المساعد الشخصي الرقمي

اعرض النسخة الكاملة : درس في علم البيان



عمرمبروك
08-01-2007, 10:20 PM
دروس في علم البيان

البيان وعلم البيان:
ثمة بيان وثمة علم البيان: أما البيان لغة فإظهارٌ ووضوحٌ، أي إظهار ما في النفس إلى عالم الحس على شرط وضوح الألفاظ في إفصاحها عن مغزاها أو دلالتها على فحواها، فهي ضد الغموض.
وأما البيان اصطلاحاً فقد عُبِّرَ عنه بطرقٍ شتى، نذكر منها ما يأتي:
1. قول الأصمعي: (( البليغ من طبَّق المِفْصَل، وأغناك عن المُفَسَّرِ))[1] إنا أراد بالبليغ الإنسان المبين عما في نفسه أو المفصح عن مراده، وجعل شرط بلوغه مراده من كلامه إصابة المفصل من مراده حيث تجتمع جهات المعنى المجسم مجازاً التي تشبه مفاصل الإنسان حيث يجتمع الساق والفخذ فلا يصيب جهة منهما دون الأخرى وقوله: أغناك عن المفسر أي أبلغك المراد من دون غموض أو التباس.
2. وقول جعفر بن يحيى(( قال ثمامة: قلت لجعفر بن يحيى: ما البيان؟ قال: أن يكون الاسم يحيط بمعناك، ويُجلي عن مغزاك، وتخرجه عن الشِّركةِ، ولا تستعين عليه بالفكرة. والذي لا بد منه أن يكون سليماً من التكلف بعيداً من الصنعة، بريئاً من التعقدِ، غنياً عن التأويل))[2] لابد من الإشارة إلى أنه ذكر الاسم وأراد اللفظ، فاشترط للبيان إحاطة اللفظ بالمعنى تاماً غير منقوص. واشترط جلاء المعنى لناظره أو متأمله، وجعل من شروطه اختيار اللفظ غير المشترَك بين معان عدة مثل العين التي تستخدم للباصرة وللرجل الوجيه في قومه فيقال: هو عين من الأعيان، وللجاسوس ولعين الماء الجارية..الخ واشترط له الطبع بالبعد عن التكلف والصنعة، والبراءة من التعقيد، والاستغناء عن التأويل.
3. وقول الجاحظ متعقباً الكلام المروي عن ثمامة: (( وهذه الصفات التي ذكرها ثمامة بن أشرس قد انتظمها لنفسه، واستولى عليها دون جميع أهل عصره، وما علمت أنه كان في زمانه قروي ولا بلدي، كان بلغ من حسن الإفهام مع قلة عدد الحروف، ولا من سهولة المخرج مع السلامة من التكلف، ما كان بلغه. وكان لفظه في وزن إشارته، ومعناه في طبقة لفظه، ولم يكن لفظه إلى سمعك بأسرع من معناه إلى قلبك))[3]
فثمامة أخذ كلام جعفر بن يحيى فجعله منهجاً لبيانه فكان يحسن إفهام الناس على إيجاز كلامه؛ ذلك أن الناس طبقات في الفهم يحتاج من يخاطبهم إلى كثرة الكلام لإفهام أعلاهم طبقة وأدناهم طبقة، وكان ثمامة قد أدرك المفصل أي الحد الأوسط بين الطبقة العليا والدنيا، فجمعهما على ذلك المحز، فكان كلامه وجيزاً من غير إخلال بالمعنى، ولا مخالفة لمقتضى الحال. وكان كلامه موصوفاً بحسن المخارج أي لا تنافر بين حروف الكلمة المفردة، ولا بين الكلمات المتجاورة في نظام الجملة العربية. وكان كلامه سليماً من التكلف في دوافعه كما أنه سليم التكلف في أدائه أو طرائق نطقه، فهو خال من التنطع والتكلف. وكانت ألفاظه في ثقل معانيه أي مناسبة لها، وفي طبقة لفظه، أي أن هناك تشاكلاً بين ألفاظه ومعانيه فهو يجعل اللفظ الشريف للمعنى الشريف، ويضع اللفظ السخيف للمعنى السخيف، ويجعل لكل حال أو موقف ما يناسبه، ومن جهة الإفهام فإن معانيه تسبق ألفاظه إلى قلب مستمعه.
