المساعد الشخصي الرقمي

اعرض النسخة الكاملة : كيف نشأ الشعر 2



محمد الجبلي
16-11-2006, 07:29 PM
الشعر الموزون ، لمن يعود الفضل في ظهوره ؟هذه التساؤلات تقودنا إلى استنتاج حقيقة مفادها : أن هذه البحور الشعرية لا يمكن أن نطبقها على أي شعر من غير لغة العرب , فنحن لم نجد شعرا موزونا عند غير العرب حتى ولو كان على أوزان خاصة بهذه اللغة غير أوزان العرب , المهم أن يكون موزونا .
إذن فهذه الأوزان لم يكن للعربي الفضل المطلق في ابتكارها , وإلا لابتكر شعراء اليونان والهنود وغيرهم أوزانا خاصة بهم , أوزانا تناسب لغاتهم ,
إذن لمن يعودالفضل في إنشاء العرب أوزانا خاصة بهم ؟

يقول الدكتور محمد المبارك في كتابه فقه اللغة وخصائص العربية ((إن في أصوات حروف كل لغة صورة من الأصوات التي ألفها )) ( ) ص246 الطبعة الخامسة دار الفكر بيروت 1972
والى الآن لا نستطيع أن نميز الخصائص الصوتية للعربية ونسند إليها الفضل في ظهور الشعر موزونا فهذه الأصوات كما قال المبارك مشتركة بين كل اللغات
فما سر الجمال في شعر العرب ؟
وقبل الإجابة على هذا السؤال يجب أن نعرف سر الجمال في لغة الشعر نفسها
فما سر الجمال في اللغة العربية ؟
يقول المبارك : (( تمتاز اللغة العربية في مجموع أصوات حروفها بسعة مدرجها الصوتي سعة تقابل أصوات الطبيعة في تنوعها وسعتها , وتمتاز من جهة أخرى بتوزعها في هذا المدرج توزعا عادلا يؤدي إلى التوازن والانسجام بين الأصوات ))
المصدر السابق ص 250
هذه الخصائص الصوتية للحروف لا بد أن يظهر تأثيرها على الألفاظ بحكم أن الحرف
هو الوحدة الأصغر في تكوين اللفظ ، كالخلية في الجسم .

