المساعد الشخصي الرقمي

اعرض النسخة الكاملة : البلاغة في الاية {إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِن



راكان العنزي
31-01-2007, 11:53 PM
:::
هذه بعض البلاغة في القران الكريم
{إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ }المائدة118

إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ }


المسألة الثالثة: روى الواحدي رحمه الله أن في مصحف عبد الله [وإن تغفر لهم فإنك أنت الغفور الرحيم سمعت شيخي ووالدي رحمه الله يقول { ٱلعَزِيزُ ٱلحَكِيمُ } هٰهنا أولى من الغفور الرحيم، لأن كونه غفوراً رحيماً يشبه الحالة الموجبة للمغفرة والرحمة لكل محتاج، وأما العزة والحكمة فهما لا يوجبان المغفرة، فإن كونه عزيزاً يقتضي أنه يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، وأنه لا اعتراض عليه لأحد فإذا كان عزيزاً متعالياً عن جميع جهات الاستحقاق، ثم حكم بالمغفرة كان الكرم هٰهنا أتم مما إذا كان كونه غفوراً رحيماً يوجب المغفرة والرحمة، فكانت عبارته رحمه الله أن يقول: عز عن الكل. ثم حكم بالرحمة فكان هذا أكمل. وقال قوم آخرون: إنه لو قال: فإنك أنت الغفور الرحيم، أشعر ذلك بكونه شفيعاً لهم، فلما قال: { فَإِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ } دل ذلك على أن غرضه تفويض الأمر بالكلية إلى الله تعالى، وترك التعرض لهذا الباب من جميع الوجوه.
تفسير مفاتيح الغيب ، التفسير الكبير/ الرازي

{ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ } القوي القادر على الثواب والعقاب
{ ٱلْحَكِيمُ } الذي لا يثيب ولا يعاقب إلا عن حكمة وصواب. فإن قلت: المغفرة لا تكون للكفار فكيف قال: (وإن تغفر لهم)؟ قلت: ما قال إنك تغفر لهم، ولكنه بنى الكلام على: إن غفرت، فقال: إن عذبتهم عدلت، لأنهم أحقاء بالعذاب، وإن غفرت لهم مع كفرهم لم تعدم في المغفرة وجه حكمة لأن المغفرة حسنة لكل مجرم في المعقول، بل متى كان الجرم أعظم جرماً كان العفو عنه أحسن.

تفسير الكشاف/ الزمخشري (ت 538 هـ)

وقال: { فَإِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ } ولم يقل: فإنك أنت الغفور الرحيم على ما تقتضيه القصة من التسليم لأمره، والتفويض لحكمه. ولو قال: فإنك أنت الغفور الرحيم لأوهم الدعاء بالمغفرة لمن مات على شِرْكه وذلك مستحيل؛ فالتقدير إن تبقِهم على كفرهم حتى يموتوا وتعذّبهم فإنهم عبادك، وإن تَهدهم إلى توحيدك وطاعتك فتغفر لهم فإنك أنت العزيز الذي لا يمتنع عليك ما تريده؛ الحكيم فيما تفعله؛ تضل من تشاء وتهدي من تشاء. وقد قرأ جماعة: «فإنك أنت الغفور الرحيم» وليست من المصحف. ذكره القاضي عِياض في كتاب «الشّفا» وقال أبو بكر الأنْبَاري: وقد طعن على القرآن من قال إن قوله: { فَإِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ } ليس بمُشاكِل لقوله: { وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ }؛ لأن الذي يُشاكل المغفرة فإنك أنت الغفور الرحيم ـ والجواب ـ أنه لا يحتمل إلا ما أنزله الله، ومتى نقل إلى الذي نقله إليه ضَعُف معناه؛ فإنه ينفرد الغفور الرحيم بالشرط الثاني فلا يكون له بالشرط الأوّل تعلّق، وهو على ما أنزله الله عز وجل، وٱجتمع على قراءته المسلمون مَقْرُونٌ بالشرطين كليهما أوّلهما وآخرهما؛ إذ تلخيصه إن تعذبهم فإنك أنت عزيز حكيم، وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم في الأمرين كليهما من التّعذيب والغفران، فكان العزيز الحكيم أليق بهذا المكان لعمومه؛ فإنه يجمع الشرطين، ولم يصلح الغفور الرحيم إذ لم يحتمل من العموم ما ٱحتمله العزيز الحكيم، وما شهد بتعظيم الله تعالى وعدله والثناء عليه في الآية كلها والشرطين المذكورين أولى وأثبت معنى في الآية مما يصلح لبعض الكلام دون بعض.
تفسير الجامع لاحكام القران/ القرطبي

إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم ( فإن قوله ) وإن تغفر لهم ( يوهم أن الفاصلة الغفور الرحيم وكذا نقلت عن مصحف أبى رضى الله عنه وبها قرأ ابن شنبود ولكن إذا أنعم النظر علم أنه يجب أن يكون ما عليه التلاوة لأنه لا يغفر لمن يستحق العذاب إلا من ليس فوقه أحد يرد عليه حكمه فهو العزيز لان العزير في صفات الله هو الغالب من قولهم عزه يعزه عزا إذا غلبه ووجب أن يوصف بالحكيم أيضا لأن الحكيم من يضع الشىء فى محله فالله تعالى كذلك إلا أنه قد يخفى وجه الحكمة فى بعض أفعاله فيتوهم الضعفاء أنه خارج عن الحكمة فكان فى الوصف بالحكيم احتراس حسن أى وإن تغفر لهم مع استحقاقهم العذاب فلا معترض عليك لأحد فى ذلك والحكمة فيما فعلته وقيل وقيل لا يجوز الغفور الرحيم لأن الله تعالى قطع لهم بالعذاب فى قوله تعالى ) إن الله لا يغفر أن يشرك به ( وقيل لأنه مقام تبر فلم يذكر الضفة المقتضية استمطار العفو لهم وذكر صفة العدل فى ذلك بأنه العزيز الغالب وقوله ) الحكيم ( الذى يضع الأشياء مواضعها فلا يعترض عليه إن عفا عمن يستحق العقوبة
وقيل ليس هو على مسألة الغفران وإنما هو على معنى تسليم الأمر إلى من هو أملك لهم ولوقيل فإنك أنت الغفور الرحيم لأوهم الدعاء بالمغفرة ولا يسوغ الدعاء بالمغفرة لمن مات على شركه لا لنبى ولا لغيره وأما قوله فإنهم عبادك وهم عباده عذبهم أو لم يعذبهم فلأن المعنى إن تعذبهم تعذب من العادة أن تحكم عليه وذكر العبودية التى هى سبب القدرة كقول رؤبة
يا رب إن أخطأت أو نسيت
فأنت لا تنسى ولا تموت

والله لا يضل ولا ينسى ولا يموت أخطأ رؤبة أو أصاب فكأنه قال إن أخطأت تجاوزت لضعفى وقوتك ونقصى وكمالك

البرهان في علوم القرآن
الإمام بدر الدين محمد بن عبد الله الزركشي
الجزء الأول

{ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ } أي فإن تغفر لهم ما كان منهم لا يلحقك عجز بذلك ولا استقباح فإنك القوي القادر على جميع المقدورات التي من جملتها الثواب والعقاب الحكيم الذي لا يريد ولا يفعل إلا ما فيه حكمة، والمغفرة للكافر لم يعدم فيها وجه حكمة لأن المغفرة حسنة لكل مجرم في المعقول بل متى كان المجرم أعظم جرماً كان العفو عنه أحسن لأنه أدخل في الكرم وإن كانت العقوبة أحسن في حكم الشرع من جهات أخر، وعدم المغفرة للكافر بحكم النص والإجماع لا للامتناع الذاتي فيه ليمتنع الترديد والتعليق بإن.

