المساعد الشخصي الرقمي

اعرض النسخة الكاملة : من فنون الشعر : المَوالِيَّا



شاكر الغزي
21-02-2007, 05:48 PM
من فنون الشعر
فن المَواليَّا

المواليا لغة ً :
الموالي في اللغة العربية تأتي على معنيين ، الاول : ( المـُوالِي ) بضم الميم وكسر اللام والياء المخففة ، وهي اسم فاعل من الفعل (والى) ، قال الشاعر :

بأُهْبَةِ حَزْمٍ لُذْ وإنْ كُنتَ آمِناً * فما كُلَّ حِينٍ مَنْ تُوالِي مُوالِيا

والثاني : ( المـَوالِي ) بفتح الميم وكسر اللام والياء المخففة وهي جمعٌ لكلمة مولى ، قال تعالى : ( وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ )1 ، وقال عز وجل : ( وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي )2 وكلاهما بفتح الياء ، لأنّ الإسم المنقوص تظهر عليه الفتحة في حالة النصب ولاتظهر بقية الحركات الاعرابية ، وقال أيضاً : ( فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ ) 3وهي بسكون الياء ، لأنها معطوفة على أخوانكم المرفوعة ، فلا تظهر عليها الضمة ، ولا أحسب في القرآن غير هذه المواضع الثلاث .
وقد وردت هذه اللفظة كثيراً في الشعر العربي ، من ذلك قول النابغة الجعدي :

فلا تنتهي أضغانُ قوميَ بينهُمْ *** وسَوآتُهم حتّى يصيروا مَوالِيا
مَوالِيَ حِلفٍ لا مَوالِيْ قرابة ٍ *** ولكنْ قطيناً يسألونَ الأتاويا

وقول ابن الهبارية :

وقد ترى شيخاً كبيراً فانيا *** عاشَ عقيماً يرهب المـَوالِيا

ومنه قول الفضل بن العباس بن عتبة بن ابي لهب المعروف بالاخضر اللهبي في بني أمية 4 :

مهلاً بني عمّنا مهلاً مَوالِيْنا *** لـِمْ تظهرونَ لنا ما كانَ مدفونا

ومنه قول السري الرفّاء في آل النبي :

آلُ النبيّ وجدنا حبكم سبباً *** يرضى الإلهُ بهِ عنّا ويُرضينا
فلا نخاطبكم إلا بسادتنا *** ولا نناديكمُ إلا مَوالِينا

وأمّا قول الفرزدق :

ولو كان عبدالله مولىً هجوتُهُ *** ولكنّ عبدالله مَولَى مَوالِيا

وعبدالله هذا هو عبدالله ابن ابي اسحاق مولى الحضرميين وهم حلفاء بني عبدشمس بن عبدمناف ، فقال ابن منظور : وإنما قال مواليا فنصب لأنه رده الى أصله للضرورة وإنما لم ينون لأنه جعله بمنزلة غير المعتل الذي لا ينصرف5 .
وقال سيبويه : وقال الفرزدق‏:‏ فلو كان ... مواليا فلمَّا اضطرُّوا إلى ذلك في موضع لا بدَّ لهم فيه من الحركة أخرجوه على الأصل 6‏.‏
أي أن لفظة (موالي) هنا شأنها حذف الياء لأن المنقوص تحذف ياؤه وينوّن عند الإضافة والتنكير فتكون (مولى مَوال ٍ) ، والشاعر هاهنا ردّ اللفظة الى أصلها ولمـّا كانت (موالي) على وزن (مفاعل) منعها من الصرف فجرّها بالفتحة ومن ثمّ أطلقها فقال : (مولى مواليَا) .
وبإضافة ياء المتكلم اليها تصير ( مَوَالِيَّ ) ، ومنه قول الامام الهادي (ع) في الزيارة الجامعة : ( مَوَالِيَّ لا أحصي ثناءكم وأبلغ بالمدح مقامكم ) 7 ، وذكر الزمخشري في الاساس : ( وهذا مولاي ، وهم مَوالِيَّ ) 8 ، قال عمرو بن أسد الفقعسي 9:

رأيتُ مَوَالِيَّ الألى يخذلونني *** على حدثانِ الدهر ِ إذْ يتقلّبُ

وقال السيد الحميري :

ياآلَ ياسينَ يا ثقاتي *** أنتم مَوَالِيَّ في حياتي

وقال أبو نواس :

ومن كانوا مَوَالِيَّ *** ومن كنتُ لهم عبدا

ومن ذلك أشتقت تسمية هذا الفن بالمواليّا.




