المساعد الشخصي الرقمي

اعرض النسخة الكاملة : لماذا خص الله التين والزيتون بالقسم من دون الفاكهة ؟؟؟؟؟؟ شاركوني الفكر...



حبيبة الرسول
27-11-2006, 10:18 PM
:::

الحمد لله رب العالمين وصلي الله علي سيدنا محمد صلي الله عليه وسلم وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن سيدنا محمد - صلي الله عليه وسلم-نبيا ورسولا أما بعد :
لماذا خص الله التين والزيتون بالقسم في سورة التين ؟
ما علاقة التين والزيتون بطور سيناء ؟
ما علاقة طور سيناء بهذا البلد الأمين إشارة إلي البلد الحرام؟
وما علاقة هذه الثلاثة : التين والزيتون وطور سيناء والبلد الأمين بخلق الإنسان في أحسن تقويم ؟
وهل هناك إشارة أن الإنسان الذي يكون في أحسن تقويم هو هذا الذي كان مكلما في طور سيناء أو نبينا المكرم صاحب البلد الحرام ؟
وهناك إشارة إلي شجرة الزيتون في : "وشجرة تخرج من طور سيناء تنبت بالدهن وصبغ للأكلين ".
وهناك إشارة أيضا في سورة النور إلي شجرة الزيتون ( إشارة ضمنية ) ( يكاد زيتها يضيء ) .
شاركوني الفكر في سورة التين . وجزاكم الله كل الخير .

عزدبان
04-12-2006, 01:13 PM
:::

ما علاقة التين والزيتون بطور سيناء ؟
ما علاقة طور سيناء بهذا البلد الأمين إشارة إلي البلد الحرام؟
وما علاقة هذه الثلاثة : التين والزيتون وطور سيناء والبلد الأمين بخلق الإنسان في أحسن تقويم ؟


السلام عليكم... تدبر جميل حبيبة الرسول ...
أريد أن أنقل مفاد عن "طور سينين" ذكره الشيخ صلاح الدين أبو عرفة في أحد دراساته..

{والتين, والزيتون, وطور سينين, وهذا البلد الأمين}. إن أحب القارئ أن يعرف رأي التفاسير في "الطور", فنقول له: إنها على اختلاف, فلم يقطع أحد بقوله, فمنهم من قال: الذي في سيناء مصر, ومنهم من قال الذي في بلاد الشام "الأرض المباركة", والقول الأول من أنه في سيناء مصر, قول مرجوح لا أصل له, وإنما تلبس الفهم فيه من كلمة "سيناء", فمن يقطع أن الله أراد بها "سيناء" مصر, ولو كان كذلك لما قال الله هنا "سينين" إن كانت هي "سيناء"!.

وذكر الرازي في تفسيره أدلة كثيرة تقوي مذهب من قال بأن المراد بطور سينين وطور سيناء إنما هو طور بيت المقدس, ومنها ما ذكر عن المفسرين "قتادة" و"الكلبي" من أن " طور سيناء" تعني الجبل المشجر المثمر, فهل هذا في صحراء سيناء؟, ولو كانت سيناء مصر بالقطع, لما اختلف فيها أحد.


ثم إن سورة التين نفسها تشي بهذا, فالآية دون تكلف, تذكر بقعتين يقسم الله بهما, الطور, والبلد الأمين, فأما البلد الأمين فعرفناه, وأما الطور, فالذي ببيت المقدس, وهاكم دليلنا!.

هذا دليلنا

الآية 20 من سورة المؤمنون {وشجرة تخرج من طور سيناء تنبت بالدهن وصبغ للآكلين}, فالآية تعقد وتجمع بقوة بين "طور سيناء" وبين النتاج والنبات بالدهن

-الزيت- للآكلين. وكل من يعرف العربية, يعرف أن "تخرج" و"تنبت" و"الآكلين", كلها صيغ مضارعة مستمرة حاضرة معنا الأن, فلنذهب جميعا إلى "صحراء سيناء" ولتخرجوا لنا شجرة "تخرج" فيها "تنبت" بالدهن وصبغ للآكلين الحاضرين الآن!.


أما {وشجرة تخرج من طور سيناء تنبت بالدهن وصبغ للآكلين}, فهي بلا تكلف كلها صفات "للجود" والعطاء الحاضر المستمر. فلنذهب جميعا إلى طور الأرض المباركة فلنر كم عليه من شجر الزيتون المنتج المعطاء على مدار السنين, حتى إن أهل بيت المقدس ليسمونه "جبل الزيتون"!.


والله نادى موسى عند "البقعة المباركة" من جانب الطور {فلما أتاها نودي من شاطئ الواد الأيمن في البقعة المباركة من الشجرة}, فها هو الطور وها هي البقعة المباركة وها هي الشجرة مرة أخرى, فمن يقول أن في سيناء مصر من هذا من شيء, ومن يُخرج لنا علما عن الله أن الله بارك سيناء مصر, ومن يُخرج لنا علما عن الله أن الله قدس سيناء مصر, ألم يقرأ الناس {إذ ناداه ربه بالواد المقدس طوى}؟. وإنما القداسة والطهارة لواديين وحسب, وادي مكة, ووادي بيت المقدس.



أما نحن فعندنا من الله علم أن الله بارك حول المسجد الأقصى –والطور حول المسجد الأقصى-, وأن الله قدس الأرض المباركة, {يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم}. فهي بيت المقدس والقداسة, فلمَ نعدل عنها لغيرها بغير برهان ولا بينة؟!.

ثم لو وجد اليهود في سيناء مصر ما يشير ولو بقليل من بعيد أنهم كانوا هنا يوما ما, لما تركوها!.


وقد صح عن رسول الله عليه الصلاة والسلام فيما حدث به عن فتنة الدجال وعيسى ابن مريم, أن الله يوحي لعيسى بن مريم بعدما يقتل الدجال بباب لد ببيت المقدس, أن حرّز بعبادي إلى "الطور", فلمَ نرى العلماء يقولون ها هنا: إنه طور بيت المقدس لا طور سيناء مصر, فكيف صار الطور طورين؟!.


ثم ليقرأ من شاء تفسير المفسرين لسورة الطور, ليرى أنهم لا يجمعون أبدا على طور سيناء, ومنهم من لا يكلف نفسه عناء الاختلاف, فيقطع من أولها أنه طور بيت المقدس.



إنه هو, طور بيت المقدس, المحاذي للمسجد الأقصى

حيث نادى الله موسى, وحرّز بعيسى!.

وهو هو, "الجودي" بالدهن والصبغ للآكلين

فالجودي الطور, والطور الجودي!.

والتكملة هنا..
http://www.alassrar.com/sub.asp?page1=study1&field=studies&id=57

قصي علي الدليمي
04-12-2006, 04:41 PM
بوركت

حبيبة الرسول
05-12-2006, 02:22 AM
لنرجع الأن إلى سورة المؤمنون {وشجرة تخرج من طور سيناء تنبت بالدهن وصبغ للآكلين, وإن لكم في الأنعام لعبرة نسقيكم مما في بطونها, ولكم فيها منافع كثيرة ومنها تأكلون, وعليها وعلى الفلك تحملون, ولقد أرسلنا نوحا}!.




فما هذه العلاقة بين الطور وبين الفلك وبين نوح؟!.

قلنا من قبل إن "التنور" ذكر في السورتين, المؤمنون وهود, ولكن "الجودي" لم يذكر إلا في هود, فأين هو في سورة المؤمنون؟.


فإذا قابلنا السورتين معا, وجدنا "التنور" هنا ووجدناه هناك,

وإذا قابلنا السورتين معا, وجدنا "الجودي" في هود ولم نجده في المؤمنون!.


ولكننا نجد في المؤمنون جبلا معطاء جوادا, تماما قبل الشروع في قصة نوح حيث لا يذكر في السورة جبل غيره, فتأتي قصة نوح في سورة هود بين "التنور" و"الجودي", وتأتي القصة نفسها في المؤمنون بين "الطور" و"التنور"!.

وكأن القرآن ذكر القصة في هود مبتدأ من أولها إلى مستقرها, وذكرها في المؤمنون مبتدأ من مستقرها ثم عاد على أولها!.




سورة الإسراء والإشارة الخفية

كنا إذا قرأنا سورة الإسراء, فوصلنا إلى الآية الثالثة منها:

{سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى}..

{وآتينا موسى الكتاب وجعلناه هدى لبني إسرائيل}..

{ذرية من حملنا مع نوح}.



نتساءل عن العلاقة الظاهرة المباشرة هنا, بين بني إسرائيل ونوح, فنحير جوابا ونقف.

أما الآن, وعلى ما قدمنا, فنحن أمام الفلك الذي استوى على الطور ببيت المقدس, ومن هناك بدأت ذرية الخلق الثانية, ومنهم بنو إسرائيل المتعلقين بالمسرى ببيت المقدس, مبدأهم ومعادهم إلى حشرهم الأخير.

فالآية توحي بجرس خفي, أن نوحا حُمل إلى"المنزل المبارك" حول المسجد الأقصى, كما أسري بالنبي الخاتم إلى المسجد الأقصى مرة أخرى!.




{من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى}

ما علاقة نوح بها؟.


محمد عليه الصلاة والسلام خاتم النبيين, ونوح أول الرسل, فهل يختم محمد عليه الصلاة والسلام بإسرائه هذا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى, دورة الرسل والنبيين كلهم, بدليل اجتماعهم له في المسجد الأقصى جما غفيرا, وهل كانت هذه الرحلة سنة الله في الرسل أولي العزم من نوح إلى محمد؟, لنر!.


حينما بدأنا رحلة بحثنا في هذا الكتاب المجيد, بدأنا من عند "التنور", ووقفنا لحظة نسأل ما "التنور", وأين هو؟.

كتب التفسير, تجمع على أن "التنور" هو الفرن, ففار فرن بيت نوح, أو فار فرن غيره ببيت ما, لا تذكر الكتب!.

ولكن هل هذا هو الصواب, وإليه المنتهى؟.


أولا: لم يجمع أهل العربية أن "التنور" هو الفرن وحسب, فلا تقال لغيره ولا تطلق إلا عليه, بل هي عندهم –كما في لسان العرب- لأكثر من وجه ومعنى, فالفجر التنور, ووجه الأرض تنور, وكل مفجر ماء تنور!.


لنعتمد إذا على عربية القرآن ما لم نجد نصا للنبي يقطع بعلم أو معنى, وما لم نجد أثارة من علم يسند لله أو النبي.


فعجيب هذا "الفرن" الذي يفور, ومتى كان الفرن يفور؟.

أما إذا أخذنا المعنى الأخير في لسان العرب - وكل مفجر ماء تنور- استوى المعنى واللفظ. فأن يفور "مفجر الماء" فهذا معهود معقول, أكثر من فوران الفرن الذي لم يثبت أصلا, أن الذي فار فرن وحسب.


نحن من قبل قلنا بالاعتماد على ظاهر آية الإسراء {من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى} وارتباطها بذكر نوح, ملنا أن الرحلة كانت من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى, حيث نزلت على البقعة العلم المعلمة, رجعنا نبحث عن علامة بجنب المسجد الحرام, من المعقول أن تفور, وما زلنا نعتمد على "موسوعتنا العلمية" المجيدة عن البقاع والمواقع والمنازل, فلعل هذا البيت الحرام من أول يوم بني فيه, جعل بجانبه الماء, فهذا البئر الملازم أصل الحياة للبيت.


وأيسر لنا وأقوم أن نبدأ بالمعرفات عندنا للبحث والتكوين, فهذه الأرض المباركة تعرف بطورها, ولا يذكر البيت الحرام, إلا ويذكر "زمزم" معه!.



فيظهر لنا الأن أن "الجودي" كانت إشارة "للطور", وأن "التنور" كانت إشارة "لزمزم", ففار مفجر الماء "زمزم" وبدأ الطوفان وبدأ الأمر العظيم.


وأن تكون السكنى بالواد بين جبال مكة, أدعى إلى اجتماع الماء السريع, فتصبح مكة كالجوبة والحوض الكبير, سرعان ما يمتلئ بالماء, ولعل هذا ما يفيد باعتصام ابن نوح بالجبل, فيظهر أن الجبل كان قريبا, وأنها كانت جبالا حولهم, مما يوحي به نص القرآن على لسان ابنه {سآوي إلى جبل}, فهي جبال قريبة, وهو يختار منها أقربها وآمنها, إذ لو كان النص "سآوي إلى الجبل" بالتعريف لتغير المعنى.

ولعله من أجل ذلك أيضا جاء الجرس السريع في سورة المؤمنون {فإذا جاء أمرنا وفار التنور فاسلك فيها من كل زوجين اثنين, وأهلك إلا من سبق عليه القول منهم, ولا تخاطبني في الذين ظلموا إنهم مغرقون}.



ثم ألم نسأل أنفسنا ماذا جرى, حتى يردم البيت العتيق بعد آدم, ثم يُبوّء مكانه لإبراهيم, ويرفع قواعده مرة أخرى؟, فما الذي جرى, وأين ذهب أهل البيت؟!.




ومن يقرأ التفاسير عن أصنام قوم نوح, يجدها قريبة من مكة وما حولها, فبماذا يوحي هذا, وبماذا توحي آية الأعراف على لسان هود إذ يقول لقومه {واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد قوم نوح}, وكلنا يعلم -من حديث النبي- أن عادا كانوا في جزيرة العرب, فكيف يخلفون قوما من خارج أرضهم؟. فالأقرب أن يكونوا بالتتابع, قوما بعد قوم, ويكثر ما يجمع القرآن الأقوام الثلاثة متتابعين {وإن يكذبوك فقد كذبت قبلهم قوم نوح وعاد وثمود}.




إشارة من سورة القمر


{وحملناه على ذات ألواح ودُسُر, تجري بأعيننا}, فماذا تقول التفاسير عن الألواح والدسر؟.

أما الألواح فمرت معنا, وقلنا ما عندنا فيها. وأما "الدسر" فالتفاسير على أنها "المسامير", كما تقول العرب.

