المساعد الشخصي الرقمي

اعرض النسخة الكاملة : مرة أخرى - إلى من يهمه أمر البلاغة



فصيحويه
12-07-2007, 10:35 AM
تيسير البلاغة في كتب التراث

إعداد: د. بن عيسى باطاهر
الأستاذ المساعد بقسم اللغة العربية وآدابها
كلية الآداب والعلوم - جامعة الشارقة
مقدمة:
مرّ علمُ البلاغة بمراحل مختلفة إلى أن تحدّدت معالمه، واستُقرِئَت قواعده، وقد مثّلَ كلَّ مرحلة من هذه المراحل عددٌ من الدارسين المبرّزين الذين أسهموا في تأسيس العلم وتطويره، واجتهدوا في وضع النظريات والتصوّرات والمصطلحات التي تخصّه وتحدّه، وقد كانت أولى هذه المراحل تلك التي عُنيت بتسجيل الملحوظات، ومثّلها عددٌ من الأدباء والعلماء الأعلام منهم أبو عبيدة (208هـ)، والجاحظ (255هـ)، وابن قتيبة (276هـ) وغيرهم، وجاءت المرحلة الثانية التي اهتمت بوضع الدراسات والأبحاث ذات الطابع الأدبي والعلمي المميّز، وقد ظهر في رحابها عددٌ من الدارسين والنقاد البارعين، منهم من عُنيَ بدراسة الإعجاز القرآني مع السعي إلى الكشف عن خصائصه اللغوية من أمثال الرماني (386هـ)، والباقلاني (403هـ)، والخطّابي (388هـ)، ومنهم من عُني بدراسة الأدب بصورة عامة مثل قدامة بن جعفر (337هـ)، وعبد الله بن المعتز (296هـ)، وأبو هلال العسكري (395هـ)، ثمّ جاءت مرحلة الازدهار التي أفادت كثيرًا من الدراسات التي سبقتها، وأضافت إلى علم البلاغة نظرات جليلة، ونظريات جديدة كان لها الفضل في تأسيس هذا العلم وصياغته وتطوّره مضمونًا ومنهجًا وأسلوبًا، ومثّل هذه المرحلة خير تمثيل شيخ البلاغيين عبد القاهر الجرجاني (471 أو 474هـ)، وأمّا المرحلة الرابعة فقد كانت معنيةً بتحديد المصطلحات، وصياغة القواعد النهائية لهذا العلم، ومثّل هذه المرحلة خير تمثيل أبو يعقوب السكاكي (626هـ)، وتلميذه القزويني(739هـ)، ومع أنّ أغلب الدراسات استمرت بعد ذلك في السير على ما قرّره السّكاكيّ والقزويني، إلاّ أنّ هذه المرحلة عرفت بعضًا من العلماء المجدّدين الذين أضافوا إلى الدرس البلاغي من النظرات والأفكار ما لا يمكن إنكاره من أمثال ابن الأثير (637هـ)، وحازم القرطاجنّي (684هـ)، والعلوي (749هـ).
إنّ البحث في تطوّر علم البلاغة قد يوصل الباحث إلى تبني جملة من الآراء والرؤى بشأن تنوّع مناهج البلاغيين في تناول الدرس البلاغي عبر تلك المراحل، وسيلحظ أنّ مرحلة النظم التي مثّلها عبد القاهر الجرجاني هي محور الدراسات البلاغية التي جاءت بعد ذلك على الّتتالي، وهي الأصل الذي نبتَ فيه علم البلاغة إلى أن استوى عوده واستقام، وسيلحظ – أيضًا- أنّ المرحلة الرابعة مرحلة غنيةٌ بدارسي البلاغة من الأعلام الذين كانت لهم إضافات جليلة، ولا سيّما تلك الإضافات التي هدفت إلى تيسير البلاغة لدارسيها في بيئاتها المختلفة، وسَعت إلى إيضاح مشكلاتها، وصياغة مصطلحاتها العلمية بعد الاستفادة من ذلك التطوّر الكبير في مجالات العلوم المختلفة، فضلاً عن التجديد في الشواهد والنصوص والاهتمام بدراستها وتحليلها، ولهذه الإضافات في الدراسات البلاغية المتأخرة أهمّيتها التي لا يمكن إهمالها أو تجاوزها حين النظر في تاريخ تطوّر البلاغة عبر عصورها وبيئاتها المختلفة، مع مراعاة الظروف والأسباب التي رافقت ذلك التطوّر.
وإذا كانت البلاغة العربية في مرحلتها الأخيرة قد وُصفت بالجفاف والجمود، ووُصفت مناهج علمائها بالتكرار والتعقيد، فإنّه لا بدّ للدارس من النّظر بعين الإنصاف إلى التراث البلاغي القديم، والبحث بدايةً في الأسباب التي كانت وراء التعقيد والغموض اللذين لوحظا في بعض مسائل هذا العلم، ولا سيّما في علاقة البلاغة بالفلسفة وعلم الكلام، وما أثاره الدارسون المحدثون بشأن هذه القضية، ثمّ دراسة جهود قدامى البلاغيين في تيسير الدرس البلاغي من خلال الوسائل كالتلخيصات والشروح، ومن خلال المناهج، والموضوعات، والمصطلحات، مع الإشارة إلى جهود الخطيب القزويني (739هـ) الذي يمثّل المدرسة الكلامية، وابن الأثير (638هـ) الذي يمثّل المدرسة الأدبية، ويحيى بن حمزة العلوي (749هـ) الذي يمثّل امتزاج المدرستين.
وهذه الدراسة ضرورية في سياق البحث في قضية تيسير البلاغة في العصر الحديث، هذه القضية التي مازالت الدراسات بشأنها محدودةً إذا ما قُورنت بقضية تيسير النحو العربي، ذلك أنّ الاتجاه إلى دراسة علم الأسلوب بالإفادة من معطيات علم اللغة الحديث linguistics قد طغى على الساحة الأدبية والنقدية، وغدا الاهتمام منصباً على تتبّع ما يجدّ في الدراسات الغربية بشأن الأسلوبية، وهو الأمر الذي أدى إلى الهجوم على البلاغة القديمة، والدعوة إلى البلاغة العصرية، أو علم الأسلوب.
والمنهج المتبع في هذه الدراسة قائم على دراسة الأسباب التي أدت إلى التعقيد في مسائل البلاغة العربية، ومناقشة آراء الدارسين بشأن قضية تأثير الفلسفة في البلاغة، ثمّ دراسة بعض ملامح التيسير في المصادر البلاغية القديمة، مع الإشارة إلى جهود العلماء الذين اهتموا بالتيسير وهم القزويني وابن الأثير، مع التركيز على جهود يحيى بن حمزة العلوي أحد أبرز البلاغيين الذين اهتموا بتيسير البلاغة في القرن الثامن الهجري.
أولاً: التعقيد وأسبابه في علم البلاغة:
أشار بعض البلاغيين قديمًا إلى التعقيد والغموض اللذين اكتنفا علم البلاغة بعد عبد القاهر الجرجاني، فقد ذكر القزويني في مقدّمة كتاب التلخيص أنّ مفتاح العلوم للسكاكي أعظمُ ما صنّف في علم البلاغة، ولكنّه غير مصونٍ عن الحشو والتطويل والتعقيد( )، ورأى ابن الزملكاني (651هـ) أنّ علم البيان من أجلّ العلوم وأفضلها قدرًا، ولكنّه لغموضه ودقّة رموزه استولت عليه يدُ النسيان، وألحقه القصور بخبر كان، وليس فيه من المصنّفات إلاّ القليل ( )، وقال العلوي في الطراز:"إنّ مباحث هذا العلم (البلاغة) في غاية الدقّة، وأسراره في نهاية الغموض، فهو أحوج العلوم إلى الإيضاح والبيان" ( )، فهذه إشارات واضحة لبلاغيين مشهورين إلى قضية الغموض والتعقيد التي تسربت إلى مباحث البلاغة.
وملاحظة هذا التعقيد في مسائل البلاغة، جعلت هؤلاء الدارسين يسجّلونه في مصنّفاتهم، وقد حرّك هذا الأمرُ هِممَهم وجعلها متوجّهة إلى التصنيف والتأليف في هذا العلم بغرض إيضاحه وتيسيره لطالبيه، وتكثير مصنّفاته لدارسيه كما هو الشأن في علوم العربية الأخرى كالنّحو واللغة، وإذا سلّمنا بهذا التعقيد الذي سلّم به بعض قدامى البلاغيين مما دعاهم إلى البحث عن وسائل التيسير والإيضاح بالاختصار والشرح، فإنّه من الواجب البحث بدايةً في أسباب هذا التعقيد الذي لحق بعلم البلاغة وقادها إلى عهودٍ وُصفت بالجمود والتكرار، وندرة الإبداع وقلّة الفائدة ( )، وعند البحث في جملة هذه الأسباب فإنّنا نجدُ أنّ تأثير الفلسفة وعلم الكلام في البلاغة هو السبب الأبرز الذي عُنيت به الدراسات الحديثة أشدّ العناية( )، وقد ثارت بشأنه مناقشات لا يزال صداها موجودًا حتى الآن، ومع أهمّية هذا السبب في هذا السياق؛ فإنّ هناك أسباباً خارجية أخرى لا تقلّ أهمّية عنه كان لها أثر بيّن في قضية التعقيد الذي لحق بالبلاغة – كما سنبيّن ذلك في المبحث اللاحق - مثل نشأة البلاغة في بيئة المتكلّمين والأصوليين، وكون الأكثرية الغالبة من علماء البلاغة من غير العرب، وارتباط البلاغة بقضية إعجاز القرآن، وتراجع الأدب وعزلة العربية في العصور المتأخرة، ولا سيّما بعد القرن الخامس الهجري، ودراسة هذه الأسباب من شأنها الإسهام في الكشف عن الظروف التي رافقت تطوّر البلاغة منذ النشأة إلى عهود الازدهار والاستقرار، ووصولاً إلى عصور التراجع والتكرار.
1- نشأة البلاغة في بيئة المتكلّمين والأصوليين:
يلحظ الدارس لتطوّر علم البلاغة منذ نشأته إلى استقراره أنّ بيئة المتكلّمين والأصوليين هي البيئة التي نشأت فيها البلاغة وترعرعت، فما من عَلَمٍ من أولئك البلاغيين الجهابذة إلاّ له ارتباط أو مشاركة أو صلة ما بعلم الكلام أوعلم الأصول، والجمهور الغالب منهم – فيما يبدو - كان على صلة واطلاع على الفلسفة والمنطق، سواء أكانت الفلسفة العامة أم الفلسفة الكلامية، ويتّفق ذلك في أدوار حياة البلاغة نشأةً وتطورًا وجمودًا ( )، فالجاحظ المعتزلي (255هـ) كان فضلاً على معرفته بعلم الكلام مُطلعًا على فلسفة اليونان، وعبد القاهر الجرجاني (474هـ) متكلّمٌ يحسن طرق الجدال والمناظرة، والفخر الرازي (606هـ) حجّة عصره في الأصول وعلم الكلام، وأبو يعقوب السكاكي (626هـ) أصولي ومتكلّم واسع الاطلاع على الفلسفة، والقزويني (739هـ) والتفتازاني (792هـ) على دراية عميقة بعلم الكلام، وحازم القرطاجنّي (684هـ) متكلّمٌ شديد الاتصال بفلسفة أرسطو، والعلوي (749هـ) ينافس الفخر الرازي في علم الكلام في الديار اليمنية، فهؤلاء الذين ذكرناهم وغيرهم ممن لم نذكر، هم من كبار المتكلّمين والأصوليين، وهم الذين عُنوا بالبلاغة دراسةً وتقعيدًا، وتهذيبًا وتلخيصًا، وعلى أيديهم تطوّرت البلاغة، إلى أن أصبحت علمًا محدّدَ القواعد والأصول، وهو في العربية بمثابة علم الأصول لمن أراد معرفة أسرار الإعجاز في القرآن، ورغبَ في تذوّق جمال اللغة وسحرها، ورام اكتساب الفصاحة والبيان في كلامه وأدبه.
وقد نقل الجاحظ عن بشر بن المعتمر (210هـ) أنّ كبار المتكلّمين ورؤساء النظارين فوق أكثر الخطباء، وهم أبلغ من كثير من البلغاء ( )، ولذلك قيل: إنّ علم البيان نبت في جُحور المتكلّمين، وقد كان نشاطهم واسعًا، وكان لهم أثرٌ كبيرٌ في الحياة العقلية بعامّة وفي البلاغة بخاصّة ( )، وكان لهذا السبب أثرٌ ما في البلاغة وصياغتها تلك الصياغة التي شابها بعض التعقيد والغموض، انظر على سبيل المثال إلى الروح المنطقية، والتعقيد المعنوي في أسلوب السّكاكي وهو يتحدّث عن البلاغة وفنونها:"وقبل أن نمنح هذه الفنون حقّها من الذكر ننبهك على أصلٍ لتكون على ذكرٍ منه، وهو أنّه ليس من الواجب في صناعة وإن كان المرجع في أصولها وتفاريعها إلى مجرّد العقل أن يكون الدخيل فيها كالناشئ عليها في استفادة الذوق منها، فكيف إذا كانت الصناعة مستندة إلى تحكمات وضعية واعتبارات إلفية؟ فلا على الدخيل في صناعة علم المعاني أن يقلّد صاحبها في بعض فتواه إن فاته الذوق هناك إلى أن يتكامل له على مهل موجبات ذلك الذوق"( ).

2- أكثر علماء البلاغة هم من غير العرب:
لعلّ من الأسباب الخارجية الأخرى التي أسهمت في ذلك التعقيد بطريقة غير مباشرة كون أولئك البلاغيين الأعلام – في الغالب الأعمّ - من غير العرب، وقد تنبه ابن خلدون في مقدّمته إلى هذه الظاهرة، وذكر أنّ أغلب العلماء في التاريخ الإسلامي هم من الأعاجم، وفسّر ذلك تفسيرًا حضاريًا بقوله:"إنهم أهلُ حضارة مقارنة بالعرب، ولأنّهم احتاجوا بعد فسادِ اللسان إلى وضع القوانين النّحوية، وصارت العلوم الشرعية كلّها مَلكاتٍ في الاستنباطات والاستخراج والتنظير والقياس، واحتاجت إلى علوم أخرى، وهي الوسائل لها من معرفة قوانين العربية، وقوانين ذلك الاستنباط والقياس، والذّبّ عن العقائد الإيمانية بالأدلّة لكثرة البدع والإلحاد"( ). وأشار ابن خلدون إلى تأثير هذه الظاهرة السلبي في اللسان العربي فقال ملخصًا ذلك كلّه في صورة قاعدة مطّردة:"إذا تقدّمت في اللسان ملكةُ العُجمة صار مقصرًا في اللغة العربية" ( ).
إنّ أولئك البلاغيين الذين ذُكرت أسماؤهم آنفًا وغيرهم كُثُر هم من غير العرب، وهذا وإن كان مَيزةً في جانب العناية بالعلوم ووضع قواعدها كما ذكر ابن خلدون، فإنّه في الجانب الآخر وهو الأسلوب وطريقة الأداء مثّل عثرةً هي في مجملها الابتعاد عن مجالات الفن والأدب، يقول أمين الخولي:"إذا كانت عُجمة مع فلسفة فقد كَمُل البعد عن مجالي الفن وروحه بقدر البعد عن حسّ العربية وتمثّل روحها، وإدراك مجال الجمال فيها"( ).
ووجود العجمة لا يعني بالضرورة الوقوع في اللحن ومخالفة الأساليب العربية، ولكنّه الاتجاه إلى طرائق وعرة في التعبير يعوزها الجمال وحسن الأداء، ومن أمثلة ذلك ما نجده مثلاً عند التفتازاني من عبارات تشوبها العجمة، من مثل قوله:" والحركة عند المتكلّمين حصولُ الجسم في مكان بعد حصوله في مكان آخر، أعني أنّها عبارة عن مجموع الحصولين، وهذا مختصٌ بالحركة الأينية، وعند الحكماء هو الخروج من القوّة إلى الفعل على سبيل التدريج"( ).
إنّ اهتمام قدامى البلاغيين بالبلاغة العلمية القاعدية، وحرصهم على قضية تعليل المسائل، ووضع الحدود الجامعة المانعة، وضبط المصطلحات ضبطًا دقيقًا يجعل منها قوانين مطّردة تتّفقُ عليها العقول، كلّ ذلك دعاهم إلى إمعانٍ في الفكر، وتعمّق في الاستنباط، ودقّة في الاستدلال، وهذا الجهد والعناء في استنفاد طاقة العقل أثّرَ فيما يبدو في أسلوبهم وطريقة أدائهم، فشاب التعقيد أسلوبهم، وغلب الغموض على كتابات بعضهم ممّا احتيج معه إلى وضع الشروح والتلخيصات لتجاوز هذه الصعاب والعقبات، وتذليل تلك المزالق الأسلوبية التي تولّدت بصورة طبيعية عن امتزاج العُجمة بعلم الكلام، وهو الأمر الذي كان – فيما يبدو – أحدَ أسباب التعقيد في البلاغة العربية.
3-ارتباط البلاغة بقضية إعجاز القرآن:
إنّ ارتباط البلاغة بقضية إعجاز القرآن أمرٌ واضحٌ جليٌ في كثير من كتب البلاغة ومصادرها الأساسية، إذ يكفي الاطلاع على عناوين بعضها لإدراك هذه العلاقة القويّة، فدلائل الإعجاز للجرجاني، ونهاية الإيجاز في دراية الإعجاز للرازي، والطراز المتضمّن لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز للعلوي، والتبيان في علم البيان المطلع على إعجاز القرآن لابن الزملكاني، وغيرها من كتب البلاغة الأساسية التي كانت غايةُ بحثها الوصولَ إلى فهم الإعجاز في القرآن، ولذلك وُجدَ في كثيرٍ منها بابٌ لدراسة الإعجاز، وقد انتقد العلوي أولئك البلاغيين من أمثال السّكاكي وابن الأثير الذين لم يفردوا بابًا في كتبهم لهذا الموضوع، الذي كان يرى فيه الهدف المقصود، والغرض الأساسي من دراسة البلاغة ( ).
وقضية إعجاز القرآن التي كان العرب الأوائل في زمن التنزيل يُدركونها بفطرتهم اللغوية، أصبحت فيما بعدُ في العصور المتأخرة قضية فكرية تحتاج إلى التعليل العلمي بعد فقدان العرب لتلك الفطرة، وغدت حاجة المسلمين إلى إدراك هذا الإعجاز بالوسائل العلمية متاحة في عصرهم، وفي بيئة المتكلّمين كثرت أساليب الجدال بشأن الإعجاز، ولا سيّما بين المعتزلة وغيرهم من أصحاب المذاهب الكلامية، وأصبحت البلاغةُ وسيلة من الوسائل التي يعلّل بها الإعجاز ويُرد بها على الخصوم، وكانت حاضرة في علم الكلام حضورًا بيّنًا واضحًا.
فهذا الارتباط بين علم البلاغة وقضية الإعجاز القرآني قد أفرز تلك الدراسات والمباحث الجليلة في فهم قضية الإعجاز ومحاولة تعليلها تعليلاً لغويًا وبلاغيًا كما هو الشأن عند عبد القاهر والزمخشري وغيرهما، ولكنّه أفرز في الوقت نفسه غموضًا ومسالك صعبة في علم البلاغة بسبب الاهتمام الزائد بمجادلة الخصوم ومحاولة إقناعهم وإفحامهم، ولذلك عِيبَ على عبد القاهر أسلوبه الجاف الذي يميل إلى التعقيد أحيانًا كثيرة في كتابه دلائل الإعجاز، ولعلّ السبب في ذلك كما يرى محمود شاكر أنّه كان مهتمًا بنقض آراء القاضي عبد الجبار صاحب المغني وطائفة من المعتزلة في مسألة اللفظ ( ).
فقضية الإعجاز مثلما أثّرت تأثيرًا واضحًا في توجيه التأليف في البلاغة، فإنّها غَدت كذلك وسيلة من وسائل دراسة علم الكلام ( )، ومن هنا كانت – فيما يبدو - سببًا من أسباب ذلك التعقيد الذي يُلحظ في بعض مسائل البلاغة وقضاياها الأساسية.
4- تراجع الأدب وعزلة العربية:
عرف الأدب العربي تراجعًا وضعفًا لاحظه النقاد ودارسو الأدب في العصور التي تلت القرن الخامس الهجري، وكان من نتائج ذلك اهتمام الدارسين – في الغالب الأعمّ - بقوانين البلاغة وشواهدها القديمة دون أن يجدوا في أدب بيئتهم حافزًا لهم يشحذ هممهم، ويدعوهم إلى دراسته وتحليله والاستشهاد به في مباحثهم البلاغية، وترتّب على ذلك كما هو بادٍ في كتب البلاغة ابتعاد البلاغيين المتأخرين عن البحث في عناصر الجمال الأدبي، وكان جلّ اهتمامهم منصبًا على القواعد والقوانين الصارمة التي هي في نظرهم بمثابة الأدوات الضرورية في تلقي الدرس البلاغي وتعلّم أساليبه، وترتّب على ذلك أيضًا جفافٌ في الأسلوب، ووعورة في طرق الأداء كان لهما حظّ في ذلك الغموض والتعقيد اللذين لمسهما الدارسون قديمًا وحديثًا.
ورأى أمين الخولي أيضًا أنّ اللغة العربية بعد القرون الثلاثة الأولى أصابتها عُزلة تامة أو ناقصة عن الحياة الاجتماعية، وكان من نتائج ذلك "أنّ البلاغة العربية حينما جُعلت درسًا تعليميًا يُمارس ويُزاول بطرق مدرسية منظمة، كانت ظروفه تقضي عليه بإيثار منهج تعليمي وأسلوب بحثٍ مدرسي له صفة واضحة معينة، هي الاتجاه إلى الناحية النظرية التعليمية التي تعتمد على الضبط العقلي، والقواعد المطّردة، والحدود الضابطة وما إلى ذلك، الأمر الذي يحقّق الغرض العام التهذيبي المحض، ولا يتحققُ معه في سهولة كثيرٌ من الغرض الأدبي العلمي الذي يُراد من تعلّم اللغة، ومعرفة أدبها وفنّها القولي، فالحالة الاجتماعية كانت تدفعُ إلى هذا المنهج، أو لا أقلّ من أنها ترجّحه"( ).
فهذا الذي قرّره الخولي من سعي البلاغيين وميلهم إلى الجانب التعليمي المحض في دراستهم للبلاغة بسبب ما ذكره من عزلة العربية عن الواقع السياسي وواقع الحياة الاجتماعية أمرٌ يحتاجُ إلى مراجعة، لأنّ الضعف السياسي، وما تبعه من خلل في الحياة الاجتماعية أثّر في الوضع الحضاري بصورة عامة، وأثّر بلا شكّ في واقع اللغة العربية، ولكنّه لم يصل بها إلى حَدِّ العزلة التامة أو الناقصة، فقد كانت العربية حاضرة في الكتابات العلمية والتاريخية واللغوية، ويكفي أن نذكر هنا علماء وأعلامًا من أمثال الغزالي (505هـ)، ابن الجوزي (597هـ)، وابن الأثير (637هـ)، وابن تيمية (728هـ)، وابن قيم الجوزية (751هـ)، وابن خلدون (808هـ)، وابن الوزير الصنعاني (840هـ)، وغيرهم ممن له صلة بالبلاغة والكتابة الأدبية، أو بالعربية والشريعة بعامة، لنعرف أنّ العربية كانت هي لغة العلم والكتابة، وأما إيثار المنهج التعليمي القواعدي البحت في تدريس البلاغة وتعليمها فكان نتيجة طبيعية لتراجع الأدب، وللأسباب التي ذكرناها في السابق.
5- أثر الفلسفة في البلاغة:
قبل الحديث عن هذه القضية المهمّة في مسألة التعقيد وأسبابه، لا بدّ من الإشارة إلى ثلاثة أمور مهمّة: أولاً: كانت أهداف البلاغيين في دراستهم للبلاغة إمّا دينية، أو تعليمية، أو نقدية، فالهدف الديني مرتبط بدراسة الإعجاز البياني في القرآن ومحاولة بيانه وتعليله، والهدف التعليمي هو تعليم الناشئة فنون القول والكتابة بعد شيوع اللحن وفساد الألسنة، والهدف النقدي يتّصلُ بتمييز الكلام الحسن من الرديء، والموازنة بين القصائد والخطب والرسائل، والبحث عن أسرارها الجمالية ( )، ولاختلاف الأهداف كان لا بدّ من التفريق بين نوعين من أنواع البلاغة القديمة: البلاغة العلمية، والبلاغة التعليمية، فالعلمية هي التي تُعنى بصياغة القواعد وتفسيرها وتعليلها مع مراعاة التنظير والتفسير والوصف العلمي، وهذا النوع من البلاغة لا يُراعى فيه التسهيل بقدر ما يراعى فيه التبصّر والوصول إلى الحقيقة، ونلحظ ذلك عند السّكاكي مثلاً، وأمّا البلاغة التعليمية فهي التي تسعى إلى تبسيط القواعد وتيسيرها وشرحها وتقديمها إلى المتعلّمين في ثوب مهذّب، كما هو الحال في منهج القزويني والعلوي.
ثانيًا: ضرورة التفريق بين تيسير البلاغة عند القدماء وتيسير البلاغة في العصر الحديث، وذلك لاختلاف الأسباب والظروف، يقول عبد الكريم خليفة:"إنّ الأسباب التي دفعت الدارسين إلى تناول موضوع العربية تيسيرًا أو تسهيلاً، تجديدًا أو إحياءً، مختلفة تمامًا عن الأسباب التي دفعت أئمة العربية في عصر ازدهارها الحضاري للتصدي لهذا الموضوع بعينه تيسيرًا أو تجديدًا أو إحياءً" ( ).
ثالثًا: ضرورة التفريق في هذا السياق أيضًا بين مسألتين: فلسفة البلاغة، والبلاغة المُفلسفة، فالبلاغة المفلسفة يُقصد بها البلاغة التي امتزجت بالأفكار والتصوّرات والمصطلحات الفلسفية، فهي بلاغة تختلط بالفلسفة حتى صارت كأنها جزءٌ منها، وأمّا فلسفة البلاغة فالمقصود منها تعليل القواعد البلاغية، والبحث عن أسرارها وأهدافها وغاياتها، وما فيها من قيم جمالية وفكرية، مثلما يقال في علوم أخرى فلسفة التربية، وفلسفة الأديان، وغير ذلك ( ).
ففلسفة البلاغة بمفهومها الحديث تعني دراسة القواعد البلاغية وتعليلها علميًا ومنطقيًا، وهي بمثابة علم الأصول الذي يبحث في قواعد الأدلة الشرعية العامة، وهذه هي الفلسفة التي قد بدأها عبد القاهر حين استفاد من المعطيات العلمية والنقدية التي كانت قبله، وحاول وضع القواعد التي تفسّر وتكشف عن أسرار الجمال في الكلام البليغ عامّة، وفي القرآن الكريم على وجه الخصوص، ثمّ استمرت الدراسات من بعده في هذا الاتجاه نفسه، إلى أن انحرف بعضها عن مجالها الذي حدّده عبد القاهر وهو دراسة النصوص الأدبية.
لقد أشارت دراسات كثيرة إلى أنّ من أسباب التعقيد الذي دخل إلى موضوعات البلاغة تأثر البلاغيين وفي مقدمتهم عبد القاهر الجرجاني بالفلسفة اليونانية ( )، وقد كان من نتيجة ذلك أن تسرّب كثيرٌ من المسائل الفلسفية المعروفة عند فيلسوف اليونان أرسطو إلى البلاغة العربية، وفضلاً على ذلك كلّه كان لدخول علوم أخرى ساحة البلاغة مثل النحو وعلم الأصول والإعجاز- وهي علوم تأثرت أيضًا بالفلسفة وعلم الكلام – إسهامٌ ما في ذلك التعقيد الذي شمل المنهج والموضوعات على حدٍ سواء، ويظهر ذلك من جهة كثرة التعليلات، والإسهاب في التقسيمات، والوعورة في المصطلحات، والجفاف في الأسلوب، كما أنّها أسهمت إلى حدّ ما في إبعاد علم البلاغة عن موطنه الأصلي الأدب، فقد كان القرآن الكريم، والحديث الشريف، وكلام العرب المنظوم والمنثور هو مادة البلاغة وجوهرها في بداية نشأتها الأولى، حتى وصلت إلى مرحلة النضوج والاستواء في عهد عبد القاهر الجرجاني.
ومع أنّ الدارسين المحدثين قد بحثوا هذه المسألة بحثًا مستفيضًا، وقدّموا أحكامًا جاوز بعضها حدود الإنصاف، إلاّ أنّ تباين الآراء بشأنها يجعل من البحث في تلك الأدلة والآراء أمرًا مهمًا في سياق البحث في قضية تيسير البلاغة في تراثنا القديم، وبدايةً يمكن القول بأنّه قد لا تكون هناك أيّ فائدة ترجى في الحكم على البلاغة القديمة بالجمود والعقم بسبب تأثرها بالفلسفة سوى الإلغاء والإقصاء لجهود كبيرة قدّمها الأعلامُ من قدامى البلاغيين في سبيل خدمة هذا العلم وتطويره.
لقد كان تأثير الفلسفة وعلم الكلام في علم البلاغة أمرًا بيّنًا تسنده أدلة من كتابات العلماء وأقوالهم، ويكفي أن نشير هنا مثلاً إلى ما صنعه حازم القرطاجنّي في كتابه منهاج البلغاء( )، حين سعى إلى تطبيق نظريات أرسطو النقدية والبلاغية في محاولة فهم الشعر العربي وتقويمه جماليًا. ولكنّ هذا الصنيع على ما فيه من خصوصية وجرأة، لا يمكن تعميمه على البلاغيين الآخرين، ومع ذلك كلّه فهو لا يسلب القرطاجنّي أصالة الإبداع الفكري، وقد أثبتت بعض الدراسات الحديثة أنّ أعمال أفلاطون وأرسطو كان لها تأثير كبير في فكر الكثير من دارسي البلاغة، وهو أمر ظاهر في كتابات البلاغيين الذين تأثروا بالفلسفة اليونانية ( ).
إنّ الابتعاد عن مجال البلاغة وجوهرها، والخروج عن إطارها باعتماد موضوعات فلسفية ومنطقية مجرّدة، واستخدام أساليب المناطقة والمتكلّمين في كتابات البلاغيين المتأخرين، هو أمرٌ أسهم في شيءٍ من التعقيد الذي لحق بالبلاغة، ولكنّه أمرٌ كان له ما يسوّغه في البلاغة القديمة، وخاصّة إذا علمنا أنّ هؤلاء البلاغيين كانوا في غالبيتهم من الفقهاء والأصوليين والمتكلّمين، ولم يكونوا من الأدباء أو الشعراء المعروفين في فنون النظم والكتابة الأدبية.
لقد اتخذت آراء الدارسين بشأن هذه القضية اتجاهين مختلفين: الاتجاه الأول منهما يرى أنّ تأثير الفلسفة في البلاغة كان كبيرًا، والاتجاه الثاني يرى أنّ ذلك التأثير كان محدودًا، وربما معدومًا عند عبد القاهر مؤسّس علم البلاغة، وسنعرض الآن لبعضٍ من تلك الآراء والأفكار في سياقٍ قد يساعدنا في استجلاء مسألة التعقيد وأسبابها في البلاغة القديمة.
(1) البلاغة العربية المُفلسفة:
يمثّل الاتجاه الأول طه حسين الذي بدأ بالرأي القائل بتأثير أرسطو والمنطق اليوناني عامّة في البلاغة العربية، ثمّ تبنّى بعض تلامذته هذا الرأي وأشاعوه في دراساتهم مع شيء من البسط والتوسّع في الأدلّة والتحليل والمناقشة، قال طه حسين :"لم يكن عبدُ القاهر الجرجاني عندما وضعَ في القرن الخامس كتابَ "أسرار البلاغة" المعتبر غرّة كتب البيان العربي إلاّ فيلسوفًا يجيدُ شرح أرسطو والتعليق عليه، وإنّا لنجدُ في كتابه المذكور جراثيم الطريقة التقريرية التي أودت بالبيان العربي في القرن السادس …ولا يسعُ من يقرأ دلائلَ الإعجاز إلاّ أن يعترف بما أنفقَ عبد القاهر من جهدٍ صادقٍ خصبٍ في التأليف بين قواعد النحو العربي، وبين ما لأرسطو في الجملة والأسلوب والفصل من الآراء العامة، وقد وُفق عبد القاهر فيما حاول توفيقًا يدعو إلى الإعجاب" ( ).
فهذا رأيٌ جازمٌ في تأثير أرسطو وفلسفته في البلاغة العربية، وهو محتاجٌ إلى أدلة كثيرة تُسنده وتقوّيه، وهو ما لم يفعله طه حسين، فجاء أمين الخولي وتوسّع في استجلاء هذه القضية بالبحث عن الأدلة التي تدعّم هذا الرأي، وتوصّل إلى أنّ قضية تأثير الفلسفة الكلامية في ظهور البلاغة قضية صريحة حدّث عنها المتقدّمون، واستدل بقولين أحدهما للجاحظ والآخر لابن تيمية لإثبات أنّ القدماء قد تحدّثوا عن هذا التأثير وأشارُوا إليه، وتوصّل في خلاصة بحثه إلى أنّ الشعور بتأثير خطابة أرسطو وشعره، أو تأثير الفلسفة عامة شعورٌ قديمٌ، ولم يقف عند القول بالتأثير في البلاغة، بل جاوز ذلك إلى الشعر والكتابة ذاتهما ( ).
وقد لا يتّسع هذا المقام لمناقشة آراء الخولي بشأن حديث القدماء عن تأثير الفلسفة في البلاغة، ولكنّ الأسباب التي ذكرها قد تستخدمُ أيضًا في رفع الملامة عن قدامى البلاغيين الذين كانوا يكتبون لأهل عصرهم، مُنسجمين مع بيئتهم الثقافية، وظروفهم الاجتماعية، ولا يمكن وصفهم بحال من الأحوال بالجمود، وقلّة الفائدة، وندرة الإبداع، ووضع بلاغتهم في دائرة التراث الميّت الذي عفا عليه الزمن، وقد يكون النظر إلى جهود السابقين مشوبًا بما يشعر بالاستخفاف بسبب تأثرهم بالفلسفة كما هو الشأن عند البرقوقي الذي قال متحدثًا عن الذين جاءوا بعد القزويني:"ظهر حوالي ذلك قومٌ درجوا في عشّ الفلسفة، فوضعوا على الكتاب الشروح والحواشي، وسلكوا بهذا العلم مسلكًا تنكره اللغة ويستهجنه البلغاء، فأغمضوا عن أسرار البلاغة، وتشبثوا بالفلسفة، وحمي بينهم وطيس المناظرة، حتى أتوا على الذَّمَاء الباقي من هذا العلم" ( ).
وذكر شوقي ضيف أنّ فلسفة أرسطو قد تسرّبت إلى كتابات عبد القاهر عن طريق أساتذته وثقافة عصره التي عرفت مثل تلك الآراء، ورأى في عبد القاهر عالمًا نحويًا كبيرًا قد أشربت روحُه كلَّ ما كتبه أساتذته من أمثال أبي علي الفارسي، وابن جنّي، فاضطرمت مباحثهم في نفسه، واضطرمت معها مباحث البلاغيين من قبله، ومباحث "الخطابة"، و"نقد الشعر"، فكان كلامُه في بعض المواضع من كتبه شديدَ الصلة بكلام المناطقة، ممّا يدلّ على تثقّفه بالمنطق واصطلاحاته وقوانينه ( ).
وكان من نتائج هذا التأثّر بالمنطق اليوناني في نظر شوقي ضيف أنّ "أبحاث عبد القاهر في كلّ هذه الأبواب –حين تصفّيها من عباراته المنمّقة وحماسته البالغة لنظريته – لا تجدُ فيها إلاّ هذا النحو المعقّد المتفلسف الذي يحمّل اللغة ما لا تطيق، والذي يستحيل إلى ضربٍ من التجارب العقلية، والتأويلات الفلسفية لأساليب العربية" ( ).
فعبد القاهر في نظر هؤلاء الذين سقنا بعضًا من آرائهم لم يكن بعيدًا عن أجواء المنطق اليوناني، وهو الأمر أدى به اتّباع تلك المسالك الوعرة، والأساليب الجافة التي ظهرت في منهجه وأسلوبه، ولاسيما في طول الجملة، والإفراط في التجريد والمجاز المستغلق، ثمّ إنّ حديث هؤلاء عن تأثر البلاغة بالمنطق اليوناني هو حديث عن التصوّرات المثالية لما يجب أن تكون عليه بلاغة القدماء، ولذلك فقد وقع هؤلاء الدارسون في محذور الحكم على الشيء بخصائص غيره، لأنّ مزج الدراسة الفنية بأشياء من الفلسفة والمنطق كان نتاجًا طبيعيًا للأحوال التي عاشتها الأجواء الأدبية والبلاغية في العصر الوسيط ( )، فضلاً على عدم التفاتهم إلى السمات الإيجابية في مذاهب أولئك العلماء وجهودهم في خدمة علم البلاغة وفق معطيات عصرهم.
(2) دفاع عن البلاغة القديمة:
يرى الاتجاه الثاني أنّ تأثير الفلسفة وعلم الكلام في البلاغة العربية كان محدودًا وربّما معدومًا عند عبد القاهر، ومثّلَ هذا الاتجاه أكثرُ من دارس منهم أحمد بدوي الذي انتهى في أبحاثه إلى ما يشبه اليقين من أنّ عبد القاهر لم يكن على صلة بكتابي أرسطو "الخطابة" و"فن الشعر"، فالموازنة بين ما كتبه أرسطو وما كتبهُ عبد القاهر في مسألة الاستعارة - مثلاً - تُري أنّ الصلة بين الدراستين إذا تشابهت في القليل فذلك لأنّ طبيعة العمل الفنّي تتشابه في اللغات بطبيعتها، ولذلك لم يستفد عبد القاهر كثيرًا ممّا كتبه أرسطو( )، وقارن أحمد بدوي بين موقفي أرسطو وعبد القاهر في مسألة فهم المعنى، وهي مسألة جوهرية في البلاغة العربية، فقال:"وقرّر أرسطو في بعض فصول الكتاب أنّ لذة الفهم الخالي من العناء هي إحدى اللذات الطبيعية لبني الإنسان، وأنّ الكلام الذي يعطينا مدلولَه في يسرٍ يهبُ لنا أكبر مقدار من اللذة العقلية، وهذه هي المزية الكبرى للمجاز". وعلى النقيض من ذلك كان رأي عبد القاهر الجرجاني الذي قرّر"أنّ المعنى إذا أتاك ممثّلاً فهو في الأكثر ينجلي لك بعد أن يحوجك إلى طلبه بالفكرة، وتحريك الخاطر له، والهمّة في طلبه، وما كان منه ألطف، كان امتناعه عليك أظهر، واحتجابه أشدّ" ( ).
وأمّا محمد زغلول سلاّم فرأى أنّ تأثير القرآن في تربية الذوق العربي وصقله في محاولة كشف جمال الأساليب العربية أمرٌ واضحٌ لا يخفى، ولا يغيّر منه القول بأنّ بلاغة أرسطو قد تدخّلت في الميدان، فبلاغة أرسطو كما انتقلت إلى الفكر العربي، وبصورتها التي عرفت بين علماء العرب- وهي صورة مشوّهة منتقصة، فضلاً على أنّها لم تتمكّن من العقول، ولم تطمئن إلى طبائع العرب، لاختلاف البيئة والأدب والذوق- لا يمكن أن تكون آثارها ذات خطر كبير، أو جدوى كجدوى الأثر القرآني ( )، وهو الرأي نفسه الذي تبناه إبراهيم سلامة في سياق إثباته أصالة البلاغة العربية وتميّزها عن بلاغة اليونان بمصدرها الأساسي القرآن الكريم فقال:" وبعد فإنّا لو سلّمنا أنّ الطباق يوناني، لأنه مبني على التضاد، والتضاد منطقي، وإذا كانت المقابلة يونانية لأنها مبنية على التشابه، والدلالة بالتشابه وبالمثل دلالة منطقية يعرفها أرسطو، وإذا كان الجناس يونانيًا، لأنه مخاتلة، ولأنّه تلاعب بالألفاظ، وإذا كانت الاستعارة نفسها والتشبيه نفسه يونانيين، لأنّ الأولى خروج الألفاظ تحت تأثير الانفعال، ولأنّ الثاني دلالة طبيعية يعمد إليها الإنسان – حتى البدائي – إذا أراد المناظرة والمماثلة والتدليل على أن الغائب مثل الحاضر، وإنّ كلّ هذه المعاني - زيادة على أنها إنسانية وحيوية في كلّ لغة حية - تتّجه إليها الأذهان الحية إذا وجد في طبيعة اللغة وفي حيويتها ما يساعد على ذلك" ( ).
ومع أنّ إبراهيم سلامة لا يُنكر تأثير الفلسفة اليونانية في البلاغة العربية، إلاّ أنّه يرى في ذلك بعدًا حضاريًا يدلّ على قوّة التفكير العربي، واتساع أفقه، وقبوله للثقافات الأجنبية، ويدلّ من ناحية أخرى على الشخصية وقوتها، هذه الشخصية التي جعلت البلاغيين يتخيرون فيما ينقلون، ويدفعهم هذا التخير أحيانا إلى مخالفة ما ينقلون عنه… وهكذا فعل العرب في بلاغتهم، فقد زادوا على الأبواب القليلة التي عرفوها من بلاغة أرسطو زيادة لم تخطر على بال، ولم ينقلوا إلى بلاغتهم إلا ما اتّفق مع أدبهم ( ).
وانتهى البحث في هذه المسألة عند السيد عبد الفتاح حجاب إلى أنّ صعوبة المنهج في بلاغة عبد القاهر مردّها محاولته إثبات الإعجاز القرآني، فقد كان متحمّسًا في إثباته لنظرية النظم باعتبارها مرجع الإعجاز، ولذلك فقد اصطبغ كلامه في كثير من الأحيان بصبغة جدلية حتمتها طبيعة البحث، وظروف نشأته …ومع ذلك فقد أضفى على كلامه الجاف والصعب من روحه الأدبية، وحسّه الفني، ما خفّف كثيرًا من صرامته وتجهمه ( ). ومن هنا فإنّه إذا كان ذوقُنا اللغوي المعاصر لا يستسيغ بسهولة مثل هذه الفروق فليس معنى ذلك أنها تمحّلات فلسفية فكرية، لا تعتمد على أساس من واقع اللغة( ).
ومن الدارسين الذين ينفون نفيًا قاطعًا تأثّر بلاغة عبد القاهر بفلسفة أرسطو فضل حسن عباس، فقد ردّ على طه حسين والقائلين بتأثير أرسطو في البلاغة العربية، وتوصّل بعد البحث إلى أنّ عبد القاهر كان بعيدًا كلّ البعدِ عن فيلسوف اليونان، وكلّ المحاولات التي بُذلت لتُثبت تتلمذ عبد القاهر لأرسطو تقوم على التكلّف، والتمحّل، والشطط، والإغراب، والإدعاء، والتخمين، والاستنتاج من مقدّمات غير ثابتة ( )، واستدل على ذلك بأنّ ثقافة عبد القاهر لم تكن من ذلك النوع الممزوج بالمنطق، فلم يعرف عنه تنكّره لمن قبله من العلماء، بل على العكس من ذلك، أخذ عن الكثيرين وذكرهم، ولم يُشر من قريب أو بعيد إلى أرسطو( ). وحاول إثبات أنّ عبد القاهر لم يتأثّر بفلسفة أرسطو التي كانت قد انتشرت في عصره، بدليل أنّه ذكر المصادر التي أخذ عنها، ولم يذكر كتابي أرسطو، هذا كلّه قد لا يكون كافيًا في الاستدلال على نفي التأثّر، لأنّه ربما يكون قد أفادها من أساتذته، أو أنّه اطلع عليها مباشرة ولم يذكرها في ذلك المقام الذي عُني فيه بإثبات الإعجاز القرآني وتعليله لغويًا وبيانيًا، ومع ذلك كلّه فإنّ تأثّر عبد القاهر بالمنطق اليوناني إذا كان قد ثبت بالفعل؛ فإنّه لا يغيّر شيئًا في تلك الجهود التي بذلها في صياغة البلاغة العربية من جديد، وتحديده لنظرية النظم بطريقة علمية فيها كلّ عناصر الأصالة والإبداع.
ولعلّ من الآراء التي وازنت بين الاتجاهين السابقين ما ذكره أحمد مطلوب في هذا الشأن حيث قال:"مهما قيل في الفلسفة والمنطق وعلم الكلام فإنها أثّرت في البلاغة العربية، وفي كتبها أمثلة من ذلك التأثير، ولن نذهب مذهب المنكرين ولا مذهب المتطرّفين، وإنما نقول إن الحياة الجديدة التي عاشها العرب في العصر العباسي كانت زاخرة بثقافات مختلفة ولا بدّ أن تؤثر هذه الثقافات فيما أنتجوه، وقد رأينا أن المتكلّمين أثّروا في البلاغة وكان للفلسفة والمنطق وكتب اليونان أثرٌ لا ينكر، وفي حديثنا عن بشر بن المعتمر، والجاحظ، وقدامة، وصاحب البرهان، وعبد القاهر، ما يغني عن البيان، ولكنّ الأثر لم يكن عظيمًا في هؤلاء لأنّهم عاشوا في عصر ازدهار الأدب، فظلّت البلاغة بعيدة عن هذا التأثير العظيم"( ).
ولا بدّ من الإشارة في هذا السياق إلى تلك الآراء القيّمة التي ساقها محمود شاكر في تقويمه للبلاغة العربية القديمة، وكتب التراث ورجاله بعامة؛ فقد ذكر في سياق ردّه على أولئك الذين يستهينون بما كتبه البلاغيون بعد السكاكي بأن هذه الكتب جميعًا منذ السكاكي إلى الدسوقي كانت تقعيدًا لبعض ما كتبه عبد القاهر في كتابيه في البلاغة، فهو أول من أسّس علم البلاغة تأسيسًا بالغ الدقة، ومن طلب البلاغة منهما وحدهما، فقد وقع في بحر تتلاطم أمواجه، راكبه على غرر الغرق، والذي يضمن لراكبه النجاة هم الذين قعّدوا قواعد علم البلاغة، وكتبوا الكتب والحواشي وضمنوها درراً لا يُعرض عنها إلاّ جاهل، ولا يذمّها ويحثّ الناس على الإعراض عنها، إلاّ من استهان بالعلم والعلماء( ).
استنتاج:
إنّ النظر المتأني في آراء الدارسين وأدلتهم، وما أسهموا فيه في توضيح هذه القضية يقودُ إلى حكم وسط بين المنكرين والمغالين، فتأثير الفلسفة وعلم الكلام في علم البلاغة أمر بيّن واضحٌ في الكثير من كتابات البلاغيين ولا سيّما السكاكي، وتؤكده حقيقة كون أولئك البلاغيين في غالبيتهم من المتكلّمين والأصوليين والفقهاء، ولكنّ حجمَ هذا التأثير لم يكن كبيرًا كما يرى أولئك المغالون، وإنّما كان ضمن حدود التأثّر والتأثير التي تعرفها الثقافات والعلوم في كلّ العصور، ثمّ إنّ الخصوصية الدينية والثقافية للعلوم عند العرب والمسلمين تنبني على خُصوصية مصادرها ومرجعيتها العليا المتمثّلة في القرآن الكريم، والسنّة النبوية، والتراث الحضاري للأمّة، ومن هنا فإنّ الاستفادة من الفلسفة والمنطق اليوناني كانت قائمةً على منهج الانتقاء، والاستفادة العلمية الواعية، وهو المنهج الذي أسهم في تطوّر علم البلاغة في الجوانب المنهجية والنظرية، وأعطاه نكهة العلم بعد أن علّل العلماء وفي مقدّمتهم عبد القاهر كثيرًا من المسائل العالقة تعليلاً علميًا يقبله المنطق والعقل، ولا ينفر منه الذوق، وإذا كان لكلّ عصرٍ ظروفه النفسية والاجتماعية التي تدفع به إلى اتخاذ إطار ونمط في الأدب والعلم يُؤثره على غيره من الأنماط والأطر، وإذا كانت الأساليب تختلف باختلاف الذهن والثقافة والنوع والغرض والحال والشخص الذي يتحدّث كما يرى أحمد حسن الزيّات( )، فإنّ القرن الخامس الهجري وما بعده كان بحاجة ماسة إلى نظريات علمية تفسّر قضية الإعجاز القرآني، وتبيّن أسرار الجمال في الأدب، وخاصّة بعدما فقد النّاسُ في ذلك العصر الفطرة اللغوية، وهي من أهمّ أدوات الفهم والإدراك التي فهموا بها بلاغة القرآن في عصر التنزيل.


