المساعد الشخصي الرقمي

اعرض النسخة الكاملة : من التاريخ العربي= عصور =



المستعار
22-07-2002, 11:08 PM
العهد النبوي

العهد النبوي

الهجــرة

في نهاية السنة الثانية عشرة للبعثة النبوية، وعلى أثر بيعة العقبة الثانية، التي دعا فيها المسلمون من أهل يثرب (المدينة فيما بعد) رسول الله e وبقية المسلمين في مكة إلى الهجرة إليهم. تهيأت الظروف للهجرة فوجه رسول الله e المسلمين إلى الهجرة للمدينة، ثم تبعهم مع صاحبه أبي بكر الصديق، ووصل إلى قباء أولاً فأقام فيها بضعة أيام وأسس مسجدها، ثم انتقل إلى المدينة ونزل في دار أبي أيوب الأنصاري، وكان أول عمل عمله بعد وصوله هو إنشاء المسجد النبوي وقد خططه بيده الشريفة في المكان الذي بركت فيه ناقته عند وصوله إلى المدينة وشارك في أعمال البناء بنفسه، وبنيت له غرفة ملاصقة في الجهة الشرقية الجنوبية من المسجد، سكن فيها مع زوجته سودة وبناته، ثم بنيت غرفة أخرى عندما تزوج عائشة رضي الله عنها ووصل إلى المدينة كل من استطاع الخروج من مكة من المسلمين وصودرت بعض بيوت المهاجرين، ومنع بعضهم من إخراج أمواله وأخذت منه. ولم يبق في مكة من المسلمين غير المستضعفين والذين يكتمون إسلامهم.



تحولات بعد الهجرة

بدأت التغييرات الكبيرة في المدينة المنورة، فألغي اسم يثرب وصار المدينة، وطابة، وطيبة... إلخ ونشأ تجمع جديد تآخى فيه المهاجرون والأنصار، وانتهت العداوة بين الأوس والخزرج فأصبحوا أخوة في الإسلام وأسلم عدد قليل جداً من اليهود وتقوقع الباقون في أحيائهم يكيدون للإسلام والمسلمين.



سرايا الجهاد

أراد رسول الله e أن يعاقب قريشاً لعدوانها على بعض المهاجرين ومصادرة بيوتهم وأموالهم وأن يظهر القوة الجديدة المتنامية للمجتمع المسلم في المدينة، فأرسل في شهر رمضان من السنة الأولى للهجرة سرية من المهاجرين فقط بقيادة عمه حمزة بن عبد المطلب لتعترض قافلة لقريش تسير في طريق الساحل، ثم توالت بعد ذلك سرايا المسلمين في مناطق عدة من الحجاز وأطراف نجد تواجه خصوم الدعوة الإسلامية وتضرب تجمعاتهم قبل أن تتجه إلى المدينة أو تحملهم على الصلح والموادعة وتبلغ الدعوة للقبائل الأخرى. وحققت هذه السرايا انتصارات كثيرة للمسلمين وأحست قريش بذلك وخافت على تجارتها وبدأت تشن حرباً إعلامية بالشعر فاستنهضت شعراءها أمثال عبد الله بن الزبعرى وأبو سفيان بن الحارث وابن خطل وغيرهم لهجاء المسلمين وتشويه صورة الإسلام في أذهان القبائل العربية قبل أن تصلهم الدعوة، وتصدى شعراء المسلمين لهم وخاصة حسان بن ثابت وعبد الله بن رواحة وكعب بن مالك.



غزوة بدر

في رمضان من السنة الثانية للهجرة خرج المسلمون بقيادة رسول اللهe ليعترضوا قافلة لقريش يقودها أبو سفيان، ولكن أبا سفيان غَيّرَ طريقه إلى الساحل واستنفر أهل مكة، فخرجوا لمحاربة المسلمين والتقى الجمعان في بدر في السابع عشر من رمضان سنة اثنتين للهجرة. ونصر الله رسوله والمؤمنين رغم قلة عددهم وعدتهم فقد كانوا ثلاثمائة وسبعة عشر وكان المشركون أكثر من ألف وأثمرت نتائج النصر ثماراً كثيرة، فقد ارتفعت معنويات المسلمين وعلت مكانتهم عند القبائل التي لم تسلم بعد، واهتزت قريش في أعماقها وخسرت كبار صناديدها وأعمدة الكفر، وأخذت تعد للثأر والانتقام. وبينما كان المجتمع المسلم ينمو ويجتذب إليه بقية قبائل المدينة ومن حولها، كان مشركو مكة يعدون العدة لموقعة تالية. وخلال سنة تحققت للمسلمين في المدينة عوامل أمن خارجية وداخلية فقبائل غطفان وسليم التي كانت تعد لمهاجمة المسلمين بلغها انتصارالمسلمين في بدر وتحركهم بعد ذلك لضربها، فخافت وتركت ديارها وخلفت غنائم كثيرة للمسلمين، كما أجلي بنو قينقاع إحدى قبائل اليهود لكيدهم بالمسلمين وعدوانيتهم.



غزوة أحد

في شوال سنة ثلاث للهجرة خرجت قريش بثلاثة آلاف مقاتل ومائتي فارس للانتقام من المسلمين وبلغ الخبر رسول الله e فاستشار الصحابة فأشار بعضهم باستدراجهم إلى المدينة وضربهم في شوارعها، خاصة وأن أهل المدينة أعرف بشوارعهم، ولهم خبرة بحرب المدن اكتسبوها من الحرب الطويلة بين الأوس والخزرج ومال رسول اللهe إلى هذا الرأي ولكن عدداً آخر من الصحابة المتحمسين للجهاد طلبوا مواجهتهم خارج المدينة وألحوا في طلبهم فاستجاب لهم رسول الله e، وخرج بالمسلمين إلى أحد وفي الطريق نكص رأس المنافقين عبد الله بن أبي بن سلول و ثلاثمائة من أتباعه وعادوا إلى المدينة وتابع المسلمون سيرهم إلى أحد ونزلوا في موقع بين جبل أحد وجبل صغير قربه يسمى جبل عينين، ووضع الرسولe الرماة على جبل عينين وأمرهم أن لا يغادروا مواقعهم حتى يأمرهم بذلك مهما كانت نتيجة المعركة، وصف الباقين في مواجهة المشركين وبدأت المعركة فحاول فرسان المشركين بقيادة خالد بن الوليد اختراق صفوف المسلمين من ميسرتهم فصدهم الرماة، وهجم المشاة والتحم الفريقان وقتل عشرة من حملة لواء المشركين، وسقط لواؤهم ودب الذعر في صفوفهم وبدؤوا في الهرب، وتبعهم بعض المسلمين فاضطربت صفوفهم، ورأى الرماة هرب المشركين فظنوا أن المعركة حسمت لصالح المسلمين فترك معظمهم مواقعهم، ونزلوا يتعقبون المشركين ويجمعون الغنائم ولم يلتفتوا لتحذيرات قائدهم، واستغل خالد بن الوليد هذه الحال فالتف بفرسانه من خلف أحد وفاجأ بقية الرماة على الجبل فقتلهم وهاجم المسلمين من خلفهم، وعاد إليه الهاربون من المشركين فتغيرت موازين المعركة، وانسحب رسول الله e بمجموعة من الصحابة الذين التفوا حوله إلى قسم من جبل أحد وحاول المشركون الوصول إليه ففشلوا ويئسوا من تحقيق نتيجة أفضل فأوقفوا القتال وركبوا إبلهم وانسحبوا عائدين إلى مكة متوعدين بوقعة أخرى. وتجمع المسلمون فدفنوا شهداءهم وبلغ عددهم سبعين، فيهم حمزة بن عبدالمطلب عم رسول الله e، ـ وقد مثلت بجثته هند بنت عتبة ـ ومصعب بن عمير وآخرون.



ما بعد المعركة

رأى رسول الله e أن نتيجة معركة أحد قد تجعل أعداء المسلمين من اليهود والمشركين والمنافقين يستهينون بهم فقرر إظهار قوة المسلمين وبأسهم، فأمر في صبيحة اليوم الثاني كل من حضر المعركة أن يخرج معه لمطاردة المشركين، فخرجوا وكان المشركون بعد أن ساروا شوطاً فرحين بما حققوه في المعركة قد توقفوا، وندموا لأنهم لم يهاجموا المدينة ويستأصلوا المسلمين، وهموا بالعودة. فلما بلغهم خروج المسلمين لمطاردتهم خافوا أن يكون المسلمون قد ازداد عددهم فيبطشوا بهم، فأسرعوا السير إلى مكة، ومضى المسلمون حتى وصلوا حمراء الأسد، وبلغهم فرار المشركين، فمكثوا ثلاثة أيام، ثم عادوا إلى المدينة وهم أقوى عزيمة على الجهاد.



استمرت الحياة في المدينة المنورة في خطين متوازيين:

الخط الأول: خط الدعوة وتعميق الإيمان في قلوب المسلمين، وكان يتمثل في تجمع الصحابة حول رسول الله e يأخذون منه شرائع دينهم ويتعلمون السلوك الإسلامي ويدعون من لم يسلم بعد من أهل المدينة وما حولها إلى الإسلام.

الخط الثاني: مواجهة خصوم الإسلام والمسلمين في غزوات وسرايا يجاهد فيها المسلمون ما وسعهم الجهاد سواء في ضواحي المدينة أو في مناطق بعيدة تتجمع فيها قبائل تهدد المسلمين، ونتيجة لذلك تخلصت المدينة من ثاني قبيلة يهودية هم بنو النضير، الذين نقضوا العهد مع المسلمين وحاولوا اغتيال رسول الله e فحاصرهم المسلمون ثم أجلوهم إلى بلاد الشام. وخرجت غزوات وسرايا إلى مناطق في الحجاز ونجد ودومة الجندل فضربت بعض القبائل التي كانت تعد للهجوم على المسلمين، وعلمت بعضها بتوجه المسلمين إليها فهربت قبل وصولهم. وفي السنة الخامسة شهدت المدينة أكبر حدث عسكري في هذا العهد هو غزوة الخندق.

المستعار
22-07-2002, 11:09 PM
غزوة الخندق

لم تستطع قريش حماية تجارتها الخارجية رغم ماحدث في غزوة أحد، فقد واصل المسلمون غاراتهم على قوافلها وهددوا طرقها من جميع الاتجاهات لذا قرر زعماء قريش القضاء على المسلمين نهائياً وشجعهم على ذلك نفر من بني النضير الذين أجلاهم المسلمون عن المدينة منهم (سلام بن مشكم وحيي بن أخطب) واستنهضوا القبائل الحليفة وحثوهم على المشاركة في الهجوم وتعهدوا بدفع نصف ثمر خيبر لقبيلة غطفان مقابل مشاركتها قريشاً في القتال ووعدوهم بتأليب بني قريظة على المسلمين وتجمعت حشودهم التي بلغت عشرة آلاف مقاتل، ثم تحركت إلى المدينة في شعبان سنة خمس للهجرة / شباط (فبراير) سنة 627 للميلاد. فبلغ الخبر رسول الله e فاستشار أصحابه، واجتمع الرأي على التحصن بالمدينة وأشار سلمان الفارسي t بحفر الخندق في المنطقة التي يمكن أن يدخل الجيش منها إلى المدينة، وتجمع المسلمون وكان عددهم ثلاثة آلاف مقاتل. وشرعوا يحفرون الخندق وبلغ طوله خمسة آلاف ذراع وعرضه تسعة أذرع وعمقه ما بين سبعة إلى عشرة أذرع. ووزع رسول الله e المسلمين على منطقة الحفر، فكلف كل عشرة من المسلمين بحفر أربعين ذراعاً طولياً. وعمل معهم رسول الله e بنفسه وكان البرد شديداً والطعام قليلاً ولكن قوة الإيمان غلبت الجوع والبرد، وكان رسول الله e يشد على بطنه حجراً من شدة الجوع ويردد مع صحابته الأهازيج وأثناء ذلك حدثت عدة معجزات، منها معجزة تكثير الطعام والبشارة بفتح الشام والعراق واليمن وإخباره باستشهاد عمار بن ياسر على يد الفئة الباغية. وتم حفر الخندق في ستة أيام، وتوزع الصحابة على امتداده، ونظمت دوريات الحراسة ووصلت جموع الأحزاب ففوجئوا بالخندق وعسكروا خلفه وحاول بعض فرسان المشركين اقتحام الخندق وكان المسلمون لهم بالمرصاد. وكرروا المحاولة في جمع كبير فدار قتال طويل شغل المسلمين عن أداء صلاة العصر في وقتها.

وبعد أيام من بدء الحصار نقض يهود بني قريظة العهد فسيّر رسول الله e الدوريات لإشعارهم بوجود جيش المسلمين وليمنعهم من الاعتداء على النساء والأطفال. واشتد الحصار ولم يكن هناك سوى التراشق بالنبال ومحاولات فاشلة لاقتحام الخندق، وأثناء ذلك أسلم نعيم بن مسعود الغطفاني وأخفى إسلامه واستطاع أن يوقع بين الأحزاب واليهود، ولذلك لم تخرج قريظة لقتال المسلمين واستمر الحصار أربعة وعشرين يوماً وشعر الأحزاب أنهم لن يحققوا شيئاً.

وأخيراً هبت ريح شديدة باردة عصفت بخيام المشركين وأطفأت نيرانهم وكفأت قدورهم فقرروا الرحيل وانسحبوا عائدين إلى بلادهم دون أن يحققوا شيئاً. وقد نزل في هذه الغزوة قوله تعالى (ياأيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم جنود فأرسلنا عليهم ريحاً وجنوداً لم تروها وكان الله بما تعملون بصيراً... الأحزاب آية 9) وقوله عز وجل (ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيراً وكفى الله المؤمنين القتال وكان الله قوياً عزيزاً... الأحزاب الآية 25)واستشهد في هذه الغزوة ثمانية من المسلمين وقتل من المشركين أربعة. وكانت آخر مرة يهاجم فيها المشركون المدينة فقد انقلبت موازين القوى وتحقق قوله e بعد انسحاب الأحزاب مباشرة (الآن نغزوهم ولا يغزونا) وكان من نتائج هذه الغزوة تخلص المدينة من آخر قبيلة يهودية فيها هي قبيلة بني قريظة التي حاولت الغدر بالمسلمين وهم محاصرون، فقد نزل الوحي يأمر بالتوجه إليهم وقتالهم فانتدب رسول الله e المسلمين لذلك وحاصروهم حصاراً شديداً فطلبوا أن يحكم فيهم سعد بن معاذ فحكم بقتل المقاتلين وسبي النساء والذراري، ونفذ الحكم.

أصبحت المدينة بعدها مركز قوة متنامية للإسلام، فآمن معظم أهلها، ومن لم يؤمن أظهر الإيمان نفاقاً وخوفا.ً



غزوة الحديبية

في العام السادس للهجرة خرج رسول الله e ومعه 1600 من المسلمين لأداء العمرة وحاولت قريش منعهم ثم عقدت معهم صلح الحديبية الذي أوقف الحرب وأتاح للمسلمين فرصة الحركة والدعوة بين القبائل وخارج الجزيرة العربية، كما أتاح لهم مواجهة بقية القبائل المعادية دون أن تتدخل قريش وحلفاؤها، واستطاع المسلمون أن يمدوا سلطانهم شمالي المدينة إلى خيبر ووادي القرى، ففتحوا خيبر، وغنموا منها الكثير، وصالحوا أهلها على أن يبقوا فيها، ويعملوا في الأرض بالمشاركة، وللمسلمين إخراجهم في أي وقت، ووادعت المسلمين بقية قبائل المنطقة.



ماقبل الفتح

ازداد عدد المسلمين في المدينة فقد أسلم كل أهلها تقريباً، وهاجر إليها آخرون من مكة ومناطق أخرى ولم يعد المسجد النبوي يتسع للمصلين فأمر رسول الله e بزيادة مساحته، فأضيفت إليه أرض مجاورة وامتد العمران ليستوعب الأعداد الجديدة وازدهرت الحياة وتواصل خروج الدعاة والسرايا لنشر الإسلام وتأديب خصومه الذين يقفون في طريق الدعوة أو يعدون للعدوان على المسلمين وكانت معظم السرايا تنجح في مهمتها، فتدخل القبائل في الإسلام أو تهرب أو تصاب بضربة موجعة. وكانت في بعضها تخسر الشهداء كما حدث في غزوة مؤتة حيث سقط عدد من الشهداء قبل أن ينسحب خالد بن الوليد بالمسلمين ولكن الحصيلة العامة كانت لصالح الإسلام والمسلمين، فكانت قوتهم تتعاظم وحياتهم في المدينة تترسخ في ظلال الشريعة، والوحي يتنزل على رسول الله e ينظم لهم أمور دينهم.