وعندنا ما نضيفه, فـ"الدّسر" في لسان العرب, هو الدفع بقوة وشدة وقهر. وهذا أولى من الفهم الأول, إذ لا يكون فلكا كاملا, إلا باثنتين, الجسم والمحرك الدافع, ومن دون أحدهما لا يكون فلكا. فالأولى فهم النص على هذين المكونين, الألواح, وهي مكون الجسم أو الهيكل, والدسر, وهي مكون المحرك والدوافع {تجري بأعيننا}.




الآن..

ماذا ينفع المسلمين لو انشق الطور عن السفينة؟!.

أشرنا في أول بحثنا أن السفينة كانت بذاتها آية, {وجعلناها آية للعالمين}, فماذا في هذه الآية, وكيف نزهد بآيات الله ونتغافل عنها؟!.


فيظهر لنا أن في هذه السفينة أول ما فيها مصداق وصف الله للحدث في القرآن, على خلاف الكتب والأساطير كلها, حتى إذا ظهرت, ظهر معها مصداق قول الله.

ثم لا نستطيع أن نعرف كيف تكون هذه الآية آية للعالمين حتى نراها, فتكون لنا وللعالمين آية, ولعل فيها كل أصل الخلائق وكَرّة التكوين الثانية.

إنها على ما يوحي به القرأن, بيضة الخلق التي حوت العالمين, فتنحى بها "نوح" لأمر قضاه أحكم الحاكمين, ولعجب المؤمنين, فلم يرد هذا الوصف لله –أحكم الحاكمين- إلا في سورتي هود والتين, مرة بعد ذكر الجودي مباشرة, ومرة بعد ذكر الطور مباشرة!.


و"نوح" بهذا الفهم, هو من انتدب "ليتنحى" بالقلة المؤمنة الطاهرة ليكونوا هم الباقين {وجعلنا ذريته هم الباقين}, {وتركنا عليه في الآخِرين}. بكسر الخاء




فمن يقول لنا الأن كيف يترك على نوح في الآخِرين؟!.


{لكل نبأ مستقر وسوف تعلمون}.






قبل أن نختم!.


قد يسأل سائل: إن كانت على "الطور" بجانب المسجد الأقصى, فكيف لا نراها؟.

فنقول: لا يعني كونها استقرت على الطور, أن تكون الآن فوقه, نرى أنها استقرت يومها على الطور, وقد تكون "غُمرت" بجوف الطور!.

وقلت غمرت, لأن هذه الكلمة وردت في القرآن أربع مرات فقط, مرتان منها في سورة "المؤمنون", حيث الطور والتنور, فلعلها إشارة ولعلها مغمورة هناك.


وأرى –والله أعلم- أن تكون قصة نوح وآية الادّكار {ولقد تركناها آية فهل من مدّكر}, مذكروة في سورة القمر, أرى أن هناك ما يفيد النظر!, إذ السورة تبدأ هكذا {اقتربت الساعة وانشق القمر}, فماذا وراء الانشقاق, خاصة إذا علمنا إن معنى "السفينة" مرهون بالشق, فالسفْن هو الشق, فهل ينشق الطور وتظهر الآية للعالمين؟.

هذا ولا ننسى أن الطور قد انخلع من قبل ورفع فوق بني اسرائيل {وإذ نتقنا الجبل فوقهم كأنه ظلة}.







مختصر أخير


كانت الرحلة من "التنور" إلى "الجودي", وهما إسمان علمان, عرفّهما الله, وعقد حكمته على اختيارهما, ولكن الناس نكّروهما.

وإنما كانت نجاة نوح إلى المنزل المبارك عند المسجد الأقصى, وكان "الجودي" هو الطور الذي بشرقي المسجد الأقصى مباشرة, وكانت النجاة من مكة, وكان "التنور" الذي فار هو "بئر زمزم". والله أعلم وأحكم.





ولنا أن نعجب بعد هذا, ممن يترك بحث القرآن ويستقر على "اراراط"!.

ممن يترك القرآن, ويؤمن بالتوراة؟.





اللهم هذا مبلغنا من العلم, فاغفر لنا خطأنا وزلتنا

الجعافرة
05-12-2006, 02:54 AM
شكرا لحبيبة الرسول كاتبة الموضوع
وشكرا لأخي عز ديان
وشكرا لأخي قصي
=====================
سورة التين
مكية وهي ثماني آيات

بسم الله الرحمن الرحيم

(1) والتين والزيتون قيل خصهما من الثمار بالقسم لان التين فاكهة طيبة لا فضلة له وغذاء لطيف سريع الهضم ودواء كثير النفع فانه يلين الطبع ويحلل البلغم ويطهر الكليتين ويزيل رمل المثانة ويفتح سدة الكبد والطحال ويسمن البدن وفي الحديث إنه يقطع البواسير وينفع من النقرس والزيتون فاكهة وادام ودواء وله دهن لطيف كثير المنافع .
(2) وطور سينين قيل يعني به الجبل الذي ناجى عليه موسى ربه وسينين وسينا اسمان للموضع الذي هو فيه .
(3) وهذا البلد الامين أي الامن يعني مكة .
وفي الخصال والمعاني عن الكاظم عليه السلام قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله إن الله تبارك وتعالى إختار من البلدان أربعة فقال تعالى والتين والزيتون وطور سينين وهذا البلد الامين فالتين المدينة والزيتون البيت المقدس وطور سينين الكوفة وهذا البلد الامين مكة والقمي قال التين رسول الله صلى الله عليه وآله والزيتون أمير المؤمنين عليه السلام وطور سينين الحسن والحسين عليهما السلام وهذا البلد الامين الائمة عليهم السلام .
وفي المناقب عن الكاظم عليه السلام التين والزيتون الحسن والحسين عليهما السلام وطور سينين علي بن أبي طالب عليه السلام وهذا البلد الامين


--------------------------------------------------------------------------------

( 347 )

محمد صلى الله عليه وآله .
(4) لقد خلقنا الانسان في أحسن تقويم بأن خص بانتصاب القامة وحسن الصورة واستجماع خواص الكائنات ونظائر سائر الموجودات .
(5) ثم رددناه أسفل سافلين قيل بأن جعلناه من أهل النار القمي نزلت في الاول .
وفي المناقب عن الكاظم عليه السلام قال الانسان الاول ثم رددناه أسفل سافلين ببغضه أمير المؤمنين عليه السلام .
(6) إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم أجر غير ممنون قال علي بن أبي طالب عليه السلام .
(7) فما يكذبك بعد فأي شيء يكذبك يا محمد دلالة أو نطقا بعد ظهور هذه الدلائل كذا قيل بالدين في حديث المناقب بولاية علي بن أبي طالب عليه السلام وقيل بالجزاء والقمي إلا الذين آمنوا قال ذاك أمير المؤمنين عليه السلام بالدين قال بأمير المؤمنين عليه السلام فلهم أجر غير ممنون أي لا يمن عليهم به .
(8) أليس الله بأحكم الحاكمين تحقيق لما سبق يعني اليس الذي فعل ذلك من الخلق والرد بأحكم الحاكمين صنعا وتدبيرا ومن كان كذلك كان قادرا على الاعادة والجزاء .
في المجمع عن النبي صلى الله عليه وآله وفي العيون عن الرضا عليه السلام إنهما قالا عند الفراغ منها بلى وأنا على ذلك من الشاهدين .
وفي الخصال مثله عن أمير المؤمنين عليه السلام فيما علم به أصحابه .
في ثواب الاعمال والمجمع عن الصادق عليه السلام من قرأ والتين في فرائضه ونوافله اعطي من الجنة حيث يرضى .

الجعافرة
05-12-2006, 02:56 AM
تفسير سورة التين (095) : لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي







بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد الله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا إتباعه وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

أيها الأخوة الكرام :

سورة اليوم هي سورة التين .

بسم الله الرحمن الرحيم




(سورة التين )

قبل الحديث عن معاني الآيات الذي تنطوي عليها هذه السورة لا بد من تعريف عام لهذه السورة ، سورة التين تؤكد أن الإنسان يستطيع أن يسمو إلى أعلى عليين إذا هو عرف ربه وأطاعه وعمل الصالحات تقرباً له وإذا ضل عنه وعصاه يهوي إلى أسفل سافلين ، فحياة الإنسان إما أن تكون في أعلى عليين وإما أن تكون في أسفل سافلين لذلك الإمام علي كرم الله وجهه قال : ركب الملك من عقل بلا شهوة وركب الحيوان من شهوة بلا عقل وركب الإنسان من كليهما فإن سما عقله على شهوته أصبح فوق الملائكة وإن سمت شهوته على عقله أصبح دون الحيوان .

إما أن تكون في أعلى عليين فوق الملائكة المقربين ، وإما أن يكون الإنسان الضال في أسفل سافلين دون أحط الحيوانات قدراً . الله سبحانه وتعالى يقول :

إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية
(سورة البينة : آية 7)

أي خير ما برأ الله .

إن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين في نار جهنم خالدين فيها أولئك هم شر البرية

(سورة البينة : آية 6)



أي شر ما برأ الله ، ولقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم ثم رددناه أسفل سافلين .


(سورة التين )

التين هو التين الذي نأكله والزيتون هو الزيتون الذي نعصره ، وقد يأكل الإنسان الطعام ولا يفقه ماذا يأكل ، ولا يعرف قيمة ما يأكل ولا يعرف عظمة الله عزوجل من خلال هذا الذي يأكله .

هل نظرت إلى التين ؟

إن كل بذرة في التينة يمكن أن تكون شجرة ، ما أدق هذه البذرة ، فيها رشيم وفي الرشيم حياة ، فإذا ذهبت تعد عدد بذرات التينة الواحدة ، كل بذرة يمكن أن تكون شجرة ، وإذا ذهبت تعد عدد الثمرات التي تحملها الشجرة في العام وتضربها بعدد البذرات ، هذا عطاؤنا .

الله سبحانه وتعالى تفضل علينا بنعمة الإيجاد وعن طريق التوالد والبذور ، تفضل علينا بنعمة الإمداد ، نعمة الإيجاد ونعمة الإمداد .

" النبي صلى الله عليه وسلم فيما تروي الأحاديث أهدي إليه سل تين ، فقال كلوا وأكل منه وقال لو قلت إن فاكهة نزلت من الجنة لقلت هذه لأن فاكهة الجنة بلا عجم ."

يعني بلا نوى .

انظر إلى التينة وهي خضراء قاسية لو تذوقتها لرأيت لها طعماً حريفاً حاداً انظر إليها وقد اصفر لونها وسال عسلها وعذب طعمها وصار كالعسل ولان ملمسها ، ونمت في الجبال بلا عناية ولا سقي ولا شيء من هذا القبيل ، فهذه آية من آيات الله سبحانه وتعالى .

ذكر التين وأراد كل فاكهة نأكلها ، هل فكرت فيها كيف صممت ، العلماء أحياناً يقعون في شيء اسمه كفر مبطن ، يقول هذه البذرة مبرمجة .

قال لي رجل من أهل العلم أن هذه البذرة مبرمجة بمعنى كل خلية من خلاياها فيها نواة وفي النواة محفظة فيها تعليمات تسميها كروزومات ، تسميها جينات ، تسميها مورثات ، قال هذا الرجل المتعلم المختص بهذا الموضوع لو أردنا أن نترجم هذه التعليمات إلى لغة لاضطررنا أن نكتب هذه التعليمات في مجلدات تعادل دائرة المعارف ، يعني عشرون ثلاثون مجلد وكل مجلد ألف صفحة .

بعض العلماء قال هذه التعليمات تزيد عن خمسة آلاف مليون أمر ، هذه التعليمات في محفظة في نواة ، هذه النواة في الهيلولة ، وهذه الهيلولة في الخلية .

العالم كلما رأى بذرة يقول لك مبرمجة أي عندما تزرعها تنبت تيناً لخشبها شكل ، لأغصانها شكل ، لأغصانها لون ، للأوراق لون خاص ، لملمس الأوراق ملمس خاص ، ذات طبيعة خاصة وطبع مميز ، لها أوقات نضج ، تحتمل الحر والقر ، تنبت في المرتفعات والمنخفضات ، هذا معنى مبرمجة فهذه البذرة تنتج تيناً ، وهذه البذرة تنتج زيتوناً ، على مستوى الأزهار ترى البصل لونه واحد ومع هذا هذه البصلة تنتج وردة بيضاء ، وهذه البصلة زهرتها حمراء قانية ، وهذه البصلة زهرتها حمراء غير قانية .

يعني مبرمجة ، هذه البذرة فيها تعليمات ، تعليقاً على هذا الكلام الذي يقوله العلماء أضرب مثلاً :

لو أردنا أن نبني بناءً واستخدمنا مهندسين من أرقى المستويات وقلنا لهذا المهندس ضع لنا مخططاً للأساسات ولهذا احسب لنا نسب الإسمنت والحديد ولهذا المهندس ارسم لنا شكل البناء ولهذا المهندس هندس المجاري ، ولهذا المهندس هندس الكهرباء وجمعنا هذه الخرائط الصحيحة الدقيقة التي بذل فيها أصحابها الساعات الطوال والإبداع الرائع ووضعناها فوق بعضها بعضاً كيف يظهر البناء ؟

أي بناء هذا ، هل تكفي البرمجة ، هل يكفي أن يكون معك مخطط تفصيلي دقيق جداً فيه آلاف المعلومات عن البناء حتى يبنى البناء ، اجمع هذه الخرائط وضعها في أرض خاوية وانتظر هل يبنى هذا البناء يحتاج إلى مواد ، ائتي بمئات الأطنان من الإسمنت ، والحديد والبلاط والدهان وكل ما يحتاجه البناء وضع هذه المواد وانتظر هل يبنى البناء ، إذاً هل يكفي أن تقول بذرة مبرمجة ، هل يكفي أن تقول في هذه البذرة معلومات ، هل تكفي التعليمات لتنقلب هذه البذرة إلى شجرة ، هل تكفي هذه التعليمات لتنقلب البصلة إلى زهر رائع لا تكفي التعليمات ، لا بد مع التعليمات من مواد ولا بد مع المواد من بناء ، لا بد من تعليمات أي مخطط أي برمجة ولا بد من مواد ولا بد من بناء يقوم به ، فإذا رأيت فاكهة وقلت هذه بذرتها مبرمجة فهذا أحد أنواع الكفر المبطن ، يعني عزونا الإبداع للمادة .

