المساعد الشخصي الرقمي

اعرض النسخة الكاملة : التضمين في القرآن الكريم .. التفسير والتأويل



محمد مليطان
30-11-2006, 11:20 PM
التضمين في القرآن الكريم .. التفسير والتأويل
قراءة في تفسير ابن عطية المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز


التضمين في النحو: هو إشراب لفظ معنى لفظ آخر فيأخذ حكمه. أو كلمة تؤدي مؤدّى كلمتين.

مثل: فعل يتعدّى بحرف وفعل يتعدّى بآخر والتضمين هو تعدية الفعل بحرف الفعل الثاني. "مثال على ذلك قوله تعالى فعل سمع يتعدّى بنفسه في الأصل فنقول سمع الصوت وقوله تعالى (يومئذ يسمعون الصيحة بالحق)، لكننا في الصلاة وبعد الرفع من الركوع نقول: سمع الله لمن حمد فعل سمع هنا عُدّي باللام لأن المقصود هو فعل استجاب فكأنما أخذنا اللام من فعل الاستجابة وعدّينا فعل سمع بهذه اللام لتعطي معنى الاستجابة وليس الاستماع فليس كل سماع استجابة"(1).

وقد عني بأسلوب التضمين ابتداء طائفة من النحاة جلهم من مدرسة البصرة التي رفضت القول : بأن لحرف الجر أكثر من معنى ومن ثم رفضت مسألة تناوب الحروف التي اعتمدتها مدرسة الكوفة وتابعها في ذلك آخرون .

ومصطلح "التضمين" من المصطلحات النقدية والبلاغية ساغ لبعض المحدثين أن يعتبره المقابل التراثي نقدياً لمصطلح "التناص" في الثقافة النقدية الحديثة.

وسأقتصر على صورتين من صور التضمين في القرآن.. متخذا من تفسير ابن عطية (المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز) حقلا للدراسة:


أولا: الفعل اللازم والفعل المتعدي

يقسّم النحاة الأفعال من حيث اللزوم والتعدي إلى قسمين(2):

اللازم: وهو ما اكتفى بمرفوعه ولم يطلب مفعولا به، نحو: طال الليل، ونبت الزرع.

والمتعدي: وهو ما لا يكتفي بمرفوعه، ويطلب مفعولا واحدا، كـ(أكل وضرب)، أو مفعولين أصلهما مبتدأ وخبر كـ(ظن) وأخواتها(*)، أو مفعولين ليس أصلهما مبتدأ وخبرا كـ(كسا وألبس)، وقد يتعدى إلى ثلاثة مفاعيل كـ(أعلم وأرى) وأخواتهما.

والأصل في الفعل المتعدي أن ينصب مفعولا دون الحاجة إلى حرف جر، غير أن النحويين فسّروا بعض المفاعيل وحكموا – بناءً على معنى الفعل- بأنها منصوبة بإسقاط حرف الجر، كما في قوله تعالى: ("لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ" الأعراف 16)، إذ الأصل عندهم: على صراطك المستقيم(3)، وعلى هذا رأى ابن عطية أن تقدير الكلام في قوله تعالى: ("وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً..." الأعراف 155) "واختار موسى من قومه، فلما انحذف الخافض تعدى الفعل فنصب، وهذا كثير في كلام العرب"(4) ؛ وواضح أن هذا الرأي مبني على المعنى الذي في (اختار)، لأن الاختيار يكون بانتقاء شيء من عدة أشياء، أو بَعْضٍ من كلٍّ.

ويقرر بعض النحاة أن الفعل إذا استُعْمل "متعدياً بنفسه تارةً، وبحرف جرٍّ تارةً أخرى، ولم يكن أحد الاستعمالين مشهوراً، قيل فيه: متعدٍّ بوجهين، ولم يُحْكم بتقدير الحرف عند سقوطه، ولا بزيادته عند ثبوته، نحو: شَكَـرْتُـهُ، وشَكَرْتُ لَـهُ"(5)، وعلى الرغم من عدم دقة المثال المتمثل به على هذا الرأي، حيث الشكر في (شكرته) للمخاطب، وفي (شكـرت لـه) للفعل الذي قام به، إذ المعنى شكـرت لـه صنيعَه، أو فعلَه، وعلى هذا فالفعل (شَكَرَ) متعدٍّ بنفسه دون حرفِ جرٍّ في المثالين، -على الرغم من هذا - فإن هذا الرأي هو الأحسن؛ لأن فيه بُعْداً عن الحكم بالزيادة، وعن تقدير جارٍّ محذوف، وخالف ابن عطية هذه الرؤية عند تفسيره قوله تعالى: ("وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا" الفتح 2) فذهب إلى أن معنى الآية: "إلى صراط مستقيم، فحذف الجار فتعدى الفعل، وقد يتعدى بغير حرف جر"(6)؛ لأن (هدى) "يصل بنفسه إلى مفعوله الثاني، وبحرف جر، فهو فعل متردد"(7).

