المساعد الشخصي الرقمي

اعرض النسخة الكاملة : إشكالية المصطلح النقدي "الأدب النسوي"



نورس بلا مجثم
13-10-2006, 01:07 PM
إشكالية المصطلح النقدي "الأدب النسوي"

في كل يوم تطالعنا الصحف و المجلات العربية بدراسات وقراءات نقدية و تقام ندوات هنا وهناك تتعرض لقضية تم تصويرها على أنها "شائكة" و "يستحيل البت فيها" و غيره الكثير. ألا وهي قضية "الأدب النسائي". جدواه و محموله و مدى الاعتراف به أو عدمه. و تتعالى الصيحات و تصل أحيانا حد الصراخ الحاد " أنا أرفض!!! و أنا مع!! و أنا ضد!!! و يختلف النقاد و الأدباء على حد سواء.
ليس المهم "لغة أنثوية" أم "لغة ذكورية" بل المهم هي "اللغة الإنسانية" لتكون بوتقة ينصهر فيها الجميع، لغة مستحدثة وموضوعية لا تميز ولا تأخذ بعين الاعتبار مفهوم الجنس. فليس هناك "إبداع ذكوري" و"إبداع أنثوي" ، فلننطلق جميعا إلى تلك الفضاءات الشاسعة التي تنير الروح الإنسانية الجمعية. وما نجده من خصوصية تحملها الكتابات السردية الإبداعية للمرأة هي نتيجة عزوف الرجل عن الولوج إلى تلك المساحات من الكتابة التي تهتم بتجسيد التفاصيل الدقيقة والمهمشة التي تحياها المرأة في المجتمعات الذكورية المتسلطة، فكان لا بد من وقوف المرأة للتصدي لهذا التغييب –وهذا مأخذ يؤخذ على الأعمال التي ينتجها الرجل التي تغيب عن مساحاته تناول شؤون وقضايا المرأة، ناهيك عن حب السيطرة والقهر الذي أوقع على المرأة منذ عصور التاريخ الأولى ، بالإضافة إلى رفض كتابات المرأة وابتعاد النقاد عن تناول نصوصها، فلا تعدو إشكالية المصطلح النقدي "نظرية الأدب النسوي" سوى مجرد خطيئة ذكورية.
لم تعد الكتابة الأدبية مقتصرة على أنماط معينة تتسم بعموميتها وتتبع عصورا أو حقبا زمنية محددة فحسب، حيث نستطيع أن نلحظ وجود أدب خاص بشرائح وقطاعات معينة في المجتمعات، حيث تقوم تلك الطبقات بإنتاج وإفراز أنماط معينة لها سماتها من الكتابة الأدبية يكون المحمول والمضمون فيها معبرا ومصورا لما يعايشون في كل صباح من صباحات الحياة. وتتجلى إحدى غابات هذا النمط السردي من الأدب في ترجمة حال هذه الشريحة المعينة من فئات المجتمع وطبيعة المصاعب والمشاكل التي يواجهون. وفي أغلب الأحيان يتم توجيه هذه الرسائل إلى العالم أجمع لتنصب في بوتقة الإنسانية. ومن الأمثلة على ذلك، إفراز أدب قائم بحد ذاته في الولايات المتحدة يدعى "Black Literature" أو "الأدب الأسود" حيث يقوم الزنوج على كتابته وإنتاجه ليطرح قضيتهم وما يواجهون من تمييز عنصري وهمومهم. فتغدو كتاباتهم ذات صبفة تجسدها لوحات شكلتها مساحات ملونة بألوان القضايا والممارسات السلوكية التي يواجهونها ويعايشونها في واقعهم اليومي لتستحيل عملية الكتابة ضربا من ضروب المواجهة. بيد أن الطرح الضيق الذي يحده نطاق معين يكون سبيله الفناء والزوال بزوال القضايا التي يتناولها النص المعني حصرا بثيمات تلك القضايا. أو تكرار ذات كاتبه بنفاذ القضايا المطروحة واللجوء إلى تناولها من جديد، ولكن بأسلوب وشكل جديدين مع بقاء المضمون واحدا.
سنحاول الآن تناول بعض النظريات النقدية التي تسلط الضوء فوق مساحات ماهية الكتابة والإبداع الأدبي وشروطه التي لا بد لاي نص من استيفائها.
يقول كانت ‘Kant’ أن الفن – والأدب ضرب من ضروب الفن- لا يعدو سوى مساحة من الخيال وليس ضربا من ضروب التفكير الصرفة، وأن الفنان أو الكاتب هو إنسان الرؤيا، وشرط نجاح العمل الأدبي الأساسي هو منحه المتلقي السعادة والمتعة. ومن هنا يصل مفكرنا إلى عالمية الفن وعموميته. فالكاتب لا ينصح أو يوجه القارئ ولا يغذيه بأية أفكار أيا كان مصدرها، وإنما عليه فقط أن ينصت للجمال ويستمتع به متخذا إياه زادا لحبره.
حيث يجب عليك قبل أن تباشر فعل الكتابة الإبداعي أن تتجرد مما تحمله من أفكار وطروحات، و تكتب تأثير المتعة التي تمنحك إياها جمالية الموضوع المتناول. وهنا، سيتسم عملك بالعالمية والإبداع. وعليه، يكون Kant قد أوجد لغة مشتركة لجميع البشر لتغدو لغة عالمية دون قيود أو سمات تميزها عن غيرها من اللغات السردية التي تختص بشعوب معينة. وربما نستطيع تسميتها بلغة الروح أو مناجاة الذات الإنسانية من خلال التواصل بين ذات الكاتب والتي تمثل في الوقت نفسه ذات القارئ فيكون هذا التطابق، ومن ثم نخرج بلغة لكل البشر. وتستوقفنا بعض الأسئلة بناء على ما سبق: إن كان الأسلوب الجمالي هو الأهم في فعل الكتابة الإبداعي، فأين الرسالة التي يقدمها العمل الأدبي؟
وهل نحن نحيا في عصر مترف وخال من اللون الرمادي؟ وفي ظل حضور كل هذا القهر الذي بات يعايشه الإنسان، هل نستطيع تغييب همومنا وقضايانا وأطروحاتنا وما نطمح إليه عن مساحات النص؟ وإذا أراد Kant أن يقول: لا تكتب، بل دع الجمال يكتب عنك! فأين الجمال في عصر القبح والبشاعة الذي نحياه؟ وعليه، يبرز هذا التصادم بين ما يطرحه Kant وما يسمى بـ "نظرية الأدب النسوي" الذي تقوم على تناول قضايا المرأة والدفاع عن حقوقها وحمل الهم الأنثوي عبر مساحات النص.