الله عز وجل إكراماً لنا ورأفة بحالنا ثبت خصائص المواد ، إذا زرعت بذر الفجل ينبت فجلاً ، لو كان في الكون فوضى لوجدت الفجل ينبت الخيار والخيار ينبت البصل ، لكن ربنا عز وجل جعل للبذرة صفات ثابتة ، والناس حينما بعدوا عن الله عز وجل ظنوا أن هذه البذرة مبرمجة مع أن الله سبحانه وتعالى حينما أنبت هذا النبات أنبته على طريقة ثابتة كي نطمئن .

حدثني أخ يعمل في حقل الأزهار قال لي في بعض الأنواع من الأزهار الغرام الواحد من بذورها يعد سبعين ألف بذرة ، البذرة التي هي جزء من سبعين ألف من الغرام ، فيها رشيم ومع الرشيم مواد غذائية تكفي لإنباته وإنبات جذوره .

أحضر حبة فاصولياء وضعها في قطن بعد أيام ينبت برعم ، وجذير ، أمسك الفاصولياء تراها فارغة ، من أين نبت البرعم والجذير ؟ ربنا عز وجل حينما خلق البذرة خلق لها رشيماً وخلق مواد غذائية تكفي لإنبات البراعم السويق ولإنبات الجذير إلى أن تستطيع البذرة أن تأخذ غذاءها من التربة يكون هذا المستودع الغذائي قد انتهى ..

في كل بذرة رشيم ومواد ومخطط تفصيلي ، أية يد بنت هذا البناء ؟ أية يد أنبتت هذا النبات ؟

التين له شكل معين وأوراقه لها شكل معين وأغصانه لها شكل معين ولحجم فاكهته حجم معين وله لون معين وله طعم معين وله بذور معينة وله طباع معينة وله وقت نضج معين ، ربنا قال :


(سورة التين )

على جبل واحد تينة وزيتونة ، هذه تنضج في الصيف وتلك تنضج في أوائل الشتاء ، هذه ذات طعم مر وهذه ذات طعم حلو كالعسل .

سبحان الله ، بون واسع بين التين والزيتون ، قد تزرع تينة إلى جنب زيتونة على أرض واحدة ويسقيها ماء واحد ويعتني بها مزارع واحد ولهذه صفاتها ولتلك خصائصها .

قال بعض المفسرين ما أراد الله عز وجل من هذه الآية التين والزيتون فقط ، أراد كل ما تأكله فهذان النوعان والصنفان اللذان ذكرا تأكلهما على سبيل المثال لا على سبيل الحصر ، هل فكرت أيها الإنسان في التين و الزيتون ، هل فكرت في المشمش في التفاح في الكمثرى في الدراق في العنب في البلح في الموز في هذا الذي خلقه الله سبحانه وتعالى ؟

كل فاكهة لها لون وطعم لها نكهة لها قوام لها قشر ، لو أن التين طال ذنبها لسقطت لكن قصر ذنبها يعين على تماسكها على الشجرة وهذه من حكمة الله عز وجل ، لو أن هذه التينة بقيت ذات لون أخضر ، لا تعرف أنت أي ثمرة قد نضجت ، تقطف ثمرة غير ناضجة لا تؤكل ، لكن الله سبحانه وتعالى تفضل علينا فجعل الثمرة الناضجة صفراء اللون وأعطاك إشارة أخرى وهي نقطة عسل في مؤخرتها ، هذه نضجت اقطف هذه ودع تلك ، قال ربنا عز وجل وعلامات .

ما من فاكهة على وجه الأرض إلا ولها علامة نضج وهذه من نعمة الله عز وجل حتى البطيخ ، الذي يملك حقل بطيخ يجنيه خلال أشهر ثلاثة ، كيف يعرف أن هذه البطيخة قد نضجت ؟ هل يحملها وهي على أمها ويتفحصها ؟ وإذا قطف البطيخ من دون معرفة قد يأتي كله أبيض اللون لا يباع ربنا عز وجل جلت حكمته جعل على طرف البطيخ حلزوناً إذا كان يابساً فالبطيخة قد نضجت وإذا كان أخضر اللون يدعها على حالها .

ما من فاكهة من الفواكه إلا ولها علامة لذلك قال الله عز وجل :

وعلامات وبالنجم هم يهتدون
(سورة النحل : آية 16)

كلمة علامات مطلقة ، علامة لنضج الثمار و الخضراوات و المحاصيل و الفواكه و الثمار و كل شيء . ربنا عز وجل جعل هذا التين لا ينضج في وقت واحد ، مع أنه تلقى شروطاً واحدة ، حراً في وقت واحد ، قراً في وقت واحد ، سقي في وقت واحد ، الظروف المحيطة بالشجرة واحدة ، يجب في المنطق أن تنضج الثمرات في وقت واحد فلو أن هذه الشجرة نضجت دفعة واحدة الإنتاج كله سوف يباع في الأسواق و الإنسان لن يستطيع أن يستهلكه في يوم واحد ، يستهلك واحد من تسعين من حجمه و الباقي يتلف ، لكن الله سبحانه و تعالى جلت حكمته جعل نضج التين ، والتفاح ، والكمثرى ، والدراق ، و البطيخ بالتدريج .

لولا أن هناك إلهاً عظيماً لجعل القمح ينضج بالطريقة نفسها ، هذه مشكلة ، تمسك السنبلة واحدة واحدة فترى هل نضجت أم لم تنضج أي يمضي الصيف كله بجني القمح .

فالمحاصيل لحكمة بالغة جعلها الله عز وجل تنضج في وقت واحد .

فربنا يقول جل من قائل :

والتين و الزيتون
أي هل فكرت أيها الإنسان بهاتين الآيتين ، يجب على الإنسان ألا يكون كالبهيمة يأكل و يشرب كما تأكل الأنعام ، الأنعام تأكل ولا تعرف ماذا تأكل ، ولا قيمة ما تأكل ، ولا عظمة الخالق فيما تأكل ، ولا روعة الخلق ، ولا العلم المنطوي بهذه الفاكهة ، والتين والزيتون .

أشياء كثيرة يمكن أن نتكلم عنها في موضوع التين والزيتون ولكن المقام لا يتسع لأكثر من ذلك ، وعلى الإنسان أن يجول فكره في ملكوت السموات والأرض ربنا سبحانه و تعالى يقول:

إنما يخشى الله من عباده العلماء
(سورة فاطر : آية 28)

أي العلماء وحدهم يخشون الله .

كلما زدت المخلوقات فكراً زادتك معرفة بالله عز وجل ، والأصح من ذلك أن الله سبحانه و تعالى إنما خلق الخلق لنعرفه من خلال الخلق . قال تعالى :

الله الذي خلق سبع سماوات ومن الأرض مثلهن يتنزل الأمر بينهن لتعلموا أن الله على كل شيء قدير وأن الله قد أحاط بكل شيء علما

(سورة الطلاق : آية 12)

فهذه اللام لام التعليل لتعلموا .


(سورة التين )

هناك تفسيرات كثيرة لآية و طور سينين ، أن التين والزيتون ينبتان في الجبال ، الطور هو الجبل وسينين هو الجبل الذي فيه أشجار مثمرة ، يعني الجبل الأخضر منظر جميل وعطاء كريم ، في بلادنا جبال كثيرة كلها زيتون ، هناك إحصاء قديم من عشر سنوات و نيف فيه عدد أشجار الزيتون خمسة عشر مليون زيتونة .

جبال خضراء وفوق جمالها وخضارها تدر على الناس عطاءً كثيراً ومعنى آخر أن هذا الجبل الذي ينبت هاتين الشجرتين من تربة واحدة قد يكون الجبل كلسياً قد يكون يغلب على تربته الحديد ومع ذلك ترى طعم الزيتون يختلف عن طعم التين وبعض المفسرين قالوا الطور من قوله تعالى :

ما لكم لا ترجون لله وقارا وقد خلقكم أطوارا

(سورة نوح : آية 14)

من الطور والطور مرحلة في النمو ، مرحلة في التطور ، هذه البذرة لتصبح شجرة تمر في مراحل من مرحلة الرشيم لمرحلة إنبات الرشيم لظهور الجذير ، لنمو الساق ، لنمو الأغصان ، لنمو الأوراق ، لنمو الأزهار ، لانعقاد الثمرة ، لنضج الثمرة ، لحجم الثمرة وتلوينها ، هذه الأطوار طور فوق طور .

لذلك قال بعض الفلاسفة : البذرة شجرة بالقوة ، وبذرة بالفعل .

ربنا عز وجل قال والتين والزيتون وطور سينين ، هذا التطوير في النبات والحيوان والإنسان ، فالطفل ينمو ، يمشي ، يتكلم ، يدرك ، يحاكم ، يفكر ، يتذكر ، يكبر ، تنبت لحيته ويخشن صوته ، يصبح شاباً ، يزداد عقله ، يقل طيشه ، ثم يصبح كهلاً ، يعقل ، يفكر في مستقبله ، يتزن في كلامه ، أطوار .

ما لكم لا ترجون لله وقارا وقد خلقكم أطوارا
(سورة نوح : آية 14)



والأشجار المثمرة تبدأ بذرة ثم فسيلة ثم شجيرة لا تثمر بعد ذلك تثمر ثم تنمو ثم تعطي عطاءها ، منها من يعمر ، هذه تعيش ألف عام ، هذه تعيش عشرة أعوام ، هذه قصيرة العمر وهذه طويلة العمر ، هذه الأطوار طواها الله سبحانه وتعالى في قوله وطور سينين .

إما أن نفهم الطور الجبل المبارك الذي تكسوه الأشجار الخضراء ، وإما أن نفهم الطور هذا الإمداد الإلهي الذي يجعل الأشياء تمر من طور إلى طور .

قبل يومين رأيـت الناس متحلقين في أحد شوارع المدينة اقتربت فإذا إنسان ملقى على الرصيف سألت : ماذا به ؟ قالوا : وقع ميتاً ، قبل دقائق كان يمشي ويتحرك ويسمع ويرى ويبصر وكان له محاكمة ونطق وكلام وأجهزة متعددة كانت تعمل دفعة واحدة توقفت عن العمل ، فإذا هو جثة هامدة .

ماالذي فقد هذا الإنسان ، فقد هذا الإمداد الإلهي هذا الإمداد الذي يمد الأجهزة بالحركة والعمل ، أضرب مثلاً جهاز معقد جداً يعمل على الكهرباء إذا قطعت عنه الكهرباء يقف ، يصبح كتلة من حديد .

الله سبحانه وتعالى يمدنا بالحياة ، والموت توقف القوة الممدة بالحياة فإذا الإنسان لحم وعظم يتفسخ بعد حين .


(سورة التين )

البلد الأمين مكة المكرمة ، و إذا حملنا هذه الآية على أنها مكة المكرمة ، تكون بعيدة عن السياق العام مع أن مكة مكرمة عند الله عز وجل مشرفة وزادها الله شرفاً و تعظيماً ، لكن البلد الأمين إذا راعينا السياق العام هذه الأرض التي نحن عليها ، اركب طائرة هل تحس بالأمن المطلق لا ، لعل جهازاً تعطل فيها لا بد من قلق ولو بالمائة واحد لعل الوقود تسرب من بعض الخزانات لعل الأشخاص المكلفون بتنسيق الحركة في المطارات غافلون ، لعل هناك اصطدام بين طائرتين ، وهذا حدث .

إنك وأنت على سطح الأرض في طمأنينة بالغة ، الأرض لن تصطدم في كوكب آخر قال تعالى :

وكل في فلك يسبحون
(سورة يس : آية 40)

لكل كوكب مسار خاص ، الأرض لن يتعطل فيها بعض الأجهزة لن ينفد الوقود لن تختل الجاذبية ، هناك أمن .

هناك أمن على بقائها وأمن على استمرارها وعلى حركتها وعلى استمرارها وعلى طاقتها والشمس كل يوم تشرق ، أنت مطمئن ، لولا أن الله سبحانه وتعالى تفضل علينا وجعل للحديد صفات ثابتة فأحوالنا صعبة بعد أن أشدت البناء طرأ تعديل على بنية الحديد فوقع البناء .

الحديد له صفات ثابتة ، الإسمنت له صفات ثابتة ، ثبات خصائص المواد هذه نعمة كبرى ولا يعلمها إلا العالمون ، أنت في هذا البلد على هذه الأرض تحتاج إلى الماء ، الماء موجود في البحار والينابيع وفي الأنهار وفي باطن الأرض والمياه معدنية فيها نسب من الكلور معينة ومن اليود معينة هذه النسب لها علاقة بأجهزة الإنسان الداخلية وبغدده الصماء ، حتى أن وحدات التحلية التي صنعها الإنسان لتحلية مياه البحر هكذا بلغني أن المشرفين على هذه الوحدات يضيفون إليها بعض مياه الآبار لأن هذه التحلية تعطينا ماء صرفاً وليس معدنياً وهذا يؤذي بالصحة ، تحفر الآبار ويؤخذ منها بعض الماء القليل ويخلط مع مياه التحلية حتى يصبح الماء معدنياً ، فأنت إذا شربت كأس الماء من هذا البلد الأمين الذي جعل الله عز وجل كل الحاجات متوافرة فيه .

أنت بحاجة إلى الهواء قد لا تصبر من دون ماء أكثر من أيام ، لذلك الماء موزع في المدن والقرى ، لكن الهواء لن تستطيع أن تصبر على فقده إلا دقائق إذاً هو في كل مكان ، الهواء موجود في كل مكان لا يباع ولا يشترى ، ولا يقنن ولا يحتكر ولا يستغل لأن حاجتك للهواء مستمرة فالله سبحانه وتعالى جعله في كل مكان .

أنت بحاجة إلى أن تنام جعل لك الليل أميناً ، وجعل المخلوقات كلها تخلد إلى النوم في مثل هذا الوقت أنت بحاجة إلى ثياب تقيك الحر جعل القطن يمتص العرق ، بحاجة إلى ثياب تقيك القر جعل الصوف تدفأ به ، أنت بحاجة إلى طعام فيه بروتين جعل اللحوم ، ونوعها لك فتأكل لحم غنم تارة ولحم سمك تارة ولحم طير تارةً أخرى .