ولكن مع هذا الأثر الفلسفي الذي أسهم في تطوّر علم البلاغة وجدنا هناك آثارًا أخرى سلبية خرجت بالعلم عن إطاره ومجاله أو كادت، كان منها استخدام البلاغيين لمصطلحات ليست من علم البلاغة في شيء، واتباعهم للتقسيمات المعروفة في علم الكلام، وابتعادهم في عرض مادتهم البلاغية عن الأسلوب الأدبي الجميل، واهتمامهم المتزايد في الإطار العام بالجانب النظري على حساب الجانب التطبيقي وتحليل النصوص، ولعلّ هذه الأسباب كانت محفّزة لابن الأثير – الذي كان شديد النفور من الفلسفة والمنطق – إلى السعي من أجل إعادة البلاغة العربية إلى مهدها الأول، وهو الأدب بنصوصه الجميلة قديمها وحديثها، والعودة بها إلى المنهج الأدبي الذي يميل إلى تحكيم الذوق الموضوعي في دراسة النصوص.
ثانيًا: ملامح تيسير البلاغة في المصادر البلاغية القديمة:
أشار البلاغيون القدامى في مقدّمات مصنّفاتهم إلى منهجهم في دراسة البلاغة، وتحدّثوا عن الإضافات التي أضافوها إلى السابقين بما يميّز منهجهم، ونجد في بعضٍ من تلك المقدّمات من أشار في منهجه إلى قضية التيسير والإيضاح لمسائل علم البلاغة، تلك المسائل التي لوحظت الدقّة في أبحاثها، والوعورةٍ في مسالكها، وهو أمرٌ كان يحتاج معه الدارس الراغب في معرفة أسرار البلاغة واستيعاب دلائلها، إلى سلوك أصعب السبل وأعسرها، فهذا القزويني يتحدّث في تلخيصه عن منهجه الرامي إلى التيسير والتبسيط فيقول:"كان القسم الثالث من مفتاح العلوم الذي صنّفه الفاضل العلامة أبو يعقوب يوسف السكاكي أعظم ما صُنف فيه من الكتب المشهورة نفعًا، لكونه أحسنها ترتيبًا، وأتمّها تحريرًا، وأكثرها للأصول جمعًا، ولكنّه غير مصون عن الحشو والتطويل والتعقيد، قابلاً للاختصار، مفتقرًا إلى الإيضاح والتجريد، ألفت مختصرًا يتضمن ما فيه من القواعد، ويشتمل على ما يحتاج إليه من الأمثلة والشواهد، ولم آل جَهدًا في تحقيقه وتهذيبه، ورتبته ترتيبًا أقرب تناولاً من ترتيبه، ولم أبالغ في اختصار لفظه تقريبًا لتعاطيه، وطلبًا لتسهيل فهمه على طالبيه" ( ).
فقد أشار القزويني صراحة إلى قضية التعقيد في بلاغة السكاكي فضلاً على الحشو والتطويل، وذكر أنّه يهدف إلى التسهيل والإيضاح، وتقريب البلاغة إلى الدارسين في ثوب مهذّب جديد، وكان من العلماء الذين سعوا أيضًا إلى أن يكون منهجهم متميّزًا في هذا الجانب يحيى بن حمزة العلوي حيث قال في كتابه الطراز:"أرجو أن يكون كتابي هذا متميّزًا عن سائر الكتب المصنّفة في هذا العلم بأمرين: أحدهما: اختصاصه بالترتيب العجيب، والتلفيق الأنيق الذي يُطلع الناظر من أول وهلةٍ على مقاصد العلم، ويفيده الاحتواء على أسراره، وثانيهما اشتماله على التسهيل والتيسير، والإيضاح والتقريب، لأنّ مباحث هذا العلم في غاية الدّقة، وأسراره في نهاية الغموض، فهو أحوج العلوم إلى الإيضاح والبيان" ( ).
والعلوي متأثّرٌ بابن الأثير كبير التأثّر ( )؛ فقد أخذ عنه وسار على نهجه في الإكثار من تحليل الشواهد والنصوص، وقد كان ابن الأثير أحد الداعين بالفعل لا بالقول إلى تيسير البلاغة والعودة بها إلى الذوق الأدبي، فقد قال في المثل السائر:"واعلم أيّها الناظر في كتابي أنّ مدار علم البيان على حاكم الذوق السليم الذي هو أنفع من ذوق التعليم" ( )، ولعلّه يقصد بالتعليم ما يُعطى للدارس من نظريات وقواعد علمية ليحفظها ويعيها، وهو ما كان يسميه بالآلات أيضًا حيث قال:"ومَلاكُ هذا كلّه الطبع فإنّه إذا لم يكن ثمّ طبع فإنّه لا تغني عن تلك الآلات شيئًا" ( )، ومن أجل هذا كلّه حمل حملة عنيفة على المنطق والفلسفة ورأى في رجالها من أمثال ابن سينا وغيره رجالاً مغرورين، وأنّ كلامهم لغوٌ لا يستفيد به صاحب الكلام العربي شيئًا ( ).
واتّجه بدر الدين بن مالك (686هـ) إلى تيسير البلاغة بعدما لاحظ غموضًا في كتبها الأساسية، ولا سيّما كتاب المفتاح للسكاكي، فقد قال عن كتابه المصباح الذي لخّص فيه المفتاح:"فجاء كتابًا له حظّ من التحقيق، وحسن التهذيب، في مزيد الإتقان، وجودة الترتيب، على أني لم أبلغ بمقدار لفظه حجم أدنى المطولات، ولا بالتضييق على معانيه غموض أكثر المختصرات، وسميته كتاب المصباح" ( ).
ومن العلماء الذين سعوا إلى تيسير بلاغة عبد القاهر وترتيبها ترتيبًا جديدًا الرازي (606هـ) الذي قال:"لما وفقني الله تعالى لمطالعة هذين الكتابين (الدلائل والأسرار) التقطت منهما معاقد فوائدهما، ومقاصد فرائدهما، وراعيت الترتيب مع التهذيب، والتحرير مع التقرير"( )، ولكنّ الرازي مع جهوده البارزة في الترتيب والتهذيب يبدو أنّه لم يوفّق في الجانب الأسلوبي لغلبة النزعة الكلامية على تعابيره، وأمّا ابن الزملكاني (651هـ) فقد اتجه إلى تبسيط دلائل الإعجاز بأسلوب أيسر من أسلوب الرازي، ولكنّه أسرف في المسائل النحوية، وقد قال في كتابه التبيان:"غير أنّه [أي عبد القاهر] واسعُ الخطو، كثيرًا ما يكرّر الضبط، فقيدٌ للتبويب، طريدٌ من الترتيب يُملّ الناضر، ويُعشي الناظر، وقد سهّل الله تعالى جمع مقاصده وقواعده، وضبط جوامحه وطوارده، مع فرائد سمح بها الخاطر، وزوائد نقلت من الكتب والدفاتر" ( ).
ففي هذه الأقوال من الإشارات ما يدلّ على أنّ قدامى البلاغيين قد عُنوا بقضية التيسير في مصنّفاتهم، وقد تعرّضوا لها كلٌّ بمنهجه الذي ارتضاه لنفسه، ولكنّه التيسير الذي يناسبُ عصرهم ويلبّي حاجات الناس في ذلك العصر، وبالأسلوب الذي رأوه مناسبًا لأذواقهم، وهم سواء وُفقوا في ذلك أم لا فإنّهم كانوا يكتبون استجابة لما يتطلّبه محيطهم الاجتماعي والثقافي والمعرفي، ولذلك ليس من الإنصاف عند أولئك الداعين إلى تيسير البلاغة في العصر الحديث تحميل أولئك القدماء مسؤولية ما آلت إليه البلاغة في عصرهم، ذلك العصر الذي أسموه بعصر الجمود، وقد يكون الهدف من نقدهم للبلاغة القديمة ورجالها الرغبةُ في التجديد والإبداع والتحديث، إلاّ أنّه يسيء كثيرًا للتراث العلمي القديم، وينتقص من جهود أولئك الأعلام وكتاباتهم واجتهاداتهم، ومحاولة تفريغها من محتواها، بخيره وشرّه، وغثّه وسمينه، وتكفي الإشارة هنا إلى أنّ تاريخ علم البلاغة كغيره من العلوم محكوم بالظروف التاريخية التي تحكم كلّ بيئة وعصر، ولا سيّما الظروف المتعلّقة بالأدب وازدهاره، أو تراجعه وانحصاره، ونشير هنا أيضًا إلى أن تاريخ البلاغة في أوربا مرّ بمراحل مختلفة، وقد كان للفلسفة حضورها الواضح في علم البلاغة منذ أرسطو إلى العصر الحديث، ولكنّ التطوّر العلمي والثقافي، وازدهار المناهج النقدية جعل الدارسين يتجهون إلى تجديد البلاغة، والبحث في علم الأساليب من دون أيّة إساءة إلى بلاغتهم القديمة، ونفي تراثهم وجهود علمائهم الممتدة عبر قرون طويلة ( ).
إنّ جمهور البلاغيين ونقاد الأدب ودارسي الإعجاز يرون في عبد القاهر المؤسّس الأول لعلم البلاغة بسماته وخصائصه المميزة، وقد كانت كتاباته المحور الأساس لأغلب الدراسات البلاغية التي جاءت بعده، وحتّى السّكاكي في نظر الدارسين لم يكن سوى ملخّص بارع لكتابي عبد القاهر( ). ولمّا شاب كتابات عبد القاهر شيءٌ من الصعوبة والدقّة والعمق في أسلوبها وطريقة أدائها – وكذلك هو الشأن الغالب عند العلماء المفكّرين المؤسّسين للنظريات العلمية الرائدة – فقد عُنيت الدراسات التي جاءت بعد ذلك إمّا باستيعابها والسعي إلى تطبيق مفرداتها ومسائلها كما فعل الزمخشري في كشّافه، وإمّا بتلخيصها والسعي إلى توضيحها كما فعل الرازي في نهاية الإيجاز، وإمّا بإعادة ترتيبها وتصنيفها، وإضافة ما يمكن إضافته إليها كما فعل السّكاكي في مفتاح العلوم وكما فعل تلامذته الذين ساروا على منهاجه من بعده.
وقد تجلّت وسائل التيسير عند قدامى البلاغيين أكثر ما تجلّت في التلخيصات والشروح، مع إضافة ما يمكن إضافته إلى السابقين، وهو الأمر الذي يعين على استيعاب الدرس البلاغي، وسنتحدّث بإيجاز عن هاتين الوسيلتين لكونهما من أكثر الوسائل استعمالاً وشيوعًا بين القدماء.
(1) التلخيصات:
التلخيص عملية قد تتجلّى في صورتين: تقليدية وإبداعية، فأمّا التقليدية فهي التي تُعنى بالنقل الأمين المركّز لمضمون النّص، أو الاستخراج المباشر لأفكار النّص الرئيسة، وأمّا الإبداعية فهي التي تُواجه النصّ وتقوّم اعوجاجه وتُضيف إليه الإضافات اللازمة( )، وقد ظهرت التلخيصات وانتشرت بصورتيها في كثير من الدراسات البلاغية بعد عبد القاهر، وإن كان قد اشتهر منها على وجه الخصوص تلخيصُ القزويني لمفتاح العلوم للسكّاكيّ، وانتشار التلخيصات بعد السّكاكيّ وعبد القاهر يدلّ على اهتمام قدامى البلاغيين بعملية التلخيص باعتبارها منهجًا ووسيلة إلى الإيضاح، وطريقة ضرورية لتبسيط مسائل البلاغة وعلومها الدقيقة.
وقد يُنظر إلى التلخيص على أنّه عمل مكرّر يقود إلى ركود العلم وجموده، ويترتّب عليه فتور همم الدارسين في البحث عن الجديد، وهو الأمر الذي انتقده ابن خلدون بشدّة وعدّه منهجًا مخلاً بالتعليم في العصور المتأخرة ( )، ولكن قد ينظرُ إلى التلخيص على أنه نوعٌ من تيسير هذا العلم لتقديمه إلى الدارسين في كلّ عصر، وقد يلام أولئك الملُخِّصون على أسلوبهم الجاف لغلبة العجمة وتأثير علم الكلام عليهم، ولكنّ يبدو أنّ الذوق الأدبي في عصرهم كان ميالاً إلى هذا النوع من الأسلوب، ولذلك ينبغي ألاّ نحاسب القدماء بمقاييسنا العصرية، فروحنا الأدبية قد طرأ عليها تغيير كبير في الرؤى والأساليب والمضامين الفكرية.
ويستنتج الباحث من هذا التحوّل إلى المختصرات والتلخيصات رغبة العلماء في تيسير البلاغة على الناشئة حينما أحسّوا عزوفًا من الدارسين عن قراءة المصادر الأساسية، ويبدو أنّ هؤلاء البلاغيين فكّروا في أساليب التيسير والإيضاح، وتوصّلوا إلى أنّ تأليف المختصرات التي اختصرت أبواب البلاغة هو الأسلوب الأمثل في التيسير والتبسيط مع إضافة ما يمكن إضافته عليها من ملاحظات وتصويبات واقتراحات وشواهد جديدة، ومن هنا لم يكن التيسير اختصارًا وتهذيبًا للمطوّلات فحسب، وإنمّا هو عرضٌ جديد للموضوعات يمكّن الناشئة من استيعاب البلاغة، مع إصلاح شامل للدرس البلاغي، والسعي إلى تخليصه ممّا علق به من شوائب أدت إلى ذلك التعقيد والغموض.
(2) الشروح:
انتشرت الشروح عند البلاغيين المتأخرين الذين عُنوا بكتاب التلخيص للقزويني، فقد انكبوا على شرحه بمناهج مختلفة، وانتقد كثيرٌ من الدارسين هذه الشروح باعتبارها سببًا في جمود البلاغة وتراجعها، فقد تحدّث محمد رشيد رضا عن ذلك فذكر أنّ المتكلّفين من المتأخّرين هم الذين سلكوا بالبيان مسلك العلوم النظرية، وفسّروا اصطلاحاته كما يفسّرون المفردات اللغوية، ثمّ تنافسوا في الاختصار والإيجاز، حتى صارت كتب البيان أشبه بالمعمّيات والألغاز، ورأى أنّ من أثر فساد ذوق اللغة اختيار هذه الكتب (الشروح) حتى صارت "حواشي السّعد" (أي التفتازاني) تطبع وتنسخ، وكادت كتب عبد القاهر تمحى وتُنسى( ).
وهذا الرأي المتداول على ما فيه من رؤية نقدية تقويمية لمناهج الشرّاح، فإنّ فيه من التعميم الذي لا ينسحبُ على كلّ الشروح، لأنّ هذه الشروح على ما فيها من قيود وعيوب؛ كانت وسيلة مرتبطة بظروف تلك العصور التي كتبت فيها، وإذا نظرنا إلى بعضها بعين الإنصاف فإنّنا نجد فيها من الفوائد والإضافات الجليلة، وفضلاً على ذلك كلّه كانت هذه الشروح من وسائل التيسير في تلك العصور التي لم تَعد قادرةً على فهم البلاغة من مصادرها الأساسية، ولا سيّما في كتابي عبد القاهر "الدلائل" و"الأسرار"، وليس من الإنصاف كذلك إسقاط النظريات العصرية على ما كان موجودًا في تلك العهود السابقة، قال محمود شاكر عن التفتازاني –وهو من أشهر شرّاح التلخيص-:"إنّ الرجل كان يكتب لأهل زمانه، وما ألفوا من العبارة من علمهم، وإنّ فيه من النظر الدقيق في البلاغة قدرًا، لا يستهين به أحدٌ في نفسه قدرٌ من الإنصاف" ( ).
وأمّا مظاهر التيسير فقد تجلّت في عناصر مختلفة يتعلّق بعضها بالمنهج، وبعضها بالموضوعات، وبعضها بالمصطلحات، وبعضها الآخر بالشواهد والنصوص، وسنتحدّث بإيجاز عن هذه العناصر لاستجلاء جوانب منها قد تساعد في معرفة تطوّر التفكير البلاغي في كتب التراث.
(أ) التيسير في المنهج:
كان المنهج الذي سار عليه عبد القاهر في درسه البلاغي متميّزًا في دفاعه القويّ عن نظريته في النظم، وفي تحليلاته الدقيقة للنصوص، وفي استدلالاته الموفّقة على المسائل، وغير ذلك من المحاسن التي أثارت إعجاب السابقين واللاحقين على حدٍ سواء، ولكنّ منهجه هذا على ما فيه من أصالة وإبداع شابه شيءٌ من الغموض والوعورة في عرض تلك المسائل، ولعلّ من أسباب ذلك افتقاده إلى التبويب والتنظيم والترتيب، وهي العناصر التي اتجه الدارسون إلى استكمالها بعد ذلك، وتقديمها إلى المتعلّمين في ثوبٍ جديد أكثر سهولةً ويُسرًا، وكانت تجربة الرازي في نهاية الإيجاز رائدة في هذا الاتجاه، فقد أعاد ترتيب مسائل البلاغة وبوّبها تبويبًا جديدًا، ولولا أنّ نزعته الكلامية قد أثّرت على أسلوبه وطريقته في العرض لكان لكتابه شأنٌ آخر عند دارسي البلاغة، ثمّ اتجه السكّاكي بعد ذلك إلى صياغة مصطلحات علم البلاغة، وترتيب مفرداتها في أبواب ثابتة بعد أن وزعها بين علمي المعاني والبيان، وذلك بعد أن لاحظ تلك النقائص المنهجية في كتب عبد القاهر، وقد وُفق السّكاكي في منهجه النظري هذا، غير أنه وقع في ما وقع فيه الرازي من صعوبات أسلوبية سببها نزوعه إلى طرائق علم الكلام في عرض القضايا وتحديد المصطلحات.
واستمرت جهود التيسير بعد السكّاكي عند طائفة من البلاغيين من أمثال القزويني، وابن الزملكاني، والعلوي، وابن الأثير، وابن قيم الجوزية، وغيرهم، وقد كان لكلّ دارسٍ منهجه الخاص في دراسة البلاغة قد لا يختلف كثيرًا من حيث المضمون عمّا قرّره عبد القاهر والسّكاكي، ولكنّه من حيث ترتيب المادة العلمية وطريقة تناولها مباينٌ لمناهج الآخرين، ولعلّه من المفيد الإشارة هنا إلى أنّ من أبرز الذين حاولوا التيسير في المنهج ابن الأثير ثمّ يحيى بن حمزة العلوي، فأمّا ابن الأثير فأراد دراسة البلاغة بمنهج الأدباء لا المتكلّمين، وأما العلوي فحاول الجمع بين المدرستين الكلامية والأدبية، مع السعي إلى إبداع منهج جديد في التبويب والترتيب يكون أكثر تبسيطًا ويسرًا للدارسين.
(ب) التيسير في الموضوعات:
وجد البلاغيون المتأخرون صعوبةً في بعض المسائل البلاغية التي عرض لها عبد القاهر والسكّاكي، ومكمن هذه الصعوبة دقّةُ تلك المسائل، وجفاف أسلوبها، وكثرة تقسيماتها، وتنوّع مصطلحاتها، وانعدام الدقّة في صياغتها، فضلاً عن اللغة الفضفاضة وكثرة المتعاطفات، وقد أشاروا إلى شيءٍ من هذا في مصنّفاتهم، وحاولوا التيسير في تلك المباحث، سواء بإعادة ترتيبها وفق أبواب محدّدة لا تجهدُ القارئ في بحثه كما فعل القزويني في كتابه "الإيضاح"، وكما فعل بدر الدين بن مالك في كتابه المصباح، وابن قيم الجوزية في كتابه "الفوائد المشوّق إلى علوم القرآن"، وسواء بتبسيط مادتها وشرح مسائلها العويصة كما فعل ابن الزملكاني في كتابه "التبيان في علم البيان المطّلع على إعجاز القرآن" وغيره، وسواء بالتجديد في الأمثلة والنصوص لإيضاح ما كان محتاجًا إلى توضيح من تلك الموضوعات والمصطلحات الدقيقة كما فعل ابن الأثير والعلوي.
(جـ) التيسير في المصطلحات:
تطوّرت مصطلحات البلاغة على مدى الأجيال حتى استقرّت في كتاب مفتاح العلوم للسكّاكي، ثمّ في كتاب التلخيص للقزويني بعد أن أخذت دلالتها العلمية ومعناها الدقيق ( )، وقد اختلف البلاغيون كثيرًا بشأن تحديدها وبيان ماهيتها، الأمر الذي ترتّب عنه ذلك التوسّع والإكثار منها في العصور المتأخرة، ولرغبة العلماء في تحديد تلك المصطلحات تحديدًا علميًا دقيقًا بالإفادة من علم الكلام، فقد شاب بعضها غموض وتعقيد لاحظه العلماء في مصطلحات السّكاكي على وجه الخصوص، فكان الاهتمام بعد ذلك بإعادة النظر في تلك المصطلحات من أجل صياغتها من جديد صياغةً تحقّق للدارس فهمًا ميسورًا، وقد بذل القزويني جهودًا جليلة في هذا الشأن، ثمّ تبعه العلوي الذي أفاد كثيرًا من آراء ابن الأثير التي انصبت كلّها في مراجعة المصطلحات البلاغية وصياغتها بأسلوب أدبي تعليمي.
ولمعرفة تطوّر المصطلح البلاغي والاطلاع على جهود العلماء في تحديده وتيسيره اخترنا في هذا البحث مصطلح "البلاغة"، وأوردنا جملة من التعريفات لأشهر البلاغيين، وهي تمثّل البدايات الأولى للمصطلح، إلى أن تطوّر ونضج واستقر في كتب البلاغة كما هو مبيّن في الجدول الآتي:
مصطلح البلاغة أهل الاصطلاح
لا يكون الكلام يستحق اسم البلاغة حتى يسابق معناه لفظَه، ولفظُه معناه فلا يكون لفظه إلى سمعك أسبقَ من معناه إلى قلبك. الجاحظ (255)
توصيل المعنى إلى القلب في أحسن صورة من اللفظ الرماني (386)
البلاغة كل ما تبلغُ به قلب السامع فتمكنه في نفسه كتمكّنه في نفسك مع صورة مقبولة ومعرض حسن. العسكري(395)
خصوصية في كيفية النظم وطريقة مخصوصة في نسق الكلم بعضها على بعض. عبدالقاهر الجرجاني (474)
بلوغ الرجل بعبارته كنهَ ما في قلبه مع الاحتراز المخلّ والإطالة المملّة. الرازي (606)
هي بلوغ المتكلم في تأدية المعاني حدًّا له اختصاص بتوفية خواص التراكيب حقّها وإيراد التشبيه والمجاز والكناية على وجهها. السكاكي (626)
وأما بلاغة الكلام فهي مطابقته لمقتضى الحال مع فصاحته. القزويني (739)
البيان عبارة عن الوصول إلى المعاني البديعة بالألفاظ الحسنة. العلوي (749)
يلاحظ من خلال الجدول السابق أنّ تعريف البلاغة قبل عبد القاهر كان قائمًا على إبراز الغاية من البلاغة، وهي في توصيل الكلام إلى قلب المخاطب والتأثير فيه، وهو ما يسمى بالإبلاغية في العصر الحديث، وأمّا مفهوم البلاغة بعد عبد القاهر فقد اصطبغ بصبغة علمية ركزّت على خصائص هذا الكلام الذي يقنع ويؤثّر في الآخرين، وأصبح مفهوم البلاغة معنيًا بخواص التركيب، والمقام الذي يُؤدى فيه وهو ما يُعرف بمقتضى الحال، ولعلّ هذه النظرة العلمية التي بدأها عبد القاهر هي التي جعلت من البلاغة علمًا له قواعده وأصوله الواضحة، فالانتقال من البلاغة الذوقية إلى البلاغة النظرية، ومن الحديث عن الأهداف إلى الحديث عن الخصائص واضح أشدّ الوضوح في تطوّر مصطلح البلاغة بعد عبد القاهر، كما أنّ الاتجاه إلى التيسير كان منصبًا على الإيجاز في تعريف هذه المصطلحات واختصارها قدر الإمكان، مع مراعاة الدقّة في اختيار الألفاظ، فقد حرصوا على أن يكون المصطلح البلاغي جامعًا مانعًا، وأن يكون ضمن دائرة علم البلاغة لا يخرج عنه.
(د) التيسير في الشواهد والنصوص:
يمثّل الشاهد القرآني أحد أبرز الشواهد البلاغية وأكثرها حضورًا في كتب البلاغة الأصلية، ولم يكتف البلاغيون بالشاهد القرآني الذي عدوه في أعلى مستويات البلاغة، وإنما اختاروا من نصوص الأدب شعره ونثره ما يكون منسجمًا مع نظرياتهم ومسائلهم البلاغية المتعلّقة بالألفاظ والمعاني، والنظم والتراكيب، وقد لوحظ أنّ مثل هذه النصوص الأدبية التي نجدها في بلاغة عبد القاهر ومن سبقه من البلاغيين والنقاد قد قلّت وانحصرت في بلاغة المتأخرين بعد السكّاكي، وسبب ذلك غلبة المادة النظرية على المادة الأدبية، ومع ذلك كلّه فقد نبه بعض البلاغيين على أهمّية العناية بالشواهد والنصوص الأدبية في تيسير الدرس البلاغي، فكان السعي إلى الإكثار منها وتحليلها، وتنويعها وتجديدها، واشتهر منهم في هذا الاتجاه ابن الأثير الذي ذاع صيته بصنيعه في كتابه المثل السائر، ثمّ تبعه العلوي الذي كان له منهج خاص في انتقاء النصوص، والعناية بها شرحًا وتحليلاً وتذوقًا.
وأشار أحمد مطلوب إلى أنّ البلاغيين المتأخرين أدخلوا نصوصًا جديدة في كتبهم، ولذلك فقد كان نمو البلاغة العربية في القديم ملمحًا من ملامح حيويتها وقدرتها على استيعاب الجديد، فضلاً على أنها لم تتوقف عند عصر الاستشهاد في الأمثلة التي ذكرتها، وإنما تجاوزته وواكبت الأدب، وفي البديعيات نصوصٌ جديدة لم تذكرها كتب البلاغة الأولى، وهي نصوص تمثل العصر الذي أُلفت فيه، وقد استخرج البديعيون منها فنونًا جديدة وهي على الرغم مما قيل فيها صورة لأدب تلك العهود ( ).
ثالثًا: جهود ابن الأثير والقزويني والعلوي في تيسير البلاغة:
بذل علماء البلاغة الأقدمون جهودًا كبيرةً في صياغة القواعد والنظريات التي تشكلّ بها علم البلاغة وتطوّر على مدى الأجيال، إلى أن أصبح من علوم العربية الأساسية التي لا يستغني عنها الدارس الراغب في اكتساب ملكة البيان والفصاحة، وموهبة فهم النصوص وإدراك أسرارها الجميلة، وبسبب دقّة مسائله، ووعورة مذاهبه فقد عُني العلماء بتيسيره للدارسين، وقد اشتهر منهم القزويني الذي يمثّل المدرسة الكلامية، وابن الأثير الذي يمثّل المدرسة الأدبية، والعلوي الذي جمع بين المدرستين، وسنتحدّث هنا بإيجاز عن أبرز الإضافات التي أضافها هؤلاء في هذا الاتجاه، مع التركيز على جهود الإمام العلوي الذي مازال منهجه - في رأينا - بحاجة إلى دراسة وبيان.
كان ابن الأثير ثائرًا على الفلسفة وعلم الكلام، وأراد بكتابه الشهير "المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر" تقويم المنهج البلاغي بالعودة إلى دراسة الأدب بنصوصه الجميلة، واعتماد الذوق حاكمًا على معرفة الجمال بدل اللجوء إلى القواعد والأحكام النظرية.
امتاز كتاب المثل السائر بخصائص ومميّزات كثيرة جعلت منه مصدرًا أساسيًا للبلاغة والنقد في القديم، وقد اقتربت مسائله إلى حدٍ ما من البلاغة والنقد الحديثين، فقد كانت نظرة ابن الأثير إلى المباحث والموضوعات البلاغية، وأسلوبه في تناولها قائمين على استخدام الذوق والتجربة الشخصية دون التسليم المطلق بالأحكام النظرية المجرّدة ( )، فهو يتعامل مع النصوص تعامل الناقد والمحلّل لها، ويستثمر ذلك كلّه في تذوّق جمالها وتدريب الدارسين على معرفة المهارات البلاغية واكتسابها عن طريق معايشة الأدب لا القواعد الجافة.
وقد عُرف عن ابن الأثير افتخاره وإعجابه بنفسه، وذلك راجعٌ فيما يبدو لحرصه الشديد على الاجتهاد والإبداع في مجال البلاغة وفن الكتابة، وقد ظهر في عصر عُرف بالتبعية والتكرار لنظريات السابقين، ثمّ لسعيه الحثيث إلى التيسير والتبسيط لتلك المسائل البلاغية التي غلبت عليها مناهج المتكلّمين، قال في مقدّمة كتابه عن تلك الإضافات التي أضافها:"وقد أوردتها هاهنا وشفعتها بضروبٍ أخر مدوّنة في الكتب المتقدّمة، بعد أن حذفت منها ما حذفته، وأضفت إليها ما أضفته، وهداني الله لابتداع أشياء لم تكن من قبلي مبتدعة"( ).
لقد عدّ كتاب المثل من أمّهات كتب البلاغة لأنّه درس فنون البلاغة دراستين: إحداهما: دراسة قاعدية فيها تحديد للمصطلحات مع تصحيح لأخطاء السابقين، وثانيهما: دراسة نقدية كشف فيها عن العيوب التي يقع فيها مستعملو تلك المسائل في أدبهم وكتاباتهم( ).
إنّ نفور ابن الأثير من الأسلوب القاعدي الشبيه بمناهج الفلاسفة والمتكلّمين قد جعل لدرسه البلاغي مَيزة خاصّة، وذلك بالعودة إلى النصّ الأدبي وتحكيم الذوق في فهمه، فالذوق هو في رأيه وحده الكفيل بتحقيق النفع، لأنّ الدُربة والإدمان عليه أجدى للدارس نفعًا، وأهدى له بصرًا وسمعًا ( )، وبهذا المنهج كان ابن الأثير أحد المجدّدين في درسه للبلاغة، وأحد الذين أسهموا في تهذيبه وتيسيره وتقريبه للدارسين في القرن السابع الهجري.
وأمّا القزويني (738هـ) فقد عُني بقراءة المصنفات البارزة في علم البلاغة مثل دلائل الإعجاز وأسرار البلاغة لعبد القاهر، ومفتاح العلوم للسكّاكي، وقد لاحظ أنّها محتاجة إلى الشرح والإيضاح في بعض جوانبها، وإلى الاختصار والترتيب في بعض جوانبها الأخرى، فاتجه إلى "مفتاح العلوم" للسكّاكي لما رأى فيه من شمولية وترتيب، فقام بتلخيص الجزء الثالث منه الخاص بعلم البلاغة وسمّاه "تلخيص المفتاح"، وهو العمل الذي ذاع صيته بين الدارسين فيما بعد.
وألّف القزويني كتابهُ الإيضاح في علوم البلاغة ليكون كالشرح للتلخيص، فشرح ما أشكل، ووضّح ما كان محتاجًا إلى مزيد بيان، ورتّب فصوله ترتيبًا متقنًا، واستشهد لمسائله بالشواهد الشارحة من غير إطالة في الشرح والتفسير، وقد اعتمد فيه مصادر أخرى ذكرها في مقدّمة الإيضاح مثل الأسرار والدلائل وغيرهما ( )، وهو ما جعل منه عملاً جليلاً في علم البلاغة، من حيث الترتيب والتقسيم وتنظيم المباحث، ومن حيث الاستيعاب والاستقصاء والتحليل، ومن حيث الجمع والاعتماد على أمّهات المصادر والمظان، ومن حيث كثرة التطبيقات وطريقة العرض الأدبية ( ).
ويمتاز الإيضاح بعدّة ميزات ظاهرة: فهو أوفى كتاب في بحوث البلاغة، وهو أوضح الكتب المؤلفة فيها نظامًا وأسلوبًا، وهو كثير البحث والتعمّق والاستنباط لأسرار البلاغة العربية، فوق أنه كتاب تطبيقي جميل في البلاغة العربية، وينتقد فيه كثيرًا من آراء السّكاكي، وهو بعد ذلك غزير المادة، كبير الفائدة في الأدب والنقد والبلاغة والبيان ( ).
ومنهج القزويني في تيسير درسه البلاغي قائم على تهذيب المسائل وتحقيقها، وترتيب المادة البلاغية وتنظيمها، وإيراد الشواهد وشرحها، وتعريف المصطلحات بالتعاريف الواضحة الموجزة، والتعبير عنها بالأسلوب الواضح من غير تكلّف ولا وعورة، وهو ما يجعله في مقدّمة المناهج التي اتجهت إلى تيسير البلاغة وتبسيطها عند القدماء، ولعلّ هذا هو الذي جعل الدارسين من بعده يهتمون به أشدّ الاهتمام، ويعدونه مرجعهم الأساس في إحراز فنون البلاغة.
وأمّا العلوي فقد كان من البلاغيين البارزين في عصره، وعند الاستقراء والقراءة في تاريخ الدراسات البلاغية، نلحظ أنّه أحدَ أبرز الذين دعوا وسعوا إلى تيسير علوم البلاغة في القديم، وهو الأمر الذي ميّز منهجه في كتابه الطراز عمّا سبقه من كتب البلاغة، قال في بيان منهجه:"يمتاز هذا الكتاب عن سائر الكتب المصنّفة في علم البلاغة بالترتيب الذي يُطلع الناظر من أول وهلة على مقاصده من التسهيل والتيسير، والإيضاح والتقريب، لأنّ مباحث هذا العلم في غاية الدّقة، وأسراره في نهاية الغموض، فهو أحوج العلوم إلى الإيضاح والبيان، وأولاها بالفحص والإتقان" ( ).
لقد أشار العلوي إلى تلك الصعوبة التي بدأت ملامحها تطغى على الدرس البلاغي في عصره، وأصبحت الحاجة داعية إلى التبسيط والتيسير اللذين يأخذان بأيدي الدارسين إلى معرفة مقاصد هذا العلم وفنونه بأيسر الطرائق، وأفضل السبل، وقد عرض لمنزلة علم البلاغة بين علوم العربية، وصعوبة البحث فيه لما فيه من الغموض ودقّة الرموز، ورأى أنّ كثيرًا من علماء البلاغة، وجهابذة البيان قد خاضوا في تقرير قواعد هذا العلم، وقلّبوها على وجوهها كافة، ولكنّهم أتوا فيها بالغثّ والسمين، والنازل والثمين، وهم في ذلك فريقان:" فريق بسط كلامه فيه نهاية البسط، وخلط فيه ما ليس منه، فكانت آفته الإملال، ومنهم من أوجز فيه غاية الإيجاز، وحذف منه بعض مقاصده، فكانت آفاته الإخلال، ولكنّه أشار إلى أنّ الشيخ عبد القاهر الجرجاني هو مؤسّس قواعد هذا العلم، بما أظهر من براهينه، ورتّب من أفانينه، وبما وضّح من غرائبه، ومشكلاته( )، وكأنّ العلوي بهذا الإطراء يعلن أنّ عهد البلاغة الزاهر هو في كتابات الجرجاني، التي ارتقت بالذوق الأدبي إلى إدراك البيان، بأيسر الطرائق وأوضحها، وأفضل الوسائل وأقربها إلى العقول والأفهام.
وقد وُفق العلوي إلى حدٍّ كبير في مسعاه ومنهجه، على الرغم من سيطرة النزعة الكلامية، وأسلوب الخطاب السائدين في عصره على جوانب من كتاباته، فقواعد البلاغة معروضة بصورة هي أفضل ترتيبًا وأسلوبًا ومنهجًا ممّا نجده عند السّكاكي، والقزويني، ومن سار على نهجهما من الشرّاح والملخّصين، ومع أنّه لم يطّلع على كتابي عبد القاهر الجرجاني "الدلائل" و"الأسرار"، إلاّ أنّه كان معجبًا بهما، وقد أفاد ممّا نُقل منهما في الكتب التي اطّلع عليها، وخاصّة كتاب المثل السائر لابن الأثير.
ويستند تيسير البلاغة عند العلوي على ثلاثة عناصر هي: تنظيم المادة البلاغية، وتحديد المصطلحات البلاغية بأسلوب جديد، وإيراد الشواهد والأمثلة من النصوص المتنوّعة وتحليلها، وسنعرض لهذه العناصر بشيءٍ من الإيضاح لبيان أهمّيتها في جهود تيسير الدرس البلاغي في كتب التراث.
(أ) تنظيم المادة البلاغية:
أراد العلوي أن يكون درسُه البلاغي متميّزًا بالتيسير والإيضاح، ولا يتيسّر ذلك إلاّ باتباع منهجٍ في التأليف قائمٍ على ترتيب وتبويب مناسبين لهذه الغاية، لكي يكون فيه عونٌ للطالب على سهولة الوصول إلى مطلوبه، وقد كان العلوي على علمٍ بقصور كثير من المؤلفات البلاغية في هذا الشأن، وخلوّها من الترتيب الجيّد للمسائل، والتبويب المتوازن للموضوعات، وكان يعلم أنّ من عناصر التجديد التي يمكن أن يضيفها، ويجعلها مَيزة في كتبه حسن توزيع المادة البيانية وترتيبها، وهي مَيزة مرتبطة بهدفه من التيسير، وقد أشار إلى ذلك في مقدّمة كتابه الطراز ( ).
وأفاد العلوي من معرفته العميقة بعلم الكلام وعلم الأصول لوضع منهجٍ متميّز في الترتيب، ولولا أنّه أسرف في التقسيمات والتفريعات لكان منهجه هذا متسقًا تمامًا مع غايته في تيسير قواعد البلاغة، وكتابه الطراز من أهمّ الكتب التي تأثرت بعلم الكلام، لأنّ الكتب التي عاصرته لم تنتهج مثله في العرض والتحليل، والحصر والتقسيم، وإنّما اتجهت إلى تلخيص القزويني تشرحه أو تنظمه ( ).
وقد رتّب العلوي مادته البلاغية في فنون ثلاثة:
الفنّ الأول: في المقدّمات التي يستعان بها على تحديد علم البلاغة وبيان مفهومه، وموضوعاته، ومنزلته بين العلوم الأدبية الأخرى، وتوضيح الفرق بين الفصاحة والبلاغة، ومعاني الحقيقة والمجاز، إلى غير ذلك من المقدّمات التي تمهّد السبيل إلى مقاصد العلم وأركانه.
والفنّ الثاني: في المقاصد، وهي المباحث المتعلّقة بعلوم البلاغة الثلاثة، علم المعاني، والبيان، والبديع، وشرح مصطلحاتها، وبيان أقسامها وخصائصها المميّزة لها عن غيرها.
والفنّ الثالث: في التتمّات، وهي المباحث المكمّلة لعلوم البلاغة، مثل فصاحة القرآن، وبلاغته وإعجازه، وبيان آراء العلماء في وجوه الإعجاز، والوجه المختار منها.
وقد يتّفق هذا الترتيب مع بعض المناهج الحديثة الداعية إلى تيسير البلاغة من حيث إلغاء التقسيم الثلاثي، وجعل البلاغة قسمًا واحدًا، وبحث موضوعاتها مستقلة، أو بحث مستوياتها الثلاثة: الصوتي، والتركيبي، والدلالي، وهي: علم المعاني، وعلم البيان، وعلم البديع، بعد تجريدها مما علق بها من مباحث أبعدتها عن هدفها، وتذوّق الأدب الرفيع ( ).
(ب) تحديد المصطلحات البلاغية:
يتميّز المنهج البلاغي عند العلوي بالاستقصاء، فلم يترك شاردةً ولا واردةً من مسائل البلاغة إلاّ عرضها عرضًا مفصّلاً دقيقًا، واستعان في ذلك بآراء العلماء السابقين والمعاصرين له، وعرض لكلّ مسألة من مسائل البلاغة التي قد يعتريها خلل أو قصور في المفهوم، فبيّن الأوهام التي وقع فيها غيره مدليًا برأيه، ومصحّحًا للمفاهيم البلاغية التي سادت قبله.
وقد اهتم العلوي اهتمامًا كبيرًا بالمصطلح البلاغي، وناقش بشأنه كبار العلماء السابقين من أمثال الجرجاني، والزمخشري، وابن الأثير، وغيرهم، وما من مصطلح إلاّ له فيه نظرات تقويمية، ولعلّ الذي ساعده في ذلك معرفته الواسعة بعلم الكلام، وتمكّنه البارع من الحجاج والمجادلة، ورغبته الأكيدة في تجديد الدرس البلاغي، وسعيه في أن تكون لكتاباته إضافات أخرى لم يتنبّه إليها البلاغيون ودارسو الإعجاز، قال محمد أبو موسى:"والحقّ أنّ العلوي قد شغل جزءًا كبيرًا من كتابه في مناقشة البلاغيين في تعاريف هذا العلم، وبيان ماهياته، وتحديد مسائله، وناقش البلاغيين وخطّأهم جميعًا فيما ذكروه من حدود، ولم يسلم واحدٌ منهم حتّى الجرجاني الذي أسّس هذا العلم - كما يقول العلوي – لم يكن تعريفه مبرأً من عيب، والملاحظ أنّ مناقشاته لهم، وبيانه وجه الفساد فيما ذكروه كانت مبنية على معرفة دقيقة، بما يجب أن يتوفّر في الحدود من الشروط والقيود" ( ).
ولم يُخطِِّئ العلوي البلاغيين جميعًا في آرائهم، بل إنّه أثنى على الكثير من المسائل، ومدح أصحابها، ولم يكن يُخطئ إلاّ ما كان يراه خطأً، ويُقدّم الدليل على ذلك، وأما إلى أيّ مدى وُفّق في هذا الجانب فيمكن القول إنّ تعريفات العلوي ليست في مستوى واحد من حيث وضوحُ الدلالة على المقصود، على الرغم من دقّة العلوي في اختيار الألفاظ وفي تحديد المصطلح، ذلك أنّ أثر الثقافة الكلامية بدَا واضحًا في بعض التعريفات، مع أنّ التوفيق قد حالفه في كثير من المصطلحات في كتابه الطراز.
لقد حوت كتبُ العلوي مصطلحات بلاغية ونقدية كثيرة، "وكان منهجه عند ذكر أي مصطلح من المصطلحات أن يقوم أولاً بتعريفه في اللغة، ثمّ يحدّد مفهومه الاصطلاحي، ويأتي بعد ذلك بالشواهد الدالة على هذا المصطلح من القرآن الكريم، ومن كلام النبي – صلى الله عليه وسلّم – ومن كلام الإمام علي بن أبي طالب – رضي الله عنه – ثمّ من كلام فصحاء العرب، وكبار شعرائها، وهذه هي طبقات الكلام ودرجاته، فالقرآن هو المثل الأعلى للفصاحة والبلاغة، ويليه كلام النبي عليه السلام، فكلام الإمام علي، ثمّ كلام الأدباء والبلغاء، وهذا منهج انفرد به العلوي" ( ).
إن العناية بتعريف المصطلحات البلاغية وتحديدها ومراجعتها مراجعةً دقيقةً، وبألفاظ واضحة الدلالة لهي من أهمّ الأهداف في تيسير الدرس البلاغي في القديم، كما أنّ تصفية البلاغة ممّا علق بها من مصطلحات، ومسائل بعيدة عن روحها، والسعي إلى توحيد هذه المصطلحات، والأخذ بأكثرها دلالة على الفنّ البلاغي، كلّ ذلك من الملامح الضرورية في تيسير المصطلح البلاغي وتطويره في العصر الحديث ( ).
(جـ) التنويع في الشواهد وتحليل النّصوص:
لعلّ من السمات الواضحة في منهج العلوي البلاغي الاهتمام الكبير بالشواهد البلاغية، ويتّسع هذا الباب ليشمل نماذج متنوعة من الشواهد التي تأتي في سياق شرح المصطلحات البيانية، ومناقشتها وتوضيحها، وقد اختار العلوي منهجًا فريدًا قائمًا على اختيار الشاهد القرآني أولاً، ثمّ الشاهد من الحديث النبوي الشريف، ثمّ الشاهد من كلام الإمام علي بن أبي طالب، ثمّ الشواهد من كلام العرب شعرًا ونثرًا كما ذكر في السابق، والملاحظ أنّه جعل كلام الإمام علي – رضي الله عنه – في مرتبة ثالثة بعد القرآن الكريم والحديث الشريف، وذلك لمحبّته الشديدة لآل البيت الذين ينتسب إليهم، وهو ما عليه كذلك مذهب الزيدية الذي ينتمي إليه، ثمّ لإيمانه ويقينه ببراعته في الفصاحة والبيان ( ).
وقد اقتضى منه هذا المنهج أولاً: تقديمَ شواهد النثر على شواهد الشعر، وثانيًا: ذكر نماذج أخرى من النصوص التي لم يذكرها غيره من البلاغيين في الاستشهاد وتوضيح المسائل، وقد كان العلوي مجدّدًا في هذا الجانب، حيث أضاف إلى درسه البلاغي ما رآه محقّقا للتيسير والوضوح، وفضلاً على ذلك لم يكتفِ بإيراد هذه الشواهد، بل قام بتحليلها تحليلاً أدبيًا، للكشف عن بلاغتها، وهو بعمله هذا يختلف عن كثير من البلاغيين المعاصرين له( ).
وهذا المنهج في حقيقته هو عودٌ إلى طريقة شيخ البلاغيين عبد القاهر الجرجاني، الذي ذاع صيته بمنهجه البارع في اختيار الشواهد وتحليلها، والسعي إلى استجلاء مواطن الجمال فيها.
ولعلّ الإكثار من الشواهد والأمثلة من النصوص الأدبية القديمة والمعاصرة له، ثمّ تناولها بالتحليل والشرح يدلّ على ذوق العلوي في حسن الاختيار أولاً، ثمّ في براعته في الشرح والتحليل ثانيًا، انظر كيف تمّ له اختيار شاهد من القرآن الكريم في باب الكناية، وهو قوله تعالى:"أيحبُّ أحدُكم أن يأكلَ لحمَ أخيهِ ميتًا فكرهتموه" (الحجرات:12)، وقد حلّلها مستخرجًا ما فيها من نكتٍ بلاغية، وأسرارٍ تركيبية، فمن ذلك قوله:"قوله تعالى "أيُحبّ أحدكم"، إنّما جعله محبوبًا لما جُبلت عليه النفوس، ومالت إليه الأهواء من الإسراع إلى الغيبة، والإصغاء إلى من يتحدّث بها، مع ما فيها من الحَظرِ، ووعيد الشرع، فلهذا صدّرها بالمحبة، مشيرًا إلى ما ذكرناه، ويؤيّد ما ذكرناه أنّه أتى فيها بلفظ المحبّة، ولم تجئ بلفظ الإرادة، دالاً بذلك على موقعها في النفوس، وتطلّع الخواطر إليها، ولفظ الإرادة يُعطي هذا المعنى، ولا يتمكّن في الأفئدة تمكّن المحبّة؛ فلهذا آثره" ( ).
ولعلّ منهج العلوي هذا ينسجم تمامًا مع دعوته إلى تيسير البلاغة، فاختيار النصوص بعناية، وتذوّق البلاغة فيما استحدث من فنون أدبية تعبّر عن الحياة المعاصرة، ثمّ تحليل تلك النصوص تحليلاً أدبيًا بعيدًا عن التقعيد، قريبًا إلى الفطرة والطبع، لإدراك ما فيها من قيمٍ معنوية، وفوائدَ أسلوبية، كلّ ذلك من العناصر الأساسية في تيسير البلاغة عند العلوي.
خاتمة:
خلُصت هذه الدراسة إلى أنّ تيسير البلاغة قضيةٌ قد عرض لها البلاغيون القدماء في كتاباتهم ودراساتهم، وذلك لأسباب يتعلّق بعضها بالتعقيد والغموض اللذين لحقا ببعض مسائلها ومصطلحاتها، وقد بدأ الاتجاه نحو التيسير بعد ظهور بلاغة السّكاكي الصعبة في طرائقها - التي كانت تلخيصًا وامتدادًا لبلاغة عبد القاهر – ومن ثمّ انتشارها في الآفاق، وعناية العلماء بها تهذيبًا وتيسيرًا وتلخيصًا.
ويُوصلُ البحث في أسباب هذا التعقيد والغموض إلى أنّ تأثير الفلسفة وعلم الكلام في البلاغة هو السبب الأبرز الذي عُني به الدارسون المحدثون، ومع أهمّيته وتأثيره في البلاغة العربية؛ فإنّ هناك أسبابًا خارجيةً أخرى لا تقلّ أهمّية عنه كان لها أثرها البيّن في هذه القضية، مثل نشأة البلاغة في بيئة المتكلّمين والأصوليين، وكون الأكثرية الغالبة من علماء البلاغة من غير العرب، وارتباط البلاغة بقضية إعجاز القرآن، وتراجع الأدب وعزلة العربية في العصور المتأخرة، لا سيّما بعد القرن الخامس الهجري.
وكان ابتعاد بعض البلاغيين عن مجال البلاغة وجوهرها، والخروج عن إطارها بالاعتماد على موضوعات فلسفية ومنطقية مجرّدة، واستخدام أساليب المناطقة والمتكلّمين في كتاباتهم، هو الأمر الذي أسهم في شيءٍ من التعقيد الذي لحق بالبلاغة، لاسيّما في اطراد المصطلح البلاغي وتنوّع استخداماته، ولكنّه أمرٌ كان له ما يسوّغه في البلاغة القديمة، وخاصّة إذا علمنا أنّ هؤلاء البلاغيين كانوا في غالبيتهم من الفقهاء والأصوليين والمتكلّمين والفقهاء.
إنّ الخصوصية الدينية والثقافية للعلوم عند العرب والمسلمين تنبني على خُصوصية مصادرها ومرجعيتها العليا المتمثّلة في القرآن الكريم، والسنّة النبوية، والتراث الحضاري للأمّة، ومن هنا فإنّ الاستفادة من الفلسفة والمنطق اليوناني كانت قائمةً على منهج الانتقاء، والاستفادة العلمية الواعية، وهو المنهج الذي أسهم في تطوّر علم البلاغة في الجوانب المنهجية والنظرية، وأعطاه نكهة العلم بعد أن علّل العلماء وفي مقدّمتهم عبد القاهر كثيرًا من المسائل العالقة تعليلاً علميًا يقبله المنطق والعقل.
وقد عُني قدامى البلاغيين بقضية التيسير في مصنّفاتهم، وتعرّضوا لها كلٌّ بمنهجه الذي ارتضاه لنفسه، ولكنّه التيسير الذي يناسبُ عصرهم ويلبّي حاجات الناس في ذلك العصر، وبالأسلوب الذي رأوه مناسبًا لأذواقهم، وهم سواء وُفقوا في ذلك أم لا؛ فإنّهم كانوا يكتبون استجابة لما يتطلّبه محيطهم الاجتماعي والثقافي والمعرفي، وقد تجلّت وسائل التيسير عند قدامى البلاغيين أكثر ما تجلّت في التلخيصات والشروح، وأمّا مظاهر التيسير فقد تجلّت في عناصر مختلفة يتعلّق بعضها بالمنهج، وبعضها بالموضوعات، وبعضها بالمصطلحات، وبعضها الآخر بالشواهد والنصوص.
وبذل علماء البلاغة الأقدمون جهودًا كبيرةً في صياغة القواعد والنظريات التي تشكلّ بها علم البلاغة وتطوّر على مدى الأجيال. واشتهر من المتأخرين الذين سعوا إلى التيسير: القزويني الذي برع في ترتيب المسائل وعرضها بأسلوب واضح، وابن الأثير الذي اهتم بالنصوص الأدبية وتحليلها اعتمادًا على الذوق الفنّي، والعلوي الذي استند في تيسيره للبلاغة على ثلاثة عناصر هي: تنظيم المادة البلاغية، وتحديد المصطلحات البلاغية بأسلوب جديد، وإيراد الشواهد والنصوص المتنوّعة وتحليلها.