4. وقول الجاحظ: (( البيان: اسم جامع لكل شيء كشف لك قناع المعنى، وهتك الحجاب دون الضمير حتى يُفضِيَ السامع دون حقيقته، ويهجمَ على محصوله كائناً ما كان ذلك البيان، ومن أي جنس كان ذلك الدليل؛ لأن مدار الأمر والغاية التي إليها يجري القائل والسامع إنما هو الفهم والإفهام فبأي شيء بلغت الإفهام وأوضحت عن المعنى فذلك هو البيان في ذلك الموضع))[4] أما الجاحظ فقد اعتصر الكلام السابق وجعله في سياق حركة الكلام بين القائل ( منبع الكلام) والسامع ( متلقي الكلام) والكلام من شروطه البيان والإبانة. فالبيان عند الجاحظ هو اسم لكل لفظ أفصح عن معانيه، ومنع الحواجز بين المعاني ومتلقيها من السامعين على جهة الحاجة إليها، وجعل المسألة بين فهم القائل لمراده ومقصده واختياره وسيلة التبليغ المناسبة وإفهام السامع المراد من اللفظ، فكأنه يقول إن إفهام السامع مربوط بحدود فهم القائل؛ لأن كلامه سيحمل فهمه إلى سامعه أو متلقيه، وسيكون واضحاً لسامعه بحدود وضوحه لقائله. ولو كان الكلام مطلقاً من غير اختيار القائل والسامع لكُسِرتْ مقولة الجاحظ بقولهم: رب سامع أوعى من حامل أي كلامه أو كلام غيره، وهذا مدفوع بأن ما زاد في فهم السامع كالذي ينقص من فهمه ليس من مقاصد القائل.
5. وقول الرماني[5]: البيان أربعة أقسام هي: كلام وحال وإشارة وعلامة.
وعلم البيان شقيق علمين آخرين في حقول البلاغة، هما: علم المعاني وعلم البديع. أما علم البيان فيتناول دراسة الحسن والجمال في النص الأدبي ( الشعري والنثري) وذلك بدراسة وسائله البيانية، أي: التشبيه والاستعارة والمجاز والكناية.

التشبيه
لا بد من معرفة خطة دراسة التشبيه المبنية على معرفة حد التشبيه، وأركانه الأصلية التي لا يستغنى عنها، والفرعية التي يجوز الاستغناء عنها مجموعة أو متفرقة، وفي دراسة أركانه الأصلية ينبغي الوقوف على دراستها من جهة ما يدرك منها بالحواس وما يدرك بالنفس، إذ الحواس الخارجية تقدم المادة الجمالية ( حسناً أو قبحاً ) للنفس من العالم الخارجي، وأن الحواس المعنوية تقدم المادة الجمالية للنفس من العالم الداخلي، وهذا كله لابد له من أن يكون خلف أظلة الآية القرآنية القائلة: {ونَفسٍ وما سَوَّاها فألهمها فجورها وتقواها، قد أفلح من زكاها، وقد خاب من دساها}[6] فالفجور قبح، والتقوى حسن وجمال، وتزكية النفس حسن ( فلاح) وتدسيتها قبح أي ( خيبة) وهي أي النفس تطاوع صاحبها لو أراد كبحها أو ضبطها {وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء }[7] هذه النفس تقوم بتصدير وسائل البيان: التشبيه والاستعارة والمجاز والكناية.وبعد دراسة أصول التشبيه الأصلية: المشبه والمشبه به، والفرعية هي: الجامع بينهما (وجه الشبه) وأدوات التشبيه، ومقاصد التشبيه أو أغراضه تعكف الدراسة على أنواع التشبيه، ونتخير منها:
1. تقسيم التشبيه قياساً بمكوناته الخمسة يسمى تام الأركان بوجودها، ويسمى ضمنياً بحذفها.
2. تقسيم التشبيه قياساً بأصلي التشبيه ( المشبه والمشبه به): أ – الملفوف ب – المفروق ج- تشبيه التسوية د – تشبيه الجمع هـ - تشبيه القلب أو المقلوب.
3. وتقسيمه قياساً بوجه الشبه: أ- تمثيلي ب – غير تمثيلي جـ- مفصل د- مجمل هـ قريب مبتذل و- بعيد غريب
4. وتقسيمه قياساً بأدوات التشبيه: أ- المرسل ب- المؤكد ج- البليغ.