وأنت بحاجة إلى فواكه ذات ألياف سيللوزية من أجل أن تحرك أعضاءك ، وإلى شيء تمتع عينيك جعل هذه الأزهار ونوعها وعددها وجعلها متباينة الأشكال والألوان ، أنت بحاجة إلى بيت جعل لك مواداً تجبلها تصبح سائلة ثم تجف تصبح قاسية من خلقها لك ، من أعطى للإسمنت خواصه ، من أعطى الخواص التي صنع منها الإسمنت .

أنت بحاجة إلى طفل يؤنس وحشتك ثم يعينك في كبرك فجعل نظام الزواج ، تحتاج إلى إنسان تسعد به قال تعالى :

ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون

(سورة الروم : آية 21)

وهذا البلد الأمين ، يعني كل الحاجات موفرة من طعام وشراب وزينة وكل شيء تريده وكل حاجة تحتاجها ، خلقها الله سبحانه وتعالى جعلها لنا .

وهذا البلد الأمين ، هنا تجاوزنا التين والزيتون ، التين والزيتون نموذجين ، وطور سينين هذه الجبال الخضراء الجميلة أو هذه البيئة الواحدة ، الأرض كل شيء فيها .

أنت بحاجة إلى ليف لتستحم به ، يوجد ليف طبيعي له وجه ناعم وآخر خشن ، مهما صنع الإنسان من أشياء لتستحم بها هذا الليف الطبيعي نبات من الداخل خشن ومن الخارج ناعم ويضاين كما يقولون ، أنت بحاجة إلى نباتات حدودية للحدود بينك وبين جيرانك ، أنت بحاجة إلى نباتات للزينة ، أنت بحاجة إلى شجر ليكون لك مظلة أمام بيتك ، هناك أشجار مظلات كأنها مظلة ، دائمة الخضرة ذات أوراق لطيفة تتحرك مع الهواء حركة جذابة وهذا البلد الأمين كل شيء تريده موفر لديك .

وأنت في النهاية في أحسن تقويم ، يعني في أبدع ما يكون ، هل تستطيع يا أخي الكريم أن تقترح على الله عز وجل تعديلاً لخلق الإنسان كأن تطول اليدان أو يتغير موضع الإبهام أو الأظافر ، هذا الظفر يأتي هنا من أجل أن تمسك الأشياء بقوة ، طول المفاصل وكرويتها ، العضلات ، والأعصاب ، والأوردة و الشرايين ، لو فتحت اليد ورسمت لرأيت عجباً عجباً ، هذا الجذع هذا الرأس كيف يتحرك ويدور من جعل هذا المفصل دائرياً ، هذا السطح هو المتحرك ، والرأس هو الثابت لو كان العكس .

مكان العينين ، الشعر ، الأنف ، الفم ، الشفتان ، الأسنان ، منها قواطع ، ومنها أنياب وأضراس ، لو أن هذه الأسنان تنمو باستمرار ، ماذا نفعل ؟ من هو القابض ؟ نمت ونمت ثم توقفت ، من أوقفها عند حدها وماذا نفعل لو أن الله سبحانه وتعالى لم يوقف النمو عند حد معين ؟

من جعل هذه الجمجمة ذات مفاصل منكسرة من أجل امتصاص الصدمات ؟ من جعل بين الدماغ والجمجمة سائلاً من أجل أن يقي الإنسان ارتجاج الدماغ ؟ من جعل هذه الأنسجة حول الدماغ ؟ من جعل في الدماغ مائة وأربعين مليار خلية استنادية لم تعرف وظيفتها بعد ؟ من جعل على سطح الدماغ أربعة عشر مليار خلية سمراء من أجل المحاكمة:

لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم

من جعل في هذه العين مائة وثلاثين عصية وسبع ملايين مخروط من أجل أن ترى أدق الأشياء وأجملها ؟ من جعل العين تفرق بين ثمان مائة ألف درجة من لون واحد ؟

من جعل هذا الأنف يعرف الروائح وفي الذاكرة أرشيف للروائح يشم هذه الرائحة يقول انتظر هذه الرائحة كذا .

ماذا حصل في الدماغ أن هذه الرائحة عرضت على قائمة طويلة من الروائح واحدة واحدة فلما وصلت إليها قلت هذه كذا ، عندك ذاكرة روائح وذاكرة أصوات وذاكرة طعام ، الذاكرة شيء عجيب .


(سورة التين )

الله عز وجل أعفاك من التنفس والدوران ، لو أن الله سبحانه وتعالى أوكل إليك التنفس ماذا تعمل هل تنام ؟ ينام الإنسان فيموت يجب أن يسهر حتى يتنفس ، لو أن الله سبحانه وتعالى أوكل إليك ضربات القلب لا نوم ، النوم معناه الموت .

لو أن الله سبحانه وتعالى أوكل إلينا الهضم تحتاج أربع ساعات تضع المواد الهاضمة والعصارات وكلور الماء ، البنكرياس والمرارة تتفرغ خمس ساعات بعد الأكل ، إذاً خمس عشرة ساعة لهضم الطعام كل يوم.

لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم
جعلك تنام وترتاح في النوم ، جعلك تتكلم ، كل حرف سبعة عشر عضلة تسهم في صنعه وهناك عضلات معقدة تعمل في الكلام .

الرحمن علم القرآن خلق الإنسان علمه البيان

(سورة الرحمن : آية 1ـ4)

جعل الحركة لا إرادية إذا الإنسان شاهد أفعى في بستان يصفر لونه ويدق قلبه ويزداد وجيب رئته تفحص الدم تجد فيه مواداً سكرية زائدة ، خلال ثوان ما الذي حدث ؟ قال : العين رسمت في شبكيتها صورة الأفعى والعين نقلت هذه الصورة إلى ملك الجملة العصبية الدماغ ، والدماغ يملك أرشيف فيقول أفعى هذه ، وهذا يسمى الإدراك ، العين تحس أما الدماغ يدرك ، الدماغ أعطى أمراً إلى ملكة الجهاز الهرموني الغدة النخامية وحجمها كالعدسة ، هناك خطر ، الغدة النخامية أعطت أمراً إلى الكظر هناك خطر تصرف .

المراكز العليا تعطي أمراً صغيراً موحداً أما الدنيا معها تفصيلات ، الكظر أعطى أمراً إلى كل الشرايين بتضيق لمعتها لتوفير الدم ، الخائف يصفر أمر ثان إلى القلب ليزداد حتى ينتقل الدم بسرعة ، أمر ثالث للرئتين فيزداد خفقانهما حتى تتوافق مع القلب أمر رابع للكبد يفرز مواد سكرية إضافية في الدم خلال ثوان .


(سورة التين )

الله عز وجل خلق مثانة ، لولا المثانة لضاعت كرامتنا كل عشرون ثانية يوجد نقطتي بول لو كان من الكليتين للخارج مباشرةً يحتاج إلى فوط .

ربنا جعل مثانة جعل حالبين جعل عضلات إخراج البول بإرادتك ، عضلات قابضة وهي مشدودة إلى أقصى حد أنت مرتاح ، هاتان العضلتان فيهما عظمة لا حدود لها .


(سورة التين )

هذا عن خلق جسمه ، انظر إلى إنسان فقد عقله في الطريق ، حدثني أخ عنده رجل مسن فقد تفكيره ، قال لي : نربط له يديه حتى لا يأكل من نجسه .

ألا نظرت في الطريق إلى إنسان مجنون كيف يتكلم كيف يتصرف ، هناك قصص يقشعر لها البدن ، تراه صحيح الجسم قوياً و لكنه بلا عقل فإذا فقد الإنسان عقله فقد كل شيء لأن قوام الرجل عقله .


( سورة التين )

تتكلم الكلام المناسب بالوقت المناسب أحياناً تتكلم ، أحياناً تسكت ، تغضب غضباً مناسباً في وقت مناسب ، فعقلك يتحكم في المواقف كلها .

لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم عقلاً وفطرةً وجسماً ، لو أن الله عز وجل وضع في الشعر أعصاباً حسية لاحتاج الإنسان إلى عمل جراحي في المستشفى عملية حلاقة ، لأنها تحتاج إلى مخدر . وكذا شأن الأظافر ليس فيها أعصاب حس ، قص أظافرك و لا تحتاج إلى مخدر ولا غرفة تخدير .

كل الخلايا في الجلد تتجدد وهذه من نعمة الله على الإنسان ، لكن الله حكيم لو أنه طبق هذا على كل شيء وتجدد الدماغ تفقد كل خبراتك ومعلوماتك ، كنت طبيباً ونسيت كل شيء لأنه الدماغ تجدد ، أما خلايا الدماغ ثابتة ، لا تتبدل ، خلايا الدماغ الذي ولدت بها هي كما هي حتى آخر ساعة من حياتك ، فيها خبرات فيها معارف ، فيها الذكريات والمعلومات كيف تنمو خبرة الإنسان ، ربنا عز وجل جعل الدماغ لا يتبدل والقلب كذلك وما سوى ذلك كل شيء بجسمك كل خمس سنوات يتجدد وأشياء تتبدل كل أربع سنوات ، الشعر يتبدل كله بثلاث سنوات ، أطول عمر لشعرة ثلاث سنوات . أما خلايا الأمعاء تتبدل كل ثمان وأربعين ساعة .

لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم
لماذا خلقناه في أحسن تقويم ؟

ليكون في أعلى عليين قال تعالى :

ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم بالبر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا

(سورة الإسراء : آية 70)

خلقنا الله عز وجل في أحسن تقويم لنكون في أعلى عليين ، فإذا ضل الإنسان عن ربه ، عصاه ، نسي لماذا خلقه ، نسي الآخرة قال تعالى :


(سورة التين )

يعني أحقر المخلوقات في الأرض الإنسان العاصي عندما يغفل الإنسان عن الله عز وجل ويعطي لنفسه شهواتها ، فيطغى على حقوق الناس ويأخذ ما ليس له ويستعلي عليهم ويبني مجده على أنقاضهم وغناه على فقرهم وأمنه على خوفهم هذا في طريقه إلى مرتبة سفلى ، إلى أسفل سافلين هكذا قال الله عز وجل ، إذا الإنسان لم يعرف الله عز وجل يرد إلى أسفل سافلين لذلك قال عليه الصلاة والسلام :

من قرأ القرآن متعه الله بعقله حتى يموت وطوبى لمن طال عمره وحسن عمله .

الذي يقرأ القرآن ويطبقه لا يخرف ، هذه ضمانة من الله عز وجل ، أنت كمؤمن في صعود إلى أبد الآبدين ، الموت نقطة على هذا الخط الصاعد .

المؤمن في صعود دائم مكانة ومعرفة ومحبة ونشاطاً لذلك المؤمن من إكرام الله له قبضه إليه يكون قبضاً يسيراً ، يبقى بكامل صحته ثم يتوفاه الله ، انتزع من أهله انتزاعاً تألموا له كثيراً ، لكن لو تركه الله سبحانه وتعالى في الفراش عشر سنوات أقرب الناس إليه يدعو الله صباح مساء أن يقبضه وأن يخفف عنه فقد مكانته وصار عبئاً على أهله .

لذلك موت الفجاءة للكافر نقمة وللمؤمن نعمة ، ثم رددناه أسفل سافلين ، لكن الذين آمنوا وعملوا الصالحات ليسوا كذلك ربنا قال إلا الذين آمنوا هؤلاء خلقوا في أحسن تقويم وهم في أعلى عليين ولن ينزل خطهم البياني أبداً هم سائرون ، نحو الأعلى نحو سعادة أشد ، وعطاء أكبر وأمن أكثر وسرور ، وتوازن وما شاكل ذلك .


(سورة التين )



أجر غير ممنون أي غير مقطوع ، الأجر الذي يعطيه الله سبحانه وتعالى للمؤمنين لا يقطع؟

فكل عطاء ينتهي بالموت ليس عطاءً ، فالمال الوفير ، والمنزل الفخم والمكانة الاجتماعية الرفيعة ليست عطاء .

فلينظر ناظر بعقله أن الله أكرم محمداً أم أهانه حين زوى عنه الدنيا ، فإن قال : أهانه فقد كذب وإن قال : أكرمه فقد أهان غيره حيث أعطاه الدنيا .

الله سبحانه وتعالى أعد للمؤمن عطاء لا ينتهي ، خالداً فيه إلى الأبد ولا يمكن أن يحد الأبد بحدود لأنه لا نهاية له .

أما الأبد إذا وضعنا رقم الواحد في دمشق وصفار إلى حلب ووضعناها صورة لكسر قيمته لا نهاية القيمة هي الصفر كل عدد مهما كان كبيراً إذا نسب إلى اللانهاية قيمته الصفر .

أعددت لعبادي الصالحين مالا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر .

قال تعالى :

لمثل هذا فليعمل العاملون
(سورة الصافات : آية 61)

ابك على الآخرة ولا تبك على الدنيا ، البكاء على الدنيا ضعف في التفكير . لو أن الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى الكافر منها شربة ماء .

ليس لها قيمة يعطيها لمن يحب ولمن لا يحب ، قال تعالى :

فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون

(سورة الأنعام : آية 44)

كلمة غير ممنون ، غير مقطوع عطاء سرمدي أبدي ، لا خوف ولا مرض ولا شعور بالحزن حياة سعيدة إلى ما شاء الله ، هذه الحياة نزهد بها ونطمع في الدنيا هذا هو ضعف التفكير ، لذلك قال عليه الصلاة والسلام :

إن أكيسكم أشدكم للمــوت ذكراً ، وأحزنكم أشدكم استعداداً له ألا وإن من علامات العقل التجافي عن دار الغرور والإنابة إلى دار الخلود والتزود لسكن القبور والتأهب ليوم النشور.


(سورة التين )



ما بمعنى من أو بمعنى ما ، ما الشيء الذي يدعو إلى التكذيب بالدين كل هذا الكون ومع ذلك تكذب بالدين ، الله عز وجل له شهادات ، خلق هذا الكون أعرفه من الكون ، أتكذب بوجوده أم بأسمائه الحسنى أم بوعده أم بناره وهذا الكون أمام عينيك ، الشمس والقمر والنجوم والمجرات والليل والنهار والجبال والوديان والبحار وخلق الإنسان كل شيء أمامك فما يكذبك بعد بالدين .


