المساعد الشخصي الرقمي

اعرض النسخة الكاملة : البلاغة والتحدي والإعجاز



سليم
02-06-2007, 04:24 PM
السلام عليكم
البلاغة والتحدي والإعجاز:هذه ثلاثة امور مرتبطة ببعضها البعض ,وللوقوف على معانيها وإرتباطها يجب ان نقف عليها كل على حدى:
البلاغة هي البلوغ .
والبلاغ ، الأنتهاء إلى أقصى المقصد والمنتهى ، مكاناً كان أو زماناً أو أمراً من الأمور المقدرة .
وربما يُعبر به أيضاً عن المشارفة عليه وإن لم ينته إليه ، يقال : الدنيا بلاغ ؛ لأنها تُؤديك إلى الأخرة .
ورجلٌ بَلْغٌ وِبلْغٌ وبليغٌ : حسن الكلام فصيحه ، يبلغ بعبارة لسانه كُنْهَ ما في قلبه ، والجمع بُلغاء .
وسمي الكلام بليغاً ؛ لأنه يكون قد بلغ الأوصاف اللفظية والمعنوية وانتهى إليها .
وينتهي معنى البلاغة في اللغة إلى معنيين :
الأول : الوصول والإنتهاء . قال تعالى: (ولّما بلغ اشدَّه)أي وصل.
الثاني : الحُسن والجودة .
أما البلاغة في اصطلاح البلاغيين :
البلاغة : مطابقة الكلام لمقتضى الحال .
ويعنون بالمقتضى : الإعتبار الملائم ، أو ما يتطلبه الواقع ، أو ما يستدعيه الأمر ، وهوــ المقتضى ــ الهيئة المخصوصة التي نُصدرُ عليها كلامنا ، والصورة المحددة التي تَحْكُمُ نُطقَنا . ويقصدون بالحال ــ ها هنا ــ واقع المخاطب أو السامع ، أو متلقي الكلام.
والعرب قوم قد برعوا ونبغوا وتألقوا في البلاغة وصياغة اللفظ وتطويعه حتى أصبح بسيط كلامهم نظمًا يبلغ مبلغه,وأسلوبًا له رونقه ووقعه في الآذن,وفنونًا يسجعون فيها وينظمون شعرًا,فأقاموا أسواقًاً يتبارون فيها ويتسابقون شعرًا ونثرًا.
وأكثر ما ظهرت البلاغة في كلامهم في الشعر ,وبزغ جم من الشعراء في الجاهلية والإسلام ممن يُشهد لهم في طول الباع وملكة الكلمة ,كما وظهر خطباء لا يُشق لهم غبار في نظم الكلم...
ومن الخطباء في الجاهلية شافع بن كليب الصدفي...إسمعوا الى بلاغة كلامه وحسن نظمه عندما تكهن بقدوم سيد العالمين محمد عليه الصلاة والسلام:
قَدِمَ على تُبَّعٍ الآخِرِ ملكِ اليمن قبلَ خروجِهِ لقتال المدينة شافع بن كُليب الصَّدفيّ وكان كاهناً,فقال له تُبَّع هل تجد لقوم ملكاً يوازي ملكي,قال لا إلاّ مُلكَ غسّان
قال فهل تجد ملكاً يزيد عليه, قال أجِدُه لبارٍّ مبرور ورائدٍ بالقُهُور ووَصفٍ في الزَّبور فضِّلت أُمَّته في السُّفور يفرِج الظلَم بالنور أحمد النبي طوبى لأمّته حين يجئ أحد بني لُؤيّ ثم أحد بني قُصيّ.
فنظر تبع في الزبور فإذا هو يجد صفة النبي صلى الله عليه وسلم.
