المساعد الشخصي الرقمي

اعرض النسخة الكاملة : مصطلحات المماثلة ودلالاتها في الفكر الصوتي عند سيبويه



زيد الخيل
26-11-2006, 01:49 AM
:::

مصطلحات المماثلة ودلالاتها في الفكر الصوتي عند سيبويه ـــ جيلالي بن يشو (*)

تعريف المماثلة: Assimilation:‏

لغة:‏

يقول ابن منظور (ت 711 هـ) في مادة (م، ث، ل): "هذا مِثْلُه ومَثَلُه كما تقول شبه وشَبَهَهُ، قال ابن بري: وأما المماثلة فلا تكون إلا في المتفقين... والمثل: الشبه، تقول: مِثْلٌ ومَثَلٌ، وشِبْهٌ وشَبَهٌ، بمعنى واحد"(1).‏

اصطلاحاً: يعرفها دانيال جونز (Daniel Jones) بأنها: "عملية إحلال صوت محل صوت آخر تحت تأثير صوت ثالث قريب منه في الكلمة أو الجملة، ويمكنها أن تتسع لتشمل تفاعل صوتين متواليين ينتج عنهما صوت واحد مختلف عنهما"(2). وجاء في تعريف بروسنهان Brosnahan بأنها: "التعديلات التكيفية للصوت حين مجاورته للأصوات الأخرى"(3)، ويراها أحمد مختار عمر: "تحول الفونيمات المتخالفة إلى متماثلة إما تماثلاً جزئياً أو كلياً"(4).‏

تتأثر الأصوات في أي لغة من اللغات بعضها ببعض في البيئة خلال عملية النطق، مما يؤدي إلى تغيير مخارج بعضها أو صفاتها، لكي تتفق في المخرج، أو الصفة مع الأصوات المجاورة. واللغة العربية في تطورها التاريخي عرفت هذا اللون من التأثر، شأنها في ذلك شأن اللغات الأخرى، ولعل من أكثر هذه الظواهر استخداماً في اللغة ظاهرة المماثلة بأضربها وأشكالها المتنوعة(5)، إذ كثيراً ما تستنجد بها لغتنا للتخلّص من تنافر أو تباعد يصيب أصواتها في تواصلها، لتحقيق التوازن بين عناصرها ليعم التوافق والانسجام بين أصوات التركيب: "فالمماثلة تطور صوتي يرمي إلى تيسير النطق عن طريق تقريب الفونيمات بعضها من بعض أو إدغامها بعضها في بعض لتحقيق الانسجام الصوتي"(6).‏

مصطلحات المماثلة عند سيبويه:‏

المماثلة Assimilation من الظواهر الصوتية الضاربة جذورها في أعماق العربية، اهتم بها العلماء العرب النحاة، والصرفيون، وأهل القراءات المختلفة، فرصدوا مظاهرها، وأوجهها المختلفة، ووضعوا لها الكثير من الضوابط والقواعد، إلا أنهم لم يعالجوها معالجة شاملة مستقرة، بل كانت جزئياتها موزعة على أبواب متفرقة، منها ما كان مبثوثاً ضمن بحوثهم لظواهر الإبدال، والإعلال، والإمالة، وغيرها من المسائل الصوتية، والصرفية، والنحوية.‏

لم يستقر سيبويه (ت 180 هـ) ـ كغيره من اللغويين ـ على مصطلح مقيد لهذه الظاهرة، بل راح ينعتها بجملة من التسميات منها:‏

* المضارعة(7): عقد سيبويه عنواناً تحت هذا المصطلح سماه: "هذا باب الحرف الذي يضارَعُ به حرف من موضعه، والحرف الذي يضارع به ذلك الحرف وليس من موضعه"(8)، وهو يعني بالحرف الذي من موضعه الصاد الساكنة، إذا كانت بعد دال، فإن تحركت الصاد لم تبدل لأنه قد وقع بينهما شيء: "فأما الذي يضارع به الحرف الذي من مخرج فالصاد الساكنة إذا كانت بعدها الدال، وذلك نحو مصدر وأصدر والتصدير"(9) في هذا النص تتضح ظاهرة المضارعة الصوتية التي يعنيها سيبويه، فهو يرى أن إدغام الصاد في الدال، أو إبدال الدال حرفاً يناسب الصاد كالطاء في نحو مصدر، وأصدر، والتصدير غير ممكن، ويفسر ما حدث في هذه الأمثلة، بأنه مضارعة للصاد بالزاي أي تقريبها منها، أي عن طريق إدناء الصاد المهموسة من الدال المهجورة وهذا بإشرابها شيئاً من جهر الزاي الذي يشاركها في المخرج والرخاوة والصفير ويتفق والدال جهراً: "فلما كانتا من نفس الحرف أجريتا مجرى المضاعف، والذي هو من نفس الحرف في باب مددت، فجعلوا الأول تابعاً للآخر فضارعوا به أشبه الحروف بالدال من موضعه وهي الزاي لأنها مجهورة غير مطبقة، ولم يبدلوها زاياً خالصة كراهية الإجحاف بها للإطباق"(10) وهذا النوع من المماثلة أشار إليه علماء الأصوات والمحدثون وصنفوه ضمن المماثلة المدبرة الجزئية في حالة الاتصال(11).‏

