله ، فبه نعرف ، على سبيل المثال ، ما حكم النون الساكنة إن أتى بعدها حرف حلقي ، "أي مخرجه من الحلق" ، ولماذا تظهر النون في هذا الموضع بالذات .......... الخ ، كما سيأتي إن شاء الله .

ولمعرفة مخرج الحرف ، فإننا نتبع طريقة مبسطة : وهي أن نأتي بهمزة متحركة قبل الحرف ، ثم نأتي بالحرف بعدها ساكنا ، فعلى سبيل المثال :
إذا أردنا معرفة مخرج العين : فإننا ننطق بلفظ " أع" ، بفتح الهمزة وتسكين العين ، فيتضح لنا أن مخرج العين هو : الحلق ، وبالتحديد وسط الحلق .

وفي حالة النون ، فإننا نستخدم نفس الطريقة ، فننطق بلفظ : "أن" ، فيتضح لنا أن مخرج النون هو : "طرف اللسان" ، وبالتحديد : "رأس اللسان مع ما يحاذيه من الحنك الأعلى فويق الثنيتين" ، لأن رأس اللسان سوف يصطك بالحنك الأعلى ، وبالتحديد بالمنطقة التي تلي الثنيتين ، من أعلى الحنك ، وهذا المخرج مختص بأي نون سواء كانت متحركة أم ساكنة ، بتصرف من "منحة ذي الجلال" للشيخ علي محمد الصباغ ، رحمه الله ، ص24 .

ثانيا : صفاته ، فلكل حرف صفات يتميز بها ، ولهذه الصفات دور كبير في معرفة أحكامه التجويدية ، وحاصل صفات النون أنها :
· حرف جهري .
· متوسط ، بين الرخاوة والشدة ، لأنه من الحروف المتوسطة التي يجمعها قولك : "لن عمر" ، و "لن" ، فعل أمر من اللين .
· مستفل ، من "الاستفال" ، وهو تسفل اللسان وانخفاضه إلى قاع الفم عند النطق بالحرف .
· منفتح ، من "الانفتاح" ، وهو عبارة عن انفتاح ما بين اللسان والحنك الأعلى وخروج الريح من بينهما عند النطق بالحرف ، خلاف الحروف المطبقة ، من "الإطباق" ، وهو انطباق طائفة من اللسان على ما يحاذيها من سقف الحنك وانحصار الصوت بينهما عند النطق بحروفه ، فلا ريح تخرج من الفم عند النطق بالحرف ، وإنما يحجز اللسان ، بطائفة منه ، الهواء المندفع من الجوف عند النطق بالحرف المطبق ، وحروف الإطباق : الصاد والضاد والطاء والظاء ،
· مصمت ، (أي حرف النون) ، غير مقلقل ، فحروف القلقلة يجمعها قولك : (قطب جد) ، والنون ليست منها .

· ولكن أبرز صفة يتميز بها حرف النون هي : "الغنة" ، وهي صفة للنون والتنوين والميم الساكنة فقط .

والغنة ، في تعريف أهل الاصطلاح : صوت لذيذ مركب في جسم النون والتنوين ، فهو تبع لها في المخرج والصفات والأحكام ، والميم الساكنة ، ولا عمل للسان فيه ، لأن مخرج الغنة هو الخيشوم .
وحكمها : المد ، ومقداره : حركتان .
ويتضح من المقارنة بين غنتي النون والميم أن الأولى أقوى من الثانية ، والله أعلم .

وأما التنوين فهو لغة : التصويت ، ومنه : نون الطائر إذا صوت (أي أصدر صوتا) .
واصطلاحا : نون ساكنة زائدة تلحق آخر الأسماء لفظا ووصلا ، لا خطا ووقفا .
وعرفه ابن هشام ، رحمه الله ، في "المغني" بقوله :
· وهو نون زائدة تلحق الآخر لغير توكيد ، فخرج :
· نون "حسن" لأنها أصل .
· ونون "ضيفن" للطفيلي ، لأنها متحركة ، وإنما زيدت مبالغة في وصف تطفل هذا الصنف من الضيوف .
· ونون "منكسر" و "انكسر" ، لأنها غير آخر .
· ونون (لنسفعا) ، لأنها توكيد .
بتصرف يسير من "مغني اللبيب" ، (2/4) .

فلا يظهر التنوين في الخط ، أي الكتابة ، فإذا قلت على سبيل المثال : رأيت محمدا ، فإنك تكتبها ألفا منونة ، وتنطقها نونا ساكنة زائدة بعد الدال ، ولا تكتب : محمدن ، إلا في الخط العروضي ، (الخط الخاص بعلم العروض) ، لأن المراد منه معرفة أوزان الأبيات الشعرية عن طريق التفعيلات ، ولا يمكن ذلك إلا بكتابة كل حرف ينطق به اللسان ، مع تحديد حركته ، وإن لم يكتب في الخط الإملائي المعروف ، والله أعلم .

وأما أقسامه فهي مما يختص به علم النحو ، وأبرزها إجمالا :
تنوين التمكين : وهو الذي يلحق آخر الأسماء ، كقولك : رأيت محمدا ، وسمي بذلك لأنه يدل على تمكن الاسم في باب الاسمية ، فالتنوين من أبرز علامات الأسماء ، لأنه ينفي شبهه من الحرف إذ لو أشبهه لبني ، وكذا ينفي شبهه بالفعل إذ لو أشبهه لمنع من الصرف والممنوع من الصرف لا يقبل التنوين ، وإلى هذه الخاصة أشار العمريطي رحمه الله ، بقوله :

فالاسم بالتنوين والخفض عرف ******* وحرف خفض وبلام وألف .

تنوين المقابلة : وهو التنوين الذي يلحق آخر جمع المؤنث السالم ، كقولك : رأيت مسلمات ملتزمات ، بالخفض مع التنوين ، لأن جمع المؤنث السالم يخفض بالكسرة ، وسمي بذلك لأنه يقابل النون التي تلحق آخر جمع المذكر السالم ، والتي تأتي عوضا عن التنوين ، في مثل قولك : رأيت مسلمين ملتزمين ، والتنوين وعوضه يحذفان عند الإضافة ، في مثل قولك : مسلمات مصر كثيرات ، و : مسلمو مصر كثيرون .

تنوين التنكير : كقولك : رأيت سيبويه ، بكسر سيبويه ، لأن كل اسم ينتهي بــــ : "ويه" يبنى على الكسر ، ولكن هنا يزاد على الكسر التنوين ، إذا أردت بـــ : "سيبويه" ، أي رجل يحمل هذا الاسم ، خلاف ما لو قصدت سيبويه ، رحمه الله ، النحوي المشهور ، صاحب "الكتاب" ، الفارسي ، العجمي نسبا لا الأعجمي لسانا ، فإنك تبنيه على الكسر دون تنوين ،

تنوين العوض : وهو إما أن يكون عوضا عن :
حرف أصلي ، كتنوين : "جوار" و "غواش" ، وفاقا لسيبويه والجمهور .
أو : حرف زائد ، كتنوين "جندل" ، إذ تنوينه عوض من ألف "جنادل" ، على تفصيل .
أو مضافا إليه :

مفردا : كقوله تعالى : (وكل كانوا ظالمين) ، فتقدير الكلام : وكل أمة منهم كانت ظالمة فاستحقت عقاب الله ، عز وجل ، فعوض عن المضاف إليه : أمة ، بالتنوين ، وهذا من المواضع التي تظهر فيها بلاغة القرآن الكريم في الإيجاز ، بحيث يصل المعنى لذهن القارئ بأقل عدد ممكن من الكلمات دون نقص أو خلل ، والله أعلم .

أو جملة ، كقوله تعالى في سورة الروم : (ويومئذ يفرح المؤمنون) ، فتقدير الكلام : فيوم إذ ينتصر الروم ، أهل الكتاب ، على الفرس ، عباد النار ، يفرح المؤمنون بنصر الله ، لأن أهل الكتاب أقرب للمسلمين من الفرس الوثنيين ، فكانوا أحق بتأييد المسلمين من هذه الجهة ، ولا شك أن بلاغة القول هنا أوضح منها في حالة الكلمة ، لأن التعويض عن جملة كاملة بحركة واحدة ، أبلغ من التعويض عن كلمة بنفس الحركة ، والله أعلم .

تنوين الترنم : وهو يقع في الشعر ضرورة ، أي لضرورة النظم ، ويلحق الأفعال ، والأصل فيها ألا تنون ، لأن التنوين من علامات الاسم ، كما سبقت الإشارة إلى ذلك . وتفصيل ما سبق يطلب من كتب النحو ، والله أعلم .

ومن مسائل هذا البيت :
الفرق بين النون الساكنة والتنوين :
أولا : أن النون الساكنة تظهر كتابة ولفظا ، خلاف التنوين ، فهو لا يظهر إلا لفظا .
ثانيا : أن النون الساكنة قد تتوسط ، "أي تأتي في وسط الكلمة" ، وقد تتطرف ، "أي تأتي في طرف الكلمة" ، خلاف التنوين فهو لا يقع إلا متطرفا ، فلا يتصور تنوين في وسط كلمة .
ثالثا : أن النون تقع في الأسماء ، كقولك : "نعمان" ، والأفعال ، كقولك : "نصلي" ، بينما التنوين لا يقع إلا في الأسماء فقط ، فهو من العلامات التي يعرف بها الاسم ، كما سبقت الإشارة إلى ذلك .
.
رابعا : أن النون لا تسقط وقفا ، أي عند الوقوف عليها ، إن كانت متطرفة ، كالوقوف عليها ، في كلمة : "من" ، في قوله تعالى " (من هاد) ، أو وصلا .
بينما التنوين يسقط وقفا ، كما في لفظ "أترابا" ، في قوله تعالى : (وكواعب أترابا) ، إن وقفت عليه ، ويعوض عنه بمد يعرف بــــ : "مد العوض" ، ومقداره حركتان ، ولا يسقط التنوين وصلا بطبيعة الحال ، والله أعلم .

وقوله : "والمدود" :
يعلم منه أن الشيخ ، رحمه الله ، قد تعرض لمسألة المدود ، وقد أفرد لها ، الجزء الأخير من المنظومة ، كما سيأتي بيانه تفصيلا إن شاء الله .

والمد لغة : الزيادة ، ومنه قيل لمد البحر "مد" لأنه زيادة في موج البحر حتى يبلغ الشاطئ ، وعكسه : "القصر" ، وهو النقص .

واصطلاحا : زيادة المد في حروف اللين لأجل همزة أو ساكن ، كما عرفه الشيخ علي محمد الصباغ ، رحمه الله ، وقد يرد على التعريف أمران :
الأول : أنه طبقا لقواعد علم المنطق في صناعة التعاريف والحدود ، لا بد أن يكون الحد المعرف خاليا من أي كلمة تدل على "المعرف" ، بفتح الراء ، صيغة اسم مفعول ، وقد ذكر الشيخ ، رحمه الله ، هنا ، كلمة "المد" ، في تعريف "المد" ، فلزم منه الدور ، وهو توقف الشيء على نفسه ، وعليه فإنه يمكن أن يستبدل لفظ : المد ، بـــــ : زيادة الصوت ، فيقال بأن المد : هو زيادة الصوت في حروف اللين لأجل همزة أو ساكن ، والخلاف يهون إذا ما أردنا بالتعريف مجرد إيصال المعنى لذهن السامع ، بأي صيغة كانت ، دون التقيد بهذه الحدود المنطقية الدقيقة ، فالتعريف بالمثال ، على سبيل المثال ، قد يكون أبلغ من التعريف بالحد المنطقي ، كما أشار إلى ذلك شيخ الإسلام ، رحمه الله ، فلو سئلت عن تعريف الخبز ، على سبيل المثال ، فالأسهل : أن تأتي للسائل برغيف خبز بدلا من قولك : هو ذلك القرص المستدير المصنوع من الدقيق .......... الخ .

والثاني : أن الشيخ ، رحمه الله ، قال : (في حروف اللين) ، والمد يكون في حروف المد (الألف والواو والياء) ، وحروف اللين : (الواو والياء إن سكنتا وفتح ما قبلهما) ، فاكتفى الشيخ ، رحمه الله ، بذكر حروف اللين فقط ، وقد يخرج قول الشيخ ، رحمه الله ، بأنه قصد بحروف اللين ، حروف المد جميعها ، لأن المتأمل في حرف الألف ، يجد أنه ساكن في نفسه ، وما قبله لا بد أن يكون مفتوحا فلا يعقل في اللغة أن تأتي ألف بعد ضم أو كسر ، وعليه يكون حرف الألف حرف مد ولين في نفس الوقت ، ويكون قول الشيخ : (حروف اللين) ، شاملا لحروف المد ، وزيادة ، فيشمل : حروف المد : (الألف الساكنة ، المفتوح ما قبلها ، والواو الساكنة المضموم ما قبلها ، والياء الساكنة ، المكسور ما قبلها ، وقد جاءت كلها في كلمة : "نوحيها") ، وحروف اللين : (الواو والياء إن سكنتا وفتح ما قبلهما ، كقوله تعالى : "من خوف" ، فالواو ساكنة مسبوقة بخاء مفتوحة ، وقوله تعالى : "إليه يصعد" ، إن وقفت على "إليه" ، فالياء ساكنة مسبوقة بلام مفتوحة) .

والله أعلى وأعلم .
يتبع إن شاء الله .

خالد بن حميد
26-09-2006, 01:49 AM
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته
بوركت أناملك على نقلك الطيب
ولو أقللت النقل بين كل مشاركة وأخرى لكان أفضل

تابع يرحمك الله وأنا لك متابع إن شاء الله

ناجى أحمد اسكندر
26-09-2006, 11:28 PM
:::
جزاك الله كل خير فأنا أدرس المتن فى معهد القراءات وأنصح الجميع بدخول هذا المعهد لأنه سينفع الجميع .
وأرسل لك برقية شكر وتقدير على مجهودك الرائع:)

خالد مغربي
27-09-2006, 12:12 AM
بوركت أخي مهاجر

نفع الله بك ورفع قدرك

مغربي

مهاجر
28-09-2006, 02:56 AM
بسم الله


السلام عليكم

جزاكم الله خيرا أيها الكرام على هذه الكلمات الكريمات ، وسوف تستمر المداخلات ، إن شاء الله ، حكما حكما ، بحيث يستقل كل حكم بمداخلة ، إن يسر الله ، عز وجل ، وقدر .


وقد شرع الناظم ، رحمه الله ، فيما وضع له هذا النظم فقال :
للنون إن تسكن وللتنوين ******* أربع أحكام فخذ تبييني
فبدأ بأشهر أحكام التجويد ، وهي أحكام النون الساكنة والتنوين :
فللنون الساكنة والتنوين ، ولا يكون إلا ساكنا ، لذا ألحق بالنون الساكنة ، أربعة أحكام :
والحكم لغة : هو المنع ، ومنه قول جرير :
أبني حنيفة أحكموا سفهائكم ******* إني أخاف عليكم أن أغضبا
أي امنعوا سفهائكم من إلحاق الأذى بي ، لأني أخاف غضبي عليكم ، فهجائي كما عرفتم .
وقول حسان رضي الله عنه :
فنحكم بالقوافي من هجانا ******* ونضرب حين تختلط الدماء
أي نمنع ونقيد من هجانا ، بالقوافي ، فاستعار معنى القيد والمنع ، من القيد الحسي ، إلى القيد المعنوي ، وهو التقييد بالقوافي التي تردع كل معتد .
وقول زهير :
القائد الخيل منكوبا دوابرها ******* قد أحكمت حكمات القد والأبقا
أي ألجمت ومنعت بحكمات صنعت من القد والأبق .

وأما الحكم اصطلاحا : فهو إثبات أمر لأمر أو نفيه عنه :
فهو إما إيجابي ، يستفاد منه الإثبات ، كما في مسألتنا هذه ، لأننا نثبت ، إيجابا ، للنون الساكنة والتنوين أربعة أحكام .
أو سلبي ، يستفاد منه النفي ، كقولك : زيد لم يقم ، ففيه الحكم بعدم قيام زيد ، فكأنك أثبت نفي القيام لزيد ، فأثبت له بذلك حكما سلبيا ، والله أعلم .

وقد نص الناظم ، رحمه الله ، على أن أحكام النون الساكنة والتنوين : 4 أحكام ، وهي :
الإظهار ، والإدغام بقسميه ، بغنة ، وغير غنة ، كما سيأتي إن شاء الله ، والإقلاب ، والإخفاء ، وقد خالف الجعبري ، رحمه الله ، المتوفى سنة 732هـــــ ، فجعلها ثلاثة ، بإسقاط الإقلاب ، وإدخاله في الإخفاء ، لأن الإقلاب ، كما سيأتي إن شاء الله ، يؤول في حقيقته إلى الإخفاء .

ثم شرع الناظم ، رحمه الله ، في بيان أول هذه الأحكام ، وهو :
الإظهار ، فقال :
فالأول الإظهار قبل أحرف ******* للحلق ست رتبت فلتعرف
همز فهاء ثم عين حاء ******* مهملتان ثم غين خاء

وبداية ، مع تعريف الإظهار :
فالإظهار لغة : البيان ، وقد يأتي بمعنى العلو والارتفاع ، ومنه ظهر الدابة ، أي أعلاها .
والظهور قد يكون :
حسيا : كعلو الراكب ظهر الدابة .
أو معنويا : وهو علو الشأن ، ومنه قوله تعالى : (هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله) ، أي ليعليه على الدين كله ، إما بالسنان والطعان وإما بالحجة والبرهان ، فالإسلام ظاهر ، ولو غلب أهله ، لأنه الدين الحق الذي أقام الله ، عز وجل ، الآيات والبراهين على صدقه وصدق من أرسله به ، والله أعلم .

ومنه قوله تعالى : (فأيدنا الذين آمنوا على عدوهم فأصبحوا ظاهرين) ، أي مرتفعين منتصرين ، والله أعلم .

واصطلاحا : هو إخراج كل حرف من مخرجه من غير غنة في المظهر .
وعرفه ابن الجزري ، رحمه الله ، فقال : فصل الحرف الأول عن الثاني من غير سكت عليه ، احترازا عما يتوهم من تحقيق الإظهار بالسكت .
فاستفدنا من التعريف الأول : أن الإظهار ، كاسمه ، إظهار للنون الساكنة ، بحيث يخرجها المتلفظ من مخرجها الأصلي ، وهو طرف اللسان ، كما سبقت الإشارة إلى ذلك ، مع اجتناب إظهار الغنة ، فلا غنة في الإظهار ، رغم أن الغنة صفة ملازمة لجسم النون ، ومع ذلك لا تظهر إذا أتى بعدها حرف من حروف الإظهار .

واستفدنا من التعريف الثاني : أن النون تفصل تماما عن حرف الإظهار في النطق ، فلا تدغم فيه ، كما هو الحال في الإدغام ، ولا تقلب إلى ميم ، كما في الإقلاب ، ولا تذهب ذاتها مع بقاء صفتها ، أي الغنة ، كما في الإخفاء ، وإنما تبقى بذاتها وصفتها مفصولة عن حروف الإظهار ، مستقلة بالنطق ، ظاهرة ظهورا بينا لا خفاء فيه .

يقول الشيخ علي محمد الضباع رحمه الله :
(وحقيقة الإظهار أن ينطق بالنون والتنوين على حدهما ثم ينطق بحروف الإظهار من غير فصل بينهما وبين حقيقتهما ، فلا يسكت على النون ولا يقطعها عن حروف الإظهار .
وتجويده إذا نطقت به : أن تسكن النون ، ثم تلفظ بالحرف ولا تقلقل النون بحركة من الحركات ، ولا تسكنها بثقل ولا ميل إلى غنة ، "لأن هذا يقرب من الإخفاء" ، ويكون سكونها بلطف) .

وإذا نظرنا إلى حروف الإظهار ، فإننا نجد أنها ، كلها ، من الحروف الحلقية ، (أي التي تخرج من الحلق) ، ولذا سمي هذا الإظهار بالإظهار الحلقي ، تمييزا له عن الإظهار الشفوي ، الخاص بالميم الساكنة ، كما سيأتي بيانه إن شاء الله ، وهذا ما يفسر علة الإظهار ، كما بينها الشيخ الضباع ، رحمه الله ، بقوله :
(والعلة لإظهار النون الساكنة والتنوين عند الأحرف الستة المذكورة ، بعد مخرجهما ، "أي النون والتنوين" عن مخرجهن ، "أي حروف الإظهار" ، لأنهن من الحلق ، والنون من طرف اللسان ، والإدغام إنما يسوغه التقارب) .
فالمسافة بين الحلق وطرف اللسان ، مسافة كبيرة ، ناسب معها الإظهار ، دون الإدغام ، الذي يسوغه التقارب ، والإخفاء ، الذي يلزم له نوع تقارب .

ويواصل الشيخ ، رحمه الله ، فيقول : (ثم لما كان النون والتنوين سهلين لا يحتاجان في إخراجهما إلى كلفة ، "لأن مخرجهما ، وهو طرف اللسان قريب" ، وحروف الحلق أشد الحروف كلفة وعلاجا في الإخراج ، "لبعد مخرجها ، وهو الحلق" ، حصل بينهما وبينهن تباين لم يحسن معه الإخفاء كما لم يحسن الإدغام إذ هو قريب منه ، فوجب الإظهار الذي هو الأصل) .

ورغم اتحاد مخرج الحروف الحلقية ، إلا أنها ، في الحقيقة ، تتوزع على مناطق الحلق الثلاثة : أقصاه ووسطه وأدناه من جهة اللسان ، أي المنطقة التي تتصل بأصل اللسان مباشرة .

فمن أقصاه : يخرج الهمز والهاء ، ويسمى الإظهار في هذه الحالة : "إظهارا أعلى" :
ومنه :
قوله تعالى : (من ءامن) .
وقوله تعالى : (كل ءامن) .

وقوله تعالى : (من هاد)
وقوله تعالى : (جرف هار)

والإظهار هنا يكون أعلى من الإظهار عند حروف وسط الحلق و أدناه .

ومن وسطه : تخرج العين والحاء المهملتان ، ويسمى الإظهار في هذه الحالة : "إظهارا أوسط" :
ومنه :
قوله تعالى : (من عمل) .
وقوله تعالى : (حقيق على)

وقوله تعالى : (من حكيم) .
وقوله تعالى : (عليم حكيم) .

والإظهار هنا يكون أعلى من الإظهار عند حروف أدنى الحلق ، وأدنى من الإظهار عند حروف أقصى الحلق .