وقد انشغل ابن عطية هنا بالجانب اللفظي لفعل الهداية، وأهمل الجانب الدلالي المعنوي الذي هو المهم والأساس في الحكم على تعدي الفعل أو لزومه، فقوله تعالى في الآية السابقة: ("ويهديك صراطا") يختلف في دلالته عن قوله تعالى: ("وَيَهْدِي مَن يَّشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ" يونس 25) ففي الآية الأولى يعني – والله أعلم-: أن العناية الإلهية في الهداية مستمرة إلى بلوغ المهدي الصراط، بينما في الآية الثانية التي تعدى فيها الفعل بحرف جر تتوقف العناية عند إرشاد المهدي إلى الطريق المؤدية إلى الصراط المستقيم، وإيكاله إلى نفسه دون استمرار الحفظ والعناية حتى بلوغ الصراط، وهذا يعني أن (هدى) الأولى تتضمن معنى غير معنى الثانية، فالآية الأولى – والله أعلم- بمعنى: يبلغك صراطا، والآية الثانية بمعنى : يرشدك إلى صراط، وعلى هذا فالفعلان لا يتضارعان معنوياً وإنما المسألة مبنية على التضمين، وهذا على أن التضمين قياسي، وليس مقصورا على السماع(8).

وقد ذكر ابن عطية أفعالا تعدت إلى مفعول واحد لتضمنها معنى ما يتعدى إلى واحد، كما في قوله تعالى: ("فَمَنْ عُفِيَ لَـهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ..." البقرة 178) فـ(شيء) في هذه الآية كما يرى ابن عطية "مفعول لم يسم فاعله، وجاز ذلك... من حيث تقدر (عفي) بمعنى ترك، فتعمل عملها"(9)، وأجاز في أفعال أخرى أن تتعدى إلى مفعول لتضمنها معنى ما يتعدى إلى مفعول واحد، ثم هي نفسها في موضع آخر تتعدى إلى مفعولين لتضمنها معنى ما يتعدى إلى مفعولين، كـ(جعل) التي رأى أنها بمعنى خلق، في قوله تعالى: ("وَهُوَ الذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا..." الأنعام 97) "لدخولها على مفعول واحد"(10)، بينما يذهب في قوله تعالى: ("الذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشًا..." البقرة 22) إلى أن "(جعل) بمعنى صيّر،... لتعديها إلى مفعولين"(11)، ويرى أنه قد يُضمَّن ما يتعدى بنفسه معنَى ما يتعدى بحرف جر فَيَسلك سبيله، كما في (قُضِى) الذي تعدى "بـ(إلى) لما كان بمعنى (فرغ)، و(فرغ) يتعدى بـ(إلى)، ويتعدى باللام"(12)، كما في قوله تعالى: ("لَقُضِىَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ..." يونس 11) وغير ذلك كثير(13)، مما يوحي بأن ابن عطية يرى قياس التضمين، ويزيدني اطمئنانا إلى نسبة هذا إليه أنه يرى أن (خلق) في قوله تعالى: ("وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفًا" النساء28) يصح أن يكون "بمعنى (جعل) فيكسبها ذلك قوة التعدي إلى مفعولين، فيكون قوله: (ضعيفا) مفعولا ثانيا"(14) ؛ وعلى الرغم من إنكار بعض النحاة تضمين (خلق) معنى (جعل)(15)، واعتبارهم إياه غريبا لم يقل به نحوي(16)، فإنه يمثل توسع ابن عطية في جواز القياس في التضمين، ولا يقيس اعتباطا، وإنما يستعمل ويسلك منهج السبر والتقسيم في الوصول إلى الفعل الذي يشربه معنى الفعل الآخر الذي يضمنه معناه، كما فعل عند تفسير قوله تعالى: ("مَا جَعَلَ اللهُ مِن بَحِيرَةٍ وَلاَ سَائِبَةٍ وَلاَ وَصِيلَةٍ وَلاَ حَامٍ.." المائدة 103) حين رأى أن (جعل) في هذه الآية لا يتجه أن يكون بمعنى خلق الله، لأن الله تعالى خلق هذه الأشياء كلها، ولا هي بمعنى (صير) لعدم المفعول الثاني، وإنما هي بمعنى: (ما سنّ ولا شرع)، فتعدت تعدي هذه التي بمعناه، إلى مفعول واحد(17)، وقد اعترض أبو حيان على ابن عطية بحجة أن النحاة لم يذكروا في معاني (جعل) شرع، بل ذكروا أنها تأتي بمعنى (خلق) وبمعنى (ألقى) وبمعنى (صيّر) وبمعنى الأخذ في الفعل، فتكون من أفعال المقاربة، وذكر بعضهم بمعنى: سمى…. والحمل على ما سُمع أولى من إثبات معنى لم يثبت في لسان العرب"(18)، وهذا لا يضعف من رأي ابن عطية ومذهبه في هذه المسألة، لأن هناك بعض المعاجم(19) ذكرت لـ(جعل) أكثر من عشرة معان، استلهمت من سياقاتها، كما وافق ابنَ عطية كثيرٌ من المعربين والمفسرين(20)، وهذا يُقَوِّي جواز القياس في التضمين عندهم.