قديماً :
المواليا في اصطلاح أهل الأدب ، أحد الفنون الشعرية التي اخترعها المولّدون لأغراض شتى لعل أهمها الغناء ، وهو مما يُلحق بالشعر من الفنون التي جرت على ألسنة عامة الناس كالدوبيت والزجل والقوما وغيرها .
قيل أن أول من أخترع المواليا هم ( أتباع البرامكة بعد نكبتهم ، فكانوا ينوحون عليهم ويكثرون من قولهم (يامَولى) وبالجمع (مَوالِيـَّا) فصار يعرف بهذا الاسم )10.
وقيل أن أهل واسط 11هم أول من اخترعه 12.
أما سبب تسميته بالمواليا ، فلأنهم كانوا يقولون ( مَوَالِيـَّا ) في نوحهم كما أشار السيد الهاشمي في ميزان الذهب ، وذكر الدكتور صفاء خلوصي أن هارون الرشيد حرّم على أتباع البرامكة النوح عليهم باللغة الفصحى فراحوا ينوحون عليهم بلغة غير معربة وينهون مقاطعهم بعبارة (يا مَوَالِيـَّا )فعرف هذا اللون بـ ( المَوَالِيـَّا ) .
وقيل سبب التسمية مُوالاة قوافيه بعضها بعضاً .
أقول : لو كان الامر كذلك لسُميّ (مُواليـَا) بضم الميم وفتح الياء المخففة .
وذكر في الهامش أن السيوطي يقول في شرح الموشح النحوي أن الرشيد هو الذي أمر برثاء البرامكة ومن بينهم جعفر البرمكي فرثته جارية بهذا الوزن ، وقال السيوطي : هو ( مُوَالَ ) بضم الميم وفتح الواو وبعد الالف لام مفتوحة على صيغة اسم المفعول من وَلَاهُ يَوليه اذا تابعه 13.
والمواليا من وزن بحر البسيط ، وتنظم بالإعراب - أي باللغة الفصحى مع ضبط الحركات الإعرابية - واللحن - أي بلغة العامة دون تقيد بإعراب الكلمات - وهي عبارة عن بيتين من الشعر بأربع قوافٍ أي أربعةُ أشطر ٍ مقفاة ٍ .
قال المحبي في خلاصة الأثر : ( وأول من أخترع المواليا أهل واسط وهو من بحر البسيط اقتطعوا منه بيتين وقفّوا شطر كل بيتٍ بقافيةٍ ونظموا في الغزل والمدح وسائر الصنائع على قاعدة القريض ، وكان سهل التناول تعلمه عبيدهم المتسلمون عمارتهم والغلمان فصاروا يغنون به في رؤوس النخل وفي سقي المياه يقولون في آخر كل صوت (يامَوَالِيـَّا) إشارةً الى ساداتهم فسمّيَ بهذا الاسم ولم يزالوا على هذا الاسلوب حتى أستعمله البغداديون فلطّفوه حتى عرف بهم دون مخترعيه ثم شاع ، وسبب تقدمه على ما بعده لأنه من بحر القريض بحيث ينظم معرباً على قاعدته )14.
أقول : تطرق الدكتور صفاء خلوصي الى ما ذكره المحبي باقتضاب وقال بعده : ( وهذا الذي حدا بصفي الدين الحلي أن ينسبه الى الزُرّاع البغَادِدَة الذين يسقون مزارعهم بالدلاء ويغنون ) 15.
والحقيقة أن الشاعر الكبير الشيخ صفي الدين الحلي لم ينسبه الى البغاددة وانما نسبه الى الواسطيين في ثلاثة مواضع من كتابه (العاطل الحالي والمُرخص الغالي) ، ولعل د.خلوصي لم يطلع على الكتاب ، على الرغم من أنه أشار في مصادره ومظانه الى أن لصفي الدين كتاب ( العاطل والحالي - تحقيق ولهلم هونرباخ - ويسبادن ، 1955 ، يراجع فيما يتعلق بفنون الشعر الشعبي ) ، والدليل تسمية الكتاب بالعاطل والحالي ، وهو بلا واو ٍ بينهما ، ولعله لم يفطنْ كذلك الى أن المحبي في خلاصته أنما نقل أقوال صفي الدين الحلي التي نثرها في كتابه وإن لم ينسبها إليه 16، وكذلك فعل ابن حجة الحموي والابشيهي اللذين سنذكر أقوالهما .
قال ابن حجة الحموي في كتابه بلوغ الأمل في فن الزجل : ( وقد عنّ أن أنظم شمل الزجل بإتباعه من الفنون الثلاثة وهي: المواليا وكان وكان، والقوما. وصار في الخاطر إلى ذلك انبعاث، وهذه الفنون تختلف بحسب اختلاف المخترعين واختلاف البلاد وتفاوت الاصطلاح، فمنها وزن واحد وأربع قواف وهي المواليا، وسموه البرزخ لأنه يحتمل الإعراب واللحن، وإنما اللحن أحسن وأليق، وإنما كان يحتمل الإعراب في أوائل استخراجه لأن أهل واسط اخترعوه من البحر البسيط وجعلوا كل بيتين منه أربعة أقفال بقافية واحدة وتغزلوا به ومدحوا وهجوا والجميع معرب، إلى أن وصل إلى البغاددة فزادوه باللحن سهولة وعذوبة، وما قصد بقولهم: إنه يحتمل الإعراب واللحن، أن يكون بعض ألفاظ البيت معربة وبعضها ملحونة، فإن هذا عندهم من أقبح العيوب التي لا تجوز عندهم البتة، وهو التزنيم في الزجل، فإنما المقصود أن يكون المعرب منه نوعاً بمفرده ويكون منه ملحوناً باصطلاح المتأخرين لا يدخله الإعراب )17.
وقال الأبشيهي في المستطرف : ( الفنون السبعة المذكورة عند الناس وهي الشعر القريض والموشح والدوبيت والزجل والمواليا والكان وكان والقوما ....منها ثلاثة معربة أبداً لا يغتفر اللحن فيها ، وهي الشعر القريض والموشح والدوبيت ومنها ثلاثة ملحونة أبداً وهي الزجل والكان وكان والقوما ومنها واحد وهو البرزخ بينهما يحتمل الاعراب واللحن وهو المواليا )18 .
ويمضي الأبشيهي في تفسير معنى احتمال اللحن والاعراب بما فسره الحموي والذي هو تفسير الشيخ صفي الدين الحلي حيث يقول : ( وما قصدتُ بقولي أنه يحتمل الاعراب و اللحن ...الخ ) 19، ثم يعرض للفنون الشعرية واحداً فواحداً حتى يصل الى الفن الخامس ، فيقول :
( الفن الخامس المواليا وله وزن واحد وأربع قوافٍ ، فمن تلك الأربعة واحدة لصفي الدين الحلي :