ومن أدناه : تخرج الغين والخاء المعجمتان ، ويسمى الإظهار في هذه الحالة : "إظهارا أدنى" :
ومنه :
قوله تعالى : (من غل) .
وقوله تعالى : (عفوا غفورا) .

وقوله تعالى : (من خزي) .
وقوله تعالى : (يومئذ خاشعة) .

والإظهار هنا ، هو أدنى أنواع الإظهار ، فهو أدنى من الإظهار عند حروف أقصى ووسط الحلق ، والسبب في ذلك أن المسافة بين مخرج النون الساكنة والتنوين ، ومخرج الغين والخاء ، قد قلت عن مثيلتها بين مخرج النون الساكنة والتنوين ، وحروف وسط الحلق وأقصى الحلق ، بل إن هذا القرب البين ، قد سوغ لبعض القراء ، أن يخفي النون الساكنة والتنوين ، عند الغين والخاء ، كما فعل أبو جعفر ، رحمه الله ، فغير الحكم من إظهار إلى إخفاء ، وإن كان أضعف درجات الإخفاء ، فمخرج الغين والخاء قريب جدا ، إن لم يكن ملاصقا ، لمخرج القاف والكاف ، وهما حرفا الإخفاء ، التاليين مباشرة لحروف الإظهار ، ولذا فإن الإخفاء عندهما يكون في أدنى درجاته ، فسوغ هذا التقارب ، إخفاء النون الساكنة والتنوين ، عند الغين والخاء ، فكأن أبا جعفر ، رحمه الله ، جعل مخرج الغين والخاء والقاف والكاف ، مخرجا واحدا ، فحرفان مخرجهما أدنى الحلق من جهة اللسان ، (وهما الغين والخاء) ، وحرفان مخرجهما أقصى اللسان الملاصق لأدنى الحلق تماما ، (وهما القاف والكاف) ، فقرب المسافة ، كما تقدم ، مسوغ لمذهب أبي جعفر ، رحمه الله ، ويلزم من ذلك القول بعكس هذا القول ، فيقال : إذا كان الأمر كذلك فلم لا تظهر النون الساكنة والتنوين عند القاف والكاف ، بحيث يضمان لحروف أدنى الحلق ، لا أن يضم حرفا أدنى الحلق لهما ، كما في مذهب أبي جعفر ؟ ، والجواب :
أن هذا من الناحية الاصطلاحية ، قد يكون جائزا ، ولكن عمدتنا في القراءة ، التلقي ، فالقراءة سنة متبعة ، للرواية فيها أوفر نصيب ، فهي الحاكمة على القواعد ، لا العكس ، فإذا تعارضت الرواية مع قاعدة يسوغ العمل بها ، قدمت الرواية قولا واحدا ، لأن هذا العلم ، كما سبق ، من علوم التلقي ، وسيأتي إن شاء الله ، في باب المدود أمثلة لمدود ، لا تمد ، لورود الرواية بذلك ، رغم كونها من جهة القواعد الاصطلاحية ، صالحة لأن تمد .

وهذا الحال كحال قواعد علم النحو تماما ، فالعبرة بما نقل من القراءات المتواترة ، لا القواعد المستحدثة بعدها ، فالنحو فرع القرآن ، والتجويد فرع القرآن ، فمنه استنبطا ، فكيف يسوغ الحكم على الأصل بالفرع ؟ ، والله أعلم .

وقد لخص الشيخ الضباع ، رحمه الله ، ما سبق ، بقوله :
(وكلما بعد الحرف كان التبيين أعلى :
فتظهر النون الساكنة والتنوين عند الهمزة والهاء إظهارا بينا ويقال له : أعلى .
وعند العين والحاء أوسط .
وعند الغين والخاء أدنى .
ولا خلاف بين القراء العشرة في ذلك ، إلا ما كان من مذهب أبي جعفر من إخفائهما عند الغين والخاء المعجمتين .
ووجهه عنده : قربهما من حرفي أقصى اللسان : القاف والكاف) .

والله أعلى وأعلم .
يتبع إن شاء الله .

نردين
28-09-2006, 02:26 PM
جعلها الله في موازين حسناتك

مهاجر
06-10-2006, 03:33 AM
بسم الله

السلام عليكم

جزاك الله خيرا على دعائك الطيب ، وجعله في موازين حسناتك .
وأعتذر عن الانقطاع خلال الفترة الماضية لظروف خاصة .

وعودة للمنظومة :


إذ شرع الناظم ، رحمه الله ، في بيان الإدغام فقال :

والثان : إدغام بستة أتت ******* في (يرملون) عندهم قد ثبتت

وبداية مع تعريف الإدغام :
فهو لغة : الإدخال ، يقال أدغمت اللجام في فم الفرس إذا أدخلته فيه ، وأدغمت الميت في اللحد إذا جعلته فيه .
واصطلاحا : التقاء حرف ساكن (وهو النون الساكنة أو التنوين) بمتحرك (وهو أحد حروف الإدغام) ، بحيث يصيران حرفا واحدا مشددا يرتفع اللسان عنه ارتفاعة واحدة .

والعلاقة بين التعريف اللغوي والتعريف الاصطلاحي ، واضحة ، فصورة المسألة : إدغام أو إدخال حرف في حرف ، بحيث يصيران حرفا واحدا مشددا ، لأن الساكن إذا أدغم في متحرك ، آل اللفظ إلى النطق بحرف مشدد ، فالحرف المشدد ، في لغة العرب ، هو عبارة عن حرفين أولهما ساكن ، وثانيهما متحرك ، فالدال في لفظ دابة ، على سبيل المثال ، هي دالان ، أولاهما ساكنة ، والثانية متحركة ، فكأن أصل الكلمة : (ددابة) ، بدالين ساكنة ومتحركة ، كما تقدم ، والله أعلم .

ومن تعاريفه الموجزة : النطق بالحرفين كالثاني مشددا ، وهذا تعريف جيد ، مع وجازته ، لأن حقيقة الإدغام تؤول إلى ذلك ، فإدغام النون الساكنة في الياء ، على سبيل المثال ، كما في قوله تعالى : (من يقول) ، يؤول عند النطق إلى النطق بياء مشددة ، فجسم الحرف الساكن ، قد أدغم في جسم الحرف المتحرك ، فزالت حركة اللسان به ، فلم نعد نحتاج لحركتين : حركة اللسان بالحرف الساكن ، ثم حركته بالحرف المتحرك ، وإنما يكفينا في هذه الحالة حركة واحدة ينتج عنها النطق بالحرف الثاني مشددا ، فالأمر هنا خلاف الإظهار ، هناك إبقاء كامل لجسم الحرف الساكن ، (النون الساكنة أو التنوين) ، وهنا زوال كامل لجسم الحرف ، بإدغامه في تاليه المتحرك ، وإن بقي أثر الحرف ، في حالة الإدغام بغنة ، كما سيأتي إن شاء الله .

وحروف الإدغام ستة يجمعها (يرملون) ، من الرمل ، وهو الإسراع في المشي ، وهو سنة من سنن طواف القدوم ، فقط ، دون أي طواف آخر ، كالإفاضة والوداع ، ويكون في الأشواط الثلاثة الأولى فقط ، ويسن للرجال دون النساء لئلا ينكشف شيء من أجسادهن ، بسببه ، والله أعلم .

ثم قسم الناظم ، رحمه الله ، حروف الإدغام إلى قسمين أولهما :
لكنها قسمان قسم يدغما ******* فيه بغنة (بينمو) علما
فالقسم الأول : هو حروف الإدغام بغنة ، ويجمعها لفظ : (ينمو) .
وسبق تعريف الغنة بأنها : (صوت لذيذ مركب في جسم النون والتنوين) ، ولا عمل للسان فيه ، لأن مخرجه الخيشوم.
والغنة ، كما سبق ، صفة ملازمة للنون والتنوين والميم إذا سكنت ، وأقواها غنة النون ، ويلحق بها بطبيعة الحال ، غنة التنوين ، لأن التنوين في حقيقة لفظه ، نون ساكنة ، كما سبقت الإشارة إلى ذلك .

ومعنى الإدغام بغنة : أننا سوف ندغم النون الساكنة أو التنوين في حروف الإدغام بغنة ، ولكن هذا الإدغام لن يكتمل ، لأن جسم النون سوف يزول بلا إشكال ، ولكن صفتها ، وهي الغنة ، لن تزول ، فكأن جسم الحرف زائل وأثره باق ، وهذا الأثر الباقي هو المانع من اكتمال الإدغام ، وعليه اصطلح العلماء على تسمية هذا الإدغام بــــ : (الإدغام الناقص) ، وعلله الشيخ الضباع ، رحمه الله ، بقوله : (لأن دخول الغنة نقصه عن كمال التشديد) ، فالحرف المشدد الناتج من عملية الإدغام لن يكون كامل التشديد ، بل سيضعف تشديده ببقاء الغنة ، والله أعلم .

ومسوغ الإدغام في حالة النون : التماثل ، التقاء متماثلين ، (أي نون مع نون ، أو ميم مع ميم أو لام مع لام ..........) ، فكأن هذا الإدغام يؤول في النهاية إلى إدغام ، سيأتي بيانه إن شاء الله ، يسمى : (إدغام المثلين ، وبالتحديد الصغير في هذه الحالة لتسكين الأول وتحريك الثاني) ، وعلى هذا فهو غير مختص بالنون الساكنة فقط ، وإنما يشمل أي حرفين متماثلين ، والله أعلم .

ومنه :
قوله تعالى : (من نور) .
وقوله تعالى : (يومئذ ناعمة) .

ومسوغ الإدغام في الميم : التجانس ، لأنهما يشتركان في صفات كثيرة ، لعل أبرزها : الغنة ، فهي مما انفردا به دون بقية الحروف ، وإن كانت غنة النون أظهر من غنة الميم ، كما سبقت الإشارة إلى ذلك ، فضلا عن تقاربهما في المخرج ، فالميم ، مخرجها "الشفتان" ، والنون مخرجها "طرف اللسان" .

ومنه :
قوله تعالى : (ممن منع) .
وقوله تعالى : (مثلا ما) .

ومسوغ الإدغام مع الياء والواو : التقارب ، فمخرج النون "طرف اللسان" ، قريب من مخرج الواو "الشفتين" ، ومخرج الياء "وسط اللسان" ، فجوز هذا التقارب الإدغام ، والله أعلم .

ومنه ، في حالة الواو :
قوله تعالى : (من وال) .
وقوله تعالى : (غشاوة ولهم) .

وفي حالة الياء :
قوله تعالى : (من يقول) .
وقوله تعالى : (وبرق يجعلون) .

والملاحظ في الإدغام ، إجمالا ، أن سببه ، عكس سبب الإظهار ، ففي الإظهار ، حسن الفصل بين النون الساكنة والتنوين من جهة ، وحروف الإظهار من جهة أخرى ، لتباعد مخرج كل منهما ، وفي الإدغام حسن إدماجهما في حروف الإدغام ، لتماثل المخرج في حالة الإدغام مع النون ، وتقاربه في بقية حروف الإدغام ، والله أعلم .

مسألة : الغنة المتبقية ، صفة أي الحرفين المدغمين ؟
إذا تقرر أن الإدغام في هذه الحالة لابد أن يكون بغنة ، فإنه يحسن أن نتعرف على الحرف الذي يسبب هذه الغنة :
ففي حالة النون : الغنة غنة المدغم فيه ، أي النون الثانية ، والملاحظ هنا أن كلا حرفي الإدغام يحمل صفة الغنة ، فهو إدغام حرف مغن في حرف مغن ، غنتهما متماثلة تبعا لتماثلهما ، والله أعلم .

وفي حالة الميم : الغنة غنة المدغم ، أي النون ، والملاحظ هنا أن كلا حرفي الإدغام يحمل صفة الغنة ، فهو ، أيضا ، إدغام حرف مغن في حرف مغن ، ولكن غنة المدغم ، أي النون ، أقوى من غنة المدغم فيه ، أي الميم ، وعليه ظهرت غنة الأول على غنة الثاني ، وغلبت في اللفظ ، والله أعلم .

وهذا الرأي هو الرأي الراجح ، وهناك قول آخر بأن الغنة هي غنة المدغم فيه ، ولا يخفى رجحان هذه القول لأن فيه ترجيحا لغنة على غنة أقوى منها ، فكيف يغلب الأدنى على الأعلى ، ويلزم من هذا القول : القول بذهاب جسم النون الساكنة وصفتها أيضا ، فتخرج هذه الصورة من عموم تعريف الإدغام الناقص ، لأنه أصبح كاملا ، بزوال المدغم وصفته أيضا ، وهذا هو حد الإدغام الكامل ، ورغم كمال الإدغام المستلزم زوال أي غنة ، بقيت غنة المدغم فيه ، فصارت هذه الصورة جامعة لكلا نوعي الإدغام ، فهي إدغام كامل ، ومع ذلك بغنة ، كما في الإدغام الناقص ، والعمل بالقول الأول يرفع عنا حرج هذا التأويل الدقيق ، والله أعلم .

وفي حالة الواو والياء : الغنة غنة المدغم ، أي النون ، بالإجماع ، لأنه لا غنة للواو والياء أصلا ، حتى يقال بترجيح غنة النون على غنتهما ، أو العكس ، والله أعلم .

ثم نبه الناظم ، رحمه الله ، إلى مسألة مهمة :
وهي مسألة وقوع النون الساكنة ، وحرف الإدغام في كلمة واحدة ، فقال :
إلا إذا كانا بكلمة فلا ******* تدغم كــــ (دنيا) ، ثم (صنوان) تلا

وقد وقع ذلك في القرآن الكريم في 4 كلمات :
دنيا ، وصنوان ، وقنوان ، وبنيان .
فطبقا لقاعدة الإدغام المعروفة ، يتم النطق بحرف الإدغام مشددا ، فتنطق دنيا : ديا ، وتنطق صنوان : صوان ، وتنطق قنوان : قوان ، وتنطق بنيان : بيان ، وهذا نطق غير صحيح بطبيعة الحال ، لالتباس هذا النطق بنطق المضعف ، وهو ما تكرر أحد أصوله كــــ : (حيان) ، و (رمان( .
لأن كلمة دنيا : لا تضعيف فيها ، فحروفها دال ونون وياء وألف المد ، بينما كلمة ديا (إذا ما أدغمنا النون في الياء طبقا لقاعدة الإدغام الأصلية) ، فيها تضعيف ، فحروفها : دال وياء مشددة ، (وهي ياءان إحداهما ساكنة والأخرى متحركة) ، وألف المد ، فاختلفت بنية الكلمة ، بل واختلف معناها ، فالدنيا من الدنو ، والديا من الدي ، وكذا الحال في بقية الكلمات ، فإن الإدغام فيها يغير بنية الكلمة ومعناها ، والله أعلم .


ثم ذكر الناظم ، رحمه الله ، القسم الثاني من الإدغام ، وهو الإدغام بغير غنة ، فقال :
والثان : إدغام بغير غنه ******* في اللام والراء وكررنه
وفي بعض نسخ المتن :
والثان : إدغام بغير غنه ******* ورمزه "رل" فأتقننه
فحروفه حرفان : اللام والراء ، ويجمعها قولك : رل ، أي أسرع ، يقال رل زيد في سيره ، إذا أسرع ، والله أعلم .


وهذا الإدغام ، يختلف عن سابقه ، بأنه لا غنة فيه ، فلا يصدر من الخيشوم أي صوت أثناء نطقه ، لأن إدغام النون الساكنة والتنوين في اللام والراء ، إدغام كامل ، يذهب فيه جسم الحرف المدغم ، وصفته ، وهي الغنة ، خلاف النوع الأول ، ففيه يذهب جسم الحرف المدغم ، ولكن يبقى أثره الدال عليه ، وهو الغنة التي تصدر من الخيشوم ، ولذا كان ناقصا ، ومن نطق بالإدغام في حالة اللام والراء ، بلا تكلف ، فإنه لا يجد حاجة لإخراج غنة من خيشومه .
إذ يتم الإدغام مباشرة بنطق لام مشددة ، كما في :
قوله تعالى : (هدى للمتقين) ، فنطقها مباشرة بلا تكلف إخراج غنة : هدللمتقين
وقوله تعالى : (ولكن لا يعلمون) ، فنطقها : ولكلا يعلمون

أو نطق راء مشددة ، كما في :
قوله تعالى : (من ربهم) ، فنطقها : مربهم .
وقوله تعالى : (رؤوف رحيم) ، فنطقها : رؤوفرحيم ، والله أعلم .

يقول الشيخ الضباع رحمه الله :
وهذا على ما عليه جمهور أهل الأداء عن القراء العشرة
وروى بعضهم إدغامهما فيهما بغنة ، كما في قراءة "نافع" و"أبي جعفر" و "ابن كثير" و "أبي عمرو" و "يعقوب" و"ابن عامر الشامي" و "حفص" ، وعليه يكون ناقصا ، لأن الغنة تمنع كمال تشديد الحرف المدغم فيه ، كما سبقت الإشارة على ذلك ، والله أعلم .

ووجه الإدغام في اللام والراء : قرب مخارج النون واللام والراء ، فكلها من حروف طرف اللسان ، فتكون من الحروف المتقاربة ، التي تقاربت مخارجها ، واختلفت صفاتها ، فصفات النون غير صفات اللام غير صفات الراء ، بل جزم الفراء ، رحمه الله ، باتحاد مخارجها ، فكلها من نفس المخرج من طرف اللسان ، فتكون من الحروف المتجانسة ، وهي الحروف التي اتحدت مخارجها دون صفاتها ، ويأتي بيان التماثل والتقارب والتجانس تفصيلا إن شاء الله .
وأيضا ، والكلام للشيخ الضباع رحمه الله : لو لم يدغما فيهما لحصل الثقل لاجتماع المتقاربين (على رأي الجمهور) ، أو المتجانسين (على رأي الفراء رحمه الله) ، فبالإدغام تحصل الخفة ، لأنه يصير في حكم حرف واحد .
ووجه حذف الغنة : المبالغة في التخفيف ، لأن بقاءها يورث ثقلا ما ، وسبب ذلك قلبهما حرفا ليس فيه غنة ولا شبيها بما فيه غنة .

فالنون الساكنة سوف تنطق عند إدغامها باللام والراء ، لاما مشددة ، أو راءا مشددة ، وهذان حرفان لا غنة فيهما ، بل ولا شبه لهما بما فيه غنة ، فهما أبعد ما يكونان عنها ، فعلام التكلف بالإتيان بغنة في غير موضعها ؟ ، والله أعلم .

وأشار الناظم في ختام كلامه على الإدغام إلى حكم من أحكام (الراء) ، بقوله : (ثم كررنه) ، أي : احكم بأن حرف الراء من حروف التكرير ، لكن يجب إخفاء تكريره .
والتكرير لغة : إعادة الشيء بصفته الأولى أكثر من مرة ، ومنه الكر : أي العودة بعد الفر على نفس صفة الهجوم الأول .
واصطلاحا : ارتعاد رأس اللسان عند النطق بالحرف ، وحرف التكرار : الراء ، وهذا الارتعاد يؤدي لتكرار نطق الحرف ، ولا شك أن هذا من اللحن المخل بالقراءة ، فالناظم ، رحمه الله ، لم يذكر هذه الصفة ، ليعمل بها، كما قد يوهم لفظ : كررنه ، وصيغته صيغة الأمر الدالة على وجوب الفعل ، وإنما ذكرها لتجتنب ، لأنها مما يخل بالقراءة ، فمتى ما أظهر القارئ تكرير الراء ، فإن الراء المخففة ، سوف تنطق راءين ، والمشددة راءات متعددة .

والله أعلى وأعلم .
يتبع إن شاء الله .

مهاجر
08-10-2006, 01:38 AM
بسم الله

السلام عليكم


وبعد الإدغام شرع الناظم ، رحمه الله ، في بيان الحكم الثالث من أحكام النون الساكنة والتنوين ، وهو الإقلاب ، فقال :
والثالث : الإقلاب عند (الباء) ******* (ميما) بغنة مع الإخفاء

وبداية مع تعريف الإقلاب :
لغة : فهو ، كما يقول الشيخ الضباع رحمه الله : تحويل الشيء عن وجهه ، يقال : قلبه أي : حوله عن وجهه ، ومنه قوله تعالى : (ونقلبهم ذات اليمين وذات الشمال) ، أي نحولهم ذات اليمين وذات الشمال ، ومنه دعاء : (يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك) ، أي يا محول القلوب من الكفر للإيمان ، ومن الإيمان للكفر ، ومنه : (القلب) الجارحة المعروفة ، سمي بذلك لسرعة تقلبه ، فهو أشد غليانا من المرجل ، كما ورد في الحديث ، والغليان مظنة التقلب والاضطراب .

واصطلاحا : جعل حرف مكان آخر ، ففيه تقلب النون الساكنة ميما ، ولكن هذا التعريف ينقصه ، الخطوة الثانية من خطوات الإقلاب وهي : إخفاء الميم الساكنة المنقلبة عن النون الساكنة أو التنوين ، لإتيان الباء بعدها ، وهو ما يعرف بالإخفاء الشفوي ، كما سيأتي إن شاء الله ، فكأن الإقلاب يشمل حكمين :
قلب النون الساكنة أو التنوين إلى ميم ساكنة .
ومن ثم إخفاء الميم الحاصلة ، مع غنة ، كما ذكر الناظم ، رحمه الله ، في تعريف الإقلاب .

وعليه يكون هذا التعريف ، مقتصرا على نصف التعريف المختار .

وقيل : هو عبارة عن قلب مع خفاء لمراعاة الغنة .
أو : جعل حرف مكان آخر مع مراعاة الغنة .

والتعريف المصدر بــــ "قيل" ، هو أجود هذه التعاريف ، لأنه شمل كل خطوات الإقلاب ، فنبه على :
القلب ، ثم الإخفاء ، ثم الغنة ، التي تنتج من إخفاء الميم الساكنة إذا أتى بعدها باء ، فالغنة صفة ملازمة للميم الساكنة ، وإن كانت أضعف من غنة النون ، كما سبقت الإشارة إلى ذلك .

ومنه قوله تعالى : (أن بورك) ، فهنا نون ساكنة ، أتى بعدها باء ، فالحكم هو قلب النون الساكنة إلى ميم ، ولذا رسم فوقها "ميم صغيرة" ، في المصاحف المتداولة للتنبيه على هذا القلب ، ومن ثم تخفى الميم الساكنة ، مع الإتيان بالغنة ، لأنه جاء بعدها باء ، فانتقلنا من أحكام النون الساكنة إلى أحكام الميم الساكنة ، فمن الإقلاب ، وهو أحد أحكام النون الساكنة إلى الإخفاء الشفوي ، وهو أحد أحكام الميم الساكنة .