(سورة التين )



ما الذي يدعوك أن تكذب بالدين ، بما وعد الله به ، بالجنة والنار ، بالحساب الدقيق بالتوفيق بالدنيا بالتعسير في الدنيا هذه الوعود التي وعد الله بها كيف تكذب بها ؟ كيف لا تأخذها مأخذ الجد كيف تستخف بها ، هذه معصية رب يقول لك هذا حرام ، تفعله أنت ؟


(سورة التين )

النبي عليه الصلاة والسلام كان إذا قرأ هذه السورة قال نعم .

لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم فيه معنىً جديد هو أن الله سبحانه وتعالى خلق الإنسان مختاراً وخلقه مفكراً وخلقه متكلماً وخلقه سميعاً وخلقه بصيراً وخلقه حكيماً عاقلاً ومتميزاً ليس هناك إنسان آخر يشبهه وهذه كلها أسماء الله الحسنى .

الله سميع وخلق الإنسان بهذه الصفة مع التفاوت الكبير ، الله سميع وجعل للإنسان سمعاً لذلك هذا يفسر قول النبي عليه الصلاة والسلام :

إن الله خلق آدم على صورته . ( على صورة آدم )

أنت مخلوق مكرم جداً ، أسماء الله الحسنى ، الفرد ، الله عز وجل جعلك فرداً ليس في الأرض إنسان يشبهك في الشكل ولا في طريقة المشي ولا في طريقة الانتعال ولا في طريقة التكلم ولا في طريقة التفكير نسيج وحدك ، تكريم من الله عز وجل ، الله يفعل ما يشاء أعطاك حرية الاختيار ، الله عز وجل سميع وجعل لك سمعاً تسمع به .

وبصير وجعلك بصيراً ، الله سبحانه وتعالى خلق آدم على صورته ، هذا أعلى تكريم الله سبحانه وتعالى يحكم بين عباده ، وكذلك جعل الناس مراتب بعضهم أعلى من بعض ليبلوهم أيهم أحسن عملا ، فلذلك أقصى أنواع التكريم أن الله سبحانه وتعالى خلقنا على صورته .

ولقد كرمنا بني آدم ، لذلك كما جاء في الحديث الشريف تخلقوا بأخلاق الله ، إذا الله عز وجل أعطانا سمعاً وبصراً ، ومحاكمة وبياناً يجب أن تكون أخلاقنا مستمدة من أسماء الله الحسنى ، أن نكون رحماء كرماء نعفو .

هذه الأسماء الحسنى يجب أن نتمثلها بسلوكنا لذلك النبي الكريم يعد الإنسان الأول في الكون الذي بلغ قمة الكمال الإنساني .

ما هذا الأدب يا رسول الله ؟ قال أدبني ربي فأحسن تأديبي ، فما يكذبك بعد بالدين ، بعضهم قال : من هذا الإنسان الذي يكذبك وقد ظهر الحق ؟ ما الشيء الذي يدعو إلى التكذيب أليس الله بأحكم الحاكمين ، بعضهم فسر هذه الآية أن الشمس تحكم الأرض بالجاذبية والأرض تحكم القمر بالجاذبية والشمس تبخر الماء والسحاب تحكمها الرياح ، كل مادة لها مادة مضادة ومادة مؤثرة الكون كله هكذا .

الذئب يحكم الغنم لأن الغنم تخاف من الذئب ، لخوفها من الذئب تبقى مع القطيع حفظاً لها والهرة تحكم بعض القوارض رحمةً بنا .

من جعل المخلوقات يحكم بعضها بعضاً ؟

هو الله عز وجل هو أحكم الحاكمين ، هو الذي أعطى كل شيء ليسيطر به على الشيء الآخر ، أليس الله بأحكم الحاكمين هذا معنى من معاني أحكم الحاكمين ، كل شيء يحكم الشيء الآخر والله تعالى فوق الجميع ، حكمته ظاهرة في خلقه وفي تصرفاته وفي إرادته وفي كل ما خلق من مخلوقاته .


(سورة التين )



الملخص أنك أيها الإنسان تستطيع أن تصل إلى أعلى عليين وتسبق الملائكة المقربين إذا عرفت رب العالمين ، وإن غفلت عنه تهوي إلى أسفل سافلين . أي مخلوق خلقه الله عز وجل هو فوق الإنسان الكافر .

والحمد لله رب العالمين

الجعافرة
05-12-2006, 03:07 AM
قضايا و اراء
42581 ‏السنة 127-العدد 2003 يوليو 7 ‏7 من جمـادى الأولـى 1424 هـ الأثنين

من أسرار القرآن
الإشارات الكونية في القرآن الكريم ومغزي دلالتها العلمية
‏(93)‏ والتين والزيتون‏.‏ وطور سينين‏.‏ وهذا البلد الأمين
بقلم الدكتور‏:‏ زغـلول النجـار




هــذه الايات المباركات جاءت في مطلع سورة التين‏,‏ وهي سورة مكية‏,‏ ومن قصار السور في القرآن الكريم إذ يبلغ عدد اياتها ثماني آيات فقط بعد البسملة‏.‏
ويدور المحور الرئيسي للسورة حول قضيتين رئيسيتين‏:‏ أولاهما هي قضية تكريم الله للإنسان بخلقه في أحسن تقويم‏,‏ وعلي فطرة مستقيمة مع حقيقة الأخوة الإنسانية التي تنتهي كلها إلي آدم‏(‏ عليه السلام‏),‏ وآدم من تراب كما أخبرنا المصطفي‏(‏ صلي الله عليه وسلم‏),‏ ومستقيمة أيضا مع حقيقة الإيمان بالله ربا‏,‏ وبالإسلام دينا‏,‏ وبالنبوة والرسالة السماوية منهجا في التبليغ عن الله الخالق الباريء المصور‏(‏ سبحانه وتعالي‏)‏ ومن ثم الإيمان بأنبياء الله ورسله أجمعين وبما أرسلوا به من دين يحوي الإجابات الشافية عن التساؤلات الكلية التي تشغل بال الإنسان طيلة حياته ـ قلت ثقافته أو زادت‏,‏ وعلا قدره في المجتمع أو انحط ـ من مثل قضايا العقيدة‏,‏ والعبادة‏,‏ والأخلاق‏,‏ والمعاملات التي تشكل صلب الدين‏,‏ والتي لا يقوي الإنسان علي وضع أية ضوابط صحيحة لنفسه فيها‏,‏ إما لكونها من صميم الغيب المطلق كقضايا العقيدة‏,‏ أو الأوامر الإلهية المطلقة كقضايا العبادة‏,‏ أو لكونها ضوابط للسلوك كقضايا الأخلاق والمعاملات‏,‏ والإنسان كان دوما عاجزا عن وضع ضوابط لسلوكه من تصوراته وتقديراته الشخصية‏,‏ ومن هنا كانت ضرورة الدين لاستقامة حياة الإنسان علي الأرض
‏,‏ ومن هنا أيضا كان لازما للدين كي يكون دينا صحيحا قادرا علي تربية الإنسان تربية صالحة‏,‏ وعلي ضبط حركة الحياة ضبطا عادلا أن يكون بيانا ربانيا خالصا لا يداخله أدني قدر من التصورات البشرية‏,‏ وبذلك يتضح الفرق بين دين صحيح ودين غير صحيح‏...!!‏ وتتجلي قيمة الإيمان الكامل في حياة الإنسان‏,‏ ذلك المخلوق المكرم الذي قال ربنا‏(‏ تبارك وتعالي‏)‏ في حقه‏:‏
ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم علي كثير ممن خلقنا تفضيلا‏*.‏
‏(‏ الإسراء‏:70)‏

وهذا الإنسان المكرم جعله الخالق‏(‏ سبحانه وتعالي‏)‏ مخلوقا ذا إرادة حرة‏,‏ حتي يؤجر علي كل خير يفعله‏,‏ ويجازي علي كل خطأ يقترفه‏,‏ وهيأه الله‏(‏ سبحانه وتعالي‏)‏ لذلك تهيئة كاملة بالروح والنفس‏,‏ والعاطفة والعقل‏,‏ وبمختلف الحواس‏,‏ وجعل حرية الاختيار عنده من مناطات التكريم ووسائل التقييم لعمله‏,‏ فكلما التزم الإنسان بالمنهج الذي وضعه الله‏(‏ سبحانه وتعالي‏)‏ له‏,‏ واستقام عليه وصل إلي درجات من الكمال الإنساني الذي لا يقوي كثير من الخلق علي الوصول إليه‏.‏ وليس أدل علي ذلك من قول الحق‏(‏ تبارك وتعالي‏)‏ في الحديث القدسي‏:‏
ما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتي أحبه فأكون سمعه الذي يسمع به‏,‏ وبصره الذي يبصر به‏,‏ ولسانه الذي ينطق به‏,‏ وقلبه الذي يعقل به‏,‏ فإذا دعاني أجبته‏,‏ وإذا سألني أعطيته‏,‏ وإذا استنصرني نصرته‏,‏ وأحب ما تعبدني عبدي به النصح لي‏.(‏ رواه الطبراني في الكبير عند أبي أمامة‏)‏

ويدل علي ذلك أيضا وقوف جبريل‏(‏ عليه السلام‏)‏ عند مقام لم يتجاوزه في رحلة المعراج‏,‏ وتجاوزه المصطفي‏(‏ صلي الله عليه وسلم‏),‏ لقول جبريل له‏:‏ تقدم أنت فإني لو تقدمت لاحترقت‏,‏ ولو تقدمت أنت لاخترقت وهو مقام لم ينله أحد من الخلق من قبل ولا من بعد‏.‏
وهذا التكريم الذي أعطاه الله‏(‏ تعالي‏)‏ للإنسان كلما ارتقي بملكاته البشرية في معراج الله‏,‏ يمكن أن ينقلب إلي ضده تماما إذا انتكس الإنسان بفطرته‏,‏ وانحط باختياره وإرادته عن مقامات ذلك التكريم فهوي بنفسه إلي أسفل سافلين‏,‏ في الدنيا بشقائه فيها‏,‏ وفي الآخرة بإلقائه إلي الدرك الأسفل من النار‏,‏ ولذلك قال ربنا‏(‏ تبارك وتعالي‏):‏

لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم‏*‏ ثم رددناه أسفل سافلين‏*‏ إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم أجر غير ممنون‏*.‏
‏(‏ التين‏:4‏ ـ‏6)‏

ومن الدلالات المستوحاة من هذه الآيات الكريمة أن الله‏(‏ تعالي‏)‏ قد خلق الإنسان في أحسن هيئة‏,‏ وأنسب قامة‏,‏ وأعدل صورة‏,‏ وزوده بالعقل والجوارح‏,‏ والأحاسيس‏,‏ والمشاعر‏,‏ وبالقدرة علي اكتساب المعارف والمهارات‏,‏ كما زوده بالإرادة الحرة‏,‏ وبغير ذلك من الصفات والمواهب والقدرات التي تعينه علي القيام بواجبات الاستخلاف في الأرض‏,‏ وتنمو معه حتي تصل إلي أوجها في مرحلة الشباب‏,‏ ثم تبدأ في التناقص التدريجي والذبول مع الكبر في السن حتي إذا وصل الإنسان إلي أرذل العمر أدركه الضعف بعد القوة‏,‏ والعجز بعد القدرة‏,‏ فإذا كان من الكفار أو المشركين أو العصاة الضالين أوكله الله‏(‏ تعالي‏)‏ إلي ضعفه وعجزه البشريين‏,‏ وإذا كان من المؤمنين الصالحين فإن الله‏(‏ سبحانه وتعالي‏)‏ يكرم شيبته‏,‏ ويجبر تقصيره‏,‏ ويوفيه حقه كاملا غير منقوص حتي لو لم تمكنه قدراته من أداء عباداته علي الوجه الأمثل‏,‏ وفي ذلك يروي عن ابن عباس‏(‏ رضي الله عنهما‏)‏ قوله أن رسول الله‏(‏ صلي الله عليه وسلم‏)‏ قال‏:‏ إذا بلغ المؤمن من الكبر ما يعجزه عن العمل كتب له ما كان يعمل‏.‏ كذلك روي البخاري عن أبي موسي الأشعري‏(‏ رضي الله تعالي عنه‏)‏ قوله‏:‏ أن رسول الله‏(‏ صلي الله عليه وسلم‏)‏ قال‏:‏ إذا مرض العبد أو سافر كتب له من الأجر مثل ما كان يعمل صحيحا مقيما‏.‏

فسواء كان المقصود بالارتداد إلي أسفل السافلين في الآية الكريمة هو الارتداد في الدنيا إلي أرذل العمر وما فيه من ضعف وعجز بعد قوة وقدرة‏,‏ يتدارك فيه الله‏(‏ تعالي‏)‏ برحمته كل مؤمن صالح ويدع كل كافر ومشرك لقدره‏,‏ أو كان المقصود الارتداد إلي الآخرة وأهوالها وعذابها حيث ينجي الله برحمته المؤمنين الصالحين ويوفيهم أجورهم بغير نقص ولا منة‏,‏ ويلقي بالكافرين والمشركين والمنافقين الضالين وعتاة المجرمين إلي أسفل دركات النار‏,‏ فالآيات الكريمة تتسع للمعنيين معا ولما هو فوقهما من معان في نفس السياق‏,‏ والله‏(‏ تعالي‏)‏ أعلي وأعلم‏.‏
والقضية الثانية التي يدور حولها محور سورة التين هي قضية الدين الذي أنزله ربنا‏(‏ تبارك وتعالي‏)‏ علي فترة من الرسل تجاوز عددهم الثلاثمائة وخمسة عشر رسولا‏,‏ اختارهم الله‏(‏ تعالي‏)‏ من بين مائة وعشرين ألف نبي‏,‏ بعثوا كلهم بالإسلام‏,‏ ودعوا إلي توحيد الله الخالق بغير شريك‏,‏ ولا شبيه‏,‏ ولا منازع‏,‏ ولا صاحبة ولا ولد‏,‏ وإن اختلفت تفاصيل التشريعات من عصر إلي آخر‏,‏ إلا أن دعوتهم جميعا لأممهم كانت بلا أدني خلاف هي‏:‏