5. مقاصد التشبيه أو أغراضه، وهي تتعلق في أكثرها بالمشبه: أ – بيان حاله ب- بيان إمكان هذه الحال جـ - بيان مقدار حاله بل صفته قوة وضعفاً، حرارة أو برودة. د- تقرير حاله في نفس السامع هـ- بيان إمكانية وجود أو حصولها و- للمدح تحسين الممدوح: وهو تشبيه الأدنى بالأعلى فيقال: حصى كالياقوت إذا أردنا مدح الحصى ز- للهجاء أو التقبيح وهو تشبيه الأعلى بالأدنى فيقال: ياقوت كالزجاج فالياقوت أعلى من الزجاج هذا أردنا الذم .. ولا شك أن الأغراض متعلقة بالناطق وحاجاته المتجددة فلا حصر لها
6. رتب التشبيه = بلاغته في متلقيه: وهي موصولة بأنواعه وبمقتضى الحال، فمنها الحسن على تنوع درجاته واختلافها شدةً وضعفاً، وعلى موجباتها عند مبدعها ومناسبة ذلك عند مبتغيها ومقاصد ابتغائها عنده. ومنها القبيح..ذلكم مجمل الخطة، وهذه تفاصيلها:
حد التشبيه:
لدراسة حد التشبيه لا بد من عرض بعض حدوده ( تعاريفه) التي اشتقها العلماء لبيان حدود التعريف في قاعة البيان، فإذا جاوزت الحد من جهة دخلت في الاستعارة، وإن جزته من جهة أخرى كنت في المجاز، ولعلم أين تشتبك الاستعارة بالتشبيه؟ وأين يشتبك التشبيه بالمجاز؟ وأين تبرز الكناية؟ ومتى تختفي وراء الاستعارة والمجاز...؟!!
ورد التشبيه من غير تعريف عند بعض أهل العلم، وورد بحد يأوي إليه الدارسون والباحثون. أما ما كان من غير حدٍّ فذلك قول سيبويه ( - ):
(( تقول: مررت برجلٍ أسدٍ أبوه، إذا كنت تريد أن تجعله شديداً، ومررت برجلٍ مثل الأسد أبوه، إذا كنت تشبهه))[8]
فسيبويه يرى قولك: ( برجل أسد أبوه ) أمراً مختلفاً عن التشبيه لخلوه من ذكر أداة التشبيه، وملاحظة مجازية الإسناد إسناد صفة الأسدية إلى الأب، فكأنه يذهب به إلى الاستعارة، لكنه يرى في قول العرب( مثل الأسد أبوه ) تشبيهاً لا استعارةً لقوة سلطان وسيلة التشبيه ( مثل) ولا عبرة بمجازية الإسناد، فكأن أداة التشبيه تعد حدا فاصلاً بين التشبيه والاستعارة من جهة الصناعة، فإثباتها عنده تشبيه، وحذفها بمذهبه استعارة، ولا يأخذ بمقولة العرب: المقدر كالموجود على مذهب غيره من أهل العلم الذين لا يرون في غياب أداة التشبيه مشكلة تضر التشبيه، ولا يرى أن الاستعارة مجاز علاقته التشبيه. وما جئت به هنا هو استنباط من سياق الكلام وفحواه ومغزاه.
ومما كان من غير حد فقول ابن سلام الجمحي( - 231هـ) في امرئ القيس: (( واحتج لامرئ القيس من يقدمه...وشبَّهَ النساَء بالظِّباء والبَيضِ، وشبه الخيلَ بالعقيان والعِصِيِّ، وقَيَّدَ الأَوَابِدَ، وأجاد التشبيه...كان أحسن أهل طبقته تشبيهاً، وأحسن الإسلاميين تشبيهاً ذو الرُّمَّةِ..))[9]
فابن سلام يذكر أسباب تقديم امرئ القيس على أبناء طبقته الأولى في طبقات الجاهليين عند علماء البصرة[10] ومن يذهب مذهبهم من العرب، فقد جعلوا التشبيه سبباً من أسباب تقديم امرئ القيس على زهير والنابغة والأعشى، من غير أن يقدموا حداً للتشبيه، بل ذهب هؤلاء إلى أن التشبيهات متفاوتة بينهم في الجود والحسن، فجعلوا تشبيهات امرئ القيس تبلغ من الحسن ما لم تبلغه تشبيهات شعراء طبقته الأولى، وجعلت تشبيهاته تزداد درجة في الحسن والجمال على تشبيهاتهم على حسنها، فكانت سبباً من أسباب تقديمه عليهم، وذهبوا إلى تفاوت التشبيهات في الجودة كما تفاوتت في الحسن على إيهام أن الترادف في المعنى بين الحسن والجودة، على أن الجودة شرط غير كافٍ من شروط الحسن، والعكس لا يصح.
