المساعد الشخصي الرقمي

اعرض النسخة الكاملة : مسرحية .... ثلاثة أيام مع رهين المحبسين .. لباكثير



أحمد الغنام
22-01-2007, 10:32 AM
مسرحية .... ثلاثة أيام مع رهين المحبسين

بقلم الأديب الكبير الأستاذ: علي أحمد باكثير

اليوم الأول:

(أبو العلاء المعري يصلي ركعتي الضحى وعنده تلميذه ابن أبي هاشم)
أبو العلاء : (يسلم من صلاته وهو يرتجف من البرد) أبغني ردائي يا ابن أبي هاشم.
ابن أبي هاشم : هذا من وضوئك بالماء البارد يا سيدي الشيخ. فلو توضأت بالماء الذي سخنته لك..
أبو العلاء : كلا يا ابن أبي هاشم.. مالي وللماء الحميم؟ إن على التخوم لمجاهدين مرابطين في العراء يدفعون عنا العدو، فإذا لم احتمل الماء بارداً فأنى يكون جهادي؟
ابن أبي هاشم : هاهو ذا رداؤك.
أبو العلاء : (يلتحف بالرداء) بارك الله فيك.. هل لي الآن أن أملي عليك؟
ابن أبي هاشم : (يسرع إلى كراسته وقلمه) أملِ يا سيدي..
أبو العلاء :
أجاهد بالطهارة حين أشتو = وذاك جهاد مثلي والرباط
مضى كانون ما استعملت فيه = حميم الماء فاقدم يا شباط
صوت (ينادي من الخارج) يا أبا العلاء! يا أبا العلاء!
ابن أبي هاشم : هذا أبو القزويني قد جاء ليؤذيك ويضايقك، فهل لي يا سيدي أن أصرفه عنك؟
أبو العلاء) : بل ائذن له وأحسن استقباله.
ابن أبي هاشم : إنه يشنؤك ويحقد عليك.
أبو العلاء : لكني لا اشنؤه ولا أحقد عليه.. دعه يدخل.
(يفتح ابن أبي هاشم الباب الأيمن فيدخل أبو يوسف)
أبو يوسف : السلام عليكم يا أبا العلاء.
أبو العلاء : وعليك السلام ورحمة الله، مرحباً بك يا أبا يوسف، ابسط له هذه السجادة يا ابن أبي هاشم.
أبو يوسف : بل ابق مكانك يا أبا العلاء.. فهأنذا قعدت على هذه اللبدة بجانبك.
أبو العلاء : أهلاً بك ومرحباً.
أبو يوسف : ليت شعري أكنت تصلي الصبح يا أبا العلاء؟
أبو العلاء : بل نافلة الضحى يا أبا يوسف.
أبو يوسف : نافلة الضحى! ما أرى الضحى والصبح إلا سواء عندك يا أبا العلاء؟
أبو العلاء : أجل.. كلتاهما لله عزوجل!
ابن أبي هاشم : إنه يعرض يا سيدي ببصرك!
أبو العلاء : بل بشيء آخر وقد أجبته.. والله يغفر لنا وله.
أبو يوسف : كلا ما قصدت تعريضاًَ.. وإنما غلبتني الشفقة ألا يبصر النور من عنده مثل ذكاء الشيخ وفطنته!
أبو العلاء : لا ترث لي.. أني لأحمد الله على العمى كما يحمده غيري على البصر.
أبو يوسف : صدقت.. لا يحمد على المكروه سواه.
أبو العلاء : كلا يا أبا يوسف.. ما هذا عندي بمكروه بل نعمة لقد صنع لي ربي وأحسن بي إذ كفاني رؤية الثقلاء البغضاء.
أبو يوسف : أتهجوني يا أبا العلاء؟
أبو العلاء : معاذا الله أن أهجو ضيفي.
أبو يوسف : لا غرو أن هجوتني فقد هجوت من هم خير مني!
أبو العلاء : ويحك إني لأكره ما يتعاطى الشعراء من الهجاء وقد أسقطت هذا الباب من شعري، فما هجوت أحداً قط.