الهوامش
. التلخيص في علوم البلاغة، ضبط وشرح عبد الرحمن البرقوقي، ط دار الفكر العربي (د.ت)، ص 21.
. التبيان في علم البيان المطّلع على إعجاز القرآن، تحقيق أبو القاسم عبد العظيم، ط1 المطبعة السلفية بنارس الهند 1987، ص 26.
. الطراز المتضمّن لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز، ط دار الكتب العلمية، بيروت، 1983م، ج1 ص 6.
.انظر مثلا: ضيف، شوقي، البلاغة تطور وتاريخ، ط دار المعارف، القاهرة (د.ت)، ص 272، 273.
. انظر السيد، شفيع، البحث البلاغي عند العرب، ط2 دار الفكر العربي القاهرة 1996، ص 115 وما بعدها.
.الخولي، أمين، مناهج تجديد في النحو والبلاغة والتفسير والأدب، ط1 دار المعرفة القاهرة 1961م، ص 129.
. انظر الجاحظ، أبو عثمان عمرو بن بحر، البيان والتبيين، تحقيق عبد السلام هارون، ط دار الفكر العربي بيروت (د.ت)، ج1 ص 139.
. مطلوب، أحمد، مناهج بلاغية، ط1، وكالة المطبوعات الجامعية، الكويت 1973، ص 255.
.مفتاح العلوم، ص 81.
. المقدّمة، ط1 دار الفكر العربي بيروت، 1997، ص 421،422.
. نفسه: ص 443.
. الخولي، أمين، مناهج تجديد في النحو والبلاغة والتفسير والأدب: ص 130.
. المطول (الشرح المطول على التلخيص)، ط تركية 1330هـ، ص 316.
. انظر الطراز المتضمن لأسرار البلاغة: ج3 ص 368.
. انظر مقدمة دلائل الإعجاز بتحقيق محمود شاكر، ط 2 مكتبة الخانجي، القاهرة، 1989، ص (هـ).
.الخولي، أمين، مناهج تجديد في النحو والبلاغة والتفسير والأدب، ص 168.
.فن القول، ط دار الفكر العربي، القاهرة، 1947، ص 70 – 72.
. انظر مطلوب، أحمد، مناهج بلاغية، ص 32-36.
. تيسير تعليم العربية في التراث، مجلة مجمع اللغة العربية بالقاهرة، ج58، مايو 1986م، ص 34.
. عباس، فضل حسن، البلاغة المفترى عليها بين الأصالة والتبعية، ط 1 دار النور بيروت 1989م، ص 299.
.كان طه حسين أول من قرّر هذا الرأي في مقدمته لكتاب نقد النثر المنسوب خطأ لقدامة بن جعفر، وهو لابن وهب الكاتب، وطبع هذا البحث بعنوان (البيان العربي من الجاحظ إلى عبد القاهر)، ط المكتبة العلمية بيروت (د.ت).
.كتاب منهاج البلغاء وسراج الأدباء، تحقيق محمد الحبيب ابن الخوجة ، ط دار الكتب الشرقية، تونس (د.ت).
. See: Alhelwa, khalid, The emergence and development of Arabic rhetorical theory 500c.e-1400c.e, the Ohio state university 1996, p 20.
. البيان العربي من الجاحظ إلى عبد القاهر، ص 14، وص 29 وما بعدها.
. انظر مناهج تجديد، ص 155، 157.
. انظر مقدمة البرقوقي في التلخيص للقزويني، ط دار الفكر العربي القاهرة (د.ت)، ص 4.
.البلاغة تطوّر وتاريخ، ص 167، وص 181.
. كتاب النقد، ط دار المعارف القاهرة (د.ت)، ص 87، 89.
. انظر: الداية، فايز، التأثير الفلسفي في شروح التلخيص، مكتبة كلية الآداب، جامعة القاهرة 1976م (مخطوط)، ص 243.
.عبد القاهر الجرجاني، ط مكتبة مصر القاهرة (د.ت)، ص 316.
. نفسه: ص 317، 318.
. أثر القرآن في تطور النقد إلى آخر القرن الرابع الهجري، ط 3 دار المعارف القاهرة، ص 245، 255.
. بلاغة أرسطو بين العرب واليونان، ط1 المكتبة الأنجلو المصرية القاهرة 1950م، ص :403، 404.
. نفسه: ص 400، 402.
. عن البلاغة المفترى عليها، مقال بعنوان الصبغة الأدبية لبلاغة عبد القاهر، مجلة أضواء الشريعة، ص 276، 277.
. نفسه: ص 292.
. نفسه: ص 222.
. نفسه: ص203، 204.
. مناهج بلاغية، ص 243.
. انظر مقدمة أسرار البلاغة، تحقيق محمود شاكر، ط1 مطبعة المدني جدّة 1991م، ص 17.
. انظر دفاع عن البلاغة، ط2، عالم الكتب القاهرة 1967م، ص 93،94.
. التلخيص في علوم البلاغة، ص 22، 23.
. الطراز، ج1 ص 6.
. انظر صوفية، محمد مصطفى، المباحث البيانية بين ابن الأثير والعلوي، ط1 المنشأة العامة للنشر والتوزيع، طرابلس ليبيا 1984م، ص 184.
. المثل السائر في أدب الكاتب والشعر، تحقيق أحمد الحوفي وبدوي طبانة، ط دار نهضة مصر القاهرة (د.ت)، ج1 ص38.
. نفسه: ج1 ص 40.
. نفسه: 21 ص 5، 6.
. المصباح في المعاني والبيان والبديع، تحقيق حسين عبد الجليل يوسف، ط مكتبة الآداب القاهرة (د.ت)، ص 3.
. نهاية الإيجاز في دراية الإعجاز، تحقيق بكري شيخ أمين، ط1 دار العلم للملايين بيروت 1985م، ص 75.
. التبيان في علم البيان المطّلع على إعجاز القرآن، ص 27.
.Kennedy, George A, classical rhetoric and its Christian and secular tradition, the University of North Carolina press 1999, p290-293 .
. ضيف، شوقي، البلاغة تطور وتاريخ، ص 288.
. طه، عبد الرحمن، اللسان والميزان أو التكوثر العقلي، ط1 المركز الثقافي العربي بيروت 1998م، ص 331.
. انظر المقدّمة: ص 413، 414.
. انظر مقدمة رشيد رضا في أسرار البلاغة للجرجاني، ط3 مطبعة عيسى البابي الحلبي القاهرة 1939م، ص (د).
. انظر مقدمة أسرار البلاغة : ص 17.
. مطلوب، أحمد، مصطلحات بلاغية، ط1 مكتبة العاني بغداد 1972م، ص 7.
. تيسير البلاغة، مجلّة مجمع اللغة العربية بدمشق، ج 4 مجلد 73 ، سنة 1998م، ص 880.
. انظر رجب، رفيقة عبد الله، العناصر الأسلوبية في كتاب المثل السائر لابن الأثير، رسالة ماجستير (مخطوط)، مكتبة كلية الآداب ، جامعة عين شمس، 1989، ص 19.
. المثل السائر: ج1 ص 37.
. انظر مقدمة محقق المثل السائر: ج1 ص 23.
. انظر المثل السائر: ج1 ص 28.
. انظر مقدمة عبد المنعم خفاجي في الإيضاح للقزويني، ط الشركة العالمية للكتاب بيروت 1989م، ص 70، 71.
. نفسه: ص 67.
. نفسه: ص 13.
. الطراز: ج 1 ص 6.
. نفسه: ج 1 ص 4.
. نفسه: ج1 ص 6.
. انظر مناهج بلاغية: ص 274.
. مطلوب، أحمد، تيسير البلاغة، ص 880.
. البلاغة القرآنية في تفسير الزمخشري، ط 1 دار الفكر العربي القاهرة (د.ت)، ص 594.
. زايد، عبد الرزاق أبو زيد، المصطلحات البلاغية والنقدية في كتاب الطراز للعلوي، ط 1 مكتبة الشباب القاهرة 1988م، ص12.
. انظر مطلوب، أحمد، تيسير البلاغة، ص 881.
. انظر رسالته:"الرسالة الوازعة للمعتدين عن سبّ صحابة سيّد المرسلين" التي يتحدّث فيها عن محبّته وتفضيله للإمام علي بن أبي طالب – رضي الله عنه – ط1 مكتبة التراث صنعاء 1990م، ص19 – 27.
. المصطلحات البلاغية والنقدية في كتاب الطراز للعلوي: ص 12.
. الطراز: ج1 ص 400.








المصادر والمراجع:
1- ابن الأثير، ضياء الدين (637هـ)، المثل السائر في أدب الكاتب والشعر، تحقيق أحمد الحوفي وبدوي طبانة، ط دار نهضة مصر القاهرة (د.ت).
2- بدوي، أحمد، عبد القاهر الجرجاني، ط مكتبة مصر القاهرة (د.ت).
3- التفتازاني، سعد الدين مسعود بن عمر (792هـ)، المطوّل (الشرح المطوّل على التلخيص)، طبع في تركية 1330هـ.
4- الجاحظ، أبو عثمان عمرو بن بحر (255هـ)، البيان والتبيين، تحقيق عبد السلام هارون، ط دار الفكر العربي بيروت (د.ت).
5- الجرجاني، عبد القاهر (471 أو 474هـ):
(1) أسرار البلاغة، تحقيق محمود شاكر، ط1 مطبعة المدني جدّة 1991م.
(2) دلائل الإعجاز تحقيق محمود شاكر، ط 2 مكتبة الخانجي، القاهرة، 1989م.
6- خليفة، عبد الكريم، تيسير تعليم العربية في التراث، مجلة مجمع اللغة العربية بالقاهرة، ج58، مايو 1986م.
7- ابن خلدون، عبد الرحمن (808هـ)، المقدّمة، ط1 دار الفكر العربي بيروت، 1997.
8- الخولي، أمين:
(1) مناهج تجديد في النحو والبلاغة والتفسير والأدب، ط1 دار المعرفة القاهرة 1961م.
(2) فن القول، ط دار الفكر العربي، القاهرة، 1947م.
9- الداية، فايز أحمد، التأثير الفلسفي في شروح التلخيص، مكتبة كلية الآداب، جامعة القاهرة 1976م (مخطوط).
10- الرازي، فخر الدين (606هـ)، نهاية الإيجاز في دراية الإعجاز، تحقيق بكري شيخ أمين، ط1 دار العلم للملايين بيروت 1985م.
11- رجب، رفيقة عبد الله، العناصر الأسلوبية في كتاب المثل السائر لابن الأثير، مكتبة كلية الآداب ، جامعة عين شمس، 1989 (مخطوط).
12- الرماني، علي بن عيسى (386هـ)، النكت في إعجاز القرآن، (ضمن ثلاث رسائل في إعجاز القرآن)، تحقيق محمد خلف الله، ومحمد زغلول سلاّم، ط دار المعارف القاهرة 1968م.
13- زايد، عبد الرزاق أبو زيد، المصطلحات البلاغية والنقدية في كتاب الطراز للعلوي، ط1 مكتبة الشباب القاهرة 1988م.
14- ابن الزملكاني، عبد الواحد بن عبد الكريم (651هـ) التبيان في علم البيان المطّلع على إعجاز القرآن، تحقيق أبو القاسم عبد العظيم، ط1 المطبعة السلفية بنارس الهند 1987.
15- الزيّات، أحمد حسن، دفاع عن البلاغة، ط2، عالم الكتب القاهرة 1967م.
16- سلاّم، محمد زغلول، أثر القرآن في تطوّر النقد إلى آخر القرن الرابع الهجري، ط 3 دار المعارف القاهرة.
17- سلامة، إبراهيم، بلاغة أرسطو بين العرب واليونان، ط1 المكتبة الأنجلو المصرية القاهرة 1950م.
18- السيد، شفيع، البحث البلاغي عند العرب، ط2 دار الفكر العربي القاهرة 1996م.
19- صوفية، محمد مصطفى، المباحث البيانية بين ابن الأثير والعلوي، ط1 المنشأة العامة للنشر والتوزيع، طرابلس ليبيا 1984م.
20- ضيف، شوقي، البلاغة تطوّر وتاريخ، ط دار المعارف، القاهرة (د.ت).

21- طه، حسين:
(1) البيان العربي من الجاحظ إلى عبد القاهر، ط المكتبة العلمية بيروت (د.ت).
(2) كتاب النقد، ط دار المعارف القاهرة (د.ت).
22- طه، عبد الرحمن، اللسان والميزان أو التكوثر العقلي، ط1 المركز الثقافي العربي بيروت 1998م.
23- عباس، فضل حسن، البلاغة المفترى عليها بين الأصالة والتبعية، ط 1 دار النور بيروت 1989م.
24- العسكري، الحسن بن عبد الله بن سعيد (395هـ)، كتاب الصناعتين، تحقيق علي محمد البجاوي ومحمد أبو الفضل إبراهيم، ط1 القاهرة 1952م.
25- العلوي، يحيى بن حمزة (749هـ):
(1) الرسالة الوازعة للمعتدين عن سبّ صحابة سيّد المرسلين، ط1 مكتبة التراث صنعاء 1990م.
(2) الطراز المتضمّن لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز، ط دار الكتب العلمية، بيروت، 1983م.
26- القرطاجنّي، حازم، (684هـ)، منهاج البلغاء وسراج الأدباء، تحقيق محمد الحبيب بن الخوجة، ط دار الكتب الشرقية، تونس (د.ت).
27- القزويني، محمد بن عبد الرحمن الخطيب (739هـ):
(1) الإيضاح في علم البلاغة، ط الشركة العالمية للكتاب بيروت 1989م،
(2) التلخيص في علوم البلاغة، ضبط وشرح عبد الرحمن البرقوقي، ط دار الفكر العربي (د.ت).
28- ابن مالك، بدر الدين (686هـ)، المصباح في المعاني والبيان والبديع، تحقيق حسين عبد الجليل يوسف، ط مكتبة الآداب القاهرة (د.ت).
29- مطلوب، أحمد:
(1) تيسير البلاغة، مجلّة مجمع اللغة العربية بدمشق، ج 4 مجلد 73 ، سنة 1998م.
(3) مصطلحات بلاغية، ط1 مكتبة العاني بغداد 1972م.
(2)مناهج بلاغية، ط1، وكالة المطبوعات الجامعية، الكويت 1973.
29_ أبو موسى، محمد، البلاغة القرآنية في تفسير الزمخشري، ط 1 دار الفكر العربي القاهرة (د.ت).