فثمة إدراك للتشبيه في أشعار الطبقة، وإدراك لاشتراك أشعارهم بالجودة والحسن وتفاوتها في كل منهما؛ مما يدعو إلى ترتيب شعرائها في طبقتهم بمقياس التشبيه في حسنه وجودته؛ فيعلو الشاعر بعلو تشبيهاته حسناً وجودة، ويدنو بدنوها من هاتين الجهتين. وسنعالج موضوع مقاييس الحسن[11] والجودة[12] من بعد.
وأما ماكان بحدٍ للتشبيه فمنه قول ابن رشيق القيرواني ( - 456هـ): (( التشبيه صفة الشيء بما قاربه وشاكله من جهة واحدة أو جهات كثيرة، لا من جميع جهاته؛ لأنه لو ناسبه مناسبة كلية لكان إياه.ألا ترى أن قولهم: خد كالورد إنما أرادوا حمرة أوراق الورد وطراوتها، لا ما سوى ذلك من صفرة وسطه، وخضرة كمائمه..))[13]
فالتشبيه عند ابن رشيق مقاربة بين شيئين في صفة أو أكثر، أو مشاكلة ( تقاطع على جهة الوفاق بين شيئين في صفة أو أكثر) والتشبيه لا ينبغي له أن يكون من جميع الجهات (لا من جميع جهاته) لأنه لو ناسبه مناسبة كلية كان إياه على نحو ما يقول ابن رشيق.
إن ابن رشيق جعل حذره من المطابقة جزءاً من حد التشبيه، فهو عنده مقاربة بين شيئين ومشاكلة بينهما،ذلك أن القرب يكون بغير تماس، ويكون بالمشاكلة أي التماس، ولو وقف عند لكان خيراً له ولنا، فلما أبرز حذره صراحة( والتشبيه لا ينبغي له أن يكون من جميع الجهات) فقد نبه المتلقين إلى أن يرى فاتحة التشبيه على اشتراك في الصفة نوعاً ومقدار، فخشي أن تتم من جميع الجهات فيكون الجهتان الشيئان المتشابهان شيئاً واحد، وهذا محض وهم ذلك أن التشابه في الصفة ليس في الدرجة والمقدار بل في بعض كل منهما، ولو تشابها من جميع الجهات فلن تلغي ذات ذاتاً؛ لأن المشابهة ليست في الصفة تامة بل في بعضها، وليست في مقدارها كله بل في بعضه دون سائره. ومن تعاريف التشبيه قول الطيبي شرف الدين الحسين بن محمد بن عبد الله ( - 743هـ ): (( وهو وصف الشيء بمشاركته الآخر في معنى، وهو يستدعي خمسة أشياء: الطرفين ليحصل، والوجه ليجمع، والغرض ليصح، والأحوال ليحسن، والأداة لتوصل.))[14]
ففي تعريف التشبيه هنا رؤية له في سياق غرض المبدع من التشبيه وهو الوصف أي التصوير، وكان المصطلح غائباً، والمعنى حاضراً في سياق الكلام، فجعله وصفاً على أنه صورة توافق غرضاً هو الوصف لإشباع الرغبة في الفن والجمال بالصورة أو التصوير؛ ليستمتع بالتصوير ويمتع غيره بالصورة التي يقدمها منجزة في إبداعه الفني.
ورأى التشبيه بمكوناته الخمسة وهي: طرفاه المشبه والمشبه به، ومن غير اجتماعهما صراحة أو تقديراً لا يسمى تشبيهاً، فحصول التشبيه لا يقع من غير اجتماعهما.
و وجه الشبه ليكشف عن موقع الاجتماع بين المشبه والمشبه به على جهة محسة أو جهة من جهات المعنى فالموقع المحس هو الظاهر المكشوف لحاسة من الحواس الخارجية، والاجتماع على معنى مدرك بحاسة من الحواس الداخلية، وقد يلد المعنى من المحس، وقد يتجسم المعنى فيتحول إلى محس، فكأنها عملية ارتجاعية في مرونتها الحركية من جهة إلى أخرى.
والغرض ليصح التشبيه فلا يكون لغواً إذا أجري لغير سبب ظاهر أو باطن أو مفترض خيالاً أو ذهناً، وينبغي للتشبيه أن يرعى مقتضى الحال التي اجتلبته من عالم النفس بعد الانفعال إلى عالم الحس.وأداة التشبية لتكون جسر الصلة بين ركني التشبيه المشبه والمشبه به. فهو من المتون التعليمية النافعة للطلبة التي تحاول التفصيل من غير إطالة أو إملال.