لننتقل الآن إلى يونج الذي بنى نظريته النقدية والتي تتناول ماهية الإبداع وفعل الكتابة على ما أسماه بـ "" اللاشعور" أو "تيار اللاوعي الجمعي" والذي يمثل مصدر الإبداع الغني، وأن الأديب المبدع يستقي إبداعه من التجربة الأزلية للبشرية. وتولد حالة الوعي الوجودي مع ولادة الإنسان، أما تيار اللاشعور أو اللاوعي فإنه قديم قدم الإنسانية، وقد كشف العلم الحديث عن وجود جينات معينة تقوم بتوريث الإنسان المادة الخام لعلم النفس، وهذا المستوى من اللاشعور تفرزه حصيلة التجربة الإنسانية الجمعية التي يتوارثها معظم البشر عند ولادتهم (عن طريق انتقال تلك الجينات الموروثة ليشترك البشر جميعا فيها) وهذا هو سبب عدم استطاعتنا في أحيان عديدة الوصول إلى كينونة الاضطرابات النفسية والحالات التي نلج إليها في أحلامنا أو حتى في لحظات الصحو والصفاء. مثل رؤيتنا لمشاهد أو صور وأمور تعرضنا لها فقط ضمن مساحات الحلم ولم نر تلك الصور قط قبل ذلك، ولكننا بطريقة أو بأخرى نستشعر أنها كانت موجودة في أذهاننا ضمن مستوى ذهني نجهله. وعليه، فإن الإنسان يستطيع بطريقة ما الولوج إلى تلك المساحات الأزلية – ذهنيا على مستوى الفكر والروح- فلا يكون هناك سيطرة من قبل الكاتب على عمله الإبداعي لأنه وببساطة لا يستطيع أن يسيطر على تيار اللاوعي ومستوى اللاشعور اللاإرادي.
وبذلك، فإن – يونج- يقوم بالقضاء على الشخصية الفردية للكاتب وصولا إلى الذات الجمعية فلا يتناول العمل الأدبي لدى يونج شخصا واحدا، بل يتناول جميع البشر من خلال طرحه لثيمة إنسانية شمولية.
وبهذا يعد تقوقع بعض الكاتبات ضمن مساحات ضيقة عن طريق الاكتفاء بتناول قضايا المرأة مثل اقتصار بعض الكاتبات على تناول الثيمة النسوية في جميع أعمالها السردية القصصية لمجموعاتها القصصية إلغاء لشرط الإبداع الكتابي الإنساني الشمولي لديهن.
فقضية الظلم الذي يقع على المرأة قضية أزلية قديمة وقد طرأ عليها تغييرات مع مرور الزمن وحالها كحال أي قضية أخرى تزخر بها السيرة الإنسانية حيث تتنامى القضايا وتتغير بمرور عجلة الوقت. ويجب على أي نص أن يستوفي شرطا أساسيا ليتسم بالإبداع وهو أن تكون الرؤية لهذا النص مستقاة من مجموع مساحات اللاشعور الكلية التي وفرتها لنا حصيلة التجربة الإنسانية إلى يومنا هذا بغض النظر عن جنس كاتبه. وهنا تتضح ضرورة طرح الأسئلة التالية:
1- لماذا تنحصر جميع الأعمال السردية ذات الطابع النسوي ضمن المجموعات القصصية أو الأعمال الأدبية التي تنتجها المرأة؟
2- ولماذا لا يكون هناك بعض الأعمال السردية التي تتسم بطابع ومحمول نسوي تتضمنها مجموعة قصصية يقوم الرجل على كتابتها؟ وخصوصا أنها ثيمة إنسانية صرفة. وهل يعد هذا خروجا عن النص؟ هذه الاستفسارات بحاجة إلى إجابات من الطرفين.
المرأة بحاجة ماسة إلى الخروج من نطاق زوايا وجدران غرفة نسوية الكتابة والولوج إلى مساحات وأمدية الثيمة الإنسانية مع إفراد مساحة للسرد الذي يتبنى قضايا المرأة ويتناول شؤونها المختلفة والتأكيد على عدم التخلي عن هذا النمط من الكتابة السردية، ولكن أن لا يكون هذا التناول على حساب الإبداع وشمولية رسالة وجمالية هذا السحر المسمى بالأدب. فتقع الكاتبة التي تتناول الثيمة النسوية في أعمالها بشكل حصري في حبائل تكرار الذات وتكرار الطرح والمحمول لأعمالها.
ويتضح مما سبق أن ما يسمى بنظرية الأدب النسوي في عالم الكتابة والإبداع لا يعدو سوى خطيئة ذكورية أفرزتها مجموعة من الظروف والقوالب التي وضعت المرأة ضمنها، مثل حب السيطرة والقهر لدى الرجل والتعسف النقدي الذي تعرضت له نصوص المرأة وإبداعاتها و عدم منحها حق مشروعية الكتابة برفض الرجل لكتابات المرأة لغايات استمرار السيطرة والهيمنة الذكورية، ومنذ ذلك اليوم والمرأة أصبحت تحمل داخلها هواجس قضيتها.
والأملثة على ذلك عديدة ومنها حياة الكاتبة الإنجليزية فرجينيا وولف.