فتح مكة

في السنة الثامنة للهجرة تحقق أكبر فتح للمسلمين وهو فتح مكة المعقل الأكبر للشرك آنئذ. فقد نقضت قريش الصلح الذي عقدته مع المسلمين في الحديبية، ونصرت بعض أحلافها على أحلاف المسلمين، فخرج إليهم رسول الله e بعشرة آلاف من المسلمين، وحاول بعض زعماء مكة تجنب المواجهة دون جدوى، فقد خرج أبو سفيان إلى المدينة قبل أن يتحرك منها الجيش ليعتذر عما وقع ويؤكد الصلح، ولكنه أخفق في مسعاه، وخرج ثانية عندما اقترب الجيش من مكة، ولم يستطع أن يفعل شيئاً، فأسلم وعاد إلى مكة ليحذر قريشاً من مقاومة المسلمين، وليطلب منهم أن يستكينوا ويلزموا بيوتهم أو المسجد الحرام فيأمنوا على أنفسهم، ووصل الجيش إلى مكة، وحدثت مواجهة محدودة بين القوة التي يقودها خالد بن الوليد وبعض المكيين، وفتحت مكة وأزيلت الأصنام وارتفع الأذان فوق الكعبة، وعفا رسول الله e عن أهل مكة، ودخلت أعداد كبيرة منهم في الإسلام، وخرجت السرايا لتهدم بقية أصنام الجزيرة العربية، وتابع المسلمون طريقهم شرقاً وانضم إليهم كثيرون ممن أسلموا خلال الفتح أو بعده، وواجهوا قبيلة هوازن في معركة حنين، وهزموها، ثم حاصروا الطائف لبعض الوقت وعادوا إلى المدينة وقد انتشرت كلمة التوحيد في معظم أرجاء الجزيرة العربية.



وفود القبائل من أنحاء الجزيرة إلى المدينة

أصبحت المدينة بعد فتح مكة مركزاً يستقطب القبائل واستقبلت الوفود المتوالية من أنحاء الجزيرة العربية كلها تعلن إسلامها طوعاً، وخرجت سرايا الدعوة إلى تبوك ودومة الجندل واليمن فنشرت الإسلام فيها، وبلغت المدينة بدءاً من السنة التاسعة للهجرة أقصى درجات اتساعها وازدهارها في العهد النبوي.



حجة الوداع

في السنة العاشرة للهجرة خرج رسول الله e إلى الحج وصحبه آلاف المسلمين من المدينة وما حولها وحجوا معه حجة الوداع واستمعوا لتوجيهاته e وهو يودعهم ويستأمنهم على الدين الحنيف. وكان مما قاله في خطبته:

ـ إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا.

ـ اتقوا الله في النساء فإنكم أخذتموهن بأمانة الله.

ـ تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبداً كتاب الله وسنتي.



إلى الرفيق الأعلى

عاد رسول الله e من الحج وأمر بتجهيز جيش إلى الشام بقيادة أسامة بن زيد وقبل خروج الجيش أصابه المرض ثم اشتد عليه فأمر أبا بكر بأن يؤم الناس في الصلاة وما لبث أن لحق بالرفيق الأعلى وذلك في ربيع الأول سنة إحدى عشرة للهجرة وبوفاته انتهت أزهى مرحلة من حياة المدينة مرحلة النبوة التي صارت فيها عاصمة للدولة الإسلامية الناشئة ومركز التوجيه النبوي للمجتمع المسلم، وحملت بفضلها تراثاً عظيماً يبقى إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها مرجعاً للمسلمين، واكتسبت مكانة عظيمة في قلب كل مسلم إلى يوم الدين.

-------------------

للتوسع:

ـ السيرة النبوية لابن هشام ج/ 2-3-4

ـ تاريخ الإسلام للذهبي المجلد الأول والثاني

ـ البداية والنهاية ج/3-4-5

المستعار
22-07-2002, 11:10 PM
العهد الراشدي

العهد الراشدي

المدينة في خلافة أبي بكر

(( 11 ـ 13هـ ))

كانت المدينة المنورة في معظم هذا العهد عاصمة الدولة الإسلامية المتنامية ومركز توجيه الفتوحات ونشر الإسلام في الأمصار، ومركز الحركة السياسية والنشاط الاقتصادي.

تولى أبو بكر الصديق الخلافة بعد مداولات بين المهاجرين والأنصار جرت في سقيفة بني ساعدة، فبعث جيش أسامة بن زيد الذي أمر رسول الله e بتجهيزه قبل وفاته إلى أطراف الشام، وامتنعت بعض القبائل التي لم يتمكن منها الإسلام بعد عن دفع الزكاة وارتدت بعض القبائل وادعى بعض الأفراد النبوة، وجمعوا حولهم أنصارهم، واقتربت قبائل أخرى من المدينة طمعاً ببعض المغانم، واجتهد أبو بكر t في تثبيت الأمن في المدينة، وقاد بنفسه حملات سريعة لإبعاد الطامعين وتأمين المدينة.

ولما عاد جيش أسامة بالنصر والغنائم جهز حملات أخرى لتأديب مانعي الزكاة وقتال المرتدين والمتنبئين، وصارت المدينة منطلقاً لحملات نشطة استطاعت أن تعيد الأمن والطمأنينة إلى الجزيرة العربية، ثم تحولت إلى حركة فتوحات في الشام والعراق. وانخرط كثير من أهل المدينة في الجهاد واستشهد عدد كبير منهم معظمهم من حفظة القرآن، فأمر أبو بكر بجمع القرآن في مصحف موحد فجمع. ووردت إلى المدينة الغنائم والسبايا، وأعتق الكثير منهن الإسلام وتزوجن، لينشأ جيل جديد تتعدد دماؤه انصهر في مجتمع المدينة. وتوفي أبو بكر في 22 جمادى الآخرة عام 13 هـ والمدينة عاصمة لمنطقة واسعة تشمل الجزيرة العربية كلها وجنوب بلاد الشام.



المدينة في خلافة عمر بن الخطاب

(( 13 ـ 24 هـ ))

تولى عمر بن الخطاب الخلافة سنة 13 للهجرة، وكان إدارياً حازماً صاحب اجتهاد وفراسة، فانتدب الناس للجهاد وتوسيع الفتوحات في بلاد الشام وفارس وفتحها الله في عهده ووردت الأموال الكثيرة إلى المدينة فأحدث عمر ديواناً للعطاء فرض فيه لكل مولود مسلم راتباً سنوياً يأخذه طوال عمره، وأحدث دواوين الجند والبريد، وحرص على تفقد أمور الرعية بنفسه، فكان يخرج في الليل والنهار ويطوف في الأسواق والشوارع ويتتبع أحوال الناس باهتمام بالغ، فعاشت المدينة سنوات من الطمأنينة والرخاء والازدهار وهاجر إليها كثيرون واتسع العمران، وضاق المسجد النبوي بالمصلين فأضاف إليه عمر أرضاً من الدور المجاورة ووسعه. وفي سنة 18 هـ أحدث القحط مجاعة في المنطقة وزحفت القبائل إلى أطراف المدينة تستغيث فخصص لها عمر ما يكفي من الطعام وأقام الموائد الجماعية وكتب إلى الأمصار يطلب النجدة، وكان يطوف بنفسه على البيوت والخيام ويراقب توزيع الطعام وهو جائع لا يأكل حتى يأكل الآخرون، ثم جمع الناس وعلى رأسهم العباس عم رسول الله e وصلى بهم صلاة الاستسقاء فكشف الله الغمة وهطلت الأمطار ووصلت النجدات من الأمصار كما وصلت غنائم الفتوحات وخاصة كنوز كسرى وحاشيته فوزعها عمر على الناس، ونفذ عمر وصية رسول الله e بإخراج غير المسلمين من جزيرة العرب، وصفت المدينة وبقية الجزيرة للمسلمين، وانتشر العدل والرخاء وطلب عمر من الله أن يرزقه الشهادة في المدينة، فاستجاب له، وطعنه أبو لؤلؤة المجوسي الحاقد على الإسلام والمسلمين وهو في صلاة الفجر فتوفي بعد ثلاثة أيام في أول المحرم سنة 24 هـ.



المدينة في خلافة عثمان بن عفان

(( 24 ـ 35 هـ ))

تولى عثمان بن عفان t الخلافة بعد استشهاد عمر بن الخطاب t في محرم سنة 24 للهجرة، وكان في السبعين من عمره، غنياً وديعاً ليناً. عاشت المدينة ـ والبلاد الإسلامية الأخرى ـ ست سنوات من خلافته في سعة وطمأنينة، وكتائب الجهاد تفتح البلاد والخيرات تفد على المدينة والناس يشتغلون بالعلم وبأمور حياتهم اليومية وتتسع المدينة فتصل إلى جبل سلع والقبلتين وقباء ويبدأ البناء على وادي العقيق ويتفقد عثمان أحوال السوق بنفسه.

وفي عام 29 هـ جدد عمارة المسجد النبوي فبناه بالحجارة المنقوشة ووسعه، وفي عام 30 هـ كلف بعض الصحابة بتدقيق المصحف وفق النسخة التي جمعت في عهد أبي بكر وكتبت نسخة موحدة مدققة وأرسلت نسخ منها للأمصار، ومضت السنوات الست في حياة أهل المدينة هادئة وادعة وعثمان يسع الناس بحلمه في أمورهم الدنيوية ويقف بالمرصاد لأي انتهاك للحرمات ويقيم الحدود، وانتشر الثراء بين عدد من أهل المدينة.



الفتنة الكبرى

في عام 32 هـ بدأت خيوط الفتنة على يد يهودي ادعى الإسلام هو عبد الله بن سبأ، استغل الرخاء وحلم الخليفة وبدأ ينسج الشائعات المثيرة حوله، فكُشِفَ أمره وطُرِد من المدينة فخرج إلى الكوفة، ثم البصرة ثم مصر يحرض بمكر شديد على الخليفة وأمرائه ويدعو للثورة عليهم ونجح في استثارة عدد من الناس، فتكاتبوا وتجمعوا في المدينة قبل الحج عام 35 هـ وعاملهم الخليفة بحلمه الواسع أول الأمر فحاورهم ودحض الافتراءات التي استثارتهم، فخرجوا من المدينة، لكنهم ما لبثوا أن عادوا إليها وحاصروا الخليفة في بيته وزعموا أنهم اكتشفوا رسالة من الخليفة إلى والي مصر تأمر بقتلهم، ولم يكن لعثمان جيش أو شرطة قادرة على مقاومتهم، فانتشروا في المدينة وأخذوا يتصرفون في أمورها. وبلغهم أن جيشاً قادماً من الشام لنصرة الخليفة فاقتحموا على عثمان بيته وحاول الشباب من أبناء الصحابة حمايته، لكن أصحاب الفتنة تغلبوا عليهم وقتلوا عثمان وهو يقرأ القرآن. فكان قتله أكبر فاجعة تسوقها الفتنة وعم الاضطراب أنحاء المدينة، وحاول زعماء الفتنة إقناع علي وطلحة والزبير بتولي الخلافة فرفضوا. وبعد ثمانية أيام من الإلحاح والفوضى رأى علي t أن يتدارك الأمر قبل أن يستفحل فقبل تولي الخلافة ليعالج الموقف بحكمة.





المدينة في خلافة علي بن أبي طالب

(( 36 ـ 40 هـ ))

تولى علي بن أبي طالب t الخلافة سنة 36 للهجرة بعد استشهاد الخليفة الثالث عثمان بن عفان t، وكان همه الأول إعادة الأمن والطمأنينة إلى المدينة والقضاء علي جذور الفتنة فيها، ثم في الأمصار التي انطلقت منها، واستطاع إخراج المتآمرين منها، وأبعد الأعراب الذين حاولوا أن يستغلوا ظروف الفتنة فزحفوا إلى ضواحي المدينة وانتظم الأمن، وبدأ بمعالجة شؤون الأمصار فعزل الولاة الذين ثارت حولهم الشائعات واستغلها أصحاب الفتنة وأرسل ولاة آخرين. ولكن الفتنة انتقلت من المدينة إلى خارجها، فقد طالب بعض الصحابة ـ وعلى رأسهم السيدة عائشة رضي الله عنها ـ بالقصاص من القتلة وكانت قد خرجت من المدينة للحج قبل استشهاد عثمان، فلما بلغها استشهاده توجهت إلى العراق مع جمع من الصحابة، ورفض معاوية بيعة علي ورد واليه على الشام ورفع شعار الثأر لعثمان، فاضطر علي للخروج بمن تطوع معه لوقف انتشار الفتنة وتوجه للجمع الذي رافق السيدة عائشة رضي الله عنها لإقناعهم بالعودة إلى المدينة، ولكن بعضهم استطاع أن يثير القتال بين رجال علي والجماعة المحيطة بالسيدة عائشة، وقتل عدد من الصحابة حول الجمل الذي كانت تركبه السيدة عائشة، واستطاع علي ورجاله أن يضبطوا الأمور وينهوا القتال، وعادت السيدة عائشة ومرافقوها إلى المدينة معززة مكرمة، ولكن علياً وجيشه لم يعودوا بل توجهوا إلى الكوفة ونزلوا فيها يعدون لمواجهة الخلاف مع معاوية، واستخلف على المدينة سهل بن حنيف الأنصاري فبدأ الهدوء يخيم على الحياة في المدينة وبدأت تبتعد عن الأحداث الكبيرة التي تجري في العراق والشام، ولكن عدداً من أبنائها كانوا مع علي t في الكوفة وفي صفين وفي التحكيم بينه وبين معاوية. وتوقف النزوح إليها وباستثناء من بقي من أهلها والوافدين لزيارة المسجد النبوي لم يعد يقصد المدينة أحد، وتقلص عدد سكانها وتقلصت الحركة الاقتصادية فيها تبعاً لذلك.

وفي عام 38 هـ توفي سهل بن حنيف أمير المدينة فولى علي أبا أيوب الأنصاري، وكان متقدماً في السن وديعاً فحافظ على سيرة خلفه، وقل عدد القوافل القادمة فازداد الاهتمام بالزراعة لتأمين الحاجة الأولية للغذاء، وعندما شغل علي بقتال الخوارج في العراق أرسل معاوية جيشاً إلى المدينة بقيادة بسر بن أرطأة فتركها أبو أيوب ودخل الجيش سلماً وأخذ البيعة لمعاوية ولكن بسر بن أرطأة نقض الأمان لمن اتهموا بمظاهرة الخارجين على عثمان وقتل من وصل إليهم وهدم دورهم. ثم خرج من المدينة بجيشه واستخلف عليها أبا هريرة فعاد أبو هريرة بالناس إلى حياة الطمأنينة ودروس المسجد النبوي، وابتعد بالناس عن الفتنة. ثم جاء جيش لعلي بن أبي طالب بقيادة جارية بن قدامة. فترك أبو هريرة المدينة. ووصل جارية مع وصول خبر استشهاد علي بن أبي طالب في الكوفة فأخذ البيعة لابنه الحسن بن علي ثم خرج ليلحق بالحسن وعاد أبو هريرة فأحسن الناس استقباله، وواصل سيرته القويمة فيهم، وعاش أهل المدينة تلك الفترة حياتهم بين مشاغلهم اليومية، وحلقات العلم في المسجد النبوي. وما لبثت الفتنة أن خمدت عندما تنازل الحسن بن علي عن الخلافة لمعاوية، وعاد بمن معه من أهل المدينة إليها، وتحولت المدينة إلى مدينة هادئة، وصارت إمارة من إمارات الدولة الأموية الجديدة.

---------------------

للتوسع:

تاريخ الإسلام للذهبي المجلد الثالث.

البداية والنهاية ج/6-7

المستعار
22-07-2002, 11:11 PM
المرحلة الأولى من العهد الأموي

(( 41 ـ 64 هـ ))

بدأ العهد الأموي في المدينة سنة 41هـ عندما ألف الله بين المسلمين، فتنازل الحسن بن علي عن الخلافة لمعاوية، وأخذ معاوية البيعة من أهل المدينة وانتقل مركز الخلافة إلى دمشق وأصبحت المدينة إمارة أموية، وعاد إليها أهلها الذين تركوها أيام الحرب بين علي ومعاوية وسكنت النفوس. وزار معاوية المدينة ووزع الأعطيات على وجوه أهلها يتألفهم بها وأحسن إلى الهاشميين وعين مروان بن الحكم أميراً عليها، فقد اهتم مروان بأمورها ومرافقها وأجرى فيها العين الزرقاء لسقاية أهلها وبعض بساتينها وانتعشت الزراعة والتجارة، وظل معاوية حريصاً على تألف وجوه أهل المدينة بالعطاء وخاصة الهاشميين.