أبو يوسف : صدقت يا أبا العلاء، لم تهج أحداً إلا الأنبياء!!
أبو العلاء : (متالما) الأنبياء!
أبو يوسف : نعم.. ألست القائل:
أفيقوا أفيقوا يا غواة فإنما = دياناتكم مكر من القدماء
أرادوا بها جمع الحطام فأدركوا = وبادوا فبادت سنة اللوماء
ججج
أبو العلاء : بلى قد قلت ذلك ولكني ما عنيت الأنبياء، فإنهم لم يجمعوا حطاماً وإنما جمعه آخرون فإياهم عنيت.
أبو يوسف : وما تقول في قولك:
إذا رجع الحصيف إلى حجاه تهاون بالشرائع وازدراها؟
أبو العلاء : قلت: المذاهب لا الشرائع.
أبو يوسف : بل قلت الشرائع.. هكذا رويته عن تلاميذك.
أبو العلاء : سامحهم الله.. يخطئون الرواية عني وأنا بعد حي!
أبو يوسف : بل هكذا أمليت عليهم فلا تتنصل!
أبو العلاء : أو قد ظننت أنني أتنصل؟.. إذن فاروه عني كما تشاء، فليس بين المذاهب والشرائع كبير فرق فيما قصدت.
أبو يوسف : أو تزدري الشرائع يا شيخ، ثم تصلي الضحى وتقول إنك مسلم؟!
أبو العلاء : ويحك إني ما ازدريتها إلا لأني مسلم.
أبو يوسف : إنك تقصد شريعتنا.
أبو العلاء : نعم.. كيف لا ازدريها اليوم وقد صار علماؤها يرون الماخور يبنى بجوار الجامع في بلدتهم فلا ينكرون.
مساجدكم ومواخيركم = سواء فتبا لكم من بشر!
أبو يوسف : إنما تتكلف هذا التأويل تقية منك.
أبو العلاء : يغفر الله لك.. إن كنت لا أخشى الله ربي فكيف أخشى من دونه؟ (يتنهد) ما للناس ومالي؟ قد تركت لهم دنياهم فماذا يبتغون عندي؟
أبو يوسف : بل تركت لهم الآخرة كذلك!
أبو العلاء : (في أسى) سامحك الله يا أبا يوسف!
حورفت في كل مطلوب هممت به = حتى زهدت فما خليت والزهدا
أبو يوسف : أي زهد هذا؟ إنك لتحرم ما أحل الله من الطيبات.
أبو العلاء : ما أنا برسول فأحلل وأحرم، ولكني زهدت في ذلك رحمة بالحيوان.
أبو يوسف : معاذ الله.. هو أحكم وأرحم سبحانه، غير أني مخلوق ضعيف وتلك رقة أجدها في نفسي لا أملك لها دفعاً.. فيجري ذلك في شعري كما يجري النسيب والبكاء في أشعار المتيمين من الشعراء، فإن يكن ذلك ذنباً.. فالله أسأل أن يغفره لي، فما أنا بمعصوم وإن لي لذنوباً جمة لا يعلمها الناس ويعلمها الله وحده.
أبو يوسف : بل جريت في ذلك على مذهب البراهمة واتبعت دينهم.
أبو العلاء : الله أعلم بسريرتي منك ومن نفسي..
ليفعل الدهر ما يهم به = إن ظنوني بخالقي حسنه
لا تياس النفس من تفضله = ولو أقامت في النار ألف سنة
( يقرع الباب فينهض ابن أبي هاشم ثم يعود فيسار أبا العلاء بحديث)
أبو العلاء : لا يكن هذا سراً على أبي يوسف فيظن ظناً وبعض الظن إثم.. هذه جارتك يا أبا يوسف.
أبو يوسف : جارتي؟
أبو العلاء : نعم.. أم عيسى الدمشقية.
أبو يوسف : التي تعمل في الماخور؟
أبو العلاء : نعم.