وقد نقل الإمام «أن غفران الشرك عندنا جائز. وعند جمهور البصريين من المعتزلة قالوا: لأن العقاب حق الله تعالى على المذنب (وفي إسقاطه منفعة للمذنب) وليس في إسقاطه على الله سبحانه مضرة». وأخرج ابن جرير وابن أبـي حاتم وأبو الشيخ عن السدي أن معنى الآية إن تعذبهم فتميتهم بنصرانيتهم فيحق عليهم العذاب فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فتخرجهم من النصرانية وتهديهم إلى الإسلام فإنك أنت العزيز الحكيم، وهذا قول عيسى عليه السلام في الدنيا اهـ.

ولا يخفى أنه مخالف لما يقتضيه السباق والسياق، وقيل: الترديد بالنسبة إلى فرقتين، والمعنى إن تعذبهم أي من كفر منهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم وتعف عمن آمن منهم فإنك الخ وهو بعيد جداً، وظاهر ما قالوه أنه ليس في قوله سبحانه { وَإِن تَغْفِرْ } الخ تعريض بسؤال المغفرة وإنما هو لإظهار قدرته سبحانه وحكمته، ولذا قال سبحانه { ٱلعَزِيزُ ٱلحَكِيمُ } دون الغفور الرحيم مع اقتضاء الظاهر لهما، وما جاء في الأخبار مما أخرجه أحمد في «المصنف» والنسائي والبيهقي في «سننه» " عن أبـي ذر قال: «صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة فقرأ بآية حتى أصبح يركع بها ويسجد بها { إِن تُعَذّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ } الخ فلما أصبح قلت: يا رسول الله ما زلت تقرأ هذه الآية حتى أصبحت قال: إني سألت ربـي سبحانه الشفاعة فأعطانيها وهي نائلة إن شاء الله تعالى من لا يشرك بالله تعالى شيئاً» "
وما أخرجه مسلم وابن أبـي الدنيا في حسن الظن والبيهقي في «الأسماء والصفات» وغيرهم عن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما: " «أن النبـي صلى الله عليه وسلم تلا قول الله سبحانه في إبراهيم عليه السلام { رَبّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مّنَ ٱلنَّاسِ فَمَن تَبِعَنِى فَإِنَّهُ مِنّى } [إبراهيم: 36] الآية، وقوله عز وجل في عيسى ابن مريم: { إِن تُعَذّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ } الخ فرفع يديه فقال: اللهم أمتي أمتي وبكى فقال الله جلت رحمته: يا جبرائيل اذهب إلى محمد صلى الله عليه وسلم فقال له: إنا سنقر عينك في أمتك ولا نسوءك» " وما أخرجه ابن مردويه " عن أبـي ذر قال: «قلت للنبـي صلى الله عليه وسلم بأبـي أنت وأمي يا رسول الله قمت الليلة بآية من القرآن يعني بها هذه الآية ومعك قرآن لو فعل هذا بعضنا تال وجدنا عليه قال: دعوت الله سبحانه لأمتي قال: فماذا أجبت؟ قال: أجبت بالذي لو اطلع كثير منهم عليه تركوا الصلاة قلت: أفلا أبشر الناس؟ قال: بلى فقال عمر: يا رسول الله إنك إن تبعث إلى الناس بهذا ويتكلوا ويدعوا العبادة فناداه أن ارجع فرجع» " لا يقوم دليلاً على أن في الآية تعريضاً بطلب المغفرة للكافر إذ لا يبعد منه صلى الله عليه وسلم الدعاء لأمته وطلب الشفاعة لهم بهذا النظم لكن لا على الوجه الذي قصده عيسى عليه السلام منه، ويحتمل أنه صلى الله عليه وسلم اقتبس ذلك من القرآن مؤدياً به مقصوده الذي أراده وليس ذلك أول اقتباس له عليه الصلاة والسلام فقد صرح بعض العلماء أن دعاء التوجه عند الشافعية من ذلك القبيل والصلاة لا تنافي الدعاء، وما أخرجه مسلم ومن معه ليس فيه أكثر من أن ما ذكر آثار كأمن شفقته صلى الله عليه وسلم على أمته فدعا لهم بما دعا وذلك لا يتوقف على أن في الآية تعريضاً لسؤال المغفرة للكافر، ثم إن للعلماء في بيان سر ذكر ذينك الاسمين الجليلين في الآية كلاماً طويلاً حيث أشكل وجه مناسبتهما لسياق ما قرنا به حتى حكي عن بعض القراء أنه غيرهما لسخافة عقله فكان يقرأ فإنك أنت الغفور الرحيم إلى أن حبس وضرب سبع درر، ووقع لبعض الطاعنين في القرآن من الملاحدة أن المناسب ما وقع في مصحف ابن مسعود فإنك أنت العزيز الغفور كما نقل ذلك ابن الأنباري، وقد علمت أحد توجيهاتهم لذلك.