وانصتوا لخطبة كعب بن لؤي:
اسمعوا وعُوا وتعلّموا تعلَموا وتفهّموا تفهَموا , ليل ساجٍ ونهار صاجٍ والأرض مِهاد والجبال أوتاد والأوّلون كاللآخرين كلّ ذلك إلى بلاء, فصِلوا أرحامكم وأصلحوا أحوالكم فهل رأيتُم من هلك رَجع أو ميتاً نُشِر, الدار أمامكم والظنّ خلاف ما تقولون, زَيِّنُوا حَرَمَكم وعظِّموه ولا تفارقوه فسيأتي له نبأٌ عظيم وسيخرج منه نبيٌ كريم, وتمسكوا به ,ثم قال شعرًا:
نهارٌ وليلٌ واختِلافُ حوادِثٍ= سواءٌ علينا حُلْوُها ومَريرُها
يَئوبانِ بالأحداثِ حتى تَأَوَّبا= وبالنِّعَمِ الضّافي علينا سُتورُها
صُروفٌ وأنباءٌ تَقَلَّبَ أهلُها= لها عُقَدٌ ما يستحيلُ مَريرُها
على غفلةٍ يأتي النَّبيُّ مُحَمَّد= فَيُخْبِرُ أخباراً صَدوقاً خبيرُها
ثم قال:
ياليتَني شاهدٌ فحواءَ دَعوَتِهِ= حين العشيرَةُ تبغي الحقَّ خِذلانا
فهذه نماذج من بلاغة العرب في الجاهلية قبل الإسلام,وإنما تدل على المرتبة العالية التي وصل اليها العرب في إتقان اللفظ وإنتقائه وحسن إيراده...وهذه بلاغة يُشهد لها في العلو والسمو, ولكنها لا تصل بلاغة القرآن إيجازًا وتصويرًا, وإستعارة وتشبيهًا,و تلاؤم الكلمات والحروف,وتجانس الألفاظ وتصريف القصص والحوادث.
وأما التحدي : تحَدَّى الرجلَ تعمَّدَه، وتَحَدَّاه: باراه ونَازَعه الغَلَبَةَ، وهي الحُدَيَّا. وأَنا حُدَيَّاك في هذا الأَمر أَي ابْرُزْ لي فيه؛ قال عمرو بن كلثوم:
حُدَيَّا الناسِ كلِّهِمِ جَمِيعاً= مُقارَعَةً بَنِيهمْ عن بَنِينَا
فالتحدي إذن هو التعمّد والمباراة ومنازعة الغلبة,وعند التحدي في امر ما إما ان يقدر عليه او أن تعجزه قدرته على المبارزة والمقارعة,والقرآن الكريم من مفهوم آياته قد تحدى العرب أن يأتوا بمثل القرآن في حسن نظمه ورفعة أسلوبه, يقول الله تعالى في سورة البقرة:" وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وَادْعُواْ شُهَدَاءكُم مِّن دُونِ اللّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ",ويقول الله سبحانه وتعالى في سورة يونس:" أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّثْلِهِ وَادْعُواْ مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ",ويقول رب العزة في سورة هود:" أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُواْ مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ",فالله سبحانه وتعالى هنا تحدى القوم ان يأتوا بشئ من القرآن,حيث نلاحظ انه قال في الآ يات الثلاث:" فَأْتُواْ" وهي دعوة تحدي.
وأما الإعجاز: إِفعال من العَجْز الَّذى هو زوال القدرة عن الإِتيان بالشىء من عمل أَو رأْى أَو تدبير.
وأصل الإعجاز العجز أي الضعف,جاء في لسان العرب:" والعَجْزُ: الضعف، تقول: عَجَزْتُ عن كذا أَعْجِز. وفي حديث عمر: ولا تُلِثُّوا بدار مَعْجِزَة أَي لا تقيموا ببلدة تَعْجِزُون فيها عن الاكتساب والتعيش، وقيل بالثَّغْر مع العيال. والمَعْجِزَةُ، بفتح الجيم وكسرها، مفعلة من العَجْز: عدم القدرة."
والمعجزة مختصَّة بالأتبياء دائما، وقت إِظهارها مردَّد بين الجواز والوجوب، ويُقرن بالتحدِّى، وتحصل بالدُّعاء.
ِ وكلُّ معجزة كانت لنبىٍّ من الأَنبياءِ فكان مثلها لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان إِظهارها له ميسَّراً مسلماً.