وأما أحمد الهاشمي فقد قال: (( التشبيه أول طريقة تدل عليها الطبيعة لبيان المعنى، وهو في اللغة التمثيل، وعند علماء البيان: مشاركة أمر لأمر في معنى بأدوات معلومة كقولك: العلم كالنور في الهداية..فالعلم مشبه، والنور مشبه به، والهداية وجه الشبه، والكاف أداة التشبيه، فحينئذ أركان التشبيه أربعة: مشبه ومشبه به، ويسميان طرفي التشبيه، ووجه الشبه( الهداية)، وأداة التشبيه ملفوظة أو ملحوظة.))[15]
جمع الهاشمي المعنى اللغوي والاصطلاحي ورؤيته إلى التشبيه على أنه طريقة لا غاية ولا هبة ربانية بل جزء مما هدت الطبيعة الإنسان إليه، والطبيعة هنا بمعنى الحاجة. وبتعريفه ينفتح الباب لدراسة أقسام التشبيه المذكورة في حد الهاشمي قسماً ليتم بذلك تصور تام للشبيه، ولتظهر مقدمات أنواعه المختلفة باختلاف الأقسام التي يوضع النوع في ضوئها، ولكل قسم أنواعه التي أخذت تسميتها من أحوال هذا القسم إثباتاً أو حذفاً.
ركنا التشبيه:
للتشبيه ركنان أساسيان هما المشبه والمشبه به، ومعنى أنهما ركنان يعني أن التشبيه لا يكون إلا بهما معاً، فإن حذف أحدهما صار الكلام استعارة، ودراستهما من جهة المادة والمعنى، أو الحسي والعقلي، فالحسي مادة والعقلي معنى. وهو أنواع منها:
1. أن يكونا حسيين: كل منهما محسوس بحاسة من الحواس الخمسة أو أكثر، من ذلك قول الله – عز وجل-: ﴿ وعندهم قاصرات الطرف عين كأنهنَّ بَيض مكنونٌ﴾[16] فأركان التشبيه هي: (هنَّ) مشبه يعود على النساء (قاصرات الطرف) عفة لا عجزاً، واسعات العيون لا ضيقات. والمشبه به (البيض المكنون) وأداة التشبيه ( كأنَّ) ووجه الصيانة والحماية والعفة بطواعية وفطرة واضطرار دون اختيار، فهن في هذا كحال البيض المكنون بالقشرة أي المحمي بها، وفي القشرة حماية وبياض ونعومة أي جمال باضطرار دون اختيار. واضح أن المشبه (قاصرات الطرف عين) مما تقع عليه حاسة البصر واللمس، وكذلك المشبه به ( بيض مكنون) مما تقع حاسة البصر وحاسة اللمس. ومن ذلك قولك: أنتَ كالشمسِ في الضياءِ ، فقد اجمتع المشبه ( أنت) والمشبه به (الشمس) وأداة التشبيه ( الكاف) ووجه الشبه ( الضياء) والغرض إظهار حال البشر التي تظهر في ضياء الوجه حسناً وجمالاً. وفي المشمومات قال التهامي[17]:
لو لم يكنْ أُقحُوَاناً ثَغرُ مَبسَمِهَا
ما كان يزدادُ طيباً ساعة السحرِ
وفي المسموعات كقول أبي الطيب المتنبي[18]:
وَدَعْ كُلَّ صوتٍ بعدَ صوتي فإنني
أنا الصائحُ المحكيُّ والآخَرُ الصدى
وقد يركب بعضها مع بعض، كقول كثير عزة[19]:
ومـا روضةٌ بالحزن طيِّبـةُ الثَّرى
يَمُجُّ الندى جَثجَاثُها وعَـرَارُها
بـأطيب من أردانِ عـزةَ مَوهِنَاً
وَقَد أوقدت بالمَندَل الرطب نارُها
كــأنَّ على أنيابـها بعد هجعةٍ
إذا ما نجـومُ الليلِ حان انحدارُها

مُجاجـةَ نَحلٍ صُفِّقَتْ بِمُدَامـةٍ
مُـقَطَّرَةٍ صَهباءَ طابَ اعتصارها
أُديف عليها المسكُ حتى كأنما
لـطيمـة داري يُفَـتَّـقُ فارُها
2_ وإما حسي وخيالي كقول الشاعر[1]:
وكأنَّ مُحمرَّ الشَّقيــقِ إذا تَصَوَّبَ أو تَصَعَّدْ
أعـلامُ ياقوتٍ نُشِرْنَ على رماحٍ من زبرجدْ
3- وإما وهمي وحسي كقول البحتري يصف بركةً[2]:تَنْصَبُّ فيها وفودُ الماءِ مُعجلةً
كالخيلِ خارجةً من حبلِ مُجريها
4- وإما عكسه كقول امرئ القيس[3]:
أتَقتلني والمُشرفيُّ مضاجعي ***ومسنونةٌ زرقٌ كأنيابِ أغوالِ
5- وإما عقلي وحسي كقولك:
العلم كالنور، وكقول أبي العلاء[4]:
وكالنار الحياةُ فَمِنْ رَمادٍ ***أواخرها وأولها دُخانُ