بعد أن شرح سيبويه ما يعنيه بالحرف الذي يضارع به حرف من موضعه انتقل إلى الحديث عن الشق الآخر من هذا الباب وهو الحرف الذي يضارع به ذلك الحرف وليس من موضعه، أي ليس من مخرج الصاد والسين والزاي، وهو الشين لأن مخرج الشين طرف اللسان مع ما فوقه من الحنك الأعلى في حين أن مخرج أصوات الصفير (الصاد ـ السين ـ الزاي) من طرف اللسان، وأطراف الثنايا السفلى(12) ولما كانت الدال في كلمة "أشدق" مجهورة تأثرت بها الشين التي هي في ـ نظر سيبويه ـ في الهمس والرخاوة كالصاد والسين، فصارت الشين مجهورة فضارعوها بالزاي: "وأما الحرف الذي ليس من موضعه فالشين لأنها استطالت حتى خالطت أعلى الثنيتين وهي في الهمس والرخاوة كالصاد والسين وإذا أجريت فيها الصوت وجدت ذلك بين طرف لسانك وانفراج أعلى الثنيتين، وذلك قولك أشدق، فتضارع بها الزاي"(13). في المثال الذي أورده سيبويه (أشدق) تماثلت الشين مع الدال التالية لها في الجهر، فصارت النظير المجهور للشين، وفي الحقيقة إنه يتحدث عن صورة صوتية واحدة، وهي تلك الشين التي كالجيم، وقد وصفها ابن جني بقوله: "وأما الشين التي كالجيم، فهي التي يقل تفشيها، واستطالتها، وتتراجع قليلاً متصعدة نحو الجيم"(14) وهذا النوع من المماثلة في الدرس الصوتي الحديث يسمى بالتماثل المدبر الجزئي في حالة الاتصال(15).‏

* الإبدال أو القلب:‏

يطلق سيبويه على المماثلة الإبدال، وهو عنده لون من التقريب بين الأصوات ليتم التجانس والتماثل، من ذلك إبدال الصاد زاياً خالصة في نحو التصدير، والفصد، وأصدرت، فقالوا فيها: التزدير والفزد وازْدَرْت(16) وقد علل ذلك قائلاً: "وإنما دعاهم إلى أن يقربوها ويبدلوها أن يكون عملهم من وجه واحد، وليستعملوا ألسنتهم في ضرب واحد"(17) والذي يقصده سيبويه بأن يكون عملهم من وجه واحد: إبدال الصاد زاياً لأنها أختها في مجموعة الأصوات الصفيريّة، والفرق بينهما أن الصاد مهموسة والزاي مجهورة أبدلت زاياً، لتناسب أو تماثل الدال في الجهر.‏

ومن السياقات اللغوية التي وظف فيها مصطلح القلب للدلالة على المماثلة قلب السين صاداً، إذا كانت مسبوقة بصوت مستعلٍ في مثل صِقت وصبقت: "أبدلوا من موضع السين أشبه الحرف بالقاف ليكون العمل من وجه واحد، وهي الصاد، لأن الصاد تصعد إلى الحنك الأعلى للإطباق فشبهوا هذا بإبدالهم الطاء في مصطبر والدال في مزدجر"(18) فالصاد من حروف الإطباق، وهي حرف مستعل لأن اللسان معها يلتصق بالطبق فينتُجْ عن ذل تفخيماً، ومما توصف به حروف الإطباق أنها فخمة، أما قوله "ليكون العمل من وجه واحد"، أي ليكون قبل القاف حرف مستعل فجيء بحرف مستعل يضارع استعلاء القاف وهو الصاد بهدف تحقيق التجانس والانسجام لأنه من الصعب الانتقال من الاستفال إلى الاستعلاء.‏