وأَفضل معجزاته وأَكملها وأَجلُّها وأَعظمها القرآن الذى نزل عليه بأَفصح اللُّغات، وأَصحِّها، وأَبلغها، وأَوضحها، وأَثبتها، وأَمتنها، بعد أَن لم يكن كاتباً ولا شاعراً ولا قارئاً، ولا عارفاً بطريق الكتابة، واستدعاءٍ من خطباءِ العرب العرباءِ وبلغائهم وفصحائهم أَن يأْتوا بسورة من مثله، فأَعرضوا عن معارضته، عجزاً عن الإِتيان بمثله، فتبيَّن بذلك أَن هذه المعجزة أعجزت العالَمِين عن آخرهم,يقول الله تعالى في سورة البقرة:" فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ وَلَن تَفْعَلُواْ فَاتَّقُواْ النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ",قال المفسر العلامة إبن عاشور في تفسير هذه الآية:" وقوله: { ولن تفعلوا } من أكبر معجزات القرآن فإنها معجزة من جهتين: الأولى أنها أثبتت أنهم لم يعارضوا لأن ذلك أبعث لهم على المعارضة لو كانوا قادرين، وقد تأكد ذلك كله بقوله قبل
{ إن كنتم صادقين }
[البقرة: 23] وذلك دليل العجز عن الإتيان بمثله فيدل على أنه كلام مَن قدرتهُ فوق طوق البشر. الثانية أنه أخبر بأنهم لا يأتون بذلك في المستقبل فما أتى أحد منهم ولا ممن خلَفهم بما يعارض القرآن فكانت هاته الآية معجزة من نوع الإعجاز بالإخبار عن الغيب مستمرة على تعاقب السنين فإن آيات المعارضة الكثيرة في القرآن قد قرعت بها أسماع المعاندين من العرب الذين أبوا تصديق الرسول وتواترت بها الأخبار بينهم وسارت بها الركبان بحيث لا يسع ادعاء جهلها، ودواعي المعارضة موجودة فيهم، ففي خاصتهم بما يأنسونه من تأهلهم لقول الكلام البليغ وهم شعراؤهم وخطباؤهم."اهـ
ومذهب أَهل السُّنة أَنَّ القرآن معجز من جميع الوجوه: نظماً، ومعنى، ولفظا، لا يشبهه شىء من كلام المخلوقين أَصلاً، مميَّز عن خُطَب الخطباءِ، وشعر الشعراء.
ومجملها إِيجاز اللفظ، وتشبيه الشىءِ بالشىءِ، واستعارة المعانى البديعة؛ وتلاؤم الحروف، والكلمات، والفواصل، والمقاطع فى الآيات، وتجانس الصِّيغ، والأَلفاظ، وتعريف القِصَص، والأَحوال، وتضمين الحِكَم، والأَسرار، والمبالغةُ فى الأَمر، والنهى، وحسن بيان المقاصد، والأَغراض، وتمهيد المصالح، والأَسباب، والإِخبار عما كان، وعما يكون.
أَمّا إِيجاز اللفظ مع تمام المعنى فهو أَبلغ أَقسام الإِيجاز. ولهذا قيل: الإِعجِاز فى الإِيجاز نهاية إِعجاز. وهذا المعنى موجود فى القرآن إِمّا على سبيل الحذف، وإِما على سبيل الاختصار.
فالحذف مثل قوله تعالى {وَسْئَلِ ٱلْقَرْيَةَ} أَى أَهلها {وَلَـٰكِنَّ ٱلْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِٱللَّهِ} أَى برّ من آمن. والاختصار {وَلَكُمْ فِي ٱلْقِصَاصِ حَيَاةٌ} هذه أَربع كلمات وستة عشرة حرفاً يتضَّمَّن ما ينيِّف على أَلف أَلف مسأَلة، قد تصدَّى لبيانها علماءُ الشريعة، وفقهاءُ الإِسلام فى مصنَّفاتهم؛ حتَّى بلغوا أُلوفاً من المجلَّدات، ولم يبلغوا بعدُ كنهَها وغايَتَها.
وأَمَّا تشبيه الشىءِ بالشىءِ فنحو قوله تعالى {أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ} وقوله: {أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ ٱشْتَدَّتْ بِهِ ٱلرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ} وقوله: {أَوْ كَصَيِّبٍ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ} وكلُّ مَثَل من هذه الأَمثال دُرْج جواهر، وبُرْج زواهر، وكنز شرف، وعالَم عِلم، وحُقُّ حقائق، وبحار دُرَر دِراية، ومصابيح سالكى مسالك السنَّة. ولهذا يقال: الأَمثال سُرج القرآن.
وأَمَّا استعارة المعنى فكالتعبير عن المضىِّ والقيام بالصَّدع {فَٱصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ} أَى قُم بالأَمر، وكالتعبير عن الهلاك، والعقوبة بالإِقبال والقدوم {وَقَدِمْنَآ إِلَىٰ مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ} ، وكالتعبير عن تكوير الليل والنهار بالسَّلخ {وَآيَةٌ لَّهُمُ ٱلْلَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ ٱلنَّهَارَ} ولا يخفى ما فى أَمثال هذه الاستعارات من كمال البلاغة، ونهاية الفصاحة. يحكى أَنَّ أَعرابيّاً سمع {فَٱصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ} فلم يتمالك أَن وقع على الأَرض وسجد، فسئل عن سبب سجدته فقال، سجدت فى هذا المقام، لفصاحة هذا الكلام.