ثانيا: المجرور بحروف الجر

اختلف النحاة في تعاقب حروف الجر إلى مذهبين(21):

الأول/ أن حرف الجر ليس له إلا معنى واحد أصلي، فإن أدّى غير معناه الأصلي فهو إما بتضمين الفعل أو العامل معنى فعل أو عامل آخر يتعدى بهذا الحرف، وينسب هذا المذهب إلى البصريين.

الثاني/ أن لحرف الجر الواحد أكثر من معنى حقيقي، وقَصْرُه على معنى واحد تعسّف –عندهم- لا مسوّغ له، لأن الحرف كلمة كالأسماء والأفعال التي صحّ أنها تؤدي عدة معانٍ حقيقية، وينسب هذا المذهب إلى الكوفيين.

وقد انتصر كثيرون لنظرية التضمين في الأفعال لا الحروف، ومنهم ابن العربي الاشبيلي(22)، يقول: "وكذلك عادة العربي أن تحمل معاني الأفعال على الأفعال لما بينهما من الارتباط والاتصال، وجهلت النحوية هذا، فقال كثير منهم: إن حروف الجر يبدل بعضها من بعض، ويحمل بعضها معاني البعض، فخفي عليهم وضْعُ فعلٍ مكان فعل وهو أوسع وأقيس، ولجؤوا بجهلهم إلى الحروف التي يضيق فيها نطاق الكلام والاحتمال ".

وعند تفسير قوله تعالى: ("وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ..." البقرة 14) ضعّف ابن عطية قول من ذهب إلى أن (إلى) بمعنى (مع) أو (الباء) بحجة أن هذا "يأباه الخليل وسيبويه وغيرهما"(23)، وفي قوله تعالى: ("قَالَ مَنْ أَنصَارِيَ إِلَى اللهِ..." آل عمران 52) يذكر قولاً عن بعض المفسرين يرون فيه أن (إلى) هنا بمعنى (مع)، ثم يعقّب على ذلك بقوله: "نعم، إن (مع) تسدّ في هذه المعاني مسدّ (إلى)، لكن ليس يباح من هذا أن يقال: إن (إلى) بمعنى (مع) حتى غلط في ذلك بعض الفقهاء في تأويل قوله تعالى: ("وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ" المائدة 6) فقال: (إلى) بمعنى (مع)، وهذه عُجْمة، بل (إلى) في هذه الآية غاية مجردة، وينظر هل يدخل ما بعد (إلى) فيما قبلها من طريق آخر"(24)، ولذلك يرى أنه لا حاجة تدعو إلى أن "نجعل حرفا بمعنى حرف، إذ قد أبى ذلك رؤساء البصريين"(25)، ولم يمنعه احترامه البصريين وتقليده إياهم أحيانا، من أن يصف قول الفراء(26): إن (الباء) بمعنى (في) في قوله تعالى: ("فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ * بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ" القلم 5-6) بأنه "قول حسن قليل التكلف"(27)، ومع ذلك فإن الصواب – عند ابن عطية- أن "لا نقول إن حرفًا بمعنى حرف، بل نقول: إن المعنى يتوصل إليه بـ(في) وبالباء أيضا"(28)، وكأنّه يحاول الخروج من هذا الخلاف الذي يأبى فيه التّصريح باتّباع الكوفيين، ويستعظم مخالفة البصريين بمصطلح لا يفيد نيابة حرف جر عن آخر، ولا ينكر به تعاقبهما في المعنى، فالوصول إلى المعنى بهذا الحرف وبذاك قد يخرجه من دائرة الخلاف، ولذلك استعمل هذا المصطلح في أكثر من موضع، منها قوله عند تفسيره قوله تعالى: ("فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ..." إبراهيم 9) : إن "وَصْل الفعل بـ(في) عوض وصوله بالباء"(29)، وكذلك قوله: إن "اللام توصّل المعنى توصيل (على)"(30)، في قوله تعالى: ("سَالَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ" المعارج 1) وكذلك قوله عند تفسيره قوله تعالى: ("هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ..." التوبة 104) : يصح أن تكون (عن) "بمعنى (من) وكثيرا ما يتوصل في موضع واحد بهذه وهذه، وتقول: لا صدقة إلا عن غِنًى، ومن غِنًى"(31)،