يا طاعنَ الخيْلَ والأبطالُ قد غارتْ *** والمُخْصِبَ الربْعَ والأمواهُ قد غارتْ
هَواطلُ السحْب ِمن كفَّيكَ قد غارتْ *** والشهبُ مذْ شاهدتْ أضواكَ قد غارتْ 20

وقيل أن أول ما جاء من هذا الفن قول جارية من إماء البرامكة ترثيهم :

يا دار أين الملوك الفرس أين الفرسْ *** أين الذينَ حموها بالقنا والترس ْ
قالت تراهم رمم تحت الاراضي الدرس *** خفوت بعد الفصاحة ألسنتهم خرسْ 21
وقيل :

منازل كنت فيها بعدك درسْ *** خراب لا للعزا تصلح ولا للعرسْ
فأين عينيك تنظر فيها الفرس ْ *** تحكم وألسنة المدّاح فيها خرس ْ

وعلى كل حالٍ ، فإنّ وزن المواليا من بحر البسيط :

مستفعلن فاعلن مستفعلن فعلن *** مستفعلن فاعلن مستفعلن فعلن

وله ثلاثة أعاريض يشبهها ضربها وهي : ( فاعلن ، فَعـْلـُن ، فِعلان ) ، وله كذلك ثلاثة أشكالٍ أو أنماطٍ أيضاً :

الاول: المواليَّا الرباعي وهو أربعة أشطرٍ مقفاة بحرف الروي ذاته ، ومنه قول صفي الدين الحلي :