وفي عام 49هـ عزل مروان وتولى سعيد بن العاص واستمرت ولايته خمس سنوات استمر فيها الهدوء والأمن، فقد كان لين الجانب للناس، ولما بدأ معاوية بأخذ البيعة ليزيد ليكون الخليفة من بعده غضب مروان بن الحكم، فاسترضاه معاوية وأعاده إلى إمارة المدينة سنة 54هـ، ووعده أن يكون ولي عهد يزيد، وبدأ مروان يأخذ البيعة ليزيد وجاء معاوية للمدينة واستطاع بدهائه أن يأخذها من أهل مكة والمدينة خاصة المعارضين له: الحسين بن علي وعبد الله بن الزبير وعبد الرحمن بن أبي بكر وعبد الله بن عمر، ولكن معاوية أوقف الأعطيات عن المدينة واشتد مروان قليلاً على الناس وأنشأ مزارع لحسابه وحساب معاوية فضاق الناس به فعزله معاوية ثانية وولى الوليد بن عتبة بن أبي سفيان.

وعندما توفي معاوية سنة 60هـ انتهت مرحلة من الاستقرار والطمأنينة استطاع خلالها الخليفة أن يجمع شمل المسلمين ويوجه جهودهم إلى الفتوحات الإسلامية وبدأت مرحلة من الاضطرابات فقد بايع أهل المدينة ليزيد إلا الحسين بن علي وعبد الله بن الزبير وقلة معهم خرجوا إلى مكة مهددين بالانشقاق ولم يستطع أمير المدينة الوليد بن عتبة أخذ البيعة منهم فغضب عليه يزيد وعزله، وعين عمرو بن سعيد الأشدق، وكان شديداً فجعل على شرطته عمرو بن الزبير الذي قسا على كل من ظن أنه يميل للحسين بن علي أو أخيه عبد الله بن الزبير، وعذب الكثيرين ثم خرج على رأس جيش من (700) رجل لقتال أخيه عبد الله في مكة فكانت نهايته واقتص منه عبد الله لما فعله بأهل المدينة، فعزل يزيد (الأشدق) وأعاد الوليد بن عتبة ثانية.

وجاءت الأخبار إلى المدينة باستشهاد الحسين بن علي وكل رجاله في كربلاء فضج أهل المدينة بالبكاء على ابن بنت رسول اللهe ونقم بعضهم على الأمويين وأصبحوا مهيئين لخلع طاعتهم، وعزل يزيد أمير المدينة (الوليد بن عتبة) الذي لم يحسن التعامل مع ابن الزبير في مكة وولى عثمان بن محمد بن أبي سفيان وكان ليناً لا يعرف شيئاً عن شؤون الإمارة، وانتشرت الشائعات حول الخليفة يزيد تتهمه بالفسق وشرب الخمر واللهو بالصيد، ولم يتحقق أهل المدينة من صحة تلك الشائعات.

ووقعت حادثة دفعت بعض أهل المدينة إلى خلع طاعة الأمويين فقد كانت في المدينة ضائقة لقلة الغلال وتأخر القوافل وحاول الموكل على مزارع معاوية في المدينة أن يخرج الغلال منها ويرسلها إلى الشام فمنعه بعضهم وطلب الموكل بالمزارع حمايته من الأمير فأرسل إليه بعض شرطة الإمارة فاصطدم الناس بهم وطردوهم جميعاً وأعلنوا خلع الطاعة للأمويين وطردوا الأمير عثمان وبايعوا عبد الله بن حنظلة الغسيل وعبد الله بن مطيع.

وبدأت الفتنة تشتد وأحس العقلاء بخطأ الاندفاع وراءها ورفضوا المشاركة فيها وفي مقدمتهم علي بن الحسين زين العابدين وعبد الله بن عمر ووافق هذه الثورة في المدينة اشتعال ثورة عبد الله بن الزبير في مكة فاشتد الأمر على يزيد وخشي أن تتمزق أوصال الدولة الإسلامية إذا بقي أهل الحرمين ثائرين عليه فأرسل النعمان بن بشير يفاوض أهل المدينة على العودة للطاعة مع عهد الأمان والعطاء وما يريدونه وفشلت المفاوضات فأرسل يزيد جيشاً لإخماد الفتنة في المدينة ومكة بقيادة مسلم بن عقبة 63هـ فيه حوالي 12 ألف مقاتل وتفاقمت الأمور في المدينة عندما بلغهم الخبر وطرد الثائرون جميع الأمويين المقيمين فيها وأخذوا في تحصين المدينة والإعداد لمعركة لايعلم مداها إلا الله وأعيد حفر الخندق.

وصل الجيش في 25 من ذي الحجة 63هـ وطلب من أهل المدينة العودة للطاعة باذلاً الأمان والعطاء، وأمهلهم ثلاثة أيام ولكن دون جدوى، فاشتعلت المعركة واقتحم الجيش المدينة من الحرة الشرقية، وقتل قادة الثائرين وأعداداً كبيرة من أبناء المهاجرين والأنصار ونهب الجنود المدينة ثلاثة أيام وأذل مسلم بن عقبة الكثيرين منهم وطلب منهم بيعة ذليلة وقتل من تردد في إعطائها، وهكذا قاست المدينة أفظع موقعة دموية في تاريخها سميت موقعة الحرة خسرت فيها المئات من أبنائها واستبيحت أموالها وأذل الكثيرون من أهلها.

حاول يزيد أن يمسح جراح وقعة الحرة فأرسل الأعطيات والطعام لجميع أهل المدينة، وتولى روح بن زنباع إمارتها ولكن وفاة يزيد لم تتح المجال لمزيد من الإصلاح فقد عادت جيوشه إلى الشام، وأعلن عبد الله بن الزبير نفسه خليفة في مكة وبايعه أهل المدينة فبدأت مرحلة جديدة في حياتها السياسية، وتولى إمارتها أخوه عبيد الله بن الزبير وتولى مروان الخلافة تسعة أشهر ثم مات دون إحكام قبضته على الحجاز، والذي سعى لإعادة المدينة بقيادة حبيش بن دلجة.

-------------------

للتوسع:

البداية والنهاية ج8/18 - 2

المستعار
22-07-2002, 11:12 PM
المدينة في خلافة ابن الزبير

(( 64 ـ 72 هـ ))

عاشت المدينة ثماني سنوات تابعة لعبد الله بن الزبير الذي أعلن نفسه خليفة في مكة، وتبعته بعض الأمصار الإسلامية، وكاد أن يستقر له الأمر لولا انتزعه عبد الملك بن مروان.

وخلال هذه المدة تولى إمارة المدينة عدد من أنصار عبد الله بن الزبير، وحدثت معارك بينهم وبين أنصار الأمويين خارج المدينة وانسحب بعضهم منها لبعض الوقت ودخلها جيش الأمويين وانسحب منها أيضاً، لذلك فإن الاستقرار السياسي في هذه الفترة لم يكن كاملاً. وبالمقابل فإن أهل المدينة لم يصبهم عنف الصراع وجراحاته، ولكن أصابهم الضيق من الصراع الدائر حولهم من دفع الخراج والنفقات لهذا الطرف حيناً ولذلك الطرف حيناً آخر، وحرمانهم من العطاءات واضطراب التجارة بسبب الفتن.

وقد تولى إمارة المدينة خلال هذه الفترة كل من عبيد الله بن الزبير شقيق عبد الله بن الزبير وفي عهده جاء الجيش الأموي إلى المدينة بقيادة حبيش بن دلجة ولم يكن فيها جيش قادر على مواجهته فانسحب عبيد الله برجاله وأنقذ المدينة من صراع دام فدخلها ابن دلجة ولم يحسن معاملة أهلها، ثم خرج مطارداً من جيش ابن الزبير الذي جاء من مكة، وحاصر الجيش المدينة فقتل وشتت أصحاب ابن دلجة.

ثم تولى مصعب بن الزبير إمارة المدينة، فأحسن إلى أهلها، وخفف عنهم الخراج وتزوج سكينة بنت الحسين، ومالبث أن ترك المدينة وتوجه إلى العراق للقضاء على فتنة المختار الثقفي، وتولى عبد الرحمن بن الأشعث الإمارة وكان شديداً وخشي أن ينقض أهل المدينة البيعة، فأخذها منهم بشيء من القسوة، وضرب التابعي الجليل سعيد بن المسيب لأنه رفض المبايعة، وعلم ابن الزبير بذلك فعزله وولى جابر بن الأسود بن عوف، الذي أحسن إلى الناس ولكن سياسة ابن الزبير لم تنجح في شد أهل المدينة إليه فقلة موارده الاقتصادية، وتورعه في توزيع أموال بيت المال على الناس وحاجة جيوشه إلى المال لمواجهة جيوش عبد الملك بن مروان جعلت أمراءه لايوزعون الأعطيات، وعلى العكس من ذلك يستوفون الخراج، وصادف عهده جفاف وقحط، لذلك تضايق الكثيرون، ومالبثت خلافته أن ضعفت باستيلاء جيوش عبد الملك على العراق وقتل أخيه مصعب ثم زحف إلى الجزيرة العربية وأحس ابن الزبير فغير بعض أمرائه، وعزل جابر بن الأسود عن المدينة وولى طلحة بن عبد الله بن عوف فكان آخر أمرائه عليها، وما لبث أن جاء جيش الأمويين بقيادة طارق بن عمرو مولى عثمان بن عفان قديماً، ولم يكن لدى طلحة جيش قادر على المقاومة فانسحب من المدينة برجاله ودخلها طارق سلماً، وكان كريماً في معاملته مع أهلها، وتولى إمارتها، فدخلت المدينة سلطة المروانيين من بني أمية.

----------------------

للتوسع:

البداية والنهاية ج8/242 - 3

المستعار
22-07-2002, 11:12 PM
المدينة في المرحلة الثانية من العهد الأموي

((70 ـ 132 هـ ))

امتد هذا العهد ستة عقود وانتهى بنهاية الدولة الأموية عام 132هـ، وتميز بالاستقرار والطمأنينة، توالى فيها أمراء؛ بعضهم لين الجانب يحسن معاملة أهل المدينة ويكرمهم، وبعضهم يشتد عليهم، وبخاصة على الهاشميين من أحفاد الحسن والحسين، و الزبيريين من أحفاد عبد الله بن الزبير، خشية ثورتهم أو تأليب الناس على الأمويين، لكن المدينة التي آلمتها وقعة الحرة من قبل، وأزعجها فترة الصراع بين ابن الزبير والأمويين لم تعد تعبأ بأمور السياسة والحكم، واشتغل معظم الناس فيها بالعلم والزراعة والتجارة، واستغرقتهم أمور حياتهم اليومية، وغالباً ما كان الأمراء الذين يشتدون عليها يعزلون ويعاقبون أو ينتهون نهاية سيئة.

بدأت الفترة هذه بإمارة طارق بن عمرو سنتين هادئتين، ثم عين الحجاج أميراً على الحجاز واتخذ مقره في المدينة، فقاسى أهلها عامين كاملين من شدته، وقد آذى بعض الصحابة أمثال أنس بن مالك، وسهل بن سعد، وجابر بن عبد الله، بحجة أنهم لم ينصروا الخليفة عثمان أيام الفتنة، ولم تحظ المدينة بأي عطاء أو أموال من عائدات الفتوح، وانحصر العطاء فيمن يقصد الخليفة في الشام وكانوا قلة، ونقل الحجاج عام 75هـ، إلى العراق ليواجه الخوارج وتولى إمارة المدينة يحيى بن الحكم عم الخليفة عبد الملك ثم أبان بن عثمان بن عفان الذي تولى الإمارة خمس سنوات، واهتم بالحركة العلمية وكان من العلماء فهو أول من ألف في السيرة النبوية، ونعمت المدينة بالاستقرار والرخاء.

ثم تلاه هشام بن إسماعيل، وكان شديداً تأذى منه الهاشميون، والتابعي الجليل سعيد بن المسيب.. وعاشت المدينة أزهى فترات العهد الأموي في إمارة عمر بن عبد العزيز 86 – 93هـ فقد عمها العدل والرخاء، وتضاعفت مجالس العلم لاهتمام عمر بالعلماء وتقديمهم وجعلهم مستشارين؛ وفي عهده كان تجديد المسجد النبوي بأمر الخليفة الوليد بن عبد الملك واستغرق البناء ثلاث سنوات وكان غاية الإتقان والإبداع وعندما تم حضر الخليفة إلى المدينة وأعجب بالبناء ووزع الأعطيات على أهل المدينة وشيئاً من غنائم الفتوحات وأشركهم في الفتوحات الإسلامية فتدفقت الأموال وراجت التجارة وظلت المدينة واحة العدل والأمان حتى قصدها أهل العراق هرباً من بطش الحجاج وغيره، ولكن الحجاج اشتكى من ذلك وحذر الخليفة من المعارضين في المدينة فأراد الوليد أن يأخذ البيعة لابنه فغضب عمر بن عبد العزيز واعتزل الإمارة، وتولى الإمارة بعده عثمان بن حيان فأخذ الناس بالشدة وطرد اللاجئين إليها من العراق وراقب الداخلين والخارجين على يد الحجاج، ومرت سنوات ثلاث قاسية على أهل المدينة بعدها تولى الخلافة سليمان 96هـ فعزله وعاقبه على قسوته وعين محمد بن حزم فعادت السيرة العمرية من جديد في إمارته وظل والياً عليها طوال خلافة عمر بن عبد العزيز وتحسنت أحوال المدينة وعم الأمن والرخاء.

ولما توفي عمر بن عبد العزيز وتولى الخلافة يزيد بن عبد الملك عزل محمد بن حزم وولى عبدالرحمن بن الضحاك الذي أساء إلى أهل المدينة واستمرت إمارته ثلاث سنوات وظلم وقهر بعض الناس وأخيراً أساء إلى فاطمة بنت الحسين، وبلغ ذلك الخليفة فعزله وأوقفه ليقتص المظلومون منه وعاش بقية عمره ذليلاً فقيراً، وتولى عبد الواحد بن عبد الله النضري سنة 104هـ فأحسن إلى أهل المدينة ثم تولى مكانه إبراهيم بن هشام المخزومي سنة 105هـ الذي أساء إلى آل الزبير فشكوه للخليفة حينما قدم للحج فرفع الظلم عنهم وجند أربعة آلاف من أهل المدينة في الفتوحات الإسلامية فعادوا بالغنائم الوفيرة ولكن إبراهيم بن هشام بدأ يستثمر أمواله وبنى في مكان السوق دكاكين ومحلات يؤجرها للتجار فاغتاظ أهل المدينة منه ومالبث أن اشتد على آل الزبير وجلد يحيى بن عروة بن الزبير لأنه هجاه ببعض الشعر ومات يحيى بعد الجلد وبلغ ذلك الخليفة، فعزله وولى مكانه خالد بن عبدالملك بن الحارث، وفي عهده عانت المدينة من القحط حتى سميت فترة إمارته ( سنيات خالد ).

وفي عام 108هـ ألحقت المدينة بإمارة مكة وكان أميرها محمد بن هشام المخزومي وامتدت إمارته سبع سنوات إلى نهاية خلافة هشام بن عبد الملك وعامل الهاشميين بالإحسان بناءً على أوامر الخليفة.

وفي سنة 122هـ استمال شيعة العراق زيد بن علي بن الحسين وحرضوه على الثورة ضد الأمويين ووعدوه بالنصرة فسافر لقدره وخذلوه كما خذلوا أسلافه من قبل فقتل وأرسل رأسه إلى المدينة لتكون إرهاباً لمن تسول له نفسه الخروج على الخليفة ومات هشام بن عبد الملك سنة 125هـ وتولى الخلافة الوليد بن يزيد وعزل محمد بن هشام وهدم أهل المدينة السوق الذي بناه إبراهيم المخزومي، وتولى يوسف بن محمد الثقفي الإمارة في سنة 125هـ ثم عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز سنة 126هـ وعاشت المدينة في عهده أياماً تذكر بها عهد عمر بن عبد العزيز حتى عام 129هـ حيث استدعاه الخليفة مروان بن محمد وعين مكانه عبد الواحد بن سليمان النضري وعلى إثر توليه الإمارة شهدت المدينة حدثاً عاصفاً هو مواجهة فرقة من الخوارج بقيادة أبي حمزة الخارجي، فقد داهم أبو حمزة الناس في عرفة في موسم 129هـ وكان أمير المدينة فيها، فصانعه حتى أفاض من عرفة وسارع إلى المدينة وجهز جيشاً من أهلها على عجل وأرسله لمواجهة الخوارج ولم يكن لهذا الجيش خبرة ولا قدرة على مواجهة الخوارج، وكمن لهم الخوارج عند وادي قديد على بعد 100كم من مكة فقتلوا عدداً كبيراً منهم وفر الباقون ووصل الخوارج بعدها إلى المدينة وهرب أميرها فدخلوها دون حرب، ومكثوا فيها ثلاثة أشهر، حاولوا استمالة أهل المدينة إليهم، ولكن أهل المدينة نفروا منهم لانحرافاتهم العقدية، وأرسل الخليفة مروان بن محمد جيشاً لقتالهم فخرجوا لملاقاته وتغلب عليهم الجيش الأموي وقتل معظمهم وحفظ الله المدينة وأهلها من شرورهم.