أعتقد أن الصورة الآن أصبحت أكثر وضوحا , فالعربية تتميز بالإيقاع الموسيقي وبتناسق المقاطع الصوتية فيها , ناهيك عن اختصاصها بعلامات الإعراب التي تعطي الكلام العادي أنغاما خاصة , فما بالك بالقوافي 0؟ هذه الميزات التي اختصت بها اللغة العربية وهذه الخصائص التي جمعتها , ساعدت العرب كثيرا في إنشاء هذه الأوزان , فالعربية كما أسلفنا ذات موسيقى خاصة حتى أننا في بعض مقاطع الكلام العادي نستطيع أن نشعر بذلك الإيقاع الذي نشعر به عند سماعنا للشعر 0
إن طريقة نطق العربية تفصل الكلام إلى مقاطع صوتية تراعي التناسق بين الأصوات ومخارج الحروف , وقد تبدل حروفا من أخرى لمجرد أن يكون الحرف الأصلي يسبب صعوبة النطق أو تناسق الصوت { كاصطاد – اضطرب , وهذين الفعلين هما افتعل من صاد واضطرب , ولك أن تحاول نطقها بالتاء , اصتاد , اضترب , لتعرف السبب في إبدال الطاء بالتاء }
كما أنهم يراعون تناسق الحركات والسكنات
وإلا فما الذي جعل العربي يرفع الفاعل وينصب المفعول به ؟ و دون أن الحاجة إلى آلية يسير عليها في ذلك ؟[/U](( لقد كان العربي يفعل ذلك بالفطرة لأنه اعتاد على موسيقى وإيقاعات خاصة في اللغة العربية , وخروجه عن القواعد النحوية ـ التي لم يكن يعرفها ـ يفقده هذه الميزة ، التي اعتاد عليها , واكبر دليل على ذلك هو انه يرفع المفرد بالضم والمثنى بالألف والأسماء الخمسة بالواو ............. الخ , ولم يجعل علامة الرفع موحدة , [U]فهل فعل ذلك تمشيا مع قواعد النحو ؟ ولإدراكه أن مخالفة ذلك تعتبر خطا نحويا ؟لا , ولكنه كان يفعل ذلك حفاظا على موسيقى اللغة وجمالها واهم شئ أخذه بعين الاعتبار هو المحافظة على سهولة نطقها 0
لننظر مثلا إلى المفعول به المؤنث , فما أجمله وأخفه عندما ننصبه مفردا بالفتحة فنقول رأيت أما وطفلها , ولكن هذا الجمال لا نجده إذا طبقنا نفس الشيء على جمع المؤنث فلو قلنا : رأيت امهاتا وأطفالهن , لم يكن للفتحة ذلك الجمال وتلك الخفة والسلاسة اللتان كانتا لها في الجملة الأولى . لذلك عدل العربي عن الفتحة في نصب جمع المؤنث إلى الكسرة ))
{ مابين الأقواس مستفاد من محاضرة للدكتور . عبد المحسن القحطاني
بعنوان جماليات اللغة , ضمن فعاليات الأنشطة الثقافية التي تنظمها كلية الآداب ـ جامعة الملك عبد العزيز ـ 1419 هـ }
إذن فالعربية هي التي مهدت للعرب وزن أشعارهم بما تحويه من مميزات 0 أما الذين ربطوا ظهور الشعر بشخصيات معينة كمن ربطه بالمهلهل , واسمه عدي بن ربيعة التغلبي , وأطلق عليه لقب المهلهل لأنه ـ كما يقال ـ هو أول من قطع الشعر وشطره بهذه الطريقة التي نعرفها إلى الآن , فكان إذا قال شعرا , قيل هلهل عدي , أي هلهل الشعر فسمي مهلهلا 0
وإذا قلنا بصحة هذا القول , يبقى السؤال الذي يطرح نفسه هل المهلهل هو أول من قال الشعر ؟ بالطبع لا فقد وجد أشعارا موجودة واكتسب خبرة من سابقيه ثم كون لنفسه خبرة خاصة جعلته يطور الشعر , إذن فالشعر لم يظهر بظهور المهلهل 0
ماذا عن النثر ؟
وقد يؤخذ علي أنني تكلمت في حديثي عن النشأة في فرع واحد من فروع الأدب العربي وهو الشعر , وأهملت النثر , فكيف بدأ النثر ؟ من الأفضل لنا قبل الإجابة على هذا السؤال , أن نضع حدا للنثر , فما هو النثر ؟هو كلام بليغ يؤثر في النفوس دون الخضوع لوزن أو قافية ، ويشمل الخطب والرسائل
والكتابة ..... الخ

فإذا اتفقنا على دقة هذا التعريف , وأدائه لمعنى النثر بشكل واف , فكيف سنستطيع أن نصنف النثر من أدب العرب القديم في العصر الجاهلي , على ضوء هذا التعريف ؟ سنجد أن كل كلام العرب ـ تقريباـ صالح لان يكون نثرا 0
ألا ترى معي أن كلامهم كان فصيحا وبليغا ومفهوما للسامعين ـ من نفس الشريحة الزمنية طبعا ـ بسهولة ؟
أجل فحتى كلام العامة منهم , وكلامهم في مخاطباتهم اليومية كان فصيحا وصالحا لأن يكون نثرا أدبيا0
وخير شاهد على ذلك الأمثال التي تعد غاية في الفصاحة والبلاغة والإيجاز الذي لا يفقدها القدرة على أداء المعاني , فعلى الرغم من إيجازها كانت تجمع معان كثيرة , ومع ذلك فقد كانت تصدر من عامة الناس وخاصتهم 0
لقد كانوا فصحاء بالفطرة , ولذلك لم يشكل النثرمحورا لاهتمامهم كالذي شكله الشعر 0
لقد كان النثر يظهر على شكل خطب أو أمثال أو وصايا من الآباء ...... الخ
ومع ذلك لم يكن ظهوره ـ اللا مقصود ـ يكفي لتقسيم الأدب إلى شعر ونثر ( في ذلك الزمن طبعا )