لكن هذا لا يعتبر قاعدة مطردة بحيث يوصل إلى المعنى الواحد بالحرفين، فـ(على) في قوله تعالى: ("إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِيَاءُ..." التوبة 93) تحدث اضطرابا في الاطراد – عند ابن عطية- فقد يوصل إلى المعنى "بـ(على) و(إلى) فتقول: لا سبيل على فلان، ولا سبيل إلى فلان، غير أن وصولها بـ(على) يقتضي أحيانا ضَعْفَ المتوصَّل إليه، وقلّة منعته، فلذلك حسنت في هذه الآية، وليس ذلك في (إلى)، ألا ترى أنك تقول: فلان لا سبيل إلى الأمر، ولا إلى طاعة الله، ولا يحسن في شبه هذا (على)" (32)، وكذلك الأمر في قوله تعالى: ("أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُّتْرَكُوا أَن يَّقُولُوا آمَنَّا..." العنكبوت 2) حيث جاءت "(أن) الثانية في موضع نصب على تقدير إسقاط حرف الخفض، تقديره: بأن يقولوا، ويحتمل أن يقدّر: لأن يقولوا، والمعنى في الباء واللام مختلف، وذلك أنه في الباء كما تقول: تركت زيدا بحاله، وهي في اللام بمعنى: من أجل أن حسبوا أن إيمانهم علة الترك"(33)،

وهذا الاختلاف يعني أن المعاني الدقيقة والأساليب التي تحمل إيحاءات ودلالات غير الدلالات القريبة الظاهرة لألفاظها لا تطّرد معها رؤية أن المعاني يُتوصل إليها بالحرفين، لأن كلّ حرف دلّ على معنى مستقلّ غير المعنى الذي دلّ عليه الآخر، ولذلك نجد ابن عطية في مواضع أخرى يذكر الحرف وما جاء من الحروف الأخرى على معناه، أو يحكيه عن غيره دون مناقشة له أو ردّ، مما يدلّ على موافقته إيّاه، ومن ذلك موافقته المهدوي على أن "الباء بمعنى اللام"(34) في قوله تعالى: ("ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللهِ..." البقرة 61) وأنها "يحتمل أن تكون بمعنى (مع)" (35) في قوله تعالى: ("وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ..." البقرة 93) وأن (على) بمعنى (في) كما في قوله تعالى: ("وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ..." البقرة 102) فيصير المعنى عندئذ "في ملك سليمان بمعنى: قصصه وصفاته وأخباره"(36)، كما أن (عن) في قوله تعالى: ("فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ..." الكهف 50) يصحّ أن تكون بمعنى (بعد) لأن "(عن) قد تجيء بمعنى (بعد) في مواضع كثيرة، كقولك: أطعمتني عن جوع، ونحوه، فكان المعنى: فسق بعد أمر ربه بأن يطيع"(37)، وكذلك تجيء (في) بمعنى (على) و(من) كما في قوله تعالى: ("أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ..." الطور 38) "أي: عليه ومنه، وهذه حروف يسدّ بعضها مسدّ بعض"(38)، كما أن اللام قد تسدّ مسد (إلى) كما في قوله تعالى: ("هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلإِيمَانِ..." آل عمران 167) حيث "سدّت اللام في قوله: (للكفر) و(للإيمان) مسدّ (إلى) "(39)، ورفض عند تفسيره قوله تعالى: ("يَغْفِرْ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ..." نوح 4) أن تكون (من) بمعنى: (عن) لأن "هذا غير معروف في أحكام (من)" (40)، لكن الهروي ذكر لـ(من) خمسة مواضع منها: أن تكون مكان (عن)، كقولك: لهيت من فلان، أي: عنه(41).