وأَما تلاؤم الكلمات والحروف ففيه جمال المقال، وكمال الكلام؛ نحو قوله تعالى: {فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ وَلَن تَفْعَلُواْ} {وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ} {يَٰأَسَفَىٰ عَلَى يُوسُفَ} {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً} {فَأَدْلَىٰ دَلْوَهُ} {فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ} {وَجَنَى ٱلْجَنَّتَيْنِ دَانٍ} ونظائرها.
وأَمَّا فواصل الآيات ومقاطعُها فعلى نوعين: إِمَّا على حرف كطه؛ فإِنَّ فواصل آياتها على الأَلف، وكاقتربت؛ فإِنَّ مقاطع آياتها على الراء، وإِمَّا على حرفين كالفاتحة؛ فإِنَّها بالميم والنُّون: {ٱلرَّحْمـٰنِ ٱلرَّحِيمِ مَـٰلِكِ يَوْمِ ٱلدِّين} ونحو {قۤ وَٱلْقُرْآنِ ٱلْمَجِيدِ} فإِنَّها بالباءِ والدَّال.
وأَمَّا تجانس الأَلفاظ فنوعان أَيضاً: إِمَّا من قبيل المزاوجة؛ كقوله {فَمَنِ ٱعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ فَٱعْتَدُواْ عَلَيْهِ} {إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ ٱللَّهُ يَسْتَهْزِىءُ بِهِمْ} {يُخَادِعُونَ ٱللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ} {إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً وأَكِيدُ كَيْداً} {وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ ٱللَّهُ} {وَجَزَآءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ} {هَلْ جَزَآءُ ٱلإِحْسَانِ إِلاَّ ٱلإِحْسَانُ} وإما من قبيل المناسبة كقوله {ثُمَّ ٱنصَرَفُواْ صَرَفَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُم} {يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ ٱلْقُلُوبُ وَٱلأَبْصَارُ}.
وأَمَّا تصريف القِصَص والأَحوال فهو أَنَّ الله تعالى ذكر بحِكَمهِ البالغة أَحوال القرون الماضية، ووقائع الأَنبياءِ، وقصصهم، بأَلفاظ مختلفة، وعبارات متنوِّعة، بحيث لو تأَمّل غوّاصو بحار المعانى، وخوَّاضو لُجَج الحُجَج، وتفكّروا فى حقائقها، وتدبَّروا فى دقائقها، لعلموا وتيقَّنوا (وتحققوا) وتبيَّنوا أَنَّ ما فيها من الأَلفاظ المكرَّرة المعادات، إِنَّما هى لأَسرار، ولطائف لا يرفع بُرْقع حجابها من الخاصَّة إِلاَّ أَوحدُهم وأَخصُّهم، ولا يكشف سِتر سرائرها من النحارير إِلاَّ واسِطتهم وقصهم.
وأَمَّا تضمين الحِكَم والأَسرار فكقولنا فى الفاتحة: إِن فى {بِسْمِ} التجاءَ الخَلْق إِلى ظلِّ عنايته، وكلمة الجلالة تضمَّنت آثار القدرة والعظمة، وكلمة الرَّحمٰن إِشارة إِلى أَنَّ مصالح الخَلْق فى هذه الدَّار منوط بكفايته. وكلمة الرَّحيم بيان لاحتياج العالَمين إِلى فيض من خزائن رحمته. والنِّصف الأَوَّل من الفاتحة يتضمَّن أَحكام الرُّبوبيَّة. والنصف الثَّانى يقتضى أَسباب العبوديَّة. وخُذْ على هذا القياس. فإِنَّ كلَّ كلمة من كلمات القرآن كنزُ معانٍ، وبحر حقائق.
ومن جوامع آيات القرآن قوله تعالى: {خُذِ ٱلْعَفْوَ وَأْمُرْ بِٱلْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ ٱلْجَاهِلِينَ} فإِنها جامعة لجميع مكارم الأَخلاق، وقوله: {إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُ بِٱلْعَدْلِ وَٱلإحْسَانِ} مستجمعة لجميع أَسباب السِّياسة والإِيالة. وقوله: {أَخْرَجَ مِنْهَا مَآءَهَا وَمَرْعَاهَا} محتوية على حاجات الحيوانات كافَّة. وقوله تعالى: {قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ} إِلى آخر الثلاث الآيات جامعة لجميع الأَوامر والنَّواهى، ومصالح الدُّنيا والآخرة، وقوله: {وَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰ أُمِّ مُوسَىٰ أَنْ أَرْضِعِيهِ} يشتمل على أَمرين، ونهيين، وخبرين، وبشارتين.