لان النثر كان مقصورا على الخطابة في أغلب الأحيان , وتسمية النثر وتقسيمه والاهتمام به لم يأت إلا في عصور متأخرة 0
لقد كان ظهور الأدب العربي في الشعر أوضح وأقوى منه في النثر , فالشعر يتطلب الخبرة والمران والتنقيح , أضف إلى ذلك اعتماده على الوزن والقافية , كل ذلك جعل الاهتمام بالشعر أوضح , وارى أن السبب الحقيقي والمقنع لذلك هو اعتياد العرب على النثر , لان أكثر كلامهم يعد نثرا أدبيا0 مما أتاح القدرة لدى أكثرهم أن يكونوا ناثرين , فمن لم يستطع ذلك بالخطب , استطاعه بالوصايا وهكذا 0
ولذلك نستطيع إن نتخيل الشاعر خطيبا , في الوقت الذي لا نستطيع أن نتخيل كل خطيب شاعرا , وهذا يعطينا الحق إذا قلنا : كل شاعر خطيب , وليس كل خطيب شاعرا .وعلى الرغم من عدم خلو خطب العرب من الأبيات الشعرية للخطيب نفسه , ولكنها لا تخوله الحصول على لقب شاعر 0
إذن فمتى ظهر النثر ؟ بالتأكيد مع ظهور العربية , فمتى ظهرت العربية ؟

بالتأكيد مع ظهور العرب أنفسهم 0000
يتبع ,,,,,,,,,,,,,,,,,

محمد الجبلي
25-11-2006, 11:48 PM
ما زالت الحلقات في انتظار التفاعل مع هذه الحلقة

عبدالرحمن السليمان
26-11-2006, 12:16 AM
أخي أبا خالد،
السلام عليكم ورحمة الله،

بداية أشكرك أخي الكريم على البحث الممتع وأدعو لك بالخير.

ثانيا: كنت كتبت تعليقا بخصوص البحور العربية واستعمال بعض الأمم البحور العربية في لغاتها في حاسوب مكتبي في الجامعة، ولم أراجعه بعد لأن الطلاب لم يتركوا لي وقتا للمراجعة والتعليق، لذلك أعيد الكتابة.

استوقفني قولك:

هذه التساؤلات تقودنا إلى استنتاج حقيقة مفادها: أن هذه البحور الشعرية لا يمكن أن نطبقها على أي شعر من غير لغة العرب، فنحن لم نجد شعرا موزونا عند غير العرب حتى ولو كان على أوزان خاصة بهذه اللغة غير أوزان العرب، المهم أن يكون موزونا. إذن فهذه الأوزان لم يكن للعربي الفضل المطلق في ابتكارها، وإلا لابتكر شعراء اليونان والهنود وغيرهم أوزانا خاصة بهم، أوزانا تناسب لغاتهم.

ويتلخص تعليقي فيما يلي:

الحقيقة إن أمما كثيرة مثل الفرس والترك والكرد والسريان واليهود استعاروا من العرب بحور شعرهم وقرضوا عليها شعرا مليحا في لغاتهم. هذه حقيقة معروفة، وإن شاء الله أمثل لك ببعض شعر السريان واليهود الذي قرض بقوالب البحور العربية.

من جهة أخرى: لليونان ستة بحور للشعر شبيهة إلى حد ما ببحور الشعر العربية لكنها دونها في الموسيقى لأن اليونانية دون العربية في الموسيقى.

وللفائدة أذكر أن الناس يميزون بين نوعين من البحور: البحور الكمية والبحور النوعية. البحور الكمية هي البحور التي تتوزع موسيقاها على كم مضبوط من التفعيلات ذات الإيقاع المخصوص بها ولا يجوز للشاعر فيها أن يخرج عن الكمية الموسيقية الموجودة في التفعيلات. وبحور الشعر العربية واليونانية واللاتينية بحور كمية. أما البحور النوعية، فلا تفعيلات فيها بل مقاطع نوعية (طويلة/قصيرة/مفتوحة/مغلقة/ممطوطة الخ) بدون تحديد لكمية التفعيلة. وبحور الشعر الجرماني والإنكليزي وسائر الشعر الحديث من هذا النوع.

هذا ما يحضرني الآن.

وتحية طيبة مباركة.
عبدالرحمن.