وتولى الوليد بن عروة إمارة المدينة شهوراً قصيرة ثم تلاه أخوه يوسف بن عروة وكان آخر أمير أموي على المدينة فقد استولى العباسيون على الخلافة عام 132هـ، وأرسلوا قواتهم لتخلص الأمصار من ولاة الأمويين فترك يوسف بن عروة المدينة ليدخلها العباسيون، ولكن قبل ذلك شهدت المدينة حدثاً صغيراً سيكون له أثر كبير عليها في العهد العباسي، وهو البيعة السرية لمحمد بن عبد الله بن الحسن.

---------------------

للتوسع:

البداية والنهاية ج8- 9-10

المستعار
22-07-2002, 11:13 PM
مرحلة الارتباط بالخلافة العباسية

( 132 - 363 هـ)

تمتد هذه المرحلة من 132 هـ إلى 363 هـ عاشت المدينة المنورة خلالها فترات متعاقبة من الهدوء والاضطراب السياسي، ومن الأمن والاستقرار، والخوف والقلاقل، ومن ازدهار الحركة العلمية وإقبال طلاب العلم عليها من كل مكان، وتقلص تلك الحركة واقتصارها على أعداد قليلة من العلماء المقيمين أو المجاورين لمدة محدودة. وكان العامل المؤثر في ذلك هو قوة الخلافة ورجالها، ومن ثم قوة من يتولى إمارة المدينة وحكمته.

وفي بداية هذه المرحلة كانت المدينة مركزاً نشطاً للحركة العلمية يعيش فيها أعلام الحديث والفقه في مقدمتهم الإمام مالك بن أنس وابن هرمز والقاسم بن إسحاق وعلي بن زيد ومحمد بن عبد الله بن عمر ومحمد بن عمر بن حفص. فضلاً عن تلاميذ الإمام مالك النابهين طلاب العلم الذين يقصدونه من الآفاق البعيدة كالشافعي.. وكانت الحياة الاقتصادية مستقرة على ماوصلت إليه في نهاية العهد الأموي، تعتمد على الزراعة في المقام الأول..

أما الحياة السياسية فقد تولى داود بن علي إمارة المدينة لعدة شهور قتل فيها عدداً من الأمويين الذين لم يخرجوا من المدينة وصادر قصورهم وأموالهم، وتوقف الازدهار العمراني الذي نشط من قبل وبدأت مرحلة تقلص تدريجي وخاصة في حي العقيق الترف.

ثم تعاقب على المدينة ثلاثة أمراء هم زياد بن عبد الله الحارثي ومحمد بن خالد القسري ورياح بن عثمان المري وكان همهم الأول منع تـفجر ثورة كان يعد لها محمد بن عبد الله بن الحسن الملقب بالنفس الزكية وأخوه إبراهيم. وكان محمد بن عبد الله هذا يرى أنه أحق بالخلافة فقد بويع سراً أواخر العهد الأموي وكان من المبايعين الخليفتان العباسيان الأولان أبو العباس السفاح وأبو جعفر المنصور. وقد نجحت سياسة أبو العباس في موادعة الأسرة الهاشمية في المدينة وخاصة عبد الله بن الحسن والد محمد و إبراهيم في منع الثورة.

وعندما تولى المنصور الخلافة تغيرت المعاملة واعتمدت على المكر والشدة وقبض على عبد الله بن الحسن وعدد من الهاشميين وسجنوا ثم نقلوا إلى العراق وقتل معظمهم هناك، فانفجرت ثورة محمد بن عبد الله وأتباعه في رجب سنة 145 هـ وخلع الثائرون بيعة العباسيين وبايعوا محمد بن عبد الله بن الحسن خليفة عليهم.. استمرت هذه الثورة قرابة شهرين ونصف ولكن محمد بن عبد الله بن الحسن ورجاله لم يستطيعوا أن يمدوا ثورتهم أبعد من الحرمين، وأرسل المنصور جيشاً بقيادة ابن أخيه عيسى بن موسى لإنهاء الثورة، فأعاد الثائرون حفر الخندق وتحصنوا به ولكن الجيش العباسي اقتحم الخندق وأنهى الثورة وقتل معظم المقاتلين فيها. فكانت الوقعة ثاني ملحمة تمر بها المدينة بعد وقعة الحرة غير أنها اقتصرت في هذه المرة على المقاتلين من رجال الثورة. تبع ذلك اضطراب آخر نشب أواخر شهر ذي الحجة بسبب تعديات بعض الجنود الذين قدموا مع الجيش العباسي، قام به مجموعة من موالي المدينة السود انتقموا فيه من الجنود وأخرجوا أمير المدينة عبد الله بن الربيع الحارثي، واستطاع بعض العقلاء من أهل المدينة في مقدمتهم أبو بكر بن أبي سبرة ـ وكان مسجوناً لتأييده ثورة محمد النفس الزكية ـ أن يخمدوا الثورة بالتفاوض مع قادتها، وعاد الأمير إلى المدينة ثم عزله الخليفة لعدم كفاءته الإدارية، وعادت المدينة إلى سكينتها وحياتها اليومية المعتادة، الموزعة بين العمل في الزراعة والتجارة وبعض الحرف وحلقات العلم المزدهرة في المسجد النبوي وبيوت العلماء، في مقدمتهم الإمام مالك بن أنس وعبد الملك بن جريج وجعفر بن محمد.. وغيرهم كثير وتوافد طلاب العلم من الآفاق للتتلمذ عليهم مدة من الزمن. وازداد الاعتماد على الزراعة بسبب توقف وصول القمح من مصر وعمت المدينة حياة الطمأنينة بعد أن أطلق المنصور سراح المعتقلين الثائرين جميعهم وعين أميراً طالبياً عليها هو الحسن بن زيد استمرت إمارته خمس سنوات ثم أعقبه عم الخليفة عبد الصمد بن علي.

وفي عام 156 هـ شهدت المدينة سيولاً ضخمة هددت القسم الجنوبي منها وكادت تجتاح المسجد النبوي، ولكن عجوزاً دلت الناس على نفق مغطى، وعندما فتح مدخله تدفقت فيه المياه إلى وادي بطحان. لقيت المدينة عناية أكبر في عهد الخليفة المهدي ومن بعده هارون الرشيد فقد زار المهدي المدينة سنة 160 هـ وأكرم أهلها وجلس إلى الإمام مالك وتزوج إحدى حفيدات عثمان بن عفان واصطحب معه في عودته خمسمائة من رجالها ليكونوا في حاشيته ببغداد وأعاد قوافل القمح المصرية، وأمر بتوسعة المسجد النبوي فأضيفت إليه أرض مجاورة وأعيد بناء قسم كبير منه وزينت جدرانه وأعمدته بالرخام والفسيفساء. كما نظمت خدمات بريدية عامة لأهل المدينة تنقل رسائلهم إلى العراق واليمن وما فيهما..

وفي عام 169 هـ قام أحد الهاشميين هو الحسين بن علي بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب بحركة تمرد متعجلة ومحدودة، بسبب شدة أمير المدينة على بعض الهاشميين وطلب البيعة لنفسه، ولكن أهل المدينة لم يناصروه لسوء تصرفه ومقاتلته رجال الإمارة قرب المسجد النبوي فخرج منها بعد أحد عشر يوماً إلى مكة وانتهت ثورته بمقتله في معركة (فخ) قربها. وعادت السكينة إلى المدينة المنورة.

وقد استمرت العناية بها في عهد هارون الرشيد وتوالى عليها الأمراء وزارها الرشيد وأبناؤه عدة مرات وأكرموا أهلها. وعندما اشتعلت الفتنة بين الأمين والمأمون في بغداد انحاز أمير المدينة إلى المأمون فتواصلت السكينة والطمأنينة فيها إلى نهاية القرن الهجري الثاني، حيث تأثرت بفتنتين هما : فتنة أبي السرايا ـ وفتنة محمد بن جعفر. أما أبو السرايا فقد ثار على الخليفة المأمون ودعا إلى بيعة رجل هاشمي هو ابن طباطبا وأرسل رجاله للاستيلاء على الأمصار، فأرسل إلى المدينة (محمد بن سليمان الطالبي) أميراً عليها. وخرج منها الأمير العباسي وكانت سيرة محمد بن سليمان حسنة مع أهل المدينة، ولكن إمارته لم تطل فقد انتهت ثورة أبي السرايا وعاد العباسيون إلى المدينة فخرج منها محمد بن سليمان ورجاله سلماً. وأما محمد بن جعفر فقد دعا لنفسه بالخلافة في مكة ثم توجه إلى المدينة وهاجمها عدة مراتٍ فتصدى له أهلها بقيادة أميرها العباسي هارون بن المسيب، وردوه عنها. وخسر أهل المدينة عدداً من الرجال. بعد ذلك نعمت المدينة بالاستقرار طوال العقدين الأولين من القرن الثالث. ومنذ بداية العقد الثالث ضعفت الإدارة وبدأت تظهر مشكلة الأعراب الذين يهددون الطرق حولها، ويتجرأ بعضهم فيصل إلى بيوتها وأسواقها، وبدأ تمرد قبائل بني سليم وظهرت آثاره في تهديد الأمن في المدينة وجاءت قوة من بغداد عام 230 هـ بقيادة حماد بن جرير الطبري فضبطت الأمن، وجهز أمير المدينة حملة من أهلها مع القوة الوافدة لتأديب قبائل بني سليم. ولكنها فشلت وقتل كثير من رجالها. فأرسل الخليفة الواثق جيشاً كبيراً بقيادة (بغا الكبير) لتطهير المنطقة من المفسدين وصارت المدينة مركزاً لتحرك الجيش وسجن فيها أكثر من ألف منهم، وقد حاول بعضهم الفرار من السجن وقتلوا بعض الحراس وخرجوا إلى الشوارع، لكن أهل المدينة تصدوا لهم وقضوا على زعمائهم وأعادوا الباقين إلى السجن تمهيداً لسوقهم إلى بغداد. تخلصت المدينة من تهديد المفسدين، ومن بعض الأعراب عدة سنوات بعد هذه الحملة التطهيرية. ولكنها بدأت تتقلص عمرانياً وتجمعت المساكن قرب المسجد النبوي وضاقت الأزقة فيها وهجرت معظم المناطق البعيدة أو أصبحت أشبه بتجمعات سكنية مستقلة مثل منطقة قباء والعوالي والقبلتين، وبدأت المدينة تتأثر بالضعف العام الذي أصاب الخلافة العباسية بعد منتصف القرن الثالث الهجري. وكادت تتعرض لمحنة شديدة عام 251 هـ عندما هاجمها أحد الخارجين على الخلافة العباسية هو إسماعيل بن يوسف.. من أحفاد الحسن بن علي والملقب بالسفاك. وكان قد نشأ بين الأعراب واتصف بالشدة والجفاء، استولى على مكة وقتل الكثيرين فلقب بالسفاك ثم توجه إلى المدينة، ولم يكن الأمير ورجاله قادرين على مواجهته فخرجوا وتصدوا له وثبتوا لحصاره وتحملوا المجاعة ومات عدد منهم بسببها، حتى انصرف عنها عندما علم بقدوم نجدة من بغداد.. فكان موقفهم بطولة شعبية نادرة على إثر ذلك قام أمير المدينة إسحاق بن محمد بن يوسف ببناء أول سور للمدينة يحيط بالكتلة العمرانية حول المسجد النبوي. وبسبب ضعف السلطة المركزية في بغداد وانشغالها بالفتن المتوالية قام صراع بين فريقين من الأسرة الهاشمية لتسلم إمارة المدينة فريق من الحسينيين وبعض الحسنيين، وفريق من الجعفريين وتسلم الجعفريون الإمارة لبعض الوقت، ثم انتزعها منهم الحسينيون عام 266 هـ. حيث جاء محمد بن أبي الساج وتسلم السلطة منهم وعين الحارث بن سعد على إدارتها، فضبط الأمن وقبض على عدد من المفسدين. وتفجر الصراع مرة ثانية عام 269 هـ ثم ظهر بعض الطالبيين المنحرفين، وهم أفراد قلائل من الأسرة الهاشمية الكريمة ساءت نشأتهم وشذوا عن أخلاق هذه الأسرة وعاشوا بين الأعراب أو مع المفسدين وصاروا مثلهم، لا يحملون شيئاً من العلوم التي اشتهر بها الهاشميون ولا من شيمهم، وقد أقلق هؤلاء المنحرفون أهل المدينة عدة مرات وقتلوا ونهبوا وآذوا الناس وكان منهم محمد وعلي ابنا الحسين بن جعفر الحسيني فقد أغارا على المدينة مع رجالهما عام 271 هـ. وقتلوا عدداً من الهاشميين وغيرهم ونهبوا الأموال ثم غادروها. وقبل نهاية العام وصل جيش عباسي بقيادة أحمد بن محمد الطائي استطاع أن يثبت الأمن في المنطقة فعادت السكينة إلى المدينة وصارت واحة للأمن وسط الاضطرابات الكثيرة في المناطق الأخرى وازدهرت فيها حلقات العلم ثانية وكثر الوافدون من طلاب العلم والمجاورين الذين يقيمون فيها مدة من الزمن، وبعضهم يؤثر أن يقضي بقية عمره في رحابها أملاً في أن يحظى بمثوى في مقبرة البقيع.

وخلال العقود الستة من القرن الرابع الهجري، وقبل أن تدخل المدينة تحت النفوذ الفاطمي استمرت الحياة هادئة في الغالب يقضيها الناس في شؤونهم اليومية، بين العمل في الزراعة والتجارة وبعض الحرف والخدمات، وبين الصلوات في المسجد النبوي وحضور حلقات العلم فيها ولقاء الوافدين من علماء المسلمين من أقطار العالم الإسلامي. ولم يعكر هذا الصفو إلا اضطرابات طارئة يسقط ضحيتها بعض المتصارعين على السلطة وأتباعهم ثم تنتهي الأزمة بسيطرة أحد الفريقين المتصارعين وانسحاب الآخر فقد تجددت الصدامات بين الحسينيين ـ ومن معهم من الحسنيين ـ والجعفريين عام 348 هـ ووقع عدد من الضحايا وأرسل الفاطميون من المغرب من يصلح بين الفريقين ويتحمل ديات القتلى ثم خرج الجعفريون من المدينة إلى بعض القرى، ومنها إلى صعيد مصر وخلت إمارة المدينة للحسينيين. كما أن الإخشيديين الذين استولوا على مصر وثبتوا حكمهم فيها عام 330 هـ. مدوا نفوذهم الاسمي إلى المدينة، فقد أقر الخليفة العباسي الإخشيد (محمد بن طغج) على ولاية مصر وضم إليه الحجاز، ولكن سلطته كانت اسمية فقط لا تتعدى ذكر اسمه على المنبر والدعاء له بعد الخليفة العباسي. وقد فرح الإخشيديون بذلك وخاصة كافور الإخشيدي وأرسلوا الأموال والأعطيات لتوزع في الحرمين الشريفين. وظل هذا الولاء الاسمي حتى عام 357 هـ حيث قطع ذكرهم لانتهاء دولتهم في مصر واقتصر الدعاء بعدها على ذكر الخليفة العباسي ثم أمير المدينة الحسيني إلى أن دخلت المدينة تحت نفوذ الفاطميين سنة 363 هـ.