يبدو أنه من الضروري على الدارس الأخذ بعين الاعتبار معطيات العصر الذي عاشت فيه السيدة وولف بكامل حيثياته وموجوداته من معطيات اجتماعية بالنسبة للتقاليد التي كانت سائدة آنذاك، والقيم والحالة الاجتماعية لعائلة السيد لزلي ستيفن (والدها) مما أدى إلى توفر معطيات عديدة كان لها أكبر الأثر في خلق وتشكيل النص الأدبي المشبع بقضايا وهموم المرأة بمختلف حيثياته لدى الكاتبة. وهنا يبرز أثر المجتمع الذكوري المهيمن في شتى جوابنه الاجتماعية والاقتصادية والدينية وغيرها لتلعب دورا جوهريا، فلكل فعل ردة فعل مساوية له في المقدار ومعاكسة له في الاتجاه – وهذا ما يقره علم الفيزياء- غير أن الأمر مختلف في تناولنا للأدب، فنحن نتعامل مع عقول بشرية ذات تجارب شخصية متفاوتة الدرجات بين أفراد البشر. إحدى مسلمات ذلك العصر هو التحاق الفتية بمدارس لينالوا قدرا من العلم ومن ثم يتجهون إلى الجامعات وبالأخص "كامبرج" حيث أن هذا الأمر هو حق مشروع ومكتسب لهم. أما الفتيات وفي أغلب الأحيان لا يسمح لهن بالالتحاق بالجامعات حيث يتوجب على الفتاة أن تتقن في الطبخ والغزل وأساليب الحياة الاجتماعية السائدة لأنها تصلح لشيء واحد وهو الزواج نسبة إلى السائد آنذاك.
وكان لدى فرجينيا أخ يدعى جورج دوكوودث وهو من أب آخر غير لزلي ستيفن، حول حياة فرجينيا إلى جحيم من خلال تحرشه بها. فتحرشات جورج بها قد حطمت عالمها مما حذا بها إلى اتخاذ موقف دفاعي ضد الرجال.
وبهذا يتضح أن حياتها كانت زاخرة بالمعاناة جراء وجود أب طاغية وأخ كجوج دوكووودث، وحرمان أكاديمي وقع عليها وحاولت جاهدة التخلص منه باتجاهها إلى القراءة واعتمادها على ذاتها لحصيل المعرفة حيث عرفت بنهمها الشديد للقراءة. وعرفت فرجينيا أيضا بكرهها للعنف الذي يدل على التسلط الذكوري، وكان العالم مزدحما بالحروب ومتخما بالجبهات في تلك الأثناء:
اجتياح ألمانيا للنمسا وغزو إيطاليا للحبشة عام 1935، وحرب أهلية أسبانية عام 1936 واستيلاء اليابانيون على بكين عام 1937 مما أدى بها إلى تجنب الطرح السياسي في كتابتها.
واتصفت أيضا بحساسية بالغة تجاه النقد، وخاصة كلما شارفت على إصدار أحد أعمالها الأدبية. فكلما انتهت من كتابة أحد أعمالها انتابتها حالة من الذعر والقلق المزمن، ويعود ذلك إلى تجربتها مع النقاد الذين كانوا ينتقدون أسلوبها وانتاجها الإبداعي لمجرد أن مؤلف تلك الأعمال هي امرأة، لا لشيء سواه. ومما سبق، يتضح أنه بوجود هذه العوامل والظروف التي أحاطت عالمها وشكلته وهدمته في الآن نفسه، ومجموع القيود التي فرضها المجتمع والأدباء والنقاد في ذلك العصر مما ولد لديها كما هائلا من النوبات العصبية وحالات الانتكاسات الصحية، وأيضا شعور فرجينيا بالحرمان الأكاديمي وحصول رجال كامبرج على الامتنيازات وتحرشات جورج أدى إلى ولوج الكاتبة إلى مساحات "نظرية الأدب النسوي" من دون قصد وبشكل لا إرادي وغير متعمد منها، فكانت الكتابة لديها محاولة للتصالح مع الذات عن طريق محاولة رفع الظلم الذي وقع عليها. وهذا التعسف الذكوري هو ما أحال المساحات البيضاء لديها ساحة للسجال.
سنحاول الآن تناول عدد من الأعمال القصصية السردية لعدد من الكاتبات الأردنيات ضمن محاولة للوقوف على مدى خروج الكاتبة من نطاق دائرة الكتابة النسوية أو عدمه أو انتقال الكاتبة من مساحات الثيمة ذات الطابع النسوي إلى مساحات الثيمة الإنسانية الجمعية أو المزج بينهما.
ومن الأهمية بمكان أن نشير إلى الغاية المرجو بلوغها من هذا التناول، وهو العرض التشريحي لتلك الأعمال بما تحمله من قضايا وهموم وطروحات تمحورت حول قضية المرأة أو انطلقت نحو فضاءات أوسع، ومع التركيز على ضرورة استمرار إنتاج هذا النمط من السرد الذي يتسم بطابع نسوي لمواصلة رفع الظلم عن المرأة وتعزيز مكانتها في المجتمع أينما كانت. ولكن، مع الأخذ بعين الاعتبار أن لا يطغى هذا الطرح على مجمل المساحات السردية القصصية لدى الكاتبات فلا تعدو عملية السرد حينها سوى تكرارا لذات القاصة، بعد أن يتم استنزاف القضايا المطروحة ويتم الاتجاه إلى تناولها مرات عديدة أخرى، ولكن بأشكال جديدة بيد أن المضمون يبقى واحدا مكررا.
يستطيع القارئ ملاحظة اتسام قصة "ارتباك" من مجموعة "سيدة الخريف" للقاصة جميلة عمايرة بالثيمة النسوية لما تتناوله من تجسيد وتصوير لعلاقة تشوبها الكراهية والحقد ما بين طرفين هما الرجل والمرأة (هي و هو) حيث تصور القصة حياة صبية يتم استغلالها من قبل رجل مسن – وهذا الرجل هو صديق والدها المتوفى- ولطيبة هذا الرجل المسن وما أظهره من حسن النية فإن الصبية تقبل بالزواج منه وبمجرد ما أن يتم الزواج يتحول هذا الزوج إلى مفترس شرس نسي كيف تكون الرحمة فيحيل حياتها إلى جحيم متسما بالتسلط والهيمنة في سلوكياته تجاهها لإلغاء وجودها وفرض وجوده هو. ويتضح ذلك من خلال رواية المرأة- و هي الشخصية الرئيسية في العمل و الراوي أيضا لأحداث ومجريات القصة: "كان يريدني أن أبقى أسيرة عالمه وصوره" "حضوره الذي لم يكن بغير إلغائي، لاشيء غير قابل للنسيان مثل أن نكون ضحايا الإلغاء" وتمر الأيام ويموت العجوز غير أن المرأة لا تستطيع التخلص منه لما كان له من أثر سيء في حياتها "كنت أضع الصور أمامي لأقول له: "أنت مجرد صور على ورق. خيالات" وبالمقابل أؤكد لنفسي: "أنا الحاضرة الآن" ثم أحرقته صورة إثر صورة" وبهذا تتضح العدائية التي تكنها هي له، أما مصدرها فهو الظلم الذي ألحقه بها الزوج.