ومنه قوله تعالى : (أنبئهم) ، وهو كالمثال السابق تماما ، ولكن هنا أتت النون الساكنة والباء في كلمة واحدة .
ومنه قوله تعالى : (سميع بصير) ، وهو مثال لتنوين أتى بعده باء ، فيكون حكمه كحكم النون الساكنة ، تماما بتمام ، وبطبيعة الحال لا يكون الإقلاب ، في حالة التنوين ، إلا من كلمتين ، لأن التنوين لا يأتي إلا متطرفا ، (أي في نهاية الكلمة) ، فلا يأتي في وسط الكلمة أبدا ، كما سبقت الإشارة إلى ذلك .

وهناك عدة ملاحظات تجدر الإشارة إليها :
أولا : وجه قلب النون الساكنة ، ميما ، إذا أتى بعدها باء :
فوجهه : أن النون حرف له غنة ، والباء حرف شفوي ، يلزم إطباق الشفتين عند نطقه ، والإتيان بالنون من طرف اللسان ، مع إظهار غنتها ، ثم الانتقال مباشرة إلى إطباق الشفتين للإتيان بالباء من مخرجها ، أمر فيه كلفة ، فلا يحسن إظهارهما معا في نفس الوقت لثقل ذلك .

فإن قال قائل : إذا تعذر الإظهار ، فالإدغام يحل محله ، والجواب :
أن إدغام النون الساكنة في الباء ، أمر غير مستحسن ، لقلة التناسب بينهما ، فالمخرج مختلف ، فالنون من طرف اللسان ، والباء شفوية ، والصفات مختلفة ، فالأولى تغن ، والثانية لا غنة فيها ، والباء من حروف الشدة ، التي يجمعها قولك : (أجد قط بكت) ، والنون من الحروف المتوسطة ، التي يجمعها قولك : (لن عمر) ، فلا هي بالشديدة ولا الرخوة .

فلم يبق إلا قلب النون إلى حرف يشترك معها بعض الخصائص ، ويشترك مع الباء في خصائص أخرى ، فكأنه قنطرة يعبر اللسان عليها من النون إلى الباء دون كلفة أو مشقة ، فناسب أن نأتي بحرف الميم :
لأنه يشترك مع النون في صفة الغنة ، بل هما الحرفان الوحيدان اللذان يختصان بها ، فلا غنة في سواهما ، ويشترك مع الباء في المخرج ، لأن الميم من الحروف الشفوية كالباء ، فسهل بذلك الانتقال من النون الساكنة إلى الباء دون كلفة أو مشقة .

ولكن الميم الساكنة ، سواء كانت أصلية ، كما في أحكام الميم الساكنة ، كما سيأتي إن شاء الله ، أو منقلبة عن نون ساكنة أو تنوين ، كما في أحكام النون الساكنة ، الميم الساكنة إذا أتى بعدها باء ، فإنها تخفى إخفاء شفويا ، ويأتي شرح الإخفاء الشفوي تفصيلا إن شاء الله .

وما يلزمنا معرفته هنا ، أمران :
الأمر الأول : التنبيه على الإتيان بالغنة ، فهي صفة ملازمة للإخفاء سواء كان حقيقيا ، في النون الساكنة والتنوين ، أو شفويا في الميم الساكنة .

الأمر الثاني : أنه يجب على القارئ الاحتراز من كز الشفتين على الميم المنقلبة عن النون أو التنوين في اللفظ ، لئلا يتولد من كزهما غنة ممططة ، (من المط) ، من الخيشوم ، والنطق السليم ، كما ذكر الشيخ الضباع رحمه الله ، يكون بتسكين الميم بتلطف من غير ثقل أو تعسف . اهـــــ .
ويضاف إلى ذلك أنه كما يجب الاحتراز من كز الشفتين ، فإنه يجب الاحتراز أيضا من انفراجهما ، فالصحيح هو ضمهما ضما لطيفا ، مع إبقاء فرجة صغيرة بينهما تسمح باندفاع لطيف للهواء الخارج من تجويف الفم .
والله أعلى وأعلم .
يتبع إن شاء الله .

خالد بن حميد
08-10-2006, 01:47 AM
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته

أصبغ الله عليك نعمه
أتمم وفقك الله

العاذلة
08-10-2006, 07:37 AM
بارك الله فيك وبارك في علمك ونفعك ونفع بعلمك
إن أذنت لي بعض المداخلات ولي اقتراح، فأما الاقتراح فهو لو عرجت على موضوع آلية حدوث الحروف لتسهيل إتمام الحركات وإتمام الأحكام بلا تكلف.

أما المداخلات فهي:
1- حكم الاظهار علامته في رسم المصحف الشريف:
- علامة إظهار النون الساكنة: أن يوجد عليها سكون مثل رأس الخاء.
- علامة إظهار التنوين: يلاحظ تماثله بحركاته: التنوين بالضم: على
الضمة ومقلوبها ( ٌ )، التنوين بالفتح والكسر: الفتحتان والكسرتان متماثلتان
مثل: (نَارًا حَامِيَةً ) .
ولم استطع نقل رسم المصحف في هذه الصفحة لأسباب فنية تتعلق بالتعريف.

2- علامة الادغام في المصحف الشريف:
- النون الساكنة ليس عليها أي حركة
- التنوين بالفتح، والتنوين بالكسر نلاحظ أنهما غير متماثلتين
- التنوين بالضم، نلاحظ الضمتين متماثلتين

3- علامة الاقلاب في المصحف الشريف:
- وضع ميم قائمة (م) على النون الساكنة التي بعدها (ب)
- إبدال الحركة الثانية من التنوين بميم قائمة (م) .
وهذه الملاحظات ينبه لها عادة الأطفال عند التلقين وعادة لا ينصح بها بالنسبة لمن يتخصص في علم التوجيه وذكرتها لكم للفائدة فقد سئلت من احدى الأطفال عند الاقراء بعض الأسئلة وكانت هذه اجاباتها.
هذا والله أعلم.

مهاجر
10-10-2006, 04:04 AM
بسم الله

السلام عليكم

جزاكما الله خيرا ، وبارك فيكما ، أيها الكريمان ، ولم تأت علامات الإخفاء في الرسم ، في مشاركة الأخت الكريمة "العاذلة" ، وبالنسبة لمسألة آلية حدوث الحروف ، أعتقد ، والله أعلم ، أن بيان مخارج الحروف وبيان ميكانيكية النطق بها ، تتعلق إلى حد كبير بمسألة النطق ، وإن كان الأمر مفتقرا للتلقي ، مهما كان وصف النطق دقيقا .


وعودة للمنظومة :

فقد بدأ الناظم ، رحمه الله ، الكلام على الحكم الرابع من أحكام النون الساكنة والتنوين فقال :

والرابع : الإخفاء عن الفاضل ******* من الحروف واجب للفاضل

والإخفاء لغة : الستر ، يقال : اختفى الرجل عن أعين الناس بمعنى : استتر عنهم .
واصطلاحا : النطق بحرف ساكن عار ، أي خال ، من التشديد على صفة بين الإظهار والإدغام مع بقاء الغنة في الحرف الأول ، وهو النون الساكنة والتنوين .

ففي هذا الحكم ، نجد أن حروف الإخفاء ، وهي بقية حروف الهجاء ، ما عدا حروف الإظهار والإدغام والإقلاب ، وقد جمعها الناظم ، رحمه الله ، بقوله :
في خمسة من بعد عشر رمزها ******* في كلم هذا البيت قد ضمنتها
صف ذا ثنا كم جاد شخص قد سما ******* دم طيبا زد في تقى ضع ظالما
فحروف الإخفاء : هي الحروف التي صدرت بها كلمات البيت الثاني .
في هذا الحكم ، نجد أن حروف الإخفاء ، تأتي في مرتبة وسط بين حروف الإدغام من جهة ، وحروف الإظهار من جهة أخرى ، فلا هي بالقريبة مخرجا من النون الساكنة والتنوين ، حتى يسوغ إدغامها ، ولا هي بالبعيدة عنهما ، كحروف الإظهار الحلقية ، حتى يسوغ إظهارها ، فوجب إخفاء النون الساكنة والتنوين عندها ، لأن الإخفاء وسط بين الإدغام التام والإظهار ، فالأول : إذهاب كامل للحرف وصفته ، والثاني : إبقاء لهما معا ، بينما الإخفاء : إذهاب للحرف دون صفته ، فيذهب جسم النون الساكنة والتنوين ، ويبقى أثرهما ، وهو الغنة ، التي تصدر من الخيشوم ، كما سبقت الإشارة إلى ذلك .
وقد قيد الشيخ الضباع ، رحمه الله ، هذا الإدغام بــــ : "التام" ، وهو الذي يكون مع اللام والراء ، لأن الغنة تذهب فيه تماما ، خلاف الإدغام الناقص مع حروف : "ينمو" ، إذ ذهب جسم النون وبقيت صفتها ، فنقصت الغنة من كمال تشديد الإدغام ، فعد بذلك ناقصا ، كما سبقت الإشارة إلى ذلك تفصيلا ، وعليه فإن الإخفاء ، لا ينفرد بالغنة ، دون بقية الأحكام ، وإنما يشاركه في ذلك الإدغام الناقص ، فالإدغام الناقص بذلك يشبه الإدغام الكامل من وجه : وهو إذهاب الحرف بعد إدغامه ، ويشبه الإخفاء من وجه : بقاء صفة الحرف وهي الغنة .

ويمكن القول بأن الغنة صفة لازمة للإخفاء ، فلا إخفاء إلا بغنة ، سواء كان حقيقيا ، كما في النون الساكنة والتنوين ، أو شفويا ، كما في الميم الساكنة ، خلاف الإدغام ، فالغنة غير ملازمة له ، فقد يأتي بغنة ، فيكون ناقصا ، كما في الإدغام مع حروف "ينمو" وقد يأتي بغير غنة ، فيكون كاملا ، كما في الإدغام مع حروف "رل" ، والله أعلم .

والإخفاء كالإظهار له ثلاث مراتب ، تبعا لقرب المخرج أو بعده عن مخرج النون الساكنة والتنوين :
فأدناه : عند الطاء والدال المهملتين والتاء المثناة من فوق ، لقرب مخارج هذه الحروف من مخرج النون .
ومن ذلك :
قوله تعالى : (أنداد)
وقوله تعالى : (من دابة)
وقوله تعالى : (قنوان دانية)

وقوله تعالى : (ينطقون)
وقوله تعالى : (من طين)
وقوله تعالى : (صعيدا طيبا)

وقوله تعالى : (ينتهوا)
وقوله تعالى : (من تحتها)
وقوله تعالى : (جنات تجري)


وأقصاه : عند القاف والكاف ، لبعد مخرجهما عن مخرج النون الساكنة ، فهي تخرج من طرف اللسان ، وهما يخرجان من أصل اللسان ، من المنطقة التالية مباشرة لأدنى الحلق من جهة تجويف الفم ، وسبقت الإشارة إلى أن هذا المخرج قريب جدا من مخرج الغين والخاء ، وهما من حروف الإظهار الأدنى ، نظرا لقرب مخرجهما ، وهو أدنى الحلق من جهة تجويف الفم ، من مخرج القاف والكاف ، فالتداخل حاصل بين هذين المخرجين ، وكما قد يقع الخطأ بالإخفاء عند الغين والخاء ، قد يقع أيضا بالإظهار عند القاف والكاف ، فوجب التنبيه على ذلك ، والله أعلم .

ومن ذلك :
قوله تعالى : (ينقلبون)
وقوله تعالى : (ولئن قلت)
وقوله تعالى : (سميع قريب)

وقوله تعالى : (ينكثون)
وقوله تعالى : (من كل)
وقوله تعالى : (عادا كفروا)


وأوسطه عند بقية الحروف .
وهي "الصاد" المهملة ، ومن ذلك :
قوله تعالى : (ينصركم)
وقوله تعالى : (أن صدوكم)
وقوله تعالى : (ريحا صرصرا)

و "الذال" المعجمة ، ومن ذلك :
قوله تعالى : (منذر)
وقوله تعالى : (من ذكر)
وقوله تعالى : (سراعا ذلك)

و"الثاء" المثلثة ، ومن ذلك :
قوله تعالى : (منثورا)
وقوله تعالى : (من ثمره)
وقوله تعالى : (جميعا ثم)

و "الجيم" ، ومن ذلك :
قوله تعالى : (أنجيناكم)
وقوله تعالى : (إن جاءكم)
وقوله تعالى : (شيئا جنات)

و "الشين" المعجمة ، ومن ذلك :
قوله تعالى : (ينشر لكم)
وقوله تعالى : (لمن شاء)
وقوله تعالى : (عليم شرع)

و "السين" المهملة ، ومن ذلك :
قوله تعالى : (منسأته)
وقوله تعالى : (أن سيكون)
وقوله تعالى : (عظيم سماعون)

و "الزاي" ، ومن ذلك :
قوله تعالى : (فأنزلنا)
وقوله تعالى : (فإن زللتم)
وقوله تعالى : (يومئذ زرقا)

و "الفاء" ، ومن ذلك :
قوله تعالى : (انفروا)
وقوله تعالى : (وإن فاتكم)
وقوله تعالى : (خالدا فيها)

و "الضاد" ، ومن ذلك :
قوله تعالى : (منضود)
وقوله تعالى : (إن ضللت)
وقوله تعالى : (قوما ضالين)

و "الظاء" ، ومن ذلك :
قوله تعالى : (انظروا)
وقوله تعالى : (من ظهير)
وقوله تعالى : (ظلا ظليلا)







والغنة تتناسب في تفخيمها أو ترقيقها ، مع درجة تفخيم حرف الإخفاء أو ترقيقه ، فإذا كان حرف الإخفاء مفخما ، كالصاد والقاف والكاف والضاد والطاء ، وهي من حروف : (خص ضغظ قظ) ، فإن الغنة تكون مفخمة ، وإذا كان مرققا كالتاء والدال ، فإن الغنة تكون مرققة .

وينبه الشيخ الضباع ، رحمه الله ، إلى أنه يجب على القارئ أن يحترز في حالة إخفاء "النون" من أن يشبع الضمة قبلها أو الفتحة أو الكسرة ، لئلا يتولد من :
الضمة واو ، كما في قوله تعالى : (كنتم) ، لأن إشباع الضمة يغير الكلمة إلى : (كونتم)
والفتحة ألف ، كما في قوله تعالى : (عنكم) ، لأن إشباع الفتحة يغير الكلمة إلى : (عانكم)
والكسرة ياء ، كما في قوله تعالى : (منكم) ، لأن إشباع الكسرة يغير الكلمة إلى : (مينكم)

وليحترز أيضا من إلصاق اللسان فوق الثنايا العليا عند إخفاء "النون" ، لأن ذلك يؤدي لإظهار النون ، فمخرجها طرف اللسان مع أعلى الثنايا ، وإلصاق طرف اللسان بأعلى الثنايا ، يؤدي إلى إظهار النون حتما ، وهذا خلاف المطلوب هنا ، فالمطلوب إخفاؤها لا إظهارها ، فيجب أن يتوقف طرف اللسان عن الارتفاع ، عند الإتيان بالنون في حالة الإخفاء قبل تماسه مع أعلى الثنايا ، والله أعلم .


وأخيرا تجدر الإشارة إلى أن النون الساكنة في حالة الإخفاء ، تكون عارية ، أي خالية ، عن أي حركة ، فلا يرسم عليها ، السكون ، لأن ذاتها قد ذهبت ، خلاف الإظهار ، فإن السكون يرسم عليها ، لأن ذات النون باقية ، وهذا من علامات الرسم الموضحة للفرق بين الحكمين .

والله أعلى وأعلم .
يتبع إن شاء الله

مهاجر
12-10-2006, 04:11 AM
بسم الله

السلام عليكم



ثم انتقل الناظم ، رحمه الله ، إلى الكلام عن أحكام النون والميم المشددتين ، ولهما حكم واحد فقط ، أجمله الناظم ، رحمه الله ، بقوله :

وغن ميما ثم نونا شددا ******* وسم كلا حرف غنة بدا
فالغنة صفة لازمة لهما مطلقا ، إلا أن غنة النون أظهر من غنة الميم ، كما سبقت الإشارة إلى ذلك ، في أكثر من موضع ، وإذا شددا كان إظهار غنتهما آكد ، ومن ذلك :
قوله تعالى : (من الجنة)
وقوله تعالى : (وذا النون)
وقوله تعالى : (إني)

وقوله تعالى : (ثم)
وقوله تعالى : (المزمل) ، بتشديد الميم الثانية مع كسرها ، فالغنة في الميم الأولى ، موجودة ، ولكنها أظهر في الميم الثانية لأنها مشددة .
وقوله تعالى : (فأمه) . منحة ذي الجلال ص65_66 .
ومقدار الغنة ، كما سبق ، حركتان .
وعلى القارئ أن يحترز عند الإتيان بالغنة في "النون" و "الميم" في نحو :
قوله تعالى : (إن الذين)
وقوله تعالى : (وإما فداء)
لئلا يتولد من ذلك حرف مد ، فيصير اللفظ : (إين الذين) ، و (وإيما فداء) ، وهذا تعسف في القراءة ينتج عنه زيادة في كلام الله عز وجل . . منحة ذي الجلال ص66 .


وبعد ذلك انتقل الناظم ، رحمه الله ، إلى الكلام على أحكام الميم الساكنة ، فهي تالية النون الساكنة ، لتقارب النون والميم في المخرج والصفات ، كما سبقت الإشارة إلى ذلك ، فقال :

و"الميم" إن تسكن تجي قبل الهجا ******* لا "ألف لينة" لذي الحجا

فالميم الساكنة تأتي قبل أي حرف من حروف الهجاء ، بلا إشكال ، ما عدا "الألف اللينة" ، لأن الألف اللينة ، كما تقدم ، هي : ألف ساكنة مفتوح ما قبلها ، فلابد أن يكون ما قبلها متحركا ، بل ومفتوحا ، على وجه الخصوص ، وهذا واضح بلا إشكال ، لأن الألف يناسبها الفتح ، فلا يتصور أن تسبق الألف اللينة ، أو ألف المد ، بحرف مكسور ، لأن الكسر يناسبه الياء ، أو حرف مضموم ، لأن الضم يناسبه الواو ، أو ساكن ، لكراهية توالي ساكنين ، فإذ جوزنا مجيء الميم الساكنة قبل الألف اللينة ، فقد جوزنا توالي ساكنين ، ولا قائل بذلك ، بل إن هذا مما اجتنبه العرب في لغتهم ، واحتالوا لمنع وقوعه بعدة أمور ، منها :

تحريك الأول منهما ، تحريكا عارضا ، إذا كانا بكلمتين ، كقوله تعالى : (لم يكن الذين كفروا) ، فكسر نون "يكن" ، كسر عارض لأن أصلها نون ساكنة ، لجزم الفعل بــــ : "لم" ، وهي متبوعة بألف الوصل الساكنة أيضا في : "الذين" ، فساغ تحريك الأول تحريكا عارضا بالكسر لتلافي التقاء الساكنين ، وقد أشار الحريري ، رحمه الله ، في ملحة الإعراب ، إلى هذه المسألة بقوله :
وإن تلاه ألف ولام ******* فاكسر وقل : ليقم الغلام
أي إن تلا الفعل المضارع المجزوم بلام الأمر ، ( وعلامة جزمه السكون) ، ألف ولام ، (والألف ، هي ألف الوصل ، الساكنة ، التي تأتي ملازمة للام التعريف دوما ، على خلاف يرد تفصيله لاحقا إن شاء الله) ، فاكسر آخر حرف من حروف الفعل كراهية التقاء ساكنين ، وهما : (آخر حرف من حروف الفعل ، وألف الوصل الساكنة)
والله أعلم .

ومنها : حذف أولهما ، إن وقعا في كلمة واحدة ، وقد وقع هذا في نفس المثال السابق : (لم يكن الذين كفروا) ، فأصل الفعل : يكون ، فلما جزم ، سكن آخره ، وما قبله ساكن ، أيضا ، لأن واو المد ، التي يضم ما قبلها ، ساكنة دائما ، فالتقى ساكنان في كلمة واحدة ، فحذف أولهما ، وهو الواو ، وبقي الآخر وهو النون .

ومن فوائد هذه المسألة : أنه يجب التفريق بين حذف حرف من وسط الكلمة ، وبالتحديد من الموضع قبل الأخير ، وحذف حرف من آخر الكلمة ، فالأول يكون لعلة صرفية ، كمنع التقاء ساكنين ، كما تقدم ، والثاني يكون لعلة إعرابية ، كالفعل المضارع المعتل الآخر ، فإنه يجزم بحذف آخره ، كقولك : لم يخش المؤمن أحدا إلا الله ، فحذفت الألف من الفعل : "يخشى" ، وبقيت الفتحة في "يخش" دالة عليها ، والله أعلم .

ومنها ، أيضا ، وهو يتعلق بعلم التجويد ابتداء ، المد اللازم في مثل قوله تعالى : (الحاقة) ، فألف المد ساكنة ، وهي متبوعة بحرف مشدد ، (والحرف المشدد في حقيقته حرفان : ساكن ومتحرك) ، فكأن ألف المد الساكنة أتبعت بقاف ساكنة ، فقاف متحركة ، فيكون أصل الكلمة : الحاققة ، بتوالي ساكنين ، فجيء بالمد اللازم ، لتلافي هذا الأمر ، ويأتي مزيد بيان لذلك ، إن شاء الله ، عند الكلام على أحكام المدود ، والله أعلم .


ثم بدأ الناظم ، رحمه الله ، في سرد أحكام الميم الساكنة ، فقال :
أحكامها ثلاثة لمن ضبط ******* "إخفاء" "إدغام" و "إظهار" فقط
وسبقت الإشارة إلى معنى : الإخفاء والإدغام والإظهار ، عند الكلام على أحكام النون الساكنة ، وما قيل هناك يقال هنا ، وإن اختلفت حروف الأحكام في الميم الساكنة ، عنها في النون الساكنة ، فحروف الإخفاء ، في حالة النون الساكنة ، على سبيل المثال : 15 حرفا ، وفي حالة الميم الساكنة : حرف واحد فقط ، كما سيأتي إن شاء الله .