محمد الجبلي
26-11-2006, 07:42 PM
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته
هكذا والله تورد الإبل
شجعتني يا أستاذي على نشر البقية , ما استفده منك أفضل مما أفادت به مقالاتي
شكرا لك على معلوماتك الجديدة علي
صدق القائل :
كلما أدبني الدهر أراني نقص عقلي
وإذا ما ازدت علما زادني علما بجهلي
سأعدل البحث مضمنا إياه قولك مع الإشارة إليك طبعا
لدي سؤال : هل أوزان غير العرب ترقى إلى مستوى الدقة والإطراب عند العرب ؟
وهل وجد الوزن في شعر غير العرب بقوة كافية ليشكل ظاهرة في شعرهم ؟

وضحــــاء..
12-12-2006, 04:39 PM
كل جملة في حديثك تفتح سؤالا، وكل سؤال يتبعه علامات استفهام..
إلى أين سنصل؟!! لا أدري.. بانتظار بقية الحلقات أستاذ أبا خالد.

عبدالرحمن السليمان
13-12-2006, 12:06 AM
أخي أبا خالد،

عذرا على التأخر في الرد.

سألت: هل أوزان غير العرب ترقى إلى مستوى الدقة والإطراب عند العرب؟ وهل وجد الوزن في شعر غير العرب بقوة كافية ليشكل ظاهرة في شعرهم؟

الجواب على السؤالين هو بالنفي لسببين هما غنى العربية "الفاحش" كما قال أحد المستعربين الأوربيين من جهة، وذوقهم الجمالي العالي من جهة أخرى، إذ لكل لغة خصوصياتها النحوية واللغوية التي تساعد الأدباء في النثر والشعراء في الشعر، وينبغي النظر إلى كل لغة من منظورها وليس من منظور لغة أخرى. وانطلاقاً من هذه القاعدة شهد ديوان العرب للعرب بأنهم أكثر الأمم المتحضرة شاعرية، وشهد لهم بذلك حكماء الأمم على اختلاف أهوائهم. وأنا لا أعرف أحداً يُعوَّل عليه في شيء يذكر، يجادل في هذه الحقيقة. والدليل على ذلك كثرة الإنتاج الشعري الجيد عند العرب والمرتبة الرفيعة التي يحتلها الشعراء المجيدون عندهم.

يقول كبير المستعربين الأوربيين في القرن السايع عشر ألبيرت شخولتنس مقارناً حالة الشاعر العربي الجيدة بحالة الشاعر الغربي التعيسة: "إن الكرم العربي يحول دون شقاء الشاعر". ويرد شخولتنز تفوق العرب في الشعر على سائر الأمم إلى غنى اللغة العربية وموسيقاها العذبة. يقول في إحدى خطبه: "لا بد من أخذ غنى اللغة العربية الفاحش بعين الحسبان [عند مقارنة الشعر العربي بغيره]". *ويورد شخولتنس ـ الذي كان يعجب بالمعاني أكثر من إعجابه بالألفاظ ـ أدلة كثيرة على تفوق الشعر العربي على الشعر الأوربي القديم منه والحديث، منها هذان البيتان لشبل الدولة مقاتل بن عطية، رثى فيهما الوزير نظام الملك (توفي سنة 1094) :


كان الوزير نظام الملك جوهرةً ***** مكوّنـــةً صاغها الباري من النطــــفِ
جاءت فلم تعرف الأيام قيمتـها ***** فــردها غيــرة منه إلــى الصــدف

وترجمهما إلى الهولندية كما يلي **:


Hij was eene kostelijke parel,
door de Godheid zelve uit zijn schelp genomen, en op de wereld neergezet.
Hij blonk onder de menschen,
doch deze waren ongevoelig voor zijnen luister.
Daarom benijdde God dien schat aan ’t menschdom,
haalde hem terug, en plaatste hem wederom in zijn schelp.

