المساعد الشخصي الرقمي

اعرض النسخة الكاملة : فتنة ليس لها إلا نبي



أحمد الغنام
28-01-2007, 01:42 PM
من بلاغة الرسول القائد صلى الله عليه وسلم.

نقلت هذا الموضوع من كتاب"الطريق إلى القلوب"لعباس السيسي رحمه الله :

فتنة ليس لها إلا نبي

حينما كنت أقرأ حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( رجعنا من الجهاد الأصغر إلىالجهاد الأكبر قالو : يا رسول الله ؛ وأي الجهاد الأكبر ؟ قال : (( جهاد النفس )) .

حتى إذا عشت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته في غزوة(( حنين)) , وقرأت قول الله تعالى :{ ويوم حنين إذا أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا .. } وعاد المسلمون بعون الله تعالى من هذه الغزوة ظافرين منتصرين , وقام رسولنا صلى الله عليه وسلم يوزع الغنائم , فاختص زعماء القبائل العربية التي أسلمت أخيراً بالقسم الأكبر من الغنائم؛ من أجل أن يتألف بها قلوبهم , فأعطى كل واحد منهم عشرات من الجمال .

عندما رأى الأنصار أن الغنائم قد حجبت عنهم , وانصبت في أيدي قريش وقبائل المنطقة! , وجدوا في أنفسهم (( أخذو على خاطرهم )) , وتناوشتهم الظنون ! فراحو يتهامسون بها ! , وجد هذا الحى من الأنصار في أنفسهم ,حتى كثرت منهم القالة (( من يقول الكلام الرديء)) حتى قال قائلهم : لقي رسول الله صلى الله عليه وسلم قومه ! .

وهنا يجب أن نقف وقفة تأمل وتدبر : كيف تناوشت الأنصار الظنون وهم الذين سبقوا إلى الإسلام ؛ فراحو يتهامسون بها حتى كثرت منهم القالة , وهم الذين عادوا من معركـة ((حنين)) , ولا تزال الدماء ساخنة ؟ فقــد كانوا يقاتلون بالسلاح , ويفتدون الإسلام بالمال والأهل , إنه مشهد خطير . لم يكن أحد يتوقعه من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ,
ولكن هذا المشهد في الحقيقة المجردة واقع بشري سوف يتكرر مع الأجيال على مدى الأيام والسنين , إن هذا المشهد المذهل أشد خطورة مما دار في معركة ((حنين)) , فإن معــركة ((حنين)) كانت بين المؤمنين والكافرين , وفي هذه الحالة تقوى عزيمة المؤمنين وتشــتد أواصر الأخوة والحب بينهم , والتضحية والفداء لنصرة دينهم , أما في هذه الحالة المدلهمة فستكون – لا قدر الله – الحــرب بين المؤمنين أنفســهم , وفيهم رســول الله صلى الله عليه وسلم ! ,
{ وكيف تكفرون وأنتم تتلى عليكم آ يات الله وفيكم رسوله } ولكن الفتــن في ذاتها ليست إلامستغصر الشرر , ولكن الحكيم العظيم هو الذي يطفئها .. إنها فتنة حالقة ليس لها إلا نبى.

ودخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم سعد بن عبادة (( سيد الأنصار )) فقال : يا رسول الله ؛ إن هذا الحي من الأنصار قد وجدوا عليك في أنفسهم لما صنعت في هذا الفيء الذي أصبت ! , قسمت في قومك وأعطيت عطايــا عظاما من قبائل العرب , ولم يكن في هذا الحي من الأنصار منها شيء ! فقال عليه السلام : (( فأين أنت من ذلك يا سعد؟)) فقال: يا رسول الله : ما أنا إلا من قومي , فقال عليه السلام : (( فاجمع لي قومك في هذه الحظيرة )) .

وهذا مشهد جديد وفريد (( سعد بن عبادة )) سيد الأنصار , يذهب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛
فيضع بين يديه الأمر بكل صراحة و وضوح وأمانة وشجاعة , حتى إذا سأله رســول الله
صلى الله عليه وسلم : (( فأين أنت منهم ؟ )) قال : يا رسول الله ما أنا إلا من قومي .
لم يتنصل سيد الأنصار مما حدث منهم , ولم يوجه إليهم اللوم أو العتاب , ولم يتقرب إلى النبي صلى الله عليه وسلم بالتجريح فيهم , بل قال بالتضامن معهم : ما أنا إلا من قومي ؛ إنه موقف الرجولة الفذة , والقيم العالية التي تهز المشاعر والوجدان.