ومن الإجمال إلى التفصيل :
فـــــ "الأول" : الإخفاء عند الباء ******* وسمه الشفوي للقراء .
وسبقت الإشارة إليه ، عند الكلام على الإقلاب ، في أحكام النون الساكنة ، فالإقلاب ، يؤول في حقيقته إلى الإخفاء الشفوي ، لأن قلب النون الساكنة ، إذا جاء بعدها باء ، إلى ميم ساكنة يعني : حصول صورة الإخفاء الشفوي ، تماما كما لو أتت الميم الساكنة ابتداء ، وجاء بعدها باء ، فالميم في الصورة الأولى منقلبة غير أصلية ، وفي الثانية أصلية ، والله أعلم .

ويكون هذا الإخفاء الشفوي ، مصاحبا بالغنة ، لأن للميم غنة ، وإن كانت أخف من غنة النون ، كما سبقت الإشارة إلى ذلك في أكثر من موضع ، سواء كان :
سكونها متأصلا ، كما في :
قوله تعالى : (يعتصم بالله)
وقوله تعالى : (يوم هم بارزون)

أو عارضا نحو :
قوله تعالى : (بأعلم بالشاكرين(
وقوله تعالى : (أعلم بالظالمين) ، في قراءة أبي عمرو ويعقوب .
وهذا هو المختار الذي عليه جمهور أهل الأداء . وذهب جماعة إلى إظهارها عندها إظهارا تاما ، أي : من غير غنة ، (فلا غنة في الإظهار كما سبقت الإشارة إلى ذلك) ، والعمل على الأول . منحة ذي الجلال ، ص68_69 .

ووجه هذا الإخفاء : هو أن الميم والباء حرفان متجانسان ، بمعنى :
أن مخرجهما واحد ، فكلاهما شفوي .
وصفاتهما مختلفة :
فالباء على سبيل المثال مقلقلة ، لأنها من حروف : (قطب جد) ، بينما الميم لا تقلقل .
والباء شديدة ، لأنها من حروف : (أجد قط بكت) ، والميم متوسطة بين الرخاوة والشدة ، لأنها من حروف : (لن عمر)
والغنة من صفات الميم ، والباء لا غنة لها .

فناسب تجانسهما الإخفاء ، دون :
الإظهار ، لأنه يحسن عند التباعد الكامل بين الحرفين .
والإدغام ، لأنه يحسن عند التقارب الكامل بين الحرفين ، كالمتماثلين ، ويأتي الكلام عنهما ، عند الكلام على الإدغام الصغير .
والله أعلى وأعلم .
يتبع إن شاء الله

مهاجر
14-10-2006, 04:24 AM
بسم الله

السلام عليكم


ثم شرع الناظم ، رحمه الله ، في بيان الحكم الثاني ، وهو الإدغام ، فقال :
والثان : إدغام بمثلها أتى ******* وسم "إدغاما صغيرا" يا فتى .

فالحكم الثاني من أحكام الميم الساكنة هو : الإدغام الصغير أو : "إدغام المثلين" ، وقد يطلق عليه كلا الوصفين فيقال : "إدغام المثلين الصغير" .
وهو يحصل في حالة واحدة ، وهي : أن تتبع الميم الساكنة بميم متحركة ، أو أي حرف ساكن بنفس الحرف متحركا ، كما في :
قوله تعالى : (أم من أسس)
وقوله تعالى : (خلق لكم ما في الأرض)

ووجه تسميته بـــــ : "المثلين" ، أنه لا يحصل إلا عند التقاء ميم بميم مثلها ، أو أي حرف بمثيله ، كما سيأتي عند الكلام على المتماثلين إن شاء الله .
ووجه تسميته بــــــــ : "الصغير" ، أن الميم الأولى ساكنة ، والثانية متحركة ، خلاف ما إذا كانت الأولى متحركة ، والثانية ساكنة ، فيسمى المثلان بــ : "الكبير"
أو كانا متحركين ، فيسمى المثلان بــــ : "المطلق" ، والله أعلم .

وبطبيعة الحال يكون هذا الإدغام بغنة ، لأن الحرف المدغم له غنة ، والحرف المدغم فيه له غنة ، أيضا ، فاجتمعت له الغنة من جهتين ، وقد يقال هنا : بأن الغنة هي غنة المدغم فيه ، أي الميم الثانية ، وهي المتحركة ، كما قيل في إدغام النون الساكنة في نون مثلها ، والله أعلم .

وأما الفتى : فهو من يتأتى منه العلم ، وأصله الشاب من حين بلوغه خمس عشرة سنة إلى أن يبلغ ثلاثين سنة . بتصرف من منحة ذي الجلال ص69_70 .

ثم ذكر الناظم ، رحمه الله ، الحكم الأخير وهو : الإظهار ، فقال :
والثالث : "الإظهار" في البقية ******* من أحرف وسمها : "شفوية" .
وبقية الحروف ، وهي : 26 حرفا ، إذا أتت بعد الميم الساكنة ، أظهرت الميم الساكنة بلا غنة ، وذلك نحو :
قوله تعالى : (أنعمت) ، فالميم الساكنة متبوعة بتاء متحركة ، في كلمة واحدة .
وقوله تعالى : (تمسون) ، فالميم الساكنة متبوعة بسين متحركة ، في كلمة واحدة .
وقوله تعالى : (لعلكم تتقون) ، فالميم الساكنة متبوعة بتاء متحركة ، في كلمتين .
وقوله تعالى : (مثلهم كمثل) ، فالميم الساكنة متبوعة بكاف متحركة ، في كلمتين .

ووجه تسميته : الإظهار الشفوي :
تمييزه عن الإظهار "الحقيقي" ، أو "الحلقي" ، وهو الإظهار ، في حالة النون الساكنة ، وسمي بذلك لكون حروفه كلها ، حلقية ، كما سبقت الإشارة إلى ذلك .

والإظهار المطلق ، الذي اصطلح على إطلاقه إذا ما أتت النون الساكنة وأحد حروف الإدغام في نفس الكلمة ، فلا يدغمهما القارئ ، خلاف ما قد يبدو للوهلة الأولى ، لأن الإدغام لا يكون إلا من كلمتين ، ومن ذلك :
قوله تعالى : (صنوان وغير صنوان) ، وسبقت الإشارة إلى ذلك تفصيلا ولله الحمد .

وأما الإظهار هنا فقد سمي : "شفويا" ، نسبة إلى مخرج الميم المظهرة ، وهو الشفتان ، كما قد علم ، والله أعلم .

وأخيرا نبه الناظم ، رحمه الله ، إلى خطأ يقع فيه بعض القراء فقال :
واحذر لدى "واو" و "فا" أن تختفي ******* لقربها والاتحاد فاعرف

فعلة الإخفاء الشفوي ، كما تقدم ، هو التجانس بين الميم والباء فمخرجهما واحد ، وقد يسبب هذا بعض اللبس لبعض القراء ، لأن الواو ، أيضا تشترك مع الميم في المخرج ، فكلاهما شفوي ، وعليه فإن القياس يقتضي الإخفاء عند الواو ، في مثل قوله تعالى : (وهم فيها) ، ومما يزيد اللبس أن اللسان قد ينساق بسهولة وراء هذا الإخفاء ، لموافقته لشروط الإخفاء الشفوي القياسية ، ولكن الحكم ، كما سبق ، للرواية لا القياس إذا ما تعارضا ، فتظهر الميم الساكنة إذا جاء بعدها واو ، والله أعلم .

وكذا الأمر بالنسبة للفاء ، وإن كان الخطب فيها أهون ، لأن مخرجها لا يماثل مخرج الميم ، ولكنه يقترب منه بدرجة كبيرة ، فالميم ، كما تقدم شفوية ، والفاء مخرجها من بطن الشفة السفلى وأطراف الثنايا العليا ، فلمخرجها متعلق بالشفتين ، وإن كان مقتصرا على الشفة السفلى دون العليا ، فالحرفان متقاربان ، لتقاربهما في المخرج واختلافهما في الصفات ، فتظهر الميم الساكنة إذا أتى بعدها فاء ، والله أعلم .


فائدة :
في البيت : لف ونشر غير مرتب ، لأن الناظم أتى بـــ "الواو" أولا ، ثم "الفاء" ثانيا في الشطر الأول من البيت ، ثم عكس في الشطر الثاني ، وبين سبب هذا اللبس في حالة "الفاء" أولا وهو : تقارب المخارج ، وبعده ذكر السبب في حالة "الواو" وهو : اتحاد المخرج ، ولو كان اللف والنشر مرتبين ، لذكر العلة عند "الواو" أولا ثم "الفاء" مراعاة لسياق الشطر الأول من البيت ، وقد جاء كلا النوعين : اللف والنشر المرتب وغير المرتب في التنزيل :
فمن المرتب ، وهو الأصل ، قوله تعالى : (مثل الفريقين كالأعمى والأصم والبصير والسميع) ، فقابل كل صنف بنظيره مع التزام الترتيب ، فأتى بالأعمى ثم الأصم ، ثم ذكر نقيض الأعمى وهو البصير ثم نقيض الأصم وهو السميع .
ومن غير المرتب ، وهو الفرع ، قوله تعالى : (يوم تبيض وجوه وتسود وجوه ، فأما الذين اسودت وجوههم أكفرتم بعد إيمانكم فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون ، وأما الذين ابيضت وجوههم ففي رحمة الله هم فيها خالدون) ، فأتى أولا بأصحاب الوجوه البيض ثم أتبعهم بأصحاب الوجوه السود ، ولما فرع بــــ "أما" ، ذكر الآخرين أولا والأولين ثانيا .

والله أعلى وأعلم .
يتبع إن شاء الله

مهاجر
16-10-2006, 05:14 AM
بسم الله

السلام عليكم

ثم شرع الناظم ، رحمه الله ، في بيان أحكام "أل" ولام الفعل فقال :
للام "أل" حالان قبل الأحرف ******* أولاهما : إظهارها فليعرف
فهذا نوع جديد من الإظهار ، وسبق لنا :
الإظهار الحلقي ، وهو من أحكام النون الساكنة ، إن أتى بعدها حرف من حروف الحلق ، كما تقدم بيان ذلك تفصيلا ولله الحمد .
والإظهار المطلق ، وهو من أحكام النون الساكنة ، إن اجتمعت مع حرف من حروف الإدغام في كلمة واحدة ، كقوله تعالى : (صنوان) ، فالنون الساكنة متبوعة بواو ، والواو من حروف الإدغام ، ومع ذلك أظهرت النون ، لأنه يشترط في الإدغام ، كما تقدم ، أن يكون من كلمتين ، كلمة فيها النون الساكنة ، وكلمة فيها حرف الإدغام .
والإظهار الشفوي ، وهو من أحكام الميم الساكنة ، وسبقت الإشارة إليه تفصيلا ، ولله الحمد .

وهذا الإظهار الرابع ، وهو إظهار لام أل إن جاء بعدها حرف من حروف : (ابغ حجك وخف عقيمه)

وبداية مع تعريف لام "أل" : فهي لام ساكنة زائدة على بنية الكلمة ، مسبوقة بهمزة وصل ، مفتوحة ، عند البدء بها ، سواء صح تجريد الكلمة من اللام أم لم يصح .

وقيد : مسبوقة بهمزة وصل ، قيد مهم جدا ، فهي مسبوقة بهمزة وصل ، لا همزة قطع ، لأن :
همزة الوصل ليست من بنية الكلمة ، بل هي همزة زائدة ، تثبت في أول الكلام ، وتسقط في وسطه ، فلا اعتبار لها في النطق إذا جاءت في وسط الكلام ، وأما إذا ابتدئ الكلام بحرف ساكن ، فإنها تأتي قبله ، والسبب في ذلك ، كما يقول أحد المشايخ الكرام ، عندنا في مصر ، ويدعى الشيخ سيد أبو زيد ، حفظه الله ، وهو من المتخصصين في اللغة الإنجليزية :
أن العرب تستقبح البدء بساكن لثقل ذلك على لسان المتكلم ، فعلى سبيل المثال :
لفظ "اخرج" ، أوله ساكن ، وهو الخاء ، فأتي بهمزة الوصل لتفادي البدء بساكن ، مع ملاحظة أن حركة همزة الوصل تكون مماثلة لحركة الحرف قبل الأخير من مضارع الفعل الذي تأتي في أوله ، فالفعل "خرج" ، مضارعه : يخرج ، فقبل آخره مضموم ، وعليه يبدأ في الأمر بألف وصل مضمومة ، وأما في الفعل "ضرب" ، فالمضارع منه "يضرب" ، فقبل آخره مكسور ، وعليه يبدأ في الأمر بألف وصل مكسورة ، وهكذا .
وهذا ، كما يقول الشيخ ، حفظه الله ، من لطائف اللغة العربية ، فالبدء بساكن أمر يستثقله اللسان ، ويظهر هذا جليا في النطق ببعض الكلمات الإنجليزية ككلمة : (street) ، على سبيل المثال ، وهي تعني بالعربية : طريق ، كما هو معلوم ، فإن الناطق بها يحرص على تسكين أولها ويركز على ذلك تركيزا شديدا ، فيه نوع مشقة ، ليخرج اللفظ صحيحا من جهة النطق الموافق لنطق أصحاب اللسان الإنجليزي الأصيل ، والله أعلم .

وأما همزة القطع : فهي همزة أصلية ، لا تسقط أبدا ، لأنها من بنية الكلمة الأصلية ، كالهمزة في الفعل : "سأل" ، والفعل : "أكل" ، والفعل : "أمر" ................ الخ .

وظاهر كلام الناظم ، رحمه الله ، أنه يعتبر اللام فقط ، دون همزة القطع ، هي أداة التعريف في الكلمات التي تأتي في أولها ، وهي مسألة اختلف النحاة فيها :
فمن قائل بأن "أل" ، بأكملها ، هي أداة التعريف ، فتكون همزة الوصل داخلة فيها .
ومن قائل بأن أداة التعريف اللام فقط بدليل سقوط همزة الوصل عند وصل الكلام ، وإلى هذا الخلاف أشار الحريري ، رحمه الله ، في ملحة الإعراب ، بقوله :

وآلة التعريف "أل" فمن يرد ******* تعريف كبد مبهم قال "الكبد"
وقال قوم إنها اللام فقط ******* إذ ألف الوصل متى تدرج سقط

وجاء بعده ابن مالك ، رحمه الله ، فأشار إلى نفس الخلاف في ألفيته الشهيرة ، بقوله :
أل حرف تعريف ، أو اللام فقط ******* فنمط عرفت قل فيه : النمط .

ومن اعتبر "أل" بأكملها ، كالخليل بن أحمد ، رحمه الله ، قال بأن الهمزة فيها : همزة قطع ، واحتج لذلك بأنها مفتوحة ، والأصل في همزة القطع أن تكون مكسورة ، كقولك : ليقم الغلام ، ولا تفتح ولا تضم إلا لعارض ، وليس هنا عارض يقتضي ضمها أو فتحها ، وأما استعمالها كهمزة وصل عند النطق ، رغم أنها همزة قطع ، فهو من باب التسهيل في النطق لكثرة استعمال هذا اللفظ .
ومن اعتبر "اللام" فقط ، كسيبويه ، رحمه الله ، قال بأن الهمزة : همزة وصل ، أتي بها ليتوصل إلى نطق اللام الساكنة ، عند البدء بها ، لأن البدء بالساكن ، كما تقدم ، أمر مستقبح في لغة العرب ، وقد يرد على ذلك : القول بأن تحريك الساكن نفسه أولى من الإتيان بمتحرك قبله ، فإذا كانت اللام ساكنة ، فلم لا تحرك هي دون أن يلجأ إلى النطق بهمزة وصل متحركة قبلها ، والجواب : أنها لو حركت إلى الكسر لالتبست بلام الجر ، لأنها مكسورة دوما ، ولو حركت إلى الفتح لالتبست بلام الابتداء ، ولو حركت إلى الضم لكان هذا خروجا على لغة العرب ، فضم اللام في أول الكلام مما لا نظير له في لغة العرب ، والله أعلم . بتصرف من "منحة الجليل بتحقيق شرح ابن عقيل" ، للشيخ محمد محيي الدين ، رحمه الله ، (1/148) .

وكما سبق ، فإن اللام تظهر إذا أتى بعدها أحد حروف : (ابغ حجك وخف عقيمه)

وهو ما أشار إليه الناظم ، رحمه الله ، بقوله :
قبل "أربع" مع "عشرة" خذ علمه ******* من (ابغ حجك وخف عقيمه)

ومن ذلك :
قوله تعالى : (الأول)
قوله تعالى : (البر)
قوله تعالى : (الغني)
قوله تعالى : (الحليم)
قوله تعالى : (الجنة)
قوله تعالى : (الكبير)
قوله تعالى : (الودود)
قوله تعالى : (الخبير)
قوله تعالى : (الفتاح)
قوله تعالى : (العليم)
قوله تعالى : (القيوم)
قوله تعالى : (اليقين)
قوله تعالى : (الملك)
ولفظ (الهادي) ، ولم يضعه الشيخ الضباع ، رحمه الله ، في شرحه ، بين قوسي الآية المعروفين .

وأما حكمها الثاني فهو : الإدغام ، وهو ما أشار إليه الناظم ، رحمه الله ، بقوله :
ثانيهما : إدغامها في "أربع" ******* و "عشرة" أيضا فرمزها فع
فمع بقية الأحرف ، تدغم هذه اللام فيها ، بحيث تسقط من اللفظ ، وينطق بالحرف التالي لها مشددا ، كقولك : الشمس ، فلفظك بها يكون : أشمس ، بهمزة وصل إذا بدأت بها الكلام ، فشين مشددة مباشرة ، مع إسقاط "اللام" من اللفظ .

وأما إذا جاءت في وسط الكلام كقولك : رأيت الشمس بازغة ، فإن همزة الوصل واللام ، كليهما ، يسقط من اللفظ ويكون لفظك : رأيتشمس بازغة ، فبعد التاء تأتي الشين المشددة مباشرة ، والله أعلم .

ووجه الإدغام في هذه الحالة : التسهيل ، بحيث يسهل النطق باللفظ دون كلفة ، وهذا يظهر جليا عند محاولة إظهار اللام في مثل لفظ : الشمس ، ففيه من الكلفة والخروج عن مألوف النطق ما فيه ، والله أعلم .

وأما أحرف الإدغام فجمعها الناظم ، رحمه الله ، في هذا البيت :
طب ثم صل رحما تفز ضف ذا نعم ******* دع سوء ظن زر شريفا للكرم
بحيث يؤخذ من كل كلمة من كلمات البيت الحرف الأول منها ، ومن ذلك :
قوله تعالى : (الطامة)
وقوله تعالى : (الثواب)
وقوله تعالى : (الصادقين)
وقوله تعالى : (الراكعين)
وقوله تعالى : (التوابين)
وقوله تعالى : (الضالين)
وقوله تعالى : (والذاكرين)
وقوله تعالى : (الناصحين)
وقوله تعالى : (الدين)
وقوله تعالى : (السائحون)
وقوله تعالى : (الظالمين)
وقوله تعالى : (الزجاجة)
وقوله تعالى : (الشاكرين)
وقوله تعالى : (الليل)

وخرج بقيد "أل" المعرفة ، "أل" الموصولة ، في مثل قول الشاعر :
وما أنت بالحكم الترضى حكومته ******* ولا الأصيل ولا ذي الرأي والجدل
أي : ما أنت بالحكم الذي ترضى حكومته .
و "أل" الزائدة :
كقول الشاعر :
من القوم الرسول الله منهم ******* لهم دانت رقاب بني معد

وقول الآخر :
باعد أم العمرو من أسيرها ******* حراس أبواب لدى قصورها

وعند التحقيق لا يظهر كبير فرق ، لأن المراد هنا ليس تحديد نوع "أل" ، حتى يمكن الاستفادة من ذلك نحويا أو بلاغيا ، وإنما المراد معرفة كيفية التلفظ ، والقارئ قد ينطق اللفظ صحيحا دون معرفة معناه ، وإن كان لفظا قرآنيا ، فبعض ألفاظ القرآن قد تشكل على الأعاجم من المسلمين ، الذين لا دراية كبيرة لهم بلغة العرب ، بل قد تشكل على كثير من العرب ، أصحاب اللغة في زماننا الحاضر ، ومع ذلك ينطقونها نطقا سليما ، فتحديد نوع "أل" هل هي معرفة ، بضم الميم وكسر العين ، كقوله تعالى : (زين للناس حب الشهوات) ، أو موصولة كقوله تعالى : (والسارق والسارقة) أي والذي سرق والتي سرقت ، أو زائدة كما في لفظ : (الرسول) ولفظ (العمرو) في البيتين السابقين ، أو لبيان الجنس كقوله تعالى : (وجعلنا من الماء كل شيء حي) ، أو للاستغراق كقوله تعالى : (إن الإنسان لفي خسر) ، أو للمح الصفة كقولك : رأيت الفضل بن محمد ، .............. الخ ، تحديد كل ذلك ، وإن كان مهما لدارس علوم الشريعة ، وبالأخص علوم النحو والبلاغة ، فإنه لا يلزم دارس علم التجويد ، لأنه سيأتي على سبيل المثال لينطق : وما أنت بالحكم الترضى حكومته ، فيدغم اللام في التاء ، ويشدد التاء في لفظ "الترضى" ، فيكون نطقه : أترضى ، فلا يعنيه نوع "أل" ، وإنما يكفيه نطقها نطقا سليما ، والله أعلم .

وللشيخ الضباع ، رحمه الله ، رأي ينقض ما سبق ، لأنه رأى جواز إظهار اللام أو إدغامها في غير "أل" المعرفة ، وعليه يجوز أن ينطق باللام في لفظ "الترضى" ، ويجوز أن يخفيها ، وهنا يظهر فرق يستدعي معرفة نوع اللام ، فإذا ما كانت موصولة أو زائدة ، جاز فيها كلا الوجهين ، الإظهار والإدغام ، والله أعلم .

وقد اصطلح العلماء على تسمية اللام في حالة الإظهار بــــ : "اللام القمرية" ، تشبيها لها بلام القمر ، بجامع الظهور في كل ، وفي حالة الإدغام بـــــ : "اللام الشمسية" تشبيها لها بلام الشمس ، بجامع الإدغام في كل ، وإلى هذا أشار الناظم ، رحمه الله ، بقوله :
واللام الاولى سمها "قمرية" ******* واللام الاخرى سمها "شمسية"
منحة ذي الجلال ص78 .
والله أعلى وأعلم

يتبع إن شاء الله

خالد بن حميد
16-10-2006, 03:50 PM
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته

جزاك الله خيراً أستاذنا الفاضل
نتابع بإذن الله

مهاجر
18-10-2006, 07:41 AM
بسم الله

السلام عليكم

وجزاك أيها المشرف الكريم .