أبو يوسف : وتريد أن تدخلها عندك؟
أبو العلاء : إنما تعمل خادماً فيه لتعول نفسها وعيالها.
أبو يوسف : ما يدريك؟ ائذن لي انصرف.
أبو العلاء : لعلها جاءت لتشكو لي حالها فلا عليك أن تبقى.
أبو يوسف : كلا إني لا أجالس النساء!
أبو العلاء : سامحك الله، وهل تراني ممن يجالسهن؟
أبو يوسف : ما ينبغي ذلك لمن حج مثلي واعتمر.. ائذن لي انصرف.
أبو العلاء : كما تشاء.. أشكرك على زيارتك.
أبو يوسف : لله الشكر! (يخرج).
ابن أبي هاشم : إلى حيث القت! (يأذن لأم عيسى فتدخل).
أم عيسى : أصلحك الله يا أبا العلاء يا سيد الناس!
أبو العلاء : مرحباً بأم عيسى.. لعلك بخير.
أم عيسى : أهذا أبو يوسف القزويني الذي قام من عندك؟
أبو العلاء : نعم.. جارك يا أم عيسى.
أم عيسى : بئس الجار هو.. يسمع عيالي يتضاغون جوعاً بعد وفاة أبيهم فما حدثته نفسه بأن يواسينا يوماً قط. آه يا أبا العلاء لو كان في قلوب هؤلاء الناس رحمة.. لو عطفوا علينا مثلك أفكنت اضطر إلى الخدمة في ماخور هذا العلج الرومي؟ حسبهم الله!
أبو العلاء : أكتب عندك يا ابن أبي هاشم.
ابن أبي هاشم : (يستعد للكتابة) نعم يا سيدي.
أبو العلاء :
توهمت يا مغرور إن دين = على يمين الله مالك دين
تسير إلى البيت الحرام تنسكاً = ويشكوك جار بائس وخدين
أم عيسى : لعنة الله عليهم جميعاً.. لعنة الله على هذا البلد!
ابو العلاء : مهلاً يا أم عيسى لا تلعني بلداً يحبنا ونحبه.
أم عيسى : حاشاك أنت وحدك يا أبا العلاء (اضحوا جميعاً يزورون عني ويظنون بي الظنون).
أبو العلاء : هوني عليك فالله يعلم أنك محمولة على ذلك لإعاشة عيالك، ولعل الله يجعل لك بعد عسر يسرا.. كم تحتاجين اليوم؟
أم عيسى : كلا يا سيدي، ما لهذا جئت اليوم (تنشج باكية).
أبو العلاء : تبكين يا أم عيسى.. ما خطبك؟
أم عيسى : هذا العلج الرومي..
أبو العلاء : ما باله؟
أم عيسى : أه يا سيدي لا أدري كيف أقولها لك. ما ينبغي لمثلك أن يسمعها!
أبو العلاء : بل حدثيني لعلي أستطيع أن أضع لك شيئاً.. ما بال الرومي؟
أم عيسى : أخذ يراودني عن نفسي..
ابن أبي هاشم : ويل للكلب!
أبو العلاء : أعرضي عنه فلن يقدر على إرغامك.. أنه فيما أعلم شيخ كبير.
أم عيسى : أنه يا سيدي لا يريدني لنفسه بل للخراب الذين يترددون على ماخوره.
أبو العلاء : لا حول ولا قوة إلا بالله.
أم عيسى : وقد هددني بالطرد إن لم أفعل، فماذا أصنع يا أبا العلاء؟
أبو العلاء : استعصمي واصبري حتى يجعل الله لك مخرجاً.
أم عيسى : هل أترك عيالي يموتون من جوع؟
أبو العلاء : (يتنهد) ليت هؤلاء المصلين يعلمون؟ ليتك تصيحين فيهم يوماً ليروا كيف تنهك الحرمات بجوار جامعهم لعلهم ينتبهون؟
أم عيسى : لقد نبهت مني غافلة! والله لأعلننها اليوم في صلاة الجمعة!