خرج (( سعد)) , فجمع الأنصار في تلك الحظيرة , فجاء رجال من المهاجرين , فتركهم فدخلوا , وجاء آخرون فردهم , فلما اجتمعوا له, أتاه (( سعد)) فقال : قد اجتمع لك هذا الحي من الأنصار لم يتخلى منهم أحد, فأتاهم الرسول صلى الله عليه وسلم فحمد الله, وأثنى عليه بما هو أهله .. ثم قال : (( يا معشر الأنصار؛ مقالة بلغتني عنكم, وجدة وجدتموها علي في أنفسكم ؟ , ألم آتكم ضلالا فهداكم الله ؟ وعالة فأغناكم الله ؟ وأعداء فألف بين قلوبكم ؟ )) , قالوا : بلى , والله ورسوله أمنٌّ وأفضل , قال : (( ألا تجيبوني يا معشر الأنصار؟)) قالو : بماذا نجيبك يا رسول الله ؟ لله ولرسوله المنٌّ والفضل. قال صلى الله عليه وسلم : (( أما والله لو شئتم لقلتم فلصدقتم ولصُدقتم ؛ أتيتنا مكذبَاً فصدقناك , ومخذولا فنصرناك, وطريدا فآويناك, وعائلا فآسيناك ))

الرسول صلى الله عليه وسلم الذي يحب المؤمنين ؛ فهو الذي يقول : (( أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم )) , والصحابة الذين امتدحهم الله تعالى في كتابه : {محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم ..} ويقول تعالى :{من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر }

محمد صلى الله عليه وسلم يخفض لهم جناح الذل من الرحمة !! , إنه صلى الله عليه وسلم يعرف قدرهم , ويعتز بهم , ولا يفرط في أنملة أحد منهم , إنهم معادن نادرة من رجال الإسلام , بهذا الشعور الرباني الرقيق , وهذا الخلق النبوي الشريف , انساب في قلوبهم برقة وعذوبة , هو الذي أسرع سعيا إليهم بعاطفة الحب والإشفاق , يتحاور معهم بالتي هي أحسن , من نبع القلوب , وصفاء العقيدة , وصدق الغاية والقصد.

قال صلى الله عليه وسلم : - منعهم حياؤهم أن يقولوه أو يتلفظوا به حين قال لهم : (( أما والله لو شئتم لقلتم فلصدقتم ولصدقتم ؛ ؛ أتيتنا مكذبا فصدقناك , ومخذولا فنصرناك, وطريدا فآويناك, وعائلا فآسيناك )) .

الرسول العظيم , والنبي الكريم ؛ يدخل في قلوب أصحابه بأسلوب النبوة الصادق المتواضع, الذي لا يشوبه استعلاء ولا غرور , أسَمعت في هذا الوجود من يطفىء النار بالحب والقرب؟ أسمعَت هذه الدنيا من يقول عن نفسه : أتيتنا مكذبا فصدقناك , ومخذولا فنصرناك, وطريدا فآويناك, وعائلا فآسيناك ؟ , يا له من نبي معجزة ؛ سجل في هذا المشهد أعظم ما تتطلع إليه الدنيا من قيادة { بالمؤمنين رءوف رحيم } لم يلجأ رسول الله صلى الله عليه وسلم لاتخاذ إجراءات ومواقف عدائية أو تصفوية كما نشاهد في كثير من الأحداث, بل صدع لقول الله تعالى :
{ ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن } , وأي سبيل أحسن من تضميد الجراح, وجمع القلوب على الفلاح ؟ , إن رسول الله صلى الله عليه وسلم (( يذكر الفضل لأهله )) وبهذا تنموا الفضائل , وتصفوا الضمائر , وتسود المحبة والمودة .

ثم يقول الرسول صلى الله عليه وسلم : (( أوجدتم يا معشر الأنصار في أنفسكم في لعاعة من الدنيا تألفت بها قوما ليسلموا , ووكلتم إلى إسلامكم؟))

الرسول صلى الله عليه وسلم يستحث إيمان الأنصار وماضيهم النوراني حين يقول لهم : أوجدتم يا معشر الأنصار في أنفسكم في لعاعة من الدنيا تألفت بها قوما ليسلموا , ووكلتم إلى إسلامكم؟!
فهو بهذا ينبه الغافل منهم أن الأصل في الجهاد أن نخرج الناس من الظلمات إلى النور , فنجذب الناس إلى الإسلام , فإذا دفعت بشيء من الغنائم لأ تأّلف بها قلوب قوم حديثي عهد بالإسلام ليسلموا ويزدادوا إيمانا ؛ فهذا هو بيت القصيد , بل غاية الدعوة لإنقاذ البشرية , مع أن هذه الغنائم مهما بلغت قيمتها فهي لعاعة (أي الشيئ التافه القليل) من الدنيا , وما عند الله خير وأبقى , والمؤمن يجب أن يسترجع الأصل في كل موقف حين يهتف (( الله غايتنا)) وهذا هو معنى قول رسولنا الكريم (( ووكلتكم إلى إسلامكم )) أي : وكلتكم إلى فقهكم ووعيكم الإسلامي الشامل الجامع .