* الإدغام:‏

من الألقاب التي خص بها سيبويه أيضاً ما يعرف في الدرس الصوتي الحديث "بالمماثلة الكاملة": الإدغام، ولتعدد أوجه هذه الظاهرة نجد سيبويه خصص تحت باب "الإدغام" الرئيسي أبواباً فرعية لدراسة مواضيعه المختلفة، فقد عالج في الباب الأول إدغام الحرفين المثلين أسماه: "هذا باب الإدغام في الحرفين المثلين اللذين تضع لسانك لهما موضعاً واحداً لا يزول عنه"(19) وفي الباب الثاني عالج إدغام الحرفين المتقاربين أطلق عليه اسم: "هذا باب الإدغام في الحروف المتقاربة التي هي من مخرج واحد"(20).‏

أما الباب الثالث فقد أسماه "هذا باب الإدغام في حروف طرف اللسان والثنايا"(21).‏

* الإمالة‏

الإمالة(22) ظاهرة صوتية تهدف إلى نوع من المماثلة بين الحركات، وتقريب بعضها من بعض، وهي وسيلة من وسائل تيسير النطق، وبذل اقل مجهود عضلي، إذ الغرض منها في الأعم الأغلب تحقيق الانسجام الصوتي، الذي يعد ضرباً من المماثلة، وقد صرح بذلك ابن يعيش: "هو تقريب الأصوات بعضها من بعض لضرب من التشاكل"(23) كما ذكر ابن الجزري أن الفائدة منها هي: "سهولة اللفظ، وذلك أن اللسان يرتفع بالفتح، وينحدر بالإمالة، والانحدار أخف على اللسان من الارتفاع"(24).‏

وقد نبه إلى هذا النوع الحاصل بين الصوائت العديد من النحاة، والقراء القدامى، ونجد دلالة هذا المصطلح عن سيبويه الذي نسبه إلى الخليج: "فزعم الخليل أن إجناح الألف أخف عليهم، يعني الإمالة"(25).‏

والإمالة عند سيبويه هي تقريب صوت من صوت: "فالألف تمال إذا كان بعدها حرف مكسور وذلك قولك عابد، وعالم، ومساجد، ومفاتيح، وعذافر، وهابيل، وإنما أمالوها للكسرة التي بعدها أرادوا أن يقربوها منها كما قربوا في الإدغام الصاد من الزاي حين قالوا (صدر) فجعلوها بين الصاد والزاي فقرَّبها من الزاي والصاد التماس الخفة"(26). وتعليلها عنده هو الاقتصاد في الجهد العضلي، وهو ما عبر عنه بقوله: "فكما يريد في الإدغام أن يرفع لسانه من موضع واحد، كذلك يقرب الحرف إلى الحرف على قدر ذلك"(27). ولا شك أن تقريب الفتح من الكسر فيه من تيسير عملية النطق ما يجعل المتكلم يبذل أقل مجهود عضلي، ويمثل سيبويه لهذه الظاهرة بجملة من الكلمات من مثل: عماد، سربال، شملال، كلاب(28)، فحين نميل ألف "عالم" نكون قد قربنا الألف من كسرة لاحقة وهي كسرة اللام، وهذا تأثر رجعي، إذ تأثرت الألف بالكسرة الموالية لها، أما في "سربال" فقد تأثرت الألف بكسرة سابقة فأميلت وإن كان بينها وبين الكسرة حرف ساكن، ذلك لأن الحرف الساكن عند سيبويه: "ليس بحاجز قوي"(29)، وهذا التأثر تأثر تقدمي، إذ تأثرت الكسرة وهي الحركة الأولى في الألف فأمالته.‏

ومن صور التغيرات التماثلية الخاصة بالصوائت نذكر ما ساقه سيبويه عن إمالة الألف للياء يقول: "ومما تمال فيه ألفه قولهم: كيال، وبياع، وسمعنا بعض من يوثق بعربيته يقول كيال كما ترى، فيميل، وإنما فعلوا هذا لأن قبلها ياء فصارت بمنزلة الكسرة التي تكون قبلها، نحو سراج وجمال… ويقولون: شوك السيال والصياح، كما قلت: كيال وبياع وقالوا شيبان وقيس عيلان وغيلان فأمالوا للياء"(30). تمال الألف إذا سبقت بياء سواء جاورتها في مثل كيال وبياع أو فصل بينهما فاصل في مثل شيبان، وهي هنا بمنزلة الكسرة التي قبلها في نحو سراج وجمال، والكسرة أخت الياء وهذا تأثر تقدمي إذ تأثر الثاني بالأول.‏