أبو العلاء : لكن يا أم عيسى..
أم عيسى : (تنهض) دعني يا سيدي.. ساري إن كان فيهم بقية من نخوة؟
ابن أبي هاشم : حذار أن تخبري أحداً بأن الشيخ هو الذي اقترح عليك.
أبو العلاء : أجل فإنهم يتجنون علي كما تعلمين.
أم عيسى : كلا يا سيدي.. لا تعرفني ولا أعرفك. ما كان احراني إن أفعل هذا من تلقاء نفسي. استودعك الله يا أبا العلاء ( تنصرف).
ابو العلاء : (يطرق ملياً ويعتريه الوجوم)..؟
ابن أبي هاشم : هل تريد يا سيدي أن أصنع لك شيئاً؟
أبو العلاء : لا وأشكرك، إن كنت تريد أن تتجهز لشهود الجمعة فافعل.
ابن أبي هاشم : أجل يا سيدي.. سأعود إليك من العصر.
أبو العلاء : صحبتك السلامة.
(يخرج ابن أبي هاشم)
(ينفتح الباب الأيسر المؤدي إلى داخل الدار فتدخل امرأة شابة في رفق وأناة
حتى خلف أبي العلاء دون أن يشعر بها فتضع كفيها على عينيه مازحة).
أبو العلاء : سبحان الله.. من هذا؟ (يتحسس يدها) هيه فاطمة!
فاطمة : (تضحك) كيف عرفت يا عمي؟
أبو العلاء : ويحك يا ابنة أخي، إنما يصنع ذلك بالمبصرين. أما مثلي فلست بحاجة إلى أن تحجبي عينيه من خلفه لئلا يبصرك!
فاطمة : (تقبل عليه) إنك يا عمي لتعدل ألف بصير.. لقد رأيتني باللمس؟
أبو العلاء : (كالمتعجب مما قالت) رأيتك باللمس؟
فاطمة : نعم فإنك لم تسمع لي صوتاً.
أبو العلاء : هاتي نسخة ابن أبي هاشم لأملي عليك.
فاطمة : (فرحة) حباً يا عمي وكرامة.. هذا ما كنت أبغيه.(تخرج الديوان من الخزانة) لحى الله هذه الرجل.. كلما جئت لأراك وجدته مرابطاً عندك فيمنعني من الجلوس إليك.
أبو العلاء : كلا لا تسبيه يا فاطمة، فقد الزمني حقوقاً جمة وأيادي بيضاء.. لأنه أفنى فيّ زمنه ولم يأخذ عما صنع ثمنه.
فاطمة : أنا أولى منه يا عمي بكتابة رسائلك، وإن خطي لأجمل من خطه (تفتح الديوان) انظر.. إن خطه مثل خرابيش الدجاج!
أبو العلاء : (يضحك) ويحك كيف لي أن انظر وأقارن؟
فاطمة : ليتك يا عمي تستطيع التميز بينهما بيدك!
أبو العلاء : افتحي قافية السين المكسورة بعد ميم ساكنة.
فاطمة : (تقرأ):
دعاء موسى فزال وقام عيسى = وجاء محمد بصلاة خمس
ابو العلاء : نعم هي هذه.. اكتبي في آخر الأبيات. (يملي وهي تكتب):
كأن منجم الأقوام أعمى لديه الصحف يقرؤها بلمس
فاطمة : وهل يعقل ذلك يا عمي؟
أبو العلاء : لم لا؟ لقد اخترع الناس أشياء كثيرة ما كانت معروفة لآبائهم من قبل.
فاطمة : إذن تستغني يا عمي عمن يقرأ لك!
ابو العلاء : أجل إذن أقرأ كما أريد!.. خبريني يا ابنة أخي متى حضرت إلى الدار؟
فاطمة : من دهر.. انتظرت في المخدع الجواني حتى انصرفوا من عندك.
أبو العلاء : أو قد سمعت..؟
فاطمة : سمعت كل شيء.
أبو العلاء : يا ويلتا.. أسمعت حديث أم عيسى؟
فاطمة : نعم.
