المساعد الشخصي الرقمي

اعرض النسخة الكاملة : المناظرات اللغوية



أبو تمام
13-01-2007, 10:59 PM
:::

المناظرة هي ثمرة العلم ، والصادقة منها ما يُتوصل به إلى معرفة الحق ، وهي دليل على ازدهار أيّ أمة من الأمم في العلوم لا سيّما العلوم الشرعية .
وقد رأيت أن أغلب المناظرات اللغوية متفرقة في كتب بعض النحاة المتأخرين ، والمحدثين ، وكثيرا ما أجده في كتب التراجم.
لذا سوف أتناول بمشيئة الله في هذا الموضوع سلسلة لأهم المناظرات التي وقعت بين الأدباء ، شريطة أنّ يكون أحد طرفيها نحوي ، عامدا إلى الاختصار لكي لا يمل القارئ ، مستنبطا الحكم النحوي - إن يسرنا الله على ذلك - مما دار بينهم .

المناظرة الأولى :

طرفها النحوي هو عبدالله بن أبي إسحاق الحضرمي - رحمه الله - (117هـ)أقدم من سيبويه ، كان شديد النقد للقرّاء ، وللشعراء خاصة ، لسبب رئيسي وهو السماع المطرد لكلام العرب ، فلا يتردد إن سمع من أحد ما يقل في كلام العرب بأن يخطّئهُ ، ولعل ممن وقع في شّره الفرزدق ، فقد أكثر من نقده في أكثر من موضع في أشعاره .

ذكر أهل التراجم أن الفرزدق حضر مرة مجلس ابن أبي إسحاق فقال ابن أبي إسحاق للفرزدق : كيف تنشد هذا البيت :
وعينان ِ قالَ اللهُ كونا فكانتا ** فعولان ِ بالألبابِ ما تفعلُ الخمرُ

فقال الفرزدق: كذا أنشدُه (يعني برفع كلمة فعولان) ، فقال ابن أبي إسحاق : ما كان عليك لو قلتَ فعولين (أي بالنصب لأنها خبر لكانتا) ؟ فقال الفرزدق : لو شئتُ أن أسبح لسبحت .
فقام الفرزدق ولم يعرف أحد في المجلس قصده (لو شئت أن أسبح لسبحت) .
فقال ابن أبي إسحاق : لو قال فعولين لأخبر أن الله خلقهما وأمرهما ، ولكنّهُ أراد : هما يفعلان بالألباب ما تفعل الخمرُ .

فوائد :
1- رفع الفرزدق (فعولان) على أنها خبر لمبتدأ محذوف تقديره (هما) ، وهذه الجملة في محل رفع صفة لــ(عينان).

2- الفعل (كونا - كانتا ) ليسا ناقصين بل هما هنا تامان بمعنى (احصلا - حصلتا ) فلا يحتاجان إلى خبر ، فقط يكتفيان بالفاعل ، وفاعلها هنا ألف الاثنين.

3- تعليل ابن أبي إسحاق سليم ، فإن كان الفعل (كونا أو كانتا) ناقص للزم بذلك أن المعنى يكون أن الله قال لهاتين العينين افعلا بالألباب ما فعل الخمر لجمالكن أي : كونا فعولين بالعقول ما تفعل الخمر .
أما وإنه رفع فالمعنى يكون : أن الله تعالى خلق هاتين العينين ، وهاتان العينان صفتهما أنهما يفعلان بالعقول ما تفعل الخمر .


وللحديث بقية