ومن نماذج التأثر الرجعي ما ذكره عن إمالة ما فيه راء نحو: قارب والكافرون، حيث إن الراء تغلب الألف فتؤثر فيه، وتميله، وإنما حدث ذلك لأن الراء مكسورة والكسرة المتأخرة عن الألف تجعله يمال إلى الألف وأبلغ ما تمال فيه الألف نحو الياء إذا سبقها حرف من حروف الاستعلاء، وقد نتصور مدى صعوبة تحقيق كلمة مثل: غارم إذ الغين حرف مستعلٍ، مفخم وما يزيده استعلاء، وتفخيماً الفتحة الطويلة بعد الألف، ثم ينتقل بنا اللسان إلى حرف مُسْتَفِلٍ، مرقق وهو الراء يقول سيبويه: "ومما تغلب فيه الراء قولك: قارب وغارم وهذا طارد وكذلك جميع المستعلية إذا كانت الراء مكسورة بعد الألف التي تليها، وذلك لأن الراء لمّا كانت تقوى على كسر الألف في فِعال في الجر وفُعَال، لما ذكرنا من التضعيف، قويت على هذه الألفات إذا كنتَ تضعُ لسانك في موضع استعلاء ثم تنحدر وصارت المستعلية هنا بمنزلتها في قِفاف"(31).‏

الإتباع:‏

مما سجله اللغويون القدامى ظاهرة أطلقوا عليها: "الإتباع" وهي ضرب من ضروب تأثر الصوائت المتجاورة بعضها ببعض، ويطلق عليها اللغويون المحدثون اسم: "التوافق الحركي Vowel harmony(32) وهذه الظاهرة تدخل أيضاً في باب المماثلة، وهي مماثلة حركة لحركة أخرى مماثلة تامة.‏

يعد سيبويه من النحاة الأوائل الذين أدركوا وجود هذا النوع من المماثلة في اللهجات العربية، ودلل عليها مستخدماً لفظ الإتباع حيناً، وواصفاً الظاهرة حيناً آخر، فمن المواطن التي وظف فيها هذا المصطلح قوله: "واعلم أن قوماً من ربيعة يقولون (مِنهِم) أتبعوها الكسرة، ولم يكن المُسَكَّن حاجزاً حصيناً عندهم"(33). استعمل هنا لفظ الإتباع قاصداً به المماثلة في مسارها التقدمي بين كسرة الميم، وضمة الهاء، وقد أطلق اللغويون على هذه الظاهرة اسم "الوهم" يقول جلال الدين السيوطي: "ومن ذلك الوَهْم في لغة كلب يقولون مِنْهِم وعَنْهِم وبينِهِم، وإن لم يكن قبل الهاء ياء ولا كسرة"(34) وعزيت إلى قبيلة كلب وهي من القبائل البدوية التي تميل إلى الانسجام بين أصواتها لأن هذه الظاهرة في هدفها العام تندرج ضمن مماثلة حركة لحركة تسهيلاً لعملية النطق، وإن كان د. إبراهيم أنيس له تفسير آخر حيث يرى أن لهجة كلب من الممكن أن تكون قد تأثرت بمن جاورها من لغات سامية كالآرامية، والعبرية اللتين تؤثران الكسر في مثل هذه الضمائر(35).‏