وعودة إلى المنظومة إذ بدأ الناظم ، رحمه الله ، الكلام على "لام الفعل" ، فقال :
وأظهرن لام فعل مطلقا ******* في نحو : قل نعم وقلنا والتقى

فمثل الناظم ، رحمه الله ، بقوله : "قل نعم" لـــــ : لفعل الأمر الذي وقعت اللام في آخره ، ومنه :
قوله تعالى : (أنزلني) ، فلام "أنزل" ، متصلة بنون الوقاية ، التي جيء بها ليسوغ اتصال الفعل بياء المتكلم التي يناسبها الكسر ، والفعل لا يكسر لثقله ، فأتي بنون الوقاية لتقي الفعل كسرة المناسبة في ياء المتكلم ، وأظهرت اللام لأن حكمها الإظهار مطلقا ، ما لم تتصل بلام أو راء ، كما سيأتي إن شاء الله .

وقوله تعالى : (اجعلني) ، وما قيل في "أنزلني" يقال في "اجعلني" تماما بتمام ، والله أعلم .

ومثل ، رحمه الله ، بقوله : "قلنا" لــــ : الفعل الماضي الذي وقعت اللام في آخره ، ومنه :
قوله تعالى : (جعلنا) ، فلام الفعل "جعل" ، وهو مبنى على الفتح المقدر لاتصاله بـــ "نا" الدالة على الفاعلين ، وإن شئت قلت : مبني على السكون العارض لاتصاله بــــ "نا" ، هذا الفعل لامه متصلة بالنون ، فحكمها الإظهار مطلقا .

وقوله تعالى : (أنزلنا) ، وما قيل في "جعلنا" يقال في "أنزلنا" تماما بتمام ، والله أعلم .

وكأن الشارح ، رحمه الله ، تعمد الإتيان بالفعلين : "جعل" و "أنزل" ، في صورتي : الأمر تارة والماضي تارة أخرى ، ليسهل حفظ شواهد المسألة ، والله أعلم .

ومثل الناظم ، رحمه الله ، بقوله : "التقى" لـــــ : الفعل الماضي الذي وقعت اللام في وسطه ، ومنه :
قوله تعالى : (فالتقمه الحوت) ، فلام الفعل "التقم" ، اتصلت بالتاء ، وعليه فحكمها الإظهار مطلقا .
وقوله تعالى : (ألحقنا بهم) ، فلام الفعل "ألحقنا" ، اتصلت بالحاء ، وعليه فحكمها الإظهار مطلقا .

وينبه الشيخ الضباع ، رحمه الله ، على قصر هذا الحكم على ما عدا اللام والراء بقوله :
ومحل هذا الإظهار إذا لم تقع ، (أي لام الفعل) ، قبل لام أو راء ، فإن وقعت قبلهما أدغمت فيهما وجوبا نحو :
قوله تعالى : (وقل لهم) ، ومسوغ الإدغام هنا : التماثل ، فاللامان متماثلان اسما وصفة ، فكلاهما اسمه اللام ، والصفات واحدة تبعا لاتحاد الموصوفين في الحقيقة ، فحقيقة اللام الأولى هي نفسها حقيقة اللام الثانية ، وان اختلفت حركتهما ، فالأولى ساكنة ، والثانية متحركة ، وسبق أن الإدغام في هذه الحالة يسمى : إدغام مثلين صغير ، لأن الأول منهما ساكن والثاني متحرك ، وحكمه : وجوب الإدغام ، والله أعلم .

وقوله تعالى : (وقل رب) ، فاللام والراء : متقاربان ، لأن مخرجهما متقارب :
فمخرج اللام : أدنى إحدى حافتي اللسان بعيد مخرج الضاد إلى منتهى طرفه مع ما يحاذيها من لثة الأسنان العليا .
ومخرج الراء : ظهر طرف اللسان مع ما يحاذيه من الحنك الأعلى فويق الثنيتين .
فكلاهما يطلق عليه وصف : "الذلاقة" ، لخروجهما من ذلق اللسان أي : طرفه ، وإن اختلف المخرج عند التحقيق الدقيق ، فضلا عن تعلق مخرج كل منهما باللثة العليا ، وإن كان مخرج الراء أخص ، لأنه يتعلق باللثة التي تعلو الثنيتين فقط ، والله أعلم .

وصفاتهما متقاربة :
فكلاهما متوسط بين الرخاوة والشدة ، لأنهما من حروف "لن عمر"
وكلاهما ذلق ، أي خفيف سريع النطق يخرج من طرف اللسان ، لأنهما من حروف "فر من لب" .

وكلاهما مستفل ، منفتح ، منحرف عن مخرجه إلى مخرج غيره .

وتستقل الراء بأن من صفاتها : "التكرير" ، وهو قبولها التكرير ، لارتعاد طرف اللسان عند النطق بها ، وهذه الصفة تعرف لتجتنب لا ليعمل بها ، منحة ذي الجلال ص27_29 .



والله أعلى وأعلم
يتبع إن شاء الله

خالد بن حميد
18-10-2006, 11:57 PM
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته


أحسنت

مهاجر
20-10-2006, 05:11 PM
بسم الله

السلام عليكم

جزاك الله خيرا أيها الكريم على تشجيعك المتواصل .

وعودة للمنظومة إذ :
بدأ الناظم ، رحمه الله ، الكلام على المثلين والمتقاربين والمتجانسين فقال :
إن في الصفات والمخارج اتفق ******* حرفان فـــــ "المثلان" فيهما أحق

أي إن اتفق الحرفان ، مخرجا ، وصفة ، فوصف "المثلين" فيهما أحق ، ولا يكون ذلك ، عند التحقيق إلا في حالة تماثل الحرفين اسما ورسما ، أي أنهما بالفعل متماثلان ، تماثلا كاملا :

كالباءين في :
قوله تعالى : (اذهب بكتابي) ، مع ملاحظة أنه في هذا المثال : الحرف الأول ساكن ، والثاني متحرك ، فيأخذ المثلان هنا وصفين إضافيين ، هما : "الصغير" ، فيقال بأن حكمهما : "مثلين صغير" .
و"الإدغام" ، فيقال بأنهما مثلان صغيران يجب فيهما الإدغام ، ويكون نوع الإدغام هنا : "إدغام مثلين صغير" ، ويستثنى من ذلك ما إذا كان أولهما حرف مد ، فحرف المد : حرف ساكن ، والذي بعده متحرك ، فتحققت صورة المثلين الصغير ، في نحو :
قوله تعالى : (في يومين) ، فياء المد الطبيعي الساكنة في : "في" يليها ياء متحركة .
وقوله تعالى : (قالوا وهم) ، فواو المد الطبيعي الساكنة في : "قالوا" يليها واو ساكنة .
ومع تحقق شروط المثلين الصغير إلا أن الإدغام لا يصح في هذين الموضعين لأن السكون هنا سكون اصطلاحي ، لا لفظي ، فحقيقته تؤول إلى الكسر في الآية الأولى ، وإلى الضم في الآية الثانية ، لأن حرف المد الساكن يأخذ حركة الحرف المتحرك الذي يسبقه ، فكأن الحرفين في الحقيقة متحركان ، "والله أعلم .


وقوله تعالى : (يذهب بالأبصار) ، مع ملاحظة أن الحرفين متحركان ، فيأخذ المثلان هنا وصفين إضافيين هما : "الكبير" ، فيقال بأن حكمهما : "مثلين كبير" .
و "الإظهار" عند الجمهور ، و"الإدغام " في أحد الوجهين عن "أبي عمرو" ، و "يعقوب" .

وكالتاءين في :
قوله تعالى : (ربحت تجارتهم) ، فالتاء الأولى ساكنة والثانية متحركة ، فيكون الحكم : "إدغام مثلين صغير" .
وقوله تعالى : (الموت تحبسونهما) ، فالتاءان متحركان ، فيكون حكمهما : "مثلين كبير" ، وإظهاره واجب عند الجمهور .

وكاللام في :
قوله تعالى : (بل لا يخافون) ، فاللام الأولى ساكنة والثانية متحركة ، فيكون الحكم : "إدغام مثلين صغير" .

وكالميمين في :
قوله تعالى : (الرحمن الرحيم * مالك يوم الدين)
عند وصل "الرحيم" بــــ "مالك" ، وكلاهما متحرك فيكون الحكم "إدغام مثلين كبير" ، وإظهاره واجب ، ولكن هذا التخريج مقتصر على قراءة حفص فقط ، خلاف بقية القراءات ، حيث يقف القارئ على ميم "الرحيم" ، فيسكنها ، ويمد مدا عارضا للسكون (2 أو 4 أو 6 حركات ، كما سيأتي إن شاء الله) ، ثم يدغمها في ميم "مالك" ، والله أعلم .

ثم انتقل الناظم ، رحمه الله ، إلى الكلام على المتقاربين ، فقال :
وإن يكونا مخرجا تقاربا ******* وفي الصفات اختلفا يلقبا
متقاربين .....................

ففي البيت "تضمين" ، وهو الإتيان بما يتم معنى بيت في بيت تال له ، وهو مما يعاب في النظم ، وعذر الناظم ، رحمه الله ، أنه لم يؤلف هذا النظم كنظم الشعراء ، وإنما نظمه كبقية المنظومات العلمية ، لبيان مسائل علمية ، فالشعر فيها تابع لا متبوع ، وخادم لا مخدوم ، والله أعلم .

فالمتقاربان : حرفان تقارب مخرجاهما ، ولم يتحد ، واختلفت صفاتهما ، ومن ذلك :
قوله تعالى : (قد سمع)
فالدال والسين متقاربا المخرج :
فالدال مخرجها : طرف اللسان مع ما يقابله من أصلي الثنيتين العليين مصعدا إلى جهة الحنك الأعلى ، وحروف هذا المخرج يقال لها : "نطعية" ، لخروجها من نطع الغار أي سقفه . "منحة ذي الجلال" ، ص25 .
وأما السين فمخرجها : طرف اللسان وفويق الثنيتين السفليتين ، ويقال لحروف هذا المخرج : "أسلية" ، لخروجها من أسلة اللسان : أي ما دق منه ومن بين الثنايا .

وبهذا يتضح أن مخرجي الدال والسين متقاربان ، فكلاهما من حروف طرف اللسان ، ولكن الدال تتعلق بالثنيتين العلويتين ، وسقف الحنك ، وأما السين ، فتتعلق بفويق الثنيتين السفليتين ، المقابلتين للعلويتين

وأما صفاتهما فهي مختلفة :
فالسين حرف مهموس ، من حروف : "سكت فحثه شخص" ، والهمس هو : خفاء الصوت بالحرف لضعفه بسبب جريان النفس معه حالة النطق به ، والدال غير مهموسة ، فهي من الحروف الجهرية .
والدال من الحروف الشديدة ، لأنها من حروف "أجد قط بكت" ، بينما السين من الحروف الرخوة .
والدال من حروف القلقلة : (قطب جد) ، والسين لا قلقلة فيها .
والسين من حروف الصفير : "الصاد والزاي والسين" ، والدال لا صفير فيها .
بتصرف من "منحة ذي الجلال" ص27_29 .



والله أعلى وأعلم .
يتبع إن شاء الله .

مهاجر
23-10-2006, 09:34 PM
بسم الله

السلام عليكم

كل عام وأنتم بخير ، تقبل الله منا ومنكم


وعودة للمنظومة ، وإن كان الوقت وقت بهجة وسرور والنفس قد تستثقل هذه الأبيات في مثل هذه الأوقات ، عودة لها إذ انتقل الناظم ، رحمه الله ، إلى الكلام على المتجانسين فقال :

متقاربين ، أو يكونا اتفقا ******* في مخرج دون الصفات حققا
بـــ "المتجانسين" ثم إن سكن ******* أول كل فـــ "الصغير" سمين
أو حرك الحرفان في كل فقل ******* كل "كبير" وافهمنه بالمثل

فالمتجانسان ، حرفان لهما نفس المخرج ، ولكنهما مختلفان في الصفات ، فمن ذلك :

الطاء والتاء :
فكلاهما يخرج من طرف اللسان مع ما يقابله من أصلي الثنيتين العلويتين مصعدا إلى جهة الحنك الأعلى ، فهما من الحروف النطعية كالدال تماما ، لاتحادهم في المخرج .

وأما صفاتهما فمختلفة :
فالتاء من الحروف المهموسة ، لأنها من حروف "سكت فحثه شخص" ، والهمس هو عبارة عن خفاء التصويت بالحرف لضعفه بسبب جريان النفس معه حالة النطق به ، وأما الطاء فهي من الحروف الجهرية ، والجهر هو عبارة عن ظهور التصويب بالحرف لقوته بسبب انحصار الصوت الحاصل من عدم جريان النفس معه في حالة النطق به .
والتاء من حروف الاستفال ، والاستفال هو عبارة عن تسفل اللسان وانخفاضه إلى قاع الفم عند النطق بالحرف ، والطاء من حروف الاستعلاء ، لأنها من حروف "خص ضغط قظ" ، والاستعلاء هو عبارة عن استعلاء طائفة من اللسان عند النطق بالحرف .
والتاء من حروف الانفتاح ، وهو عبارة عن انفتاح ما بين اللسان والحنك الأعلى وخروج الريح من بينهما عند النطق بحروفه ، والطاء من حروف الإطباق ، وهو عبارة عن انطباق طائفة من اللسان على ما يحاذيها من سقف الحنك وانحصار الصوت بينهما عند النطق بحروفه .
والطاء من حروف القلقلة ، لأنها من حروف "قطب جد" ، بينما التاء ليست من حروف القلقلة ، والقلقلة هي عبارة عن تقلقل المخرج بالحرف عند خروجه ساكنا حتى يسمع له نبرة قوية .

ويشتركان في :
وصف الشدة ، فكلاهما من حروف : "أجد قط بكت" ، والشدة هي عبارة عن لزوم الحرف لمخرجه وحبس الصوت من أن يجري معه .
ووصف الإصمات ، وهو عكس الذلاقة ، التي تعني سرعة النطق بالحرف لخفته .

فاتضح مما سبق أن التاء والطاء ، من الحروف المتجانسة ، لأن المخرج واحد ، والصفات ، أو معظمها إن أردت الدقة ، مختلفة ، وهذا هو حد المتجانسين ، كما سبق ، ومن أمثلة ذلك :

قوله تعالى : (أحطت) ، فالطاء ساكنة متبوعة بتاء متحركة ، فيكون الحكم هنا : "إدغام متجانسين صغير" ، لأن الأول ساكن والثاني متحرك ، والإدغام هنا واجب ، كما هو الحال في "إدغام المثلين الصغير" ، والله أعلم .

وقوله تعالى : (الصالحات طوبى) ، فالتاء والطاء ، كلاهما ، متحرك ، فيكون الحكم هنا : "متجانسين كبير" ، وإظهاره كإظهار "المثلين الكبير" ، عند الجمهور ، ما عدا "أبا عمرو" و "يعقوب" ، رحمها الله ، في أحد الوجهين عنهما ، فقد اختارا فيه الإدغام ، كما سبقت الإشارة إلى ذلك ، والله أعلم .

ومن ذلك أيضا :
الدال والتاء :
فالمخرج واحد وهو : طرف اللسان مع ما يقابله من أصلي الثنيتين العلويتين مصعدا إلى جهة الحنك الأعلى ، كما تقدم عند الكلام على التاء والطاء .

والصفات مختلفة :
فالتاء مهموسة والدال جهرية .
والدال مقلقلة ، لأنها من حروف "قطب جد" ، والتاء غير مقلقلة .

ويشتركان في الشدة لأنهما من حروف "أجد قط بكت" ، والاستفال ، والانفتاح ، والإصمات .

ومن أمثلة ذلك :
قوله تعالى : (قد تبين) ، فالدال ساكنة متبوعة بتاء متحركة ، فيكون الحكم هنا : "إدغام متجانسين صغير" ، لأن الأول ساكن والثاني متحرك ، والإدغام هنا واجب ، كما هو الحال في "إدغام المثلين الصغير" ، والله أعلم .

وقوله تعالى : (المساجد تلك) ، فالدال والتاء ، كلاهما ، متحرك ، فيكون الحكم هنا : "متجانسين كبير" ، وإظهاره كإظهار "المثلين الكبير" ، عند الجمهور ، ما عدا "أبا عمرو" و "يعقوب" ، في أحد الوجهين عنهما ، فقد اختارا فيه الإدغام ، كما سبقت الإشارة إلى ذلك ، والله أعلم .

وأخيرا وضع الناظم ، رحمه الله ، قاعدة كلية لمعرفة "الصغير" و "الكبير" ، سواء كان في المتماثلين أو المتقاربين أو المتجانسين ، فقال :

بـــ "المتجانسين" ثم إن سكن ******* أول كل فـــ "الصغير" سمين
أو حرك الحرفان في كل فقل ******* كل "كبير" وافهمنه بالمثل

فإذا سكن الأول وتحرك الثاني فهو : "صغير" ، واجب الإدغام .
وإذا حرك الاثنان فهو : "كبير" ، حكمه الإظهار عند الجمهور ، خلاف "أبي عمرو" و "يعقوب" ، في أحد الوجهين عنهما ، فقد اختارا فيه الإدغام ، كما سبقت الإشارة إلى ذلك .
وبالإضافة إلى ذلك يوجد نوع ثالث في حالة :
تحريك الأول وتسكين الثاني ، أي عكس الصغير فهو : "المطلق" ، ومنه قوله تعالى : (ما ننسخ) ، فنون "ننسخ" الأولى متحركة والثانية ساكنة ، وحكمه : "الإظهار" .


والله أعلى وأعلم
يتبع إن شاء الله

مهاجر
27-10-2006, 04:47 AM
بسم الله

السلام عليكم


ثم بدأ الناظم ، رحمه الله ، الكلام على المد ، أنواعه ، أحكامه ، فقال :
والمد أصلي وفرعي له ******* وسم أولا "طبيعيا" وهو
ما لا توقف له على سبب ******* ولا بدونه الحروف تجتلب
بل أي حرف غير همز أو سكون ******* جا بعد مد فـــ "الطبيعي" يكون

وبداية مع تعريف المد :
فهو لغة : المط والزيادة ، ومنه :
قوله تعالى : (كلا سنكتب ما يقول ونمد له من العذاب مدا) ، أي سنزيده من العذاب ، وأكد الفعل "نمد" ، بالمصدر "مدا" ، والله أعلم .

واصطلاحا : عبارة عن إطالة الصوت بالحروف .
أو : إطالة زمن الصوت بحرف عن مقدار المد الطبيعي عند وجود سببه .
فالمد الطبيعي ، "ومقداره حركتان" ، كما سيأتي إن شاء الله ، لازم لاجتلاب أي حرف ، فإذا ما وجد سبب إضافي غير اجتلاب الحرف ، كأن يقع بعد حرف المد همز كما في قوله تعالى : (السماء) ، لزمت إطالة زمن الصوت ، تبعا لنوع المد ، فهو في هذا المثال ، يطول إلى 4 أو 5 حركات ، أو 6 حركات عند الوقوف على الهمزة المتطرفة "أي التي جاءت في آخر الكلمة" ، فالزيادة حاصلة على مقدار المد الطبيعي بمقدار 2 أو 3 أو 4 حركات على التفصيل السابق ، والله أعلم .

ويقابل المد : القصر ، وهو :
لغة : الحبس أو المنع ، ومنه قوله تعالى : (حور مقصورات في الخيام) .
ومنه قول البلاغيين والأصوليين : تقديم المعمول على العامل يفيد القصر والحصر ، كما في قوله تعالى : (إياك نعبد) ، فتقدم المعمول ، أي المفعول به ، ضمير النصب المتصل "إياك" ، على عامله ، الفعل : "نعبد" ، فلزم من ذلك قصر العبادة على الله ، عز وجل ، دون من سواه ، وحصر هذا المعنى في صرف العبادة لله ، عز وجل ، دون من سواه ، خلاف قولك : نعبد إياك ، فإنه لا يمنع وجود معبود آخر ، كأن يقول قائل : أعبدك وأعبد سواك ، "لأن ضمير النصب المنفصل إذا تأخر عن عامله فالأصل فيه الاتصال ، وهو هنا كاف المخاطب الراجعة إلى الله عز وجل" ، فقوله صحيح لغة وإن كان فاسدا معنى ، خلاف قوله : إياك أعبد وفلان ، فهو فاسد لغة ومعنى ، والله أعلم .
بتصرف من شرح الشيخ الدكتور عبد الغني عبد الجليل ، حفظه الله ، لـــ "شرح شذور الذهب" .

واصطلاحا : إثبات حرف المد من غير زيادة عليه .
أو : عدم الزيادة على المد الطبيعي لعدم وجود سبب لها .
فعلى سبيل المثال : في قوله تعالى : (قال) ، لم يأت بعد حرف الألف ، حرف المد ، همز أو سكون ، وهما سببا المد على تفصيل يأتي إن شاء الله ، بل جاء بعدها حرف اللام ، فامتنعت الزيادة عن حركتين ، المقدار الطبيعي في هذه الصورة لتخلف شرط الزيادة ، وهو مجيء الهمز أو السكون بعد ألف المد ، كما تقدم ، والله أعلم .
والمد كما ذكر الناظم ، رحمه الله ، ينقسم ، بشكل رئيسي ، لقسمين :

المد الطبيعي : وهو المد اللازم لاجتلاب الحروف ، فبدونه لا يمكن النطق بالحرف أصلا ، لأن أي حرف ، غير الهمز أو الحرف المسكن ، يأتي بعد حرف المد ، يلزم للنطق به حركتان :
حركة الحرف نفسه ، وحركة حرف المد ، كما في قوله تعالى : (قال) و : (قيل) و : (نوحيها) .

فلفظ : قال : عند النطق به ، يمد القارئ ألف المد بمقدار حركتين ، ليأتي باللفظ على وجهه ، لأنه إن أهمل المد الطبيعي في هذا اللفظ ، بأن أتى بحركة القاف فقط ، فسوف تكون صورة النطق : قل ، بفتح القاف مع نطقها بسرعة وفتح اللام ، وهذا فساد في النطق يترتب عليه فساد في المعنى .
وكذا في قوله تعالى : (قيل) ، بإهمال المد الطبيعي ، وإسقاط ياء المد ، تكون صورة اللفظ : قل ، بكسر القاف مع نطقها بسرعة وفتح اللام .
وكذا في قوله تعالى : (نوحيها) ، وهي لفظة حوت حروف المد الثلاثة : الألف والواو والياء ، فبإهمال المد الطبيعي فيها ، تكون صورة اللفظ : نحه ، بضم النون وكسر الحاء وفتح الهاء ، والنطق بجميعها سريعا دون إعطاء الضم أو الكسر أو الفتح حقه ، لإهمال حروف المد ، والله أعلم .