6- وإما عقليان كقولك: الضلال كالعمى، وكقول الشاعر[5]:
أخـو العلمِ حَيٌّ خـالدٌ بعدَ موتـهِ***صالـهُ تـحـتَ التُّرَابِ رميمُ
وَذُو الجهلِ مَيْتٌ وَهْوَ ماشٍ على الثرى ***ـنُّ مِـنَ الأحياءِ وهْـوَ عـديمُ
وقد صاغها السيوطي[6] في خمسة أنواع هي:

أ‌- تشبيه ما تقع عليه الحاسة بما لا تقع عليه اعتماداً على معرفة النقيض والضد كقوله تعالى: ﴿طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُؤُوسُ الشَّيَاطِينِ﴾[7] ما تقع عليه الحاسة هو الحسي أو المادي، وما لا تقع عليه الحاسة هو العقلي أو المعنوي، فقد شبه ( طلع شجرة الزقوم) بما لا يشك أنه منكر قبيح ( رؤوس الشياطين) وإن لم ترها العيون أو تدركها الحواس، ومنه قول امرئ القيس: / ومسنونة زرق كأنياب أغوال/ فالحراب المسنونة ( وهي مما تقع عليه الحاسة) حادة قاطعة كأنياب الأغوال التي لم تقع عليه الحاسة، ولا يشك في أنها قاطعة حادة إلى القسوة.
ب‌- تشبيه ما لا تقع عليه الحاسة بما تقع عليه: وهي الحال المعاكسة في الترتيب للسابقة ، إذ قدم ما لا تقع عليه الحاسة ( العقلي أو المعنوي) على ما تقع عليه الحاسة ( الحسي أو المادي) وجعل من ذلك قول الله تعالى: ﴿ والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء.. ﴾[8] فقد جعل إيمانهم كسراب فأخرج ما لا يحس وهو الإيمان( وقد عبر عنه بالعمل) إلى ما يحس وهو السراب، والمعنى الجامع بطلان التوهم مع شدة الحاجة وعظم الفاقة.
ت‌- إخراج ما لم تجرِ به العادة إلى ما جرت به: ﴿ وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾[9] والجامع بينهما الارتفاع في الصورة. أما نتق الجبل فمعجزة لم تجر بها العادة ذلك أنها خرق للنواميس لا يقدر عليها سوى صاحب الناموس جلت قدرته، فجعل ذلك كالظلة وقد جرت العادة بها، ولو شاء لجعلها مما يجري به العادة، وكسر الناموس لدفع فكرة الحتمية الطبيعية عند وقوع المشيئة الربانية.
ث‌-إخراج ما لا يعلم بالبديهة إلى ما يعلم بها: ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ﴾[10] والجامع بينهما العظم، وفائدته التشويق إلى الجنة بحسن الصفة، وإفراط السعة.
ج‌- إخراج ما لا قوة له في الصفة إلى ما له قوة فيها من ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَهُ الْجَوَارِ الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلامِ﴾[11] والجامع بينهما العظم، وفائدة التشبيه إبانة القدرة على تسخير الأجسام العظام التي ليس فيها صفة الحركة إلى ما له هذه الصفة كالماء
طرفا التشبيه من جهة الإفراد والتركيب:
هما نوعان مفرد(بسيط) ومركب، أما المفرد ما كان الطرف فيه بسيطاً أي ما كان مؤلفاً من عنصر واحد غير قابل للتعدد أي التجزئة، من ذلك: وجهك كالشمس، ففيه المشبه ( وجهك ) مفرد بسيط، والشمس مفرد بسيط، وهو المشبه به ويسمى المفرد المطلق من القيود، أما المفرد المقيد نحو: الساعي بغير طائل كالراقم على الماء، فالساعي بغير طائل من سعيه، وهو المشبه، يعد عنصراً بسيطاً أو مفرداً بلغة القدماء مقيداً بقوله ( بغير طائل) ، والراقم وهو الطرف الثاني أي المشبه به عنصر بسيط مقيد بقوله ( على الماء). أو مختلفان الأول من غير قيد والآخر مقيد: ثغره كاللؤلؤ المنظوم، فثغره بسيط مفرد مطلق من القيد، واللؤلو منظوم، واللؤلؤ مفرد بسيط لكنه قيد بقوله: المنظوم. والعين الزرقاء كالسنان، فالعين طرف بسيط قيد بوصفها ( الزرقاء) و السنان طرف بسيط أطلق من أي قيد.