أبو العلاء : ويلك.. ما كان ينبغي لمثلك أن تسمعي مثله.
فاطمة : علام يا عمي؟ إني لأسمع الكثير، وإني لأعلم من ذلك أموراً كثيرةً لا تعلمها أنت.
أبو العلاء : العياذ بالله.. اكتبي عندك في باب السين.
فاطمة : هات.
أبو العلاء : (يملي وهي تكتب):
قد فاضت الدنيا بادناسها = على براياها واجناسها
والشر في العالم حتى التي = مكسبها من فضل عرناسها
فاطمة : ما العرناس يا عمي؟
أبو العلاء : المغزل.
فاطمة : (تضحك) لو قلت لوالدتي: ناوليني عرناسي هذا لحسبتني أرطن!!
أبو العلاء : ويلمها لغة ضيعها بنوها! (في أسى) لا غرو فقد أضاعوا كل شيء!
أين امرؤ القيس والعذاري = إذ مال من تحته الغبيط
استنبط العرب في الموامي = بعدك واستعرب النبيط
فاطمة : لكنك يا عمي لو سميت الأشياء بأسمائها لكان أفضل!
أبو العلاء : ويحك يا ابنة أخي كأنك لست من تنوخ!
فاطمة : تنوخ! وأي شيء كان تنوخ؟ أنا من آل سليمان بمعرة النعمان وعمي أبو العلاء!
أبو العلاء : (في صوت وقور):

سيسأل ناس ما قريش وما مكة = كما قال ناس ما جديس وما طم
ستار
اليوم الثاني
فاطمة : كيف أنت يا عمي؟ لقد خشيت عليك.
أبو العلاء : تخشين علي وأنا في بيتي ولا تخشين على نفسك أن تخرجي وحدك في مثل هذه الهيعة الجائشة إذ الجنود والأهالي يتقاتلون في الطرق؟
فاطمة : إني ما جئت وحدي بل أو صلني زوجي إلى باب دارك.
أبو العلاء : ما باله لم يدخل ليسلم علي؟
فاطمة : انطلق ليقضي شغلاً له وسيعود ليأخذني من عندك.أرأيت يا عمي كيف قبضوا أمس على سبعين رجلاً من وجوه المدينة، فزجوا بهم في السجون.
أبو العلاء : نعم لقد عز على أولي الأمر أن يهدم الماخور فيخسروا الجزية التي يأخذونها من صاحبه.
فاطمة : الناس يقولون إن هذا كان بأمر الوزير، إذ لم يحضر الأمير بعد من ضواحي حلب.
أبو العلاء : ما أمر الوزير إلا بسلطان الأمير.
مل المقام فكم أعاشر أمة = أمرت بغير صلاحها امراؤها
ظلموا الرعية واستجازوا كيدها = وعدوا مصالحها وهم أجراءها
ابن أبي هاشم : (يقرع الباب) يا أبا العلاء.. هل عندك أحد؟
أبو العلاء : نعم يا ابن أبي هاشم، انتظر قليلاً حتى يخرجوا من عندي.
فاطمة : أوه.. ماذا يصنع عندك الآن، ولا قراءة ولا إملاء؟
أبو العلاء : صه.. لا يسمعك.
فاطمة : قل له يدخل فقد خرجت (تنسحب).
أبو العلاء : (بصوت خافض) ويلي من النساء يخرجن ويتركن وراءهن أثراً من عرفهن! (يروح بطرف ردائه ليطرد العرف الذي خلفته فاطمة) ادخل الساعة يا ابن أبي هاشم!
ابن أبي هاشم : (يدخل) السلام عليك.
أبو العلاء : وعليك السلام.. ماذا وراءك من أنباء؟
ابن أبي هاشم : نبأ عظيم يا سيدي.. قد وثب رجال المدينة بالوزير، وكادوا يبطشون به لولا إن فر ناجياً بنفسه وفر جنوده معه..