وقيل: إن ذكرهما من باب الاحتراس لأن ترك عقاب الجاني قد يكون لعجز في القدرة أو لإهمال ينافي الحكمة فدفع توهم ذلك بذكرهما، وفي «أمالي العز بن عبد السلام» أن العزيز معناه هنا الذي لا نظير له، والمعنى وإن تغفر لهم فإنك أنت الذي لا نظير لك في غفرانك وسعة رحمتك، وأنت أولى من رحم وأجدر من غفر وستر الحكيم الذي لا يفعل شيئاً إلا في مستحقه وهم مستحقون ذلك لفضلك وضعفهم، وهذا ظاهر في أن في الآية تعريضاً بطلب المغفرة ولا أظنك تقول به، وادعى بعضهم أنهما متعلقان بالشرطين لا بالثاني فقط وحينئذٍ وجه مناسبتهما لا سترة عليه فإن من له الفعل والترك عزيز حكيم، وذكر أن هذا أنسب وأدق وأليق بالمقام.

إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم } قال الزمخشري: { فإنهم عبادك } والذين عذبتهم جاحدين لآياتك، مكذبين لأنبيائك، وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز القوي على الثواب والعقاب الحكيم الذي لا يثيب ولا يعاقب إلا عن حكمة وصواب.