وبهذا يتضح قول الناظم رحمه الله :
ما لا توقف له على سبب ******* ولا بدونه الحروف تجتلب
فهو لا سبب له ، لأنه لم يأت بعد حرف المد همز أو سكون أصلي أو عارض ، وبدون المد الطبيعي لا تجتلب الحروف ، بل يفسد النطق أصلا والمعنى تبعا ، كما تقدم ، والله أعلم .

وشرطه أن يأتي بعد حرف المد ، أي حرف ، إلا الهمز والسكون ، لأنهما سببا المد الفرعي بأنواعه ، كما سيأتي إن شاء الله ، والكلام هنا على المد الأصلي .

وأما المد الفرعي ، فقد أشار إليه الناظم ، رحمه الله ، بقوله :
والآخر الفرعي موقوف على ******* سبب كهمز أو سكون مسجلا
فالفرعي ، خلاف الأصلي ، مبني على سبب ألا وهو :
وقوع الهمز بعد حرف المد ، سواء كانا بكلمة واحدة ، كما في قوله تعالى : (السماء) ، فألف المد متبوعة بهمز ، وكلاهما جاء في كلمة واحدة ، أو كانا بكلمتين منفصلتين ، كما في قوله تعالى : (لا إله إلا الله) ، فألف المد في "لا"، والهمز في كلمة "إله" .

أو وقوع السكون بعد حرف المد ، سواء كان أصليا ، كما في قوله تعالى : (الحاقة) ، فألف المد متبوعة بقاف مشددة ، وهي في حقيقتها : قاف ساكنة متبوعة بقاف متحركة ، فحصل تلاقي الساكنين ، (ألف المد الساكنة والقاف الساكنة : أولى القافين) ، والسكون أصلي .

أو كان عارضا في الوقف دون الوصل ، كما في قوله تعالى : (الحمد لله رب العالمين) ، بالوقوف على العالمين ، وأما إن وصلت فلا سكون ، وكذا في قوله تعالى : (يرونهم مثليهم رأي العين) ، بالوقوف على العين فإن وصلت فلا سكون ، وعليه لا مد لأن السكون طارئ يزول بالوصل ، ويأتي مزيد بيان لكل هذه الأنواع ، إن شاء الله ، والله أعلم .

وقد زاد الشيخ الضباع ، رحمه الله ، سببين آخرين من الأسباب المعنوية ، وهما :
التعظيم : وهو في "لا" النافية للجنس ، أو لا "التبرئة" ، في كلمة التوحيد نحو قوله تعالى : (لا إله إلا الله) ، وهو في نفس الوقت مد منفصل ، جائز المد ، كما سيأتي إن شاء الله ، فلا يظهر سبب التعظيم في حالة المد المنفصل ، لأن القارئ سينصرف أول ما ينصرف إلى السبب اللفظي ، أي سبب المد المنفصل ، فيمد 2 أو 4 أو 5 حركات ، ولكنه إن كان ممن يلتزم قصر المنفصل ، أي لا يمده ، فعندئذ ، يكون مده تعظيما ، بالأصالة ، لأنه لولا هذا السبب المعنوي لما مد أصلا لأنه لا يمد المنفصل ، كما تقدم ، فلا تخريج لمده في تلك الحالة إلا كونه مد تعظيم ، والله أعلم .

والتبرئة : وهو مد "لا" التبرئة ، أيضا ، وقد روي عن حمزة ، رحمه الله ، في نحو قوله تعالى : (لا ريب) ، فهنا ألف مد بعدها راء ، فالصورة صورة المد الطبيعي الذي لا يزاد فيه عن حركتين ، ورغم ذلك مد حمزة ، رحمه الله ، مراعاة للمعنى ، فالآية تبرئ كتاب الله ، عز وجل ، من الريب وهذا معنى يحسن التنبيه عليه بالمد ، ووجه المد فيه : التوسط ، أي 4 حركات ، وإذا جاء بعد "لا" همزة ، أشبع المد ، كما في قوله تعالى : (لا إكراه) ، ففي هذه الصورة المد مد منفصل ، فيعمل القارئ المد المنفصل ويهمل مد التبرئة عملا بأقوى السببين ، لأن المد المنفصل أقوى من مد التبرئة ، فالسبب اللفظي أقوى من السبب المعنوي ، والله أعلم . بتصرف من "منحة ذي الجلال" ص91 .

ثم انتقل الناظم ، رحمه الله ، إلى ذكر حروف المد وشروطها ، وحروف اللين ، فقال :
حروفه "ثلاثة" فعيها ******* من لفظ "واي" وهي في "نوحيها"
والكسر قبل الياء وقبل الواو ضم ******* شرط وفتح قبل ألف يلتزم
واللين منها الياء وواو سكنا ******* إن انفتاح قبل كل أعلنا

فحروف المد هي : "الألف والواو والياء" ، وهي مجموعة في لفظ : "واي" ، وهو لفظ لا معنى له ، ولذا عبر عنه الناظم ، رحمه الله ، بقوله : من لفظ "واي" ، ولم يقل : من كلمة "واي" ، لأن الكلمة لفظ مفيد ، كما أشار إلى ذلك ابن مالك ، رحمه الله ، في أول ألفيته بقوله :
كلامنا لفظ مفيد كاستقم ******* واسم وفعل ثم حرف الكلم
واللفظ غير المفيد كـــ "واي" يسميه النحويون : مهملا ، والله أعلم . شرح ابن عقيل رحمه الله (1/15) .

وقد أتت هذه الحروف مستوفية شروطها ، في كلمة واحدة هي :
قوله تعالى : (نوحيها) ، فالواو مضموم ما قبلها ، والياء مكسور ما قبلها ، والألف مفتوح ما قبلها .
وكذا في قوله تعالى : (وأوتينا) .
بتصرف من "منحة ذي الجلال" ص92 .

ولكن هذه الحروف لا تكون حروف مد إلا وفق قيد ، ذكره الناظم ، رحمه الله ، في البيت التالي :
والكسر قبل الياء وقبل الواو ضم ******* شرط وفتح قبل ألف يلتزم
فيلزم أن تكون هذه الحروف ساكنة ، فخرج بذلك الألف والواو والياء ، إن تحركت ، فلا يقال عن الواو في قوله تعالى : (ولقد أهلكنا) ، بأنها واو مد ، لأنها متحركة بالفتح .
ولا يقال عن الياء في قوله تعالى : (كذلك زين) ، بأنها ياء مد لأنها متحركة بالكسر .

ويلزم أيضا : أن تكون حركة الحرف الذي يسبقها موافقة لجنسها :
فجنس الألف : الفتح ، فيلزم أن يكون ما قبلها مفتوح ، والألف لا يكون ما قبلها إلا مفتوحا .
وجنس الواو : الضم ، فيلزم أن يكون ما قبلها مضموم .
وجنس الياء : الكسر ، فيلزم أن يكون ما قبلها مكسور .

وأما إذا سكنت الواو والياء ، وفتح ما قبلها ، فيقال عندئذ :
بأنهما استوفيا الشرط الأول : وهو كونهما ساكنتين ، ولكن الشرط الثاني : اختل ، لأن الفتح ليس من جنس الواو أو الياء ، فيقال لهما في هذه الحالة : حرفا "لين" ، لسهولة خروجهما بهذه الصورة ، وحروف اللين هي سبب مد اللين العارض للسكون ، كما سيأتي إن شاء الله ، ومن ذلك :
قوله تعالى : (بيت) ، إن وقفت على التاء ، فالياء ساكنة مفتوح ما قبلها ، ولذا يسمى هذا المد : مد لين عارض للسكون ، لأن السكون غير أصلي ، فالتاء متحركة ، فلما وقف القارئ عليها سكنها ، فعرض السكون لحرف اللين فتولد مد اللين العارض للسكون ، كما سيأتي إن شاء الله .

وقوله تعالى : (خوف) ، إن وقفت على الفاء ، فالواو ساكنة مفتوح ما قبلها .

وعليه يقال بأن حروف المد ثلاثة : الألف المفتوح ما قبلها ، والواو المضموم ما قبلها ، والياء المكسور ما قبلها .
وحروف اللين : الواو الساكنة المفتوح ما قبلها ، والياء الساكنة المفتوح ما قبلها .

وحروف المد أقوى من حروف اللين ، لأن موافقة ما قبلها لها في الحركة يكسبها قوة ليست موجودة في حروف اللين التي يكسبها فتح ما قبلها ، والفتح أخف من الضم والكسر ، يكسبها ليونة تجعلها أدنى من حروف المد ، وترتب على ذلك :

أن المد المبني على حروف اللين أضعف من المد المبني على حروف المد ، فعلى سبيل المثال : مد اللين العارض للسكون في قوله تعالى : (بيت) ، إن وقفت عليها ، أضعف من المد العارض للسكون في قوله تعالى : (رب العالمين) ، إن وقفت على : "العالمين" ، لأن الياء في "بيت" ياء لينة ساكنة مفتوح ما قبلها ، بينما الياء في "العالمين" ياء مدية ، مكسور ما قبلها ، فكأن المد فرع عن سببه قوة وضعفا ، فكلما كان السبب أقوى كان المد أقوى ، والعكس صحيح ، ويأتي مزيد بيان لذلك إن شاء الله عند الكلام على هذين المدين ، والله أعلم .

فائدة : الألف يقال عنها بأنها : حرف مد ولين في نفس الوقت ، لأنه لا يتصور وجود ألف ما قبلها غير مفتوح ، فدائما ما قبلها مفتوح ليناسب جنسها ، وهذا حد حرف المد .
وهي في نفس الوقت ساكنة مفتوح ما قبلها ، وهذا حد حرف اللين ، فاجتمع فيها الوصفان في نفس الوقت بشكل لا ينفك عنها أبدا ، خلاف الواو والياء اللتين تستقلان بأحد الوصفين دون الآخر ، ولا يمكن اجتماع كلا الوصفين فيهما في نفس الوقت ، كما تقدم في الأمثلة .

والله أعلى وأعلم .
يتبع إن شاء الله .

خالد بن حميد
27-10-2006, 05:58 PM
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته
أثقل الله موازينك

وتقبل لله منا ومنك صالح الأعمال
وكل عام وأنت بخير

مهاجر
30-10-2006, 01:38 AM
ومنك ومن إخواني أبا طارق ، حفظك الله ، وأثقل موازينك

وعودة إلى المنظومة :
إذ شرع الناظم ، رحمه الله ، في بيان أحكام المد ، فقال :
للمد أحكام ثلاثة تدوم ******* وهي الوجوب والجواز واللزوم
فأحكام المد ثلاثة :
الوجوب : ويكون في المد المتصل .
والجواز : في المد المنفصل ، ويلحق به : المد العارض للسكون ، ومد اللين العارض للسكون ، ومد البدل ، ومد الصلة الكبرى ومد الصلة الصغرى .
واللزوم : كما في المد اللازم بأقسامه الأربعة : الكلمي المثقل ، والكلمي المخفف ، والحرفي المثقل ، والحرفي المخفف ، على تفصيل يأتي إن شاء الله .

مسألة : أحوال حرف المد مع الهمز :
أولا : أن يتقدم حرف المد وتأتي الهمزة بعده في نفس الكلمة ، وهذه هي صورة المد المتصل ، ومن ذلك :
قوله تعالى : (جاء) ، فألف المد متبوعة بالهمز المتطرف .
وقوله تعالى : (قروء) ، فواو المد متبوعة بالهمز المتطرف .
وقوله تعالى : (بريء) ، فياء المد متبوعة بالهمز المتطرف .

ثانيا : أن يكون حرف المد في آخر كلمة والهمزة أول كلمة أخرى ، وهذه هي صورة المد المنفصل ، ومن ذلك :
قوله تعالى : (بما أنزل) ، فألف المد في "بما" متبوعة بالهمز الذي جاء في أول الكلمة التالية : "أنزل" .
وقوله تعالى : (قوا أنفسكم) ، فواو المد في "قوا" متبوعة بالهمز الذي جاء في أول الكلمة التالية : "أنفسكم" .
وقوله تعالى : (في أمها) ، فياء المد في "في" متبوعة بالهمز الذي جاء في أول الكلمة التالية : "أمها" .

ثالثا : أن تتقدم الهمزة على حرف المد ، وهذه صورة مد البدل ، وهو كالمد الطبيعي ، يمد بمقدار حركتين ، عند غير ورش ، رحمه الله ، كما سيأتي إن شاء الله ، ومن ذلك :
قوله تعالى : (ءامن) ، فالهمز قد سبق ألف المد .
وقوله تعالى : (أوتي) ، فالهمز قد سبق واو المد .
وقوله تعالى : (إيمانا) ، فالهمز قد سبق ياء المد ، والله أعلم .

بتصرف من "منحة ذي الجلال" ص94_95 .

ومن المسائل التي تحسن الإشارة إليها قبل الخوض في بيان أنواع المد ، مسألة مقاديره ، بشكل إجمالي ، ومن ثم يأتي تفصيلها عند بيان كل نوع إن شاء الله ، لأن لكل نوع مقدارا معينا ، فهي إجمالا :
ست حركات : وهي أعلاها ، وتكون في المد اللازم وما يندرج تحته كمد الفرق وجوبا ، والمد المتصل عند ورش وحمزة رحمهما الله ، والمد المتصل إن تطرف ووقف القارئ عليه عند عاصم رحمه الله ، والمد المنفصل عند ورش وحمزة رحمهما الله جوازا ، والمد العارض للسكون ومد اللين العارض للسكون جوازا .
والحركة مقدار ضم الإصبع ، وهي تختلف بطبيعة الحال تبعا لطريقة التلاوة ، فلا يتصور أن مقدار الحركة عند من يقرأ بقراءة التحقيق المتأنية ، هو نفس مقدارها عند من يقرأ بقراءة الحدر السريعة ، والله أعلم .

خمس حركات : وتكون في المد المتصل وجوبا ، والمنفصل ومد الصلة الكبرى جوازا ، ويطلق على هذا المقدار : "فويق التوسط" .

أربع حركات : وتكون في المد المتصل ، في أحد أوجهه ، وجوبا ، والمنفصل والمد العارض للسكون ومد اللين العارض للسكون جوازا ، ويطلق على هذا المقدار : "التوسط" .

حركتان : وتكون في المد الطبيعي وما يندرج تحته كمد الصلة الصغرى ومد العوض ومد التمكين ، ومد البدل عند غير ورش ، رحمه الله ، والمد المنفصل والمد العارض للسكون ومد اللين العارض للسكون ومد الصلة الكبرى إن قصرتها ، على تفصيل يأتي لكل ذلك إن شاء الله .

ثم شرع الناظم ، رحمه الله ، في بيان أول الأنواع ، فقال :
فواجب إن جاء همز بعد مد ******* في كلمة وذا بمتصل يعد
فالمد المتصل صورته : أن يأتي بعد حرف المد همز في نفس الكلمة ، سواء تطرفت الهمزة ، أي جاءت في آخر الكلمة ، كما في :
قوله تعالى : (جاء) ، وقوله تعالى : (سيئ) ، وقوله تعالى : (قروء) .
أو لم تتطرف ، كما في :
قوله تعالى : (أولئك) .

وأما حكمه : فهو الوجوب شرعا ، لوروده نصا عن ابن مسعود رضي الله عنه .
يقول ابن الجزري رحمه الله : (تتبعت قصر المتصل ، فلم أجده في قراءة صحيحة ولا شاذة) ، وهذا استقراء كامل من إمام معتمد في هذا الفن ، فلا محيد عنه ، والله أعلم .

يقول الشيخ الضباع رحمه الله :
وله ، أي المد المتصل ، محل اتفاق ومحل اختلاف :
فمحل الاتفاق : هو أن القراء اتفقوا على اعتبار أثر الهمزة ، وهو الزيادة المسماة بالمد الفرعي . اهـــــ .
فلا يوجد قارئ إلا وقد اعتبر هذا الأثر ، ولو بحركة واحد زائدة عن مقدار المد الطبيعي كما سيأتي إن شاء الله .

ومحل الاختلاف هو : تفاوتهم في مقدار تلك الزيادة ، على حسب مذاهبهم فيه :
فأطولهم مدا : "ورش" و"حمزة" ، رحمهما الله ، وقدر بثلاث ألفات ، والألف هنا هي : ألف المد ، ومقدار مدها في حالة المد الطبيعي : حركتان ، فيكون المجموع 3 * 2 = 6 حركات ، وهذا حالهما في المنفصل ، فهما أطول الناس مدا في البابين ، والله أعلم .

ثم عاصم ، رحمه الله ، بألفين وألفين ونصف ، (أي أربع أو خمس حركات) ، وإن تطرف الهمز ووقف القارئ عليه ، كما في قوله تعالى : (والسماء) ، زيد في الحركات حركة واحدة فأصبحت ست حركات .

ثم الشامي وعلي ، رحمهما الله ، بألفين ، (أي أربع حركات) .

ثم قالون وابن كثير وأبو عمرو ، رحمهم الله ، بألفين وألف ونصف ، (أي أربع أو ثلاث حركات) ، وهذا أقل ما ورد في هذا النوع ، والله أعلم .

والحاصل بالنسبة لمن يقرأ بقراء حفص عن عاصم ، كما هو الحال عندنا في مصر وفي المشرق ، أنه يمد المتصل (أربع أو خمس حركات) ، إلا إن تطرف الهمز ووقف القارئ عليه فإنه يمد : (ست حركات) ، والله أعلم .
بتصرف من "منحة ذي الجلال" ص97 .

مسألة :
وجه المد في هذا النوع : أن حرف المد ضعيف والهمز قوي صعب ، لأنه من حروف الحلق ، وهي أشد الحروف ، فزيد في المد تقوية للضعيف عند مجاورة القوي ، فكأن المد عماد لحرف المد الضعيف ليقوى على النهوض أمام الهمز القوي .

وقيل : ليتمكن من النطق بالهمزة على حقها من شدتها وجهرها ، فكأن المد هنا لمراعاة الأقوى لا الأضعف ، لأنه يخشى من سريان الضعف من حرف المد إلى الهمزة المجاورة له عند النطق .

وقيل : ليستعان به على النطق بالهمزة ، وليكون صونا لحرف المد عن أن يسقط عند الإسراع لخفائه وصعوبة الهمز ، فكأن هذا القول قد جمع القولين السابقين فراعى ضعف حرف المد ، وشدة الهمز ، والله أعلم .

وأما وجه التفاوت في مراتب المد فلأجل مراعاة سنن القراءة ، فالقراءة سنة متبعة ، كما سبقت الإشارة إلى ذلك ، وكل قارئ يلتزم في قراءته بما صح إسناده عنده .

بتصرف من "منحة ذي الجلال" ص97 .

والله أعلى وأعلم .
يتبع إن شاء الله .

مهاجر
07-11-2006, 01:22 AM
بسم الله


السلام عليكم

عذرا ، أيها الكرام ، على الانقطاع خلال الفترة الماضية ، وعودة إلى المنظومة
إذ شرع الناظم ، رحمه الله ، في بيان أحكام المد الجائز ، فبدأ بـــ "المد المنفصل" :
وجائز مد وقصر إن فصل ******* كل بكلمة وهذا "المنفصل"
فالمد المنفصل ، كالمتصل ، يشترط فيه وقوع الهمز بعد حرف المد ، ولكن في المنفصل يلزم أن يكون حرف المد في آخر كلمة ، والهمز في أول الكلمة التالية ، أي أنه لا يقع إلا من كلمتين منفصلتين ، خلاف المتصل الذي يقع من كلمة واحدة كما سبقت الإشارة إلى ذلك .

ومن أمثلته :
قوله تعالى : (بما أنزل) ، فحرف المد ، الألف ، وقع في آخر كلمة "بما" ، والهمز وقع في أول الكلمة التالية "أنزل" .

قوله تعالى : (قوا أنفسكم) ، فحرف المد ، الواو ، وقع في آخر كلمة "قوا" ، والهمز وقع في أول الكلمة التالية "أنفسكم" .

قوله تعالى : (في أمها) ، فحرف المد ، الياء ، وقع في آخر كلمة "في" ، والهمز وقع في أول الكلمة التالية "أمها" .

وكما هو الحال في المتصل ، فإن القراء متفاوتون في المنفصل على قدر مراتبهم في التحقيق والترتيل والتوسط والحدر أيضا .

فأطولهم مدا : "ورش" و"حمزة" ، رحمهما الله ، وقدر بثلاث ألفات ، فهما أطول الناس مدا في بابي المتصل والمنفصل ، كما سبقت الإشارة إلى ذلك ، والله أعلم .

ثم عاصم ، رحمه الله ، بألفين وألفين ونصف .
ثم ابن عامر الشامي والكسائي ، رحمهما الله ، بألفين .
ثم ابن كثير والسوسي ، رحمهما الله ، بألف فقط ، وهذا أقل ما ورد في هذا النوع ، والله أعلم .

يقول الشيخ الضباع رحمه الله :
وهذه الرتبة الأخيرة ، "أي رتبة ابن كثير والسوسي رحمهما الله" ، عارية عن المد الفرعي ، وهي الخامسة الزائدة على المتصل .
فهي لا مد فرعي فيها أصلا ، وإنما يقتصر فيها على المد الطبيعي .

ويواصل الشيخ ، رحمه الله ، فيقول :
والحاصل : أن المد المنفصل والمتصل اتفقا في الزيادة ، وتفاوتا في النقص ، فلا يجوز فيهما الزيادة على ست حركات ، ولا يجوز نقص المتصل عن ثلاث حركات ولا المنفصل عن حركتين .

ثم إن المد المنفصل لا يجري حكمه المتقدم من اعتبار المراتب إلا في الوصل ، فلو وقف القارئ على حرف المد عاد إلى أصله وسقط المد الزائد لعدم موجبه .
بتصرف يسير من "منحة ذي الجلال" ص98_99 .

بمعنى أنه إذا وقف القارئ ، على سبيل المثال ، على : (بما) ، في قوله تعالى : (بما أنزل) ، وكان ممن يمد المنفصل ، فإنه لا يمد ، لأن هذا المد لا يثبت إلا في حالة الوصل فقط ، وبطبيعة الحال ، هذا الوقف غير متصور في المد المتصل ، لأنه يقع في كلمة واحدة ، ولا يتصور أن يقف القارئ على جزء كلمة إلا لعارض طارئ لا يصح إطلاق الوقف عليه أصلا ، فهو خلاف الوقف الاضطراري على آخر كلمة لقصر النفس أو ما شابه ذلك ، والله أعلم .