أما المستعرب الهولندي الكبير ولميت صاحب المعجم العربي اللاتيني الشهير *** فيقول في محاضرة بعنوان "ذوق العرب الجمالي (De sensu pulcri Arabum)"، وبالأخص عند حديثه عن أبي العلاء المعري: "انظر ما أروع العرب، وما أعظم عبقريتهم"! **** وكان ولميت يرد في خطبته هذه على أحد النقاد الأدبيين (من غير المستعربين) ـ وهو الناقد وايرز ـ الذي كتب سنة 1845 قائلاً: "إن من يبحث عن شعر رفيع عند العرب شخص يضيع وقته فيما هو غير مفيد"! *****

وشهادات حكماء الأمم الشرقية والغربية بتفوق العرب في الشعر كثيرة، ولكني سأكتفي بالإشارة إلى أمرين اثنين: الأول أن بحور الشعر العربية أكثر بحور الشعر كماً وأرقاها نوعاً (لدى اليونان ستة فقيرة فقط)، والثاني أن معظم الشعوب التي احتكت بالعرب، ومنها الفرس والأتراك والهنود والسريان والأكراد واليهود استعاروا بحور الشعر العربية ونسجوا على منوالها. وهذا لا يكون عبثاً!

وليس عند الساميين شعر موزون أو بحور شعر والعرب هم الاستثناء الوحيد. أجل، هنالك كتاب المزامير وكتاب نشيد الإنشاد عند اليهود، وهما كتابان يحتويان على عناصر غنائية كثيرة ولكن مضمونهما ليس شعراً. وقيمة كتاب العهد القديم الأدبية هي في بساطته وفي عفوية لغته وليس في صنعته الأدبية. والشعر أصلاً كان محرماً على اليهود، ولم يسمح لهم إلا بقرض الترنيمات الدينية التي كان شعراؤهم الدينيون "البيتانيم" يقرضونها للغناء في الكنيس. وأول ما قرض اليهود شعراً حقاً في العبرية تناولوا فيه المواضيع الدنيوية العامة كان في القرن التاسع الميلادي ، عندما استعار الشاعر اليهودي المستعرب دوناش بن لابراط بحور الشعر العربية وأدخلها في العبرية فازدهر الشعر العبري وبلغ أوجه في الأندلس. ومن كبار شعراء هذه المدرسة: يهودا اللاوي المكنى بأبي الحسن (صاحب "كتاب الحجة والدليل في نصر الدين الذليل" المشهور بكتاب الخُزَري)، واسماعيل بن النغريلة الذي استوزره حبوس أحد ملوك الطوائف (إليه ينسب نقد للقرآن الكريم رد عليه ابن حزم الأندلسي في كتاب الفصل وفي رسالة "الرد على ابن النغريلة اليهودي")؛ وتادروس أبوالعافية، وإبراهيم بن عزرا، وسليمان بن جبيرول وغيرهم.

وفي هذا السياق يقول الأديب اليهودي الكبير يهودا الحريزي (صاحب المقامات العبرية المشهورة بـ: "تَحْكِمُوني"، التي حاكى فيها الهمذاني في مقاماته) في هذا المجال: דעו כי השיר הנפלא... היה בתהלה לבני ערב לנהלה. "اعلموا أن الشعر العجيب كان منذ البداية مُلكاً للعرب"! ويقول عن أشعار الأمم الأخرى ما يلي: כל שיריהם לנגד שירי הישמעאלים לא לעזר ולא להועיל "إن أشعارهم ليست بشيء مقارنة بأشعار الإسماعيليين [= العرب]"! ولخص "جاحظ اليهود" موسى بن عزرا (القرن الخامس الهجري، وهو شاعر مجيد) في "كتاب المحاضرة والمذاكرة" (كتاب في الأدب العبري) الأمر كما يلي: "الشعر عند بني إسماعيل [= العرب] طبعٌ، وعند سائر الأمم تطبع"!
ـــــــــــــــــــــــــــــ

الإحالات:

* في الأصل Attendo porro ad incredibilem Arabicae Linguae copiam ….
** المصدر: J.C. Wenckebach (ed.), Drie redevoeringen van Hendrik Albert Schultens. Leeuwarden, 1845. "ثلاث خطب لألبيرت شخولتنس. ليواردين (هولندة) 1845". صفحة 27.
*** الذي صدر في لايدن (هولندة) سنة 1784 وهو من أهم المعاجم الثنائية على الإطلاق.
**** في الأصل Tanta est Ingenii! Tanta Phantasiae Arabum.
***** في الأصل Qui vero poëtas Arabum propter isporum praestantia legat, si non sensu carere, certe otio suo abuti videtut.[/size

عبدالرحمن السليمان
13-12-2006, 03:10 PM
شكرا للأستاذة الكريمة وضحاء، شكرا للإدارة الكريمة.
عبدالرحمن.