وتكتمل الشخصية الرئيسية سردها لمأساتها ومحاولتها التطهر والانعتاق من الذكرى السيئة والألم الذي سببه لها. وبهذا تكون القاصة قد قامت بتصوير هذه المشكلة الاجتماعية التي تذهب ضحيتها النساء. ومن ثم تقوم القاصة بمحاولة رد الظلم عن الشخصية الرئيسية في القصة لتقوم المرأة بوصف وصايا الزوج بالحكايات الخرفة وتتساءل حول إمكانية اتصافه بالإنسانية وتلقي بثيابه بعيدا بيد أنها تدرك أخيرا أنها مازالت أسيرته مع أنه مات وتركها لخياراتها. مما يدل على حجم التخوف والهلع اللذان تعيشانه "وصاياه التي أسماها حكمة العمر – حكايات خرفه يحفظها العجائز... أكان يملك روحا حينذاك؟... ألقيت بثياته التي أوصى بأن تبقى في خزانته، في حاوية القمامة، كانت أنانيته بشعة إلى هذا الحد، لم أرد له أن يتكرر، ولو بثيابه... أدركت بأنني أسيرته وهو ميت" وتزخر المساحة السردية بمثل هذا النمط من العبارات اللفظية.
وحب السيطرة لدى الزوج يحذو به إلى تغييب ذات زوجته ومصادرة كينونتها "كان يرديني ظلا له أو خيالا يلازمه... كنت أدور في فلكه كما أرادني منذ أول يوم قدمت فيه لمنزله.. ليس الموت معه ماكان يخيفني، بل الموت داخل ذاتي أنا" أما موت العجوز فقد ألحق بها هذا "الارتباك" فتقول: "ولم أحزن لموته قط بل ربما أحسست بمقت له أشد عمقا. لم أذرف دمعة واحدة، إذ أنني لم أستطع جلبها إلا للبكاء علي" وحتى رمزية العنوان تصب في بوتقة الثيمة النسوية "فالإرتباك" ماهو إلا هذه الثيمة التي تجسدها الكلمات الأخيرة في القصة بوضوح "وجسد يخشى انطلاقة حريته الوليدة" فهي تشعر بالارتباك الناتح عن خشيتها وخوفها من انطلاقة جديدة نحو الحياة بأن يتكرر ماحدث في الماضي "صرت حرة أخيرا. لكنني مازلت مكبلة بعجزي عن أن أغفر له.. أبدا.. لقد تحررت لكنني، مع هذا، أحتار في كيف أتحكم بهذه المساحة الكبيرة التي انفك عنها القيد... أقع في الحيرة والارتباك.. لكني أخاف خوفي من مجهول ما سوف تحمله الأيام القادمة". و عليه, نجد ان القاصة العمايرة كتبت قصة نسوية بحته.
سنحاول الآن تسليط الضوء فوق مساحات قصة أخرى وهي قصة "النافذة" حيث تحاول العمايرة هذه المرة تغييب ذات الكاتبة والوصول إلى ذات القارئ أو الذات الإنسانية من خلال توظيف أسلوب السرد الحداثوي وإبراز المحمول الحداثوي أيضا الذي ينصهر في بوتقة الثيمة الإنسانية. وقد أصبح الولوج إلى سيكولوجية الشخصية في الأعمال القصصية من السمات البارزة التي تتسم بها الآلية السردية الحداثوية. ويستطيع القارئ ملاحظة وجود نوعان من الحبكة تضمنتهما القصة، هما: حبكة الحدث والتي تستمد أحداثها من الأفعال اليومية والسلوكيات الحياتية في هذا العصر –عصر الحداثة، "كنت قد صرخت في وجه أمي.. ركبنا السيارة... أخذت أغني وأحث أخي على القيادة بسرعة .. وصلنا ساحة كبيرة... صفعني أخي على وجهي... ،نهضت بصعوبة ... صحت بصوتي.... تردد قليلا قبل أن يسارع إلى الخزانة ويفتحها.. سارع إليه ثلاثة رجال... الخ..." . وحبكة الشخصية كذلك والتي تصف الحالة النفسية والذهنية لشخصيات العمل السردي وما يختلجها من صراعات مع الآخر والذات أيضا. فتقوم الكاتبة بتصوير الحالة السيكولوجية التي تعايشها الشخصية الرئيسية في القصة التي تقوم بعملية السرد.
وتسجل الكاتبة ثيمة إنسانية وهي الحق المشروع للأم بأن ترعى أبناءها وحرمانها من الأمومة هي صفة بربرية لا تمت للإنسانية بصلة، ونتائجها وخيمة "وكنت قد صرخت في وجه أمي: أين طفلي؟ أني ذهبت بهما، لماذا أخفيتهما عني؟ أنا الأم، أمهما" ويؤدي هذا الحرمان إلى ولوج الشخصية لمساحات الحالة السيكولوجية المتمثلة بالاضطرابات التي تعانيها سواء أكانت صحية أم ذهنية. وتصف الشخصية الرئيسية في العمل حالتها الصحية الناتجة عن تعاطي العقاقير في المصح النفسي قائلة "صباح اليوم التالي هممت بالنهوض، إلا أنني لم أستطع، شعرت بالإنهاك، لم أفعل شيئا، يداي تؤلمانني، قدماي ثقيلتان مخدرتان. ماذا حدث؟ أنا عاجزة عن القيام بأية حركة كغسل وجهي مثلا، أو القيام بأداء تمارين الصباح الخفيفة التي اعتدت القيام بها في السابق؟".