ثم شرع الناظم ، رحمه الله ، في الكلام على المد العارض بالسكون ، فقال :
ومثل ذا إن عرض السكون ******* وقفا كــــ "تعلمون" ، "نستعين"

ويندرج في المد العارض للسكون ، مد اللين العارض للسكون ، لاشتراكهما في السكون وقفا لا وصلا ، فهو يقع في حالة إذا ما كان حرف المد أو حرف اللين ، هو الحرف قبل الأخير في الكلمة ، وتبعهما حرف متحرك ، فلما وقف القارئ على الحرف المتحرك سكن ، فنجم عن ذلك التقاء ساكنين ، أحدهما أصلي وهو : سكون حرف المد ، (الذي يكون دائما ساكنا موافقا لجنس حركة الحرف الذي يسبقه) ، أو حرف اللين ، (الذي يكون ساكنا ما قبله مفتوح) ، والآخر عارض وهو : سكون الحرف الأخير في الكلمة ، وهو أصلا متحرك ، إلا أن القارئ لما وقف عليه سكنه ، والتقاء الساكنين سواء كان أحدهما أصلي والآخر عارض كما في هذه الصورة ، أو كان كلاهما أصلي كما في المد اللازم ، أمر مستقبح في لغة العرب ، فيجتنب بالمد ، وعليه يمد القارئ هنا : المد العارض للسكون ، أو مد اللين العارض للسكون ، ويكون مقدار المد : 2 أو 4 أو 6 حركات ، ومن ذلك :

قوله تعالى : (تعلمون) ، إن وقفت على النون ، فالحرف قبل الأخير ، حرف مد ، وهو واو المد ، وما بعده أصله متحرك بالفتح ، وهو حرف النون ، فلما وقف القارئ على النون ، سكنت ، فالتقت واو المد الساكنة مع النون الساكنة عرضا ، وهذا هو السبب الثاني من أسباب المد الفرعي ، وهو مجيء السكون الأصلي أو العارض كما في هذا المثال ، بعد حرف المد ، فيمد القارئ عند الوقوف على النون : 2 أو 4 أو 6 حركات ، والله أعلم .

وكذا قوله تعالى : (نستعين) ، إن وقفت على النون ، فيكون سبب المد التقاء ياء المد الساكنة مع النون الساكنة عرضا .

وقوله تعالى : (المآب) ، إن وقفت على الباء ، فيكون سبب المد التقاء ألف المد الساكنة مع الباء الساكنة عرضا .


وأما في قوله تعالى : (خوف) ، فالواو هنا واو لين لا مد ، لأنها ساكنة مفتوح ما قبلها ، فلا تكون واو مد لأنها ليست من جنس حركة ما قبلها ، أو لأن حركة ما قبلها ليست من جنسها ، فإذا وقف القارئ على الفاء تولد سكون عارض ، فالتقى الساكنان : سكون واو اللين ، وسكون الفاء العارض ، فيمد القارئ : 2 أو 4 أو 6 حركات ، ولكن يميز هذا المد بوجود حرف لين فيه ، فيقال : مد لين عارض للسكون ، والله أعلم .

وكذا في قوله تعالى : (والصيف) ، إن وقفت على الفاء ، فيكون سبب المد التقاء ياء اللين الساكنة مع الفاء الساكنة عرضا .

وقوله تعالى : (العين) ، إن وقفت على النون ، فيكون سبب المد التقاء ياء اللين الساكنة مع النون الساكنة عرضا .

ملاحظات :
أولا : المد العارض للسكون أقوى من مد اللين العارض للسكون ، وإن تساويا في مقدار المد ، لأن حرف المد الأصلي أقوى من حرف اللين .

ثانيا : لا تتحقق صورة هذين المدين إلا عند الوقف ، أما إن وصل القارئ ، فلا مد فرعي ، وإنما يكون المد هنا مدا طبيعيا مقداره حركتان ، فهو ، من اسمه ، مد عارض ، شرطه الوقف العارض .

ثالثا : يلزم القارئ توحيد القراءة ، فإن التزم المد في هذه الصورة : حركتين ، فليمد طوال قراءته بهذا المقدار كلما عرض له هذا المد ، وإن التزم : أربعا فأربع ، وإن التزم ستا فست ، وهناك وجه آخر يجوز اختلاف مقدار المد في القراءة الواحدة ، فيمد مرة حركتين ، ومرة 4 حركات ، ومرة 6 حركات ، أو : 2 و 4 ، أو : 2و 6 ، أو : 4 و 6 .......................... ، وتوحيد القراءة أصح ، والله أعلم .

رابعا : لهذا المد ، كما تقدم ، 3 أوجه :
أولا : وجه الطول : ومقداره 6 حركات ، وتخريج هذا الوجه : مساواته بالمد اللازم ، الذي يكون فيه كلا السكونين أصليا ، فكأن القارئ هنا يعتد بالسكون العارض اعتدادا كاملا ، فينزله منزلة السكون الأصلي ، ويمد تبعا لذلك 6 حركات كالمد اللازم .
ثانيا : وجه التوسط : ومقداره 4 حركات ، وتخريج هذا الوجه : أن القارئ يراعي اجتماع الساكنين ولكنه في نفس الوقت لا يسوي بين سكونين أصليين ، كسكوني اللازم ، وسكونين أحدهما أصلي والآخر عارض كما في هذا النوع .
ثالثا : وجه القصر : ومقداره حركتان ، وتخريج هذا الوجه : أن السكون عارض لا أصلي ، والوقف يجوز فيه التقاء الساكنين بلا إشكال ، فكأن القارئ هنا يهمل التقاء هذين الساكنين إهمالا كاملا لجواز التقاءهما وقفا ، كما تقدم ، دون إشكال .

بتصرف من "منحة ذي الجلال" ص100_101 .

والله أعلى وأعلم

يتبع إن شاء الله

مهاجر
16-11-2006, 03:44 AM
بسم الله

السلام عليكم

وبعده مد البدل ، وفيه يقول الناظم رحمه الله :
أو قدم الهمز على المد وذا ******* بدل كـــ "ءامنوا" و "إيمانا" خذا

وسبب هذا المد ، كما أشار إلى ذلك الناظم رحمه الله ، تقدم سبب المد "الهمز" ، على حرف المد ، عكس الصورة القياسية للمد ، كما في :

قوله تعالى : (ءامنوا) : حيث تقدم الهمز على ألف المد ، وأصل الكلمة : أأمنوا ، بهمزة مفتوحة يليها همزة ساكنة ، والقاعدة الصرفية : أنه إذا اجتمع مثلان "أي حرفان متماثلان" ، كالهمزتين في "أأمنوا" ، أولهما متحرك والثاني ساكن ، فإن الثاني يقلب إلى حرف مد من جنس حركة الحرف الأول ، وجنس حركة الحرف الأول هنا الفتح ، فناسب أن تقلب الهمزة الثانية إلى ألف مد ، لأن الفتح يناسبه الألف ، فأصبح اللفظ : "ءامنوا" ، والله أعلم .

وكذا قوله تعالى : (إيمانا) : حيث تقدم الهمز على ياء المد ، وأصل الكلمة : (إأمانا) ، بهمزة مكسورة يليها همزة ساكنة ، فناسب أن تقلب الهمزة الثانية إلى ياء مد ساكنة ، فأصبح اللفظ : "إيمانا" .

وقوله تعالى : (أوتي) : حيث تقدم الهمز على واو المد ، وأصل الكلمة : أأتي ، بهمزة مضمومة يليها همزة ساكنة ، فناسب أن تقلب الهمزة الثانية إلى واو مد ساكنة ، فأصبح اللفظ : "أوتي" .

ومقدار هذا المد ، عند غير ورش رحمه الله ، حركتان ، فهو كالمد الطبيعي ، والله أعلم .

ملاحظة :
قد يجتمع مد البدل مع مد آخر في نفس الموضع ، وعليه يقال بأنه : إذا اجتمع سببان للمد قدم أقواهما ، فعلى سبيل المثال :
يقدم المد المنفصل على مد البدل في قوله تعالى : (رءا أيديهم) ، فــ "ألف المد" في "رءا" ، مسبوقة بهمزة ، وهذا هو سبب مد البدل ، ومتبوعة بهمزة "أيديهم" ، التي وقعت في الكلمة التالية ، وهذا هو سبب المد المنفصل ، فيقدم المنفصل على البدل لأنه أقوى منه ، والله أعلم .

وكذا في قوله تعالى : (وجاءوا أباهم) ، فــ " واو المد" في "جاءوا" ، مسبوقة بهمزة ، وهذا هو سبب مد البدل ، ومتبوعة بهمزة "أباهم" ، التي وقعت في الكلمة التالية ، وهذا هو سبب المد المنفصل ، فيقدم المنفصل على البدل لأنه أقوى منه ، والله أعلم .

ويقدم المد المتصل على مد البدل في قوله تعالى : (ورئاء الناس) ، فــ " ألف المد" في "رئاء" ، مسبوقة بهمزة ، وهذا هو سبب مد البدل ، ومتبوعة بهمزة وقعت في نفس الكلمة ، وهذا هو سبب المد المتصل ، فيقدم المتصل على البدل لأنه أقوى منه ، والله أعلم .

ويقدم المد اللازم على مد البدل في قوله تعالى : (ءآمين) ، فــ " ألف المد" في "ءآمين" ، مسبوقة بهمزة ، وهذا هو سبب مد البدل ، ومتبوعة بسكون أصلي ، هو سكون أولى ميمي الميم المشددة الواقعة بعد حرف المد ، وهذا هو سبب المد اللازم ، فيقدم اللازم على البدل لأنه أقوى منه .

بتصرف من "منحة ذي الجلال" ص105_106 .


ثم شرع الناظم ، رحمه الله ، في الكلام على المد اللازم ، وهو أقوى المد ، وأعلاها مقدارا ، فقال :
ولازم إن السكون أصلا ******* وصلا ووقفا بعد مد طولا

فالمد اللازم ، كما يظهر من البيت السابق ، شرطه : أن يأتي بعد حرف المد السكون ، وهو السبب الثاني من أسباب المد ، فخرج بذلك المد المتصل والمنفصل لأن حرف المد فيهما يأتي بعده السبب الأول من أسباب المد وهو الهمز ، ولكن هذا السكون مقيد بكونه "أصليا" ، أي أنه من نفس بنية الكلمة لا عارض عليها بسبب الوقف ، فخرج بهذا القيد المد العارض للسكون ومد اللين العارض للسكون لأن السكون التالي لحرف المد فيهما سكون عارض نتيجة الوقف كما سبقت الإشارة إلى ذلك ، وهو ما أكده الناظم ، رحمه الله ، بقوله : وصلا ووقفا ، ليشير إلى أن السكون هنا من نفس بنية الكلمة لا كسكون المد العارض الذي يثبت وقفا لا وصلا ، والله أعلم .

وهو أقوى أنواع المد ، كما تقدم ، وحكمه : الوجوب ، ومقداره : 6 حركات ، ومن ذلك :

قوله تعالى : (الصاخة) ، فألف المد متبوعة بخاء مشددة ، والخاء المشددة في حقيقتها : خاء ساكنة متبوعة بخاء متحركة ، فتحصل لدينا : ألف مد ساكنة متبوعة بخاء ساكنة سكونا أصليا ، والتقاء ساكنين أمر مستقبح ، كما تقدم ، فيجتنب في هذه الصورة بالمد ، وبما أن السكون التالي لحرف المد هنا أصلي ، وقفا ووصلا ، فالمد حتم لازم في جميع الحالات ، والله أعلم .

وقوله تعالى : (الطامة) ، وما قيل في الآية السابقة يقال في هذه الآية ، إلا أن الحرف المشدد التالي لألف المد هنا هو الميم المشددة ، فنتج لدينا ، تبعا للتفصيل السابق ، ألف مد ساكنة متبوعة بميم ساكنة سكونا أصليا ، وعليه لزم المد .

وقوله تعالى : (الضالين) ، وقد اجتمع فيه نوعان من المد سببهما السكون :

فالأول : هو المد اللازم ، الذي سببه مجيء اللام المشددة بعد ألف المد الساكنة ، فنتج لدينا : ألف مد ساكنة متبوعة بلام ساكنة سكونا أصليا ، وهذا هو سبب المد اللازم ، فيمد القارئ وجوبا 6 حركات .

والثاني : مد عارض للسكون ، عند الوقوف على آخر الكلمة ، فينتج لدينا ياء مد ساكنة متبوعة بسكون غير أصلي ، وهذا قيد مهم جدا يتبين به الفرق بين النوعين ، كما تقدم ، وهذه صورة المد العارض ، ولكن لما كان سببه هنا غير أصلي ، أي أنه ليس من نفس بنية الكلمة ، كما هو الحال في اللازم ، جاز فيه المد والتوسط والقصر ، 2 أو 4 أو 6 حركات ، على التفصيل السابق في المد العارض ، والله أعلم .

وقوله تعالى : (أتحاجوني) ، وقد وقع فيه المد اللازم في موضعين :

الموضع الأول : ألف المد الساكنة المتبوعة بالجيم المشددة ، فينتج لدينا ألف مد ساكنة متبوعة بجيم ساكنة ، على التفصيل السابق .
والموضع الثاني : واو المد الساكنة المتبوعة بالنون المشددة ، فينتج لدينا واو مد ساكنة متبوعة بنون ساكنة ، على التفصيل السابق .

ويضيف الشيخ الضباع ، رحمه الله ، قيدا مهما لالتقاء الساكنين في هذا النوع ، فيقول :
ويشترط أن يكون الساكن متصلا بحرف المد في كلمته ، كما مثلنا ، فإن انفصل عنه تعين حذف المد لفظا نحو:

قوله تعالى : (وقالوا اتخذ) ، فواو المد الساكنة في "قالوا" منفصلة عن ألف الوصل الساكنة في "اتخذ" ، لذا يكون المد هنا مدا طبيعيا مقداره حركتان .

وقوله تعالى : (والمقيمي الصلاة) ، فياء المد الساكنة في "المقيمي" منفصلة عن ألف الوصل الساكنة في "الصلاة" ، لذا يكون المد هنا ، أيضا ، مدا طبيعيا مقداره حركتان .

وقوله تعالى : (إذا السماء) ، فألف المد الساكنة في "إذا" منفصلة عن ألف الوصل الساكنة في "السماء" ، لذا يكون المد هنا ، أيضا ، مدا طبيعيا مقداره حركتان .
بتصرف من منحة الجليل ص107_108 .

والله أعلى وأعلم

يتبع إن شاء الله

مهاجر
09-12-2006, 03:26 AM
بسم الله

السلام عليكم


عذرا أيها الكرام على هذا التأخير الذي أفقد الموضوع تتابعه .
وعودة إلى المنظومة :

إذ شرع الناظم ، رحمه الله ، في بيان أقسام هذا المد فقال :
أقسام لازم لديهم أربعة ******* وتلك كلمي وحرفي معه
كلاهما "مخفف مثقل" ******* فهذه "أربعة" تفصل

فتبين لنا من البيتين السابقين أن أقسام المد اللازم تؤول إلى 4 أقسام :
المد اللازم الكلمي ، ويتفرع عنه نوعان : كلمي مخفف وكلمي مثقل .
والمد اللازم الحرفي : ويتفرع عنه نوعان : حرفي مخفف وحرفي مثقل .

ثم شرع ، رحمه الله ، في بيان المد الكلمي ، بصفة عامة دون التطرق لأنواعه ، فقال :

فإن بكلمة سكون اجتمع ******* مع حرف مد فهو كلمي وقع

فشرطه ، كما تبين من الأمثلة السابقة ، أن يجتمع سكون أصلي مع حرف المد ، في كلمة واحدة ، ولذا سمي بالكلمي ، نحو :

قوله تعالى : (دابة) ، فلفظ : "دابة" كلمة تتكون من أكثر من حرف من حروف المعجم ، وقد وقعت فيها باء مشددة بعد ألف المد الساكنة ، فنتج لدينا اجتماع ساكنين أصليين : ألف المد والباء الأولى من بائي الباء المشددة ، فلزم المد ، كما سبقت الإشارة إلى ذلك في أكثر من موضع .

وثناه ببيان المد الحرفي ، بصفة عامة أيضا دون التطرق لأنواعه ، فقال :
أو في ثلاثي الحروف وجدا ******* والمد وسطه فحرفي بدا
فهو يقع في الحروف المقطعة الموجودة في أول السور بشرط : أن يكون هجاء الحرف على ثلاثة أحرف أوسطها حرف مد ، كما في :

قوله تعالى : (ن) ، فهجاء حرف (ن) : نون ، وهو كما يظهر يتكون من 3 أحرف ، أوسطها حرف مد وهو "الواو" ، وهو حرف ساكن جاء بعده نون ساكنة سكونا أصليا ، باعتبار أن الحروف المقطعة تقرأ منفصلة حرفا حرفا ، ولازم ذلك الوقوف على كل حرف ، فيتولد سكون في آخر هجائه ، كما هو الحال في النون التالية لواو المد في هذا المثال ، وعليه تتحقق صورة المد اللازم : اجتماع ساكنين أصليين ، أولهما حرف مد ، فيمده القارئ 6 حركات ، كما تقدم ، والله أعلم .

ومنه قوله تعالى : (ص) ، فهجاء حرف (ص) : صاد ، فهو أيضا ثلاثي ، وسطه ألف مد ساكنة متبوعة بدال ساكنة سكونا أصليا ، على التفصيل السابق ، وعليه تتحقق صورة المد اللازم ، فيمده القارئ 6 حركات ، والله أعلم .

بتصرف من منحة ذي الجلال ص110_111 .


ومن الإجمال إلى التفصيل حيث يقول الناظم رحمه الله :
كلاهما مثقل إن أدغما ******* مخفف كل إذا لم يدغما
فاللازم الكلمي ، كما تقدم ، ينقسم إلى قسمين :

القسم الأول : الكلمي المخفف :
وصورته أن يأتي في الكلمة بعد حرف المد ، حرف غير مشدد ، بشرط أن يكون ساكنا ، وقد ورد في موضعين في سورة يونس في :
قوله تعالى : (ءآلآن) ، فألف المد الساكنة متبوعة بلام ساكنة غير مشددة ، فيمد القارئ 6 حركات ، لاجتناب التقاء الساكنين ، كما تقدم ، دون تشديد ، لأن الحرف التالي لحرف المد غير مشدد ، فلا يتكلف القارئ تشديدا لا سبب له ، وفي الآية دلالة على ما تقدم في مسألة : إعمال أقوى السببين ، فقد اجتمع في هذه الكلمة سببان للمد :
أحدهما : المد اللازم ، وسبق تفصيله .
والآخر : مد البدل حيث تقدمت همزة الاستفهام ، سبب المد ، على حرف المد ، الألف الساكنة ، ومقداره حركتان .
وبطبيعة الحال يعمل هنا بأقوى السببين وهو المد اللازم ، فهو أقوى أنواع المد على الإطلاق ، والله أعلم .

ومن ذلك أيضا :
قوله تعالى : (محياي) ، عند من سكن الياء سكونا أصليا ، لا عارضا ، فاجتمع ساكنان أصليان : ألف المد والياء الساكنة غير المشددة ، فيكون المد : مدا لازما مخففا ، مقداره : 6 حركات ، وأما من وقف اضطرارا فإنه يمد أيضا 6 حركات أو 2 أو 4 ، لأن سبب المد في هذه الحالة ، وهو السكون ، غير أصلي ، فسكونه لأجل الوقف ، كما تقدم في المد العارض للسكون ، والله أعلم .

وأما القسم الثاني : فهو الكلمي المثقل :
وصورته أن يأتي بعد حرف المد ، حرف مشدد ، وهو كما سبق مكون من حرفين مدغمين أولهما ساكن وثانيهما متحرك ، فالتقى ساكنان أصليان ، كما في المد الكلمي المخفف ، فيمد القارئ ، أيضا ، 6 حركات ، ولكنه يراعي التشديد في الحرف التالي لحرف المد ، وهذا هو الفرق بين النوعين : المثقل والمخفف ، فمن ذلك :
قوله تعالى : (الحآقة) ، فألف المد الساكنة متبوعة بقاف مشددة .
وقوله تعالى : (الصآخة) ، فألف المد الساكنة متبوعة بخاء مشددة ، وسبقت الإشارة إلى هذه الأمثلة تفصيلا ، والله أعلم .

وأما الحرفي ، فهو لا يقع إلا في أوائل السور ، في الحروف المقطعة ، وهو ينقسم أيضا إلى قسمين :
القسم الأول : الحرفي المخفف ، وصورته أن يأتي حرف مد هجاءه 3 أحرف أوسطها حرف مد ، ولا يأتي بعده ما يوجب إدغامه فيه ، لئلا يتولد من هذا الإدغام حرف مشدد ينقل الصورة من المد الحرفي المخفف إلى المد الحرفي المثقل ، كما سيأتي إن شاء الله ، فمن ذلك :
قوله تعالى : (ص * والقرآن ذي الذكر) ، فــــ "ص" هجاءه : صاد ، بتسكين الدال ، فتحققت صورة المد اللازم : حرف مد متبوع بسكون أصلي ، ولم يأت بعد الدال في : صاد ما يوجب إدغامها فيه ، فالقارئ إن وقف عليها فلا شيء بعدها أصلا ، وإن وصل فلا إدغام للدال في الواو في "والقرآن" ، وعليه فلا حرف مشدد هنا يعقب حرف المد ، بل يعقبه حرف ساكن
مخفف ، وهذه هي صورة المد اللازم الحرفي المخفف .

وقوله تعالى : (ق * والقرآن المجيد) ، فــــ "ق" هجاءه : قاف ، بتسكين الفاء ، فتحققت صورة المد اللازم : حرف مد متبوع بسكون أصلي ، ولم يأت بعد الفاء في : قاف ما يوجب إدغامها فيه ، فالقارئ إن وقف عليها فلا شيء بعدها أصلا ، وإن وصل فلا إدغام للفاء في الواو في "والقرآن" ، وعليه فلا حرف مشدد هنا يعقب حرف المد ، بل يعقبه حرف ساكن مخفف ، وهذه هي صورة المد اللازم الحرفي ، كما تقدم ، والله أعلم .

وقوله تعالى : (ن * والقلم وما يسطرون) ، عند من يقف على "ن" ، ولا يصلها بما بعدها ، لأنه إن وصلها انقلبت الصورة إلى مد لازم حرفي مثقل ، كما سيأتي تفصيلا إن شاء الله ، فإن وقف على "نون" ، تحققت صورة المد اللازم الحرفي المخفف : واو مد ساكنة في "نون" بعدها نون ساكنة سكونا أصليا ، فيمد القارئ 6 حركات دون تشديد .