-----------------------

للتوسع:

البداية والنهاية ج 10/40-369 - ج11/3-297

المستعار
22-07-2002, 11:14 PM
مرحلة الارتباط بالفاطميين

(( 363 هـ ـ 463 هـ ))

كانت المدينة في النصف الأول من القرن الرابع الهجري صغيرة وضعيفة وهدفاً لغزو الأعراب وعندما اشتد أمر دولة الفاطميين في مصر أعلن أمير المدينة، وأمير مكة، الولاء للفاطميين عام 363هـ، وذلك بسبب الروابط المتينة بينهم (التشيع)، ولموقف سابق للفاطميين أصلحوا فيه بين الهاشميين المتنازعين في الحجاز (بنو الحسن والحسين من جهة وبنو جعفر من جهة أخرى) وفرح الخليفة الفاطمي المعز لدين الله بهذا الولاء وأرسل الأموال والهدايا.

وكانت العلاقة بين أمراء المدينة والفاطميين مضطربة، فأحياناً كانت لا تتعدى الولاء الاسمي، ولذا كانت تتحول إلى العباسييين بين الفترة والأخرى، وذلك لعدم اهتمام الفاطميين بحاجات أهل المدينة، وضعف الإدارة، كما أن حكام مكة المتمردين على الدولة الفاطمية ضموا إليهم المدينة مدة تمردهم.

ففي عام 365هـ لم يهتم الخليفة الفاطمي العزيز بالله باحتياجات المدينة فخلع أميرها الولاء وتحول إلى العباسيين، فأرسل العزيز بالله جيشاً هدد المدينة عام 367هـ فأعاد أميرها الولاء للفاطميين ولكنه خلعه بعد سنة واحدة وأعاده للعباسيين الذين أرسلوا أموالاً جزيلة لبناء سور قوي حول المدينة وتحسين أحوال أهلها، ولم يعد الولاء للفاطميين حتى عام 380هـ، عندما وصلت حملة عسكرية فاطمية حاصرت المدينة، فآثر أميرها طاهر بن مسلم (مؤسس حكم آل مهنا) السلامة، فخطب للفاطميين في المسجد النبوي فامتد حكم آل مهنا لها وهم في ولائهم الاسمي للفاطميين، ولم يتأثر أهلها بالدعوة الفاطمية، وعقائدها بسبب تراثهم العريق من السنة النبوية والعلماء الذين كانوا يدرسونه في المسجد النبوي، وغضب الفاطميون لذلك وأوعز الحاكم بأمر الله الفاطمي لأمير مكة أبو الفتوح بالاستيلاء على المدينة وطرد آل المهنا منها واتساع المجال للدعاة الفاطميين كي يؤثروا في أهل المدينة. فاستولى أمير مكة أبو الفتوح عليها وأخرج آل المهنا منها لبعض الوقت ثم أعادهم إليها وجعلها تابعة لإمارته.



أهم الأحداث في العهد الفاطمي

عانت المدينة من الاضطرابات التي ظهرت في الدولة الفاطمية وخاصة في عهد الحاكم بأمر الله الفاطمي، فقد أمر جنوده بنقل جسد رسول الله e إلى مصر ولكن الله سبحانه وتعالى حماه، إذ هبت ريح شديدة وأظلم الجو وخاف الجنود الفاطميون وتراجعوا عما هموا به. وأمرهم في مرة ثانية بنقل محتويات بيت جعفر الصادق فنقلوها إلى مصر.

وعندما تولى شكر بن أبي الفتوح إمارة مكة عام 436هـ هاجم المدينة وطرد آل المهنا منها وعين بعض الحسينيين عليها وظلوا عليها حتى عام 463هـ حيث أعادهم أمير مكة أيضاً محمد بن جعفر، الذي خلع ولاء الفاطميين وخطب للعباسيين وعين الحسين بن المهنا أميراً على المدينة. كما عانت من القحط و انقطاع الميرة عدة سنواتٍ بسبب غضب الفاطميين، وضعف السلطة في بعض السنوات واستغل ذلك الأعراب وقطاع الطرق وهاجموا المدينة أو القوافل القادمة إليها. وبهذا التاريخ انتهت تبعية المدينة للفاطميين وعادت للخلافة العباسية، ولكن الفاطميين ظلوا حتى نهاية دولتهم سنة 567 هـ يتوددون إلى أمراء المدينة ويرسلون بعض الأموال والهدايا أحياناً أملاً في أن يعود الولاء إليهم. وثمة رواية تقول أن الحافظ بالله حاول أيضاً نقل جسد الرسول e إلى مصر وأرسل أربعين رجلاً من الأشداء، بدأوا بحفر نفق عميق، ويروى أن النفق انهار عليهم ودفنهم أو أنهم اكتشفوا وضربت أعناقهم.

لم يترك الفاطميون آثاراً تذكر في المدينة، باستثناء تشيع أعداد قليلة من أهلها أو المقيمين فيها، ولا نجد آثاراً فكرية أو مؤلفات تدعو لهم كما لانجد آثاراً عمرانية أو حضارية تظهر عنايتهم بالمدينة أو بمسجدها النبوي، رغم أن الفاطميين تركوا آثاراً كثيرة في مصر أهمها الجامع الأزهر ومساجد أخرى كثيرة.

--------------------

للتوسع:

التاريخ الشامل ج2/175-223

المستعار
22-07-2002, 11:15 PM
مرحلة الارتباط بالأيوبيين

(( 564 ـ 652هـ ))

عاشت المدينة المنورة مدة طويلة من العهد الأيوبي في طمأنينة وسعة فقد اهتم بها الأيوبيون منذ أن كانوا يحاربون لإقامة دولتهم أو توسيعها. وكان أول من اهتم بها نور الدين زنكي الذي عني بطرق الحج ووزع أموالاً جزيلة على القبائل المقيمة قربه كي تؤمن المسافرين والقوافل وأرسل أموالاً وافرة إلى المدينة لإصلاح موارد المياه والطرق الداخلية وعندما زار المدينة سنة 557هـ ناشده بعض أهلها أن يبني سوراً جديداً يستوعب الامتداد العمراني الذي ظهر خارج السور القديم فاستجاب لهم وأرسل الأموال اللازمة وبنى سوراً جديداً كبيراً حفظ أهل المدينة من الغارات، وينسب إليه أيضاً أنه أمر بإقامة جدار من الرصاص حول القبور الشريفة في المسجد النبوي بعد أن اكتشف محاولة بعض النصارى المتسترين حفر نفق إليها لسرقة جسد الرسول e وذلك بإيعاز من بعض ملوك الصليبيين.

وقد أحسن أمراء المدينة وهم من آل المهنا ولاسيما القاسم بن مهنا إقامة الروابط مع الأيوبيين ومع الخلافة العباسية، وكان مقرباً إلى صلاح الدين الأيوبي الذي عني بالحرمين الشريفين وأرسل الأموال الجزيلة إلى أميرها مقابل إسقاط الضرائب عن الحجاج كما أرسل الأموال إلى القبائل لحماية القوافل والحجاج رغم انشغاله بالحروب الصليبية وحاجته الماسة إلى المال لإنفاقه عليها. ومن مآثر صلاح الدين الأيوبي في المدينة أنه خصص الخدم للمسجد النبوي وجعل لهم أوقافاً في مصر لدفع رواتبهم، وكان هذا بداية لنظام الأغوات والذي استمر بعد ذلك إلى عصرنا الحاضر.



المدينة والصليبيون

في ذروة الحروب الصليبية، وخلال عهد صلاح الدين الأيوبي قام أحد ملوك الصليبين (أرناط) بمحاولة لغزو المدينة، وكان أرناط شديد العداوة للمسلمين، وأغار على قوافل الحجاج ونهبها وفتك بالمسلمين، ثم عقد صلحاً مع الأيوبيين وتعهد بعدم الاعتداء على الحجاج، ولكنه أضمر الغدر فجهز حملة صليبية أنزلها في البحر الأحمر، فهاجمت إيلة وينبع وقتلت وأسرت ونهبت وأحرقت، ثم نزلت في ينبع وانتهت إلى الجبال، وعلم صلاح الدين بالأمر فأوعز إلى نائبه في مصر بتجهيز حملة لمطاردتهم في البحر والبر وقاد حسام الدين لؤلؤ الحملة، ولحق بالغزاة في الحجاز فهربوا إلى المرتفعات، فتبعهم وأدركهم على مسافة ليلة واحدة من المدينة وقتل بعضهم وأسر الباقين. فوزعهم صلاح الدين على الأمصار لتضرب أعناقهم فيها وما لبث أن تمكن من أسر أرناط في موقعة حطين وقتله بيده، وسلم الله المدينة من غزوة صليبية حاقدة.

ظلت المدينة المنورة مرتبطة بالأيوبيين إلى نهاية عهدهم ولم يتدخل الأيوبيون في شؤون المدينة الداخلية، وتركوا لأمرائها إدارة شؤونهم المحلية، وكانوا يرسلون إليهم الأموال والهدايا، وبعد وفاة صلاح الدين ارتبطت بأولاده الذين حكموا مصر غالباً، ولكنها تأثرت بالصراع الذي قام بين الأمراء المحليين في مكة والمدينة، والصراع الذي قام بين الأيوبيين والرسوليين في اليمن، ولم يكن للمدينة قوة خارجية تعزز جنودها القليلين، لذلك تعرضت لهجوم بعض القبائل أثناء غياب أميرها سالم بن قاسم بن مهنا أواخر القرن السادس لبعض الوقت، كما طمع فيها أمير مكة قتادة بن إدريس وهاجمها فقاومه أهلها بقيادة أميرهم سالم، ومالبثوا أن ردوا عليه عدوانه فحاصروه في مكة ثم تركوه، وحاول قتادة القبض على أمير المدينة في موسم الحج فاستعدى عليه الملك العادل بن صلاح الدين الأيوبي ملك دمشق فأرسل حملة ضربت قواده في وادي الصفراء، وتوفي أمير المدينة قبل المعركة وخلفه ابن أخيه القاسم بن جماز فاهتم بتعزيز القوة العسكرية للمدينة، وأسس جيشاً صغيراً قوياً وعاقب بعض القبائل التي هددت المدينة والطريق إليها، كما هدد قتادة ومنعه من أن يهاجم المدينة ثانية، ومرت بالمدينة سنوات من الطمأنينة والأمن ونشطت الحركة العلمية في المسجد النبوي والحركة الاقتصادية، ولكن أمير المدينة تورط في الصراع القائم في مكة بين أميرها الذي عينه الأيوبيون وأحد أبناء قتادة وقاد جيشاً لنصرة قتادة فخسر المعركة وخسر حياته. وتولى بعده إمارة المدينة شيحة بن هاشم الذي أعاد العلاقة الطيبة مع الأيوبين وساعدهم بقوة من أهل المدينة ضد خصومهم أتباع الدولة الرسولية في اليمن الذين استولوا على مكة وعاشت المدينة في عهده فترة هدوء وطمأنينة في غالب الأوقات ولكن الطريق إليها لم يسلم من بعض تهديدات الأعراب الذين قتلوا أمير المدينة شيحة وهو في طريقه إلى بغداد. وظلت المدينة موالية للأيوبيين في مصر حتى انتقلت منهم إلى المماليك فنقلوا ولاءهم إليهم.

-----------------------

للتوسع:

التاريخ الشامل ج2/175-223

المستعار
22-07-2002, 11:16 PM
العهد المملوكي

المدينة والمماليك

(( 648 ـ 923 هـ ))

عاشت المدينة في هذا العصر فتراتٍ مختلفة من الاستقرار والاضطراب وظهر فيها علماء وأدباء كما ظهر أصحاب فتن وقلاقل، فكانت الحياة فيها تسير في تيارين متضادين: تيار العلم والعبادة وأعمال الكسب اليومية، وتيار الصراع السياسي والعسكري بين أبناء الأسرة الواحدة على الإمارة، ومع أبناء العم حكام مكة أحياناً وكانت هذه الصراعات تؤثر على أهل المدينة أحياناً وأحياناً تقتصر على المتصارعين وأتباعهم.

وطوال هذا العهد كانت المدينة المنورة مرتبطة بالسلطان المملوكي في القاهرة وكان هذا الارتباط سياسياً ومالياً محدوداً، أما الجانب السياسي فيه فيشمل تولية الأمير بمرسوم سلطاني وعزله، وتكريمه أو القبض عليه وسجنه حتى الموت. ولكن التولية والعزل محصورة في آل المهنا: الأسرة الحسينية التي توارثت الإمارة معظم هذا العهد فقد يعزل السلطان أميراً ويولي أخاه أو ابن عمه ولكن لا تخرج الإمارة عن الأسرة. كما يشمل الارتباط السياسي تعيين القاضي لمدة نصف سنة فقط يأتي من مصر مع أحد القافلتين، قافلة الحج أواخر ذي القعدة وقافلة العمرة أوائل رجب.

وأما الجانب المالي فيشمل الرواتب والأعطيات التي يرسلها السلطان لأمير المدينة وعدد من الأعيان والأشراف فضلاً عن الصدقات المخصصة للفقراء والمجاورين والأربطة. وكان لهذا الارتباط السياسي في بعض الحالات آثار سلبية. تزيد حدة الصراع بين أفراد الأسرة الواحدة وذلك عندما أصبح تولية الأمير وعزله يعتمد على الوشايات أو الرشاوي والهدايا السنية. ومن الأخطاء التي وقعت في هذا المجال أن السلطان المملوكي كان يعين أحياناً أميرين على المدينة ويطلب منهما أن يشتركا معاً في الحكم، فيختلف الأميران بعد حين ويقع الصراع السياسي وقد يتحول إلى قتال بين رجال كل منهما.

ومن الملاحظ أن ارتباط المدينة بالسلطان المملوكي لم يمنع وقوع الاشتباكات بين بعض أمراء المدينة وأبناء عمومتهم في مكة فلم تكن للمماليك قوة عسكرية مقيمة في المدينة، وكانت القوة تأتي مع قافلة الحج، وكانت كبيرة وقادرة على القبض على الأمير إذا كان السلطان المملوكي غاضباً عليه أو كثرت إساءاته.. باستثناء ذلك كان أمير المدينة يتصرف دون الرجوع إلى السلطان المملوكي في شيء، فكان الأمراء الصالحون ينشرون في المدينة الأمن والاستقرار والعدل فتنتعش الحياة الاقتصادية وتستمر الحركة العلمية في جريانها، فيما كان الأمراء غير الصالحين يشحنون جو المدينة بالاضطراب وربما جندوا عدداً من أهل المدينة في حملاتهم ضد خصومهم، وكان بعضهم عندما يطرد من الإمارة يتحول إلى ناقم يسعى للثأر فيجمع حوله الرجال، ويستميل بعض الأعراب ويهاجم المدينة لينتقم من أميرها الجديد، وفي سياق انتقامه ربما قتل رجاله من لا علاقة لهم بالإمارة، وربما نهبوا بعض البيوت والمحلات.



أهم الأحداث في العهد المملوكي

شهدت المدينة في هذا العهد أحداثاً متميزة، أهمها: البركان الذي انفجر في حرة واقم (الحرة الشرقية) في رجب سنة 654 هـ، وبعض السيول والزلازل، والأوبئة واحتراق المسجد النبوي مرتين، والصراع على الإمارة في بعض الفترات. وكل ذلك أوقع الخوف والذعر في نفوس أهل المدينة، فلجؤوا إلى المسجد النبوي باكين متضرعين لله كاشف الغمة، وجاء الأمير منيف بن شيحة فتبرأ من الظلم وأعتق مماليكه وتدفق نهر من الحمم البركانية باتجاه المدينة ثم انعطف شمالاً ونجَّى الله المدينة من ويلاته، وقد استمر تفجره اثنين وخمسين يوماً ثم هدأ.

والطريف أن المصادر التاريخية القديمة كلها لم تكن تستخدم مصطلح بركان، ولا كان الناس يعرفونه بل كانوا يطلقون عليه (النار العظيمة). وفي رمضان من العام نفسه كان أحد خدام المسجد النبوي في مخزن المسجد يحمل سراجاً يستضيء به فاشتعلت النيران في المخزن ثم امتدت إلى أرجاء المسجد فاحترق السقف وسقط واحترق معظم ما في المسجد باستثناء الحجرة الشريفة. وانتشر الخبر في أرجاء العالم الإسلامي فأرسل المستعصم ـ آخر الخلفاء العباسيين ـ والسلاطين الآخرون الأموال وأعيد بناء المسجد.

وفي عام 672 هـ أرسل السلطان المملوكي قلاوون أموالاً فبنيت القبة فوق الحجرة الشريفة لأول مرة. وعندما سقطت الخلافة العباسية في بغداد أصبح ارتباط إمارة المدينة بالسلطان المملوكي في القاهرة أكبر وصارت مراسيم التولية والعزل تصدر منه. وكان السلاطين يحترمون أمراء المدينة بسبب نسبهم الهاشمي ويحصرون الإمارة في الأسرة التي تتولاها.. وعندما تتفق الأسرة على تولية شخص معين أو عزله وتكتب بذلك محضراً للسلطان فيوافق السلطان عليه ويرسل مرسوماً بذلك.