أما مساحات الحالة الذهنية، فهما مساحة الوعي والتي تكون الشخصية فيها مدركة تماما لما يدور حولها من أحداث والمتمثل بإيمانها بأنها لا تعاني من أي مرض أو اضرابات نفسية "أنا منتبهة تماما، صافية الذهن.." وأيضا: " صحت بصوتي: من وضعها، ولماذا؟ لست مريضة، أنا لست مريضة". ومستوى اللاوعي، وهنا يتدخل العقل الباطني للشخصية الرافضة لصفة المرض ليؤكد على وجود الاضطرابات النفسية التي تعاني منها الشخصة الرئيسية "الكلمات، كلماتي أنا، فقدتها هي أيضا، كلماتي لم تعد لي، لحقت هي الأخرى بهم وانضمت إلى كلماتهم. لم يتبقى لي شيء. لم يتبقى لي أحد. حتى علاقتي بي أصبح يشوبها الخوف، والقلق، والكوابيس، ولم أعد أعرفني" . حتى أنها لم تعد قادرة على إدراك كم من الوقت مضى على وجودها في المصح "بعد زمن – لا أعرف- أطويل هو أم قصير على وجودي هنا وحيدة..".
وابتعاد العمايرة عن استخدام أسماء لشخصاتها بحيث اعتمدت المسميات لها مما ساهم في منح القارئ فرصة المشاركة في بناء العمل السردي من خلال تقمصه لدور ما ينتقيه بناء على المطابقة والتوافق بينه وبين شخصية معينة لاشتراك كلاهما في حبكة الحدث أو الشخصية عن طريق معايشة القارئ لنفس التجربة في مرحلة زمنية سابقة أو إمكانية ولوجه إلى مساحة مشابهة في المستبقل. فشخصياتها هي الأم التي تعاني من الاضطرابات النفسية والتي تعرف عن نفسها باستخدام ضمير المتكلم "أنا" في بداية السرد وأخاها ووالدتها والممرض العجوز وثلاثة رجال وطفلاها، دون استخدام أسماء. وقامت الكاتبة أيضا بتوظيف عملية الجمع بين الأضداد على المستوى الرمزي للعنوان والمستوى البنيوي للقصة – فهي نافذة، ولكنها في الواقع ليست نافذة، وهي قصة حداثوية ولكنها في الواقع ليست كذلك. فرمزية العنوان توحي بتوفير مساحات شاسعة يستخدمها القارئ لبناء العمل السردي.
فالنافذة هي مجرد مدخل لأشياء أخرى عديدة حيث يتم توظيف مفردات ذات دلالات مماثلة (باب، درب، طريق، مفترق طرق) وجميعها توحي ببدايات تمنح القارئ مساحة للتخيل وآفاق واسعة – على الأقل لمحاولة التنبؤ بماهية العمل وحداثيوته- أما نافذتنا هنا فهي معبر تنفذ منه خيوط الشمس المنسلة إلى المساحة المكانية التي تحيا ضمنها الشخصية الرئيسية في العمل "من النافذة المشرعة رأيت خيوط شمس العاشرة تتسلل إلى الغرفة" وما تلبث إلى أن تتحول إلى جدار لتضيف مايزيد عزلتها ووحدتها، حيث تغطيها الاتربة فتغدو الأم حبيسة جدران الغرفة الموصدة، ولتخدم تصاعد الحبكة في العمل "الغبار والأتربة بنيا سماكة قاتمة حجبت الرؤية عن زجاج النافذة: نافذتي إلى العالم وصلتي الوحيدة به" . وحتى ثقتها بكلماتها تضعف مع التقدم في عملية السرد لتصل إلى مرحلة تعلن فيها فقدانها لكلماتها التي لم تعد تجدي نفعا، مما يشير إلى سوء حالتها النفسية. وتسجل القاصة أيضا تحولا في البنية السردية للعمل، من سرد حداثوي سيكولوجي وصولا إلى النهاية المقفلة التي تحققها كاتبتنا بإنهاء حياة شخصيتها عندما تقوم بالانتحار الغير مقصود واللاإرادي مما يسلب القارئ الفرصة لمحاولة متابعة القصة ما بعد السطر الأخير، حيث تتميز الأعمال الحداثوية بنهايات مفتوحة- في أغلب الأحيان- ليقوم القارئ بمحاولة إقفال. وبذلك تسجل الكاتبة هذا التحول من الإيجابي إلى السلبي ضمن مستويات توحي بدلالات مختلفة، مثل (النافذة الجدار).
فتغدو قصة "النافذة" مزيجا من ثيمة سيكولوجية الشخصية وثيمة الأمومة، ويبدو واضحا أن السرد السكولوجي هو المسيطر على المساحات السردية للقصة. ومن الأهمية بمكان أن نشير إلى ثيمة ثالثة تضمنها العمل، وهي ثيمة الطبيعة أو "Nature" وهي ثيمة ذات طابع إنساني شمولي تم توظيفها منذ بدايات الكتابة السردية ببساطة لأنها قديمة قدم الإنسانية، أما العمارة والمجتمعات الحديثة فهي مولود حديث العهد.
وقد قام العديد من الكتاب العالميين بتوظيف عناصر الطبيعة في أعمالهم لتكون مساحة يهرب إليها الإنسان المعاصر لينشد الصفاء والخلاص من الماكينة المدنية التي يحيا ضمن مسنناتها الحادة، والأمثلة عديدة ونذكر منها:
مسرحية "Death of Salesman" أو "موت رجل المبيعات" للكاتب الأمريكي آرثر ملر. وتدور أحداث المسرحية حول "Willy Loman" الشخصية الرئيسية، وهو رجل مبيعات يحيا في عالم تحكمه المادية ويتم الاستغناء عن خدماته ويقوم الكاتب بطرح وتصوير المشكلات الاجتماعية الناتجة عن تحكم المذهب المادي في المجتمع الأمريكي وزيف ما يسمى بـ "الحلم الأمريكي" . وعليه، يلجأ Willy إلى الريف للهروب وبلوغ الخلاص (على طريقته) حيث ترمز الطبيعة هنا إلى الماضي بجميع أبعاده والانعتاق من سلطة المادية، فكان لا بد لـ ًWilly أن يتجه إلى الريف ليهجر حاضره المؤلم ويتجنب غده المعتم.