كما يستعمل سيبويه مصطلح الإتباع في صيغة الفعل في سياق حديثه عن كسر ضمير المخاطبين يقول: "وقال ناس من بكر بن وائل: من أحلامِكِمْ، وبِكِمْ، شبهها بالهاء لأنها علم إضمار، وقد وقعت بعد الكسرة، فاتبع الكسرة الكسرة، حين كان حرف إضمار وكان أخف عليه أن يضم بعد أن يكسر وهي رديئة جداً"(36). رغم أنه يصف هذه اللهجة التي نسبها إلى بكر بن وائل بالرديئة جداً فإنّه يعلل هذا الإتباع بأنه أخف على اللسان من الانتقال من كسرة إلى ضمة حين قال: "أتبع الكسرة كسرة" فنص صراحة على أن هذه اللهجة لونٌ من ألوان الإتباع أو الانسجام الحركي يهدف إلى التقليل من الجهد العضلي، وذلك بجعل الحركتين متماثلتين تماثلاً تقدمياً، وتسمى هذه الظاهرة باسم "الوَكْم": "ومن ذلك الوَكْم في لغة ربيعة وهم قوم من كلب يقولون عَلَيْكِم وبِكِم، حيث كان قبل الكاف ياء أو كسرة"(37). ومن معاني الوَكْم الرد الشديد يقول ابن منظور: "وكم الرجلَ وكْمَاً: رده عن حاجته أشد الرد"(38). ولعل التسمية جاءت من هذا المعنى لأن أصحاب هذه اللهجة يردون الضم إلى الكسر.‏

ومن صور الإتباع عند سيبويه ما ذكره عن كسر ضمير الغائب المفرد لما قبله من كسرة أو ياء يقول: "اعلم أن أصلها الضم وبعدها الواو، لأنها في الكلام كله هكذا، إلا أن تدركها هذه العلة التي أذكرها لك، وليس يمنعهم ما أذكر لك أيضاً من أن يخرجوها على الأصل فالهاء تكسر إذا كان قبلها ياء لأنها خفية، كما أن الياء خفية، وهي من حروف الزيادة، كما أن الياء من حروف الزيادة، وهي من موضع الألف، وهي أشبه الحروف بالياء، فكما أمالوا الألف في مواضع استخفافاً كذلك كسروا هذه الهاء، وقلبوا الواو ياء، لأنه لا تثبت واو ساكنة وقبلها كسرة، فالكسرة ههنا كالإمالة في الألف لكسرة ما قبلها وما بعدها نحو: كلاب وعابد وذلك قولك: مررت بهي قبل، ولديهي مال، ومررت بدارهي قبل، وأهل الحجاز يقولون: مررت بهو قبل، ولديهو مال، ويقرءون: "فخسفنا بهو وبدارهو الأرض"(39)."(40).‏

يعتبر سيبويه أن الأصل في ضمير الغائب أن تعقبه ضمة طويلة وهو يتحدث دائماً عن الواو في هذا الصدد كما لو كان الضمير مكوناً من هاء تليها واو، وحدد المواضع التي كسرت فيها هذه الهاء وذلك إذا كان قبلها ياء أو كسرة، فهذا تأثير مقبل.‏

ومن مظاهر الإتباع عنده ما ذكره عن كسر الفاء لكسر العين يقول: "وفي فعيل لغتان فَعِيل وفِعِيل إذا كان الثاني من الحروف الستة(41) مطردٌ ذلك فيهما لا ينكسر في فَعِيل ولا فَعِل، إذا كان كذلك كسرت الفاء في لغة تميم، وذلك قولك: لئِيم وشِهيد، وسِعيد، ونِحيف، ورِغيف… وإنما كان هذا في هذه الحروف، لأن هذه الحروف قد فعلت في يَفْعَل ما ذكرتُ لك، حيث كانت لاماتٍ، من فتح العين، ولم تُفْتَح هي أنفسُها هنا لأنه ليس في الكلام فَعَيْل، وكراهية أن يلتبس فَعِل بفَعَل فيخرج من هذه الحروف فِعَل، فلزمها الكسر هنا وكان أقرب الأشياء إلى الفتح وكانت من الحروف التي تقع الفتحة قبلها لما ذكرت لك"(42).‏

يشير سيبويه في هذا النص إلى الانسجام الصوتي وسيلة من وسائل تيسير النطق، وذلك عندما ذهب إلى بعض العرب(43) تكسر فاء الفعل لكسره عينه في فعيل، وهو تأثر رجعي، وإنما دعاهم إلى ذلك دفعاً لمشقة الانتقال من فتح إلى كسر، أو من علو إلى انحدار لأن أصوات الحلق هي أقصى الحروف مخرجاً، وأبعدها في جهاز التصويت، والانتقال بالفتح في حروف من حروف الفم، أو الشفتين إلى الكسر في حرف من حروف الحلق مبعث صعوبة غير يسيرة، فتبعت حركة الفاء حركة العين توخياً للاقتصاد في الجهد العضلي، تحقيقاً للانسجام الصوتي، وهو ما عبر عنه: "فكسرت ما قبلها حيث لزمها الكسر وكان ذلك أخف عليهم حيث كانت الكسرة تشبه الألف، فأرادوا أن يكون العمل من وجه واحد"(44).‏