إنْ أقتمَ النقْعُ كنا الضاربين الهامْ *** وإنْ أفاضوا الحجا كنا ذوي الأفهامْ
وما برِحنا بأرث الفضل ِوالإلهامْ *** تُطْوَى الخناصرْ لنا أو يُعْقدُ الإبهامْ 22

ومنه قولنا :

ماذا على مَنْ تَعاطى حُبَّهُ ولَـهُ *** هلْ باردُ الريق ِ يُطفي النارَ أمْ وَلَـهُ
أمْ لوعةُ القلب ِ إنَّ الحُبَّ أوَّلَـهُ *** لواعجٌ ثُمَّ يُفشـي الصبُّ مِقْوَلَـهُ


الثاني : المواليَّا الأعرج وهو خمسة أشطرٍ مقفاة بحرف الروي ذاته ما عدا الشطر الرابع فيكون مختلفاً ، ومنه قول الصفي :

إنّ الصوارم ما زالت بأيدينا *** تميس عجباً ، ويهتزّ القنا لينا
ومجد أعلامنا في الناس يعلينا *** بيضٌ صنائعنا سودٌ وقائعنا
خضرٌ مرابعنا حمرٌ مواضينا 23

ومنه قولنا :

وشادنٍ زَيَّنتْ عشْرينَـهُ سِـنَّـهْ *** تلألئَ البـرقُ إذْ أبدى لنا سِـنَّـهْ
سَنَّ الجفاءَ ألا قد ساءَ ما سَـنَّـهْ *** وما اهتدينا إلـى حَـلٍّ لِحالتِنـا
فقومُنا شِيعَةٌ إذْ قومُـهُ سُـنَّـهْ

الثالث : المواليَّا النعماني وهو ما يسمى بالموال الزهيري 24، وسيأتي شرحه .
بقي أن نعرف أن صفي الدين الحلي ذكر أن الاشطر الأربعة تسمى صوتاً ، وقد تسمى بيتين على الأصل ، كما أنه قسم المواليا من حيث الاغراض الى ثلاثة أقسام ، هي :
الاول : الجزْل أي ذو اللفظ القوي الجزل ونظمه في الفخر والمديح ومنه ما سبق ذكره له.
الثاني : الصنائع المشكلة ، أي ما يكون فيه لغزاً وتركيباً معقداً وبفكّه يتحقق المعنى المراد ، ومنه قوله :
تقولُ بسَّك منِّي ياشقيق البدْرْ *** لقولِ ضدَّك عنِّي بالخنا والغدْرْ
وكانَ ظنَّك أنِّي يا جليل القدْرْ *** يكونُ ذلك فنِّي عند ضيق الصدْرْ

حيث يخرج من أوائل شطورها بيتا قريض من بحر المجتثّ ، وهما :
تقولُ بسَّكَ منِّي *** لقولِ ضدَّك عنِّي
وكانَ ظنَّك أنِّي *** يكونُ ذلك فنِّي

وإذا قرأت حروف البيتين هجائياً ، نتج عن ذلك بيتا مواليا ،على نحو :
تا قافُ واو لام با سين كاف ميم نون يا ، وهكذا 25.
الثالث : الرقيق السهل ، ونظمه في الغزل والتشوق والتهنئة والعتاب والهجاء ، ومنه قوله :
أيْ قلبُ إن غدروا فاغدرْ وإن خانوا *** فخنْ وإن هم قَسُوا فاقسُ وإن لانوا
فلنْ وإن قربوا فاقربْ وإن بانوا *** فبنْ وكن أنتَ معْهم مثلما كانوا 26

حديثاً:

لعلّ الشكل الحديث للمواليا هو ما يعرفُ بـ(المَوَّال أو الزهيري أو الموال الزهيري )
يقول الدكتور صفاء خلوصي : ( وقد بقي اسم المواليا في العراق الى يوم الناس هذا إلا أنه حُرّفَ الى المـَوَّال وتركيبه كتركيب الزهيري ولو أن هذا الاخير أصبح يضم سبعة أشطر تكون الثلاثة الاولى من روي والثلاثة التي تليها من روي آخر والشطر السابع المفرد من روي الاشطر الثلاثة الاولى ) 27 .
وقليلٌ من التأمل في قوله ، سبعة أشطر تكون الثلاثة الاولى من روي والثلاثة التي تليها من روي آخر والشطر السابع المفرد من روي الاشطر الثلاثة الاولى ، يوحي لنا بأنَّ الدكتور خلوصي يشير إلى أنّ المَوَّال عموماً لا يشترط فيه التجنيس وإنما الأصل إتحاد الرويِّ ، والتجنيس هو من شروط نوع ٍ منه يعرف بالزهيري -كما سيتضح لنا – وهذا يبيّنُ لنا الفرق بين المَوَّال والزهيري ، وكما يؤكّد الترابط بين المواليا القديم والمَوَّال الحديث .
وسبق أن ذكرنا قول السيوطي : هو ( مُوَالَ ) بضم الميم وفتح الواو وبعد الالف لام مفتوحة على صيغة اسم المفعول من وَلَاهُ يَوليه اذا تابعه.
أقول : ومن هذا أن البعض يلفظون (المـَوّال) بضم الميم مع التشديد (المـُوّال) ولعله أصله من قول السيوطي وأول تصحيف طرأ عليه هو التشديد ثم فتح الميم لتخفيف النطق بها وللتسهيل كما هو شأن لغة العامة ، ومعلوم كذلك أن أواخر الكلمات تهمل حركتها وغالباً ما تُسَكّنُ في اللغة الدارجة .
وقرأت في مقال لمحمد رجب النجار عن الموال الزهيري في الكويت ، أنه أبان إعداده لرسالة الدكتوراة في السير الشعبية كان يستمع في قريته الى أحد رواة السير الشعبية المشهورين من كبار السن ، فقام أحد المستمعين وقال للراوي : أزهرْ فاستجاب له وأنشد بعض المواويل ،وأنه سأل عن معنى الزهيري فشرح له بعضهم معنى قريباً من الجناس وعليه فالتزهير يرادف التجنيس ، وهو يرى أن الزهيري نسبة الى زُهيرة مصغّر زهرة .
ويرى البعض أنه سمي بالزهيري نسبة الى شاعرٍ اسمه ملا جادر الزهيري وهو أشهر من كتب هذا الفن وهو من عشيرة الزهيرات المنتشرة في ربوع العراق ولاسيما قرية الزهيرات التي تنسب اليهم .
ويرى محمد رجب النجار أن هذا التعليل غير مقبول لأن الشاعر عاش في القرن التاسع عشر وهذا الفن أقدم منه وكذلك بكون الفنون على وجاهة مبتدعيها لا تعرف باسمائهم فالموال يعرف بالسباعي أو السبعاوي لأنه متكون من سبعة أشطر والزهيري لأنه مُزهّرٌ أي مجنس فضلاً عن أنه يعرف بالنعماني أيضاً ولم يقل أحد من الباحثين بنسبته الى شخص ٍ أسمه نعمان ! .
وفي بعض كتابات المتأخرين : وينظم الموال الزهيري على وزن البحر البسيط وهو أما من أربعة أشطر أو خمسة أشطر كما هو شائع في لبنان وسورية وفلسطين ، أو من سبعة أشطر كما هو شائع ومعروف في منطقة الخليج العربي ، فإذا كان من أربعة أشطر كان الشطر الأول والثاني والثالث من قافية واحدة وإختلف الرابع ، وإذا كان من خمسة أشطر إشترك الأول والثاني والثالث والخامس بقافية واحدة وانفرد الرابع ، وإذا كان من سبعة أشطر جاء الشطر الأول والثاني والثالث والسابع على قافية واحدة
والرابع والخامس والسادس على قافية أخرى .
ومن يمعنُ النظرَ في هذا الكلام يجدُ تطابقاً تامّاً بين مفهوم المَوَالِيَّا والمَوَّال .
وغالباً ما يُكتبُ الموال باللغة الشعبية ، وهناك محاولات حثيثة ومساعي جادة لكتابته باللغة الفصحى إحياءاً لهذا الفن الشعري واللون الأدبي الذي يعتبر من ألوان وفنون الشعر العربي الأصيل ، ومن الَمَوَّالات الفصحى قول صديقنا الشاعر الكبير عادل الكاظمي :