ويسجل الكاتب الإنجليزي "George Orwell" توظيف لثيمة الطبيعة في روايته الشهيرة "Coming up for Air" أو "تنفس الصعداء" والتي يلعب "George" دور الشخصية الرئيسية في الرواية، وهو موظف لدى شركة تأمين يسعى جاهدا إلى الذهاب في إجازة إلى منطقة "Lower Binfield" الريفية هروبا مما أحدثته مخرجات الثورة الصناعية من آفات وكوارث لحقت بالطبيعة وأوجدت مجتمعا مدنيا يدعي التحضر والإنسانية. أما George ، فإن الطبيعة تمنحه شعورا غامرا طافرا بالسعادة والصفاء فيشعر أنه مازال على قيد الحياة، على عكس ما تمنحه المجتمعات المتحضرة من مزاجية سوداوية متشائمة وقاتمة، فيقرر التوجه إلى بلدة Lower Binfield، لبلوغ السكينة والخلاص ولكنه يفاجئ عند بلوغها بأن الصناعيين قد حولوها هي أيضا إلى منطقة صناعية تملوها المصانع والآليات، وهنا يبكي حاضره ويستشعر الرماد القادم في المستقبل، وهذه الرؤية التي أراد الكاتب إيصالها إلى البشر والمتمثلة بأنهم موتى حتى ولو كانوا واقفين على أقدامهم لأنهم يحيون في عالم من التدهور المطرد، ولا سبيل لنجاتهم إلا ببلوغ الطبيعة والرجوع إلى الماضي الذي يمثل العالم المثالي.

ومن هنا تتضح أهمية هذه الثيمة الإنسانية التي توصل صاحبها إلى عالمية الخطاب وشمولية الطرح. وبعودة إلى قصة "النافذة" نجد أن العمايرة قد قامت بتوظيف هذه الثيمة والمتمثلة بوجود المصح في بيئة ريفية تدعو إلى السكينة، حيث يؤخذ المصابون باضطرابات نفسية إلى تلك الأمكنة لمساعدتهم على التماثل للشفاء. تقول الأم واصفة المصح "وصلنا ساحة كبيرة مبلطة، لامعة ونظيفة، تظللها أشجار الحور والسرو الخضراء، داخلها مبنى بطابقين اثنين.." . وباتضاح الاختلاف والتباين في المحمول والرؤية المطروحة ما بين قصة "النافذة" وقصة "ارتباك" نجد أن العمايرة تسجل خروجا من نطاق دائرة الكتابة ذات الطابع النسوي وولوجا إلى مساحات الثيمة الإنسانية المبنية على المحصلة الكلية للتجربة البشرية ضمن المساحات السردية للقصة "النافذة".
لنحاول الآن الانتقال إلى مساحة سردية أخرى بتناولنا للقصة القصيرة "ثوب"، للقاصة جواهر الرفايعة. ربما يتبادر إلى ذهن القارئ لأعمال الرفايعة أنها تكتب القصة القصيرة بيد أن الرفايعة استطاعت أن تستغل مجمل المساحة السردية لتكون القصة لديها بمثابة رواية طويلة تروي حكاية أزلية عهدتها البشرية منذ القدم وعايشها الإنسان مع ولادة أولى الأزمان بتصويرها الوضع الاجتماعي القاتم الذي تغدو فيه المرأة على قيد الحياة في المجتمعات الذكورية المهيمنة، فالفرق شاسع بين أن نحيا وأن نكون على قيد الحياة. يجسد العمل السردي لديها ذاك الاستلاب لحقوق ورغبات وطموحات وحتى أحلام المرأة وصولا إلى تغييب ذاتها ومصادرة كينونتها وعوالمها الداخلية وحتى إن تطلب الأمر محوا لذاكرة الجسد لتمحى الروح ويبقى الجسد.
ونلاحظ أيضا أن هناك مزيجا من الألوان تراشقت فوق المساحات البيضاء لتمنح الحياة للنص، حياة زاهية ومفعمة وحياة أخرى معتمة يملؤها الموت المتمثل بموت الذات للأنثى في القصة وتغييبها عن مساحات السرد. حيث تبدأ القاصة برسم لوحتها باستخدام ألوان زاهية لتعبر الفتاة عن فرحها وحيويتها المفعمة بالحياة، فتقول في أول سطر سردي "كنت أهيم في مد من الخضار" واللون الأخضر هو رمز السكينة والتصالح مع الذات ولون الجمال الهادئ ثم تصف الفتاة تحليق روحها في الفضاء على شكل فراشة ملونة ضمن مساحات الحلم والتي توفرها السهول الخضراء وما تمنحها من سكينة. والفراشة تجمع بين جناحيها مزيجا خلابا من الألوان الزاهية التي تستثير فينا الحياة" "روحي غزالة ترمح في الحلم أن سأتشكل فراشة ملونة.. وأواصل ركضي في الخضار الذي يلف البيت" والفتاة تغمرها السعادة وما أن تهم بالضحك لاستشراقها حياة يملؤها النور- والنور دلالة رمزية لونية ذات بعد إيجابي- حتى يقتل تلك الضحكة صوت ذكوري، فأحلامها هدمت وباتت أطلالا بحضور الكوابيس الذكورية "وحين أهم بإفلات ضحكة لافق واعد بالنور يخنق ضحكتي الجنينية صوت ذكري، إنه والدي! لماذا ياترى يناديني بهذه الحدة!". وهنا نصل إلى المساحة الحاسمة ونقطة التحول في السرد والتي ترمز لها المساحة البيضاء "اركض بسرعة من خضاري إلى بياض البيت..." فاللون الأبيض لون نقي سريع التأثير ينم عن صفاء وبراءة.
وما قبل هذه المساحة السردية هي مساحة زاخرة بألوان الحياة والمساحة البيضاء هي المساحة الفاصلة والانتقالية حيث يتغير كل شيء بعد هذا السطر ليغدو السرد سلبيا ومعتما بسواد يغطي جميع الألوان السابقة بما فيها الأبيض. ونلاحظ ذلك من خلال الألوان والمفردات التي تم توظيفها وصولا إلى نهاية القصة والتي تشير إلى هذا الواقع السلبي والقهري الذي تحياه الفتاة، "والدي وأخواتي الغلاظ يتكومون بانتظاري، ووالدتي وأختاي يغسلن أكواما هائلة من ملابس قذرة.. غمز والدي أحد أخوتي الشداد... عرتني حينها حيرة يشوبها خوف أنثوي... وضع أخي الغليط كيسا أمام والدي.. صوت والدي يفجر الصمت: تعالي!..."وتستمر السوداوية "جاءت أختاي بإشارة من والدي ونزعتا عن جسدي الصغير ثوبا قصيرا ملونا بألوان الفراش. حزنت كثيرا وبكبت بمرارة، ذاك ثوبي الجميل أحبه كثيرا. لكن أمي التي لا حول لها ولا طول همست في أذني بجزع: لقد كبرت! أخرج والدي ما في الكيس... ثوبا أسود طويلا وشال أبيض. مرة أخرى يعاودني ذات الإحساس بأنني ممثلة على خشبة المسرح، أو شاهد صامت وسط رقصة جنائزية. ألبستني أمي الثوب ولفت رأسي بالشال فدهمني شعور غامض بأني لست أنا وأني كبرت سنينا. أمسكتني والدتي من يدي ومشت إلي خافضة الرأس والعينيني كلتانا، حيث أشار والدي بصوت حازم: إلى هناك! في الغرفة الضيقة حيث جلست وسط أخوتي".