وقوله تعالى : (يس * والقرآن الحكيم) ، عند من يقف على "يس" ، ولا يصلها بما بعدها ، لأنه إن وصلها انقلبت الصورة إلى مد لازم حرفي مثقل ، كما سيأتي تفصيلا إن شاء الله ، فإن وقف على "يس" ، تحققت صورة المد اللازم الحرفي المخفف : ياء مد ساكنة في "سين" بعدها نون ساكنة سكونا أصليا ، فيمد القارئ 6 حركات دون تشديد .





وأما القسم الثاني فهو : الحرفي المثقل ، وصورته أن يأتي بعد حرف هجاءه 3 أحرف أوسطها حرف مد كاللام فهجائها : (لام) ، أن يأتي بعده لفظ أول حرف في هجائه يدغم في آخر حرف من هجاء الحرف الأول ، كالميم فإن هجائها : (ميم) ، فيدغم القارئ ميم آخر لفظ : لام في ميم أول لفظ : ميم ، وهو إدغام مثلين صغير كما تقدم ، فيتولد من هذا الإدغام ميم مشددة ، فتتحقق صورة المد اللازم المثقل ، لأن حرف المد ، وهو الألف الساكنة في : لام ، يكون في هذه الصورة متبوعا بميم مشددة ، نتجت من الإدغام السابق ، فمن ذلك :

قوله تعالى : (الم) ، فاللام تمد مدا لازما حرفيا مثقلا على التفصيل السابق .
وقوله تعالى : (طسم) ، فالسين هجاؤها : (سين) ، والميم بعدها هجاؤها : (ميم) ، فيدغم القارئ النون الساكنة في آخر : سين في الميم في أول : ميم ، كما سبق في أحكام النون الساكنة ، فيتولد من ذلك ميم مشددة ، فتتحقق صورة المد اللازم المثقل ، بوقوع حرف مشدد بعد حرف المد ، الياء الساكنة في "سين" ، على التفصيل السابق .

وقوله تعالى : (يس * والقرآن الحكيم) ، عند من يصل "يس" بـــ "والقرآن الحكيم" ، فلفظ : سين ، متبوع بواو ، فيكون الحكم عند الوصل : إدغام النون الساكنة في الواو كما تقدم في أحكام النون الساكنة ، فيتولد من ذلك واو مشددة ، فتتحقق صورة المد اللازم المثقل ، بوقوع حرف مشدد بعد حرف المد ، الياء الساكنة في "سين" ، على التفصيل السابق .

وقوله تعالى : (ن * والقلم وما يسطرون) ، عند من يصل "ن" بــــ "والقلم وما يسطرون" ، كالمثال السابق تماما .

بتصرف من منحة ذي الجلال ص112_113 .

والله أعلى وأعلم
يتبع إن شاء الله

خالد بن حميد
09-12-2006, 04:05 PM
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته

عودة طيبة
وبارك الله فيك

مهاجر
04-01-2007, 12:55 AM
بسم الله

السلام عليكم


كل عام وأنتم بخير أيها الكرام .
تقبل الله منا ومنكم .

متأخر كالعادة !!!! :) :)

حيث بدأ الناظم ، رحمه الله ، تفصيل القول في المد اللازم الحرفي فقال :
واللازم الحرفي أول السور ******* وجوده وفي "ثمان" انحصر
يجمعها حروف "كم عسل نقص" ******* وعين ذو وجهين والطول أخص

فالمد اللازم الحرفي بنوعيه المخفف والمثقل ، لا يقع إلا في أول السور ، أي في الحروف المقطعة في أوائل السور ، فلا يقع ، كالمد اللازم الكلمي ، في أواسط السور ، لأنه لا توجد في القرآن حروف تنطق مفردة مقطعة إلا في أوائل السور .

وحروف المد اللازم الحرفي يجمعها قولك : "كم عسل نقص" ، أو "سنقص علمك" ، أو
"عسلكم نقص" ، وكلها تمد مدا لازما حرفيا ، مقداره 6 حركات ، كما تقدم ، باستثناء "العين" ، فلها وجهان :
التوسط : ومقداره 4 حركات .
والطول : ومقداره 6 حركات ، وهو الأشهر ، كما أشار إلى ذلك الناظم ، رحمه الله ، بقوله :
"وعين ذو وجهين والطول أخص" .
وقيل هما :
الطول : ومقداره 6 حركات كما تقدم .
والقصر : ومقداره حركتان .
يقول الشيخ الضباع رحمه الله : ويتحصل منهما جواز الثلاثة . اهـــ ، وفي نسخة للناظم بدل الشطر الثاني من البيت الثاني "وعين ذو وجهين والطول أخص" : "وعين ثلث لكن الطول أخص" ، أي لها 3 أوجه ، أشهرها : الطول ، وهذا يؤيد القول بجواز جميع الأوجه المذكورة ، والله أعلم .

بتصرف يسير من "منحة ذي الجلال" ص115 .

وقد قسم الناظم ، رحمه الله ، حروف المد اللازم الحرفي إلى 3 أقسام ، فقال :
وما سوى الحرف الثلاثي لا ألف ******* فمده مدا طبيعيا ألف
وذاك أيضا في فواتح السور ******* في لفظ "حي طاهر" قد انحصر

فالقسم الأول : ما يمد مدا لازما ، وهو سبعة أحرف يجمعها قولك "من قص سلك" ، ولو تتبعت هذه الحروف في فواتح السور فإنك ستجد علامة المد عليها ، فهي تمد مدا لازما مقداره 6 حركات على الدوام ، ونلاحظ أن هذه الحروف عند كتابتها ، كـــ "ميم" و"نون" ، و"قاف" و"صاد" و"سين" و"لام" و"كاف" ، فإنها تتكون من 3 حروف ، أوسطها حرف مد من جنس حركة الحرف الذي يسبقه ، كـــ "الألف" في "قاف" و"الواو" في "نون" و"الياء" في "سين" ، ولما كانت هذه الحروف تنطق مقطعة ، فإن القارئ سيقف لا محالة على آخرها ، فيلتقي حرف المد الساكن مع سكون آخر الحرف عند قطعه ، فيمد القارئ مدا لازما لاجتناب التقاء الساكنين ، كما سبقت الإشارة إلى ذلك .

والقسم الثاني : ما يمد مدا طبيعيا ، وهو خمسة أحرف يجمعها قولك : "حي طهر" ، وقد أدخل الناظم ، رحمه الله ، معها الألف ، فقال : "حي طاهر" ، رغم أن الألف ، عند التحقيق ، كما أشار هو نفسه بقوله : "وما سوى الحرف الثلاثي لا ألف" ، عند التحقيق لا تدخل في هذا القسم لأنه لا حرف مد في هجاء الألف أصلا ، فلفظ "ألف" ، لا يوجد فيه حرف مد حتى يقال بمده مدا طبيعيا ، والملاحظ في حروف هذا القسم أنها تكتب على حرفين آخرهما حرف مد : "حا" ، "يا" ، "طا" ، "ها" ، "را" ، وعليه لا سبب للمد اللازم فيها لعدم التقاء ساكنين ، ولو تتبعت هذه الحروف في فواتح السور فإنك لن تجد علامة المد عليها ، فمدها ، كما تقدم : مد طبيعي مقداره حركتان ، والله أعلم .

والقسم الثالث : ما لا يمد أصلا ، وهو حرف "الألف" ، كما تقدم ، لأنه لا يوجد في بنيته حرف مد أصلا .

والقسم الرابع : ما يجوز فيه القصر والتوسط والمد وهو حرف "العين" ، من فاتحتي مريم والشورى ، "كهيعص" و "عسق" ، فالعين تختلف عن حروف القسم الأول في كونها تكتب على 3 أحرف أوسطها حرف لين ساكن ، وليس حرف مد ، لأن الياء في "عين" ، ساكنة مفتوح ما قبلها ، وعليه فإن حركة الحرف السابق لحرف المد ليست من جنس حرف المد ، فالعين في "عين" ، كما تقدم ، مفتوحة فناسبها من حروف المد الألف ومع ذلك جاء بعدها ياء لين ساكنة ، ولعل هذا هو السر في جواز القصر والتوسط بالإضافة إلى الطول ، لأن القارئ عندما يقطع الحرف عن تاليه سيقف على النون في "عين" ، فيتولد سكون بعد حرف اللين الساكن ، وهذه صورة مد اللين ، ومد اللين ، كما تقدم ، يمد : 2 أو 4 أو 6 حركات ، والله أعلم .
والعين ترسم عليها علامة المد تماما كحروف القسم الأول .
بتصرف من "منحة ذي الجلال" ص117_118 .

مسألة : كم حركة مد في : "الم" و "عسق" :
في "الم" ، "الألف" لا مد فيها أصلا ، و "اللام" من حروف القسم الأول التي تمد 6 حركات ، ويتولد عند إدغام ميم آخر "لام" في ميم أول "ميم" ، وهو إدغام مثلين صغير ، كما تقدم ، يتولد منه حركتان ، و"الميم" من حروف القسم الأول فتمد 6 حركات ، فيكون المجموع : 0+6+2+6 = 14

وفي "عسق" ، "العين" يجوز فيها 3 أوجه ، كما تقدم ، فيكون مدها على : 2 أو 4 أو 6 حركات ، ويتولد عند إخفاء النون في آخر "عين" وأول "سين" ، حركتان ، لأن النون الساكنة إذا أتى بعدها سين فإنها تخفى ، والغنة ملازمة للإخفاء ومقدارها حركتان كما تقدم ، و"السين" من حروف القسم الأول فتمد 6 حركات ، ويتولد عند إخفاء النون في آخر "سين" وأول "قاف" ، حركتان ، والقاف من حروف القسم الأول فتمد 6 حركات فيكون المجموع :
2+2+6+2+6 = 18 ، في حالة القصر في العين .
أو : 4+2+6+2+6 = 20 ، في حالة التوسط في العين .
أو : 6+2+6+2+6 = 22 ، في حالة الطول في العين ، والله أعلم .

ثم ختم الناظم ، رحمه الله ، بذكر كلمة جامعة لكل فواتح السور سواء كانت ممدودة أم مقصورة أم لا مد فيها أصلا أم يجوز فيها كل الأوجه فقال :
ويجمع الفواتح الأربع عشر ******* "صله سحيرا من قطعك" ذا اشتهر .

فهي : 14 حرف يجمعها :
قولك : "صله سحيرا من قطعك" ، أي بادر بصلح من قطعك ، ولو في وقت السحر قبل أن يسبقك إلى الفضل فيبدأ هو بصلحك .
أو قولك : "نص حكيم له سر قاطع" .
أو قولك : "سر حصين كلامه قطع"
أو قولك : "طرق سمعك النصيحة" .
بتصرف من "منحة ذي الجلال" ص118 .

وبهذا تكون أبيات المسائل العلمية في هذه المنظومة المباركة قد انتهت ، ولله الحمد والمنة ، وبقيت بعض المسائل الإضافية في باب المد يأتي الكلام عنها إن شاء الله .

والله أعلى وأعلم

يتبع ، مع المداخلة الأخيرة إن شاء الله .

مهاجر
15-02-2007, 11:49 PM
بسم الله

السلام عليكم

عذرا على هذا التوقف الطويل وهذه آخر مداخلة في هذه السلسلة إن شاء الله .
فتلخيص الأنواع السابقة :
أولا : المد الأصلي : وهو المد الطبيعي : وهو المد اللازم لاجتلاب النطق بالحرف ، ومقداره ، كما تقدم ، حركتان ، كما في قوله تعالى : (قال) ، فألف المد لم يأت بعدها أحد سببي المد الفرعي : الهمز أو السكون .

ثانيا : المد الفرعي : وهو المد الذي أتى فيه بعد حرف المد أحد سببي المد الفرعي : الهمز أو السكون ، وترتيبه تنازليا من حيث القوة :

أولا : المد اللازم : وهو أقوى الأنواع ، وسببه ، كما تقدم ، السكون الأصلي وقفا ووصلا الذي يأتي بعد حرف المد في كلمة واحدة ، كقوله تعالى : (الحاقة) ، ومقداره : 6 حركات .

ثانيا : المد المتصل : وسببه ، كما تقدم ، مجيء الهمز بعد حرف المد في كلمة واحدة ، كقوله تعالى : (السماء) ، ومقداره 4 أو 5 حركات (إذا تطرف الهمز ووقف القارئ عليه ، كالوقوف على الهمز في "السماء") ، وقد يقال في حالة الوقوف على الهمز في قوله تعالى : (السماء) ، أن حرف المد ساكن ، والسكون طارئ على الهمز بعده فوقع التقاء الساكنين في مد واجب المد ، وهذه هي صورة المد العارض للسكون ، وهو ، كما سبق يمد : 2 أو 4 أو 6 حركات ، فلقائل أن يقول : فلنمده بمقدار حركتين ، وهذا بطبيعة الحال غير جائز هنا لأنه ليس عارضا للسكون مطلقا ، فالحرف الساكن هنا هو الهمز ، وهو سبب أصيل للمد ، لا أي حرف ساكن آخر ، فيلزم هنا مراعاة سبب المد الأصلي الهمز ، فلا يمكن إهماله بأي حال من الأحوال ، ولو كان ساكنا ، ولقائل أن يقول : فلنمده بمقدار 4 حركات ، وهذا أيضا غير دقيق ، لأن المد المتصل يمد في حالة الوصل بمقدار 4 حركات ، فلم يحصل التمايز بين الصورتين ، فبقي لدينا احتمال واحد وهو مده بمقدار 6 حركات وهو الاحتمال الأخير وهو الصحيح هنا لأنه به يحصل التمايز بين صورة وصل الكلام أو الوقف على الهمز ، وفي نفس الوقت يراعي القارئ فيه سبب المد الأصلي الواجب ، والله أعلم .

ثالثا : المد العارض للسكون : وسببه ، كما تقدم ، سكون غير لازم أتى بعد حرف المد في كلمة واحدة ، كما في قوله تعالى : (وإياك نستعين) ، بالوقوف على النون ، ومقداره : 2 أو 4 أو 6 حركات .

رابعا : المد المنفصل : وسببه ، كما تقدم ، مجيء الهمز بعد حرف المد في كلمتين بحيث يكون حرف المد آخر كلمة والهمز في أول الكلمة التالية ، كما في قوله تعالى : (بما أنزل) ، ومقداره : 2 أو 4 أو 5 حركات ، وسبب تأخر هذا المد في الرتبة : أن حرف المد وسببه قد انفصلا بحيث أتى حرف المد في كلمة وسبب المد في كلمة أخرى ، بخلاف الأنواع السابقة التي اجتمع فيها حرف المد مع سببه في كلمة واحدة ، ولو وقف القارئ على الكلمة الأولى "التي تنتهي بحرف المد" ، كـــ : (بما) في هذه الآية ، لسقط المد وتحول إلى مد طبيعي .

خامسا : مد البدل : وسببه كما تقدم ، تقدم الهمز على حرف المد ، كما في قوله تعالى : (ءامنوا) ، ومقداره حركتان ، وهو أضعف أنواع المد ، لمخالفته الصورة الأصلية للمد الفرعي : وهي تقدم حرف المد على سببه لا العكس كما هو حاصل هنا ، والله أعلم .


وبهذا الترتيب قال الناظم :
أقوى المدود لازم فما اتصل ******* فعارض فذو انفصال فبدل .

وفائدة الترتيب السابق تظهر في أمرين :

أولا : عند اجتماع نوعين من المد في آية واحدة :
فإذا جاء مد منفصل بعد مد متصل في آية واحدة ، على سبيل المثال ، فمد القارئ المتصل : 4 حركات ، فإنه لا يصح أن يمد المنفصل بعده بمقدار 5 حركات ، وإن كان هذا جائزا في الأصل ، لأن المنفصل يمد : 2 أو 4 أو 5 حركات ، كما تقدم ، لأن هذا يوهم السامع أن المنفصل أقوى من المتصل ، لأن الأول مد بمقدار : 5 حركات والثاني بمقدار 4 حركات ، وهذا أمر غير صحيح ، بطبيعة الحال ، وعليه يمد المنفصل في هذه الحالة بمقدار : 2 أو 4 حركات .

والعكس بالعكس ، فإذا جاء المتصل بعد المنفصل ، ومد القارئ المنفصل : 5 حركات ، فإن القارئ يمد المتصل أيضا : 5 حركات ، على الأقل ولا يمده : 4 حركات ، وإن كان هذا جائزا في الأصل ، لئلا يظن السامع أن المتصل أضعف من المنفصل حيث مد الأول 4 حركات والثاني 5 حركات .

ثانيا : عند اجتماع سببين للمد في كلمة واحدة ، فيقدم سبب المد الأقوى ، وسبقت الإشارة إلى ذلك ، كما في قوله تعالى : (ءآمين) : حيث اجتمع سبب مد البدل "بتقدم الهمز على حرف المد" ، وسبب المد اللازم "بمجيء سكون أصلي بعد حرف المد" ، فيقدم الثاني على الأول لأنه أقوى .

وكما في قوله تعالى : (وجاءوا أباهم) ، حيث اجتمع سببان للمد : سبب المد المنفصل "بمجيء الهمز بعد واو المد في كلمتين" ، وسبب مد البدل "بتقدم الهمز على واو المد" ، فيقدم المنفصل لأنه أقوى ، والله أعلم .

وبقيت بعض أنواع المد التي يذكرها علماء التجويد في كتبهم ومن أبرزها :

مد هاء الصلة ، وهو ينقسم إلى نوعين :
مد هاء الصلة الصغرى : وفيه تأتي هاء ضمير الغائب بين متحركين ، ليس الثاني منهما ، أي الذي يأتي بعدها ، همزا ، ومقداره : حركتان ، كما في :
قوله تعالى : (به قبل) ، فهاء ضمير الغائب وقعت بين باء وقاف متحركتين ، والثاني بطبيعة الحال ليس همزا .

وقد وقعت بعض الحالات الاستثنائية التي تحققت فيها صورة مد الصلة الصغرى ، ومع ذلك لا يمده القارئ ، كما في :
قوله تعالى : (يرضه لكم) ، فهاء الضمير وقعت بين ضاد ولام متحركتين ، ومع ذلك لم يحصل مد الصلة الصغرى في هذه الآية ، فوقع السبب وتخلف المسبب ، ولا يسأل في هذا الموضع عن سبب تخلف المد رغم تحقق صورته مراعاة لسنة القراءة ، فهي الضابط الأول في هذا الأمر ، كما سبقت الإشارة إلى ذلك .
وقوله تعالى : (أرجه وأخاه) ، فهاء الضمير وقعت بين جيم وواو متحركتين ، ومع ذلك لم يحصل مد الصلة الصغرى .

والنوع الثاني هو : مد هاء الصلة الكبرى : وفيه تأتي هاء الضمير بين متحركين ثانيهما ، أي الحرف الذي يأتي بعد الهاء : همز ، ومقداره : 2 أو 4 أو 6 حركات ، كما في :
قوله تعالى : (مقداره ألف) ، فهاء الضمير وقعت بين راء وهمزة متحركتين ، والهمزة هي التي وقعت بعد الهاء .

وكمد هاء الصلة الصغرى ، وقعت بعض الحالات الاستثنائية ، التي تحقق فيها السبب وتخلف المسبب مراعاة لسنة القراءة ، كما في :
قوله تعالى : (فألقه إليهم) ، فهاء الضمير وقعت بين قاف وهمزة متحركتين ، والهمزة هي الواقعة بعد الهاء ، ومع ذلك لا يمد القارئ لعدم مجيء الرواية بالمد .

وأما في قوله تعالى : (افتراه بل) : فيظهر أن الهاء وقعت بين ساكن وهو "ألف المد" ومتحرك وهو "الباء" فلم تتحقق صورة مد الصلة الصغرى فلا يمد القارئ ، وقد يشتبه الأمر على القارئ إذا اعتبر حركة الحرف السابق لحرف المد ، وهو بطبيعة الحال متحرك بحيث يلائم حرف المد ، فيعتبرها حركة سابقة ، وحركة الحرف التالي للهاء حركة لاحقة ، وعليه يقال بأن صورة مد الصلة الصغرى قد تحققت فيمده القارئ ، وهذا أمر غير صحيح لأن الحركة السابقة ، كما تقدم ، ليست حركة حرف المد ، فهو ساكن دوما ، ولكنها حركة الحرف السابق له .

ورغم ذلك وقعت صورة استثنائية وهي :
قوله تعالى : (فيه مهانا) ، فالهاء وقعت بين حرف مد ساكن سابق "ياء المد" وميم متحركة لاحقة ، ومع ذلك وردت الرواية بالمد ، فوقع المسبب رغم تخلف السبب ، وربما كان السبب في ذلك أن في المد هنا زيادة تنبه السامع لتمكن العذاب من الكافر ، والله أعلم .

ومن أنواعه أيضا :
مد العوض : وفيه يقف القارئ على تنوين مفتوح ، وهو عند التحقيق أحد فروع المد الطبيعي ، كما في قوله تعالى : (وجنات ألفافا) ، فإذا وقف القارئ على "ألفافا" ، فإنه يمد حركتين عوضا عن التنوين .

ومد التمكين : للفصل بين واوين أو ياءين ، وهو أيضا ، عند التحقيق ، أحد فروع المد الطبيعي ، كما في قوله تعالى : (آمنوا وعملوا) ، فيمد القارئ حركتين للفصل بين : واو المد في "آمنوا" والواو المتحركة في "وعملوا" .

ومد الفرق : وهو عبارة عن مد الألف التي يؤتى بها بدلا من همزة الوصل في قوله تعالى : (الآن) وسميت بذلك لأنها تفرق بين الاستفهام والخبر ، فهي بالمد استفهامية ، وبالقصر خبرية ، ومقدار هذا المد : 6 حركات ، فهو عند التحقيق : مد لازم كلمي مخفف ، لأن ألف المد متبوعة بلام ساكنة في كلمة واحدة ، كما سبقت الإشارة إلى ذلك .

والله أعلى وأعلم .
تم بحمد الله .

ملاحظة :
المعلومات التي ذكرت في هذه المداخلات مستفادة من :
كلام الشيخ علي محمد الضباع ، رحمه الله ، في "منحة ذي الجلال في شرح تحفة الأطفال" ، وكلام أحد المشايخ الكرام ، عندنا في مصر ، ويدعى الدكتور : عبد الله ، ولا أعرف بقية اسمه للأسف الشديد ، من محاضرات ألقاها في أحد المراكز الإسلامية عندنا في القاهرة شرح فيها المتن كاملا ، فجزاه الله عني وعن إخواني خيرا .