‏..‏ ياقوم اعبدوا الله مالكم من إله غيره‏..‏
‏(‏الأعراف‏:85,73,65,59,‏ هود‏:84,61,50)‏
وقد أكمل ربنا‏(‏ تبارك وتعالي‏)‏ رسالته إلي خلقه وأتمها وختمها ببعثة النبي الخاتم والرسول الخاتم‏,‏ سيد الأولين والآخرين‏,‏ سيدنا محمد بن عبدالله‏(‏ صلي الله وسلم وبارك عليه وعلي آله وصحبه ومن تبع هداه ودعا بدعوته إلي يوم الدين‏).‏ ولكونها الرسالة الخاتمة فقد أنزل ربنا‏(‏ تبارك وتعالي‏)‏ البشري بها في الرسالات السابقة علي نزولها‏,‏ وتعهد‏(‏ جلت قدرته‏)‏ بحفظها بنفس لغة وحيها‏(‏ اللغة العربية‏),‏ فحفظت حرفا حرفا‏,‏ وكلمة كلمة‏,‏ علي مدي يزيد علي الأربعة عشر قرنا وإلي أن يرث الله‏(‏ تعالي‏)‏ الأرض ومن عليها‏.‏

وهذا الحفظ بذاته هو ضرب من الاعجاز الذي لم تتمتع به الكتب السماوية الأخري‏,‏ وقد ترك حفظها لأقوامها فضيعوها بالكامل‏,‏ أو عرضوها لقدر من التحريف الذي أخرجها عن إطارها الرباني وجعلها عاجزة عن هداية البشرية‏,‏ وليس أدل علي ذلك من بحار الدم والخراب والدمار الذي تغرق فيه أرض فلسطين اليوم باسم موسي ويعقوب واسحاق وابراهيم‏(‏ عليهم من الله السلام‏)‏ وهم من ذلك براء‏,‏ والذي يغرق أرض كل من العراق وأفغانستان باسم عيسي بن مريم‏(‏ عليه السلام‏),‏ وهو برئ مما يرتكبون من جرائم وآثام وتعديات علي أبسط حقوق الانسان‏...,‏ والذي يغرق كثيرا من أهل الأرض المستضعفين باسم الدين‏,‏ والدين من هؤلاء المعتدين براء‏...!!‏
ولذلك جاء الخطاب في ختام سورة التين موجها إلي كل كافر ومشرك بصيغة من صيغ الاستفهام الاستنكاري التوبيخي التقريعي يقول فيها ربنا‏(‏ تبارك وتعالي‏):‏

فما يكذبك بعد بالدين‏*‏ أليس الله بأحكم الحاكمين‏*‏
‏(‏ التين‏:8,7)‏
أي‏:‏ فأي شئ يضطرك أيها الكافر أو المشرك إلي الكفر بالله‏(‏ تعالي‏)‏ أو الشرك به‏(‏ سبحانه وتعالي‏)‏ بعد ما تبينت لك شواهد قدرته المبدعة في الخلق‏,‏ والدالة دلالة قاطعة علي قدرته‏(‏ تعالي‏)‏ علي البعث بعد الموت‏,‏ وعلي الحساب والجزاء في الآخرة‏,‏ وهي من الحقائق التي نزلت بها كل رسالات السماء‏,‏ وأكدتها الرسالة الخاتمة المحفوظة بحفظ الله‏,‏ مما يضع كل كافر ومشرك وظالم في هذه الحياة في مصاف المكذبين بالدين‏,‏ المنكرين لحقيقة أن الله‏(‏ تعالي‏)‏ هو أحكم الحاكمين‏,‏ الذي أتقن كل شئ خلقه‏,‏ وأحكم قضاء كل أمر بالحق‏,‏ وبالعدل بين الخلق‏,‏ والاستفهام في ختام هذه السورة المباركة هو من نوع الاستفهام التقريري لما جاء بعد النفي‏,‏ ولذلك يروي عن رسول الله‏(‏ صلي الله عليه وسلم‏)‏ قوله الشريف‏:..‏ فإذا قرأ أحدكم‏(‏ والتين والزيتون‏)‏ فأتي آخرها‏:(‏ أليس الله بأحكم الحاكمين‏)‏ فليقل‏:‏ بلي وأنا علي ذلك من الشاهدين‏.‏

وروي مالك عن البراء بن عازب قال‏:‏ كان النبي صلي الله عليه وسلم يقرأ في سفره في إحدي الركعتين بالتين والزيتون‏,‏ فما سمعت أحدا أحسن صوتا أو قراءة منه‏.‏
وسورة التين هي السورة القرآنية الوحيدة التي سميت باسم ثمرة من ثمار الفاكهة‏,‏ ومن الثمار النباتية علي الإطلاق‏,‏ وقد ذكر فيها التين مرة واحدة‏,‏ وهي المرة الوحيدة التي ذكر فيها التين في القرآن الكريم‏,‏ بينما جاء ذكر كل من الزيتون وزيته في ست آيات قرآنية أخري‏,‏ وبذلك يكون التين قد ذكر في القرآن الكريم مرة واحدة‏,‏ بينما ذكر الزيتون وزيته سبع مرات‏.‏

وتبدأ السورة بقسم من الله‏(‏ تعالي‏)‏ بكل من التين والزيتون‏,‏ وربنا‏(‏ تبارك وتعالي‏)‏ غني عن القسم لعباده‏,‏ ولكن المقصود من القسم هو التنبيه إلي الأهمية الغذائية الكبري لهاتين الثمرتين المباركتين وإلي بركة منابتهما الأصلية‏.‏
فقد روي عن ابن عباس‏(‏ رضي الله عنهما‏)‏ قوله‏:‏ هو تينكم الذي تأكلون‏,‏ وزيتونكم الذي تعصرون منه الزيت ولكن نظرا للعطف علي هذا القسم بقسم آخر‏,‏ بمكانين مباركين هما طور سينين‏,‏ والبلد الأمين في قول ربنا‏(‏ تبارك وتعالي‏):‏
والتين والزيتون‏*‏ وطور سينين‏*‏ وهذا البلد الأمين‏*.(‏ التين‏:1‏ ــ‏3)‏

لجأ بعض المفسرين إلي استنتاج الدلالة بالتين والزيتون علي منابتهما الأصلية من الأرض‏.‏ فطور سينين هو الجبل الذي نودي موسي‏(‏ عليه السلام‏)‏ من جانبه في شبه جزيرة سيناء‏(‏ أو سينا‏)‏ ومعناها في اللغة المباركة الحسنة‏,‏ والجبل معروف اليوم باسم جبل موسي‏(‏ أو جبل المناجاة‏),‏ والبلد الأمين هو مكة المكرمة‏,‏ وحرمها الآمن‏,‏ وبها الكعبة المشرفة‏,‏ أول بيت وضع للناس‏,‏ وعلاقة هذين المكانين المباركين بوحي السماء لاينكرها إلا جاحد للحق‏.‏
وعطف القسم بهذين المكانين المباركين علي القسم بكل من التين والزيتون أوحي إلي عدد من المفسرين إلي الاستنتاج بأن القسم بهاتين الثمرتين قد يتضمن من أحد جوانبه الإشارة إلي كرامة منابتهما الأصلية من الأرض‏,‏ وذلك من مثل كل من بيت المقدس وبجواره طور زيتا‏,‏ وبه المسجد الأقصي المبارك الذي ندعو الله‏(‏ تعالي‏)‏ أن يطهره من دنس اليهود‏,‏ وأن يحرره ويحرر أرض فلسطين كلها من احتلالهم الجائر البغيض‏,‏ ويحرر جميع أراضي المسلمين المحتلة والمغصوبة من ربقة المحتلين والغاصبين من الكفار والمشركين‏,‏ أعداء الله وأعداء الدين‏(‏ اللهم آمين آمين آمين يارب العالمين‏).‏

ومن أشهر منابت كل من التين والزيتون‏(‏ بأنواعهما المتميزة‏)‏ بلاد الشام وجنوب شرقي تركيا‏,‏ والأولي بها طور تينا بجوار دمشق‏,‏ وهي أرض المحشر‏,‏ والثانية بها مرسي سفينة نوح‏(‏ عليه السلام‏)‏ وبقايا مسجده علي جبل الجودي‏.‏
وعلي الجانب الآخر فإن كلا من طور سيناء‏,‏ وبيت المقدس‏,‏ ومكة المكرمة قد بعث الله‏(‏ سبحانه وتعالي‏)‏ فيه نبيا من أنبيائه ورسولا من أولي العزم من رسله‏,‏ فبيت المقدس بعث الله‏(‏ سبحانه و تعالي‏)‏ فيه عبده ونبيه ورسوله عيسي بن مريم‏(‏ عليهما السلام‏),‏ وطور سينين كلم الله‏(‏ جلت قدرته‏)‏ عنده عبده ونبيه ورسوله موسي بن عمران‏(‏ عليه السلام‏),‏ ومكة المكرمة زارها معظم أنبياء الله ورسله‏,‏ ومدفون بها عدد كبير منهم‏,‏ ثم بعث الله‏(‏ تعالي‏)‏ فيها خاتم الأنبياء والمرسلين‏(‏ صلي الله عليه وسلم‏).‏

وإن كانت الصياغة القرآنية في مطلع سورة التين واضحة الدلالة علي الثمرتين اللتين تؤكلان باسم التين والزيتون‏,‏ إلا أن ذلك لاينفي الإشارة إلي منابتهما من الأرض حتي يرتبط السياق بالقسم التالي بمكانين من أشرف أماكن الأرض‏,‏ وفيها مكة المكرمة أشرفها علي الإطلاق‏.‏
وبعد القسم بكل من التين‏,‏ والزيتون‏,‏ وطور سينين‏,‏ والبلد الأمين يأتي جواب القسم بالأمر المقسم عليه وذلك بقول الحق‏(‏ تبارك وتعالي‏):‏

لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم‏*‏ ثم رددناه أسفل سافلين‏*‏ إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم أجر غير ممنون‏*‏
‏(‏التين‏:4‏ ــ‏6)‏

ثم ختمت السورة الكريمة باستفهام استنكاري‏,‏ توبيخي‏,‏ تقريعي لكل كافر ومشرك وظالم وضال عن الحق يقول فيه ربنا‏(‏ تبارك وتعالي‏):‏
فما يكذبك بعد بالدين‏*‏ أليس الله بأحكم الحاكمين‏*(‏ التين‏:8,7)‏

ولا نملك هنا إلا أن نقول‏:‏ بلي‏,‏ وأنا علي ذلك من الشاهدين كما علمنا خاتم الأنبياء والمرسلين‏(‏ صلي الله عليه وسلم‏).‏

من أسس العقيدة في سورة التين

‏(1)‏ أن الله‏(‏ تعالي‏)‏ خلق الإنسان في أحسن تقويم‏,‏ ثم يرد الكفار والمشركين والظلمة الطاغين المتجبرين علي الخلق‏,‏ والعصاة الضالين المضلين المفسدين في الأرض إلي أسفل سافلين في الدنيا بضعفهم وهزالهم وأمراضهم عند الكبر خاصة عندما يردون إلي أرذل العمر‏,‏ وفي الآخرة عندما يدعون إلي الدرك الأسفل من النار دعا‏,‏ أما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيكرمهم الله‏(‏ تعالي‏)‏ في الدنيا برعايته وعنايته وفضله وكرمه وجوده ومنه وعطائه وإحسانه‏,‏ ورحمته‏,‏ وفي الآخرة بإدخالهم في نعيم جناته ورضوانه‏,‏ وبإعطائهم أجورهم كاملة غير منقوصة‏,‏ ولا ممنونة‏.‏
‏(2)‏ أن الدين الوحيد الذي يرتضيه ربنا‏(‏ تبارك وتعالي‏)‏ من عباده هو الاسلام الذي أنزله ربنا‏(‏ تقدست أسماؤه‏)‏ علي فترة من الرسل‏,‏ ثم أكمله وأتمه وحفظه بنفس لغة وحيه‏(‏ اللغة العربية‏)‏ في رسالته الخاتمة التي بعث بها النبي الخاتم والرسول الخاتم‏(‏ عليه أفضل الصلاة وأزكي التسليم‏).‏

‏(3)‏ أن الإيمان الصادق يستتبع العمل الصالح‏.‏
‏(4)‏ أن الذي يكذب بالدين الخاتم مطرود من رحمة رب العالمين‏,‏ محكوم عليه بالشقاء في الدنيا والآخرة‏,‏ وإن كثر ماله وجاهه وسلطانه‏.‏
‏(5)‏ أن الله‏(‏ تعالي‏)‏ هو أحكم الحاكمين‏.‏

من الإشارات الكونية في سورة التين
‏(1)‏ القسم بكل من التين والزيتون إشارة إلي ما فيهما من قيمة غذائية كبيرة وتكامل في المحتوي كغذاء للإنسان‏.‏ وإشارة كذلك إلي بركة منابتهما الأصلية وهي من الأماكن المقدسة في الإسلام‏,‏ منذ خلق الله السموات والأرض‏.‏
‏(2)‏ القسم بطور سينين وهو الجبل المكسو بالخضرة الذي كلم الله‏(‏ سبحانه وتعالي‏)‏ عبده ونبيه ورسوله موسي بن عمران من جانبه‏,‏وهو بالقطع مكان مبارك‏.‏

‏(3)‏ القسم بالبلد الأمين وهو مكة المكرمة‏,‏ وحرمها الآمن‏,‏ وبها الكعبة المشرفة‏,‏ أول بيت وضع للناس والعلوم المكتسبة تثبت شرف المكان وتميزه علي جميع بقاع الأرض‏.‏
‏(4)‏ الإشارة إلي خلق الإنسان في أحسن تقويم‏.‏

‏(5)‏ الإشارة إلي إمكانية ارتداد الإنسان إلي أسفل سافلين في الدنيا والآخرة‏,‏ وهو أشرف مخلوقات الله إذا كان مؤمنا صالحا‏,‏وأحقر هذه المخلوقات وأبغضها إلي الله إذا كان كافرا أو مشركا أو ظالما متجبرا‏,‏ أوفاسقا فاجرا‏,‏ والعلوم السلوكية تثبت هذا الارتداد الدنيوي إلي أسفل سافلين عند كثير من البشر في أيامنا هذه‏.‏
وكل قضية من هذه القضايا تحتاج إلي معالجة مستقلة‏,‏ ولذلك فسوف أقصر حديثي هنا علي القسم الذي جاء بالآيات الثلاث الأولي من هذه السورة المباركة‏,‏ ولكن قبل البدء في ذلك لابد من استعراض سريع لأقوال عدد من المفسرين في شرح دلالة هذه الآيات الثلاث‏.‏