وعليه، تكون القاصة قد قامت بتوظيف الرمزية المرتكزة على توظيف الألوان المستمدة لدلالاتها من إيحاءات ومدلولات تمنحنا إياها الألوان، ونجد هذا البعد الرمزي لدى العديد من الكتاب، ومنهم الكاتب الأمريكي "نياثنيل هوثورن" صاحب الرواية الشهيرة "The Scarlet letter" أو "الحرف القرمزي،" والتي بنيت على المستوى الرمزي المستند إلى إيحاءات الألوان. مما يساهم في تفسير حالة القهر والسيطرة الذكورية والواقع الاجتماعي ليصب في بوتقة الثيمة ذات الطابع النسوي.
أما الأفعال فقد تم توظيفها بما يتناسب مع رمزية الألوان والمساحات السردية التي تقوم الألوان بفصلها حيث نلاحظ أن أغلب الأفعال التي وردت في بداية القصة هي أفعال تقوم بها الشخصية الرئيسية في العمل، وبهذا فهي أفعال تجسد الإدارة الحرة للأنثى لقيامها بالفعل وكونها المؤثر في عملية الفعل، "كنت أهيم، سأتشكل فراشة ملونة، وأظل تتلقطني احضان النائم، أواصل ركضي في الخضار، أهم بإفلات ضحكة لأفق واعد بالنور، ...الخ.." وحتى لو وقع عليها الفعل وكانت هي المتأثر به، فإن هذه الأفعال ذات دلالة إيجابية، مثل "وروحي غزالة ترمح، ترشقني العيون بالإعجاب، ربما تخطفني أصابع عاشق ولهان ويهديني لحبيبته".
ومن ثم نصل إلى المساحة الانتقالية والتي تقوم القاصة بالفصل مابين الأفعال التي تمنح الأنثى الإرادة الحرة والأفعال التي تسلبها كينونتها وتحيلها إلى مساحات معتمة، وهي أفعال مؤثرة يقع تأثيرها السلبي على الشخصية الرئيسية في العمل. حيث وظفت القاصة الفعل وعدت، من جملة "عدت بسرعة من خضاري إلى بياض البيت" ومرة أخرى تتفتح المساحة البيضاء الفاصلة مابين الألوان الزاهية المفعمة بالحياة والتي تجسد ذات الأنثى وحياتها والألوان القاتمة المغيبة لذات الشخصية التي يرسم بها والدها لوحة القهر والاستلاب. أما الفعل "عدت" فهو وليد الفعل "يخنق" الذي يعود على (صوت ذكوري) فعودتها إلى البيت جاءت نتيجة مناداة والدها عليها بحدة خنقت ضحكتها الواعدة بالنور. ومن الأمثلة على الأفعال ذات المحمول السلبي والمؤثرة في الشخصة "والدي وأخواتي الغلاظ يتكومون بانتظاري، ووالدتي وأختاي يغسلن أكواما هائلة من ملابس قذرة، غمز والدي أحد أخوتي الشداد، تطلع والدي في جسدي الصغير، صوت والدي يفجر الصمت: تعالي!، جاءت أختاي بإشارة من والدي ونزعتا عن جسدي الصغير ثوبا قصيرا ملونا بألوان الفراش، أخرج والدي ما في الكيس: ثوبا أسود طويلا..، ألبستني أمي الثوب، أمسكتني والدتي من يدي ومشت، الخ..." وبهذا نستطيع تقسيم القصة إلى ثلاث مساحات سردية: المساحة أ: وهي مساحة الألوان المتنوعة الزاهية والمفعمة بالحياة، والأفعال التي تمنح الأنثى الإدارة الحرة وفرصة الاختيار. والمساحة ب وهي المساحة البيضاء التي تتسم بالصفاء فتغدو سكينة وهدوء يسبقان التحول في نمط السرد. والمساحة ج، وهي المساحة السوداء المظلمة والأفعال الذكورية المحضة التي تنتج فعل القهر والسيطرة ومصادرة الذات. و بهذا نرى ان القاصة قد اثرت البقاء حبيسة جدران غرفة نسوية الكتابة على التحليق في امدية لا يحدها نطاق.
في شوارع الكتابة وأزقتها، وضمن أحياء القصة القصيرة الواقعية نستطيع تناول القاصة حزامة حبايب لما تتسم بها الآلية السردية لديها من حداثوية تجسد صور الفعل الاعتيادي الذي نمارسه ونحياه فوق خشبة مسرح الحياة، كما لو أن الكاتبة تكتب قصة عنوانها "الحياة" فلا تعدو المساحات السردية لديها سوى اجتزاءات واقتطاعات من الحياة الاعتيادية غلفتها قطع من المرايا الزجاجية المتقنة الصقل فتكون المساحة السردية هي مجرد انعكاس غاية في الدقة للمشهد المواجه لها، فعندما يقف الشخص أمام المرآة فإنه يرى صورته فوق مساحاتها المصقولة. أما مجموع هذه المرايا، فإنه يشكل اللوحة الكلية التي تجسد الواقعية "Realism" أو المرآة الكلية التي تعكس الصور الاعتيادية اليومية للحياة.
كزائر للمتحف السردي الحداثوي، أرى "انعكاسي" في المرايا وبالتالي أحاول "قراءة نفسي" من خلال رحلة تذوق النص لدى حزامة حبايب. بهذا نلاحظ أن الثيمة الإنسانية أو الذات الجمعية لدى حزامة حبايب هي من الثيمات الرئيسية في العديد من أعمالها الأدبية.