المراجع الأجنبية:

1- Alhelwa, khalid, The emergence and development of Arabic rhetorical theory 500c.e-1400c.e, the Ohio state university 1996.

2- Kennedy, George A, classical rhetoric and its Christian and secular tradition, the University of North Carolina press 1999.

فصيحويه
12-07-2007, 02:52 PM
وضعت المقال هنا على صورة ملف لتسهل قراءته ويسهل حفظه.

د.عليّ الحارثي
13-07-2007, 11:24 AM
:::

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته , وبعد؛
فأشكرك أخي فصيحويه على اهتمامك بتيسير البلاغة العربية,وحماسك في الدعوة إلى إصلاح مناهجها , وقد رأيتُ هذا الذي جلبتَ لنا وقرأتُه قبيل مدة,كما قرأتُ موضوعك السابق الذي نقلت لنا فيه مقال الأستاذ الجعيثن صاحب الأسلوب الراقي الذي بدت عليه آثار البلاغة كما هو في جلّ ما يكتبُ بأسلوبه الرشيق النافذ إلى أعماق الموضوع الذي يتناوله,وسأعود إن شاء الله لمناقشةبعض ما ورد هناك وهنا بما يسمح به وقتي الذي مازلت أشكو من تكاثر ظبائه عليه , فأنا يا رفيق الفصاحة مغرمٌ بهذه اللغة وبلاغتها ,عاشقٌ لها, راضٍ عنها ,منفقٌُ جُلّ وقتي في طلب رضاها,ولكن ذلك يا صديقي لم يستطع أن يُكِلّ عيني عن بعض عيوب ما أُلّف في بلاغتها من مصنفات! فمابال سخط بعض الكتّاب قد أخفى كل محاسنها !

ثمّ إنّي أسألك أخي العزيز: ألا ترى معي أن مقال الأستاذ الجعيثن ماهو إلا تلخيص لماورد في هذا البحث الذي نقلتَه هنا ؛ فالأفكار هي الأفكار ؟!

أرجو أن أقرأ جوابك , ولي عودة في أقرب سانحة.

فصيحويه
13-07-2007, 06:16 PM
أهلا أستاذة شوارد

أرجو أن يفهم أن مقال الأستاذ الجعيثن مجرد رأي شخصي غير مبني على دراسة، وأظن أن الجعيثن لو علم بهذه الدراسة لاستشهد بها وقوى بها حجته. عموما لا يهمني رأي الجعيثن من الناحية العلمية، وإنما أوردته ليكون مدخلا لنقاش علمي حول الحاجة إلى التجديد والتهذيب وإعادة الصياغة في هذا العلم، وهذا كله لا يعني أننا نتغافل عن محاسن البلاغة أو جهود العلماء في شرحها. كلا، وإنما القصد أننا نعيش في مرحلة – أظن – أنها تحتم علينا إبراز هذا العلم بصورة جديدة ولعقول تختلف عن عقول طلاب العلم في العصور المتقدمة. نحن نلمس في مجتمعنا بعدا عن الفصحى، والشعور بغربتها يزداد في أذهان الأجيال القادمة. فماذا فعلنا؟!!! من من الباحثين يفكر بدلا من ترديد ما قاله السكاكي والقزويني أن يقوم بعمل لقاءات مكثفة مع أساتذة البلاغة في الجامعات من جهة، ومدرسي البلاغة في المرحلة الثانوية من جهة أخرى ليخرج لنا بحلول عملية ومفيدة في تدريس البلاغة؟ ربما تكون المشكلة محصورة في جانب واحد أو جانبين ومن ثم يأتي دور أساتذة الجامعات والمهتمين بهذا الفن لتهذيب أو إعادة صياغة ليتناسب مع مستويات الطلاب.

تذكروا أنه من السهل جدا أن تستمروا على ما أنتم عليه ثم تكيلوا التهم على الطلاب في سوء فهمهم وعدم حبهم للعلم.

على كل حال
أنا بانتظار عودتك للموضوع وبانتظار رأيك في الدراسة.

هيثم محمد
13-07-2007, 07:56 PM
أخي فصيحويه

كيف تكون أستاذة والجنس ذكر ؟

فصيحويه
13-07-2007, 08:03 PM
شكرا أخي هيثم على التنبيه.
وأعتذر إليك أخي شوارد فلم أنتبه للجنس.

فصيحويه
20-07-2007, 01:32 PM
أين أنت أخي شوارد؟!!

زينب محمد
20-07-2007, 09:42 PM
أخي فصيحويه ..

شدني أنك تعترض على طريقة تدريسنا للبلاغة ، وأنك تدعو إلى التجديد ..
فهل أنك ساخط على أننا ندرسها بطريقة مقعدة جامدة بمعنى أننا لا نجعل من التذوق الجمالي بابًا لاستشعار الأبيات والنصوص كما كان منهج الجرجاني ؟!!

أتمنى أن توضح لي مالذي تطمح إليه ..

فصيحويه
20-07-2007, 10:37 PM
نعم أختي زينب
تدريس البلاغة بالطريقة الحالية لا يتناسب مع مستويات الطلاب.
أنا أدعو إلى التجديد والتطوير. ينبغي أن نواكب هذا العالم المتطور المتسارع.
ينبغي أن يعلم أن طلاب اليوم يختلفون عن طلاب الأمس فهذا الجيل بعيد عن الفصحى فكيف نأتي ونطالبه بالتذوق الجمالي واستشعار جماليات النصوص -كما نطالب طلاب العلم- وهو لا يحسن فهم النص ولا يألف هذه التراكيب وإن كان يردد مثلها في العامية. ما يحصل الآن هو حفظ لقواعد هذا الفن واجتياز المادة دون أن يكون لها مردود إيجابي على الطالب.

زينب محمد
21-07-2007, 01:47 AM
أخي الكريم ..

اعذرني فلم أفهم التجديد والتطوير الذي تدعو إليه ..

أنت تقول بأنه علينا مواكبة العالم المتطور ، فكيف تريد أن تُدرس البلاغة لأبناء هذا الجيل ؟

أرجو أن يتسع حلمك ..

الماهر الامين البخاري
28-07-2007, 11:51 AM
تَطوُّرُ البَحْث الدَّلاليِ
دراسة تطبيقية في القرآن الكريم

الدكتور محمد حسين علي الصغير
أستاذ الدراسات القرآنية في جامعة الكوفة

( 5 )

« ثبت الكتاب »

تمهيد وتحديد

مكانة البحث الدلالي في المنظور النقدي بلاغياً ولغوياً / التفكير في العلاقة الدلالية جملي / التبادر الذهني يحدث دفعة واحدة / مصطلح البحث الدلالي مصطلح نقدي أوروبي معاصر / معالم هذا البحث في التحديث والتراثية / استبعاد السبق المنطقي والعرض الأصولي عن مهمة البحث / استقرار المنهج الأصولي عند الأستاذ الأعظم ولدى الإمام الخوئي / صلتي برئيس جامعة النجف الدينية تابعت إنجاز هذا البحث .

الفصل الأول
( نظرية البحث الدلالي عند المحدثين )
ميشال بريال مؤسس علم الدلالة الفرنسي / أوجدن وريتشاردز في نظرية معنى المعنى في النقد الإنكليزي / مفهوم الدلالة لدى الأوروبيين / صلة اللغة بالفكر والصورة بالصوت / تصورنا للمصطلح الدلالي بظاهرتيه : الحسية والمعنوية / كشف الفروق المميزة للدلالة بين النظرية والتطبيق / إيجاد صيغة المصطلح الدلالي في حدود الفهم العربي والأوروبي المشترك / آراء علماء الفريقين في اطار الدلالة للخلوص إلى المؤدى / عدم وضوح رؤية الدلالة / العناية بالجانب التأريخي للألفاظ مقترنة بالجانب النفسي / طه حسين أجمل المعيار القديم والحديث لدلالة الألفاظ / روح الدلالة عند العرب / الجواري يستلهم الدلالة من القرآن العظيم / جميل سعيد يكتشف روح الدلالة في لغة الشعر الجاهلي .

( 6 )
الفصل الثاني
(اصالة البحث الدلالي عند العرب )

الجهود المبكرة لعلماء العروبة والإسلام في تأصيل البحث الدلالي / البحث الدلالي سبق علمي للعرب والمسلمين / الخليل بن أحمد والجاحظ ذهبا إلى هذا المنهج / ابن جنّي نظر للمصطلح الدلالي من الواقع اللغوي والصوتي في التراث / الشريف الرضي صاحب منهج تطبيقي في الدلالة / تبلور الظاهرة الدلالية عند الثعالبي / عبد القاهر أصّل موضوع الدلالة وخطط لمفاهيمه / ابن الأثير وحازم القرطاجني والسيوطي في جهودهم النظرية والتنظيرية في علم الدلالة وتوابعها .
الفصل الثالث:
( تطبيقات البحث الدلالي في القرآن الكريم )

لغة القرآن ذات طابع دلالي خاص / نشاط اللغة العربية في القرآن مستمد من سمات بلاغية متجانسة تؤكد المعاني الثانوية فضلاً عن المعاني اللغوية الأولية / تطبيقات البحث الدلالي كشفت اختيار القرآن اللفظ المناسب في الموقع المناسب من العبارة القرآنية / ثلاث ظواهر قرآنية متميزة في دلالة الألفاظ بالمعنى الاصطلاحي الدقيق / التناسق القرآني مع مقتضيات الأحوال / الألفاظ في القرآن منضمة إلى المعاني دون تمايز / الخطاب بألفاظ القرآن إلى سكان الأرض لكشف الأسرار العلوية بحسب الذائقة الفطرية / تحليل نقدي لظواهر الألفاظ في القرآن / الوقوف عند جهود الخطابي فيما أورده من افتراضات وفيما أثبته من تطبيق دلالي لألفاط القرآن / دقة الخطابي فيما أجمله من إفاضات في هذا المجال على سنن العرب الأقحاح .
الفصل الرابع
( معجم العلماء الدلاليين من العرب والأوروبيين )
طبيعة هذا المعجم الأحصائية / التزامه بطريقة الألفباء
( 7 )



المعجمية / الأسس الأولية التي قام عليها المعجم / الاعتذار عن السهو بالنسبة للمحدثين / الدلاليون العرب القدامى / الدلاليون العرب المحدثون / الدلاليون الأوروبيون .
خاتمة البحث
نتائج كل فصل من الفصول السابقة التي توصلنا إليها .

المصادر والمراجع
أ ـ العربية
ب ـ الأجنبية

ثبت الآيات القرآنية
الواردة في الكتاب بحسب ترتيب المصحف .

( 8 )

( 9 )























بسم الله الرحمن الرحيم
تمهيد وتحديد :

في منظور النقد البلاغي واللغوي يحتل البحث الدلالي ذروة التأصيل الفني حيث تتبلور الدلالة بلاغياً و لغوياً ونقدياً جملة واحدة ، وذلك عند التفاصيل الدقيقة التي تجعل الدال علامة يرمز إليها بالأشكال ، والمدلول إمارة يؤكد عليها بالمعاني ، والعلاقة القائمة بينهما نتيجة محورية تتمخض عن التقائهما .
إن التفكير في استنباط هذه العلاقة التي هي جوهر الدلالة يجب أن يحدث جملياً دون تردد ، ومتى تم لنا هذا كانت الدلالة المتصورة ذهنياً حصيلة عملية فورية لاقتران الدال بالمدلول ، أو اللفظ بالمعنى ، أو الشكل بالمادة ، أو الاطار بالمحتوى ... بمختلف التعبيرات المختلفة المنطوق ، والمتحدة المفهوم ... ويمكن تجسيد هذا هذا المنظار في ضوء ما نجده في التصور الأولي للحرف (أ) في اللغة العربية عند الذهن وذلك حين يرسم هذا الأمر دالاً بشكله على هيئته الذهنية ، وهو نفسه في اللغة الانكليزية يرتسم شكلياً على هذا النحو ( A ) حينما نتصوره بهذه اللغة دون سواها .
والتبادر الذهني لهذه الرموز عند نطقها يحدث دفعة واحدة عند تصور أشكالها في الخارج بحيث لا يلتبس التصور للحرف نفسه ، ولا يختلط بغيره من الحروف في كل من اللغتين .
البحث الدلالي الحق هو ذلك البحث الذي يخلص إلى نتائج النظرية والتطبيق في دلالة الألفاظ بحيث لا ينفصل التصور الذهني المجرد عن الشكل المادي الخارجي ، وهذه المهمة هي المنعطف الهادف لمسيرة البحث الدلالي المتطورة عند العرب والأوروبيين .
( 10 )





ومصطلح البحث الدلالي من المصطلحات النقدية المعاصرة في منهج التحديث الأوروبي ولهذا فقد كان طبيعياً وموضوعياً أن نستعرض بعض ملامح هذا البحث بلغته المحدثة ، والتي يمكن لمحها عند المقارنة الجادة بين الموروث الدلالي عند العرب والمسلمين ـ قبل أن يتحقق مفهومه في الدرس النقدي الجديد ـ وبين معطيات الفكر الأوروبي الحديث والعربي المعاصر .
وانطلاقاً من هذه الحقيقة العلمية فقد فضلت أن أشير إلى أن دراسات المحدثين في هذا الميدان تستأهل الاهتمام المبكر بغية تخطيط البحث نظرياً وموقفاً ، ولدى عرضه سيتجلى التجديد في مجال الأسلوب ، والبقاء على الموقف الأم في التراث الاسلامي عند العرب ، وستجري تطبيقات البحث بالوقوف عملياً عند طائفة مختارة من الزخم القرأني لغوياً ونقدياً في لمحات خاطفة على سبيل الأنموذج والمثال ، ونكون بذلك قد أجرينا المقارنة العلمية الكاشفة من جهة ، ودللنا على تطور البحث من جهة أخرى ونظّرنا له بالقرآن الكريم تطبيقاً .
وفي ضوء هذا التخطيط الأولي كانت معالم البحث متسعةً لثلاثة فصول على النحو الاتي : ـ
الفصل الأول :نظرية البحث الدلالي عند المحدثين .
الفصل الثاني : أصالة البحث الدلالي عند العرب المسلمين .
الفصل الثالث : تطبيقات البحث الدلالي في القرآن الكريم .
ولقد رأيت من المفيد حقاً ـ بعد هذه الفصول ـ أن أخصص فصلاً إضافياً قائماً بذاته ، لمعجم تقريبي إحصائي بأسماء أبرز الدلاليين العالميين من النقاد والبلاغيين ، قدامى ومحدثين ، تسهيلاً لمهمة الباحث الأكاديمي حينما يتناول نظرية الدلالة لدى « السمانتيكيين » في الموضوع على وجه التفصيل لأوجه الإشارة والتمثيل كما هو في طبيعة هذا البحث في النظرية والتطبيق .
وتبقى محاور هذا البحث المركزية متمثلة بالتحديث أولاً ، وبالتراثية ثانياً ، وبالتنظير القرآني أخيراً ، وليس في البحث مسح إحصائي لهذه
( 11 )




المحاور بقدر ما فيه من لمح لتطور البحث الدلالي نظرياً ، مع احتفاظ الفكر الإسلامي والعربي بحق الابتداع للموضوع ، والابتكار في منهجية البحث ، مما يلقي نوعاً من التوجه نحو الجهود المبتكرة للدلالة اللغوية في ضوء النقد البلاغي في أرقى مقاييسه الفنية رؤية ومعاصرة .
ولما كانت هذه المهمة في البحث مهمة نقدية وبلاغية ولغوية فقد أبعدنا السبق المنطقي ، والعرض الأصولي للمسألة ولسنا بصدد الخلط بين مفهوم الدلالة عند المناطقة باعتبارها تضمينة أو التزامية أو مطابقية ، وبين المفهوم البلاغي المتشابك للدلالة كما فعل الخطيب القزويني ( ت : 739 هـ ) تبعاً لأبي يعقوب السكاكي ( ت : 626 هـ ) .
ولسنا نريد إضافة شيء على ما أفاده علماء الأصول في مباحث الألفاظ باعتبارها تشخص صغريات أصالة حجية الظهور في الأمر والنهي ، والمفاهيم ، والعام والخاص ، والمطلق والمقيد ، والتعارض على وجه .
فهذه كلها مباحث أصولية وعليها مسحة دلالية ، لاشك في هذا ، ولكنها مباحث تتعلق بالألفاظ خالصة من حيث إفادتها أحكاماً شرعية معينة ، بل هي ضوابط أساسية فيما يستفيده المجتهد لدى عملية الاستنباط ، وبناء الحكم على أصل من دلالة اللفظ المتبادرة اليه فيما يحتمله لسان الشارع المقدس . ولسنا بأزاء بيان هذا الأصل أو الخوض فيه ، فضلاً إلى أن السبق المنطقي والعرض الأصولي ، وأن تعلقاً بالبحث هامشياً ، إلا أنهما من المباحث المستفيضة التي كتبت ودوّنت وطوّرت ونضجت واستقرت بمنهج ثابت في المنطق وأصول الفقه لا سيما عند الأستاذ الأعظم الشيخ مرتضى الأنصاري ( ت : 1281هـ ) والتعرض لهما حديث عنهما لاعن النقد البلاغي . كما هي الحال في محاضرات زعيم الحوزة العلمية الإمام الأكبر السيد أبو القاسم الخوئي ( قدس سره ) وإفاضاته الأصولية المتطورة .
إذن : هذا العرض بعيد عن المفاهيم المقحمة بالنقد والبلاغة نتيجة تأثير البيئة الكلامية ، وسيطرة المنطق ، وسيرورة علم الأصول ، وإنما هو كشف دلالي لصميم المخزون التراثي من النقد البلاغي في ضوء المتغيرات الأوروبية المتواجدة . ومن خلال التطبيق القرآن العظيم .
( 12 )



وقد أفدت من صلتي العلمية بالأستاذ الحجة السيد محمد كلانتر رئيس جامعة النجف الأشرف متابعته في إنجاز هذا البحث على وجه السرعة لأنه يتسم بالأصالة فيما أفاض ، فكان له ما أراد . فإن كان الأمر كذلك فبفضل من الله تعالى وحده ، وإن كانت الأخرى فما لايدرك كله ، لايترك كله .
وفقنا الله جميعاً لاستقراء الحقائق من ينابيعها الأولى .
وما توفيقي إلا بالله العلي العظيم عليه توكلت وإليه أنيب ، وهو حسبنا ونعم الوكيل .
النجف الأشرف
الدكتور محمد حسين علي الصغير
أستاذ في جامعة الكوفة

( 13 )





















الفصل الأول
نظرية البحث الدلالي عند المحدثين

( 14 )

( 15 )

نظرية البحث الدلالي عند المحدثين :
يرى علماء الدلالة المحدثون إن اللغوي الفرنسي ميشال بريال ( M.Breal ) يعتبر مؤسس علم الدلالة المتعارف عليه اليوم ، وهو الذي وجه الاهتمام لدراسة المعاني بذاتها ، وقد اقترنت أهمية ريال هذه بمحاولة الناقدين اللغويين الإنكليزيين : أوجدن ( C.K.OGden ) وريتشاردز ( I.A.Richards ) الذين حوّلا مسار الدلالة بكتابهما المشترك : معنى المعنى ( The meaning of meaning ) الصادر عام 1923 (1) . وذلك بتساؤلهما الحثيث عن ماهية المعنى من حيث هو عمل متزاوج من اتحاد وجهي الدلالة : أي الدال والمدلول ، فوجّها العناية بالعلاقة التي تربط مكونات الدلالة التي يجب أن تبدأ من الفكرة أو المحتوى الفعلي الذي تستدعيه الكلمة والذي يومي إلى الشيء (2).
فالدلالة لدى هؤلاء مجتمعين ـ كما يبدو ـ عبارة عن اتحاد شامل بإطار متكامل بين الدال والمدلول غير قابل للتجزئة والفصل .
وفي ضوء هذا الفهم الأولي للدلالة أخذت البحوث تشق طريقها إلى استكناه مفهوم الدلالة ومصطلحها لدى المحدثين من العرب والأوروبيين حين لمسوا أن التعميم الفضفاض غير كافٍ لإعطاء صيغة علمية او فنية متميزة تنهض بالاصطلاح مستوياً على قدميه . ومن هنا حاولوا جعل الدال والمدلول قسيمين أساسيين لمفهوم الدلالة .
____________
(1) طبع هذا الكتاب طبعة منقحة في لندن ، 1956 م .
(2) ظ . د . موريس أبو ناصر ، مدخل إلى علم الدلالة الألسني ، الفكر العربي المعاصر ، آذار ، 1982+ كمال محمد بشر ، دراسات في علم اللغة : 2/159 .
( 16 )

يستوقفنا الدكتور بسام بركة ، في تقسيمه وتعقيبه حين يقول : « أما الدال فهو الصورة الصوتية التي تنطبع مباشرة في ذهن السامع ، وهو بعبارة أخرى : الإدراك النفسي للكلمة الصوتية ، وأما المدلول فهو الفكرة التي تقترن بالدال » (1).
ويهمنا من هذا المنحنى التأكيد على صلة اللغة بالفكر فيما يوحيه من علاقة مباشرة قد تكون ضرورية بين عناصر الأشارات المتولدة في الذهن نتيجة لاقتران الدال والمدلول خلف الدلالة ، في حين يقول بعض الدارسين العرب : « لا تقتصر دلالة الكلمة على مدلولها فقط ، وإنما تحتوي على كل المعاني التي قد نتخذها ضمن السياق اللغوي . وذلك لأن الكلمات ، في الواقع ، لا تتضمن دلالة مطلقة بل تتحقق دلالتها في السياق الذي ترد فيه ، وترتبط دلالة الجملة بدلالة مفرداتها » (2).
ومع تقويمنا للنصين السابقين واعتدادنا بهما فإن بالأمكان أن نتصور ـ بكل تواضع وسماح ـ أن للألفاظ ظاهرتين متلازمتين تتمم إحداهما الأخرى :
الظاهرة الأولى : ظاهرة حسية ، باعتبار الألفاظ أصواتاً تنطلق بها الأوتار الصوتية من داخل الجهاز الصوتي ـ ابتداءً من أقصى الحلق وانتهاءً بانطباق الشفتين لتتصل بالأسماع ، وتصل إلى الآذان .
الظاهرة الثانية : ظاهرة معنوية ، باعتبار الألفاظ رموزاً تشتمل على أصواتها لدى انطباقها على مسمياتها ، وإن كانت غيرها .
وتأسيساً على هذه الرؤية يتحقق لنا لمس إطارين حيّين للألفاظ بعامة : ـ
إطار خارجي ، يتمثل بالصوت اللساني لكل لفظ ، وإطار داخلي يحمل لنا الصورة الذهنية لذلك الصوت .
____________
(1) د . بسام بركة ، اللغة والفكر بين علم النفس وعلم اللسانية ( بحث ) . ظ : المصادر .
(2) د . ميشال زكريا ، المكون الدلالي في القواعد التوليدية والتحويلية ( بحث ) . ظ : المصادر
( 17 )





والإطار الخارجي ، وهو الظاهرة الحسية ، يمثل الشكل .
والإطار الداخلي ، وهو الظاهرة المعنوية ، يمثل المضمون .
ويراد بالشكل هنا ـ كما هو مفهوم من السياق ـ مادة اللفظ الصوتية أو الوترية ، وبالمضمون دلالة اللفظ الانطباقية أو المعنوية .
ولتنظير هذا الفهم نرى أن دلالة أي لفظ من الألفاظ على معناه المحدد له ، ترتبط فيما يوحيه هذا اللفظ في الأذهان من انصراف وتبادر ألى مشخصاته الخارجية إن كان عيناً ، أو ما يرمز إليه في التصور الذهني إن كان معنىً ، بحيث يكسبه هذا وذاك دلالته عند التطبيق الخارجي الذي لا يلتبس بمفهوم آخر في الأدراك حتى يعود رمزاً له ، أو علاقة تشير إليه ، وفي هذا الضوء تشترك الرموز الصوتية لأي لفظ في الدلالة عليه لتشكل أصلاً في كيانه بتصوره جملي دفعة واحدة سواء أكان الاستعمال على جهة الحقيقة اللغوية ، أم على جهة الاستعمال المجازي إذ مناسبة الصلة بين الاستعمالين الحقيقي والمجازي قائمة على إرادة المعنى المحدد دون التباس أو إيهام لتوافر القرينة الدالة على ذلك .
وفيما نرى فلعل استيفن أولمان أستاذ علم اللغة بجامعة ليدز بإنكلترا قد صاغ دلالة الألفاظ بإطار موجز واضح ، فاللفظ عنده : الصيغة الخارجية للشكل ، والمدلول : الفكرة التي يستدعيها اللفظ (1) .
وقد أوجد بهذا مقارنة سليمة بين المصطلحين ، فلاحظ أن بينهما علاقة متبادلة ، فليس اللفظ وحده هو الذي يستدعي المدلول ، بل إن المدلول أيضاً قد يستدعي اللفظ ، وهذه العلاقة المزدوجة هي القوة التي تربط الدال بالمدلول ، أي الصيغة الخارجية للكلمة بالمحتوى الداخلي لها .
وقد أيد هذا المذهب اللغوي الفرنسي ( أندريه مارتينيه ) فذهب أن اللفظ لا يمكن له أن يمثل الوحدة العضوية الصغرى في الكلام ، لأن اللغة الأنسانية تقوم بإزاء تلفظ مزدوج مركب من اللفظ المكّون من مجموعات
____________
(1) ظ . ستيفن أولمان ، دور الكلمة في اللغة : 64 .
( 18 )





صوتية ومن المدلول في إعطاء المعنى ، فاللفظ دال ، ومعنى ذلك اللفظ مدلول (1).
ومضافاً إلى اقتناعنا بهذا المنهج فإن المحدثين من علماء الدلالة الأوروبين ، مقتنعون أيضاً ولكن بصعوبة تحديد الكلمة في شتى اللغات ، غير أنهم مجموعون أن الأساس الصوتي وحده لا يصلح لتحديد معالم الكلمات وأنه لا بد أن تشترك معه الكلمة أو وظيفتها اللغوية ليمكن تحديدها .
وقد اتضح للعالم المشهور ساپير (sapir) أن تحليل الكلام إلى عناصر أو وحدات ذات دلالة ، يقسم هذا الكلام إلى مجموعات صوتية منها ما ينطبق على الكلمة ، ومنها ما ينطبق على جزء من الكلمة ، ومنها ما ينطبق على كلمتين أو أكثر (2) .
وطبيعي أن مفهوم ساپير لهذه الدلالة ينطبق على الأحداث والأسماء والحروف ، ودلالة الإضافة في وحدة المضاف ، والمضاف إليه مما يعني تغايراً حقيقياً بين مفهومه ومفهوم القدامى العائلين : « الكلمة قول مفرد ، أو لفظ مفرد » (3).
فهل أل التعريف من هذا القول ؟ وهل الباء كحرف جر من هذا اللفظ ؟ وهل الضمائر المتصلة كالتاء منه على وجه ما ؟ وهي مع اندماجها في الأفعال ...هل تشكل قولاً مفرداً أم قولين ؟ أو لفظاً مفرداً ام لفظين ؟
إن استقلالية الألفاظ في اللغة العربية تعني الفصل في الدلالة ، فلكل من الأفعال و الأسماء والحروف والضمائر دلالات خاصة .
ومع هذا التغاير ، فإن الفهم النحوي للكلمات عند القدامى يختلف عن المفهوم النقدي والبلاغي عندهم في الدلالات .
وقد كشف الأستاذ مطاع صفدي عمق الفروق بين النظرية والتطبيق
____________
(1) . Mrtinet, Elements de Linguitigue General, Paris. 1970. p.16.
(2) ظ .إبراهيم أنيس . دلالة الألفاظ : 42 وما بعدها .
(3) ابن هشام ، شذور الذهب : 12.
( 19 )





في المجال الدلالي فرأى : أن الأهمية المميزة للدلالة ، إنها لدى تطبيقها على حقل ما لا يتوقف عند حد تفكيك بنيته ، ولكنها عندما تنجح في هذه المهمة ، وتكشف مدلوله ، تتغير علاقته بالوعي ، يصبح خطاباً آخر بمستويات من الدلالة ذات أنساق متناظرة ، تضفي على منظر الخطاب عمقاً استراتيجياً جديداً .
لذلك فإن الباحثيين في نضرية الدلالة ، محتاجون دائماً إلى ممارسة نظرياتهم عبر الخطابات والنصوص التي يطبقون عليها مناهجهم الدلالية لأن هذا التطبيق ذاته لا يبرهن على نجوع المنهج فحسب وإنما يطوّره ، يعطي الخطاب من ذاته ، ويأخذ منه الحس الحي بعمقه العضوي الجديد .
إن خصب الدلالة حقق شكلية التداخل المنهجي بين العلوم الإنسانية وجعلها تعكس ظلالها بعضها على بعض ، حولها إلى مرايا لبعضها ، وغني عن البيان أن تقدم العلوم الإنسانية لا يزال مرتبطاً إلى ما لا نهاية بالكشوف المنهجية ، وأهم هذه الكشوف التي ساهمت في نهضتها هي المناهج المساعدة على استنباط أجهزة الإنتاج المعرفية لموضوع البحث وللخطاب العلمي المفسر للموضوع في وقت واحد (1) .
ومع اتساع هذا العرض في الاستدلال ، فقد يراد بهذا التعبير مشاركة الدلالة في إرساء مناهج المعرفة الإنسانية ضمن تعدد خصائصها الفنية ، وبرامجها في التنقل بين حقول الحضارة المختلفة تراثية وحداثة في آن واحد .
والذي يهمنا من هذا المنظور هو المنهج النقدي الذي يرتبط بالدلالة تكوناً جمالياً .
ويقول الدكتور عناد غروان ـ وهو يتحدث عن طبيعة هذا المنهج في وجهاته الجمالية المتنوعة ـ :
« فقد يكون المنهج شكلياً يهتم بالبنية الشكلية ـ العضوية والتجريدية ـ للتجربة الأدبية أو قد يكون تحليلياً قائماً على تحليل عناصر التركيب الأدبي

____________
(1) ظ : مطاع صفدي ، نظرية الدلالة وتطبيقاتها ، الفكر العربي المعاصر : آذار 1982.
( 20 )



وخصائصه البيانية والبلاغية ، أوقد يكون منهجاً تقنياً فنياً جديداً يدرس هذه التجربة أو تلك على أساس كونها ظواهر حضارية إنسانية تخضع لمثل جديدة في تقدير قيمتها النقدية ـ الفنية الجمالية ـ التي تخلق الإعجاب والتقدير في طبيعة العمل الأدبي بالنسبة للقارئ والمتذوق » (1).
واحسب أن التطور الدلالي هو من النوع الأخير ، لأن الحركة النقدية المعاصرة التي اهتمت بالمنطق السمانتيكي (علم الدلالة ) وعلاقته بالرمز تارة وبالصورة الفنية تارة أخرى ، وبالخيال غيرهما تذهب إلى قيمة الدلالة باعتبارها كائناً حضارياً متطوراً يمثل قوة الإدراك في حياة الألفاظ والمعاني ، وإن اهتمت بالخصائص البيانية والبلاغية في توجيه مسيرتها النقدية .
على أن المحدثين من الأوروبيين يختلفون في أولويت الدلالة بين اللفظ والمعنى و ينقسمون في ذلك إلى مدرستين نقديتين « المدرسة التحليلية » التي ترى أن المعنى يمكن تحليله إلى عناصره ووحداته الأساسية و « المدرسة العملية » التي ترى أن الكلمة ترمز إلى فكرة أوإشارة وأخيراً إلى مجمل المعنى العام في الجملة أو التعبير . وتدرس هذه المدرسة الكلمات ذاتها مرتبطة بحدثها وعلاقاتها العلمية مع غيرها دونما اهتمام مباشر بالمعنى قبل الكلمة (2) .
وهذه النظرة التي ترجمها لنا عن الأوروبيين الدكتور عناد غزوان يحللها بقوله : ـ
« واختلاف المدرستين يعود إلى مدى اهتمامهما بالقارىء ، السامع قبل المتكلم ، أو بالمتكلم قبل السامع ، فعلاقة اللغة بالفكر ليست من القضايا البسيطة لتداخلهما من جهة ، لأنهما روح الحضارة الإنسانية من جهة أخرى فما ينشأ عن هذه العلاقة من غموض أو وضوح من إشارة أو رمز ، من صواب أو خطأ ، من حقيقة أو مجاز يتوقف على قدرة اللغة في توصيل فكرها إلى الآخرين وفي الإفصاح عن تلك التجربة الإدبية ، وهنا

____________
(1) عناد غزوان ، التحليل النقدي والجمالي للأدب : 29.
(2) ظ . عناد غزوان ، المصدر السابق : 32 بتصرف .
( 21 )



يبرز دور النقد الأدبي حضارياً من خلال تحليله لعناصر التجربة بحثاً عن فكرها ودلالتها ، ومدى ارتباطها بالأحداث الذاتية والإنسانية » (1).
ومهما يكن من أمر فإن طبيعة البحث الدلالي في نظرية المحدثين من عرب وأوروبيين ، لا تعدو إطار التعريف لكل من الدال والمدلول وعلاقة الألفاظ والمعاني ، ومشاركة هذه العلاقة في إرساء دعائم الحضارة الإنسانية ضمن إشارات ثقافية ولمسات منهجية بأسلوب تغلب عليه السلاسة حيناً ، والنعومة حيناً آخر ، والتعقيد في المؤدي ثالثاً ، وتزاحم الألفاظ ، وتغاير التعبيرات ، وتراكم الصيغ بين هذا وذاك في كثير من الأحيان .
ونحن بدورنا نؤيد ما أورده الدكتور إبراهيم أنيس في عدم وضوح الرؤية لدى هؤلاء الباحثين في التفرقة بين أصول الدلالات ومحدثاتها فهم يتجاهلون تأثير العامل التأريخي في اكتساب الألفاظ دلالتها بمرور الزمن ، فيقول : « والأمر الذي لم يبد واضحاً في علاج كل هؤلاء الباحثين هو وجوب التفرقة بين الصلة الطبيعية الذاتية والصلة المكتسبة ، ففي كثير من ألفاظ كل لغة نلحظ تلك الصلة بينهما وبين دلالتها ولكن هذه الصلة لم تنشأ مع تلك الألفاظ أو تولد بمولدها وإنما اكتسبتها اكتساباً بمرور الأيام وكثرة التداول والاستعمال .
وهي في بعض الألفاظ أوضح منها في البعض الآخر ، ومرجع هذا إلى الظروف الخاصة التي تحيط بكل كلمة في تأريخها وإلى الحالات النفسية المتباينة التي تعرض للمتكلمين والسامعين في اثناء استعمال الكلمات » (2) .
وهذا تعقيب يعنى بالجانب التاريخي للفظ من جهة وبالجانب النفسي من جهة أخرى .
وهذان الملحظان لم يغب تصورهما الدقيق عن الذهن العربي الإسلامي في القرون السابقة وهو ما ستجده فيما بعد .