محمد الجبلي
17-12-2006, 05:49 PM
كل جملة في حديثك تفتح سؤالا، وكل سؤال يتبعه علامات استفهام..
إلى أين سنصل؟!! لا أدري.. بانتظار بقية الحلقات أستاذ أبا خالد.

سنصل إلى حيث لا نستطيع أن نقول وصلنا ,, لكننا لن نتوقف

محمد الجبلي
17-12-2006, 05:52 PM
أخي أبا خالد،

عذرا على التأخر في الرد.

سألت: هل أوزان غير العرب ترقى إلى مستوى الدقة والإطراب عند العرب؟ وهل وجد الوزن في شعر غير العرب بقوة كافية ليشكل ظاهرة في شعرهم؟

الجواب على السؤالين هو بالنفي لسببين هما غنى العربية "الفاحش" كما قال أحد المستعربين الأوربيين من جهة، وذوقهم الجمالي العالي من جهة أخرى، إذ لكل لغة خصوصياتها النحوية واللغوية التي تساعد الأدباء في النثر والشعراء في الشعر، وينبغي النظر إلى كل لغة من منظورها وليس من منظور لغة أخرى. وانطلاقاً من هذه القاعدة شهد ديوان العرب للعرب بأنهم أكثر الأمم المتحضرة شاعرية، وشهد لهم بذلك حكماء الأمم على اختلاف أهوائهم. وأنا لا أعرف أحداً يُعوَّل عليه في شيء يذكر، يجادل في هذه الحقيقة. والدليل على ذلك كثرة الإنتاج الشعري الجيد عند العرب والمرتبة الرفيعة التي يحتلها الشعراء المجيدون عندهم.

يقول كبير المستعربين الأوربيين في القرن السايع عشر ألبيرت شخولتنس مقارناً حالة الشاعر العربي الجيدة بحالة الشاعر الغربي التعيسة: "إن الكرم العربي يحول دون شقاء الشاعر". ويرد شخولتنز تفوق العرب في الشعر على سائر الأمم إلى غنى اللغة العربية وموسيقاها العذبة. يقول في إحدى خطبه: "لا بد من أخذ غنى اللغة العربية الفاحش بعين الحسبان [عند مقارنة الشعر العربي بغيره]". *ويورد شخولتنس ـ الذي كان يعجب بالمعاني أكثر من إعجابه بالألفاظ ـ أدلة كثيرة على تفوق الشعر العربي على الشعر الأوربي القديم منه والحديث، منها هذان البيتان لشبل الدولة مقاتل بن عطية، رثى فيهما الوزير نظام الملك (توفي سنة 1094) :


كان الوزير نظام الملك جوهرةً ***** مكوّنـــةً صاغها الباري من النطــــفِ
جاءت فلم تعرف الأيام قيمتـها ***** فــردها غيــرة منه إلــى الصــدف

وترجمهما إلى الهولندية كما يلي **:


Hij was eene kostelijke parel,
door de Godheid zelve uit zijn schelp genomen, en op de wereld neergezet.
Hij blonk onder de menschen,
doch deze waren ongevoelig voor zijnen luister.
Daarom benijdde God dien schat aan ’t menschdom,
haalde hem terug, en plaatste hem wederom in zijn schelp.

أما المستعرب الهولندي الكبير ولميت صاحب المعجم العربي اللاتيني الشهير *** فيقول في محاضرة بعنوان "ذوق العرب الجمالي (De sensu pulcri Arabum)"، وبالأخص عند حديثه عن أبي العلاء المعري: "انظر ما أروع العرب، وما أعظم عبقريتهم"! **** وكان ولميت يرد في خطبته هذه على أحد النقاد الأدبيين (من غير المستعربين) ـ وهو الناقد وايرز ـ الذي كتب سنة 1845 قائلاً: "إن من يبحث عن شعر رفيع عند العرب شخص يضيع وقته فيما هو غير مفيد"! *****

وشهادات حكماء الأمم الشرقية والغربية بتفوق العرب في الشعر كثيرة، ولكني سأكتفي بالإشارة إلى أمرين اثنين: الأول أن بحور الشعر العربية أكثر بحور الشعر كماً وأرقاها نوعاً (لدى اليونان ستة فقيرة فقط)، والثاني أن معظم الشعوب التي احتكت بالعرب، ومنها الفرس والأتراك والهنود والسريان والأكراد واليهود استعاروا بحور الشعر العربية ونسجوا على منوالها. وهذا لا يكون عبثاً!