من أقوال المفسرين
في تفسير قوله‏(‏ تعالي‏)‏
والتين والزيتون‏*‏ وطور سينين‏*‏ وهذا البلد الأمين‏*‏
‏(‏التين‏:1‏ ــ‏3)‏
‏*‏ ذكر الطبري‏(‏ رحمه الله‏)‏ ما مختصره‏:(‏ والتين والزيتون‏)‏ قيل هو التين الذي يؤكل‏,‏ والزيتون الذي يعصر‏,‏ أقسم الله بهما‏,‏ وجاء فيه اختلاف‏(‏ وطور سينين‏)‏ جبل معروف‏,‏ قيل هو جبل موسي عليه السلام ومسجده‏(‏ وهذا البلد الأمين‏)‏ الآمن من أعدائه أن يحاربوا أهله أو يغزوهم‏,‏ عني به مكة المكرمة‏....‏

‏*‏ وجاء في مختصر تفسير ابن كثير‏(‏ رحمه الله‏)‏ ما نصه‏:‏ اختلف المفسرون ههنا علي أقوال كثيرة فقيل‏:‏ المراد بالتين دمشق‏,‏ وقيل‏:‏ الجبل الذي عندها‏,‏ وقال القرطبي‏:‏ هو مسجد أصحاب الكهف‏,‏ وروي عن ابن عباس‏:‏ أنه مسجد نوح‏(‏ عليه السلام‏)‏ الذي علي الجودي‏,‏ وقال مجاهد‏:‏ هو تينكم هذا‏,(‏ والزيتون‏)‏ قال قتادة‏:‏ هو مسجد بيت المقدس‏,‏ وقال مجاهد وعكرمة‏:‏ هو هذا الزيتون الذي تعصرون‏,(‏ وطور سينين‏)‏ هو الجبل الذي كلم الله عليه موسي عليه السلام‏,(‏ وهذا البلد الأمين‏)‏ يعني مكة‏,‏ قال ابن عباس ومجاهد‏,‏ وقال بعض الأئمة‏:‏ هذه محال ثلاثة‏,‏ بعث الله في كل واحد منها نبيا مرسلا من أولي العزم‏,‏ أصحاب الشرائع الكبار‏.(‏ فالأول‏)‏ محلة التين والزيتون وهي‏(‏ بيت المقدس‏)‏ التي بعث الله فيها عيسي بن مريم ـ عليه السلام ـ و‏(‏الثاني‏)‏ طور سينين وهو‏(‏ طور سيناء‏)‏ الذي كلم الله عليه موسي بن عمران‏,(‏ والثالث‏)‏ مكة المكرمة وهي‏(‏ البلد الأمين‏)‏ الذي من دخلة كان آمنا‏,‏ وهو الذي أرسل فيه محمدا‏(‏ صلي الله عليه وسلم‏)..‏
‏*‏ وجاء في كل من تفسير الجلالين‏,‏ والظلال‏,‏ وصفوة البيان‏,‏ والمنتخب‏,‏ وصفوة التفاسير كلام مشابه مع التركيز علي رأي دون الآخر ولا أري حاجة إلي تكرار ذلك هنا‏.‏

من الدلالات العلمية للآيات القرآنية الكريمة في مطلع سورة التين
أولا‏:‏ في القسم بالتين‏:‏
يبدو ــ والله‏(‏ تعالي‏)‏ أعلم ــ أن القسم بالتين جاء لتنبيهنا إلي ما في هذه الثمرة المباركة من إعجاز في خلقها‏,‏ ومن منافع جمة في تناولها كغذاء‏.‏

من إعجاز الخلق في ثمرة التين‏:‏
ثمرة التين هي ثمرة غير حقيقية مركبة‏,‏ تتكون نتيجة لنمو نورة مخروطية الشكل تحوي بداخلها الأزهار المؤنثة التي تبطن جدار النورة من الداخل‏,‏ والأزهار المذكرة التي تنتشر حول الفتحة الخارجية للنورة‏,‏ وهي فتحة ضيقة في أعلي النورة‏,‏ وتنضج الأزهار المؤنثة عادة قبل نضج الأزهار المذكرة‏,‏ ولذلك يسخر الخالق‏(‏ سبحانه وتعالي‏)‏ حشرة خاصة تعرف باسم ذات البلعوم المتفجر‏(Blastophaga)‏ تقوم بتلقيح نورات التين من خلال منفعة متبادلة بينهما‏,‏ تقوم فيها نورات شجرة التين بتهيئة المكان الدافيء الأمين للحشرة تضع فيه بيضها حتي يفقس‏,‏ ثم تغذي صغارها حتي يكتمل نموها‏,‏ وعند خروجها من النورة يحتك جسمها بالأزهار المذكرة فيتعفر بحبوب اللقاح التي تحملها إلي الأزهار المؤنثة‏,‏ فتتم بذلك عملية الإخصاب اللازمة لإثمار شجرة التين‏.‏
ويتكون علي شجرة التين سنويا ثلاثة أجيال من النورات‏,‏ الجيل الأول منها يحمل أزهارا مذكرة وأخري حاضنة للحشرات‏,‏ وتحمل نورات الجيل الثاني أزهارا مؤنثة فقط تلقحها الحشرات الخارجة من نورات الجيل الأول فتخصبها وبذلك تمثل المحصول الرئيسي لشجرة التين‏,‏ أما نورات الجيل الثالث فتحوي أزهارا حاضنة للحشرة المتعايشة معها فقط‏,‏ وفيها تقضي الحشرة فصل الشتاء‏.‏

فمن الذي وضع هذا النظام الرتيب لإثمار شجرة التين غير الله الخالق؟ ومن الذي دل تلك الحشرة علي مسكنها في نورة شجرة التين كي تخصبها بحركتها من نورة إلي أخري غير الله الخالق؟ والعلاقة بين نورة التين وهذه الحشرة تعتبر من أعجب العلاقات المعروفة لنا بين النبات والحيوان‏.‏

من منافع ثمرة التين‏:‏
تحتوي ثمرة التين علي نسبة عالية من الكربوهيدرات تصل الي‏53%‏ من وزنها‏,‏ أغلبها من السكريات الأحادية والمركبات النشوية‏,‏ بالإضافة إلي نسبة صغيرة من البروتينات في حدود‏3.6%,‏ ونسب أقل من أملاح كل من البوتاسيوم‏,‏ الكالسيوم‏,‏ المغنيسيوم‏,‏ الفوسفور‏,‏ الحديد‏,‏ النحاس‏,‏ الزنك‏,‏ الكبريت‏,‏ الصوديوم والكلور‏,‏ كما تحتوي ثمرة التين علي العديد من الفيتامينات‏,‏ والإنزيمات‏,‏ والأحماض‏,‏ والمواد المطهرة‏,‏ بالإضافة إلي نسبة كبيرة من الألياف‏(‏ تصل إلي‏18.5%)‏ ونسبة أكبر من الماء‏.‏ وعلي ذلك فهي ثمرة غنية بمواد عديدة وبنسب منضبطة يحتاجها الإنسان في غذائه‏.‏
ومن الانزيمات الخاصة بالتين ما يعرف باسم إنزيم التين أو إنزيم فيسين‏(Ficin)‏ ثبت أن له دورا مهما في عملية هضم الطعام‏.‏

وقد تمكن اليابانيون من إثبات وجود مركب كيميائي من نوع الألدهيدات الأروماتية في ثمرة التين يعرف باسم البنزالدهايد‏(Benzaldehyde)‏ وتركيبه الكيميائي‏(C6H5CHO),‏ وقد تم عزله من ثمار التين‏,‏ وثبت أن له قدرة علي مقاومة مسببات الأمراض السرطانية‏.‏
كذلك اكتشفت في ثمرة التين مجموعة من المركبات النشوية التي تعرف باسم مجموعة السورالينز ثبت أنها تلعب دورا فعالا في حماية الدم من أعداد من الفيروسات والبكتيريا‏,‏ والطفيليات التي تتسبب في كثير من الأمراض من مثل فيروس الالتهاب الكبدي‏.‏

وتوجد هذه المجموعة بوفرة في ثمار التين‏,‏ وفي الدبس الناتج عنه‏,‏ وفي كل من عصائره‏,‏ وأنواع المربات المصنوعة منه‏.‏
كذلك ثبت أن للتين فوائد عديدة في إدرار اللبن وفي علاج حالات البواسير‏,‏ والإمساك المزمن‏,‏ والنقرس‏,‏ وأمراض الصدر‏,‏ واضطراب الحيض‏,‏ وحالات الصرع‏,‏ وتقرحات الفم‏,‏ والتهابات كل من اللثة واللوزتين والحلق‏,‏ وفي علاج مرض البهاق‏,‏ وفي إزالة الثآليل‏,‏ وفي اندمال الجروح والتقرحات المختلفة‏,‏ ولذلك روي أبو الدرداء‏(‏ رضي الله عنه‏)‏ أن رسول الله‏(‏ صلي الله عليه وسلم‏)‏ قال‏:‏

لو قلت‏:‏ إن فاكهة نزلت من الجنة قلت التين‏,‏ لأن فاكهة الجنة بلا عجم‏,‏ كلوا منه فإنه يقطع البواسير وينفع النقرس‏.‏
من هنا كان القسم بالتين في القرآن الكريم وتسمية سورة من سوره باسم سورة التين‏.‏

ثانيا‏:‏ في القسم بالزيتون‏:‏
جاء ذكر الزيتون وزيته في سبعة مواضع مختلفة من كتاب الله‏,‏ منها القسم به مع التين في مطلع سورة التين‏,‏ وشجرة الزيتون شجرة مباركة وكذلك ثمرتها‏,‏ فهي شجرة معمرة قد تعيش لأكثر من ألف سنة‏,‏ وتعتبر من أهم نباتات الزيوت‏,‏ ويعتبر زيتها من أصح الزيوت لاحتوائه علي نسبة ضئيلة من الأحماض الدهنية‏,‏ وأن ما به من دهون هي دهون غير مشبعة ولذلك لا تتسبب فيما تتسبب فيه بقية الزيوت من ارتفاع نسبة الدهون الضارة بالدم مما يؤدي إلي تصلب الشرايين وضيقها وانسدادها‏,‏ وارتفاع ضغط الدم‏,‏ وغيرها من الأمراض‏.‏
وزيت الزيتون سائل أصفر اللون شفاف‏,‏ غني بالأحماض الزيتية‏(Oleicacids)‏ يستخدم في الطبخ وفي الإضافة إلي السلطات ويلعب دورا مهما في منع أكسدة الكوليسترول الذي يفرزه جسم الإنسان وذلك لاحتوائه علي فيتامين هـ‏,‏ وعلي قدر من المركبات الكيميائية الأخري تعرف باسم مركبات الفينولات العديدة‏(PolyphenolicCompounds)‏ التي تمنع التأكسد الذاتي للزيت وتحافظ علي ثباته‏,‏ وبذلك يقي الجسم من أخطار فوق أكاسيد الشحوم‏(LipidPeroxides)‏ وهي من المواد الضارة بجسم الإنسان‏.‏

وعلي ذلك فإن تناول زيت الزيتون بانتظام يؤدي إلي خفض المستوي الكلي للكوليسترول في الدم بصفة عامة‏,‏ وإلي خفض الأنواع الضارة منه بصفة خاصة‏,‏ وإلي خفض معدل الإصابة بأمراض القلب والسرطان بصفة أخص‏.‏
وبالإضافة إلي استخداماته العديدة في الطعام فإن زيت الزيتون يستخدم في إنتاج العديد من الأدوية والدهانات الطبية‏,‏ وزيوت الشعر‏,‏ والصابون‏,‏ وبه كانت توقد المصابيح لصفاء اللهب الناتج عن اشتعاله‏.‏

وتثمرة الزيتون القابلة للتخزين بالتمليح تعتبر إداما للطاعمين‏,‏ وصبغا للآكلين‏,‏ بالإضافة إلي كونها فاتحة للشهية‏.‏ وثمرة الزيتون تحوي بين‏67%,84%‏ من وزنها زيتا‏,‏ ويتكون زيت الزيتون من عدد من المركبات الكيميائية الهامة منها مركبات الجلسرين والأحماض الدهنية والتي تعرف باسم الجليسريدات‏(Glycerides),‏ ويكون الحمض الدهني نسبة كبيرة من وزن الزيت‏,‏ ومن أوفر الأحماض الدهنية في الزيتون وزيته ما يعرف باسم حمض زيت الزيتون‏(OleicAcid)‏ بالإضافة إلي كميات قليلة من حمض زيت النخيل‏(PalmaticAcid),‏ وحمـض زيت الكتان‏LinolicAcid)),‏ وحمض الشمع‏(StearicAcid)‏ والحمض الغامض‏(MystricAcid).‏
وبالإضافة إلي ذلك يحتوي الزيتون وزيته علي نسبة متوسطة من البروتينات‏,‏ ونسب أقل من عناصر البوتاسيوم‏,‏ والكالسيوم‏,‏ والمغنيسيوم‏,‏ والفوسفور‏,‏ والحديد‏,‏ والنحاس والكبريت وغيرها مع نسبة من الألياف‏,‏ وتدخل هذه المكونات في بناء حوالي الألف من المركبات الكيميائية النافعة لجسم الإنسان والضرورية لسلامته‏.‏

لذلك كله‏,‏ ولغيره الكثير مما لا نعلم من أسرار الزيتون يروي أمير المؤمنين عمر بن الخطاب‏(‏ رضي الله عنه‏)‏ عن رسول الله‏(‏ صلي الله عليه وسلم‏)‏ أنه قال‏:‏
كلوا الزيت وادهنوا به فإنه من شجرة مباركة‏.‏