ثم يقول الرسول صلى الله عليه وسلم : (( ألا ترضون يا معشر الأنصار أن يذهب الناس بالشاة والبعير , وترجعون برسول الله إلى رحالكم ؟ ))

يا لها من نقلة روحية وجدانية جليلة المعنى , خطيرة التأثير في القلوب والوجدان والمشاعر, الناس يعودون باللعاعةمن الدنيا الفانية , وأنتم يا معشر الأنصار تعودون بأحب خلق الله إلى الله .. محمد رسول الله , أي جلال هذا ؟ وأي فخر هذا؟ وأي نعمة هذه؟ ثم بعد ذلك شفاعة وأنس وصحبة يوم القيامة .

ثم يقول الرسول صلى الله عليه وسلم : (( والذي نفس محمد بيده لولا الهجرة لكنت امرءا من الأنصار , ولو سلك الناس شعبا , وسلكت الأنصار شعبا لسلكت شعب الأنصار, اللهم ارحم الأنصار , وأبناء الأنصار , وأبناء أبناء الأنصار )) , قال : فبكى القوم حتى اخضلت لحاهم , وقالوا : رضينا برسول الله قسما وحظا .

ثم يتوجه رسول الله صلى الله عليه وسلم بكلمة إلى عامة الناس , كلمة ترطب القلوب , وتهدهد العواطف , وتسبح في وجدانهم , وتؤثرهم على غيرهم بما سبق لهم من فضل الإيواء والنصرة , حين يقول لهم : لولا الهجرة لكنت امرءا من الأنصار , ولو سلك الناس شعبا , وسلكت الأنصار شعبا لسلكت شعب الأنصار, اللهم ارحم الأنصار , وأبناء الأنصار , وأبناء أبناء الأنصار, ليتنا كنا يومئذ منهم , أي مطمع بعد هذا ؟ لو أنفقتِ الأنصار ما في الأرض جميعا ما أدركت مثل هذا المنار , أو هذا الفخر والفوز بالجنة ورضا الرحمن .

أخي الكريم .. أرأيت كيف كان ويكون وسيكون حال البشر , وهي سنة الله في خلقه إلا من رحم ؟ , أرأيت كيف يكون العلاج أمام أعتى الفتن وأعصى المعضلات ؟ إنه العلاج الذي يجمع ولا يفرق , يبني ولا يهدم , يشع الحب ويزيد من القرب يهزم نوازع ووساوس النفوس ويرتفع بالناس إلى مستوى العقيدة وسمو الغاية ووضوح الهدف , نحو تحقيق أسمى الأمانى
بقيام دولة الإسلام التي ترفرف عليها راية القرآن.
لا إله إلا الله محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم

لؤي الطيبي
28-01-2007, 02:16 PM
بارك الله فيك أخي الشمالي .. وجزاك خير الجزاء ..
وحقّاً !

إذا كان هذا الجيل أتباعَ نهجه *** وقد حكموا السّاداتِ في البدو والحضر
فقل كيف كان المصطفى وهو رمزهم *** مع نوره لا تُذكر الشمس والقمر
فصلِّ اللّهم على نبيّنا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم ..

نسيبة
28-01-2007, 02:28 PM
جزاك الله خير الجزاء و أوفاه أخانا الفاضل الشمالي
صلّى الله على سيدنا محمد عدد ما خلق و ذرأ و برأ

محمد خليل العاني
28-01-2007, 07:18 PM
بوركت اخي الشمالي نقل طيب وجميل

أبو لين
29-01-2007, 12:03 AM
بارك الله فيك أخي الشمالي ودمت نافعا .

محمد ماهر
29-01-2007, 07:23 AM
ما أروع هذا الكلام، صلى الله على سيدنا محمد وسلم تسليماً كثيراً، وجزاك الله خيراً أخي الشمالي على هذا النقل الطيب...

أحمد الغنام
29-01-2007, 09:53 AM
وبارك الله فيك أخي الفاضل لؤي الطيبي،نفع الله بك.

أحمد الغنام
29-01-2007, 09:54 AM
وجزاك الله كل الخير أختي الكريمة نسيبة،نفع الله بك.

أحمد الغنام
29-01-2007, 09:55 AM
أخي العاني جزاك الله خيراً.وبارك فيك وبعلمك.

أحمد الغنام
29-01-2007, 09:56 AM
ونفعنا الله بك أخي الكريم بحر النحو،بارك الله فيك.

أحمد الغنام
29-01-2007, 09:58 AM
أخي الكريم محمد ماهر ،جزاك الله كل الخير وجعلنا وجميع الأخوة من الذين يتخذون هذا الرسول القائد صلى الله عليه وسلم قدوة في الحياة.