التركيب: ومعناه أن أي الطرفين المشبه والمشبه به، يأتي مركباً من عناصر متعددة غير قابلة للإفراد، كقول الشاعر[12]:
كأنَّ سُهيلاً والنّجومُ وراءهُ***فُ صلاةٍ قام فيها إمامُها
فلو أفرد سهيلاً لم يحسن التشبيه، فالتشبيه المركب يشير إلى أن الصورة مشهدية ترتبط بصورة أخرى بسيطة أو مركبة مثلها، فهو هنا ربط مشهد نجم سهيل والنجوم وراءه كإمام يتقدم صفوف المصلين يفعلون ما يفعلأو يتحركون بتحركه ويسكنون بسكونه، وجمالية المشهد علاقة التابعية، وحسن التظيم وضبط الإيقاع للحركة والأصوات..
أو مركبان تركيباً إذا أفردت أجزاؤه زال المقصود من هيئة المشبه به، وذلك كقول الشاعر[13]:
وَكأنَّ أجرامَ النجومِ لوامعاً***َرٌ نُثِرنَ على بساطٍ أزرق
فإذا قلت: إن النجوم تشبه الدر، وأن السماء تشبه البساط الأزرق، فقد جعلت المشهد الأول المشبه لا يكسب الهيئة المقصودة من تشبيه الصورة المركبة أجرام النجوم في السماء وهي لوامع بهيئة الدر المنثور على بساط أزرق، ولو لم يذكر اللون الأزرق لضاع من المشبه فكرة صفاء الجو من السحب أو الغيوم.والمراد لمعان النجوم في السماء الصافية كلمعان الدر على ذلك البساط الأزرق.
وإما مفرد بمركب كقول الخنساء[14]:
أغرُّ أبلجُ تأتمُّ الهداةُ بهِ ** علمٌ في رأسه نارُ
وإما مركب بمفرد نحو: الماء الملحُ كالسم.
التشبيه بالنظر إلى طرفيه من جهة الترتيب أو تعددهما
وهو أربعة أقسام: ملفوف ومفروق وتسوية وجمع.
- الملفوف: وهو جمع المشبه مع المشبه أولاً ثم الإتيان بالمشبهات بها ثانياً، كقول الشاعر[15]:
ليلٌ وبدرٌ وغصنٌ *** ووجه وقدُّ
- والتشبيه المفروق: وهو توالي التشبيهات باجتماع المشبه والمشبه به معاً في كل منها كقول الشاعر[16]:
النشر مسكٌ والوجوه دنانيرٌ *** افُ الأكفِّ عَنمْ
- وتشبيه التسوية: وهو أن يتعدد المشبه دون المشبه به كقول الشاعر[17]:
صدغ الحبيب وحالي كلاهما كالليالي
وثـغـره في صفاءٍ
وأدمعي كاللآلي
- وتشبيه الجمع: وهو يتعدد المشبه به دون المشبه، من ذلك قول الشاعر[18]:
كأنَّما يَبسمُ عن لؤلؤٍ
مُنَضَّدٍ أو بردٍ أو أقاح
تقسيم التشبيه بالنظر إلى وجه الشبه.
وهو أنواع منها:
1- التشبيه التمثيلي: ويكون وجه الشبه فيه منتزع من متعدد، مثال:
وما المرءُ إلا كالشهابِ وضوئهِ
يـوافـي تمام الشهر ثم يغيبُ
وجه الشبه سرعة انقضاء العمر..
2- وغير تمثيلي: ما كان وجه غير منتزع من متعدد، مثال: وجهك كالبدر، أي في الحسن، وهو غير مشتق من متعدد.