ويتبين من هذا العرض أن ابن عطية اختار مذهب البصريين ولم يلتزم به، وهذا راجع – ربما- إلى أنه تتنازعه عاطفة الانتماء إلى المذهب البصري، والدلالة الظاهرة القريبة في نيابة حروف الجر بعضها عن بعض في المذهب الكوفي، فلا هو ضمّن الأفعال والعوامل معاني تتعدى بها إلى حرف الجر المذكور، ولا هو أقرّ باتباع الكوفيين في نيابة حروف الجر بعضها عن بعض فتفرّقت اختياراته بين المذهبين، غير أني أجد في هذا البحث الدلالي الذي لا يكاد يخلو كتابٌ نحويٌ منه تناقضاً مع ما تعارف عليه النحاة في حدّ علم النحو الذي اصطلحوا على أنه "علم بأصول يُعرف بها أحوال الكلم إعرابا وبناء"(42)، فقضية تعاقب حروف الجر قضية دلالية ليست من إعراب الكلم وبنائه في شيء، وتناول النحاة قضية دلالية كهذه يعني أن علم النحو لا يُعنى بإعراب الكلم وبنائه فحسب، وإنما يعنى أيضا بدلالات الكلم، فيكون من حقّه أن يكون حدّه أنه: علم يعنى بأحوال الكلم مبنى ومعنى.

والقول بنيابة حروف الجر بعضها عن بعض هو قول اعتمد الفهم المبدئي الظاهري، ويفتقر إلى الدقة والتمعن، ويجانب في كثير من الأحيان الصواب، ولا يتناسب مع دلالات الكلام العربي الذي من شأنه الدقة والدلالة على معان لطيفة تختلف باختلاف الأدوات المستعملة في كل أسلوب، كما أن القول بنيابة حروف الجر بعضها عن بعض غير مسلّم به على علاّته، وإلاّ "لجاز أن يقال: مررت في زيد، ودخلت من عمرو، وكتبت إلى القلم"(43)، ويحمل على قصد: مررت بزيد، ودخلت على عمرو، وكتبت بالقلم، وتفقد بهذا حروف الجر دلالاتها الخاصة بكل منها، ويصير الاستعمال إلى العبث أقرب منه إلى الاستخدام العربي الفصيح القوي، وربما التقَوُّل – حاشا لله- في الأسلوب القرآني الذي هو أعلى درجات الكلام العربي فصاحة وبيانا؛ وأُورد هنا مثالا على ارتباك القول بنيابة حروف الجر بعضها عن بعض من كتاب الله العزيز، فقد جاء فعل (الهداية) في القرآن الكريم متعديا إلى الثاني بنفسه تارة، وباللام ثانية، وبـ(إلى) أخرى، حيث تعدى بنفسه في نحو قوله تعالى: ("اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ" الفاتحة 6) وتعدى باللام في نحو قوله تعالى: ("الْحَمْدُ للهِ الذِي هَدَانَا لِهَذَا..." الأعراف 43)، وقوله تعالى: ("إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلتِي هِيَ أَقْوَمُ..." الإسراء 9) وتعدّى بـ(إلى) في نحو قوله تعالى: ("قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ..." الشورى 52) وغيرها في القرآن كثير(44)، فلا يعقل أن يقال هنا إن (إلى) بمعنى اللام، أو العكس، أو أن المتعدي بنفسه كما في آية الفاتحة إنما هو على إضمار حروف الجر؛ والحقيقة أن: اهدنا الحق، تختلف دلالتها عن: اهدنا للحق، وهما يختلفان عن: تهدي إلى الحق، وعلى هذا فإن لكل حرف معناه الخاص به، ولا يمكن بحال أن ينوب حرف عن الآخر، ويؤدي بتلك النيابة معناه، ولذلك كان ما نسب إلى البصريين - هنا- أكثر دقة مما نسب إلى الكوفيين، حيث لجؤوا إلى تضمين الفعل أو العامل معنى مع يتعدى بالحرف دون المساس بقيمة الحرف المعنوية، وأهليته لمكانه وأصدروا حُكمًا يقضي بأن "التجوّز في الفعل أسهل منه في الحرف"(45)، فضمّنوا الأفعال التي لا يعرف تعدّيها بحرف الجر المذكور معها معنى أفعال تتناسب وهذا الحرف، وهذا المذهب قد يظهر أيضا أنه الصحيح والمتفق مع دلالات الكلام العربي، لكنه – مع أفضليته على المذهب الآخر- يَضْعُف مع وجود أفعال لا تتعدى بحرف الجر المذكور معها، ولا تقبل التّضمين، لأنها واردة على سبيل الحقيقة لا على المجاز الذي يتوسع فيه في التضمين، وذلك كما في قوله تعالى: ("وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ..." طه 71) ففعل (الصَّلْب) هنا حقيقة ولا يُعرف في (صلب) أنه يتعدى بـ(في) وإنما العرف أنه يتعدى بـ(على)، ولذلك لا يتوانى القائلون بنيابة حروف الجر عن بعضها عن القول: إن (في) هنا بمعنى (على)، في حين يرتبك المانعون نيابة بعضها عن بعض ويحاولون الفرار إلى الاستناد إلى القول بأنه جاء في روايات التاريخ أن فرعون نقر جذوع النخل وصلبهم داخلها حتى يموتوا جوعا وعطشا، فصارت الجذوع على هذا ظرفا لهم، وتعدّى (أصلّب) هنا بـ(في) ليناسب الواقع(46)؛ ولكن الاتكاء على مثل هذه الروايات – مع احتمال صحتها- هروب من حقيقة أن القول بتضمين الأفعال هو أيضا غير مطّرد، خاصة إذا وُجدت النّظائر لهذا الأسلوب، ولم توجد لها روايات تاريخية تبررها كهذه الرواية.