أبو العلاء : والسبعون رجلاً المحبوسون؟
ابن أبي هاشم : اطلقوهم جميعاً وقرروا إغلاق أبواب المدينة والدفاع عنها بأنفسهم.
أبو العلاء : لله در ام عيسى! لقد فعلت خطبتها في الجامع مالم تفعل ألف خطبة من على منبره!.. لكن هؤلاء قد أخطأوا في الوثوب بالوزير قبل أن يروا رأي الأمير لعله لا يقر عمل وزيره.
فقد ناصبوه العداء بعملهم هذا قبل أن يعرفوا ما عنده.. ليت شعري ماذا فعلت أم عيسى إني عليها لمشغول فما أتاني عنها شيء منذ يوم الجمعة.
ابن أبي هاشم : أتريد يا سيدي أن أعلم علمها لك؟
أبو العلاء : افعل مشكوراً وخذ هذا الدينار لها لعلها تحتاجه.
(ياخذ ابن أبي هاشم الدينار فيخرج)
فاطمة : (تدخل) أما إنك لحفي بأم عيسى هذه.. أتراها يا عمي أعجبتك؟
أبو العلاء : يا فاطمة لا تسخري بامرأة مسكينة!
فاطمة : أ مسكينة هذه التي هيجت المدينة واشعلتها ناراً؟
أبو العلاء : لو أحسنوا إليها ما وقع هذا الذي وقع. إنها تعول أيتاماً لا كاسب لهم، ولا أدري كيف حالها وحالهم اليوم. قاتل الله الأيام ما ابقت لي على مال!
فاطمة : أضعت مالك يا عمي على الناس.
أبو العلاء : هل تحبينني حقاً يا فاطمة؟
فاطمة : كيف لا وأنت فخري وفخر آل سليمان؟
أبو العلاء : فطوفي غداً على آل سليمان هؤلاء، واجمعي منهم ما تجود به نفوسهم لهذه الأرملة وأولادها.
فاطمة : حباً يا عمي وكرامة.
أبو العلاء : على الا تخبريهم أنني أنا الذي بعثتك.
فاطمة : فيم يا عمي؟ إنهم سيطيعون جميعاً أمرك، ويبادرون لتحقيق رغبتك.
ابو العلاء : كلا يا فاطمة، اجعلي هذا كأنه من تلقاء نفسك.
فاطمة : إنك لا تطلب شيئاً لنفسك.
أبو العلاء : أطيعي هذا الشيخ الضرير الذي جعلته فخر آل سليمان.
فاطمة :سمعاً وطاعة.
أبو العلاء : أين زوجك هذا، أما آن له أن يجيء لأخذك؟
فاطمة : أو قد ضجرت مني؟ دعني أبق قليلاً عندك.
صوت : (يسمع من الخارج) يا أبا العلاء!
فاطمة : هاهو ذا زوجي، قد جاء ليريحك مني!
أبو العلاء : (يضحك) دعيه يدخل.. ادخل يا سليمان!
ستار
اليوم الثالث
(تسمع أصوات المجانيق تضرب لمدنية)
أبو العلاء : ألا تكف هذه المجانيق لحظة؟ ويلهم لقد روعوا النساء والأطفال؟
ابن أبي هاشم : هذا ابن مرداس لا يرحم. لم لا يسلمون له فيحفظوا البلدة من الدمار؟
(يقرع الباب بشدة)
أبو العلاء : انظر يا ابن أبي هاشم من هذا.
(يفتح ابن أبي هاشم الباب وهو خائف أم عيسى فزعة ومعها أولادها الثلاثة)
أم عيسى : ادركني يا أبا العلاء وأدرك أولادي الصغار.. أحمنا عندك!
أبو العلاء : ما خطبك يا أم عيسى؟
أم عيسى : بعض الرعاع يريدون أن ينتقموا مني ومن أولادي.. زعموا أني سبب هذه المصيبة الحاقة بالبلد.
أبو العلاء : لا تراعي يا أم عيسى.. ادخلي وإياهم إلى المخدع الجواني ريثما أدبر لكم مأوى تأمنون فيه.