3- ومفصل: وهو ما ذكر فيه وجه الشبه:
يا شبيهُ البدرِ حُسناً ***وضياءً ومنالا
وشبيه الغصنِ ليناً *** وقواماً واعتدالا
4- ومجمل: وهو ما حذف منه وجه الشبه، كقول العرب: النحو في الكلام كالملح في الطعام.
5- القريب المبتذل: كتشبيه: الخد كالورد في الحمرة، زيد كالأسد في الشجاعة. وهو ما يكثر على ألسنة العامة والخاصة، وينتقل العقل بيسر من المشبه إلى المشبه به إلى وجه الشبه من غير إعمال للعقل أو تدبر للأمر.
6- وبعيد غريب: يحتاج إلى تفكر وتأمل لإدراك مغزاه كقول الشاعر:
والشمس كالمرآة في كف الأشل
التشبيه قياساً بأدواته:
1- إذا ذكرت أداة التشبيه فهو مرسل: الشنفرى كالطائر في السرعة، فهو مرسل من جهة ذكر الأداة ( الكاف) وهو تام من جهة أركانه الأربعة ، ومفصل من جهة وجه الشبه...الخ
2- وهو مؤكد إذا حذفت أداة التشبيه، أنت حاتم في الكرم أي كحاتم
3- والتشبيه بليغ إذا اجتمع فيه حذف أداة التشبيه ووجه الشبه معاً، كقولك: زيد بحر، أي كالبحر في العلم أو الكرم.
أغراض التشبيه أو وظائفه:
أ‌- بيان حال المشبه:
إذا قامتْ لحاجتها تثنَّتْ ***كأنَّ عظامَها مِنْ خَيزرانِ
فغرض التشبيه أن جمال قوامها من لين عظامها لينا مجازياً.
ب – بيان إمكان حاله:
ويلاه إن نظرتْ وإن هي أعرضتْ ***وقعُ السهامِ ونَزعُـهنَّ أليـمُ
ج – بيان الحال والطريقة:كأنَّ مشيتها من بيتِ جارتها
مَرُّ السحابةِ لا ريثٌ ولا عَجلُ
د – تقرير الحال في نفس المخاطب إذا كان ما أسند إلى المشبه يحتاج إلى التثبيت والإيضاح بالمثال:إن القلوبَ إذا تنافرَ ودُّها ***مثلُ الزجاجةِ كَسْرُها لا يُجبرُ
هـ - بيان إمكان وجوده أو حصوله:
فإنْ تَفُقِ الأنامَ وأنتَ مِنهمْ ***فإنَّ المسكَ بعضُ دمِ الغَزالِ
و – المدح أو التحسين:
كأنَّكَ شمسٌ والملوكُ كواكبٌ ***إذا طلَعتْ لم يبدو منهنَّ كوكبُ
ز – الهجاء والتقبيح:
وإذا أشار مُحدِّثاً فكأنه ***قِردٌ يُقَهقهُ أو عَجُوزٌ تَلطِمُ
ح – طرافة التشبيه: أن يكون المشبه به نادر الحضور كما إذا شبه الفحم فيه جمر موقد ببحر من المسك موجه الذهب.
ط – الندرة: أي ندرة حضور المشبه به في النفس بحضور المشبه، كقول ابن المعتز يصف الهلال:
انظر إليهِ كزورقٍ من فِضَّةٍ*** قد أثقلتهُ حمولةٌ من عنبرِ
والواقع أن أغراض التشبيه لا حصر لها.
قوة التشبيه وضعفه:
بالنظر إلى الأدوات أو الأركان:البليغ أعلاها رتبة، والمؤكد والمجمل في الرتبة الثانية، وأدناها تام الأركان، ويتقدم التمثيلي وإن كان مجملاً لانتزاع وجه الشبه فيه من متعدد، ويتقدم التشبيه الضمني والمقلوب إلى رتبة متوازية.


وللمزيد من الدرس في علم البيان تجدها على هذا الرابط الرائع
http://arabnaked.blogspot.com/2006/12/blog-post_5549.html

للأستاذ/عبد الكريم حسين

خالد مغربي
08-01-2007, 11:12 PM
بوركت عمر ، ألم تفكر بعد في وضع درس آخر من دروس النحو ؟؟!
ننتظرك !!

عمرمبروك
09-01-2007, 05:40 PM
بوركت عمر ، ألم تفكر بعد في وضع درس آخر من دروس النحو ؟؟!
ننتظرك !!

أخي (مغربي)
الفكرة موجودة , ولكن احتاج للمزيد من الوقت .
بارك الله فيك ونفع بك .