____________
(1) عناد غزوان ، المرجع السابق : 32 وما بعدها .
(2) إبراهيم أنيس ، دلالة الألفاظ : 71 .
( 22 )



ولعل عميد الأدب العربي المرحوم الدكتور طه حسين ( ت : 1973م ) قد أجمل المنظور القديم والحديث في دلالة الألفاظ على شكل تساؤل إيحائي في إطار نقدي يعنى بمفهوم الأدب فقال : « وما عسى أن تكون هذه الصاغة ، أهي التأليف بين المعاني أو بين هذه الصور لتلتئم وتأتلف ، والدلالة عليها بالألفاظ التي يؤديها إلى القراء ؟ أم هي شيء آخر؟ فإن تكن الأولى ففيم الأخذ والرد والجدال الطويل وقد قلت لهم : إن الألفاظ وحدها لا تغني شيئاً ، وإنّ الأدب لا يكون إلا إذا ائتلفت المعاني بينهما ، وائتلفت الألفاظ فيما بينها وبين المعاني ، كان الجمال الفني هو الذي ألف بينها فأحسن التأليف ، وإن تكن الصياغة شيئاً آخر فما عسى أن تكون » (1) .
هذه روح الدلالة عند العرب بأسلوب واضح كما سترى ، لأن الفروق التعبيرية بين حالتين ـ كما هو الظاهر ـ عند المحدثين من الأوروبيين والقدامى من العرب ، تتجلى في نتائج البحث عن الدلالة ، فكأنك لا تلمس شيئاً محسوساً في التعبير الحديث ، بينما تضع بصماتك على الأثر الجلي في المدرسة الدلالية عند العرب ، فهناك الألفاظ الأخاذة دون حصيلة مجدية ، وهناك الأصالة العلمية في المقدمات والنتائج الموضوعية ، ولايعني هذا العرض الغض من معطيات المدرسة الحديثة بقدر ما يعني الاعتداد بما أسداه الأوائل ضمن صفائهم الفطري للموروث الحضاري الأنساني المتصاعد .
ولا بد لي من الوقوف قليلاً بل الإشارة تلميحاً إلى ما حققه إثنان من علماء الأمة العربية المعاصرين بل علمان من أعلامها : في مجال التنظير الدلالي في رؤية تراثية تستلهم القرآن العظيم عند الأول ، والشعر العربي القديم عند الثاني :
1ـ لقد استلهم أستاذنا وصديقنا العلامة المرحوم الدكتور أحمد عبد الستار الجواري روح الدلالة في المنظور القرآني من خلال حذف القول في العبارات القرآنية التي تدل معانيها على مرادها ، دون استخدام الألفاظ لهذا الغرض ، مما يحمل السامع على توقع أمر ذي بال ، كما هي الحال في

____________
(1) طه حسين ، خصام ونقد : 102 .
( 23 )


الانقطاع والالتفات وسواهما في عبارة القرآن فيقرع بهما أسماعاً غير واعية ، ويهز مشاعر غير صاغية ، يقول المرحوم الجواري :
« ومما يكثر وروده في العبارة القرآنية حكاية القول دون العناية بذكر القول ، وهو أشبه ما يكون بلوحة أسقط منها مالا حاجة به من خطوط ابتغاء التنويه بجوهر الموضوع ، صورة قصد فيها إلى إهمال ما لا يتعلق بالمعنى أو الفكرة التي أريد التعبير عنها ، والالتفات إلى الأصل والأساس . ولو اتصل الكلام لما أثار قدراً من الانتباه والاهتمام مثل الذي يثيره الانقطاع ، كالذي يسير في طريق ممهدة لاحبة ، تقوده قدماه حتى لا يعود يتلفت حوله ، ولايثنيه لما يحيط به حتى يفاجئه انحراف في الطريق ، أو التواء ، أو انقطاع ، يسلم إلى منحدر أو مرتقى فيفتح عينيه ، ويرهف حواسه بعد ذلك الانقطاع » (1) .
وينظر إلى هذا الملحظ بالتأمل في قوله تعالى :
( فلمّآ أتاها نودي من شاطيء الواد الأيمن في البقعة المباركة من الشّجرة أن يا موسى إنّي أنا الله ربّ العالمين * وأن ألق عصاك فلمّا رءاها تهتزّ كأنّها جآنّ ولّى مدبراً ولم يعقّب يا موسى أقبل ولا تخف إنك من الأمنين * ) (2) .
2ـ وقد استفاد أستاذنا الجليل الدكتور جميل سعيد عضو المجمع العلمي العراقي أن في لغة الشعر الجاهلي ألفاظاً استعملت ولا يسدّ غيرها مسدّها . وكانت تلك الألفاظ قد استخدمت في لغة التخاطب والحديث « تلك اللغة ذات الألفاظ الواضحة المتداولة المفهومة ، يقولها ـ امرؤ القيس ـ: وكأنه لا يرى استبدال هذه الألفاظ بغيرها يسد مسدها ، يتذكر الحوار ، ويعيد الحديث الذي سلّى به صاحبه ، يعيده وكأنه يرى فيه تسلية وعزاء لنفسه ، يقول (3) :
بكى صاحبي لما رأى الدرب دونه * وأيقــن أنـا لاحقــان بقيصرا
فقلـت له : لا تبك عينـك إنمـا * نحاول ملكاً ، أو نمــوت فنعذرا

____________
(1) أحمد عبد الستار الجواري ، نحو القرآن : 38 .
(2) سورة القصص : 30 ـ 31 .
(3) امرؤ القيس ، الديوان : 72 .
( 24 )


فلغة الشعر عند امرؤ القيس وسواه تهبط إلى لغة الحديث التي يتبع بها أسلوب الحوار ، وأسلوب السؤال والجواب ، ولغة الحديث هذه ، هي لغة النثر التي يقصد بها الأفهام . ومن هنا تكون واضحة ذات جمل قصيرة ، وتكون بعيدة عن الصناعة اللفظية التي تعمد إلى التزويق في الألفاظ ، وإلى الاستعارات والمجازات » (1) .
فكأن الغرض الفني عند العربي بفطرته ـ كما يرى ذلك أستاذنا الدكتور جميل سعيد ـ أن يقصد بالألفاظ إيصال المعنى المراد إلى المتلقي بما يفهمه و يسبر غوره ، وتلك روح الدلالة عند العرب .
ولعل في تعقب الصفحات الآتية ما يعطي صيغة مقنعة أو مرضية في هذا المنحنى المقارن الذي لا يخلو من طرافة استدلالية على صحة هذا المنظور المجرد عن الحساسية والإثارة بقدر ما هو أصيل في مصادره الريادية الأولى ، عسى أن يكون ذلك مؤشراً ينبه على قيمة هذا التراث بين هذه السطور التي لا تعدو كونها نماذج في مسيرة الدلالة .
____________
(1) جميل سعيد ، لغة الشعر « بحث » مستل من المجلد الثاني والعشرين من مجلة المجمع العلمي العراقي ، مطبعة المجمع ، بغداد 1973 .





















الفصل الثاني
أصالة البحث الدلالي عند العرب










( 27 )



















أصالة البحث الدلالي عند العرب :
ولا تحسبن أن المحدثين قد أتوا بجديد محض ، أو ابتكروا ما لم يكن ، أو بحثوا ما لم يسبق إليه فالأمر قد يكون على العكس هنا ، ذلك أذا لاحظنا جهود السابقين من علماء العرب والمسلمين الذين أشارو لجمل من الموضوع أو كتبوا في دلالته أو كشفوا عن سماته ، فكوّنوا بذلك ركائزه الضخمة وحققوا مزية الاكتشاف العلمي .
إن وضع اللبنات الأولى لهذا التخطيط ، قد يعتبر سبقاً إلى الموضوع وابتكاراً متقصداً لمفرداته ، وتأصيلاً متميزاً لمصطلحه ، مهما كان التعبير عنه متفاوتاً في الصيغ الإدائية لقد ذهب جملة من علمائنا القدامى إلى وجود مناسبة طبيعية بين اللفظ ومدلوله ، فالألفاظ عندهم لم تنفصل عن دلالاتها الصوتية في كثير من الأحيان ، كما لم تتخل عن المعاني الدالة عليها نقدياً وبلاغياً ولغوياً في شتى الوجوه المرتبطة بها عند الإطلاق (1) .
إن هذه المدرسة المتفوقة الأدراك لم تتأصل فجأة ، ولم تتبلور معطياتها الجمالية بغتة ، وإنما عركها الزمن في تطوره من خلال الأخذ والرد وتقلب أيدي الفطاحل من العلماء الناقدين ، فأتت مختمرة الأبعاد وإن عبر عنها بشكل وآخر، إلا أننا نرصدها هنا وهناك بعد جهد وعناء ، حتى تتكامل الرؤية الحقيقية لهذه المكنونات المجتزأة في إشارة عابرة حيناً ، وفي إفادة عامة حيناً آخر ، وبين طيّات تلك الكتب التي يصور هدفها الأولي مراداً معيناً قد يختلف عما نحن بصدد إبرازه إلى العيان ، وليس اكتشاف هذه الشذرات أمراً هيناً . ولكنه بطبيعة البحث العلمي عناء متراكم تتولد عنه
____________
(1) ظ . المؤلف ، نظرية النقد العربي في ثلاثة محاور متطورة ، قضية اللفظ والمعنى .
________________________________________
( 28 )







راحة تامة إذا حقق أصلاً تراثياً أو مجداً فنياً تعقبهما النتائج الرصينة ، ولا أدعي هذا للبحث ، فقد يحدث وقد لا يحدث ، ولكني أشير إليه باستقراء محدود قد يفتح الطريق أمام الباحثين ، لأنه سمات إلى الركب الصاعد ، ومؤشرات في مسيرته كما سنرى .
1ـ لا شك أن الخليل بن أحمد الفراهيدي ( ت : 175هـ ) قد أفاد الدارسين العرب في مباحث معجمه الأصيل ( العين ) (1) حين بحث في تراكيب الكلمات من مواردها الأولية في الجذر البنيوي ، الحرفي ، ومن ثم تقسيمه على ما يحتمله من ألفاظ مستعملة ، وأخرى مهملة لدى تقلب الحرف في التركيب لتعود ألفاظاً بداية ونهاية طرداً وعكساً ، ومن ثم إيجاد القدر الجامع بين المستعمل منها في الدلالة . والمهمل دون استعمال .
وقد كان الخليل هو الرائد الأول لهذا الباب دون الخوض في التفصيلات المضنية للبحث الدلالي كما يفهم في لغة التحديث ، لأن مهمته كانت لغوية إحصائية ولكنها على كل حال تشير إلى دلالة الألفاظ كما يفهمها المعاصرون عن قصد أو غير قصد ، وهو إلى القصد أقرب وبه ألصق لما تميز به الخليل من عبقرية ولما اتسمت به بحوثه من أصالة وابتكار . وقد أفاد من ذلك كثيراً سيبويه ( ت : 180 هـ ) كما يتضح من استقراء الكتاب .
2ـ وهذا أبو عثمان الجاحظ ( ت : 255هـ ) وهو حينما يتحدث عن مناسبة الكلام لمقتضيات المقام ، وهي حالة بلاغية ، إنما يتحدث عما يحدثه معنى اللفظ عند السامع من فهم لايتعدى فيه المتكلم حدود دلالة الألفاظ على المعاني لدى المتلقي فيقول : ـ ( ينبغي للمتلكم أن يعرف أقدار المعاني ويوازن بينها وبين أقدار المستمعين ، وبين أقدار الحالات فيجعل لكل طبقة من ذلك مقاماً حتى يقسم أقدار الكلام على أقدار المعاني ،

____________
(1) حقق الدكتور عبد الله درويش عميد كلية دار العلوم في جامعة القاهرة ما عثر عليه من كتاب العين وطبعه ومن ثم قام الأستاذان الدكتور مهدي المخزومي والدكتور إبراهيم السامرائي بتحقيقه كما تركه مؤلفه وقامت وزارة الثقافة والإعلام في العراق بطبعه طباعة أنيقة في ثمانية أجزاء .
________________________________________
( 29 )

ويقسم المعاني على أقدار المقامات ، وأقدار المستمعين على أقدار تلك الحالات )(1).
وهو بهذا يريد أن يتحدث عن الدلالة في ابعادها المخصصة لها فلا تتعدى حدودها ولا تتجاوز مفهومها ، وإن ربط بينها وبين عقلية المتلقي في مطابقة المقال لمقتضى الحال كما يقول البلاغيون ، أو مطابقة الكلام لمناسبة المقام .
3ـ وأبو الفتح ، عثمان بن جني ( ت : 392 هـ ) يعود بدلالة الألفاظ عند اختراعها وابتكارها وموضعتها إلى أصول حسية باديء ذي بدء حين تكلم عن ذلك .
وذهب بعضهم إلى أن أصل اللغات كلها إنما هو من الأصوات المسموعات كدوي الريح ، وحنين الرعد ، وخرير الماء ، وشحيج الحمار، ونعيق الغراب ، وصهيل الفرس ، ونزيب الظبي ، ونحو ذلك ، ثم ولدت اللغات عن ذلك فيما بعد .
« وهذا عندي وجه صالح ، ومذهب متقبل » (2).
وكما ربط ابن جني بين الحس والأصداء والأصوات والانفعالات وبين ابتكار الألفاظ في أصولها الأولى ، وترجيحه للرأي القائل بهذا على أساس تأثر الاستخراج النطقي بهذه المداليل الصوتية ، فتكونت الكلمات ، وتراصفت الألفاظ شدة وانطباقاً ورخاوة ، فقد ربط بين استقرار هذه الألفاظ ، وتمام فائدة الصوت الذي قد يكون مهملاً ، وقد يكون مستعملاً ، وعقد لذلك مقارنة دقيقة في استكناه الفروق المميزة بين الكلام والقول وإن هذا له دلالة وذلك له دلالة ، وذلك أول مباحث علم دلالة الألفاظ في صيغتها الاصطلاحية السليمة .
يقو ابن جني في هذا الملحظ : ـ ( ومن أدل الدليل على الفرق بين الكلام والقول : إجماع الناس على أن يقولوا : القرآن قول الله ، وذلك إن
____________
(1) الجاحظ البيان والتبيين : 1/139 .
(2) ابن جني ، الخصائص : 1/46- 47 .
________________________________________
( 30 )





هذا موضع ضيق متحجر لا يمكن تحريفه ، ولا يسوغ تبديله شيء ، فعبر لذلك عنه بالكلام الذي لا يكون إلا أصواتاً تامة مفيدة ، وعدل به عن القول الذي قد يكون أصواتاً غير مفيده ، وآراء معتقدة (1) .
وفي الملحظ نفسه نجده يتلمس المناسبة بين كلمتي المسك والصوار (2) .
ويستمر ابن جني في المنظور التطبيقي لدلالة الألفاظ فيستنبط العلاقة الدلالية لمادة (جبر) بكل تفريعاتها المتناثرة كالجبر والجبروت والمجرب ، والجراب .
فيجد في قوتها وصلابتها وقسوتها وشدتها معنىً عاماً مشتركاً بين مفرداتها تجمعه القوة والصلابة والتماسك (3).
ولا يكتفي بذلك حتى يعقد في كتابه المذكور فصلاً بعنوان ( تصاقب الألفاظ لتصاقب المعاني) وباباً آخر لمناسبة الألفاظ للمعاني ، وقال عنه : إنه موضع شريف لطيف ، وقد نبّه عليه الخليل(4).
وإليك هذا النص الدلالي كما يقومّه ابن جني : ـ
« فأما مقابلة الألفاظ بما يشكل أصواتها من الأحداث فباب عظيم واسع ، ونهج متلئب عند عارفيه مأموم ، وذلك أنهم كثيراً ما يجعلون أصوات الحروف على سمت الأحداث المعبر عنها فيعدلونها بها ، ويحتذونها عليها ، وذلك أكثر مما نقدّره ، وأضعاف ما نستشعره ، ومن ذلك قولهم خضم وقضم ، فالخضم لأكل الرطب ... والقضم لأكل اليابس » (5).
4ـ أما أحمد بن فارس ( ت: 395 هـ ) فيعد بحق صاحب نظرية في دلالة الألفاظ ، فكتابه مقاييس اللغة يعنى بالكشف عن الصلات القائمة بين

____________
(1) المصدر نفسه : 1/18 .
(2) المصدر نفسه : 507 .
(3) المصدر نفسه : 525 .
(4) ظ : للتفصيل في الموضوع : السيوطي ، المزهر : 47 وما بعدها .
(5) ابن جني ، الخصائص : 1/65 .
________________________________________
( 31 )


الألفاظ والمعاني في أكثر من وجه ، ويشير إلى تقلبات الجذور في الدلالة على المعاني ، ويستوحي الوجوه المشتركه في معاني جملة من الألفاظ . وكتابه :
(الصّاحبي في فقه اللغة ) ينطلق إلى الدلالة معه ، فيشير، إلى مرجعها ، ويحدده في ثلاثة محاور هي : المعنى ، والتفسير ، والتأويل . وهي وإن اختلفت فإن المقاصد منها متقاربة (1) .
ويشير بأصالة إلى دلالة المعاني في الأسماء باعتبارها سمات وعلامات دالة على المسميات (2).
ويتابع ابن فارس بتمرس عملية تنوّع الدلالات وأقسامها بالشكل الذي حدده المناطقة فيما بعد وتسالموا عليه (3).
والجدير بالذكر أن يبحث ابن فارس بكل يسر وسماح : دلالة تسمية الشيء الواحد بالأسماء المختلفة كالسيف والمهند والحسام وما بعده من الألقاب ويقرر مذهبه : أن كل صفة من هذه الصفات فمعناها غير معنى الأخرى وكذلك الحال بالنسبة للأفعال فيما يتوهّم من دلالتها على مدلول واحد وهو مختلف عنده نحو : مضى ، وذهب ، وانطلق ، وقعد وجلس ، وكذلك القول فيما سواه وبهذا نقول : ومن سنن العرب في المتضادين باسم واحد نحو : الجون للأسود والجون للأبيض ... ثم يعقب ذلك بدلالة الاسم الواحد للأشياء المختلفة ، ويعقد له باباً باسم (أجناس الكلام في الاتفاق والافتراق ) ، ويضرب لجميع ذلك الأمثلة ، ويخرج عن هذا بالأسماء المختلفة للشيء الواحد (4).
وفضلاً عما سبق نجد ابن فارس دقيق الملاحظة ، وحديد النظر ، فيما يستنبط من تآلف الأصوات وتكوينها للكلمات مسموعة أو مفهومة أو دالة

____________
(1) ابن فارس ، الصاحبي في فقه اللغة : 193.
(2) المصدر نفسه : 88 .
(3) ظ : المصدر نفسه : 98 .
(4) المصدر نفسه : 201 .
________________________________________
( 32 )

على معنى ، وذلك عنده شيء واحد متقارب في استنتاج الدلالة الخاصة بكل شكل ذي حروف مؤلفة . وفي هذا الصدد يقول : « زعم قوم أن الكلام ما سمع وفهم ، وذلك قولنا قام زيد وذهب عمرو ، وقال قوم : الكلام حروف مؤلفة دالة على معنى والقولان عندنا متقاربان لأن المسموع المفهوم لا يكاد يكون ألا بحروف مؤلفة تدل على معنى » (1) .
وقد يطول بنا الحديث لو أردنا استقراء نظرية ابن فارس في هذا المدرك الدلالي ، ومفهوم الدلالة عنده ، وما تقدم استعراض للمهم من توجهه الدلالي ، أما نظريته في جزء منها فقد لخصها مشكوراً بعض الدارسين العرب (2) .
5ـ والشريف الرضي ( ت : 406 هـ ) وهو الناقد الخبير والبلاغي المتنور الذي جمع رهافة الحس ودقة الملاحظة ، فقد جاء نقده تطبيقاً لموارد النقد ، وتحقيقه البلاغي تنظيراً لمظاهر البلاغة ، وهو تشخيصي النقد ، تطبيقي البلاغة ، و« تلخيص البيان » من أهم كتبه الريادية (3) وأعطف عليه « المجازات النبوية » (4) فهما الميدان الدلالي لهذا المنحى المتطور .
أما تعقيبه النقدي أو البلاغي أو اللغوي على مختاراته من كلام ورسائل وخطب ووصايا وحكم أمير المؤمنين الإمام علي ( عليه السلام ) المسمى « نهج البلاغة » (5) فيعد ـ بحق ـ من أبرز مصاديق النقد البلاغي التحليلي القائم على أساس استعمال العرب البياني في أمثلة ونماذج حيّة ارتفعت بالشريف الرضي إلى مستوى أساطين هذا الفن كما أوضحنا ذلك
____________
(1) ابن فارس ، الصاحبي في فقه اللغة .
(2) ظ : د . صبحي البستاني ، مفهوم الدلالة عند ابن فارس في كتابه الصاحبي ، بحث : الفكر العربي المعاصر آذار 1982 م .
(3) حققه في طبعة منقحة الأستاذ الدكتور محمد عبد الغني حسن ، دار إحياء الكتب العربية ، القاهرة ، 1955 م .
(4) علق عليه وطبعه الأستاذ محمود مصطفى مدرس الآداب بكلية اللغة العربية بالأزهر ، مطبعة مصطفى البابي ، القاهرة ، 1937 .
(5) شرحه عز الدين عبد الحميد بن أبي الحديد ( ت : 656هـ ) وحققه في عشرين مجلداً الأستاذ محمد أبو الفضل إبراهيم ، دار إحياء الكتب العربية ، القاهرة ، 1959م .
________________________________________
( 33 )

في مهرجان الشريف الرضي (1) .
وبين يدي الآن « المجازات النبوية » وهو حاشد بإفاضات الشريف الرضي الدلالية في المجاز والتشبيه والاستعارة والكناية وما تلاحظه فيه تجده في تلخيص البيان ، وكله نماذج صالحة للاستدلال ، وليس على سبيل الاختيار وأورد هذا المثال من شرح وإبانة الرضي في الحديث الشريف : ـ
« إيّاكم والمغمضات من الذنوب » .
فإنه يقف عند دلالة اللفظ ويقول : ـ
« المراد بالمغمضات هنا على ما فسره الثقات من العلماء : الذنوب العظام يركبها الرجل وهو يعرضها فكأنه يغمض عينيه تعاشياً عنها وهو يبصرها ، ويتناكرها اعتمادا وهو يعرفها ، وربما روي هذا الخبر بفتح الميم من المغمضات فيكون المراد به على هذا الوجه ضد المراد به على الوجه الأول لأن المغمضات بالكسر : الذنوب العظام ، والمغمضات بالفتح الذنوب الصغار ، ... وإنما سميت مغمضات لأن تدق وتخفى ، فيركبها الأنسان بضرب من الشبهة ولا يعلم أنه عاصٍ يفعلها » (2) .
فالرضي هنا أشار لدلالة اللفظ بلاغياً فاعتبره استعارة ونقدياً بقوله : « فكأنه يغمض عينيه تعاشياً عنها وهو يبصرها » ولغوياً فأعطى المعنى على جهة الأضداد في حالتي فتح الميم من ( مغمضات ) وكسرها ، وهو بذلك يعطي نظرة الدلالة عملياً .
وكذلك شأنه في جميع مختاراته من الحديث في الكتاب المذكور . والطريف عند الشريف الرضي في هذا المجال تداخل تطبيقاته لا في اختياراته فحسب ، بل فيما يجري مجراها ، ويتعلق بمضمونها ، فيحمله عليها ويعتبره منها ، وإن لم يقصد إليه أولاً وبالذات ، ولكنه تدافع الكلام ، وسبيل الاستشهاد المركز كما فعل عند قوله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : « كيف أنت إذا بقيت في

____________
(1) عقد في بغداد بمناسبة ذكراه الألفية (1406هـ ) من قبل وزارة الثقافة والإعلام في قاعة ابن النديم وقاعة المتحف العراقي للفترة : 6، 7/10/1985م .
(2) الشريف الرضي ، المجازات النبوية : 228 وما بعدها .
________________________________________
( 34 )

حثالة من الناس وقد مرجت عهودهم وأماناتهم ».
فهو يعقب عى ذلك شارحاً ومدللاً ومسوغاً ، لغة وبلاغة ونقداً فيقول : ـ
« أي لا يستقرون على عهد ولا يقيمون على عقد يصفهم عليه السلام بقلة الثبات وكثرة الانتقالات . وأراد أصحاب الأمانات والعهود وإن كان ظاهر اللفظ يتناولها وصريح الكلام يتعلق بها وذلك أيضاً من جملة المجازات المقصود بيانها في هذا الكتاب . والحثالة الرديء من كل شيء واصله ما يتهافت من نشارة التمر والشعير » (1) .
وهذا المنهج التطبيقي الذي اختطه الشريف الرضي لقي قبولاً عند جملة من علماء الدلالة العرب والمسلمين فسلكوا سبيله ومن بينهم أبو منصور ، عبد الملك بن محمد الثعالبي في جملة من إفادته في هذا الشأن كما سنرى .
6ـ فإذا وقفنا عند الثعالبي ، أبي منصور ( ت : 429هـ ) لمسنا منهج التنظير المتتابع متكاملاً لديه في التنقل بين حقول الألفاظ الدلالية ، فمن دلالة لغوية إلى أخرى مجازية ، إلى دلالة نقدية ، وهكذا تصاعدياً في لفظ يكاد يكون مترادفاً في دلالة ثابتة ، مترقياً بذلك في اللفظ في ترقيه بالدلالة من صيغة إلى صيغة ، وإن تغير جنس اللفظ إلى جنس من المعنى ، ولكنه مرتبط باللفظ الأول ، وهكذا يترتب ترتيباً دلالياً هذا اللفظ ليكون حقيقة أخرى ، بتدرجه في المنازل ، وتقلبه على المعاني شدة وضعفاً ، مما يعطي تصوراً فنياً بتبلور هذه الظاهرة الدلالية لديه ، وإن لم يستطع أن يعبر عنها بمستوى الاسطلاح والحدود والرسوم إلا أنه قد أدركها أدراكاً جيداً عند تناولها واضحة نقية عند التطبيق الدلالي المركزي .
وانظر إليه هنا وهو يفصل القول في هذا المنهج بحديثه عن مراتب الحب في الألفاظ المناسبة لكل حالة لها دلالة خاصة فيقول : ـ
« أول الحب الهوى ثم العلاقة : وهي الحب اللازم للقلب ثم

____________
(1) المصدر نفسه : 55.
________________________________________
( 35 )



الكلف : وهو شدة الحب ثم العشق : وهو اسم لما فضل عن المقدار الذي اسمه الحب ، ثم الشعف : وهو إحراق القلب مع لذة يجدها وكذلك اللوعة واللاعج : فإن تلك حرقة الهوى وهذا هو الهوى المحرق ثم الشغف : وهو أن يبلغ الحب شغاف القلب وهي جلدة دونه ، ثم الجوى : وهو الهوى الباطن ثم التيم : وهو أن يستعبده الحب ثم التبل : هو أن يسقمه الهوى ثم التدليه : وهو ذهاب العقل من الهوى ، ثم الهيوم : وهو أن يذهب على وجهه لغلبة الهوى عليه ، ومنه : رجل هائم » (1) .
أرأيت هذا العرض المتسلسل ، وهذه الدلالات المتفاوتة في هذا البيان الدقيق ، وكيف قد تتبع مسميات الحب بدلالته المنبعثة من حالاته المتمايزة ، وكيف قد كشف الزخم الدلالي لدى العربيّة في نموذج واحد .
7ـ فإذا جئنا إلى عبد القاهر الجرجاني ( ت: 471هـ ) ، وجدناه مخططاً عملياً للموضوع ، فهو حينما يتكلم عن الدلالة من خلال نظرية النظم لديه ، فإنما يتكلم عن الصيغة الفنية التي خلص إليها في شأن الدلالة ، يقول عبد القاهر :
« وجب أن يعلم مدلول اللفظ ليس هو وجود المعنى أو عدمه ، ولكن الحكم بوجود المعنى أو عدمه » (2).
فالألفاظ دالة على المعاني لا شك ، ولكن الحكم القطعي عقلياً بوجود المعاني التي تدل عليها الألفاظ هو الأمر المبحوث عنه وجوداً أو عدماً ، وكأنه بذلك يريد الفائدة المتوخاة عند إطلاق الألفاظ على المعاني المقصودة الثابتة لذلك فهو يعقب على هذا : « معنى اللفظ عندنا : هو الحكم بوجود المخبر به من المخبر عنه أو فيه إذا كان الخبر إثباتاً ، والحكم بعدمه ، إذا كان منفياً » (3) .
ومراده أن من شأن الجملة أن يتغير معناها بالبناء عليها عند الدلالة
____________
(1) الثعالبي ، فقه اللغة وأسرار العربية : 171 .
(2) عبد القاهر الجرجاني ، دلائل الإعجاز : 234 .
(3) المصدر نفسه : 336 .
________________________________________
( 36 )




في عملية الإسناد : المسند والمسند إليه فيما له مزية ، وما ليس له مزية عن طريق إثبات الدلالة في المعنى الأيجابي وإثبات الدلالة عن ذلك في المعنى السلبي لأن بهما إثبات معنى اللفظ ، وبه يتحقق أن كان مثبتاً ، وينفي ذلك المعنى عنه أن كان منفياً ، وهذا إنما يتحقق في طبيعة الأخبار ، لذلك يقول :
« اعلم أن معاني الكلام كلها معان لا تتصور إلا فيما بين شيئين ، والأصل الأول هو الخبر » (1) .
وإفادة عبد القاهر الجرجاني وأن كانت صعبة الاستدلال أو القبول في « دلائل الإعجاز » ولكنها واضحة ومتناسقة في « أسرار البلاغة » .
ودلالة الألفاظ لديه مرتبطة فيما تفيد من معنى عند التركيب ، وما يتصور جملياً عند اقترانهما فإذا راقك هذا المعنى دون ذاك ، فيعود ذلك إلى حسن التأليف ودقة التركيب ، والدليل لديه على ذلك : أنك لو فككتها ونثرتها متباعدة غير منتظمة فلا تحصل على الدلالة نفسها وهي مترابطة مركبة ، وهو في أسرار البلاغة يبدأ الحديث عن هذه الدلالة بكل وضوح وجلاء ، ويسيطر لإثباتها بكل يسر فيقول متسائلاً ومجيباً :
« كيف ينبغي أن يحكم في تفاضل الأقوال إذا أراد أن يقسم بينها حظوظها من الاستحسان ويعدل القسمة بصائب القسطاس والميزان ؟ ومن البيّن الجلي أن التباين في هذه الفضيلة والتباعد عنها إلى ماينافيها عن الرذيلة ، وليس مجرد اللفظ ، كيف والألفاظ لا تفيد حتى تؤلف ضرباً خاصاً من التأليف ... وفي ثبوت هذا الأصل ما تعلم به أن المعنى الذي كانت له هذه الكلم ... أعني الاختصاص في الترتيب ، وهذا الحكم يقع في الألفاظ قريباً على المعاني المترتبة في النفس المنتظمة فيها على قضية العقل ولن يتصور في الألفاظ وجوب تقديم وتأخير ، وتخصص في ترتيب وتنزيل ، وعلى ذلك وضعت المراتب والمنازل في الجمل المركبة ، وأقسام الكلام المدوّنة » (2) .

____________
(1) المصدر نفسه : 333 .
(2) عبد القاهر ، أسرار البلاغة : 3-4 .
________________________________________
( 37 )
فالدلالة عنده فيما انتظم فيه الكلام فدلت ألفاظه على معانيه جملياً كما هو رأينا في تمهيد هذا البحث .
أما القول بدلالة الألفاظ على الألفاظ أو هو من الألفاظ نفسها فلا توافق السديد من التنظير ، إلا من حيث جرس الألفاظ ، وقد بحث عبدالقاهر هذا « وأما رجوع الاستحسان إلى اللفظ من غير شرك المعنى فيه ، وكونه من أسبابه ودواعيه ، فلا يكاد يعد نمطاً واحداً وهو أن تكون اللفظة فيما يتعارفه الناس في استعمالهم ، ويتداولونه في زمانهم ، ولا يكون وحشياً غريباً أو عاميا سخيفاً ، فسخفه بإزالته عن موضوع اللغة وإخراجه عما فرضته من الحكم والصفة بأمر يرجع إلى المعنى دون مجرد اللفظ (1).
وما أفاده عبد القاهر هنا بالنسبة للألفاظ وحدها فهو يعود على دلالة الألفاظ أيضاً ، فيما يتعلق بالدلالة الهامشية التي بحثناها في عمل مستقل (2) .
ولا غرابة أن يربط عبد القاهر بين دلالة الألفاظ وعلم النفس في جملة من أضافته القيمة (3).
8 ـ ويرى ضياء الدين بن الأثير ( ت : 637 هـ ) : في الألفاظ مركبة دلالة مستنبطة هي غير دلالتها مجردة ، ويعطي بذلك رأياً تطبيقياً بعد حديثه عن الموضوع : « وأعجب ما في ذلك أن تكون الألفاظ المفردة التي تركبت منها المركبة واضحة كلها ، وإذا نظر إليها مع التركيب احتاجت إلى استنباط وتفسير ... وقد ورد عن النبي ( صل الله عليه وآله وسلم ) أنه قال : « صومكم يوم تصومون ، وفطركم يوم تفطرون ، وأضحاكم يوم تضحون » وهذا الكلام مفهومة مفردات ألفاظه ، لأن الصّوم والأضحى مفهوم كله وإذا سمع الخبر من غير فكرة قيل : علمنا أن صومنا يوم نصوم ، وفطرنا يوم نفطر ، وأضحانا يوم نضحي ، فما الذي أعلمنا به مما لم نعلم ؟

____________
(1)المصدر نفسه : 4-5 .
(2) ظ : المؤلف ، الصورة الفنية في المثل القرآني ، الدلالة الصوتية : 238-242 .
(3) ظ : عبد القاهر ، أسرار البلاغة : 5-8 .
________________________________________
( 38 )

وإذا أمعن الناظر فيه علم أن معناه يحتاج إلى استنباط ، والمراد به أنه إذا اجتمع الناس على أن أول شهر رمضان كذا يوم ، ولم يكن ذلك اليوم أوله فإن الصوم صحيح ، وأوله هوذلك اليوم الذي اجتمع الناس عليه ، وكذا يقال في يوم الفطر ويوم الأضحى ، ولهذا الخبر المشار إليه أشباه كثيرة ، تفهم معاني ألفاظها مفردة ، وأذا تركبت تحتاج في فهمها ألى استنباط » (1) .
ورأي ابن الأثير في التقرير والتنظير سليم ، وفي الشرح والأرادة مناقش مفهوماً وشرعاً ، إذ يرجع بذلك عادة إلى الفقهاء عندما يراد تقرير حكم من الأحكام ، إذ ما قيمة صيام يوم وهو ليس من رمضان عند الله وهو رمضان عند الناس ، وما أهمية عيد الناس وهو رمضان عند الله وأنى يحصل هذا الاجتماع المشار إليه . وهذا من عيوب ابن الأثير الذي تؤخذ عليه أن معتد بنفسه اعتداداً لا يحسد بل لا يحمد عليه ، وإن أحكامه قطعية غير قابلة للأخذ والرد ، وأنه لا يقلب الوجوه المحتملة للنص ، والأولى بالنسبة لهذا الخبر أن يفسر دلالة الألفاظ التي يستنبطها ابن الأثير بأحد وجهين أو بهما معاً لا من باب القطع بأن هذا هو مراد رسول الله ( صل الله عليه وآله وسلم ) ولكن من قبيل الانطباق ولا مانع أن يدل على معنى لم نهتد إليه ، والوجهان هما : ـ
أ ـ إنّ يوم صومكم وفطركم وأضحاكم ، إنما يتحدد بثبوت الهلال ولثبوته طرق شرعية معروفة لدى الفقهاء ، وهذا اليوم ثابت لكم أيها المسلمون إذا حصل فيه الشياع العام ، بحيث لا تحتاج رؤية الهلال إلى شهود إثبات ، فهو شائع وظاهر في السماء لا يختلف به اثنان وبذلك يكون واقعياً لتواتر القول من قبل الصغير والكبير والقريب والبعيد بوجود الهلال في السماء دون ريب . هذا إذا كان المراد هو الحديث عن هذه النقطة دون غيرها ، أما إذا كان الحديث إرشادياً عبادياً تربوياً فقد يراد به المعنى العرفاني الذي يغلب على الظن إرادته من قبل المنقذ الأعظم لأنه واقعي الدلالة وإنساني الإرادة وهو الوجه التالي : ـ
____________
(1) ابن الأثير ، المثل السائر : 1/116 وما بعدها .
________________________________________
( 39 )



ب ـ إنّ صومكم أيها المسلمون ، عبارة عن أيام معدودات ، وفيه المتقبل غير المتقبل ، وفيه الخالص وفيه المشوّب ، وفيه الامتناع عما يسخط الله ، والله عزّ وجلّ يريد لهذه الأيام أن تكون متتابعة في القبول ، ومتاوقة بالرضا ، فيوم صومكم يوم تصومون واقعاً بشرط الصيام وشروطه ، صيام الجوارح والأعضاء والأجهزة كافة ، عن النظر المحرم والغيبة والنميمة والكذب والسعي في غير طاعة الله مضافاً إليه الأكل والشرب من الفجر إلى الغسق ، فيكون حينئذٍ خالصاً لله دون رياء أو دجل أو جهل أو إغماض ، وإن فطركم يوم تفطرون ، مغفوراً ذنوبكم ، ومتجاوزاً عن سيئاتكم ، ومقبولاً ما مضى من صيامكم ، ومباركاً عليكم في الأجر والثواب والإنابة وإن لم يتحقق ذلك فليس لكم يوم فطر بالمعنى الدقيق وإن فطرتم ، لأن يوم تفطرون هو ذلك اليوم الذي يكون للمسلمين عيداً ولمحمدٍ وآله ذخراً وشرفاً ومزيداً ولا يكون ذلك إلا مع الصوم المتقبل ، والعيد الذي يأمن به المسلمون الوعيد .
وإن أضحاكم يوم تضحون ، وقد تكاملت مناسك الحج على سنتها وتعاقبت على فروضها ، فعاد حجكم مبروراً ، وسعيكم مشكوراً ، و ذنبكم مغفوراً ، لأداء هذا الفرض بموازينه ودقائقه فذلك هو اليوم الواقعي لأضحاكم ، لانسلاخكم فيه عن الخطايا كما سلخت الأضاحي وكل هذا مما تنهض به دلالة الألفاظ ونحن نتدارس هذا النص في ضوء معطياتها البلاغية والنقدية واللغوية .
وفي دلالة الألفاظ على معانيها مسبوكة ، يشير ابن الأثير إلى موقع اللفظ من النظم وإلى أهمية النظم في تقويم دلالة اللفظ فيقول : « بل أريد أن تكون الألفاظ مسبوكة سبكاً غريباً ، يظن السامع أنها غير ما في أيدي ألناس وهي مما في ايدي الناس » (1).
ويريد بالسبك الغريب هنا كما هو واضح من دلالة اللفظ ، السبك الطريف ، لا الإيغال الوحشي .
____________
(1) ابن الأثير ، المثل السائر : 1/122 .
________________________________________
( 40 )




ومع ذلك فهو لا يهمل المعاني حينما يؤكد على الألفاظ بل يريد دلالتها متوازنة متسقة فيقول : « ومع هذا فلا تظن أني أردت إهمال جانب المعاني بحيث يؤتى باللفظ الموصوف بصفات الحسن والملاحة ، كان كصورة حسنة بديعة في حسنها إلا أن صاحبها بليد أحمق ، والمراد أن تكون هذه الألفاظ المشار إليها حسماً لمعنى شريف » (1) .
ويؤكد ابن الأثير على المعنى الدلالي بمنظور يقابل المنظور السابق فيقول عند حديثه عن الإيجاز : « والنظر فيه إنما هو إلى المعاني لا إلى الألفاظ ، بحيث تعرى عن أوصافها الحسنة ، بل أعني أن مدار النظر في هذا النوع ، إنما يختص بالمعاني فربّ لفظ قليل يدل على معنى كثير ورب لفظ كثير يدل على معنى قليل » (2).
والدقيق المضني عند ابن الأثير أن يعقد المقالة الأولى من كتابه « المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر » للصناعة اللفظية فيبحثها من جميع وجوهها : الشكلية والسمعية والبيانية ويقسم كل ذلك بدقة وشمولية واستيعاب إلى قسمين : ـ
القسم الأول في اللفظة المفردة والقسم الثاني في الألفاظ المركبة ويستغرق ذلك أكثر من مئتي صحيفة » (3).
وفي جميع هذه البحوث الطائلة نجده يبحث تفصيلات واسعة المداليل ، ولكنه لا ينسى نظريته في دلالة الألفاظ أو المعنى الدلالي عند التراكيب يقول : ـ
« واعلم أن تفاوت التفاضل يقع في تركيب الألفاظ أكثر مما يقع في مفرداتها لأن التركيب أعسر وأشق ألا ترى ألفاظ القرآن الكريم ـ من حيث انفرادها ـ يفوق جميع كلامهم ، ويعلو عليه ، وليس ذلك إلا لفضيلة التركيب » (4) .
____________
(1) المصدر نفسه : 1/123.
(2) المصدر نفسه : 2/265.
(3) المصدر نفسه : 1/210-416.
(4) المصدر نفسه : 1/213.
( 41 )