أم عيسى : حماك الله يا أبا العلاء ( تخرج وأولادها من الباب الأيسر)
(تسمع أصوات من خارج الدار وجلبة جمع كبير).
أبو العلاء : ما هذا؟
ابن أبي هاشم : يا ويلنا.. لعلهم رأوها حين دخلت هنا فجاءوا يطلبونها.
أصوات : يا أبا العلاء! يا أبا العلاء!
ابن أبي هاشم : (ينظر من الكوة) هذا جمع غفير من الناس.
أبو العلاء : من الرعاع؟
ابن أبي هاشم : بل من وجوه الناس.
أبو العلاء : الحمد لله.. افتح الباب.
ابن أبي هاشم : (يفتح الباب) ماذا تريدون!
كبير القوم : نريد أن نكلم الشيخ أبا العلاء.
ابن أبي هاشم : فليدخل بعضكم فإن حجرته لن تسعكم جميعاً.
الكبير : أجل سندخل نحن السبعة إليه.
(يدخل سبعة رجال فيهم أبو يوسف)
الكبير : السلام عليك يا أبا العلاء.
أبو العلاء : وعليكم السلام.. خيراً إن شاء الله.
الكبير : قد رأيت ما نحن فيه اليوم، وليس للأمير صالح بن مرداس غيرك يا أبا العلاء.
أبو العلاء : ويحكم ماذا يستطيع شيخ ضرير مثلي أن يصنع؟
الكبير : إن لك مكانة عنده فاخرج إليه واشفع لأهل بلدك.
أبو العلاء : لكني لا أعرفه ولا هو يعرفني، فكيف ترجون أن يقبل شفاعتي؟
أبو يوسف : لا تعتذر يا أبا العلاء، فكما أوقدت أنت الفتنة. فحق عليك أن تطفئها!
أبو العلاء : أ أبو يوسف هذا؟
أبو يوسف : نعم.
أبو العلاء : يغفر الله لك يا أبا يوسف، هل يقدر مثلي أن يوقد أو يطفئ؟
أبو يوسف : نعم أنت الذي أوعزت إلى تلك المرأة ففعلت ما فعلت.. لقد رأيتها ضحى الجمعة عندك.
أبو العلاء : سامحك الله، فقل لهم إذن يستشفعوا بغيري فإن الأمير لن يقبل لموقد الفتنة شفاعة.
الجميع : كلا يا أبا العلاء، أنا لا نعتقد ذلك اسكت، أنت يا أبا يوسف.
أبو العلاء : لم لا توفدون أبا يوسف، فإنه لأوجه مني وأرجى أن يأتيكم بعفو الأمير.
الجميع : كلا لا نريد سواك.
الكير : أنت رجل هذه المدينة، ولن يحترم الأمير صالح غيرك.
الجميع : افعل يا أبا العلاء وارحم قومك وأهل بلدك.
أبو العلاء : انتظروني إذن لأصلح ثيابي ( ينهض ويتوجه نحو الباب الأيسر ليخرج).
الجميع : ابقاك الله يا أبا العلاء.

***

(في معسكر صالح بن مرداس خارج المدينة)
أحد رجاله : عجباً.. هذا باب المدينة قد فتح أيها الأمير!
آخر : وخرج منها رجل يقاد كأنه أهمى!
صالح : ويلكم بطلوا القتال!
أصوات : (من كل جانب) بطلوا القتال! بطلوا القتال!
صالح : أن يصدق ظني فهذا أبو العلاء الشاعر.
الأول : أبو العلاء الزنديق؟
صالح : قبحك الله.. ما أنت وذاك؟
الأول : معذرة يا سيدي الأمير.. هكذا يقال.
صالح : زنديق أو غير زنديق.. إنه من أعاظم الرجال. استقبلوه لنرى في أي أمر جاء.
(يقبل أبو العلاء يقوده ابن أبي هاشم)
أبو العلاء : السلام عليك أيها الأمير الجليل!