وفي سنة 664 هـ أقر السلطان بيبرس جماز بن شيحة وابن أخيه مالك بن منيف بن شيحة أميرين بالشراكة ونتج عن ذلك خلاف شديد بين الأميرين حشدت له الرجال، وجاء جيش من مكة ليعضد جمازاً ولكنه عاد دون نتيجة. وأخيراً تنازل مالك طوعاً عن الإمارة لعمه. وتعد إمارة جماز بن شيحة على المدينة منذ أن شارك ابن أخيه مالك بن منيف حتى تنازله لابنه منصور عام 700 نموذجاً لحالات الصراع على الإمارة داخل الأسرة الواحدة، والصراع على النفوذ والسلطة مع أبناء العم حكام مكة والحسنيين. فعندما انتهى صراع جماز مع ابن أخيه وتسلم الإمارة وحده أكثر من ربع قرن شارك في الصراع القائم بين أمراء مكة وهم من آل قتادة الحسنيين، وانحاز إلى فريق ضد الفريق الآخر، فخرج مع حملة من أهل المدينة ليناصر غانم بن إدريس ضد أبي نمي فأخرجه منها سنة 669 هـ واحتل مكة أربعين يوماً ثم كر عليه أبو نمي فأخرجه منها. وعاد بحملة أخرى عام 673 هـ فصالحه أبو نمي مقابل مبلغ من المال.

وعاد مرة ثالثة عام 673 هـ مع أمير ينبع لقتال أبي نمي وهزم، وعقد صلحاً مع أبي نمي. وهذا نموذج للاضطراب وسوء العلاقات السياسية ولكن جماز بن شيحة نجح بعد ذلك في إقامة علاقات حسنة مع أمير مكة والسلطان المملوكي قلاوون، و استطاع أن يثبت الأمن والاستقرار في المدينة حتى نهاية إمارته عام 700 هـ. وتكررت هذه الصورة للحياة السياسية في السنوات اللاحقة حيث ينجح أمير المدينة في تثبيت الأمن والاستقرار مدة من الزمن ثم ينشغل بصراعات مع بعض إخوته أو أقاربه الطامعين في الإمارة وقد يستعين المنافس بقبائل خارج المدينة أو بأمراء مكة وينبع فتتحول الخصومة إلى صدام تتأذى به المدينة حتى يُقضى على أحد الخصمين بشكل ما. فقد حدثت هذه الوقائع في عهد منصور بن جماز الذي امتدت إمارته ربع قرن من 700 ـ إلى 725 هـ، بدأ العهد بفترة استقرار مدتها تسع سنوات ثم تلتها فترة اضطرابات بسببها طمع طفيل شقيق منصور في الإمارة، فرحل إلى القاهرة واستصدر مرسوماً يقضي باشتراكه في الحكم وعاد إلى المدينة ومنصور غائب عنها فهاجمها برجاله وفشل في اقتحامها بسبب مقاومة كبيش بن منصور وخسر حياته، وثأر ماجد بن طفيل لمقتل أبيه واستعان بأمير ينبع فأمده بالمال والرجال، وهاجم المدينة عدة مرات دون جدوى حتى عام 717 هـ حيث دارت معركة عند جبل سلع قتل فيها ماجد واستراحت المدينة من فتنته، لكن أقرباءه استطاعوا الثأر له عام 725 هـ ففاجأوا الأمير منصور وهو في عدد قليل من رجاله وقتلوه وتولى ابنه كبيش الإمارة واستمر مسلسل الثأر والانتقام من الطرفين فقتل كبيش قتلة أبيه ثم دفع حياته ثمناً لذلك عام 728 هـ.

مقابل ذلك كانت المدينة تعيش في هدوء وطمأنينة عدة سنوات، عندما يحسن الأمير تسيير الأمور بحكمة وعدل، ويحسن العلاقة مع أفراد أسرته وأبناء عمومته والقبائل المحيطة بالمدينة فتزدهر الحياة الاقتصادية وتكثر القوافل التجارية وقوافل الزائرين الوافدة، ويشتغل الكثيرون بالعلم في حلقات المسجد النبوي وفي الأربطة والمدارس التي بدأت تظهر ويزداد عددها. ومثال ذلك الفترة التي مرت بها المدينة في إمارة عطية بن منصور سنة 760 إلى 773 هـ وكانت المدينة قبل إمارته قد تعبت من كثرة الاضطرابات السياسية واستمر الصراع على الإمارة بين بعض المتنافسين عليها من آل المهنا، وعندما قتل الأمير جماز غيلة اجتمع كبار آل المهنا وتداولوا فيمن يتولى الإمارة، فاستقر الرأي على عطية بن منصور الذي عرف بتدينه وزهده وحسن خلقه، ولم يكن معهم في الاجتماع فكتبوا بذلك محضراً للسلطان المملوكي حمله أحد أفراد الأسرة، وعاد بالمرسوم بعد شهر وتسلم عطية الإمارة بعد تردد.

ويذكر المؤرخون أن المدينة عاشت ثلاث عشرة سنة في أحسن حال بسبب حسن سياسته، وكرم أخلاقه، وزهده في المكاسب الدنيوية، واهتمامه بشؤون الناس، وقد أسقط الضرائب التي فرضها أسلافه على أهل المدينة، والوافدين إليها، والتجار والمزارعين، وطلب معونة من السلطان المملوكي لتغطية نفقات الإمارة، فاستجاب له السلطان، واهتم بدروس العلم في المسجد النبوي وقرر دروساً في المذاهب الأربعة، وأجرى للمدرسين والقرّاء رواتب مناسبة، وأعطى الفقراء ما كان يرد لهم، وعاش هو وأسرته حياة زهد وتقشف فينفق عليهم من ماله الخاص، ويضيف المؤرخون أنه صلح بصلاحه أقاربه ومساعدوه، ونَعِمَ أهل المدينة بالأمن والعدل والخصب.

وبعد موت عطية عام 773 هـ عاد الصراع ثانية بين أفراد الأسرة، وأججه تعجل السلطان المملوكي بإصدار مرسوم تعيين الأمير من غير أن يكون أهلاً لذلك، ملتفتاً إلى الوساطات والهدايا معرضاً عن رأي الأسرة لأخذ رأيها فيمن يصلح للإمارة، فيوسد الأمر لغير أهله وتقع الفتن والاضطرابات بين المتنافسين. فقد وفد جماز بن هبة بن جماز على السلطان، ونجح في استصدار مرسوم بتوليه الإمارة، وكان عطية قد أناب عنه أخاه نعير بن منصور، فحاول مقاومته، ونشب قتال بين الفريقين، وقتل نعير وتولى جماز الإمارة، ودخل مرحلة صراع جديدة، واستطاع خصمه ثابت بن نعير أن يستصدر مرسوماً ليعزله. فتحول إلى خصم عنيد لثابت ورحل إلى منطقة خارج المدينة، فتحصن بها، وأخذ يغير منها على المدينة في محاولة لاستعادة الإمارة، والانتقام من ثابت. وقبض عليه بأمر السلطان، وسجن في مصر سبع سنوات ثم أطلق سراحه، وأعيد إلى الإمارة فحسنت سيرته أول الأمر، ولكنها ساءت بعد حين عندما قلّت موارده المالية. وأصدر السلطان المملوكي مرسوماً بعزله.

المستعار
22-07-2002, 11:17 PM
بقية العهد المملوكي

وهكذا عاشت المدينة بقية العهد المملوكي بين الهدوء والاضطراب السياسي، وكان تدخل سلاطين المماليك قوياً يبدأ بتعيين الأمير ويصل إلى درجة القبض عليه وسجنه في مصر إذا كثرت منه الشكاوي أو بدر منه ما يقتضي معاقبته.

ويدلنا جدول أمراء المدينة على صورة الحياة السياسية من خلال المعارك والاشتباكات الداخلية والخارجية ونهاية بعض الأمراء.

وأهم الأحداث التي وقعت في هذه الفترة ما يلي:

1 ـ احتراق المسجد النبوي بسبب صاعقة سقطت على المئذنة والسقف، وإعادة بنائه مرة أخرى سنة 886هـ.

2 ـ تجديد المسجد النبوي في عهد السلطان قايتباي سنة 888هـ، وبناء عدد من المدارس والأربطة أهمها مدرسة قايتباي.

3 ـ استيلاء الأمير حسن بن زبيري على بعض نفائس المسجد النبوي، وهربه إلى البادية سنة 901هـ.

4 ـ إلغاء الاستقلال الإداري للمدينة، وإلحاقها بإمارة مكة وتكليف أمير مكة باختيار أمير للمدينة من أفراد الأسرة الحسينية نفسها بعد استشارة قضاة المدينة، على أن يكون أمير المدينة نائباً لأمير مكة يرجع إليه في الأمور المهمة، وبذلك فقد أمير المدينة كثيراً من صلاحياته.

وينتهي هذا العهد بانتهاء حكم المماليك في مصر وسيطرة السلطان العثماني سليم الأول عليها حيث تحول ولاء المدينة ـ ومكة أيضاً ـ إلى العثمانيين، فقد أرسل الشريف بركات ابنه أبانمي على رأس وفد من الأعيان إلى القاهرة وسلمه مفتاح أحد أبواب مكة رمزاً للولاء فبدأ عهد العثمانيين عام 923هـ.

والجدير بالذكر أن المدينة شهدت حركة ثقافية نشيطة جداً في العهد المملوكي ولا سيما في القرنيين الأخيرين، فقد وفد إليها عدد كبير من العلماء من أنحاء العالم الإسلامي ودرسوا في المسجد النبوي، وفي بعض مدارسها، واستوطن بعضهم فيها، وكثرت فئة المجاورين وأسهمت في تنشيط حركة الثقافة.

ومن أبرز العلماء الذين ولدوا فيها، أو وفدوا إليها وأقاموا فيها: ابن فرحون، والحافظ العراقي، والسخاوي، والسمهودي، وغيرهم كثير.

كما ألف في هذا العصر عدد كبير من الكتب عن المدينة وأعلامها، منها: التعريف بما آنست الهجرة من معالم دار الهجرة للمطري، وتحقيق النصرة بتلخيص معالم دار الهجرة للمراغي، ونصيحة المشاور وتعزية المجاور لابن فرحون، والمغانم المطابة في معالم طابة للفيروز آبادي، والتحفة اللطيفة في تاريخ المدينة الشريفة للسخاوي وغيرها.

------------------------

للتوسع:

التاريخ الشامل 2/222-335

المستعار
22-07-2002, 11:18 PM
العهد العثماني الأول

المدينة والعثمانيون

(( 923 ـ 1337 هـ ))

بدأ هذا العهد بإعلان ولاء الحجاز للسلطان العثماني سليم الأول الذي كان في القاهرة بعد أن استولى على مصر وأنهى حكم المماليك، فتوجه إليه وفد من أعيان الحجاز برئاسة ابن شريف مكة وقدم الطاعة للسلطان، ففرح السلطان بذلك ولقب خاقان البر والبحر وخادم الحرمين الشريفين.

ظلت المدينة تابعة لشريف مكة، وأخذ نفوذ أمير المدينة يتقلص بسرعة في مواجهة نائب شريف مكة الذي بدأ يدير الأمور ويستعين برجاله ثم انتهى النفوذ وألغيت إمارة الحسينيين في الربع الأخير من القرن العاشر الهجري ومن جهة أخرى استفادت المدينة اقتصادياً فوصلتها الأموال والمساعدات العينية، وتضاعف عدد الزائرين بانضمام أعداد جديدة من أتباع الدولة العثمانية المترامية الأطراف.

وفي عام 939 هـ أمر السلطان سليمان القانوني ببناء سور جديد ومعه قلعة حصينة لتكون موقعاً للحامية العثمانية، وازداد عدد المقيمين في المدينة من موظفي الدولة والمهاجرين الجدد، وظهرت تغييرات في البنية السكانية، وتصاهرت العائلات وأصبح تعيين كبار الموظفين من الآستانة، خاصة شيخ الحرم والقاضي و الأغوات (خدام المسجد النبوي) والقائد العسكري والضباط، ورابطت حامية مؤلفة من ثلاث فرق في القلعة، وانتشرت اللغة التركية إلى جانب العربية، وعاشت المدينة في عزلة سياسية بعيدة عن الأحداث وانتهى الصراع على الإمارة كما انتهت سلطة آل مهنا الحسينية، وانتقل كثير منهم إلى القرى والمزارع وانغمس الباقون في العلم والتجارة، وافتتحت عدة مدارس في الأربطة، وازدهر النشاط العلمي في القرن الحادي عشر، ونجت المدينة من الصراعات التي كانت تدور في مكة على الإمارة ولكنها بقيت تابعة لأمير مكة اسمياً.

وفي عام 1040 هـ. اشتد الصراع في مكة على الإمارة ولجأ الشريف زيد بن محسن إلى المدينة وكتب إلى والي مصر يستعديه على خصمه الشريف نامي فأرسل والي مصر ثلاثة آلاف جندي لنصرته وإعادته إلى الإمارة وخرج معه بعض مناصريه من أهل المدينة، ولما تولى الإمارة أحسن إليهم، وساعد على تنظيفها من المفسدين، فنعمت المدينة بالأمن والطمأنينة، وتولى بعده ابنه الشريف سعد عام 1077 هـ وعين نائباً عنه في المدينة فأساء النائب التصرف، وتدخلت الدولة العثمانية بعد أن كثرت الشكاوى ضده فعزلته وسجنته، وكان هذا مظهراً من مظاهر تعدد القوى المتنفذة وتداخلها فقد أصبحت العاصمة العثمانية مرجعاً أخيراً يعزل ويولي ونائب الشريف هو الحاكم الفعلي يتبع شريف مكة وغالباً ما يكون من أبنائه أو أقاربه، وقد يحدث صدام بينه وبين القوة العثمانية، ففي عام 1090 هـ قتل رجال الحامية نائب الشريف بحجة أنه سبَّ الخليفة العثماني وقبل نهاية القرن الحادي عشر وقعت صدامات مع أفخاذ من قبيلة حرب في موسم (الرجبية) وحدثت سيول ضخمة أغرقت المزارع وكادت تغرق بعض الأحياء.

وفي القرن الثاني عشر ضعفت الإدارة العثمانية وتنازعت القوى المختلفة المتحكمة بالمدينة، وحدثت صراعات بين قيادات الفرق العسكرية، كما حدثت صراعات مع قبيلة بني علي، ووقعت خسائر في الطرفين، واشتد الاضطراب وكثر الفساد، وشارك فيه بعض الأغوات الذين لم يشتغلوا بمهمتهم الرئيسية وتأثروا بالأحوال السائدة. مقابل ذلك حاول بعض المصلحين من أهل المدينة تدارك الأمر فتعاهدوا على مواجهة الفساد وبدؤوا يعملون لذلك فأطلق عليهم اسم جماعة العهد. وحدث أن اصطدم بعض الأغوات مع عساكر القلعة وتحول الصدام إلى قتال، وتحصن الأغوات بالمسجد النبوي وأغلقوه وحملوا السلاح وتدخل جماعة أعضاء العهد لإنهاء الفتنة فرفض الأغوات وساطتهم، وأمر القاضي بالقبض على الأغوات المشاركين في الفتنة وفتح المسجد النبوي وتم ذلك فنقم الأغوات على جماعة العهد، واستطاعوا بعد مدة أن يستصدروا أمراً من السلطان العثماني بقتلهم، وقتل بعضهم وهرب الآخرون وانتهت الجماعة.

وفي عام 1184 هـ كثرت الفتن بين عساكر القلعة وهاجم بنو علي المدينة، وكثرت الاضطرابات وازداد الفساد في الجهاز الإداري، فقام موظف صغير في الفرقة العسكرية اسمه حسن كابوس بتحريض الناس ضد المفسدين من كبار الموظفين والضباط، الذين استولوا على شحنات الحبوب المرسلة للمدينة، وقامت الفتنة وحاصر الناس القلعة وأخرجوا المفسدين من المدينة. لكن عساكر القلعة انتقموا بعد مدة واغتالوا حسن كابوس.