إذن، فَكِلا المذهبين – مع الاحتفاظ بحق الأفضلية للمذهب المنسوب إلى البصريين- عاجزٌ عن إيجاد مبرّر مطّرد مقنع لهذه الظاهرة اللغوية.

إن من خصائص العربية المتفق عليها: الإيجاز، وحذف ما هو حشو أو كالحشو في الكلام العربي الرفيع؛ ولذلك فإن تقدير محذوف يتناسب مع المقام دون اللجوء إلى تضمين الفعل أو القول بنيابة حرف جر عن آخر ينسجم مع هذه الخصيصة المتفق عليها، وهذا المحذوف – قلّ أو كثُر- ليس إلا مفسِّرا لكثافة المعنى واختزاله في اللفظ القليل، ففي نحو قوله تعالى: ("وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ..." طه 71) كلام محذوف تقديره- تأويلا-: ولأصلبنكم حتى تصيروا من شدة الصلب كأنكم جزء في جذوع النخل، وفي نحو قوله تعالى: ("عَيْنًا يَّشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللهِ..." الإنسان 6) أي: يشرب ويطمئن بها عباد الله، ولا حاجة لتضمين (يشرب) معنى: يُرْوى، ولا تضمين الباء معنى (من)، ولا أزعم في هذا الاختيار خُلُوَّه من النقائص، ولكني أفضّله على المذهبين الآخرَيْن حرصا على إبقاء خصوصية اللفظ، سواء في الفعل أو حرف الجر في محله الذي ورد فيه في القرآن الكريم؛ لأنه – دون شك - له من الدلالة والإيحاءات بلفظه المذكور ما لا قد يدركه الفهم البشري، ولتبقى هذه الدلالات – ربما - سؤالا أبديًّا يشغل الدارسين والباحثين في هذه اللغة الشريفة، وفي الأساليب القرآنية الرفيعة المعجزة.