ولا يكتفي ابن الأثير بهذا العرض دون التنظير الدلالي ويختار لذلك قوله تعالى : ـ
( وقيل يآ أرض ابلعي مآءك ويا سمآء أقلعي وغيض المآء وقضي الأمر واستوت على الجوديّ وقيل بعدا لّلقوم الظّالمين * ) (1) .
ويعقب بقوله : « إنك لم تجد ما وجدته لهذه الألفاظ من المزية الظاهرة لا لأمر يرجع إلى تركيبها ، وإنه لم يعرض لها هذا الحسن إلا من حيث لاقت الأولى بالثانية ، والثالثة بالرابعة وكذلك إلى آخرها » (2).
ويتعرض لدلالة اللفظ الواحد في تركيبين مختلفين ، فتجد اللفظ مستكرهاً في تركيب ، وهو نفسه مستحسناً في تركيب آخر ويضرب لذلك مثالاً فيقول : ـ
« وسأضرب لك مثالاً يشهد بصحة ما ذكرته ، وهو أنه قد جاءت لفظة واحدة في آية من القرآن ، وبيت من الشعر ، فجاءت جزلة متينة في القرآن ، وفي الشعر ركيكة ضعيفة ، فأثّر التركيب فيها هذين الوصفين الضدين ، أما الآية فهي قوله تعالى : ـ
( فإذا طعمتم فانتشروا ولا مستئنسين لحديثٍ إنّ ذالكم كان يؤذي النبيّ فيستحي منكم والله لا يستحي من الحقّ ...) (3)
وأما بيت الشعر فهو قول أبي الطيب المتنبي (4) :
تلذ له المروءة وهي تؤذي * ومـن يعشق يلذ له الغرام

وهذا البيت من أبيات المعاني الشريفة إلا أن لفظة : « تؤذي » قد جاءت فيه وفي الآية من القرآن فحطت من قدر البيت لضعف تركيبها ، وحسن موقعها في تركيب الآية » (5).
____________
(1) سورة هود : 44 .
(2) ابن الأثير ، المثل السائر : 1/214 .
(3) سورة الأحزاب : 53 .
(4) المتنبي ، ديوان المتنبي : 4/75 .
(5) ابن الأثير ، المثل السائر : 1/214 .
________________________________________
( 42 )


والذي يؤخذ على ابن الأثير في هذا المقام وغيره من مواطن إفاضاته البلاغية والنقدية والدلالية هو نسبته جميع المفاهيم وإن سبق إليها من هو قبله وادعاؤه التنبيه عليها وإن نبه غيره ، ولا يعلل منه هذا إلا بعدم قراءة جهود السابقين ، وهو بعيد على شخصيته العلمية المتمرسة ، وأما ببخس الناس أشياءهم ، وهذا ما لا يحمد عليه عالم جليل مثله ، وإلا فقد رأيت قبل وريقات أن عبد القاهر قد خطط بل وجدد لما أبداه هنا ابن الأثير .
9ـ وهذا حازم القرطاجني ( ت : 684 هـ ) بكثرة إضاءته وتنويره في منهاج البلغاء ، نجده يؤكد الحقائق الدلالية السابقة لعصره ، وعنده أنها من المسلمات حتى أنه ليقارن بين دلالة المعاني والألفاظ ويعبر عنهما بصورة ذهنية ، وهو إنما يحقق في ذلك من أجل أن يتفرغ لإتمام اللفظ بالمعنى وإتمام المعنى باللفظ ، في تصور جملي متتابع ، فيقول : ـ
« إن المعاني هي الصور الحاصلة في الأذهان عن الأشياء الموجودة في الأعيان . فكل شيء له وجود خارج الذهن وأنه إذا أدرك حصلت له صورة في الذهن تطابق لما أدرك منه ، فإذا عبر عن تلك الصورة الذهنية الحاصلة عن الإدراك ، أقام اللفظ المعبر به هيئة تلك الصورة في أفهام السامعين وأذهانهم » (1) .
فهو يرى تشخيص اللفظ للصورة الذهنية عند إدراكها بما يحقق الدلالة المركزية التي يتعارف عليها الاجتماع اللغوي ، أو العرف التبادري العام بما يسمى الآن الدلالة الاجتماعية ، اللغوية ، المركزية ، وهي تسميات لمسمى واحد .
10 ـ ونجد السيوطي ( ت : 911 هـ ) وهو كثير النقل عمن سبقه ، وكتاباته لا تعبر عن جهده الشخصي في الاستنتاج بل قد تعبر عن جهده الشخصي في الاختيار ، وله في هذا الاختيار مذاهب ومذاهب ، قد ينسب بعضها إلى أهلها وقد يحشر بعضها في جملة آرائه ، وقد ينقلها نقلاً حرفياً ،
____________
(1) حازم القرطاجني ، منهاج البلغاء : 18 .
________________________________________
( 43 )




ولكنك تظنها له ، وهو في هذا المجال كذلك ، نجده يتنقل هنا وهناك لاستقراء المناسبة القائمة بين اللفظ ومدلوله ، في مجالات شتى فيقول : ـ
« نقل أهل اصول الفقه عن عباد بن سليمان الصيمري من المعتزلة أنه ذهب إلى أن بين اللفظ ومدلوله مناسبة طبيعية حاملة للواضع أن يضع وإلا لكان تخصيص الاسم المعين ترجيحاً من غير مرجح » (1).
وهذا رأي جملة من الأصوليين ، ولما كان ما يعنيه هو رأي اللغويين فإنه يدع الأصوليين إليهم ، فيبين وجهة نظرهم في هذه الحالة ومن ثم يعقد مقارنة بين الرأيين لاستجلاء الفروق بين الأمرين :
« وأما أهل اللغة والعربية فقد كانوا يطبقون على ثبوت المناسبة بين الألفاظ والمعاني ، ولكن الفرق بين مذهبهم ومذهب عباد ، أن عباداً يراها ذاتية موجبة بخلافهم » (2) .
وهو ينقل عمن يرى « أنه يعرف مناسبة الألفاظ لمعانيها ، ويربط بين دلالة الصوت والمعنى ، فسئل ما مسمى ( أدغاغ ) وهو بالفارسية الحجر ، فقال : أجد فيه يبساً شديداً أو أراه الحجر » (3) .
وقد يكون النقل لهذا التنظير مبالغاً فيه ، ولكن المهم في الموضوع أدراك المناسبة على المستوى النظري ، وأنها مفهومة ومفروغ عن إثباتها حتى أصبحت من الهضم لديهم أن يتلمسوا ذلك في لغات أخرى ... وما أثبتناه هنا عن السيوطي مستخرج من صحيفة واحدة فما ظنك باستقراء آرائه .
ومن الطريف أن ينتصر جاسبرسن ( 1860-1943م ) إلى آراء العلماء العرب القدامى في كشف الصلة بين الألفاظ ودلالتها واستنباط المناسبة بينهما إلا أنه حذر من المغالاة والاطراد في هذا الرأي إلا أنه يؤكد على جانب مهم من آرائهم فيما يتعلق بمصادر الأصوات فقد تسمى حركات
____________
(1) السيوطي ، المزهر في اللغة : 47 .
(2) المصدر نفسه : 47 .
(3) المصدر نفسه : 47 .
________________________________________
( 44 )


الإنسان بما ينبعث عنها من أصوات ، فيطلق صوت الشيء على الشيء نفسه (1).
ولما كان القرآن الكريم يمثل الذروة البيانية في الموروث البلاغي عند العرب ، يبتعد عن النمط الجاهلي في ألفاظه ويستقل استقلالاً تاماً في مداليله فلا أثر فيه لبيئة أو إقليمية أو زمنية ، فهو المحور الرئيس لدى البحث الدلالي باعتباره نصاً عربياً ذا طابع إعجازي وكتاباً إلاهياً ذا منطق عربي ، فقد توافرت فيه الدلائل والأمارات والبينات لتجلية هذا البحث والتنظير له تطبيقاً في لمح أبعاد الدلالة الفنية .
وليس في هذا التنظير إحصاء أو استقصاء ، فلذلك عمل مستقل به قيد البحث بعنوان : « دلالة الألفاظ في القرآن الكريم » ولكنه هنا على سبيل الأنموذج المتأصل لمبحث الدلالة ، كمقدمة للمبحث الأم ، وهو جزء ضئيل مما أفاده علماؤنا العرب ، فلا تطلبن مني التفصيل في موضوع مقتضب أو الأطناب في بحث موجز .
جاء هذا التنظير كشفاً لنظرية البحث الدلالي لا غير ، تدور حول محوره ، وتتفيّأ ظلاله ، وليست استقطاباً لما أورده القرآن العظيم في هذا المجال فهو متطاول ينهض بموضوع ضخم وحده .
____________
(1) إبراهيم أنيس ، دلالة الألفاظ : 68 وما بعدها .
________________________________________
( 45 )

















الفصل الثالث
تطبيقات البحث الدلالي في القرآن الكريم

________________________________________
( 46 )

________________________________________
( 47 )

وفي ضوء ما تقدم من كشف وممارسة ، فقد لمسنا في مجموعة التركيبة اللفظية للقرآن الكريم لغة اجتماعية ذات طابع دلالي خاص ، تستمد نشاطها البنائي من بنيات بلاغية متجانسة حتى عادت لغة مسيطرة في عمقها الدلالي لدى عامة الناس في الفهم الأولي ، وعند خاصة العلماء في المعاني الثانوية ، وتوافر حضورها في الذهن العربي المجرد حضوراً تكاملياً ، بعيداً عن الإبهام ، والغموض والمعميات ولا مجال للألغاز في تصرفاتها ولا أرضية للمخلّفات الجاهلية في ثروتها ، تبتعد عن الوحشي الغريب ، وتقترب من السهل الممتنع ذلك من خلال التعامل اللغوي الموجه للفرد والأمة مما فرز حالة حضارية متميزة تعنى بالجهد الفني تلبية للحاجة الإنسانية الضرورية في التقاء الفكر بالواقع واللغة بالعاطفة والشكل بالمحتوى دون تعقيد ثقافي يجر إلى تكوينات متنافرة .
وعلى الرغم من توقف جملة من علمائنا الأوائل عن الخوض في حديث المداليل في القرآن الكريم ، فإن القرآن يبقى ذا دلالة أصلية ، وما معاملتهم له إلا دليل تورع وتحرج عن الفتوى بغير مراد الدلالة حتى وإن أدركوها إجمالاً .
كان الأصمعي ـ وهو إمام أهل اللغة ـ لا يفسر شيئاً من غريب القرآن وحكي عنه أنه سئل عن قوله سبحانه : ( قد شغفها حبّاً ... )(1) فسكت و قال : هذا في القرآن ثم ذكر قولاً لبعض العرب في جاريةٍ لقوم أرادوا بيعها :
____________
(1) سورة يوسف : 30 .
________________________________________
( 48 )

أتبعونها ، وهي لكم شغاف ولم يزد على ذلك ، أو نحو من هذا الكلام » (1).
ولو تجاوزنا حدود العلماء والنقاد العرب ، إلى القادة والسلف الصالح لوجدنا الأمر متميزاً في احترام النص القرآني ، ومحاطاً بهالة متألقة من التقديس ، فلقد قال الإمام علي عليه السلام مجاهراً : « وكتاب الله بين أظهركم ناطق لا يعيا لسانه وبيت لا تهدم أركانه ، وعز لا تهزم أعوانه » (2).
وهو تعبير حي عن حماية القرآن وصيانته ، وتبيان لحجج القرآن ودلالته .
وقد كان عمر بن الخطاب ( رضي الله عنه ) ـ وهو من الفصاحة في ذروة السنام والغارب ـ يقرأ قوله عزّ وجلّ : ( وفاكهةً وأبّا (31) ) (3) فلا يعرفه فيراجع نفسه ويقول : ما الأب ؟ ثم يقول : إن هذا تكلف منك يا ابن الخطاب » (4).
وكان ابن عباس رحمه الله وهو ترجمان القرآن و وارث علمه يقول : لا أعرف حناناً ولا غسلين ولا الرقيم (5).
ولا يعني التحرج في كشف الدلالة القرأنية عدم وضوح الرؤية ، أو انعدام المراد بل على العكس أحياناً ، فقد أجمع النقاد على سلامة النظم القرآني ، وتواضعوا على إعجازه ، بل اعتبروا استعمال القرآن لأفصح الألفاظ بأحسن المواقع متضمنة أسلم المعاني وأعلى الوجوه دلالة ، من مخائل الإعجاز القرآن ، حتى أوضح الخطابي ( ت : 388 هـ ) هذا العلم بقوله : « واعلم أن القرآن إنما صار معجزاً لأنه جاء بأفصح الألفاظ في أحسن نظوم التأليف متضمناً أصح المعاني » (6).
____________
(1) الخطابي ، بيان إعجاز القرآن : 34.
(2) ظ : ابن أبي الحديد ، شرح نهج البلاغة : 8/273.
(3) سورة عبس : 31.
(4) الخطابي ، بيان إعجاز القرآن : 36.
(5) المصدر نفسه : 36.
(6) المصدر نفسه : 27.
________________________________________
( 49 )


وقد اعتبر الخطابي نفسه اختيار اللفظ المناسب للموقع المناسب عمود البلاغة القرآنية فقال : الصفات هو وضع كل نوع من الألفاظ التي تشتمل عليها فصول الكلام موضعه الأخص الأشكل به الذي إذا أبدل مكانه غيره جاء منه : أما تبدل المعنى الذي يكون منه فساد الكلام ، وأما ذهاب الرونق الذي يكون معه سقوط البلاغة وذلك أن في الكلام ألفاظاً متقاربة في المعاني ، يحسب أكثر الناس أنها متساوية في إفادة بيان مراد الخطاب كالعلم والمعرفة ، والحمد والشكر ، وبلى ونعم ، وذلك وذاك ، ومن وعن ، ونحوهما من الأسماء والأفعال والحروف والصفات مما سنذكر تفصيله فيما بعد ، والأمر فيها وفي ترتيبها عند علماء أهل اللغة بخلاف ذلك ، لأن كل لفظة منها خاصية تتميز بها عن صاحبتها في بعض معانيها ، وإن كانا قد يشركان في بعضهما » (1).
واستناداً إلى هذا المفهوم الدقيق في المتميز بين دلالة لفظ ولفظ ، وفروق قول عن قول ، فإننا نشير هنا على سبيل الأنموذج التمييز في القرآن إلى ثلاث خصائص مهمة في الدلالة تتجلى في ثلاث ظواهر بيّنة :
الظاهرة الأولى :
إن اختيار القرآن للألفاظ في دلالتها إنما جاء متناسقاً مع مقتضيات الحال وطبيعة المناسبة وقد يكون ذلك التناسق صادراً لجهات متعددة تؤخذ بعين الاعتبار لدى تجديد القرآن لمراد الاستعمال في الحالات الوصفية والتشبيهية والتمثيلية والتقديرية مما نستطيع التنظير له بما يلي :
أ ـ ما أراد به القرآن صيغة معينة لحالة معينة تستوعب غيرها ولا يستوعبها غيرها ، فإنه يعمد إلى اختيار اللفظ الدقيق لهذه الغاية فيتبناه دون سواه من الألفاظ المقاربة أو الموافقة أو الدارجة كما في قوله تعالى : ( والّذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظّمئان مآءً حتّى إذا جآءه لم يجده شيئاً ووجد الله عنده فوفّاه حسابه والله سريع الحساب * ) (2).
____________
(1) الخطابي ، بيان إعجاز القرآن : 29 .
(2) سورة النور : 39 .
________________________________________
( 50 )


وقد يسد غيرها في معنى دلالي متميز ، فالله تعالى أراد الظمآن بكل ما تحمله الكلمة في تضاعيفها الأولية والثانوية من دلالات خاصة بها فلا تسد مسدها ـ مثلاً ـ كلمة الرائي ، لأنّ الرائي قد يرى السراب من بعيد وهو ليس بحاجة إليه ، فلا يتكلف إلا الخداع البصري أما الظمآن فإنه يكد ويكدح ويناضل من أجل الوصول إلى الماء حتى إذا وصل إليه وإذا بما حسبه ماءً قد وجده سراباً ، فكانت الحسرة أعظم والحاجة أشد ولم يبرد غليلاً ، ولم يدرك أملاً .
قال أبو هلال العسكري ( ت : 395 تقريباً ) : « فلو قال يحسبه الرائي ماءً لم يقع قوله ( الظمآن ) لأن الظمآن أشد فاقة إليه وأعظم حرصاً عليه (1) .
ب ـ وما أراد به القرآن الاتساع المترامي ، فإنه يختار له الألفاظ الدالة على هذا الاتساع بكل شمولية واستيعاب فحينما نتدارس بإجلال قوله تعالى :
( وما من دابّة في الأرض إلاّ على الله رزقها ويعلم مستقرّها ومستودعها كل في كتاب مبين * ) (2).
فسنجد عمومية الألفاظ وشموليتها مما يتناسب مع عمومية المعاني وتطاولها ، ويتواكب مع استقرار كل الجزئيات وعدم تناهيها ، وذلك من أعاجيب القرآن وطرائفه ، وهذه الألفاظ في هذه الآية هي : دابة ، الأرض ، الله ، رزقها ، مستقرها ، مستودعها ، كل ، كتاب .
هذه الألفاظ في تراصفها وتقاطرها تفيد عموماً لا خصوص معه وتتجه نحو الإطلاق فلا تقييد ، كما سنرى في هذا العرض : ـ
الدابة تستوعب مجموعة عامة مركبة من خلق الله مما دبّ وهب ودرج من الانس والجن والطير والأنعام والوحوش والهوام وكائنات لا نعرفها ، ومخلوقات لا نتصورها ، أرأيت عمومية وشمولية كهذا في دلالة لفظ واحد عليه مع عدم إمكان حصر ملايين النسمات في ضوئه .
والأرض هذه الكرة الفسيحة بجبالها ووهادها ومفاوزها وأشجارها
____________
(1) العسكري ، كتاب الصناعتين : 246.
(2) سورة هود : 6 .
________________________________________
( 51 )


وأنهارها وآبارها ، داخلها وخارجها ، ظاهرها وباطنها كلها عوالم مترامية الأطراف واسمها الأرض ، هذا اللفظ البسيط الساذج المتداول ، ولكنها بقاع العالم وأصقاع الدنيا ومحيطات الكون .
ولفظ الجلالة في إشارته لذاته القدسية التي لا تحد بزمان ولا مكان ، ولا تنظر بأين أو كم أو كيف ، ولا تمثل بجسم أو كائن أو تشخيص يتناهى لله كل متناه ، ولا يدركه نظر أو بعد ولا يسمو إليه فكر أو عقل ، دال على ذاته بذاته ، ومتعالٍ عن سائر مخلوقاته .
والرزق بمختلف اصنافه ، وعلى كثرة سبله وطرقه عام لا خاص ، ومطلق لا مقيد في الملبوس والمأكول والمشروب والمدّخر والمقتنى ، بل في الأولاد إن كانت من الرزق ، والصحة أعظم هبة ومنحة يهبها الله تعالى لعباده فهي من الرزق الحسن العظيم ولا نريد تحديد اللفظ وتصنيفه ، أو توسيعه وتحميله ما لا يتسع إليه ، ولكن جميع هذا الرزق على فضفاضيته في حرز متكامل ، ونظام دقيق يشمل هذه الكائنات المتعددة بحسب احتياجاتها المتكاثرة ، وشؤونها المتنوعة غير المحصورة إلى كل هذه الخلائق يصل هذا الرزق وهو مكفول لكل نسمة حسب حاجتها على ما توجبه الحكمة العليا وتقتضيه مصلحة العباد في تفاوت أو تقدير ، وسعة إملاء من أجل تنظيم مسيرة العالم في استدرار المعايش وتحقيق معنى الاستخلاف على الأرض .
والمستقر بالنسبة لهذا الكائنات قد يراد به موضع القرار أو حيث تأوي إليه من الأرض أو مايستقر عليه عملها واللفظ عام ولا مانع من إرادة هذه المعاني كافة ، بل ومفاهيمها عامة .
والمستودع بالنسبة للكائنات ذاتها ، قد يراد به الموضع الذي أودعها الله فيه وهو أصلاب الآباء وأرحام الأمهات أو هو مستودعها الأخير حين تموت ، فتموت لتبعث أو ما يؤول أليه مصيرها نتيجة عملها ، واللفظ عام ، ولا مانع من استيعابه هذه المعاني(1).
____________
(1)ظ : في كلمتي : مستقر ومستودع ، الطبرسي ، مجمع البيان : 3/144 .
________________________________________
( 52 )


وكل لفظ يدل على العموم بل هو من أدوات العموم ليتساوى المعنى العام مع اللفظ العام .
والكاتب جامع مانع في إحصائية استقصائية لأعمال الخلائق وتصريف شؤونها ، وهو اللوح المحفوظ الذي لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها .
إن آية واحدة من كتاب الله ترتفع بنا إلى المستوى الدلالي المتطور في جملة ألفاظها ، فكيف بسورة منه يا ترى وأين موقعنا من آياته وسوره كافة .
حـ ـ وما أراد به الإيحاء الخاص الكامن وراء دلالة اللفظ فإنه يختار بذاته لتلك الدلالة بذلك الإيحاء ولو دققت النظر في استعمال لفظ « زرتم » في سورة التكاثر ( حتّى زرتم المقابر * ) (1) لتبين لنا أن القرآن لم يستعمل الزيارة إلا في هذه الأية وإنه استعمل مادتها في آيات أخر ، وهذا الاستعمال يوحي بدلالة حسبة قد لا ينبئ عنها ظاهر اللفظ ، ومركزي المعنى بقدر ما يصوره إيحائي التعبير الدقيق ، ويبدو أن أعرابياً مرهف الحس قد التفت إلى هذا الملحظ الشاخص فقال حينما سمع الآية على فطرته الصحراوية ، وبوحي من بداوته الصافية قال : ـ
« بعث القوم للقيامة ورب الكعبة فإن الزائر منصرف لا مقيم »(2)، لقد وضع هذا الإعرابي يده على حسّ بلاغي عميق ، أدرك فلسفة تخير هذا اللفظ دون سواه ، بعيداً عن الفهم التقليدي والوعي القاصر في ترددات الناس بصورة الزيارة وكيفيتها ومؤداها لأنه في استعمال الزيارة عدة احتمالات فقد يأتي بمعنى الموت وقد يعبر عن الموت بالزيارة ، وقد يراد غير هذا وذاك ، في إيحاء باهر جديد يضع القرآن له أصلاً مبتكراً في عالمي النقد الأدبي والبيان العربي .
تقول الدكتورة عائشة عبد الرحمن في هذا المقام : ـ
____________
(1) سورة التكاثر : 2 .
(2) أبو حيان ، البحر المحيط : 8/507 .
________________________________________
( 53 )




« وفي التعبير عن الموت بالزيارة ملحظ بياني بالغ القوة فاستعمال الزيارة بهذا المعنى صريح الإيحاء بأن الإقامة في القبر ليست إقامة دائمة ، وإنما نحن فيها زائرون ، وسوف تنتهي الزيارة حتماً إلى بعث وحساب وجزاء ، وهذا الإيحاء ينفرد به لفظ « زرتم » دون غيره ، فلا يمكن أن يؤديه لفظ آخر كأن قال : « قبرتم أو سكنتم المقابر ، أو انتهيتم إليها ، أو أقمتم بها ألى غير ذلك من ألفاظ تشترك كلها في الدلالة على ضجعة القبر ، ولكن يعوزها سر التعبير الدال على أنها زيارة ، أي إقامة موقتة ، يعقبها بعث ونشور » (1).
الظاهرة الثانية :
إن هذا الاختيار للألفاظ ذاتها ، بل الألفاظ منضمة إلى المعاني ، بحيث لا يتحقق المعنى المراد إلا بهذا اللفظ دون سواه ، بغض النظر عن الاعتبارات البديعة الأخرى فلا الألفاظ ذات أولوية على حساب المعاني ولا المعاني ذات أولوية على حساب الألفاظ .
القرآن الكريم فضلاً عن كونه نصاً إعجازياً لا طاقة لنا على إدراك خصائصه الفنية على الوجه الأكمل ، فإنه نص أدبي باهر تتوافر فيه سمات أرقى نص عربي وصل إلينا دون ريب . ومن هنا فإننا نختلف مع جملة من العلماء الذين يرون عناية القرآن بالألفاظ ناجمة عن العناية بأصناف البديع ، وفنون المحسنات اللفظية المتوافرة في القرآن ، ومع توافر هذه الفنون في القرآن فإنها غير مقصودة لذاتها ، وإنما جاءت بتناسقها ضرورة بيانية يقتضيها جمال القول ، وهذه الضرورة نفسها لم تكن متكلفة ولا ذات نزعة مفروضة كما هي الحال في الأسجاع المتناثره هنا وهناك في النثر العربي القديم ، فإنها أريدت في النصوص الأدبية هكذا ، سواء أحققت الغرض المعنوي أم لم تحققه إطلاقاً ، لأن المهمة في مثل هذه اللوحات مهمة لفظية فحسب حتى أنها لتثقل النص بمحسنات يزداد معها النص انصرافاً عن الديباجة والذائقة الفنية وتزداد معه النفس تبعاً لهذا الانصراف عزوفاً أو نفوراً .
____________
(1) بنت الشاطئ التفسير البياني للقرآن : 1/206 .
________________________________________
( 54 )

أما بالنسبة للقرآن العظيم فإن هذه الظاهرة مدفوعة أصلاً إذا ليس في القرآن مهمة لفظية على وجه ، ومهمة معنوية على وجه آخر بل هما مقترنان معاً في أداء المراد من كلامه تعالى دون النظر إلى جزء على حساب جزء غيره ، فالتصور فيه دفعي جملي مرة واحدة دون تردد أو إمهال ، وحسبك ما تشاهده في جميع أصناف المحسنات البديعية الواردة في القرآن ، وفي طليعتها السجع وانتظام الفواصل وتوافقها دليلاً على صحة هذا الرأي ، وطبيعي أن نهاية الفقرات والسجع في النثر العربي ، تقابله الفواصل في القرآن الكريم وهي تسمية اختيارها جهابذة الفن ، وعلماء الصناعة تكريماً للقرآن عن مقايسته بسواه .
إذن هذه الفواصل على تقاطرها وتواردها في النصوص القرآنية وقد يرتفع بعضها إلى سور متكاملة لا سيّما القصار كالإخلاص ، والقدر ، والناس ، والعصر ، والكوثر ... الخ .
وهناك سور متوسطة الطول والقصر وقد تناوبها السجع من أولها إلى آخرها كما هي الحال ـ على سبيل الأنموذج في سورة الأعلى .
إن هذه السورة ولنتبرك بذكرها كاملةً : ـ
« بسم الله الرحمن الرحيم »

( سبّح اسم ربّك الأعلى * الذي خلق فسوّى * والّذي قدّر فهدى * والذي أخرج المرعى * فجعله غثاءً أحوى * سنقرئك فلا تنسى * إلاّ ما شآء الله إنه يعلم الجهر وما يخفى * ونيسرك لليسرى * فذكر إن نفعت الذكرى * سيذكر من يخشى * ويتجنبها الأشقى * الذي يصلى النار الكبرى * ثم لا يموت فيها ولا يحيى * قد أفلح من تزكى * وذكر اسم ربه فصلى * بل تؤثرون الحياة الدنيا * والأخرة خير و أبقى * إنّ هذا لفي الصحف الأولى * صحف إبراهيم وموسى * ) » .
مما وقف عنده العرب موقف المتحير المتعجب بوقت واحد فهي على وتيرة واحدة في فاصلة متساوية تختتم بالألف ، ومن أولها إلى نهايتها ، ولو شئت أن تغير أية كلمة من هذه الفواصل ، وتضع ما يلائمها بدلها في سبيل تغيير صيغة الفاصلة لما استطعت أن تحقق الدلالة اللفظية
________________________________________
( 55 )

التي حققها القرآن الكريم ، وما يقال في جميع السور والآيات الأخرى ، وبالنسبة للصنوف البديعة كافة .
وهنا ـ ونحن في هذا السياق ـ أود أن أشير إلى صيغة تنسجم مع هذا العرف الذي نتحدث عنه بإيجاز ، هذه الصّيغة هي كلمة » المقابر « في قوله تعالى : ( الهاكم التكاثر * حتّى زرتم المقابر * ) (1) كلا سوف تعلمون * ثم كلا سوف تعلمون * ) (2)، فإذا جاز له الانتقال بها جاز له الانتقال فيما قبلها مباشرة كما هو ظاهر ، بل إن هذا اللفظ « المقابر » يفرض نفسه فرضاً قاطعاً ، وذلك أن هذا الأنسان المتناسي الطاغي المتكاثر بأمواله ولذاته ، وشهواته ، ومدخراته ، ونسائه ، وأولاده ، ودوره ، وقصوره وخدمه وحشمه ، وإداراته وشؤونه ، وهذا كله تكاثر قد يصحبه التفاخر ، والتنابز ، والتنافر ، إن هذا مما يناسبه « المقابر » وهي جمع مقبرة ، والمقبرة الواحدة لا سيّما المترامية الأطراف مرعبة هائلة . فإذا ضممنا مقبرة أخرى ومقبرة مثلها ازددنا إيحاشاً ورعباً وفزعاً ، فإذا أصبحت مقابر عديدة ، تضاعف الرعب والرهب ، إذن هذا التكاثر الشهواني في كل شيء ، يناسبه ويوافقه الجمع المليوني للقبور ، لتصبح مقابر لا قبوراً ولو قيل في غير القرآن بمساواة القبور للمقابر في الدلالة لما سد هذا الشاغر الدلالي شيء آخر من الألفاظ .
وتعقب الدكتورة بنت الشاطئ على هذا الإدراك فتقول : « وقد تجد الصيغة البلاغية في استعمال المقابر هنا مجرد ملائمة صوتية للتكاثر ، وقد يحس أهل هذه الصنعة ونحن معهم فيها ، نسق الأيقاع ، وانسجام النغم لكن أهذا كل ما في استعمال للفظ « المقابر » في آية التكاثر ؟ .
الذي أراه أن وراء هذا الملحظ البلاغي اللفظي ملحظاً بيانياً يتصل
____________
(1) سورة التكاثر : 1 ـ 2 .
(2) سورة التكاثر : 3 ـ 4 .
________________________________________
( 56 )





بالمعنى : فالمقابر جمع مقبرة ، وهي مجتمع القبور ... واستعمالها هنا ملائم معنوياً لهذا التكاثر ، دال على مصير ما يتكالب عليه المتكاثرون من متاع دنيوي فإن ...هناك حيث مجتمع القبور ومحتشد الرمم ومساكن الموتى على اختلاف أعمارهم ، وطبقاتهم ، ودرجاتهم ، وأزمنتهم ، وهذه الدلالة من السعة والعموم والشمول لا يمكن أن يقوم لفظ « القبور » بما هي جمع لقبر ، فبقدر ما بين قبر ومقبرة من تفاوت يتجلى إيثار البيان القرآني « المقابر » على « القبور » حين يتحدث عن غاية ما يتكاثر به المتكاثرون ، وحين بلغت إلى مصيره هذه الحشود من ناس يلهيهم تكاثرهم عن الاعتبار بتلكم المقابر التي هي مجتمع الموتى ومساكن الراحلين الفانين » (1) .
هذا العرض يكشف أن دلالة اللفظ لا تتحكم بها الفاصلة كما تحكمت بها المعاني الإضافية ، واقتضاها البعد البياني في استيعاب المراد من وجوهه المختلفة ، وجوانبه كافة ، وذلك من دلائل إعجاز القرآن ، في جمعه بين الصيغة الجمالية للشكل ، والدلالة الإيحائية في المعنى .
الظاهرة الثالثة :
إن اختيار هذه الألفاظ إنما اتّجه بالخطاب إلى سكان الأرض الذين يهمهم أمرها ليتعرفوا على ما فيها عقلياً ، ويتطلعوا إلى كشف أسرارها علمياً ، بحسب الذائقة الفطرية الخالصة التي تبدو بأدنى تأمل وتلبث وترصد ، وهنا نضع أيدينا على جملة من التعابير القرآنية بألفاظ لها دلالتها الهامشية إن لم نقل المركزية في كثير من الأبعاد النقدية والبلاغية زائداً العلمية :
أ ـ ففي قوله تعالى : ـ ( أفلا يرون أنًا نأتي الأرض ننقصها من أطرافهآ ... ) (2) .
يتجلى موقع « أطراف » « ننقصها » في التعبير ، ... فالأطراف توحي بنظرة شمولية لشكل الأرض ، و « ننقصها » توحي بفكرة آلية عن طبيعة
____________
(1) بنت الشاطئ ، التفسير البياني : 1/207 وما بعدها .
(2) سورة الأنبياء : 44 .