وكانت الاضطرابات تهدأ حيناً، وتشتد حيناً آخر ومحركها الأكبر قادة الفرق العسكرية المتصارعون على النفوذ ولكنهم كانوا يتحدون عندما تواجه المدينة خطراً خارجياً من الأعراب وغيرهم، وقد استطاع الشريف سرور حاكم مكة أواخر هذا القرن أن يضعف شوكتهم وقبض على عدد منهم وسجنهم في مكة فاستراحت المدينة منهم وعاد إليها الهدوء والسكينة، وعاشت العقد الأول من القرن الثالث عشر الهجري في أمن وطمأنينة، وقد ساعد هذا الجو على امتداد الحركة الإصلاحية التي قامت في نجد نتيجة التعاون بين الشيخ محمد بن عبد الوهاب والأسرة السعودية ودخل بعض الأفراد وأفخاذ القبائل في الدعوة وتجمع عدد منهم في عوالي المدينة وبنوا حصناً كبيراً جعلوه مقراً للدعوة، وعندما اصطدم شريف مكة (الشريف غالب) برجال الدولة السعودية الأولى زحف هؤلاء لتخليص الحجاز من حكم الشريف غالب وحاصروا المدينة فطلب أعيانها الأمان وبايعوا الأمير سعود بن عبد العزيز بن محمد آل سعود فانتهت المرحلة الأولى من العهد العثماني وبدأت مرحلة عهد الدولة السعودية الأولى وذلك في عام 1220 هـ ودخل السعوديون المدينة وأخذوا يطهرونها من مظاهر الشرك والبدع الضالة.

---------------------

للتوسع:

التاريخ الشامل 2/334-439

المستعار
22-07-2002, 11:19 PM
العهد السعودي الأول

المدينة في عهد الدولة السعودية الأولى

(( 1220 ـ 1226 هـ ))

أرست الدولة السعودية الأولى دعائمها في نجد واتخذت الدرعية عاصمة لها، وتوجهت نحو الحجاز لإلحاقه بها وتخليصه من البدع والشركيات التي انتشرت فيه. وكانت وسيلتها الأقوى دعوة القبائل الحجازية إلى الدعوة السلفية، وتحويل من يتبعها إلى دعاة ومجاهدين، وإقامة مراكز لهم في القرى والمدن. وفي الوقت نفسه مواجهة قوات العثمانيين وشريف مكة (الشريف غالب) في معارك تهدأ حيناً وتشتد حيناً. ووصل رجال الدولة السعودية الأولى إلى الطائف وزحفوا إلى مكة، وانضم أفراد ومجموعات من أفخاذ قبيلة حرب إلى الحركة حول المدينة وبدؤوا يحاصرونها.

وفي عام 1219هـ اشتد الحصار على المدينة، ولم يعد جنود الدولة العثمانية قادرين على حمايتها ووصلت أخبار انتصارات القوات السعودية في الطائف ومكة إلى المدينة، فازداد الشعور بالعجز عن المقاومة، ومال أهل المدينة إلى مفاوضة السعوديين وإنهاء الحصار.

وفي بداية عام 1220هـ اتفق أعيان المدينة على مخاطبة الأمير السعودي سعود بن عبد العزيز وبحث الصلح معه، وخرج وفد صغير من المدينة إلى الدرعية معه رسالة بذلك وقعها شيخ الحرم والقضاة وكبار الأعيان، والتقى بالأمير سعود واتفق معه على تسليم المدينة وتأمين أهلها وإنهاء البدع ومظاهر الشرك فيها، وعاد بالأمان ونفذت إجراءات الاتفاق في ربيع الأول عام 1220هـ واستقبل وجهاء المدينة القوات السعودية، وأعلنوا ولاءهم للدرعية، وأزيلت المزارات والقباب من فوق القبور، ومنعت البدع التي كانت رائجة من قبل مثل حفلات الذكر والموالد. ونعمت المدينة مقابل ذلك بالأمن والطمأنينة وتوقفت الغارات عليها، فقد تحول كثير من الغزاة وقاطعي الطريق إلى أتباع مخلصين للدعوة الإصلاحية، وتوقف الصراع على السلطة داخل المدينة وتولى مسعود بن مضيان الحربي إمارتها.

ووصلت قوافل الزائرين سالمة مطمئنة إليها، وفرض عليها أن تتخلى عن السلاح، الذي لم تعد إليه حاجة، وعندما رفضت قافلة الحج الشامية (المحمل) عام 1221هـ التخلي عن سلاحها منعت من دخول المدينة وعادت أدراجها.

وزار الأمير السعودي المدينة المنورة وأعاد تنظيم إداراتها تحت إمارة مسعود بن مضيان الحربي، وتوجهت الجهود إلى المحافظة على الأمن والاستقرار وتحقيق الرخاء ودعوة الناس إلى الأخذ بالمبادئ الإصلاحية وهجر البدع و الشركيات في حياتهم الخاصة والعامة.

وعاشت المدينة في ظل الدولة السعودية الأولى ست سنوات من الطمأنينة، وتوافدت إليها قوافل الزوار، وتحقق الأمن، وازدهرت جوانب من الحياة الاقتصادية، ونشطت حلقات العلم في المسجد النبوي.

وفي الوقت نفسه كان المسؤولون في العاصمة العثمانية استنبول في أقصى درجات الغضب، وغير قادرين على مواجهة السعوديين لانشغالهم بحروب أخرى في أوربا وأطراف الدولة العثمانية، لذلك توجهوا إلى واليهم على مصر محمد علي باشا وحثوه على إعداد حملة كبيرة لإعادة الحجاز إلى السلطة العثمانية والقضاء من ثم على الدولة السعودية الممتدة. وكان محمد علي باشا مشغولاً بفرض سيطرته الكاملة على مصر وإنهاء نفوذ المماليك تماماً. فلما تم له ذلك وشعر بالقوة استجاب لطلبهم ودافعه الأكبر توسيع نفوذه وإلحاق الحجاز وبقية الجزيرة العربية بدولته الناشئة في مصر. فبدأ تجهيز حملة ضخمة عام 1226هـ بقيادة ابنه طوسون باشا. اتجهت إلى ينبع وقضت على حاميتها السعودية الصينية. ثم تحركت باتجاه المدينة.

أرسل الأمير سعود بن عبد العزيز جيشاً قوامه ثمانية عشر ألف مقاتل وثمانمائة فارس بقيادة ابنه عبد الله لمواجهة الجيش الغازي، والتقى الجيشان في منطقة وادي الصفراء على بعد 120 كم من المدينة في 17 ذي القعدة 1226هـ وحدثت معركة صغيرة بين طليعة جيش طوسون وفرقة من الجيش السعودي قتل فيها عدد من السعوديين، وانسحبت الفرقة إلى الوادي واستدرجت جيش طوسون باشا إلى كمائن وحشود سعودية محصنة انقضت عليه وفتكت بأربعة آلاف من أفراده ونجا طوسون باشا بأعجوبة وفر الباقون وتشتتوا.





آثار النصر على المدينة



ظن أهل المدينة أن الخطر زال عنهم فخرجوا إلى الحج والتقوا بقائد الدولة السعودية الأمير سعود بن عبد العزيز الذي أرسل إلى المدينة سبعة آلاف مرابط من أهل نجد واليمن لحفظ المدينة المنورة وعاد هو وابنه ورجاله إلى نجد ليواصل كفاحه ضد الخارجين عليه، ونعمت المدينة بالأمن شهوراً قليلة.

------------------

للتوسع:

الدولة السعودية الأولى / عبد الرحيم عبد الرحمن

التاريخ الشامل 2/439-463

المستعار
22-07-2002, 11:19 PM
محمد علي باشا يعاود الكرة

لم يتزعزع محمد علي لهذه الهزيمة، وعدها مجرد معركة قد خسرها، ولذلك أعد حملة قوية أكبر من السابقة، وصمم على القضاء على السعوديين بكل وسيلة، فأمر قائده (بونابرته الخازندار) بجمع القبائل حوله، والاستعانة بهم، وإغداق الأموال عليهم، واستطاع بونابرته استمالة عدد منها بمساعدة الشريف غالب، وعلم الأمير سعود بنوايا محمد علي باشا، فتحركت القوات السعودية بقيادة ابنه عبد الله وقائده عثمان المضايفي إلى الحجاز، فعسكروا في وادي فاطمة قرب مكة متوقعين اتجاه الجيش الزاحف إليهم، ولكن بونابرته اتجه إلى المدينة بجموعه الغفيرة، ومدافعه القوية وحاصرها حصاراً شديداً لم يكن فيها سوى سبعة آلاف مرابط دافعوا عنها بضراوة واشتد الحصار، وقصفت المدينة بالمدافع وحصل قتال عند الأسوار وبعد عشرة أيام قرر طوسون باشا وقادته هدم جزء من السور ودخول المدينة منه فحفر نفقاً تحت السور وشحنه بالمتفجرات وتم تفجيره واقتحم المدينة من الثغرة الواسعة ودار قتال عنيف مع المرابطين الذين استبسلوا استبسالاً عظيماً وسقط منهم الكثير وتحصن الباقون وعددهم حوالي ثلاثة آلاف مرابط في القلعة وظلوا صامدين فيها عدة أيام، ثم اتفقوا مع طوسون باشا على الانسحاب وقد خلفت المعركة أربعة آلاف شهيد من المرابطين، وقبض طوسون ورجاله على أعيان المدينة، وعلى رأسهم حسن قلعي الذي أرسل إلى مصر مقيداً وأمير المدينة مسعود بن مضيان الذي أرسل إلى استنبول حيث قتل هناك وانتهى بذلك عهد الدولة السعودية الأولى في المدينة المنورة.



مرحلة محمد علي باشا

المدينة في عهد محمد علي باشا

(( 1226 ـ 1256 هـ ))

بدأت المدينة عهداً جديداً تتبع فيه سلطة محمد علي باشا، وقد أصبح ابنه طوسون أميراً عليها، فأعاد تنظيم الإدارات، ورمم السور والقلعة، وعادت الحياة إلى المدينة كما كانت من قبل، وعاد الأغوات إلى المسجد النبوي، وعادت القباب والبدع والعادات والتقاليد المستحدثة في العصور المتأخرة مرة ثانية، ثم جاء محمد علي إلى الحجاز عام 1229 هـ، وشدد الحملات على السعوديين وقبض على تجارة الحبوب واحتكرها لنفسه مما أثر على الحياة الاقتصادية في المدينة والحجاز كله فارتفعت الأسعار وضاق الناس وأصبحت المدينة مركز قيادة تخرج منها الحملات إلى القصيم ونجد لقتال السعوديين، وفي رجب عام 1230 هـ عقد طوسون باشا صلحاً مع عبد الله بن سعود لوقف القتال وتأمين الطرق للحجاج والتجار فنعمت المدينة بهذا الصلح وكثر عدد الزائرين وعادت التجارة إليها ثانية.

ألغى طوسون باشا تسمية الإمارة واستعاض عنها باسم المحافظة، وأنشأ مجلس شورى للمحافظة يضم كبار الموظفين والأعيان، وقد استتب الأمن في المدينة وبعدها عاد طوسون باشا إلى مصر تاركاً فيها قيادة الجيش والحامية الكبيرة لضباطه.

وفي عام 1231 هـ وصل إبراهيم باشا على رأس حملة كبيرة مجهزة بجميع الأسلحة والعسكريين الفرنسيين ليضم نجداً، ويقضي على الدولة السعودية، وصل المدينة وظل فيها إلى بداية عام 1232هـ وعمل على تجميع القبائل حوله واستمالتهم بالأموال وتجنيدهم وأصبحت المدينة مركز قيادة ومؤنة للجيش وتحرك بالجيش إلى الحناكية وانتصر على السعوديين وما لبث أن استسلم عبد الله بن سعود في جمادى الأولى 1233هـ حيث أرسله إبراهيم باشا وعدداً من أفراد عائلته إلى مصر ومنها إلى استنبول حيث قتل فيها، وبدأ إبراهيم باشا بإعادة القباب إلى البقيع ورمم المسجد النبوي وأنشأ (تكية) كبيرة لتوزيع الأموال والطعام على الفقراء ثم رحل عنها بعد أن عين حسن بك محافظاً للمدينة وعاشت المدينة زمناً في أمن وهدوء وبلغ من قوة جيشها أن القبائل كانت تستعين به على مهاجمة القبائل المعتدية عليها.

وفي عام 1254هـ عادت بعض القبائل إلى التمرد وقطع طرق التجارة فعاد الخوف والصراع إلى المدينة فعاشت فترة من الصراع الدامي فقطعت التجارة وارتفعت الأسعار وأصبحت القبائل تهدد المدينة ولكن التهديد لم يبلغ أسوارها.

وتكالبت الدول الأوربية للقضاء على قوة محمد علي باشا فعقدت معاهدة عام 1256هـ تنص على حصر سيادة محمد علي في مصر ومنحه ولايتها بصورة وراثية وأراد محمد علي أن يسحب قواته بسلام فبدأ بسحبها من المدينة المنورة ومهد لها الطريق والسفن التي تحملها إلى مصر وساعده على ذلك الشريف محمد بن عون حيث قام بضرب القبائل وتسكينها ليؤمن الطريق لقوات محمد علي ومكث في المدينة عدة أشهر لتأمين رحيل القوات المصرية وجاءت قوات عثمانية فتسلمت المدينة وأعادتها إلى سلطة الدولة العثمانية وانتهى بذلك عهد محمد علي باشا.

------------------

للتوسع:

التاريخ الشامل ج2/464-481

المستعار
22-07-2002, 11:20 PM
العهد العثماني الثاني

((1256 ـ 1337 هـ))

بدأ هذا العهد بتسلم القوات العثمانية المدينة من جيش محمد علي باشا عام 1256هـ، وانتهى بخروج فخري باشا وقواته وتسليم المدينة للهاشميين عام 1337هـ. أي بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى وسقوط الدولة العثمانية، وكانت الحياة في المدينة أول هذا العهد امتداداً لما كانت عليه في عهد محمد علي باشا ولم يتغير فيها شيء حتى المحافظ (محرم بك) الذي عينه محمد علي باشا استمر في عمله تابعاً للعثمانيين وألحقت المدينة بإعادة شريف مكة إدارياً.

وفي عام 1260هـ تولى داود باشا محافظة المدينة، وقام بإصلاحات كثيرة، أهمها: تجديد المسجد النبوي بموافقة السلطان عبد المجيد، واستغرقت عملية التجديد اثني عشر عاماً (1265 ـ 1277هـ)، ومضت الحياة هادئة ورتيبة بقية القرن الثالث عشر الهجري.

وعندما تولى عبد الحميد الثاني السلطة في الدولة العثمانية خص المدينة بعدد من المنجزات، أهمها: محطة الاتصالات اللاسلكية (عام 1318 هـ)، والخط البرقي بين استنبول والمدينة ومحطة الكهرباء العام والخط الحديدي الحجازي القادم من استنبول وبلاد الشام وقد أحدث وصول القطار للمدينة تغييراً كبيراً فيها فقد كثر الزائرون، ونشطت الحركة التجارية، وتوافد المهاجرون من أنحاء العالم الإسلامي فتضاعف عدد السكان في عقد واحد عدة أضعاف، ووصل إلى ثمانين ألف نسمة واستقلت المدينة إدارياً عن مكة وأصبحت تابعة لاستنبول مباشرة، وأسست فيها الجامعة الإسلامية (1330 هـ) ولكنها توقفت بسبب اندلاع الحرب العالمية الثانية، وانضمام الشريف حسين إلى الحلفاء في الثورة على الدولة العثمانية، ووقعت قبيل ذلك أحداث متميزة قطعت سكون الحياة وطمأنينتها مدة من الوقت، أهمها: ثورة أهل المدينة على محافظهم علي مرمحين الذي اتهموه بالقسوة والغطرسة. وقد أدت هذه الثورة إلى عزله وقامت ثورة أخرى على المحافظ التالي عثمان باشا، ولكن الإدارة العثمانية لم تستجب لمطالب أهل المدينة بعزله بل عدت الثورة تمرداً وقبض على اثنين وثمانين شخصاً من أعيان أهل المدينة وسجنوا في الطائف عدة أشهر.