وكذلك يروي عن معاذ بن جبل‏(‏ رضي الله عنه‏)‏ أنه قال‏:‏ سمعت النبي‏(‏ صلي الله عليه وسلم‏)‏ يقول‏:‏ نعم السواك الزيتون‏,‏ من الشجرة المباركة‏,‏ وهي سواكي وسواك الأنبياء من قبلي‏.‏
ومن هنا كان القسم القرآني بالزيتون‏,‏ وكان ذكره وذكر زيته في سبع مواضع مختلفة من كتاب الله‏,‏ والزيتون وزينة غنيان بالدهون والبروتينات فقيران في الكربوهيدرات‏(‏ السكريات والنشويات‏),‏ بينما التين غني بالسكريات والمركبات النشوية وفقير في المواد الدهنية والبروتينية ومن هنا كان التين والزيتون معا يكملان حاجة الإنسان من المواد الغذائية‏,‏ ومن هنا أيضا كان القسم بهما معا في مطلع سورة التين‏,‏ وهي لفتة علمية معجزة في كتاب أنزل من قبل ألف وأربعمائة من السنين‏.‏

ثالثا‏:‏ القسم بطور سينين‏:‏
وهو طور سيناء أو جبل موسي أو جبل المناجاة الذي أنزلت فيه التوراة علي موسي‏(‏ عليه السلام‏),‏ وقد ذكره ربنا تبارك وتعالي في اثنتي عشرة آية من آيات القرآن الكريم‏(‏ البقرة‏:93,63,‏ النساء‏:154,‏ الأعراف‏:171,143,‏ مريم‏:52,‏ طه‏:80,‏ المؤمنون‏:20,‏ القصص‏:46,29,‏ الطور‏:1,‏ التين‏:2),‏ وسميت باسمه إحدي سوره‏(‏ سورة الطور‏),‏ وهو بالقطع وسكان مبارك‏,‏ جدير بالقسم به‏,‏ ويبقي لعلماء الأرض دراسته لإثبات ما به من معجزات حسية باقية عن عملية دكه‏,‏ ورفعه ونتقه فوق الحثالات العاصية من بني إسرائيل كما جاء في أكثر من آية من آيات القرآن الحكيم‏.‏

رابعا‏:‏ القسم بالبلد الأمين‏:‏
وهو مكة المكرمة‏,‏ وبها الكعبة المشرفة‏,‏ أول بيت وضع للناس‏,‏ وقد روي عن رسول الله‏(‏ صلي الله عليه وسلم‏)‏ قوله الشريف‏:‏ كانت الكعبة خشعة علي الماء‏,‏ فدحيت منها الأرض مما يفيد بأن الأرض تحت الكعبة المشرفة هي أول يابسة ظهرت علي وجه ماء المحيط الغامر الذي بدأت به الأرض‏,‏ ثم نمت اليابسة من حول هذه البقعة المباركة لتكون قارة واحدة هي القارة الأم المعروفة باسم بانجيا‏(Pangaea),‏ والتي تفتتت إلي القارات السبع الحالية‏.‏ وكانت تلك القارات السبع أقرب إلي بعضها البعض ثم أخذت في الانزياح متباعدة عن بعضها البعض أو التصادم مع بعضها البعض حتي وصلت إلي أوضاعها الحالية‏,‏ وقد ثبت علميا توسط مكة لليابسة في كل مراحل نمو تلك اليابسة بمعني أننا إذا رسمنا دائرة مركزها مكة المكرمة فإنها تحيط باليابسة تماما‏,‏ ولذلك قال ربنا‏(‏ تبارك وتعالي‏):‏
إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا وهدي للعالمين‏.(‏ آل عمران‏:96)‏

والآيات القرآنية الكريمة التي تقابل الأرض‏(‏ علي ضآلة حجمها‏)‏ بالسماء‏(‏ علي ضخامة أبعادها‏)‏ تشير إلي مركزية الأرض من الكون‏,‏ وكذلك الآيات التي تتحدث عن البينية الفاصلة للسماوات عن الأرض‏,‏ وتلك التي توحد أقطار السماوات والأرض‏.‏
وإذا كانت الأرض في مركز الكون‏,‏ والكعبة المشرفة في مركز الأرض الأولي‏(‏ اليابسة‏),‏ ومن دونها ست أرضين‏,‏ ومن حولها سبع سماوات فإن الكعبة المشرفة تصبح في مركز‏/‏ مركز الكون‏,‏ ولذلك قال المصطفي‏(‏ صلي الله عليه وسلم‏):‏ إن الحرم حرم مناء بين السماوات السبع والأرضين السبع‏).‏

وأكد ذلك بقوله‏(‏ صلي الله عليه وسلم‏):‏ يا معشر قريش‏,‏ يا أهل مكة إنكم بحذاء وسط السماء وبسؤاله الشريف لصحابته الكرام‏:‏ أتدرون ما البيت المعمور ؟ قالوا‏:‏ الله ورسوله أعلم‏,‏ فقال‏(‏ عليه الصلاة والسلام‏):‏ هو بيت في السماء السابعة بحيال الكعبة تماما حتي لو خر لخر فوقها‏,‏ يدخله كل يوم سبعون ألف ملك فإذا خرج آخرهم لا يعودون‏.‏
هذه الكرامات كلها جعلت من مكة المكرمة قبلة للمسلمين‏,‏ ومحجا ومعتمرا لهم‏,‏ وجعلت الصلاة فيها بمائة ألف صلاة‏,‏ وجعلتها مهوي للأنبياء والمرسلين كما ذكر المصطفي‏(‏ صلي الله عليه وسلم‏)‏ فقال‏:‏ كان النبي من الأنبياء إذا هلكت أمته لحق بمكة فتعبد فيها النبي ومن معه حتي يموت‏,‏ فمات بها نوح‏,‏ وهود‏,‏ وصالح‏,‏ وشعيب وقبورهم بين زمزم والحجر‏(‏ الأزرقي ـ أخبار مكة‏).‏

ودفن بها كل من إسماعيل‏(‏ عليه السلام‏)‏ وأمه السيدة هاجر‏(‏ رضي الله عنها‏)‏ وهما مدفونان في حجر إسماعيل‏.‏
واختار الله‏(‏ تعالي‏)‏ مكة المكرمة مولدا ومبعثا لخاتم الأنبياء والمرسلين‏(‏ صلي الله عليه وسلم‏),‏ وأقسم بها في كل من سورة التين‏,‏ وسورة البلد التي سماها باسمها‏,‏ وأطلق عليها وصف أم القري أي أصل اليابسة‏,‏ وأم الأرض كلها‏,‏ ومن هنا كانت جدارتها للقسم بها وبوصف البلد الأمين في سورة التين‏.‏ وبالإسم المطلق البلد في سورة البلد‏.‏

هذه الحقائق العلمية عن كل من التين والزيتون‏,‏ وعن مكة المكرمة‏,‏ البلد الأمين‏,‏ والحقائق التاريخية والدينية عن نداء الله‏(‏ تعالي‏)‏ لعبده ونبيه موسي بن عمران‏(‏ عليه السلام‏)‏ من جانب الطور الأيمن لم تكن معروفة لأهل الجزيرة العربية‏,‏ ولا لأحد من الخلق في زمن الوحي من قبل ألف وأربعمائة من السنين‏,‏ ولا لقرون متطاولة من بعده‏,‏ والقسم بها في سورة التين مما يقطع بأن القرآن الكريم لايمكن أن يكون صناعة بشرية‏,‏ بل هو كلام الله الخالق‏(‏ سبحانه وتعالي‏),‏ ويجزم بنبوة النبي الخاتم والرسول الخاتم‏(‏ صلي الله عليه وسلم‏),‏ وبأنه كان حتما موصولا بالوحي‏,‏ ومعلما من قبل خالق السماوات والأرض‏,‏ فصلي الله وسلم وبارك عليه وعلي آله وصحبه ومن تبع هداه ودعا بدعوته إلي يوم الدين‏,‏ فالحمد لله علي نعمة القرآن‏,‏ والحمد لله علي نعمة الإسلام‏,‏ والحمد لله علي الدوام إلي أن نلقاه وهو راض عنا إن شاء بفضله‏,‏ وجوده‏,‏ ومنه‏,‏ وعطائه‏,‏ ورحمته‏,‏ وهو‏(‏ سبحانه‏)‏ أرحم الراحمين‏,‏ وأكرم الأكرمين‏,‏ وهو‏(‏ تعالي‏)‏ يقول الحق ويهدي إلي سواء السبيل‏.‏

الجعافرة
05-12-2006, 03:12 AM
ك - تفسير جزء عم

تفسير سورة التين

أطبع هذه المادة أرسل هذه المادة

{بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَـنِ الرَّحِيمِ } {وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ * وَطُورِ سِينِينَ * وَهَـذَا الْبَلَدِ الاَْمِينِ * لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَـنَ فِى أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ * ثُمَّ رَدَدْنَـهُ أَسْفَلَ سَـفِلِينَ * إِلاَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّـلِحَـتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ * فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ * أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَـكِمِينَ}. البسملة تقدم الكلام عليها . . . . . . . . . . . . .

{والتين والزيتون وطور سينين. وهذا البلد الأمين} إقسام الله تعالى بهذه الأشياء الأربعة: بالتين، والزيتون، وبطور سينين، وهذا البلد الأمين يعني مكة، لأن السورة مكية فالمشار إليه قريب وهو مكة، {والتين} هو الثمر المعروف، {والزيتون} معروف، وأقسم الله بهما لأنهما يكثران في فلسطين، {وطور سينين} أقسم الله به لأنه الجبل الذي كلم الله عنده موسى صلى الله عليه وعلى آله وسلم. {وهذا البلد الأمين} أقسم الله به أعني مكة لأنها أحب البقاع إلى الله، وأشرف البقاع عند الله عز وجل. قال بعض أهل العلم: أقسم الله بهذه الثلاثة، لأن الأول {والتين والزيتون} أرض فلسطين التي فيها الأنبياء، وآخر أنبياء بني إسرائيل هو عيسى بن مريم عليه الصلاة والسلام، وبطور سينين لأنه الجبل الذي أوحى الله تعالى إلى موسى حوله، وأما البلد الأمين فهو مكة الذي بعث الله منه محمداً صلى الله عليه وعلى آله وسلم. قال العلماء: ومعنى قوله: {وطور سينين} أي طور البركة لأن الله تعالى وصفه أو وصف ما حوله بالوادي المقدس. {لقد خلقناً الإنسان في أحسن تقويم} هذا هو المقسم عليه، أقسم الله تعالى أنه خلق الإنسان في أحسن تقويم، وهذه الجملة التي فيها المقسم عليه مؤكدة بثلاثة مؤكدات: القسم، واللام، وقد، أقسم الله أنه خلق الإنسان {في أحسن تقويم} في أحسن هيئة وخِلقة و{في أحسن تقويم} فطرة وقصداً، لأنه لا يوجد أحد من المخلوقات أحسن من بني آدم خلقة، فالمخلوقات الأرضية كلها دون بني آدم في الخلقة، لأن الله تعالى قال: {لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم} قوله: {ثم رددناه أسفل سافلين} هذه الردة التي ذكرها الله عز وجل تعني أن الله تعالى يرد الإنسان أسفل سافلين خِلقة كما قال الله تعالى: {ومنكم من يرد إلى أرذل العمر} [النحل: 70]. فكلما ازدادت السن في الإنسان تغير إلى أردأ في القوة الجسدية، وفي الهيئة الجسدية، وفي نضارة الوجه وغير ذلك يرد أسفل سافلين، وإذا قلنا إن أحسن تقويم تشمل حتى الفطرة التي جبل الله الخلق عليها، والعبادة التي تترتب أو تتبنى على هذه الفطرة، فإن هذا إشارة إلى أن من الناس من تعود به حاله ـ والعياذ بالله ـ إلى أن يكون أسفل سافلين بعد أن كان في الأعلى والقمة من الإيمان والعلم، والاية تشمل المعنيين جميعاً ثم قال تعالى: {إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم أجر غير ممنون} هذا استثناء من قوله: {ثم رددناه أسفل سافلين} يعني إلا المؤمنين الذين آمنوا وعملوا الصالحات فإنهم لا يردون إلى أسفل السافلين، لأنهم متمسكون بإيمانهم وأعمالهم، فيبقون عليها إلى أن يموتوا. وقوله: {فلهم أجر} أي ثواب {غير ممنون} غير مقطوع، ولا ممنون به أيضاً فكلمه {ممنون} صالحه لمعنى القطع، وصالحة لمعنى المنة، فهم لهم أجر لا ينقطع، ولا يمن عليهم به، يعني أنهم إذا استوفوا هذا الأجر لا يمن عليهم فيقال أعطيناكم وفعلنا وفعلنا، وإن كانت المنة لله عز وجل عليهم بالإيمان والعمل الصالح والثواب، كلها منّة من الله لكن لا يمن عليهم به، أي: لا يؤذون بالمن كما يجري ذلك في أمور الدنيا، إذا أحسن إليك أحد من الناس فربما يؤذيك بمنه عليك، في كل مناسبة يقول: فعلت بك، أعطيتك وما أشبه ذلك. ثم قال الله تبارك وتعالى: {فما يكذبك بعد بالدين} انتقل الله تعالى من الكلام على وجه الغيبة إلى الكلام على وجه المقابلة والخطاب قال: {فما يكذبك بعد بالدين} أي: أي شيء يكذبك أيها الإنسان بعد هذا البيان {بالدين} أي بما أمر الله به من الدين، ولهذا كلما نظر الإنسان إلى نفسه وأصله وخلقته، وأن الله اجتباه وأحسن خلقته، وأحسن فطرته فإنه يزداد إيماناً بالله عز وجل، وتصديقاً بكتابه وبما أخبرت به رسله. ثم قال: {أليس الله بأحكم الحاكمين} وهذا الاستفهام للتقرير يقرر الله عز وجل أنه أحكم الحاكمين، وأحكم هنا اسم تفضيل وهو مأخوذ من الحكمة، ومن الحكم، فالحكم الأكبر الأعظم الذي لا يعارضه شيء هو حكم الله عز وجل، والحكمة العليا البالغة هي حكمة الله عز وجل فهو سبحانه وتعالى أحكم الحاكمين قدراً وشرعاً، وله الحكم، وإليه يرجع الأمر كله. نسأل الله تعالى أن يرزقنا العلم بكتابه، وسنة رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، إنه على كل شيء قدير .