1- لمسات بيانية لفاضل السامرائي، عن موقع فاضل السامرائي الالكتروني (http://www.lamasaat.8m.com).
2- انظر تفصيلها في: شرح التسهيل لابن مالك 2/72، 148، وارتشاف الضرب لأبي حيان 4/2097 وما بعدها.
*- يعدّ النحاة (ظن) وأخواتها من نواسخ الجملة الاسمية، ونظراً لاعتبارهم المنصوبين بعدها مفعولين، وليسا اسما وخبرا لـ(ظن) جعلتها هنا مع الأفعال المتعدية.
3- انظر: شرح التسهيل لابن مالك 2/148-149 .
4- المحرر الوجيز 2/459 .
5- شرح التسهيل لابن مالك 2/149، وانظر: المصدر نفسه 2/151 .
6- المحرر الوجيز 5/126 .
7- المصدر السابق 2/369 .
8- انظر: بحث التضمين (أقوال العلماء في التضمين) في كتاب النحو الوافي لعباس حسن 2/564-595 .
9- المحرر الوجيز 1/246، واحتج عليه السمين الحلبي بأن التضمين لا ينقاس انظر: الدر المصون 1/451.
10- المحرر الوجيز 2/326 .
11- المصدر السابق 1/105 .
12- المصدر السابق 3/109 .
13- انظر مثلا: المحرر الوجيز 1/122، 159، 444، و2/54، 148، 229، 266، 343، و3/125، 170، 335، 342، 374، 384، و4/269.
14- المحرر الوجيز 2/41 .
15- انظر: ارتشاف الضرب لأبي حيان 4/2106، وهمع الهوامع للسيوطي 2/220 .
16- انظر: البحر المحيط لأبي حيان 3/228، والدر المصون للسمين الحلبي 2/353 .
17- المحرر الوجيز 2/247 .
18- البحر المحيط لأبي حيان 4/33، وانظر: الدر المصون للسمين الحلبي 2/620، والمحاكمة للشاوي 1/488، وممن أنكر قياس التضمين ابن عصفور في كتابه شرح الجمل 1/302 .
19- انظر مثلا: لسان العرب لابن منظور مادة (جعل) .
20- انظر مثلا: الكشاف للزمخشري 1/649، والتبيان للعكبري 1/464، ومفاتيح الغيب للرازي 12/109، وكتاب التسهيل لابن جزي 1/190، وتفسير البيضاوي ص 193، وتفسير أبي السعود 2/94، والتحرير والتنوير لابن عاشور 7/71.
21- انظر مثلا : الكتاب 4/224، والمقتضب للمبرد 2/319، والأصول في النحو لابن السراج 1/411، وأدب الكاتب لابن قتيبة ص 394 وما بعدها، والخصائص لابن جني 2/306 وما بعدها، والأزهية للهروي ص 267-290، وشرح التسهيل لابن مالك 3/136 وما بعدها، ومغني اللبيب لابن هشام ص 120، 620-621، والجنى الداني للمرادي ص 46، وتصحيحات لغوية لعبد اللطيف الشويرف ص 191-193، والمعنى والإعراب عند النحويين لعبد العزيز عبده 1/448، وحروف الجر في العربية لنور الهدى لوشن ص93 وما بعدها، وحروف الجر وأثرها في الدلالات لمحمد طيب ص 276-290.
22- أحكام القرآن : 1/177.
23- المحرر الوجيز 1/96 .
24- المصدر السابق 1/442، وانظر المصدر نفسه : 2 / 6، 272 .
25- المصدر السابق 5/12 .
26- انظر: معاني القرآن للفراء 3/173 .
27- المحرر الوجيز 5/347 .
28- نفسه 5/347 .
29- نفسه 3/327 .
30- نفسه 5/365 .
31- نفسه 3/79 .
32- نفسه 3/71 .
33- نفسه 4/305-306 .
34- نفسه 1/155 .
35- نفسه 1/180، وانظر : المصدر نفسه 1/375، 526 .
36- نفسه 1/185 .
37- نفسه 3/522، وانظر: المصدر نفسه 5/458-459 .
38- نفسه 5/193 .
39- نفسه 1/539، وانظر المصدر نفسه 5/30 .
40- نفسه 5/372 .
41- الأزهية ص 282 .
42- شرح الحدود النحوية للفاكهي ص 44-45 .
43- مغني اللبيب لابن هشام ص 621 .
44- انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم لمحمد فؤاد عبد الباقي باب الهاء، مادة (هدى)، والقرص الصلب (cd) بعنوان: القرآن الكريم، الإصدار السادس مادة (هدى).
45- مغني اللبيب لابن هشام ص 621 .
46- انظر مثلا: البحر المحيط لأبي حيان 6/261، والدر المصون للسمين الحلبي 5-41.