ينعت بعض الدارسين المحدثين عملية إتباع حركة الفاء لحركة العين بـ: "مشاكلة التهيؤ"(45) وكأن الفاء تتهيأ لكسر العين، وقد نحسّ بذلك ونحن نردد الصيغة غير ما مرّة لأن اللسان تحدوه رغبة في أن يتخلص من فتح الفاء خاصة في صيغة فعيل التي تعقب فيها كسرة الياء العين وهي كسرة طويلة، فليس غريباً أن نجد تميماً تميل إلى كسر الفاء إتباعاً للعين، ولا يتنافى هذا العزو مع كون الإتباع أو الانسجام الصوتي ميزة من ميزات اللهجات البدوية، وأثراً من آثار السرعة في الكلام.‏

خاتمة:‏

من كل ما تقدم من وصف سيبويه لظاهرة المماثلة، نخلص إلى النتائج التالية:‏

1 ـ إن مصطلح المماثلة ورد عند سيبويه في تحليله لقضايا لغوية: صوتية، وصرفية، ونحوية، ودلالية.‏

2 ـ تناول سيبويه مصطلح المماثلة في أكثر من موضع من كتابه، وتحدث عما يحدث من تأثر الأصوات المتجاورة بعضها ببعض.‏

3 ـ لم يخص سيبويه هذه الظاهرة بمصطلح مقيد لها، مثل المضارعة، بل جاءت مظاهرها موزعة على أبواب متفرقة، وبتسميات متباينة كالإبدال، والقلب، والإدغام، والإمالة، والإتباع...‏

4 ـ إن هذا التعدد في المصطلحات للظاهرة الصوتية الواحدة لا يعني غياب فكرة المصطلح، أو عدم نضجها لدى سيبويه، أو لدى غيره من أئمة اللسان العربي، بل العكس من ذلك فقد اختار أكثر الألفاظ استغراقاً لمعانيه المراد التعبير عنها، لتفسير الكثير من المسائل اللغوية.‏

5 ـ إن تخصيص سيبويه غَيْرَ مصطلح لظاهرة صوتية واحدة لا يعني أن أحد المصطلحات متطور عن الآخر، أو أدق منه، بل لقد سيقت جميعها لأداء المعنى.‏

6 ـ تحدث سيبويه عن المماثلة بين الصوامت، كما تحدث عن المماثلة بين الصوائت، كحديثه عن مماثلة فتحة عين المضارع مما لامه، أو عينه حرف حلقي.‏

7 ـ نقول أخيراً إن معالجة سيبويه للمماثلة لا تبتعد كثيراً عن الدراسات التي قيد بها علماء الأصوات المحدثون هذه الظاهرة، فعلينا أن نستثمر هذه الجهود الرائدة، ونحسن توظيفها في ضوء المنهج الصوتي الحديث.‏

المصادر والمراجع:‏

ـ القرآن الكريم: رواية ورش، دار الشروق: 1402هـ ـ 1982م.‏

ـ الأصوات اللغوية: إبراهيم أنيس مكتبة الأنجلو المصرية القاهرة: ط 4ـ 1981م.‏

ـ الأصوات اللغوية: د. عبد القادر عبد الجليل، دار صفاء للنشر والتوزيع عمان، الأردن، ط1، 1998م.‏

ـ الأزهري اللغوي: تأليف الدكتور سميح أبو المغلي، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع: عمان ـ الأردن: ط1 ـ 1418هـ ـ 1998م.‏

ـ الإمالة في القراءات واللهجات العربية: د. عبد الفتاح شلبي، دار نهضة مصر للطبع والنشر، القاهرة: ط2 ـ 1391 هـ ـ 1971م.‏

ـ التطور اللغوي، مظاهره وعلله وقوانينه: د. رمضان عبد التواب ـ مكتبة الخانجي (القاهرة)، دار الرفاعي (الرياض)، ط 1404هـ ـ 1983م.‏

ـ الخصائص: أبو الفتح بن جني تحقيق محمد علي النجار دار الكتاب العربي بيروت.‏

ـ دراسة الصوت اللغوي: د. أحمد مختار عمر دار الكتب ط 3، 1405هـ ـ 1980م.‏

ـ دروس في علم الأصوات العربية: جان كانتينو، ترجمة الأستاذ صالح القرمادي، نشرات مركز الدراسات والبحوث الاقتصادية والاجتماعية ـ تونس 1966م.‏