وأَمَّا المبالغة فى الأَسماءِ والأَفعال فالأَسماءُ {فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ}، {وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ}، {وَمَا رَبُّكَ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ}، {ٱلْمَلِكُ ٱلْقُدُّوسُ}، {وَعَنَتِ ٱلْوُجُوهُ لِلْحَيِّ ٱلْقَيُّومِ}، {ٱلرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى ٱلنِّسَآءِ}، {يُوسُفُ أَيُّهَا ٱلصِّدِّيقُ} . والأَفعال {أُخِذُواْ وَقُتِّلُواْ تَقْتِيلاً}، {وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَآءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَآءَكُمْ}، {وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي ٱلأَرْضِ أُمَماً}، {وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلاً}، {وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلاً}، {وَكُلاًّ تَبَّرْنَا تَتْبِيراً}، {قَدَّرُوهَا تَقْدِيراً}.وَأَمَّا حُسْن البيان فلتمام العبارة: {كَمْ تَرَكُواْ مِن جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ} ، ولبيان فصل الخصومة والحكومة {إِنَّ يَوْمَ ٱلْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتاً} ، وللحجّة للقيامة {يُحْيِيهَا ٱلَّذِيۤ أَنشَأَهَآ أَوَّلَ مَرَّةٍ} ، وللنَّصيحة والموعظة {يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ قَدْ جَآءَتْكُمْ مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ} ، ولثبات الإِيمان والمعرفة: {كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ ٱلإِيمَانَ} ، ولبيان النعت والصِّفة {بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيم}، {عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِير} ، ودليلاً لثبوت الرِّسالة {وَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رُّسُلِنَآ} ، وإِظهاراً للعمل والحكمة {وَكَانَ اللهُ عَلِيماً حَكِيماً} ، وللرَّحمة السَّابقة واللاحقة {وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً} ، وبرهاناً على الوَحْدانيَّة والفَرْدانيَّة {لَوْ كَانَ فِيهِمَآ آلِهَةٌ إِلاَّ ٱللَّهُ لَفَسَدَتَا} ، وتحقيقا للجنَّة والنَّار {أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ}، {أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينْ} ، وتحقيقاً للرُّؤية واللِّقاءِ {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} ، وتمهيداً لمصالح الطَّهارات {وَأَنزَلْنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً طَهُوراً} ، وللصَّلاة {وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ} ولِلزكاة والصيام والحجّ {وَءَاتُوْا الزَّكَاةَ}، {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ}، {وَللَّهِ عَلَى ٱلنَّاسِ حِجُّ ٱلْبَيْتِ} ، وللمعاملات {أَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ} ، وللصِّيانة والعِفَّة {وَأَنْكِحُواْ ٱلأَيَامَىٰ مِنْكُمْ} ، وللطلاق والفراق بشرط العِدَّة {فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ} ، ولرعاية مصلحة النفوس {وَلَكُمْ فِي ٱلْقِصَاصِ حَيَاةٌ} ولكفَّارة النُّذور والأَيمان {فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ}.اهـ
هذه هي وجو الإعجاز في القرآن الكريم...وأما ما يُطلق عليه الإعجاز العلمي ,فالحق انه لا يستوي من الإعجاز البلاغي, وذلك لسبب بسيط جدًا وهو أن الحقائق العلمية كونها جاءت على يد أحد من البشر فقد خرجت من إطار الإعجاز,فالمعجزة هي ما كانت خارجة عن العُرْفِ، خارقة للعادة...والحقائق العلمية غير هذا,وكم من نظرية علمية إهتدى اليها أكثر من عالم في آن واحد وفي اقطار مختلفة.
هذا والله أعلم

خالد بن حميد
02-06-2007, 06:05 PM
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته
مرحبًا بك أستاذ سليم
وعودة طيبة

سليم
03-06-2007, 02:58 PM
السلام عليكم
أخي الحبيب أبا طارق...بارك الله بك من أخٍ ومحبٍ للخير والحكمة...ونِعم الأخ أنت ...وهم ندر.