ما أنصفَ الدهرُ من حُـرٍّ أبيٍّ وفي
قد صاح نهباً به من بعد غُنْمٍ وفَيْ
كالسبطِ لَمَّا قضى بالطفِّ ظامٍ وفي
أوْجِ المَعالي لـهُ مجدٌ تسامى عُلا
يُنمى إلى حيدرٍ فخراً وعمرو العلا
ما يَمّمتهُ الظُبى إلا وصلّتْ على
جسمٍ فصارت له ظلاً ظليلاً وفَيْ (28)
ومنه قولنا :

أَحْوَى الظِبَا بالضُبى للقَلْبِ قَدْ طَعَنا
وَهْيَ اللِحَـاظُ وَبِالتَفْتِيـرِ قَطَّعَنَـا
فَقُلْتُ رِفْقاً بِمَنْ فِي السِنِّ قَدْ طَعَنا
أَسَلَّـهُ الحُبُّ لكِنْ مَا نَسى وَسَـلا
أَبَعْـدَ حُبِّـكَ شَيءٌ للفُـؤَاد ِسَلَى
فَقُلْ لِعَيْنَيكَ عَنْـهُ اسْتَخْبِرَا وَسَـلا
سَيُخْبِرَاكَ بِأَنِّي لَمْ أَشْكُ قَطُّ عَنـا (29)

وقولنا أيضاً :

أَنَّى حَلَلْنَ فَرَاحُ الحُـبِّ قَـدْ حَلِّتْ
مَـرِّ الزَمـانُ وللعَيشِ الظِبا حَلَّتْ
تَسقي خُمُوراً لِمَشْدُودِ العُرى حَلَّتْ
وَاللَحْظُ قَدْ كَلَّمَ الأحْشـاءَ تَكْلِيمـا
مِنْها اشْتكى القَلبُ قُلْتُ اصْبِرْ فَتَكْ لِيما
إِنِ اشْتكيتَ ،وَإِنْ لَـمْ تُبـْدِ تَكْلِيمـا
َهْـيَ التِي رِيقُهَـا خَمْرٌ وَقَـدْ حَلَّتْ (30)

ومن هنا نوجه دعوتنا إلى كلّ الأدباء والشعراء إلى الإهتمام بهذا الفن الشعري العريق والسعي الدؤوب لإحيائه .
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين .

تموز 2006 م

_______________________________________
(1)سورة النساء / الاية 33.
(2) سورة مريم / الاية 5.
(3) سورة الاحزاب/ الاية 5.
(4) مجمع البحرين ومطلع النيرين/ الشيخ فخر الدين الطريحي / تحقيق السيد أحمد
الحسيني / المجلد الاول / مادة (ولا) _ وعجز البيت في لسان العرب لابن منظور
(امشوا رويداً كما كنتم تكونونا ) ، وفي أساس البلاغة للزمخشري (لا تنبشوا بيننا
ما كان مدفونا) وهو المشهور .
(5) لسان العرب / ابن منظور / مادة (ولي) .
(6) الكتاب / سيبويه / الجزء 3 / باب ما ينصرف ومالا ينصرف من بنات الياء
والواو .
(7) مفاتيح الجنان / الشيخ عباس القمي / الزيارات الجامعة / الزيارة الثانية .
(8) أساس البلاغة / الزمخشري / مادة (ولي) .
(9) لسان العرب / ابن منظور / مادة (أولى) وفيه بلا نسبة ، ونسبتها لعمرو بن أسد
الفقعسي في الحماسة البصرية .
(10) ميزان الذهب في صناعة شعر العرب / السيد احمد الهاشمي / ص154 .
(11) مدينة أنشأها الحجاج بن يوسف الثقفي في العراق سنة 82هـ وفرغ منها سنة
86هـ وسميت بذلك لأنها تتوسط بين الكوفة والبصرة ، وهو معروفة حالياً
وتقع الى جنوب شرق بغداد .
(12) خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر / المحبي / حرف الهمزة والألف / في
ترجمة الأديب أبو بكر بن منصور بن بركات العمري الدمشقي _ بلوغ الأمل
في فن الزجل / ابن حجة الحموي / في آخر حديثه عن الفن الاول والثاني
الزجل والمواليا_فن التقطيع الشعري / د.صفاء خلوصي / ص 344/
ط4بيروت 1974 .
(13) نفسه / ص 344 أصلاً وهامشاً .
(14) خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر / المحبي / حرف الهمزة والألف / في
ترجمة الأديب أبو بكر بن منصور بن بركات العمري الدمشقي.
(15) فن التقطيع الشعري /ص 345.والبغاددة هم أهل بغداد وسكانها ، كما يقال
المغاربة ، ومنه قولهم تبغدد الرجل أي سكن بغداد أو تشبه بأهلها .
(16) العاطل الحالي والمرخص الغالي / الشيخ صفي الدين الحلي /تحقيق د.حسين
نصار /طبعة دار الشؤون الثقافية /ط2 1990 / ص 2 ، 3 ، 4 ، 105 ،
106 ، 107 ، وكان القدماء ينقلون الكلام حرفياً دون نسبة الى مؤلفه وهذا من
السرقة والظلم للمؤلف فيما نعتقد .