( 57 )


انتقاص الأطراف وهاتان حقيقتان علميتان بنظرية دحو القطبين وحركتهما يوضحهما قوله تعالى : ـ
( لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهآر وكل في فلك يسبحون * ) (1) .
ب ـ وفي قوله تعالى : ( والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمئان مآء حتّى إذا جآءه لم يجده شيئاً ووجد الله عنده فوفّاه حسابه والله سريع الحساب * ) (2) .
« ففي هذه الصورة الأخاذة يتجلى سطح الصحراء العربية المنبسطة ، والخداع الوهمي للسراب ، فنحن هنا أمام عناصر مجاز عربي النوع ، فأرض الصحراء وسماؤها قد طبعا عليه انعكاسهما ... حين نستخدم خداع السراب المغم ، لنؤكد بما تلقيه من خلال تبدد الوهم الهائل ، لدى إنسان مخدوع ، ينكشف في نهاية حياته غضب الله الشديد في موضوع السراب الكاذب ... سراب الحياة » (3)، فلفظ « سراب » استقطب مركزياً دلالته من خلال البيئة العربية المشاهدة المحسوسة ، وكما يتلاشى هذا السراب فجأة ، وينطفي تلألؤه بغتة ، فكذلك ما أمله هؤلاء الكافرون بأعمالهم الخادعة ، متماثلة معه في خداع البصر وانطماس الأثر ، فلو عطفنا دلالة « الظمآن » الإيحائية ، لوجدنا الظمآن في تطلبه للماء ، ووصوله إلى السراب يقضي حسرة أشد ، وفاقة أعظم ، وحاجة متواصلة ، ولكنه يصطدم بالحقيقة الكبرى وهي الله تعالى ، فيوفّيه حسابه ، دون معادلات معروفة ، فلا المراد حقق ، ولا الحياة استبقى ولا الثواب استقصى ، وإنما هي حسرات في حسرات .
حـ ـ ولو تتبعنا مآل هؤلاء الكافرين في خيبة أمالهم وخسران أعمالهم ، لو جدنا الصورة المتقابلة مع تلك الصورة بقوله تعالى : ـ
( أو كظلمات في بحر لجيّ يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب ظلمات
____________
(1) سورة يس : 14 .
(2) سورة النور : 39 .
(3) مالك بن نبي ، الظاهرة القرآنية : 355 .
________________________________________
( 58 )

بعضها فوق بعض إذا أخرج يده لم يكد يراها ومن لم يجعل الله له نوراً فما له من نور * ) (1)، ليتضح في التصوير القرآني عظم الدلالة من خلال هيأتين متقابلتين ونموذجين مختلفين ، فبعد أن أوضحت الصورة الفنية الأولى الشعاع الكاذب في السراب والالتماع الخلب في البيداء ، عقبت ذلك بنقيض الشعاع والالتماع وبعد تصوير الخيبة من الظفر بالسناء ، عقبته بالظلمات المتراكمة بعظها فوق بعض والفوقيات المتراكبة طبقاً عن طبق فهي ظلمات في بحر لا قعر له ، عميق غزير المياه ، تحوطه الأمواج المتدافعة ، والسحب الثقال ، والظلمات المتعاقبة في ثلاثة مظاهر من ظلام الليل ، وظلام الغمام ، وظلام البحر حتى ليخطؤه تمييز يده ، فلا يرى ذلك إلا بعد عسر وحرج ، أو لا يرى ذلك أصلاً ، وأنى له الرؤية ، وقد انغمس في ظلمات الكفر وارتطم بمتاهات الضلال ، فانعدمت الرؤية وانطمست البصيرة ، فهو في شبهات لا نجاة معها ، ومن لم يقدر له الخلاص من الله فلا خلاص له » (2).
يقول الأستاذ مالك بن نبي عن هذه الآية : ـ
« فهذا المجاز يترجم على عكس سابقه عن صورة لا علاقة لها بالوسط الجغرافي للقرآن ، بل لا علاقة لها بالمستوى العقلي أو المعارف البحرية في العصر الجاهلي وإنما هي في مجموعها منتزعة من بعض البلدان الشمالية التي يلفها الضباب ، ولا يمكن للمرء أن يتصورها إلا في النواحي كثيفة الضباب في الدنيا الجديدة ، فلو افترضنا أن النبي رأى في شبابه منظر البحر فلن يعدو الأمر شواطئ البحر الأحمر أو الأبيض ومع تسليمنا بهذا الفرض فلسنا ندري كيف كان يمكن أن يرى الصورة المظلمة التي صورتها الآية المذكورة ؟ وفي الآية فضلاً عن الوصف الخارجي الذي يعرض المجاز المذكور سطر خاص بل سطران : أولهما : الإشارة الشفافة ألى تراكب الأمواج ، والثاني : هو الإشارة إلى الظلمات المتكاتفة في أعماق البحار ، وهاتان العبارتان تستلزمان معرفة علمية بالظواهر الخاصة بقاع
____________
(1) سورة النور : 40 .
(2) ظ : المؤلف ، الصورة الفنية في المثل القرآني : 281 -282 .
________________________________________
( 59 )

البحر ، وهي معرفة لم تعرف للبشرية إلا بعد معرفة جغرافية المحيطات ، ودراسة البصريات الطبيعية ، وغني عن البيان أن نقول : إن العصر القرآني كان يجهل كلية تراكب الأمواج ، وظاهرة امتصاص الضوء واختفائه في عمق معين في الماء ، وعلى ذلك فما كان لنا أن ننسب هذا المجاز إلى عبقرية صنعتها الصحراء ولا إلى ذات إنسانية صغتها بيئة قاريّة » (1) .
هذه الظواهر الثلاث في دلالة الألفاظ ، توصلنا إلى المنهج الدلالي الأم في استكناه أصول الدلالة وهذا المنهج الأصل هو القرآن الكريم بحق .
ومن هذا المنطلق فقد وجدنا الخطابي ( ت : 388هـ ) بالذات عالماً ودلالياً فيما أورده من افتراضات ، وما أثبته من تطبيقات بالنسبة لجملة من ألفاظ القرآن الكريم بتقرير أنها لم تقع ـ ما زعموا توهماً ـ في أحسن وجوه البيان وأفصحها ، لمخالفتها لوضعي الجودة والموقع المناسب عند أصحاب اللغة ، وذلك كدعوى افتراضية ، يتعقبها بالرد والكشف والدفاع .
والألفاظ هي كما يلي نذكرها ونعقبها في آياتها في موارد اختيارها من قبل الخطابي نفسه ليرد عليها فيما بعد : ـ
1ـ فأكله ، من قوله تعالى : ( فأكله الذئب ) يوسف / 17 .
2ـ كيل ، من قوله تعالى : ( ذلك كيل يسير ) يوسف / 65 .
3- امشوا ، من قوله تعالى : ( وانطلق الملأ منهم أن امشوا واصبروا * ) ، ص / 6 .
4ـ هلك ، من قوله تعالى : ( هلك عني سلطانيه * ) ، الحاقة / 29 .
5ـ لحب ، من قوله تعالى : ( وإنه لحب الخير لشديد * ) ، العاديات / 8 .
6ـ فاعلون ، من قوله تعالى : ( والذين هم للزكاة فاعلون * ) ، المؤمنون / 4 .
7ـ سيجعل ، من قوله تعالى : ( إن الذين ءامنوا وعملوا الصالحات سيجعل
____________
(1) مالك بن نبي ، الظاهرة القرآنية : 356 .
________________________________________
( 60 )



لهم الرحمن ودّا * ) مريم / 96 .
8ـ ردف ، من قوله تعالى : ( قل عسى أن يكون ردف لكم بعض الذي تستعجلون * ) النمل / 72 .
أ ـ ( ومن يرد فيه بإلحاد بظلم ) الحج /25 .
ب ـ ( أولم يروا أن الله الذي خلق السماوات والأرض ولم يعي بخلقهن بقادر ...) الأحقاف / 33 .
هذه النماذج التي أبانها الخطابي تعقب عادة بالحجج المدعاة أولاً فيوردها ، ولكنه يفندها واحدة كما سنرى (1) .
فقد ذهبوا في فعل السباع خصوصاً إلى الافتراس ، وأما الأكل فهو عام لا يختص به نوع من الحيوان .
وقالوا ما اليسير والعسير من الكيل والاكتيال وما وجه اختصاصه به ؟
وقد زعموا بأن المشي في هذا ليس بأبلغ الكلام ، ولو قيل بدل ذلك أن امضوا وانطلقوا لما كان أبلغ وأحسن وأدعوا إنما يستعمل لفظ الهلاك ، في الأعيان والأشخاص كقوله :
هلك زيد ، فأما الأمور التي هي معان وليست بأعيان ولا أشخاص فلا يكادون يستعملونه فيها ...
وأنت لا تسمع فصيحاً يقول : أنا لحب زيد شديد وإنما وجه الكلام وصحته أن يقال : أنا شديد الحب لزيد وللمال .
ولا يقول أحد من الناس فعل زيد الزكاة ، وإنما يقال زكّى الرجل ماله
ومن الذي يقول : جعلت لفلان وداً بمعنى أحببته ؟ وإنما يقول : وددته وأحببته .
____________
(1) الخطابي ، بيان إعجاز القرأن : 38 وما بعدها .
________________________________________
( 61 )





وفي ردف إنما هو يردفه من غير إدغام اللام ، والباء لا موضع لها في الحاد أو بظلم ، ولو قيل : قادر على أن يحيي الموتى كان كلاماً صحيحاً لا يشكل معناه ولا يشتبه (1) .
وقد حررت للخطابي مقارنة سليمة في الإجابة عن هذه الافتراضات رداً ومناقشة وبيان حال ، وسأحاول أن ألخصها بشكل لا تفقد فيه جوهرها ، وأوردها بصورة تحكي عن هدف صاحبها ولعل في ذكرها تخليداً لذكراه ، ولكن فيها أيضاً وأولاً ، بياناً لطاقات بيانية مهمة واستعمالات بلاغية رائدة ، انفرد بها القرآن دون سائر النصوص الإلهية والبشرية ، مما يجعل الخطابي ـ رحمه الله ـ من أوائل أولئك الأفذاذ الذين يسروا الطريق أمام فهم القرآن بلاغياً ونقدياً على الوجه التالي : ـ
1ـ فأما قوله تعالى : ( فأكله الذئب ) يوسف / 17 ، فإن الافتراس معناه في فعل السبع القتل فحسب ، واصل الفرس دق العنق ، والقوم إنما أدعوا على الذئب أنه أكله أكلاً ، وأتى على جميع أجزائه وأعضائه فلم يترك مفصلاً ولا عظماً ، وذلك أنهم خافوا مطالبة أبيهم بأثر باق منه يشهد بصحة ما ذكروه ، فادعوا فيه الأكل ليزيلوا عن أنفسهم المطالبة ، والفرس لا يعطي تمام هذا المعنى ، فلم يصلح على هذا أن يعبر عنه إلا بالأكل على أن لفظ الأكل شائع الاستعمال في الذئب وغيره من السباع .
وحكى ابن السكيت في ألفاظ العرب قولهم : ـ
أكل الذئب الشاة فما ترك منها تامورا .
2ـ وأما قوله تعالى : ( ونزداد كيل بعير ذلك كيل يسير ) يوسف / 65 .
فإن معنى الكيل المقرون بذكر البعير والمكيل ، والمصادر توضع موضع الأسماء كقولهم : هذا درهم ضرب الأمير ، هذا ثوب نسيج اليمن ، أي مضروب الأمير ، ونسيج اليمن والمعنى في الأية : أنا نزداد من الميرة المكيلة إذا صحبنا أخونا حمل بعير ، فإنه كان لكل رأس منهم حمل واحد لا يزيد على ذلك لعزة الطعام ، فكان ذلك في السنين السبع المقحطة ،
____________
(1) الخطابي ، بيان إعجاز القرآن : 38 ، وما بعدها بتصرف واختصار .
________________________________________
( 62 )

وكانوا لا يجدون الطعام إلا عنده ولا يشير لهم صراحة إلا من قبله ، فقيل على هذا المعنى ( ذلك كيل يسير ) يوسف / 65 .
أي متيسر لنا إذا تسببنا إلى ذلك باستصحاب أخينا ، واليسير شائع الاستعمال فيما يسهل من الأمور كالعسير مما يتعذر منها ولذلك قيل : يسر الرجل .
وقد قيل : إن معنى الكيل هنا السعر ، أخبرني أبو عمرو عن ابن العباس قال : الكيل بمعنى السعر ، فكيف الكيل عندكم ؟ بمعنى كيف السعر ؟
3ـ وأما قوله سبحانه : ( أن امشوا واصبروا على ءالهتكم ) ص / 6 .
وقول من زعم أنه لو قيل بدله : امضوا وانطلقوا كان أبلغ فليس الأمر على ما زعمه ، بل امشوا في هذا المحل أولى وأشبه بالمعنى وذلك لأنه إنما قصد به الاستمرار على العادة الجارية ولزوم السجية المعهودة في غير انزعاج منهم ، ولا انتقال عن الأمر الأول ، وذلك أشبه بالثبات والصبر المأمور به في قوله : ( واصبروا على ءالهتكم ) ص / 6 .
والمعنى كأنهم قالوا : ( امشوا على هينتكم وإلى مهوى أموركم ، ولا تعرجوا على قوله ولا تبالوا به ... وقيل بل المشي ها هنا معناه التوفر في العدد والاجتماع للنصرة دون المشي الذي هو نقل الأقدام .
4ـ وأما قوله سبحانه : ( هلك عني سلطانيه * ) الحاقة /29 ، وزعمهم أن الهلاك لا يستعمل إلا في تلف الأعيان فإنهم ما زادوا أن عابوا أفصح الكلام وأبلغه ، وقد تكون الاستعارة في بعض المواضع أبلغ من الحقيقة كقوله عزّ وجلّ : ( و ءاية لهم الليل نسلخ منه النهار ) يس /37 .
والسلخ ها هنا مستعار هو ابلغ منه لو قال نخرج منه النهار وإن كان هو الحقيقة ، وكذلك قوله : ( فاصدع بما تؤمر ) الحجر /94 ، وهو أبلغ قوله فأعمل بما تؤمر وإن كان هو الحقيقة ، والصدع مستعار ، وكذلك قوله : ( هلك عنّي سلطانيه * ) الحاقة / 29 ، وذلك أن الذهاب قد يكون على مراصده العودة ، وليس مع الهلاك بقيا ولا رجعى ، وقد قيل إن معنى
________________________________________
( 63 )




السلطان ها هنا الحجة والبرهان .
5ـ وأما قوله سبحانه : ( وإنه لحب الخير لشديد * ) العاديات / 8 ، وأن الشديد معناه ها هنا البخيل ، واللام في قوله ( لحب الخير ) بمعنى لأجل حب الخير وهو المال لبخيل .
6ـ وأما قوله عزّ و جلّ : ( والذين هم للزكاة فاعلون * ) المؤمنون / 4 ، وقولهم إن المستعمل في الزكاة المعروف من الألفاظ ، كالأداء ، والإيتاء ، والإعطاء ... فالجواب إن هذه العبارات لا تستوي في مراد هذه الآية ، وإنما تفيد حصول الاسم فقط ، ولا تزيد على أكثر من الأخبار على أدائها فحسب ، ومعنى الكلام ومراده المبالغة في أدائها والمواظبة عليه حتى يكون ذلك صفة لازمة لهم فيصير في أداء الزكاة فعلاً لهم مضافاً إليهم يعرفون به ، فهم له فاعلون ، وهذا المعنى لا يستفاد على الكمال إلا بهذه العبارة ، فهي إذن أولى العبارات وأبلغها في هذا المعنى .
7ـ وأما قوله عزّ وجلّ : ( سيجعل لهم الرحمان ودا ) مريم /96 ، وإنكارهم قول من يقول : جعلت لفلان وداً ، بمعنى وددته فإنهم قد غلطوا في تأويل هذا الكلام ، وذهبوا عن المراد منه ، وإنما المعنى أن الله سيجعل لهم في قلوب المؤمنين ، أي يخلق لهم في صدور المؤمنين ، ويغرس لهم فيها محبة كقوله عزّ وجلّ : ( والله جعل لكم من أنفسكم أزواجاً ...) النحل / 72 ، أي خلق .
8 ـ وأما قوله سبحانه : ( ردف لكم ) النمل / 72 ، فإنهما لغتان فصيحتان : ردفته وردفت له كما نقول نصحته ، ونصحت له .
9ـ وأما قوله : ( ومن يرد فيه بإلحاد بظلم ) الحج /25 ، ودخول الباء فيه فإن هذا الحرف كثيراً ما يوجد في كلام العرب الأول الذي نزل القرأن به ، وإن كان يعز ووده في كلام المتأخرين ، قال أبو عمرو بن العلاء : اللسان الذي نزل به القرآن ، وتكلمت به العرب على عهد النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) عربية أخرى عن كلامنا هذا .
نقول : قد قيل إن الباء زائدة ، والمعنى : ومن يرد فيه إلحاداً والباء قد
________________________________________
( 64 )



تزاد في مواضع من الكلام ، ولا يتغير به المعنى ، وعليه شواهد من كلام العرب (1).
لقد كان الخطابي دقيقاً فيما أورده من إفاضات في هذا المجال استند فيها إلى المتبادر في العرف العربي العام واستشهد على صحة ذلك بالموروث الأدبي عند العرب شعراً ومثلاً وكلمة وقولاً مصداقاً على ما يريد ، وقلّب كل لفظ في وجوهه المحتملة فضلاً عن استنارته بآراء علماء العربية وأهل اللغة وأئمة البيان مستوفياً بذلك موقع اللفظ في دلالته على المعنى ، وصحته اختياره في استيفاء المؤشر الدلالي ، مؤكداً على العرف العربي والاستعمال البياني ، والأصالة اللغوية ، في كشف الدلالات التي ينطوي عليها اللفظ المختار في الآيات المشار إليها اللفظ ذاته دون سواه ، ومعللاً بفطرة نافذة دقة التركيب من خلال وضع الألفاظ بإمكانها المحددة لها ، بحيث لو استبدلت بالمرادف أو المساوي لفقدت مميزات لا تتوافر باللفظ البديل ، ولو جرت على سنن ما يفترض المدعون لافتقرت إلى عبارات إضافية من أجل أن يخلص إلى المعنى الذي يريده القرآن في ألفاظه المنتقاة إزاء الدلالات المقصودة بالذات .
أما أنواع الدلالات وأقسامها في كل من البحث الدلالي والقرآن فهو معلم مستفيض ينهض بعمل فني مستقل يشمل مدارك الدلالات كافة ، وقد أرجأنا الحديث عنها إلى مبحث خاص بإذن الله تعالى .
____________
(1) الخطابي ، بيان إعجاز القرآن : 41-48 .

الماهر الامين البخاري
28-07-2007, 11:57 AM
:::
تَطوُّرُ البَحْث الدَّلاليِ
دراسة تطبيقية في القرآن الكريم

الدكتور محمد حسين علي الصغير
أستاذ الدراسات القرآنية في جامعة الكوفة

( 5 )

« ثبت الكتاب »

تمهيد وتحديد

مكانة البحث الدلالي في المنظور النقدي بلاغياً ولغوياً / التفكير في العلاقة الدلالية جملي / التبادر الذهني يحدث دفعة واحدة / مصطلح البحث الدلالي مصطلح نقدي أوروبي معاصر / معالم هذا البحث في التحديث والتراثية / استبعاد السبق المنطقي والعرض الأصولي عن مهمة البحث / استقرار المنهج الأصولي عند الأستاذ الأعظم ولدى الإمام الخوئي / صلتي برئيس جامعة النجف الدينية تابعت إنجاز هذا البحث .

الفصل الأول
( نظرية البحث الدلالي عند المحدثين )
ميشال بريال مؤسس علم الدلالة الفرنسي / أوجدن وريتشاردز في نظرية معنى المعنى في النقد الإنكليزي / مفهوم الدلالة لدى الأوروبيين / صلة اللغة بالفكر والصورة بالصوت / تصورنا للمصطلح الدلالي بظاهرتيه : الحسية والمعنوية / كشف الفروق المميزة للدلالة بين النظرية والتطبيق / إيجاد صيغة المصطلح الدلالي في حدود الفهم العربي والأوروبي المشترك / آراء علماء الفريقين في اطار الدلالة للخلوص إلى المؤدى / عدم وضوح رؤية الدلالة / العناية بالجانب التأريخي للألفاظ مقترنة بالجانب النفسي / طه حسين أجمل المعيار القديم والحديث لدلالة الألفاظ / روح الدلالة عند العرب / الجواري يستلهم الدلالة من القرآن العظيم / جميل سعيد يكتشف روح الدلالة في لغة الشعر الجاهلي .

( 6 )
الفصل الثاني
(اصالة البحث الدلالي عند العرب )

الجهود المبكرة لعلماء العروبة والإسلام في تأصيل البحث الدلالي / البحث الدلالي سبق علمي للعرب والمسلمين / الخليل بن أحمد والجاحظ ذهبا إلى هذا المنهج / ابن جنّي نظر للمصطلح الدلالي من الواقع اللغوي والصوتي في التراث / الشريف الرضي صاحب منهج تطبيقي في الدلالة / تبلور الظاهرة الدلالية عند الثعالبي / عبد القاهر أصّل موضوع الدلالة وخطط لمفاهيمه / ابن الأثير وحازم القرطاجني والسيوطي في جهودهم النظرية والتنظيرية في علم الدلالة وتوابعها .
الفصل الثالث:
( تطبيقات البحث الدلالي في القرآن الكريم )

لغة القرآن ذات طابع دلالي خاص / نشاط اللغة العربية في القرآن مستمد من سمات بلاغية متجانسة تؤكد المعاني الثانوية فضلاً عن المعاني اللغوية الأولية / تطبيقات البحث الدلالي كشفت اختيار القرآن اللفظ المناسب في الموقع المناسب من العبارة القرآنية / ثلاث ظواهر قرآنية متميزة في دلالة الألفاظ بالمعنى الاصطلاحي الدقيق / التناسق القرآني مع مقتضيات الأحوال / الألفاظ في القرآن منضمة إلى المعاني دون تمايز / الخطاب بألفاظ القرآن إلى سكان الأرض لكشف الأسرار العلوية بحسب الذائقة الفطرية / تحليل نقدي لظواهر الألفاظ في القرآن / الوقوف عند جهود الخطابي فيما أورده من افتراضات وفيما أثبته من تطبيق دلالي لألفاط القرآن / دقة الخطابي فيما أجمله من إفاضات في هذا المجال على سنن العرب الأقحاح .
الفصل الرابع
( معجم العلماء الدلاليين من العرب والأوروبيين )
طبيعة هذا المعجم الأحصائية / التزامه بطريقة الألفباء
( 7 )



المعجمية / الأسس الأولية التي قام عليها المعجم / الاعتذار عن السهو بالنسبة للمحدثين / الدلاليون العرب القدامى / الدلاليون العرب المحدثون / الدلاليون الأوروبيون .
خاتمة البحث
نتائج كل فصل من الفصول السابقة التي توصلنا إليها .

المصادر والمراجع
أ ـ العربية
ب ـ الأجنبية

ثبت الآيات القرآنية
الواردة في الكتاب بحسب ترتيب المصحف .

( 8 )

( 9 )























بسم الله الرحمن الرحيم
تمهيد وتحديد :

في منظور النقد البلاغي واللغوي يحتل البحث الدلالي ذروة التأصيل الفني حيث تتبلور الدلالة بلاغياً و لغوياً ونقدياً جملة واحدة ، وذلك عند التفاصيل الدقيقة التي تجعل الدال علامة يرمز إليها بالأشكال ، والمدلول إمارة يؤكد عليها بالمعاني ، والعلاقة القائمة بينهما نتيجة محورية تتمخض عن التقائهما .
إن التفكير في استنباط هذه العلاقة التي هي جوهر الدلالة يجب أن يحدث جملياً دون تردد ، ومتى تم لنا هذا كانت الدلالة المتصورة ذهنياً حصيلة عملية فورية لاقتران الدال بالمدلول ، أو اللفظ بالمعنى ، أو الشكل بالمادة ، أو الاطار بالمحتوى ... بمختلف التعبيرات المختلفة المنطوق ، والمتحدة المفهوم ... ويمكن تجسيد هذا هذا المنظار في ضوء ما نجده في التصور الأولي للحرف (أ) في اللغة العربية عند الذهن وذلك حين يرسم هذا الأمر دالاً بشكله على هيئته الذهنية ، وهو نفسه في اللغة الانكليزية يرتسم شكلياً على هذا النحو ( A ) حينما نتصوره بهذه اللغة دون سواها .
والتبادر الذهني لهذه الرموز عند نطقها يحدث دفعة واحدة عند تصور أشكالها في الخارج بحيث لا يلتبس التصور للحرف نفسه ، ولا يختلط بغيره من الحروف في كل من اللغتين .
البحث الدلالي الحق هو ذلك البحث الذي يخلص إلى نتائج النظرية والتطبيق في دلالة الألفاظ بحيث لا ينفصل التصور الذهني المجرد عن الشكل المادي الخارجي ، وهذه المهمة هي المنعطف الهادف لمسيرة البحث الدلالي المتطورة عند العرب والأوروبيين .
( 10 )





ومصطلح البحث الدلالي من المصطلحات النقدية المعاصرة في منهج التحديث الأوروبي ولهذا فقد كان طبيعياً وموضوعياً أن نستعرض بعض ملامح هذا البحث بلغته المحدثة ، والتي يمكن لمحها عند المقارنة الجادة بين الموروث الدلالي عند العرب والمسلمين ـ قبل أن يتحقق مفهومه في الدرس النقدي الجديد ـ وبين معطيات الفكر الأوروبي الحديث والعربي المعاصر .
وانطلاقاً من هذه الحقيقة العلمية فقد فضلت أن أشير إلى أن دراسات المحدثين في هذا الميدان تستأهل الاهتمام المبكر بغية تخطيط البحث نظرياً وموقفاً ، ولدى عرضه سيتجلى التجديد في مجال الأسلوب ، والبقاء على الموقف الأم في التراث الاسلامي عند العرب ، وستجري تطبيقات البحث بالوقوف عملياً عند طائفة مختارة من الزخم القرأني لغوياً ونقدياً في لمحات خاطفة على سبيل الأنموذج والمثال ، ونكون بذلك قد أجرينا المقارنة العلمية الكاشفة من جهة ، ودللنا على تطور البحث من جهة أخرى ونظّرنا له بالقرآن الكريم تطبيقاً .
وفي ضوء هذا التخطيط الأولي كانت معالم البحث متسعةً لثلاثة فصول على النحو الاتي : ـ
الفصل الأول :نظرية البحث الدلالي عند المحدثين .
الفصل الثاني : أصالة البحث الدلالي عند العرب المسلمين .
الفصل الثالث : تطبيقات البحث الدلالي في القرآن الكريم .
ولقد رأيت من المفيد حقاً ـ بعد هذه الفصول ـ أن أخصص فصلاً إضافياً قائماً بذاته ، لمعجم تقريبي إحصائي بأسماء أبرز الدلاليين العالميين من النقاد والبلاغيين ، قدامى ومحدثين ، تسهيلاً لمهمة الباحث الأكاديمي حينما يتناول نظرية الدلالة لدى « السمانتيكيين » في الموضوع على وجه التفصيل لأوجه الإشارة والتمثيل كما هو في طبيعة هذا البحث في النظرية والتطبيق .
وتبقى محاور هذا البحث المركزية متمثلة بالتحديث أولاً ، وبالتراثية ثانياً ، وبالتنظير القرآني أخيراً ، وليس في البحث مسح إحصائي لهذه
( 11 )




المحاور بقدر ما فيه من لمح لتطور البحث الدلالي نظرياً ، مع احتفاظ الفكر الإسلامي والعربي بحق الابتداع للموضوع ، والابتكار في منهجية البحث ، مما يلقي نوعاً من التوجه نحو الجهود المبتكرة للدلالة اللغوية في ضوء النقد البلاغي في أرقى مقاييسه الفنية رؤية ومعاصرة .
ولما كانت هذه المهمة في البحث مهمة نقدية وبلاغية ولغوية فقد أبعدنا السبق المنطقي ، والعرض الأصولي للمسألة ولسنا بصدد الخلط بين مفهوم الدلالة عند المناطقة باعتبارها تضمينة أو التزامية أو مطابقية ، وبين المفهوم البلاغي المتشابك للدلالة كما فعل الخطيب القزويني ( ت : 739 هـ ) تبعاً لأبي يعقوب السكاكي ( ت : 626 هـ ) .
ولسنا نريد إضافة شيء على ما أفاده علماء الأصول في مباحث الألفاظ باعتبارها تشخص صغريات أصالة حجية الظهور في الأمر والنهي ، والمفاهيم ، والعام والخاص ، والمطلق والمقيد ، والتعارض على وجه .
فهذه كلها مباحث أصولية وعليها مسحة دلالية ، لاشك في هذا ، ولكنها مباحث تتعلق بالألفاظ خالصة من حيث إفادتها أحكاماً شرعية معينة ، بل هي ضوابط أساسية فيما يستفيده المجتهد لدى عملية الاستنباط ، وبناء الحكم على أصل من دلالة اللفظ المتبادرة اليه فيما يحتمله لسان الشارع المقدس . ولسنا بأزاء بيان هذا الأصل أو الخوض فيه ، فضلاً إلى أن السبق المنطقي والعرض الأصولي ، وأن تعلقاً بالبحث هامشياً ، إلا أنهما من المباحث المستفيضة التي كتبت ودوّنت وطوّرت ونضجت واستقرت بمنهج ثابت في المنطق وأصول الفقه لا سيما عند الأستاذ الأعظم الشيخ مرتضى الأنصاري ( ت : 1281هـ ) والتعرض لهما حديث عنهما لاعن النقد البلاغي . كما هي الحال في محاضرات زعيم الحوزة العلمية الإمام الأكبر السيد أبو القاسم الخوئي ( قدس سره ) وإفاضاته الأصولية المتطورة .
إذن : هذا العرض بعيد عن المفاهيم المقحمة بالنقد والبلاغة نتيجة تأثير البيئة الكلامية ، وسيطرة المنطق ، وسيرورة علم الأصول ، وإنما هو كشف دلالي لصميم المخزون التراثي من النقد البلاغي في ضوء المتغيرات الأوروبية المتواجدة . ومن خلال التطبيق القرآن العظيم .
( 12 )



وقد أفدت من صلتي العلمية بالأستاذ الحجة السيد محمد كلانتر رئيس جامعة النجف الأشرف متابعته في إنجاز هذا البحث على وجه السرعة لأنه يتسم بالأصالة فيما أفاض ، فكان له ما أراد . فإن كان الأمر كذلك فبفضل من الله تعالى وحده ، وإن كانت الأخرى فما لايدرك كله ، لايترك كله .
وفقنا الله جميعاً لاستقراء الحقائق من ينابيعها الأولى .
وما توفيقي إلا بالله العلي العظيم عليه توكلت وإليه أنيب ، وهو حسبنا ونعم الوكيل .
النجف الأشرف
الدكتور محمد حسين علي الصغير
أستاذ في جامعة الكوفة

( 13 )





















الفصل الأول
نظرية البحث الدلالي عند المحدثين

( 14 )

( 15 )

نظرية البحث الدلالي عند المحدثين :
يرى علماء الدلالة المحدثون إن اللغوي الفرنسي ميشال بريال ( M.Breal ) يعتبر مؤسس علم الدلالة المتعارف عليه اليوم ، وهو الذي وجه الاهتمام لدراسة المعاني بذاتها ، وقد اقترنت أهمية ريال هذه بمحاولة الناقدين اللغويين الإنكليزيين : أوجدن ( C.K.OGden ) وريتشاردز ( I.A.Richards ) الذين حوّلا مسار الدلالة بكتابهما المشترك : معنى المعنى ( The meaning of meaning ) الصادر عام 1923 (1) . وذلك بتساؤلهما الحثيث عن ماهية المعنى من حيث هو عمل متزاوج من اتحاد وجهي الدلالة : أي الدال والمدلول ، فوجّها العناية بالعلاقة التي تربط مكونات الدلالة التي يجب أن تبدأ من الفكرة أو المحتوى الفعلي الذي تستدعيه الكلمة والذي يومي إلى الشيء (2).
فالدلالة لدى هؤلاء مجتمعين ـ كما يبدو ـ عبارة عن اتحاد شامل بإطار متكامل بين الدال والمدلول غير قابل للتجزئة والفصل .
وفي ضوء هذا الفهم الأولي للدلالة أخذت البحوث تشق طريقها إلى استكناه مفهوم الدلالة ومصطلحها لدى المحدثين من العرب والأوروبيين حين لمسوا أن التعميم الفضفاض غير كافٍ لإعطاء صيغة علمية او فنية متميزة تنهض بالاصطلاح مستوياً على قدميه . ومن هنا حاولوا جعل الدال والمدلول قسيمين أساسيين لمفهوم الدلالة .
____________
(1) طبع هذا الكتاب طبعة منقحة في لندن ، 1956 م .
(2) ظ . د . موريس أبو ناصر ، مدخل إلى علم الدلالة الألسني ، الفكر العربي المعاصر ، آذار ، 1982+ كمال محمد بشر ، دراسات في علم اللغة : 2/159 .
( 16 )

يستوقفنا الدكتور بسام بركة ، في تقسيمه وتعقيبه حين يقول : « أما الدال فهو الصورة الصوتية التي تنطبع مباشرة في ذهن السامع ، وهو بعبارة أخرى : الإدراك النفسي للكلمة الصوتية ، وأما المدلول فهو الفكرة التي تقترن بالدال » (1).
ويهمنا من هذا المنحنى التأكيد على صلة اللغة بالفكر فيما يوحيه من علاقة مباشرة قد تكون ضرورية بين عناصر الأشارات المتولدة في الذهن نتيجة لاقتران الدال والمدلول خلف الدلالة ، في حين يقول بعض الدارسين العرب : « لا تقتصر دلالة الكلمة على مدلولها فقط ، وإنما تحتوي على كل المعاني التي قد نتخذها ضمن السياق اللغوي . وذلك لأن الكلمات ، في الواقع ، لا تتضمن دلالة مطلقة بل تتحقق دلالتها في السياق الذي ترد فيه ، وترتبط دلالة الجملة بدلالة مفرداتها » (2).
ومع تقويمنا للنصين السابقين واعتدادنا بهما فإن بالأمكان أن نتصور ـ بكل تواضع وسماح ـ أن للألفاظ ظاهرتين متلازمتين تتمم إحداهما الأخرى :
الظاهرة الأولى : ظاهرة حسية ، باعتبار الألفاظ أصواتاً تنطلق بها الأوتار الصوتية من داخل الجهاز الصوتي ـ ابتداءً من أقصى الحلق وانتهاءً بانطباق الشفتين لتتصل بالأسماع ، وتصل إلى الآذان .
الظاهرة الثانية : ظاهرة معنوية ، باعتبار الألفاظ رموزاً تشتمل على أصواتها لدى انطباقها على مسمياتها ، وإن كانت غيرها .
وتأسيساً على هذه الرؤية يتحقق لنا لمس إطارين حيّين للألفاظ بعامة : ـ
إطار خارجي ، يتمثل بالصوت اللساني لكل لفظ ، وإطار داخلي يحمل لنا الصورة الذهنية لذلك الصوت .
____________
(1) د . بسام بركة ، اللغة والفكر بين علم النفس وعلم اللسانية ( بحث ) . ظ : المصادر .
(2) د . ميشال زكريا ، المكون الدلالي في القواعد التوليدية والتحويلية ( بحث ) . ظ : المصادر
( 17 )





والإطار الخارجي ، وهو الظاهرة الحسية ، يمثل الشكل .
والإطار الداخلي ، وهو الظاهرة المعنوية ، يمثل المضمون .
ويراد بالشكل هنا ـ كما هو مفهوم من السياق ـ مادة اللفظ الصوتية أو الوترية ، وبالمضمون دلالة اللفظ الانطباقية أو المعنوية .
ولتنظير هذا الفهم نرى أن دلالة أي لفظ من الألفاظ على معناه المحدد له ، ترتبط فيما يوحيه هذا اللفظ في الأذهان من انصراف وتبادر ألى مشخصاته الخارجية إن كان عيناً ، أو ما يرمز إليه في التصور الذهني إن كان معنىً ، بحيث يكسبه هذا وذاك دلالته عند التطبيق الخارجي الذي لا يلتبس بمفهوم آخر في الأدراك حتى يعود رمزاً له ، أو علاقة تشير إليه ، وفي هذا الضوء تشترك الرموز الصوتية لأي لفظ في الدلالة عليه لتشكل أصلاً في كيانه بتصوره جملي دفعة واحدة سواء أكان الاستعمال على جهة الحقيقة اللغوية ، أم على جهة الاستعمال المجازي إذ مناسبة الصلة بين الاستعمالين الحقيقي والمجازي قائمة على إرادة المعنى المحدد دون التباس أو إيهام لتوافر القرينة الدالة على ذلك .
وفيما نرى فلعل استيفن أولمان أستاذ علم اللغة بجامعة ليدز بإنكلترا قد صاغ دلالة الألفاظ بإطار موجز واضح ، فاللفظ عنده : الصيغة الخارجية للشكل ، والمدلول : الفكرة التي يستدعيها اللفظ (1) .
وقد أوجد بهذا مقارنة سليمة بين المصطلحين ، فلاحظ أن بينهما علاقة متبادلة ، فليس اللفظ وحده هو الذي يستدعي المدلول ، بل إن المدلول أيضاً قد يستدعي اللفظ ، وهذه العلاقة المزدوجة هي القوة التي تربط الدال بالمدلول ، أي الصيغة الخارجية للكلمة بالمحتوى الداخلي لها .
وقد أيد هذا المذهب اللغوي الفرنسي ( أندريه مارتينيه ) فذهب أن اللفظ لا يمكن له أن يمثل الوحدة العضوية الصغرى في الكلام ، لأن اللغة الأنسانية تقوم بإزاء تلفظ مزدوج مركب من اللفظ المكّون من مجموعات
____________
(1) ظ . ستيفن أولمان ، دور الكلمة في اللغة : 64 .
( 18 )





صوتية ومن المدلول في إعطاء المعنى ، فاللفظ دال ، ومعنى ذلك اللفظ مدلول (1).
ومضافاً إلى اقتناعنا بهذا المنهج فإن المحدثين من علماء الدلالة الأوروبين ، مقتنعون أيضاً ولكن بصعوبة تحديد الكلمة في شتى اللغات ، غير أنهم مجموعون أن الأساس الصوتي وحده لا يصلح لتحديد معالم الكلمات وأنه لا بد أن تشترك معه الكلمة أو وظيفتها اللغوية ليمكن تحديدها .
وقد اتضح للعالم المشهور ساپير (sapir) أن تحليل الكلام إلى عناصر أو وحدات ذات دلالة ، يقسم هذا الكلام إلى مجموعات صوتية منها ما ينطبق على الكلمة ، ومنها ما ينطبق على جزء من الكلمة ، ومنها ما ينطبق على كلمتين أو أكثر (2) .
وطبيعي أن مفهوم ساپير لهذه الدلالة ينطبق على الأحداث والأسماء والحروف ، ودلالة الإضافة في وحدة المضاف ، والمضاف إليه مما يعني تغايراً حقيقياً بين مفهومه ومفهوم القدامى العائلين : « الكلمة قول مفرد ، أو لفظ مفرد » (3).
فهل أل التعريف من هذا القول ؟ وهل الباء كحرف جر من هذا اللفظ ؟ وهل الضمائر المتصلة كالتاء منه على وجه ما ؟ وهي مع اندماجها في الأفعال ...هل تشكل قولاً مفرداً أم قولين ؟ أو لفظاً مفرداً ام لفظين ؟
إن استقلالية الألفاظ في اللغة العربية تعني الفصل في الدلالة ، فلكل من الأفعال و الأسماء والحروف والضمائر دلالات خاصة .
ومع هذا التغاير ، فإن الفهم النحوي للكلمات عند القدامى يختلف عن المفهوم النقدي والبلاغي عندهم في الدلالات .
وقد كشف الأستاذ مطاع صفدي عمق الفروق بين النظرية والتطبيق
____________
(1) . Mrtinet, Elements de Linguitigue General, Paris. 1970. p.16.
(2) ظ .إبراهيم أنيس . دلالة الألفاظ : 42 وما بعدها .
(3) ابن هشام ، شذور الذهب : 12.
( 19 )





في المجال الدلالي فرأى : أن الأهمية المميزة للدلالة ، إنها لدى تطبيقها على حقل ما لا يتوقف عند حد تفكيك بنيته ، ولكنها عندما تنجح في هذه المهمة ، وتكشف مدلوله ، تتغير علاقته بالوعي ، يصبح خطاباً آخر بمستويات من الدلالة ذات أنساق متناظرة ، تضفي على منظر الخطاب عمقاً استراتيجياً جديداً .
لذلك فإن الباحثيين في نضرية الدلالة ، محتاجون دائماً إلى ممارسة نظرياتهم عبر الخطابات والنصوص التي يطبقون عليها مناهجهم الدلالية لأن هذا التطبيق ذاته لا يبرهن على نجوع المنهج فحسب وإنما يطوّره ، يعطي الخطاب من ذاته ، ويأخذ منه الحس الحي بعمقه العضوي الجديد .
إن خصب الدلالة حقق شكلية التداخل المنهجي بين العلوم الإنسانية وجعلها تعكس ظلالها بعضها على بعض ، حولها إلى مرايا لبعضها ، وغني عن البيان أن تقدم العلوم الإنسانية لا يزال مرتبطاً إلى ما لا نهاية بالكشوف المنهجية ، وأهم هذه الكشوف التي ساهمت في نهضتها هي المناهج المساعدة على استنباط أجهزة الإنتاج المعرفية لموضوع البحث وللخطاب العلمي المفسر للموضوع في وقت واحد (1) .
ومع اتساع هذا العرض في الاستدلال ، فقد يراد بهذا التعبير مشاركة الدلالة في إرساء مناهج المعرفة الإنسانية ضمن تعدد خصائصها الفنية ، وبرامجها في التنقل بين حقول الحضارة المختلفة تراثية وحداثة في آن واحد .
والذي يهمنا من هذا المنظور هو المنهج النقدي الذي يرتبط بالدلالة تكوناً جمالياً .
ويقول الدكتور عناد غروان ـ وهو يتحدث عن طبيعة هذا المنهج في وجهاته الجمالية المتنوعة ـ :
« فقد يكون المنهج شكلياً يهتم بالبنية الشكلية ـ العضوية والتجريدية ـ للتجربة الأدبية أو قد يكون تحليلياً قائماً على تحليل عناصر التركيب الأدبي

____________
(1) ظ : مطاع صفدي ، نظرية الدلالة وتطبيقاتها ، الفكر العربي المعاصر : آذار 1982.
( 20 )



وخصائصه البيانية والبلاغية ، أوقد يكون منهجاً تقنياً فنياً جديداً يدرس هذه التجربة أو تلك على أساس كونها ظواهر حضارية إنسانية تخضع لمثل جديدة في تقدير قيمتها النقدية ـ الفنية الجمالية ـ التي تخلق الإعجاب والتقدير في طبيعة العمل الأدبي بالنسبة للقارئ والمتذوق » (1).
واحسب أن التطور الدلالي هو من النوع الأخير ، لأن الحركة النقدية المعاصرة التي اهتمت بالمنطق السمانتيكي (علم الدلالة ) وعلاقته بالرمز تارة وبالصورة الفنية تارة أخرى ، وبالخيال غيرهما تذهب إلى قيمة الدلالة باعتبارها كائناً حضارياً متطوراً يمثل قوة الإدراك في حياة الألفاظ والمعاني ، وإن اهتمت بالخصائص البيانية والبلاغية في توجيه مسيرتها النقدية .
على أن المحدثين من الأوروبيين يختلفون في أولويت الدلالة بين اللفظ والمعنى و ينقسمون في ذلك إلى مدرستين نقديتين « المدرسة التحليلية » التي ترى أن المعنى يمكن تحليله إلى عناصره ووحداته الأساسية و « المدرسة العملية » التي ترى أن الكلمة ترمز إلى فكرة أوإشارة وأخيراً إلى مجمل المعنى العام في الجملة أو التعبير . وتدرس هذه المدرسة الكلمات ذاتها مرتبطة بحدثها وعلاقاتها العلمية مع غيرها دونما اهتمام مباشر بالمعنى قبل الكلمة (2) .
وهذه النظرة التي ترجمها لنا عن الأوروبيين الدكتور عناد غزوان يحللها بقوله : ـ
« واختلاف المدرستين يعود إلى مدى اهتمامهما بالقارىء ، السامع قبل المتكلم ، أو بالمتكلم قبل السامع ، فعلاقة اللغة بالفكر ليست من القضايا البسيطة لتداخلهما من جهة ، لأنهما روح الحضارة الإنسانية من جهة أخرى فما ينشأ عن هذه العلاقة من غموض أو وضوح من إشارة أو رمز ، من صواب أو خطأ ، من حقيقة أو مجاز يتوقف على قدرة اللغة في توصيل فكرها إلى الآخرين وفي الإفصاح عن تلك التجربة الإدبية ، وهنا

____________
(1) عناد غزوان ، التحليل النقدي والجمالي للأدب : 29.
(2) ظ . عناد غزوان ، المصدر السابق : 32 بتصرف .
( 21 )



يبرز دور النقد الأدبي حضارياً من خلال تحليله لعناصر التجربة بحثاً عن فكرها ودلالتها ، ومدى ارتباطها بالأحداث الذاتية والإنسانية » (1).
ومهما يكن من أمر فإن طبيعة البحث الدلالي في نظرية المحدثين من عرب وأوروبيين ، لا تعدو إطار التعريف لكل من الدال والمدلول وعلاقة الألفاظ والمعاني ، ومشاركة هذه العلاقة في إرساء دعائم الحضارة الإنسانية ضمن إشارات ثقافية ولمسات منهجية بأسلوب تغلب عليه السلاسة حيناً ، والنعومة حيناً آخر ، والتعقيد في المؤدي ثالثاً ، وتزاحم الألفاظ ، وتغاير التعبيرات ، وتراكم الصيغ بين هذا وذاك في كثير من الأحيان .
ونحن بدورنا نؤيد ما أورده الدكتور إبراهيم أنيس في عدم وضوح الرؤية لدى هؤلاء الباحثين في التفرقة بين أصول الدلالات ومحدثاتها فهم يتجاهلون تأثير العامل التأريخي في اكتساب الألفاظ دلالتها بمرور الزمن ، فيقول : « والأمر الذي لم يبد واضحاً في علاج كل هؤلاء الباحثين هو وجوب التفرقة بين الصلة الطبيعية الذاتية والصلة المكتسبة ، ففي كثير من ألفاظ كل لغة نلحظ تلك الصلة بينهما وبين دلالتها ولكن هذه الصلة لم تنشأ مع تلك الألفاظ أو تولد بمولدها وإنما اكتسبتها اكتساباً بمرور الأيام وكثرة التداول والاستعمال .
وهي في بعض الألفاظ أوضح منها في البعض الآخر ، ومرجع هذا إلى الظروف الخاصة التي تحيط بكل كلمة في تأريخها وإلى الحالات النفسية المتباينة التي تعرض للمتكلمين والسامعين في اثناء استعمال الكلمات » (2) .
وهذا تعقيب يعنى بالجانب التاريخي للفظ من جهة وبالجانب النفسي من جهة أخرى .
وهذان الملحظان لم يغب تصورهما الدقيق عن الذهن العربي الإسلامي في القرون السابقة وهو ما ستجده فيما بعد .