ـ سر صناعة الإعراب: ابن جني، تحقيق حسن هنداوي، دار القلم دمشق سوريا، ط1، 1405هـ ـ 1985م.‏

ـ شرح شافية ابن الحاجب: تأليف الشيخ رضي الدين الاسترابادي، دار الفكر العربي، بيروت لبنان، 1395هـ ـ 1975م.‏

ـ شرح المفصل: ابن يعيش، عالم الكتب، بيروت، ب. ط.‏

ـ في اللهجات العربية: إبراهيم أنيس مكتبة الأنجلو المصرية القاهرة ط 9 ـ 1995م.‏

ـ الكتاب، سيبويه، ت عبد السلام هارون، دار الجيل بيروت، ط1، 1411هـ ـ 1991م.‏

ـ لسان العرب: ابن منظور دار صادر للطباعة والنشر، دار بيروت للطباع والنشر 1388هـ ـ 1968م.‏

ـ المزهر في علوم اللغة وأنواعها: جلال الدين السيوطي شرحه وضبطه وعنون موضوعات وعلق حواشيه محمد أحمد جار المولى، علي بجاوي، محمد أبو الفضل إبراهيم: دار الجيل: بيروت ـ لبنان 1986م.‏

ـ النشر في القراءات العشر: ابن الجزري، دار الكتب العلمية بيروت ـ لبنان ط1، 1418هـ ـ 1998م.‏

ـ المراجع الأجنبية:‏

(1) An outline of English phonetics-Daniel Jones- W Heffer Sons LTD Cambridge Enhlend 9Th 1972.‏

* جامعة مستغانم - الجزائر‏

(1) ـ لسان العرب، ابن منظور مادة (م ث ل) دار صادر للطباعة والنشر، دار بيروت للطباعة والنشر 1388هـ ـ 1968م.‏

(2) An outline of English phonetics-Daniel Jones- W Heffer Sons LTD Cambridge Enhlend 9Th 1972، p217.‏

(3) الأصوات اللغوية، د. عبد القادر عبد الجليل دار صفاء للنشر والتوزيع، عمان الأردن ط1 1418هـ ـ 1998م ص 283.‏

(4) دراسة الصوت اللغوي، د. أحمد مختار عمر دار الكتب ط3، 1405هـ ـ 1980م ص 324.‏

(5) حول أنواع المماثلة ينظر:‏

التطور اللغوي: مظاهره وعلله وقوانينه، د. رمضان عبد التواب ـ مكتبة الخانجي (القاهرة) دار الرفاعي (الرياض)، ط 1404هـ ـ 1998 3م ص 22 ـ 23.‏

(6) الأزهري اللغوي، صاحب معجم تهذيب اللغة، تأليف الدكتور سميح أبو مغلي، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع ـ عمان ـ الأردن، ط1 : 1998 ـ 1418هـ ـ ص 89.‏

(7) يدل المعنى العام للفظ المضارعة على المشابهة ورد في لسان العرب "والمضارع المشبه، والمضارعة المشابهة، والمضارعة للشيء أن يضارعه كأنه مثله، أو شبهه.. لسان العرب ابن منظور، مادة (ض ر ع).‏

(8) الكتاب: سيبويه تحقيق وشرح عبد السلام محمد هارون، دار الجيل بيروت ط1، 1411هـ ـ 1991 م ج: 4 ص: 477.‏

(9) نفسه والصفحة نفسها.‏

(10) المصدر نفسه ص: 478.‏

(11) ينظر: التطور اللغوي مظاهره وعلله وقوانينه. د. رمضان عبد التواب، مكتبة الخانجي القاهرة ـ دار الرفاعي الرياض ط1 ـ 1404هـ ـ 1983 م ص: 34.‏

(12) ينظر: الأصوات اللغوية د. عبد القادر عبد الجليل، ص: 130، 131.‏

(13) الكتاب ـ سيبويه ج 4 ص: 474.‏

(14) الخصائص أبو الفتح بن جني تحقيق محمد علي النجار دار الكتاب العربي بيروت ج2 ص: 133.‏