(17) بلوغ الأمل في فن الزجل / ابن حجة الحموي / في آخر حديثه عن الفن الاول
والثاني الزجل والمواليا.
(18) المستطرف في كل فن مستظرف / الأبشيهي / باب في رقائق الشعر والمواليا.
(19) العاطل الحالي والمرخص الغالي / الشيخ صفي الدين الحلي /تحقيق د.حسين
نصار /طبعة دار الشؤون الثقافية /ط2 1990 / ص 4 ، ولا بد من الاشارة
هنا الى أن الشيخ الحلي قد تقدم على الثلاثة فقد ولد في سنة 675هـ وتوفي في
سنة 750هـ ، أما البقية فكالتالي، ابن حجة الحموي 767 -837هـ ،
الابشيهي 790-852هـ ، المحبي 1061-1111هـ .
(20) هكذا ضبطتها ، وعلى ضبطهم لا تكون من البسيط ( العاطل الحالي ص
108) :
يا طاعِنَ الخِيلْ والأبطالَ قد غارتْ والمُخْصِب الربْع والأمواهُ قد غارتْ
هَواطلُ السحْبْ من كفِّيكْ قد غارتْ والشهبُ مذْ شاهدتْ أضواكْ قد غارتْ
(21) ميزان الذهب / 154.
(22) العاطل الحالي / 108.
(23) فن التقطيع الشعري / 343.
(24) للإطلاع على الأمثلة راجع فن التقطيع الشعري /360-361 و الزجل
للغساني / 57 .
(25) العاطل الحالي /112 .
(26) العاطل الحالي / 113.
(27) فن التقطيع الشعري/ 345.
(28) وفي : من الوفاء ، فَي : الفيء معروف ، في : حرف جر ، علا : التسامي
والعلو ، عمرو العلا : هاشم جد النبي عليهما السلام ، على : حرف جر ،
الفي : الظلّ .
( 29) قَدْ طَعَنا : من الطعن بالرمح ونحوه ، قَطَّعَنَـا : من التقطيع ، قَدْ طَعَنا : طعن
في السن أي كبر ، سَـلا : من السلوّ ، سَـلى : من التسلية ، سَـلا : من
السؤال ، قَطُّ عَنـا : من العناء .
(30) حَلِّتْ : أي نزلت ، حَلِّتْ : من التحلية ، حَلِّتْ : عكس شدّت ، تكْلِيمـا :
أي تجريحاً ، فتكْ لِيمـا : أي فتَكُ لئيماً ، تَكْلِيمـا : من الكلام ، حَلِّتْ :
عكس حرمت .

أبو-أحمد
22-02-2007, 04:07 PM
السلام عليكم ،
أحمدك على هذا البحث المفيد الممتع .
مواويلك جميلة ، وليت هذا النوع من الشعر يلقى اهتماما ، ولكن هيهات . تغيرت الدنيا كثيرا ، ولولا الغناء لما بقي للموال اثر .

خشان خشان
22-02-2007, 08:08 PM
الأستاذ شاكر الغزي

تحية مقرونة بالشكر

ضيفي فوضيل
22-02-2007, 09:28 PM
شكرا أخي : شاكر الغزي ، على هذه المعلومات الهامة. أتمنى أن تجد دعوتك صداها وشكرا مرة أخرى.

كشكول
23-02-2007, 02:05 AM
السلام عليكم

بحث جميل, فلطالما سمعت عن المواليا ولكنني لم أعرف ما هي. شكرا عزيزي على ما جاد به قلمك.

والسلام