صالح : وعليك السلام.. أأنت الشيخ أبو العلاء؟
أبو العلاء : نعم يا سيدي، هكذا يدعوني الناس.
دعيت أبا العلاء وذاك مين ولكن الصحيح أبو النزول
صالح : بل أنت أبو العلاء حقاً وابو الصيت الطائر والشرف الباذخ (يصافحه ثم يجلسه إلى جانبه).
أبو العلاء : رعاك الله يا ابن مرداس يا سيد الناس.
صالح : مرحباً بك هل من حاجة فاقضيها لك؟
أبو العلاء : أجل يا سيدي الأمير، حاجة مائة ألف من شيوخ ونساء وأطفال كلهم يرجو عظيم عفوك.
صالح : ألم تعلم بما جنى سفهاؤهم؟
أبو العلاء : بلى يا سيدي الأمير.. لولا هذه الجناية ما خرجت اليوم من حيث حبست نفسي منذ نيف وأربعين عاماً لأرجع من عندك بعفو يشمل الجناة الذين ندموا على ما فرط منهم والأبرياء الذين صلوا بحر نار لم يوقدوها!
صالح : هذه أول مرة تخرج من دارك؟
ابو العلاء : إي والله وسأرجع إليها بعفوك، ولن أخرج منها أبقاك الله إلا محمولاً على الآلة الحدباء، إلى حيث يطول الثواء وتنقطع الأنباء وإلى الله المصير.
صالح : قد والله أنلتني شرفاً باقياً ما بقي للشعر رواة في الدهر! ولكن قومك يا أبا العلاء قدا جاءوا أمراً إدا.
أبو العلاء : الأمير أطال الله بقاءه كالسيف القاطع لأن متنه وخشن حداه وكالنهار المائع قاظ وسطه وطاب أبراده. خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين.
صالح : قد وهبتها لك يا أبا العلاء.
أبو العلاء : وهب الله لك خير الدنيا وخير الآخرة.
صالح : أفلا تنشدنا شعرك؟
أبو العلاء : يا سيدي الأمير لو تقدم مثولي بين يديك لأثنيت عليك بما تحسدني عليه فحول شعراء العرب.. أما اليوم فقد حال الجريض دون القريض.
صالح : إني لمن رواة ديوانك سقط الزند.
أبو العلاء : قد كبا ذلك الزند أيها الأمير فلم يعد يورى وما بقي إلا لزوم ما لم يكن لازماً من قيود الزمان والمكان حتى يبلغ الكتاب أجله.
صالح : فانشد من لزومياتك ليكون لنا شرف روايته عنك.
أبو العلاء : بل يشرف الشعر بروايتك أيها الأمير.
صالح : علي بالقرطاس والقلم! (يحضرون له القرطاس والقلم)
أبو العلاء : (يرتجل وصالح يكتب).
تـغيبت في منزلي برهة =سـتير العيوب فقيد الحسد
فلما انقضى العمر إلا الأقل =وحـم لروحي فراق الجسد
بـعـثت شفيعاً إلى صالح =وذاك مـن القوم رأي فسد
فـيسمع مني سجع الحمام =واسـمـع منه زئير الأسد
فـلا يـعجبني هذا النفاق = فـكـم نفقت محنة ما كسد

صالح : لله درك يا أبا العلاء ما أحسن والله ما ارتجلت اللهم إلا قولك:
فيسمع مني سجع الحمام =واسمع منه زئير الأسد
أبو العلاء : فيم يا سيدي الأمير؟
صالح : نحن الذين تسمع منا سجع الحمام وأنت الذي نسمع منك زئير الأسد. ارجع يا أسد المعرة بالأمان لأهلها وأوصهم إلا يتعرضوا للحمام مرة أخرى!
ابو العلاء : (ينهض لينصرف) أحسن الله إليك أيها الأمير الكريم... لقد عشت ما عشت فلم أشهد كاليوم ذا لبدة من بني غيل يزعم للناس أنه من بني الهديل!
ستار










`