(فإن قلت): المغفرة لا تكون للكفار، فكيف قال: { وإن تغفر لهم }؟ (قلت): ما قال: إنك تغفر لهم ولكنه بنى الكلام على أن يقال: إن عذبتهم عدلت لأنهم أحقاء بالعذاب، وإن غفرت لهم مع كفرهم، لم تعدم في المغفرة وجه حكمة لأن المغفرة حسنة لكل مجرم في المعقول، بل متى كان المجرم أعظم جرماً كان العفو عنه أحسن. وهذا من الزمخشري ميل إلى مذاهب أهل السنة فإن غفران الكفر جائز عندهم وعند جمهور البصريين من المعتزلة عقلاً، قالوا: لأن العقاب حق لله على الذنب وفي إسقاطه منفعة، وليس في إسقاطه على الله مضرة، فوجب أن يكون حسناً ودل الدليل السمعي في شرعنا على أنه لا يقع، فلعل هذا الدليل السمعي ما كان موجوداً في شرع عيسى عليه السلام، انتهى كلام جمهور البصريين من المعتزلة. وقال أهل السنة: مقصود عيسى تفويض الأمور كلها إلى الله تعالى وترك الاعتراض بالكلية، ولذلك ختم الكلام بقوله: { فإنك أنت العزيز الحكيم } أي: قادر على ما تريد في كل ما تفعل لا اعتراض عليك. وقيل لما قال لعيسى: { أأنت قلت للناس } الآية. علم أن قوماً من النصارى حكوا هذا الكلام عنه والحاكي هذا الكفر لا يكون كافراً بل، مذنباً حيث كذب وغفران الذنب جائز فلهذا قال: { وإن تغفر لهم }. وقيل: كان عند عيسى أنهم أحدثوا المعاصي وعملوا بعده بما لم يأمرهم به إلا أنهم على عمود دينه، فقال: { وإن تغفر لهم } ما أحدثوا بعدي من المعاصي وهذا يتوجه على قول من قال: إن قول الله له { أأنت قلت للناس } كان وقت الرفع، لأنه قال ذلك وهم أحياء لا يدري ما يموتون عليه. وقيل: الضمير في تعذبهم عائد على من مات كافراً وفي { وإن تغفر لهم } عائد على من تاب منهم قبل الموت. وقيل: قال ذلك على وجه الاستعطاف لهم والرأفة بهم، مع علمه بأن الكفار لا يغفر لهم ولهذا لم يقل لأنهم عصوك؟ انتهى وهذا فيه بعد لأن الاستعطاف لا يحسن إلا لمن يرجى له العفو والتخفيف، والكفار لا يرجى لهم ذلك والذي أختاره من هذه الأقوال أن قوله تعالى { وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس } قول قد صدر، ومعنى يعطفه على ما صدر ومضى، ومجيئه بإذ التي هي ظرف لما مضى ويقال التي هي حقيقة في الماضي فجميع ما جاء في هذه الآيات من إذ قال هو محمول على أصل وضعه، وإذا كان كذلك فقول عيسى { وإن تغفر لهم } فعبر بالسبب عن المسبب لأنه معلوم أن الغفران مرتب على التوبة وإذا كان هذا القول في غير وقت الآخرة، كانوا في معرض أن يرد فيهم التعذيب أو المغفرة الناشئة عن التوبة، وظاهر قوله { فإنك أنت العزيز الحكيم } إنه جواب الشرط والمعنى فإنك أنت العزيز الذي لا يمتنع عليك ما تريده، الحكيم فيما تفعله تضل من تشاء وتهدي من تشاء، وقرأت جماعة فإنك أنت الغفور الرحيم على ما يقتضيه قوله { وإن تغفر لهم } قال عياض بن موسى: وليست من المصحف
وقال أبو بكر بن الأنباري: وقد طعن على القرآن من قال: إن قوله: { فإنك أنت العزيز الحكيم } لا يناسب قوله { وإن تغفر لهم } لأن المناسب فإنك أنت الغفور الرحيم. والجواب: أنه لا يحتمل إلا ما أنزله الله تعالى ومتى نقل إلى ما قال هذا الطاعن ضعف معناه، فإنه ينفرد الغفور الرحيم بالشرط الثاني ولا يكون له بالشرط الأول تعلق وهو ما أنزله الله تعالى وأجمع على قراءته المسلمون معذوق بالشرطين كلاهما أولهما وآخرهما، إذ تلخيصه إن تعذبهم فأنت عزيز حكيم وإن تغفر لهم فأنت العزيز الحكيم في الأمرين كلاهما من التعذيب والغفران، فكان العزيز الحكيم أليق بهذا المكان لعمومه، وأنه يجمع الشرطين ولم يصلح الغفور الرحيم أن يحتمل ما احتمله العزيز الحكيم؛ انتهى. وأما قول من ذهب إلى أن في الكلام تقديماً وتأخير تقديره إن تعذبهم فإنك أنت العزيز وإن تغفر لهم فإنهم عبادك، فليس بشيء وهو قول من اجترأ على كتاب الله بغير علم. روى النسائي عن أبي ذر قال: قام النبيّ صلى الله عليه وسلم حتى أصبح بهذه الآية { إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم }.
تفسير البحر المحيط/ ابو حيان