وليس عند الساميين شعر موزون أو بحور شعر والعرب هم الاستثناء الوحيد. أجل، هنالك كتاب المزامير وكتاب نشيد الإنشاد عند اليهود، وهما كتابان يحتويان على عناصر غنائية كثيرة ولكن مضمونهما ليس شعراً. وقيمة كتاب العهد القديم الأدبية هي في بساطته وفي عفوية لغته وليس في صنعته الأدبية. والشعر أصلاً كان محرماً على اليهود، ولم يسمح لهم إلا بقرض الترنيمات الدينية التي كان شعراؤهم الدينيون "البيتانيم" يقرضونها للغناء في الكنيس. وأول ما قرض اليهود شعراً حقاً في العبرية تناولوا فيه المواضيع الدنيوية العامة كان في القرن التاسع الميلادي ، عندما استعار الشاعر اليهودي المستعرب دوناش بن لابراط بحور الشعر العربية وأدخلها في العبرية فازدهر الشعر العبري وبلغ أوجه في الأندلس. ومن كبار شعراء هذه المدرسة: يهودا اللاوي المكنى بأبي الحسن (صاحب "كتاب الحجة والدليل في نصر الدين الذليل" المشهور بكتاب الخُزَري)، واسماعيل بن النغريلة الذي استوزره حبوس أحد ملوك الطوائف (إليه ينسب نقد للقرآن الكريم رد عليه ابن حزم الأندلسي في كتاب الفصل وفي رسالة "الرد على ابن النغريلة اليهودي")؛ وتادروس أبوالعافية، وإبراهيم بن عزرا، وسليمان بن جبيرول وغيرهم.

وفي هذا السياق يقول الأديب اليهودي الكبير يهودا الحريزي (صاحب المقامات العبرية المشهورة بـ: "تَحْكِمُوني"، التي حاكى فيها الهمذاني في مقاماته) في هذا المجال: דעו כי השיר הנפלא... היה בתהלה לבני ערב לנהלה. "اعلموا أن الشعر العجيب كان منذ البداية مُلكاً للعرب"! ويقول عن أشعار الأمم الأخرى ما يلي: כל שיריהם לנגד שירי הישמעאלים לא לעזר ולא להועיל "إن أشعارهم ليست بشيء مقارنة بأشعار الإسماعيليين [= العرب]"! ولخص "جاحظ اليهود" موسى بن عزرا (القرن الخامس الهجري، وهو شاعر مجيد) في "كتاب المحاضرة والمذاكرة" (كتاب في الأدب العبري) الأمر كما يلي: "الشعر عند بني إسماعيل [= العرب] طبعٌ، وعند سائر الأمم تطبع"!
ـــــــــــــــــــــــــــــ

الإحالات:

* في الأصل Attendo porro ad incredibilem Arabicae Linguae copiam ….
** المصدر: J.C. Wenckebach (ed.), Drie redevoeringen van Hendrik Albert Schultens. Leeuwarden, 1845. "ثلاث خطب لألبيرت شخولتنس. ليواردين (هولندة) 1845". صفحة 27.
*** الذي صدر في لايدن (هولندة) سنة 1784 وهو من أهم المعاجم الثنائية على الإطلاق.
**** في الأصل Tanta est Ingenii! Tanta Phantasiae Arabum.
***** في الأصل Qui vero poëtas Arabum propter isporum praestantia legat, si non sensu carere, certe otio suo abuti videtut.[/size


شكرا لك أستاذي
إذن فلا إنفراد للعربية بالوزن ولا جودة لغيرها فيه ط
هل ننشر الحلقة الثالثة ؟