(15) ينظر: التطور اللغوي: مظاهره وعلله وقوانينه د. رمضان عبد التواب ص: 34.‏

(16) ينظر: الكتاب سيبويه ج 4 ص: 478.‏

(17) المصدر نفسه والصفحة نفسها.‏

(18) المصدر نفسه ص: 470.‏

(19) الكتاب ج 4 ص: 437.‏

(20) المصدر نفسه ص: 445.‏

(21) نفسه ص: 460.‏

(22) الإمالة لغة من الميل وهو العدول إلى الشيء والإقبال عليه وكذلك الميلان، ومال الشيء يميل ميلاً وممالاً وتميالاً (ينظر لسان العرب ابن منظور مادة مال).‏

واصطلاحاً: جنوح بالفتحة إلى صوت الكسرة، وبالألف إلى صوت الياء وخير ما يمثل هذا التعريف قول ابن الحاجب: "الإمالة أن ينحى بالفتحة نحو الكسرة". شرح الشافية لابن الحاجب ج 3ص: 4. أو هي نطق الفتحة نطقاً أمامياً (دروس في علم الأصوات العربية جان كاتينو ص: 156). ونحسب أن المعنى الاصطلاحي للإمالة قاصر على أداء المعنى اللغوي وذلك أن الميل عن الفتحة كما يكون إلى الكسرة يكون إلى الضمة، وقد نبه إلى ذلك ابن جني: "وأما ألف التفخيم فهي التي تجدها بين الألف والواو نحو قولهم: سلام عليك: وقام زيد وعلى هذا كتبوا الصلواة والزكوة والحيوة بالواو لأن الألف مالت نحو الواو". (سر صناعة الإعراب ج1 ص: 50). وقد نبه المحدثون من علماء الأصوات إلى هذا النوع من الإمالة، ورأى بعضهم أنه كما يمال الفتح إلى الكسر قد يمال إلى الضم (ينظر في اللهجات العربية إبراهيم أنيس ص: 56). وقد درس النحاة والقراء الإمالة فهي عندهم ذات أسماء متعددة فالشديدة تسمى أحياناً التكثير والبطح، والإضجاع، والمتوسطة بين ما يقال لها التقليل والتلطيف (ينظر النشر في القراءات العشر لابن الجزري ج 2 ص: 24).‏

(23) شرح المفصل لابن يعيش ج 9 ص: 54.‏

(24) النشر في القراءات العشر لابن الجزري ج 2 ص: 28.‏

(25) الكتاب لسيبويه ج 3 ص: 278.‏

(26) المصدر نفسه ص: 117.‏

(27) المصدر نفسه والصفحة نفسها.‏

(28) ينظر المصدر نفسه ص: 117.‏

(29) المصدر نفسه والصفحة نفسها.‏

(30) الكتاب لسيبويه ج 4 ص: 121 و122.‏

(31) المصدر نفسه ص: 136 و137.‏

(32) ينظر الأصوات اللغوية إبراهيم أنيس ص: 207.‏

(33) الكتاب لسيبويه ج 4 ص: 196.‏

(34) المزهر في علوم اللغة وأنواعها جلال الدين السيوطي ج 1 ص: 222.‏

(35) ينظر في اللهجات العربية لإبراهيم أنيس ص: 95.‏

(36) الكتاب لسيبويه ج 4 ص: 197.‏

(37) المزهر في علوم اللغة وأنواعها للسيوطي ج 1 ص: 222.‏

(38) لسان العرب لابن منظور مادة (و ك م).‏

(39) سورة القصص الآية: 81.‏

(40) الكتاب لسيبويه ج 4 ص: 195.‏

(41) يعني حروف الحلق.‏

(42) المصدر السابق ج 4 ص: 107 و108.‏

(43) صرح سيبويه بأن الذين مالوا إلى هذا الإتباع هم تميم، وأضاف غيرهم إلى تميم من جاورهم من سكان نجد وكذلك قيس وأسد يقول صاحب اللسان: "لغة تميم شِهد بكسر الشين يكسرون فعيلاً في كل شيء كان ثانيه أحد حروف الحلق، وكذلك سفلى مضر يقولون فعيلا، أي بالكسر، قال ولغة شنعاء يكسرون كل فعيل" لسان العرب ابن منظور مادة ( ش هـ د).‏

(44) الكتاب لسيبويه ج 4 ص: 108.‏

(45) ينظر: الإمالة في القراءات واللهجات العربية د. عبد الفتاح شلبي دار نهضة مصر للطبع والنشر القاهرة 1391هـ 1971 م ط 2 ص: 255.‏