سنحاول تناول قصة "حلم واقعي... إلا قليلا" من مجموعة "ليل أحلى" حيث يستطيع القارئ الوصول إلى ثيمة القصة بيسر وسهولة وهي قضية الفقر وآثاره التي يلحقها بحياة البشر لتصور القاصة الجوانب الاجتماعية لهذه الآفة، فتغدو هذه القصة أشبه ما تكون بمرافقة قانونية تدافع فيها قاصتنا عن حق الإنسان في العيش الكريم بيد أن محاميتنا تجد نفسها وحيدة في ساحة المحكمة الخالية من الناس والقضاة على حد سواء، وهذا ما يعلل الاستسلام السردي بانصياع الشخصيات للتعايش مع الوضع السائد من دون أدنى محاولة للمقاومة والتمسك بالحياة. فحتى الحلم لديها يضيق بمساحاته ويغشل فيفقد السحر الذي تتم به الأحلام وتتحول غرائبية الحدث في الحلم إلى حدث اعتيادي منطقي وواقعي في حلمها لتصور هذه القصة درجة المأسواية ولتمس جابنا من جوانب حياتنا... نحن البشر.
وتسجل حزاما هذا الامتزاج بين الحلم والواقع ضمن المساحة السردية للقصة، والواقع الذي تحياه الشخصيات هو ما يحفزها على استحضار أحلامها، بل واحتضانها أيضا. وتجيء مساحة الحلم رتيبة منطقية واقعية وحياتية مبتذلة كما لو أن هذا الواقع المرير الذي تحياه شخصيات القصة قد قرر مصادرة أحلامها وملاحقتهم حتى في الحلم لثقل هذا الهم الذي يطاردهم ليلا نهارا.
ونجد ذلك بشكل صريح من خلال كلمات الشخصية الرئيسية (صاحب الحلم)، وهو الرجل الذي يكابد مع زوجته تلك المعاناة "رأيتني في المنام أسير في شارع فرعي... والحق أن الشارع لم يكن كشارع المنامات المعهودة، إذ يفترض في الشارع الذي ترتاده في الحلم أن يكون غريبا ومختلفا عن الشوارع التي ترتادها في الصحو، أي في الحياة الحقيقية... لكن الشارع الذي رأيتني أسير فيه في المنام كان شارعا عاديا، عادينا بصورة مبتذلة. كان شديد الشبه بالشوراع الواقعية التي نقطن فيها... كان مألوفا جدا... حياني صاحب الدكان الذي تطابقت سحنته الواهنة والمهرئة مع سحن سابقة اختزنتها ذاكرتي... البيوت الواطئة المتلازة التي كحلت جانبيه أعرفها... والأطفال أشباه العراة الذين استغلو البركة التي تشكلت حول الماسورة للاستحمام... ولعل الحقيقة بأن أحداث الحلم كانت تسير بصورة منطقية، ووفق نمط تدريجي مألوف بالنسبة لي ساهمت أكثر فأكثر في إذابة الخط الواهي بين القناعتين: قناعة الحلم وقناعة الحقيقة... كانت معالم الأشياء مكتملة وأصواتها كانت مسموعة، وأصحابها وردوا إلى في منامي حقيقيين... حقيقيين تماما. كل شيء كان يسير بسلاسة واقعية... كان وجهها مألوفا...الخ..."
ونجد القاصة أيضا مثقلة بالهم الإنساني المتمثل بمعاناة البشر في كل زمان ومكان نتيجة عوامل عديدة ومنها الفقر التي تختلف مسبباته، ومنها غياب العدالة الاجتماعية وسقوط الإنسان ضحية سيطرة وتحكم المادية في حياته وتأثيرها السلبي، وغيره الكثير مما لا يتسع مجال لذكره هنا.
فتصور القصة الحياة الشعبية بعفويتها وبساطة أشخاصها ذوي السحن المهترئة "ومشيت ابتسمت لناس، وناس ابتسموا لي. ومعظمهم ناس أعرفهم أو عرفتهم، ناس أطلوا داخل رأسي معشقين بوجود يومي متكرر وروائح دارجة، رائحة خليط الليمون والملح والكمون التي تفوح فوق عربة الفول والبليلة لبائع أربعيني يشير لي بضمة بقدونس مرحبا... داريت لقيتي بسرعة مخافة أن يلحظني أحدهم، وطويتها في جيب البنطال الكالح ثم تحسست الانتفاخ المثني بحبور واطمئنان... دثرت قدمي بجورب... ثم أودعتهما في بسطار عتيق تكاثرت مساحاته وشقوقه فبات الماء يرشح خلالها بسهولة...".
أما آلية السرد القصصي فهي في مجملها عملية استحضار من الماضي "Flashback" سواء أكانت مساحة الحلم أو مساحة السرد الواقعي التي تبدأ لحظة استيقاظ الرجل من الحلم بإيقاظ زوجته له. فيكون حال الراوي (وهو الرجل) كحال الحكواتي الذي يجلس فوق كرسيه ويباشر استرجاع الأحداث من الماضي ليسردها في الحاضر أو الزمن السردي الآني المتمثل بقراءة النص من قبل القارئ فتتزامن عملية السرد مع عملية القراءة. أما المساحة الزمنية لحدث الحلم فهي تسبق المساحة الزمنية للحدث الواقعي الذي يقع ما بعد الحلم (أي ما بعد استيقاظ الرجل). فعملية استرجاع الحلم وعملية استرجاع الواقع يتمان بشكل متزامن مع عملية السرد ومن جهة أخرى مع عملية القراءة. ومما سبق، نلاحظ أن بتوظيف القاصة لثيمة إنسانية وإظهار الذات الجمعية وهي ذات القارئ عوضا عن ذات القاصة كإمرأة وابتعادها عن الثيمة ذات الطابع النسوي، وتوظيف شخصية ذكورية لتغدو الشخصية الرئيسية في العمل، نجد أن القاصة تسجل خروجا من نطاق دائرة الكتابة ذات الطابع النسوي ضمن المساحات السردية للقصة المتناولة.


نورس بلا مجثم...أنهكه التجوال المتوحد الحزين... و أتعبه الطيران
الصين