المدينة وحركة الشريف حسين

شهدت المدينة أعنف الأحداث وأكثرها ألماً في نهاية العهد العثماني وخلال فترة الحرب العالمية الأولى فقد أحست الدولة العثمانية ـ التي دخلت الحرب مع ألمانيا ضد الحلفاء ـ أن أمير مكة الشريف حسين وأبناءه ينوون الثورة عليها، فأرسلت ضابطاً حازماً لإدارة المدينة هو فخري باشا وزودته بقوة ومعدات وذخائر كثيرة ورغم حيطة فخري باشا استطاع ابنا الشريف حسين: فيصل وعلي أن يستميلا بعض الأفراد وأفخاذ القبائل ويعدا للثورة واستخلاص المدينة من العثمانيين، وفي الموعد المحدد (4شعبان 1334 ـ 5حزيران 1916م) هاجم الموالون للهاشميين بقيادة الأميرين فيصل وعلي مراكز الجيش العثماني في أطراف المدينة. ولكن قوات فخري باشا كانت مستعدة لهم فحصدت منهم العشرات وفشل الهجوم فشلاً ذريعاً وانسحب الناجون بعيداً عن المدينة. تكرر هجوم الهاشميين مرتين دون جدوى ـ ثم خرج فخري باشا وجنوده يطاردون القوة الهاشمية وانسحب فيصل برجاله حتى وصل إلى ينبع النخل وحوصر فيها. وكاد العثمانيون أن يقضوا عليه ولكن بعض القبائل المجاورة أنجدتهم وهاجمت قوة فخري باشا. كما أن البوارج الإنكليزية قصفت من قرب الشواطئ القوات العثمانية فانسحب فخري باشا بجيشه عائداً إلى المدينة خشية أن تحتلها بعض القبائل من الحلفاء وأعاد تحصينها ووزع جيشه الكبير في أطرافها.

ترك فيصل القتال حول المدينة لأخيه وسافر مع القوات المتجهة إلى الشام.



المدينة في الحصار

رابط الشريف علي بن الحسين مع قواته في القرى القريبة لحصار المدينة من بعيد. وبذل فخري باشا جهوداً مضنية في تعزيز المقاومة والصمود، ومواجهة الحصار، والاستعداد لأي هجوم محتمل ودحره، فبنى مراكز مراقبة عسكرية فوق الجبال والتلال وأحاط المدينة بخطوط دفاعية قوية ومد شبكة هاتفية بينها، ونظم الدوريات، وفي الوقت نفسه ضبط الأمن بحزم شديد داخل المدينة، وصادر معظم المواد الغذائية ولا سيما الحبوب وخزنها، كما استفاد من موسم التمر فأمر جنوده بجمعه وضغطه في قوالب صغيرة لتقاوم التسوس. ولتخفيف الضغط على المدينة وزيادة قدرة المقاومين فيها على الصمود بدأ فخري باشا بترحيل العائلات إلى دمشق واستنبول بالقطار، كما نقل ذخائر المسجد النبوي ومكتبة عارف حكمت، وكان الترحيل اختيارياً أول الأمر ثم صار إجبارياً وشتت العائلات وتحول الكثيرون إلى مهاجرين في الشام أو استنبول ومن لم يسافر انتقل إلى مناطق أخرى في الحجاز كينبع ومكة.

وما لبث القطار أن توقف بعد أن نسف جيش فيصل والضباط الإنكليز بعض الجسور التي يمر عليها ودمروا مسافات من الخطوط الحديدية وجاء الشريف عبد الله بقوات إضافية وعسكر في منطقة العيص فاكتمل الحصار حول المدينة. لم تستطع قوات الهاشميين التي تحاصر المدينة أن تقتحمها، ولم تقم أية معركة كبيرة مع قوات فخري باشا المستعدة للمواجهة ولكن الحصار أثر على الباقين من أهل المدينة. وشحت المواد الغذائية وارتفعت الأسعار بشدة وفشت بعض الأمراض لنقص التغذية ولم يؤثر هذا على موقف فخري باشا وضباطه. واستمروا في المقاومة وشجعوا من بقي من أهل المدينة على الرحيل ومرت بالمدينة ثلاث سنوات شديدة القسوة عانى فيها أهلها من الجوع والمرض والفقر أو الهجرة في الآفاق.



نهاية العهد العثماني



انتهت الحرب العالمية الأولى وسقطت عاصمة العثمانيين، ولم تسقط المدينة فقد كان فخري باشا مستعداً للصمود مدة أطول أو القتال، وعندما وقعت تركيا معاهدة الصلح مع الحلفاء أبرق وزير الدفاع إلى فخري باشا ليسلم المدينة إلى الهاشميين، فرفض فخري باشا الأمر واستمر في عناده ومقاومته، فخاطبت استنبول بعض الضباط في قيادة فخري باشا وأمرتهم بعزله وتسلم القيادة وتسليم المدينة والعودة لتركيا، فنفذوا الأمر وسلمت المدينة للقوات الهاشمية في الخامس من ربيع الأول عام 1337هـ، ونقل الجنود إلى ينبع ومنها أبحروا إلى تركيا وبدأ المهاجرون من أهل المدينة يعودون إليها وبذلك انتهت المرحلة الأخيرة من العهد العثماني في المدينة المنورة.

-------------------

للتوسع:

التاريخ الشامل ج/2-481-488 ـ ج3/ 4- 83

المستعار
22-07-2002, 11:21 PM
العهد الهاشمي

المدينة في العهد الهاشمي

(( 1337 ـ 1344 هـ ))

تسلم الهاشميون المدينة المنورة من الجيش العثماني في الخامس من ربيع الأول عام 1337هـ وتولى الشريف علي بن الحسين إمارتها، فأعاد تنظيم إدارتها، وعين بعض أقاربه في المناصب العليا. وبدأ المهاجرون من أهل المدينة يعودون إليها، وأصلح خط السكة الحديدية ووصلت المساعدات والمؤن وأعيدت ذخائر المسجد النبوي ومكتبة عارف حكمت، ولكن المدينة لم تعد إلى حجمها قبل الحرب العالمية الأولى وظل الكثيرون في البلاد التي هاجروا إليها ولاسيما بلاد الشام.

وخلال سنة بدأت الحياة الاقتصادية تنتعش وأنشئت بعض المدارس ونشطت الحركة العلمية في المسجد النبوي، واستمر الوضع بالتحسن تدريجياً وببطء لعدم وجود إمكانات وافية لدى الإدارة الهاشمية.

وشهدت المدينة بعد سنة من تسلم الهاشميين حادثة كبيرة راح ضحيتها عدد من الشهداء وهي تفجر الذخائر التي خزنها الجيش العثماني في القلعة ولم تعتن بها القيادة الهاشمية، وظلت الانفجارات تتوالى ثلاثة أيام، ولم يسفر التحقيق فيها عن شيء. بعد ذلك ازداد ضعف الإدارة الهاشمية، ووافقه ركود اقتصادي سببه الأول تورط الهاشميين في الحرب مع السعوديين. ثم ضعفت الإدارة الهاشمية واضطرب الأمن في المدينة.

وفي عام 1343هـ اشتدت الحرب بين الهاشميين والسعوديين ودخلت القوات السعودية الطائف وزحفت إلى مكة، وخُلع الشريف حسين ووقع الاختيار على الشريف علي ليخلفه، فترك إمارة المدينة وانتقل إلى جدة ليدير المواجهة مع القوات السعودية الزاحفة، وتولى إدارة الأمور في المدينة نائبه الشريف أحمد والشريف شحات.

ومالبثت الحرب أن امتدت إلى المدينة فأرسل السعوديون قوة كبيرة بقيادة صالح بن عذل ليخلصها من الهاشميين. وتولى عبد المجيد باشا قائد الحامية العسكرية في المدينة تحصينها وتنظيم المقاومة وعاشت المدينة فترة حصار ثانية امتدت سبعة شهور وخرج الكثيرون من أهلها بعد أن شحت المؤن وبدت نذر المواجهة. وحدثت معركة بين قوة سعودية بقيادة فيصل الدويش والقوات الهاشمية وأدرك المقاومون عدم جدوى مقاومتهم فأجمع كبار المسؤولين والوجهاء منهم وقرروا مخاطبة القائد الأعلى للسعوديين الأمير عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود (الذي صار ملك البلاد بعد ذلك) والتفاوض معه للصلح وخرج وفد من المدينة فالتقى به على مشارف جدة واتفق معه على تسليم المدينة وتأمين أهلها. وحضر الأمير محمد بن عبد العزيز آل سعود فتسلم المدينة في التاسع عشر من جمادى الأولى 1344هـ وانتهى بذلك العهد الهاشمي وبدأ عهد الدولة السعودية الحالية.

-------------------

للتوسع:

التاريخ الشامل ج3/ 114- 159

المستعار
22-07-2002, 11:22 PM
العهد السعودي الحالي

المرحلة الانتقالية

دخلت المدينة في ظل الدولة السعودية في التاسع عشر من شهر جمادى الأولى عام 1344هـ عندما سلمها القادة الهاشميون بناء على اتفاق خاص مع الملك عبد العزيز، وقد تسلمها الأمير محمد بن عبد العزيز، وأقام فيها بضعة أيام، رتب خلالها الأمور الإدارية ثم تركها، ولحق بوالده، وعين إبراهيم السبهان وكيلاً للأمير محمد فيها يقوم بشؤونها. وقد شهدت المدينة المنورة تطورات متلاحقة، وعلى مراحل عدة مع التطور الذي شهدته المملكة العربية السعودية بعامة. ولقيت عناية كبيرة من رجال الحكم على توالي العقود.

وفي بداية العهد السعودي أزيلت مظاهر البدع الشركية التي نمت أواخر العهد العثماني وخلال العهد الهاشمي وحظرت العادات المخالفة للسنة.

وكان أهم ما كسبته المدينة خاصة ومدن المملكة الأخرى عامة، هو الأمن والأمان، فطالما اشتكت الطرق المؤدية لها من غارات بعض الأعراب واللصوص وقطاع الطرق، ولم تسلم المدينة نفسها من بعض الغارات، وقد تغير الحال نهائياً في العقود الأولى للعهد السعودي بفضل الخطة الحكيمة التي عالج بها الملك عبد العزيز مسألة الأمن، إذ ألزم القبائل القريبة من الطرق أن تتعاون في حمايتها، والبحث عن المفسدين وتسليمهم إذا كانوا منها والمسؤولية فردية وجماعية في آن واحد، ونجحت الخطة وتحول كثير من الذين امتهنوا قطع الطريق من قبل إلى حماة الأمن أو متعاونين مع الحماة. وقد ساعد على إنجاز هذه الخطة توطين القبائل المتنقلة وإرسال الوعاظ والدعاة إليها، وفتح أبواب التعليم والوظائف لأبنائها، فظهر تحول نوعي في المفهومات والسلوك، وتقدير للمسؤولية والخوف من العقاب الصارم وانتهى عهد الأتاوات وقطع الطريق واللصوصية.



التطور والازدهار

وتبع المرحلة الانتقالية تطور في جوانب الحياة الأخرى، حيث طويت صفحة المتغيرات السياسية واضطراباتها وتقدمت الجوانب الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. أما الصفحة السياسية فقد جعل الكيان الجديد والكبير للدولة السعودية المدينة المنورة مركزاً حضارياً ودينياً بعيداً عن هموم القرار السياسي، وتركز القرار السياسي في أيدي المسؤولين عنه في العاصمة، ومركز الحكم، وانصرفت اهتمامات أهل المدينة إلى بناء حياتهم وتطويرها في التعليم، والزراعة، والتجارة، والصناعة، والعقارات، وخدمات الزائرين، والعلاقات الاجتماعية، والعبادة.. إلخ. وحدث التطور المدني على مراحل مواكباً التطور في المراكز الحضارية الأخرى في المملكة أو لاحقاً به. بدأ بطيئاً في العقود الأولى ومناسباً لمرحلة التأسيس التي مرت بها المملكة بعامة، ثم تسارع شيئاً فشيئاً واشتد في العقدين الأخيرين وصار قفزة كبيرة. فبعد أن تهيأت عوامل الطمأنينة والاستقرار بدأ النمو في الجانب الاقتصادي وتركز أول الأمر في التجارة والخدمات ثم الزراعة ثم الصناعة فتضاعفت المحلات التجارية وتنوعت بضائعها وتحول بعض التجار إلى مستوردين أو وكلاء عامين في المنطقة لكثير من المنتجات المستوردة.

وشهدت مواسم الزيارة المتعددة ازدهاراً في الحركة التجارية بعامة أدى إلى ظهور أسواق عدة تركزت حول المسجد النبوي ثم امتدت إلى طريق قباء الصاعد والنازل، ثم امتدت إلى الأحياء القريبة ومناطق التجمع السكاني الأخرى، وأخيراً ظهرت مراكز تجارية كبيرة تتوزع في جهات المدينة الأربعة.

وفي ميدان الخدمات نشطت الإنشاءات الفندقية والمطاعم وتركزت حول المسجد النبوي الشريف ثم اتسعت دائرتها وامتدت إلى الشوارع التالية بعد أن تضاعفت أعداد الزائرين وخاصة في المواسم.

وفي ميدان الزراعة زحف العمران إلى البساتين التي كانت تتخلل أحياء المدينة الكبرى أو تلاصقها، واختفت فيها غابات النخل الكثيفة ومزارع الخضروات والعنب.. ولكن ظهرت عوضاً عنها مزارع كبيرة في أطراف المدينة وظهرت البيوت البلاستيكية التي تنتج الخضروات على مدار السنة ووافقها مداجن حديثة ضخمة تقدم سنوياً أطناناً من لحم الدجاج والبيض الطازج.

وفي ميدان الصناعة تطورت الورش الصغيرة وتحولت إلى ورش كبيرة أكثر تقنية.. وظهرت مصانع كثيرة لتعبئة التمور و لإنتاج اللوازم المنزلية البلاستيكية والطوب الأحمر وتنقية المياه ومصانع الألبان وبعض الصناعات الغذائية كالحلاوة، ومشتقات الذرة.

وفي المجال الثقافي شهدت المدينة تطوراً كبيراً في التعليم وأقيمت عشرات المدارس في مختلف المراحل وأنشئت الجامعة الإسلامية، وفتحت فروع لجامعتي الملك عبد العزيز والإمام محمد بن سعود بالمدينة فضلاً عن المعاهد والكليات التابعة لوزارة المعارف والرئاسة العامة للبنات وظهر جيل مثقف من الجنسين وأقبل على الوظائف وحصل عدد منه على أعلى الدرجات الجامعية، الماجستير، والدكتوراه، وتولوا مناصب عالية في مختلف الوزارات والجهات التعليمية.

وفي مجال العمران اختفت الأحواش والحارات الضيقة والبيوت الطينية القديمة وظهرت مباني جديدة عالية تتوافر فيها أحدث نظم البناء والراحة. كما ظهرت أحياء كاملة من مساكن العائلة الواحدة (فيلات) تحمل في واجهاتها تشكيلات جمالية رائعة تجمع بين التراث والمعاصرة. ووسع المسجد النبوي في توسعة أولى بدأت في عهد الملك عبد العزيز عام 1368هـ وانتهت في عهد الملك سعود في عام 1372هـ.

وفي العقد الأخير شهدت المدينة ملحمة عمرانية ضخمة مازالت امتداداتها مستمرة حتى الآن.. هذه الملحمة هي توسعة المسجد النبوي الأخيرة، وتشييد المنطقة المركزية المحيطة بها. فقد أمر خادم الحرمين الشريفين بإحداث توسعة تاريخية جديدة للمسجد النبوي أضاف إليه اثنين وثمانين ألف متر مربع، وشّيد مبنىً جديداً للمبنى العثماني القديم بأحدث ما وصلت إليه تقنية البناء من آليات وأجهزة وتصميمات (راجع فقرة المسجد النبوي) وهدمت الأحياء الأخرى خلفه والتي كانت ضمن سور المدينة وأعيد تنظيم الأرض وبدأت تقوم عليها مجمعات سكنية تجارية ضخمة تستوعب عشرات الآلاف من الزائرين وتقدم لهم أرقى الخدمات وستشكل هذه المجموعات مجموعها أربعة أحياء تحيط بالمسجد النبوي من جهاته الأربعة وتعتبر مدينة متميزة من أحدث مدن العالم في تنظيمها وخدماتها ومظهرها الجمالي العام.

لقد قفزت المدينة المنورة في العهد السعودي الحالي قفزة واسعة عبرت بها عشرات السنوات من التقدم في جوانب الحياة المدنية كلها. ورعى هذه القفزة المسؤولون الأولون في الدولة والأمراء ووكلاء الأمراء الذين تولوا الإدارة وأشرفوا على التطوير والتنفيذ.

وقد تولى إمارة المدينة ووكالتها حسب التسلسل الزمني كل من: الأمير محمد بن عبد العزيز، ووكيله إبراهيم السبهان. ثم الأمير عبد المحسن بن عبد العزيز ـ 1405هـ، وأخيراً الأمير عبد المجيد بن عبد العزيز ـ 1405هـ حتى وقتنا الحاضر.

-----------------------------

للتوسع:

التاريخ الشامل 3/161-323