____________
(1) عناد غزوان ، المرجع السابق : 32 وما بعدها .
(2) إبراهيم أنيس ، دلالة الألفاظ : 71 .
( 22 )



ولعل عميد الأدب العربي المرحوم الدكتور طه حسين ( ت : 1973م ) قد أجمل المنظور القديم والحديث في دلالة الألفاظ على شكل تساؤل إيحائي في إطار نقدي يعنى بمفهوم الأدب فقال : « وما عسى أن تكون هذه الصاغة ، أهي التأليف بين المعاني أو بين هذه الصور لتلتئم وتأتلف ، والدلالة عليها بالألفاظ التي يؤديها إلى القراء ؟ أم هي شيء آخر؟ فإن تكن الأولى ففيم الأخذ والرد والجدال الطويل وقد قلت لهم : إن الألفاظ وحدها لا تغني شيئاً ، وإنّ الأدب لا يكون إلا إذا ائتلفت المعاني بينهما ، وائتلفت الألفاظ فيما بينها وبين المعاني ، كان الجمال الفني هو الذي ألف بينها فأحسن التأليف ، وإن تكن الصياغة شيئاً آخر فما عسى أن تكون » (1) .
هذه روح الدلالة عند العرب بأسلوب واضح كما سترى ، لأن الفروق التعبيرية بين حالتين ـ كما هو الظاهر ـ عند المحدثين من الأوروبيين والقدامى من العرب ، تتجلى في نتائج البحث عن الدلالة ، فكأنك لا تلمس شيئاً محسوساً في التعبير الحديث ، بينما تضع بصماتك على الأثر الجلي في المدرسة الدلالية عند العرب ، فهناك الألفاظ الأخاذة دون حصيلة مجدية ، وهناك الأصالة العلمية في المقدمات والنتائج الموضوعية ، ولايعني هذا العرض الغض من معطيات المدرسة الحديثة بقدر ما يعني الاعتداد بما أسداه الأوائل ضمن صفائهم الفطري للموروث الحضاري الأنساني المتصاعد .
ولا بد لي من الوقوف قليلاً بل الإشارة تلميحاً إلى ما حققه إثنان من علماء الأمة العربية المعاصرين بل علمان من أعلامها : في مجال التنظير الدلالي في رؤية تراثية تستلهم القرآن العظيم عند الأول ، والشعر العربي القديم عند الثاني :
1ـ لقد استلهم أستاذنا وصديقنا العلامة المرحوم الدكتور أحمد عبد الستار الجواري روح الدلالة في المنظور القرآني من خلال حذف القول في العبارات القرآنية التي تدل معانيها على مرادها ، دون استخدام الألفاظ لهذا الغرض ، مما يحمل السامع على توقع أمر ذي بال ، كما هي الحال في

____________
(1) طه حسين ، خصام ونقد : 102 .
( 23 )


الانقطاع والالتفات وسواهما في عبارة القرآن فيقرع بهما أسماعاً غير واعية ، ويهز مشاعر غير صاغية ، يقول المرحوم الجواري :
« ومما يكثر وروده في العبارة القرآنية حكاية القول دون العناية بذكر القول ، وهو أشبه ما يكون بلوحة أسقط منها مالا حاجة به من خطوط ابتغاء التنويه بجوهر الموضوع ، صورة قصد فيها إلى إهمال ما لا يتعلق بالمعنى أو الفكرة التي أريد التعبير عنها ، والالتفات إلى الأصل والأساس . ولو اتصل الكلام لما أثار قدراً من الانتباه والاهتمام مثل الذي يثيره الانقطاع ، كالذي يسير في طريق ممهدة لاحبة ، تقوده قدماه حتى لا يعود يتلفت حوله ، ولايثنيه لما يحيط به حتى يفاجئه انحراف في الطريق ، أو التواء ، أو انقطاع ، يسلم إلى منحدر أو مرتقى فيفتح عينيه ، ويرهف حواسه بعد ذلك الانقطاع » (1) .
وينظر إلى هذا الملحظ بالتأمل في قوله تعالى :
( فلمّآ أتاها نودي من شاطيء الواد الأيمن في البقعة المباركة من الشّجرة أن يا موسى إنّي أنا الله ربّ العالمين * وأن ألق عصاك فلمّا رءاها تهتزّ كأنّها جآنّ ولّى مدبراً ولم يعقّب يا موسى أقبل ولا تخف إنك من الأمنين * ) (2) .
2ـ وقد استفاد أستاذنا الجليل الدكتور جميل سعيد عضو المجمع العلمي العراقي أن في لغة الشعر الجاهلي ألفاظاً استعملت ولا يسدّ غيرها مسدّها . وكانت تلك الألفاظ قد استخدمت في لغة التخاطب والحديث « تلك اللغة ذات الألفاظ الواضحة المتداولة المفهومة ، يقولها ـ امرؤ القيس ـ: وكأنه لا يرى استبدال هذه الألفاظ بغيرها يسد مسدها ، يتذكر الحوار ، ويعيد الحديث الذي سلّى به صاحبه ، يعيده وكأنه يرى فيه تسلية وعزاء لنفسه ، يقول (3) :
بكى صاحبي لما رأى الدرب دونه * وأيقــن أنـا لاحقــان بقيصرا
فقلـت له : لا تبك عينـك إنمـا * نحاول ملكاً ، أو نمــوت فنعذرا

____________
(1) أحمد عبد الستار الجواري ، نحو القرآن : 38 .
(2) سورة القصص : 30 ـ 31 .
(3) امرؤ القيس ، الديوان : 72 .
( 24 )


فلغة الشعر عند امرؤ القيس وسواه تهبط إلى لغة الحديث التي يتبع بها أسلوب الحوار ، وأسلوب السؤال والجواب ، ولغة الحديث هذه ، هي لغة النثر التي يقصد بها الأفهام . ومن هنا تكون واضحة ذات جمل قصيرة ، وتكون بعيدة عن الصناعة اللفظية التي تعمد إلى التزويق في الألفاظ ، وإلى الاستعارات والمجازات » (1) .
فكأن الغرض الفني عند العربي بفطرته ـ كما يرى ذلك أستاذنا الدكتور جميل سعيد ـ أن يقصد بالألفاظ إيصال المعنى المراد إلى المتلقي بما يفهمه و يسبر غوره ، وتلك روح الدلالة عند العرب .
ولعل في تعقب الصفحات الآتية ما يعطي صيغة مقنعة أو مرضية في هذا المنحنى المقارن الذي لا يخلو من طرافة استدلالية على صحة هذا المنظور المجرد عن الحساسية والإثارة بقدر ما هو أصيل في مصادره الريادية الأولى ، عسى أن يكون ذلك مؤشراً ينبه على قيمة هذا التراث بين هذه السطور التي لا تعدو كونها نماذج في مسيرة الدلالة .
____________
(1) جميل سعيد ، لغة الشعر « بحث » مستل من المجلد الثاني والعشرين من مجلة المجمع العلمي العراقي ، مطبعة المجمع ، بغداد 1973 .





















الفصل الثاني
أصالة البحث الدلالي عند العرب










( 27 )



















أصالة البحث الدلالي عند العرب :
ولا تحسبن أن المحدثين قد أتوا بجديد محض ، أو ابتكروا ما لم يكن ، أو بحثوا ما لم يسبق إليه فالأمر قد يكون على العكس هنا ، ذلك أذا لاحظنا جهود السابقين من علماء العرب والمسلمين الذين أشارو لجمل من الموضوع أو كتبوا في دلالته أو كشفوا عن سماته ، فكوّنوا بذلك ركائزه الضخمة وحققوا مزية الاكتشاف العلمي .
إن وضع اللبنات الأولى لهذا التخطيط ، قد يعتبر سبقاً إلى الموضوع وابتكاراً متقصداً لمفرداته ، وتأصيلاً متميزاً لمصطلحه ، مهما كان التعبير عنه متفاوتاً في الصيغ الإدائية لقد ذهب جملة من علمائنا القدامى إلى وجود مناسبة طبيعية بين اللفظ ومدلوله ، فالألفاظ عندهم لم تنفصل عن دلالاتها الصوتية في كثير من الأحيان ، كما لم تتخل عن المعاني الدالة عليها نقدياً وبلاغياً ولغوياً في شتى الوجوه المرتبطة بها عند الإطلاق (1) .
إن هذه المدرسة المتفوقة الأدراك لم تتأصل فجأة ، ولم تتبلور معطياتها الجمالية بغتة ، وإنما عركها الزمن في تطوره من خلال الأخذ والرد وتقلب أيدي الفطاحل من العلماء الناقدين ، فأتت مختمرة الأبعاد وإن عبر عنها بشكل وآخر، إلا أننا نرصدها هنا وهناك بعد جهد وعناء ، حتى تتكامل الرؤية الحقيقية لهذه المكنونات المجتزأة في إشارة عابرة حيناً ، وفي إفادة عامة حيناً آخر ، وبين طيّات تلك الكتب التي يصور هدفها الأولي مراداً معيناً قد يختلف عما نحن بصدد إبرازه إلى العيان ، وليس اكتشاف هذه الشذرات أمراً هيناً . ولكنه بطبيعة البحث العلمي عناء متراكم تتولد عنه
____________
(1) ظ . المؤلف ، نظرية النقد العربي في ثلاثة محاور متطورة ، قضية اللفظ والمعنى .
________________________________________
( 28 )







راحة تامة إذا حقق أصلاً تراثياً أو مجداً فنياً تعقبهما النتائج الرصينة ، ولا أدعي هذا للبحث ، فقد يحدث وقد لا يحدث ، ولكني أشير إليه باستقراء محدود قد يفتح الطريق أمام الباحثين ، لأنه سمات إلى الركب الصاعد ، ومؤشرات في مسيرته كما سنرى .
1ـ لا شك أن الخليل بن أحمد الفراهيدي ( ت : 175هـ ) قد أفاد الدارسين العرب في مباحث معجمه الأصيل ( العين ) (1) حين بحث في تراكيب الكلمات من مواردها الأولية في الجذر البنيوي ، الحرفي ، ومن ثم تقسيمه على ما يحتمله من ألفاظ مستعملة ، وأخرى مهملة لدى تقلب الحرف في التركيب لتعود ألفاظاً بداية ونهاية طرداً وعكساً ، ومن ثم إيجاد القدر الجامع بين المستعمل منها في الدلالة . والمهمل دون استعمال .
وقد كان الخليل هو الرائد الأول لهذا الباب دون الخوض في التفصيلات المضنية للبحث الدلالي كما يفهم في لغة التحديث ، لأن مهمته كانت لغوية إحصائية ولكنها على كل حال تشير إلى دلالة الألفاظ كما يفهمها المعاصرون عن قصد أو غير قصد ، وهو إلى القصد أقرب وبه ألصق لما تميز به الخليل من عبقرية ولما اتسمت به بحوثه من أصالة وابتكار . وقد أفاد من ذلك كثيراً سيبويه ( ت : 180 هـ ) كما يتضح من استقراء الكتاب .
2ـ وهذا أبو عثمان الجاحظ ( ت : 255هـ ) وهو حينما يتحدث عن مناسبة الكلام لمقتضيات المقام ، وهي حالة بلاغية ، إنما يتحدث عما يحدثه معنى اللفظ عند السامع من فهم لايتعدى فيه المتكلم حدود دلالة الألفاظ على المعاني لدى المتلقي فيقول : ـ ( ينبغي للمتلكم أن يعرف أقدار المعاني ويوازن بينها وبين أقدار المستمعين ، وبين أقدار الحالات فيجعل لكل طبقة من ذلك مقاماً حتى يقسم أقدار الكلام على أقدار المعاني ،

____________
(1) حقق الدكتور عبد الله درويش عميد كلية دار العلوم في جامعة القاهرة ما عثر عليه من كتاب العين وطبعه ومن ثم قام الأستاذان الدكتور مهدي المخزومي والدكتور إبراهيم السامرائي بتحقيقه كما تركه مؤلفه وقامت وزارة الثقافة والإعلام في العراق بطبعه طباعة أنيقة في ثمانية أجزاء .
________________________________________
( 29 )

ويقسم المعاني على أقدار المقامات ، وأقدار المستمعين على أقدار تلك الحالات )(1).
وهو بهذا يريد أن يتحدث عن الدلالة في ابعادها المخصصة لها فلا تتعدى حدودها ولا تتجاوز مفهومها ، وإن ربط بينها وبين عقلية المتلقي في مطابقة المقال لمقتضى الحال كما يقول البلاغيون ، أو مطابقة الكلام لمناسبة المقام .
3ـ وأبو الفتح ، عثمان بن جني ( ت : 392 هـ ) يعود بدلالة الألفاظ عند اختراعها وابتكارها وموضعتها إلى أصول حسية باديء ذي بدء حين تكلم عن ذلك .
وذهب بعضهم إلى أن أصل اللغات كلها إنما هو من الأصوات المسموعات كدوي الريح ، وحنين الرعد ، وخرير الماء ، وشحيج الحمار، ونعيق الغراب ، وصهيل الفرس ، ونزيب الظبي ، ونحو ذلك ، ثم ولدت اللغات عن ذلك فيما بعد .
« وهذا عندي وجه صالح ، ومذهب متقبل » (2).
وكما ربط ابن جني بين الحس والأصداء والأصوات والانفعالات وبين ابتكار الألفاظ في أصولها الأولى ، وترجيحه للرأي القائل بهذا على أساس تأثر الاستخراج النطقي بهذه المداليل الصوتية ، فتكونت الكلمات ، وتراصفت الألفاظ شدة وانطباقاً ورخاوة ، فقد ربط بين استقرار هذه الألفاظ ، وتمام فائدة الصوت الذي قد يكون مهملاً ، وقد يكون مستعملاً ، وعقد لذلك مقارنة دقيقة في استكناه الفروق المميزة بين الكلام والقول وإن هذا له دلالة وذلك له دلالة ، وذلك أول مباحث علم دلالة الألفاظ في صيغتها الاصطلاحية السليمة .
يقو ابن جني في هذا الملحظ : ـ ( ومن أدل الدليل على الفرق بين الكلام والقول : إجماع الناس على أن يقولوا : القرآن قول الله ، وذلك إن
____________
(1) الجاحظ البيان والتبيين : 1/139 .
(2) ابن جني ، الخصائص : 1/46- 47 .
________________________________________
( 30 )





هذا موضع ضيق متحجر لا يمكن تحريفه ، ولا يسوغ تبديله شيء ، فعبر لذلك عنه بالكلام الذي لا يكون إلا أصواتاً تامة مفيدة ، وعدل به عن القول الذي قد يكون أصواتاً غير مفيده ، وآراء معتقدة (1) .
وفي الملحظ نفسه نجده يتلمس المناسبة بين كلمتي المسك والصوار (2) .
ويستمر ابن جني في المنظور التطبيقي لدلالة الألفاظ فيستنبط العلاقة الدلالية لمادة (جبر) بكل تفريعاتها المتناثرة كالجبر والجبروت والمجرب ، والجراب .
فيجد في قوتها وصلابتها وقسوتها وشدتها معنىً عاماً مشتركاً بين مفرداتها تجمعه القوة والصلابة والتماسك (3).
ولا يكتفي بذلك حتى يعقد في كتابه المذكور فصلاً بعنوان ( تصاقب الألفاظ لتصاقب المعاني) وباباً آخر لمناسبة الألفاظ للمعاني ، وقال عنه : إنه موضع شريف لطيف ، وقد نبّه عليه الخليل(4).
وإليك هذا النص الدلالي كما يقومّه ابن جني : ـ
« فأما مقابلة الألفاظ بما يشكل أصواتها من الأحداث فباب عظيم واسع ، ونهج متلئب عند عارفيه مأموم ، وذلك أنهم كثيراً ما يجعلون أصوات الحروف على سمت الأحداث المعبر عنها فيعدلونها بها ، ويحتذونها عليها ، وذلك أكثر مما نقدّره ، وأضعاف ما نستشعره ، ومن ذلك قولهم خضم وقضم ، فالخضم لأكل الرطب ... والقضم لأكل اليابس » (5).
4ـ أما أحمد بن فارس ( ت: 395 هـ ) فيعد بحق صاحب نظرية في دلالة الألفاظ ، فكتابه مقاييس اللغة يعنى بالكشف عن الصلات القائمة بين

____________
(1) المصدر نفسه : 1/18 .
(2) المصدر نفسه : 507 .
(3) المصدر نفسه : 525 .
(4) ظ : للتفصيل في الموضوع : السيوطي ، المزهر : 47 وما بعدها .
(5) ابن جني ، الخصائص : 1/65 .
________________________________________
( 31 )


الألفاظ والمعاني في أكثر من وجه ، ويشير إلى تقلبات الجذور في الدلالة على المعاني ، ويستوحي الوجوه المشتركه في معاني جملة من الألفاظ . وكتابه :
(الصّاحبي في فقه اللغة ) ينطلق إلى الدلالة معه ، فيشير، إلى مرجعها ، ويحدده في ثلاثة محاور هي : المعنى ، والتفسير ، والتأويل . وهي وإن اختلفت فإن المقاصد منها متقاربة (1) .
ويشير بأصالة إلى دلالة المعاني في الأسماء باعتبارها سمات وعلامات دالة على المسميات (2).
ويتابع ابن فارس بتمرس عملية تنوّع الدلالات وأقسامها بالشكل الذي حدده المناطقة فيما بعد وتسالموا عليه (3).
والجدير بالذكر أن يبحث ابن فارس بكل يسر وسماح : دلالة تسمية الشيء الواحد بالأسماء المختلفة كالسيف والمهند والحسام وما بعده من الألقاب ويقرر مذهبه : أن كل صفة من هذه الصفات فمعناها غير معنى الأخرى وكذلك الحال بالنسبة للأفعال فيما يتوهّم من دلالتها على مدلول واحد وهو مختلف عنده نحو : مضى ، وذهب ، وانطلق ، وقعد وجلس ، وكذلك القول فيما سواه وبهذا نقول : ومن سنن العرب في المتضادين باسم واحد نحو : الجون للأسود والجون للأبيض ... ثم يعقب ذلك بدلالة الاسم الواحد للأشياء المختلفة ، ويعقد له باباً باسم (أجناس الكلام في الاتفاق والافتراق ) ، ويضرب لجميع ذلك الأمثلة ، ويخرج عن هذا بالأسماء المختلفة للشيء الواحد (4).
وفضلاً عما سبق نجد ابن فارس دقيق الملاحظة ، وحديد النظر ، فيما يستنبط من تآلف الأصوات وتكوينها للكلمات مسموعة أو مفهومة أو دالة

____________
(1) ابن فارس ، الصاحبي في فقه اللغة : 193.
(2) المصدر نفسه : 88 .
(3) ظ : المصدر نفسه : 98 .
(4) المصدر نفسه : 201 .
________________________________________
( 32 )

على معنى ، وذلك عنده شيء واحد متقارب في استنتاج الدلالة الخاصة بكل شكل ذي حروف مؤلفة . وفي هذا الصدد يقول : « زعم قوم أن الكلام ما سمع وفهم ، وذلك قولنا قام زيد وذهب عمرو ، وقال قوم : الكلام حروف مؤلفة دالة على معنى والقولان عندنا متقاربان لأن المسموع المفهوم لا يكاد يكون ألا بحروف مؤلفة تدل على معنى » (1) .
وقد يطول بنا الحديث لو أردنا استقراء نظرية ابن فارس في هذا المدرك الدلالي ، ومفهوم الدلالة عنده ، وما تقدم استعراض للمهم من توجهه الدلالي ، أما نظريته في جزء منها فقد لخصها مشكوراً بعض الدارسين العرب (2) .
5ـ والشريف الرضي ( ت : 406 هـ ) وهو الناقد الخبير والبلاغي المتنور الذي جمع رهافة الحس ودقة الملاحظة ، فقد جاء نقده تطبيقاً لموارد النقد ، وتحقيقه البلاغي تنظيراً لمظاهر البلاغة ، وهو تشخيصي النقد ، تطبيقي البلاغة ، و« تلخيص البيان » من أهم كتبه الريادية (3) وأعطف عليه « المجازات النبوية » (4) فهما الميدان الدلالي لهذا المنحى المتطور .
أما تعقيبه النقدي أو البلاغي أو اللغوي على مختاراته من كلام ورسائل وخطب ووصايا وحكم أمير المؤمنين الإمام علي ( عليه السلام ) المسمى « نهج البلاغة » (5) فيعد ـ بحق ـ من أبرز مصاديق النقد البلاغي التحليلي القائم على أساس استعمال العرب البياني في أمثلة ونماذج حيّة ارتفعت بالشريف الرضي إلى مستوى أساطين هذا الفن كما أوضحنا ذلك
____________
(1) ابن فارس ، الصاحبي في فقه اللغة .
(2) ظ : د . صبحي البستاني ، مفهوم الدلالة عند ابن فارس في كتابه الصاحبي ، بحث : الفكر العربي المعاصر آذار 1982 م .
(3) حققه في طبعة منقحة الأستاذ الدكتور محمد عبد الغني حسن ، دار إحياء الكتب العربية ، القاهرة ، 1955 م .
(4) علق عليه وطبعه الأستاذ محمود مصطفى مدرس الآداب بكلية اللغة العربية بالأزهر ، مطبعة مصطفى البابي ، القاهرة ، 1937 .
(5) شرحه عز الدين عبد الحميد بن أبي الحديد ( ت : 656هـ ) وحققه في عشرين مجلداً الأستاذ محمد أبو الفضل إبراهيم ، دار إحياء الكتب العربية ، القاهرة ، 1959م .
________________________________________
( 33 )

في مهرجان الشريف الرضي (1) .
وبين يدي الآن « المجازات النبوية » وهو حاشد بإفاضات الشريف الرضي الدلالية في المجاز والتشبيه والاستعارة والكناية وما تلاحظه فيه تجده في تلخيص البيان ، وكله نماذج صالحة للاستدلال ، وليس على سبيل الاختيار وأورد هذا المثال من شرح وإبانة الرضي في الحديث الشريف : ـ
« إيّاكم والمغمضات من الذنوب » .
فإنه يقف عند دلالة اللفظ ويقول : ـ
« المراد بالمغمضات هنا على ما فسره الثقات من العلماء : الذنوب العظام يركبها الرجل وهو يعرضها فكأنه يغمض عينيه تعاشياً عنها وهو يبصرها ، ويتناكرها اعتمادا وهو يعرفها ، وربما روي هذا الخبر بفتح الميم من المغمضات فيكون المراد به على هذا الوجه ضد المراد به على الوجه الأول لأن المغمضات بالكسر : الذنوب العظام ، والمغمضات بالفتح الذنوب الصغار ، ... وإنما سميت مغمضات لأن تدق وتخفى ، فيركبها الأنسان بضرب من الشبهة ولا يعلم أنه عاصٍ يفعلها » (2) .
فالرضي هنا أشار لدلالة اللفظ بلاغياً فاعتبره استعارة ونقدياً بقوله : « فكأنه يغمض عينيه تعاشياً عنها وهو يبصرها » ولغوياً فأعطى المعنى على جهة الأضداد في حالتي فتح الميم من ( مغمضات ) وكسرها ، وهو بذلك يعطي نظرة الدلالة عملياً .
وكذلك شأنه في جميع مختاراته من الحديث في الكتاب المذكور . والطريف عند الشريف الرضي في هذا المجال تداخل تطبيقاته لا في اختياراته فحسب ، بل فيما يجري مجراها ، ويتعلق بمضمونها ، فيحمله عليها ويعتبره منها ، وإن لم يقصد إليه أولاً وبالذات ، ولكنه تدافع الكلام ، وسبيل الاستشهاد المركز كما فعل عند قوله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : « كيف أنت إذا بقيت في

____________
(1) عقد في بغداد بمناسبة ذكراه الألفية (1406هـ ) من قبل وزارة الثقافة والإعلام في قاعة ابن النديم وقاعة المتحف العراقي للفترة : 6، 7/10/1985م .
(2) الشريف الرضي ، المجازات النبوية : 228 وما بعدها .
________________________________________
( 34 )

حثالة من الناس وقد مرجت عهودهم وأماناتهم ».
فهو يعقب عى ذلك شارحاً ومدللاً ومسوغاً ، لغة وبلاغة ونقداً فيقول : ـ
« أي لا يستقرون على عهد ولا يقيمون على عقد يصفهم عليه السلام بقلة الثبات وكثرة الانتقالات . وأراد أصحاب الأمانات والعهود وإن كان ظاهر اللفظ يتناولها وصريح الكلام يتعلق بها وذلك أيضاً من جملة المجازات المقصود بيانها في هذا الكتاب . والحثالة الرديء من كل شيء واصله ما يتهافت من نشارة التمر والشعير » (1) .
وهذا المنهج التطبيقي الذي اختطه الشريف الرضي لقي قبولاً عند جملة من علماء الدلالة العرب والمسلمين فسلكوا سبيله ومن بينهم أبو منصور ، عبد الملك بن محمد الثعالبي في جملة من إفادته في هذا الشأن كما سنرى .
6ـ فإذا وقفنا عند الثعالبي ، أبي منصور ( ت : 429هـ ) لمسنا منهج التنظير المتتابع متكاملاً لديه في التنقل بين حقول الألفاظ الدلالية ، فمن دلالة لغوية إلى أخرى مجازية ، إلى دلالة نقدية ، وهكذا تصاعدياً في لفظ يكاد يكون مترادفاً في دلالة ثابتة ، مترقياً بذلك في اللفظ في ترقيه بالدلالة من صيغة إلى صيغة ، وإن تغير جنس اللفظ إلى جنس من المعنى ، ولكنه مرتبط باللفظ الأول ، وهكذا يترتب ترتيباً دلالياً هذا اللفظ ليكون حقيقة أخرى ، بتدرجه في المنازل ، وتقلبه على المعاني شدة وضعفاً ، مما يعطي تصوراً فنياً بتبلور هذه الظاهرة الدلالية لديه ، وإن لم يستطع أن يعبر عنها بمستوى الاسطلاح والحدود والرسوم إلا أنه قد أدركها أدراكاً جيداً عند تناولها واضحة نقية عند التطبيق الدلالي المركزي .
وانظر إليه هنا وهو يفصل القول في هذا المنهج بحديثه عن مراتب الحب في الألفاظ المناسبة لكل حالة لها دلالة خاصة فيقول : ـ
« أول الحب الهوى ثم العلاقة : وهي الحب اللازم للقلب ثم

____________
(1) المصدر نفسه : 55.
________________________________________
( 35 )



الكلف : وهو شدة الحب ثم العشق : وهو اسم لما فضل عن المقدار الذي اسمه الحب ، ثم الشعف : وهو إحراق القلب مع لذة يجدها وكذلك اللوعة واللاعج : فإن تلك حرقة الهوى وهذا هو الهوى المحرق ثم الشغف : وهو أن يبلغ الحب شغاف القلب وهي جلدة دونه ، ثم الجوى : وهو الهوى الباطن ثم التيم : وهو أن يستعبده الحب ثم التبل : هو أن يسقمه الهوى ثم التدليه : وهو ذهاب العقل من الهوى ، ثم الهيوم : وهو أن يذهب على وجهه لغلبة الهوى عليه ، ومنه : رجل هائم » (1) .
أرأيت هذا العرض المتسلسل ، وهذه الدلالات المتفاوتة في هذا البيان الدقيق ، وكيف قد تتبع مسميات الحب بدلالته المنبعثة من حالاته المتمايزة ، وكيف قد كشف الزخم الدلالي لدى العربيّة في نموذج واحد .
7ـ فإذا جئنا إلى عبد القاهر الجرجاني ( ت: 471هـ ) ، وجدناه مخططاً عملياً للموضوع ، فهو حينما يتكلم عن الدلالة من خلال نظرية النظم لديه ، فإنما يتكلم عن الصيغة الفنية التي خلص إليها في شأن الدلالة ، يقول عبد القاهر :
« وجب أن يعلم مدلول اللفظ ليس هو وجود المعنى أو عدمه ، ولكن الحكم بوجود المعنى أو عدمه » (2).
فالألفاظ دالة على المعاني لا شك ، ولكن الحكم القطعي عقلياً بوجود المعاني التي تدل عليها الألفاظ هو الأمر المبحوث عنه وجوداً أو عدماً ، وكأنه بذلك يريد الفائدة المتوخاة عند إطلاق الألفاظ على المعاني المقصودة الثابتة لذلك فهو يعقب على هذا : « معنى اللفظ عندنا : هو الحكم بوجود المخبر به من المخبر عنه أو فيه إذا كان الخبر إثباتاً ، والحكم بعدمه ، إذا كان منفياً » (3) .
ومراده أن من شأن الجملة أن يتغير معناها بالبناء عليها عند الدلالة
____________
(1) الثعالبي ، فقه اللغة وأسرار العربية : 171 .
(2) عبد القاهر الجرجاني ، دلائل الإعجاز : 234 .
(3) المصدر نفسه : 336 .
________________________________________
( 36 )




في عملية الإسناد : المسند والمسند إليه فيما له مزية ، وما ليس له مزية عن طريق إثبات الدلالة في المعنى الأيجابي وإثبات الدلالة عن ذلك في المعنى السلبي لأن بهما إثبات معنى اللفظ ، وبه يتحقق أن كان مثبتاً ، وينفي ذلك المعنى عنه أن كان منفياً ، وهذا إنما يتحقق في طبيعة الأخبار ، لذلك يقول :
« اعلم أن معاني الكلام كلها معان لا تتصور إلا فيما بين شيئين ، والأصل الأول هو الخبر » (1) .
وإفادة عبد القاهر الجرجاني وأن كانت صعبة الاستدلال أو القبول في « دلائل الإعجاز » ولكنها واضحة ومتناسقة في « أسرار البلاغة » .
ودلالة الألفاظ لديه مرتبطة فيما تفيد من معنى عند التركيب ، وما يتصور جملياً عند اقترانهما فإذا راقك هذا المعنى دون ذاك ، فيعود ذلك إلى حسن التأليف ودقة التركيب ، والدليل لديه على ذلك : أنك لو فككتها ونثرتها متباعدة غير منتظمة فلا تحصل على الدلالة نفسها وهي مترابطة مركبة ، وهو في أسرار البلاغة يبدأ الحديث عن هذه الدلالة بكل وضوح وجلاء ، ويسيطر لإثباتها بكل يسر فيقول متسائلاً ومجيباً :
« كيف ينبغي أن يحكم في تفاضل الأقوال إذا أراد أن يقسم بينها حظوظها من الاستحسان ويعدل القسمة بصائب القسطاس والميزان ؟ ومن البيّن الجلي أن التباين في هذه الفضيلة والتباعد عنها إلى ماينافيها عن الرذيلة ، وليس مجرد اللفظ ، كيف والألفاظ لا تفيد حتى تؤلف ضرباً خاصاً من التأليف ... وفي ثبوت هذا الأصل ما تعلم به أن المعنى الذي كانت له هذه الكلم ... أعني الاختصاص في الترتيب ، وهذا الحكم يقع في الألفاظ قريباً على المعاني المترتبة في النفس المنتظمة فيها على قضية العقل ولن يتصور في الألفاظ وجوب تقديم وتأخير ، وتخصص في ترتيب وتنزيل ، وعلى ذلك وضعت المراتب والمنازل في الجمل المركبة ، وأقسام الكلام المدوّنة » (2) .

____________
(1) المصدر نفسه : 333 .
(2) عبد القاهر ، أسرار البلاغة : 3-4 .
________________________________________
( 37 )
فالدلالة عنده فيما انتظم فيه الكلام فدلت ألفاظه على معانيه جملياً كما هو رأينا في تمهيد هذا البحث .
أما القول بدلالة الألفاظ على الألفاظ أو هو من الألفاظ نفسها فلا توافق السديد من التنظير ، إلا من حيث جرس الألفاظ ، وقد بحث عبدالقاهر هذا « وأما رجوع الاستحسان إلى اللفظ من غير شرك المعنى فيه ، وكونه من أسبابه ودواعيه ، فلا يكاد يعد نمطاً واحداً وهو أن تكون اللفظة فيما يتعارفه الناس في استعمالهم ، ويتداولونه في زمانهم ، ولا يكون وحشياً غريباً أو عاميا سخيفاً ، فسخفه بإزالته عن موضوع اللغة وإخراجه عما فرضته من الحكم والصفة بأمر يرجع إلى المعنى دون مجرد اللفظ (1).
وما أفاده عبد القاهر هنا بالنسبة للألفاظ وحدها فهو يعود على دلالة الألفاظ أيضاً ، فيما يتعلق بالدلالة الهامشية التي بحثناها في عمل مستقل (2) .
ولا غرابة أن يربط عبد القاهر بين دلالة الألفاظ وعلم النفس في جملة من أضافته القيمة (3).
8 ـ ويرى ضياء الدين بن الأثير ( ت : 637 هـ ) : في الألفاظ مركبة دلالة مستنبطة هي غير دلالتها مجردة ، ويعطي بذلك رأياً تطبيقياً بعد حديثه عن الموضوع : « وأعجب ما في ذلك أن تكون الألفاظ المفردة التي تركبت منها المركبة واضحة كلها ، وإذا نظر إليها مع التركيب احتاجت إلى استنباط وتفسير ... وقد ورد عن النبي ( صل الله عليه وآله وسلم ) أنه قال : « صومكم يوم تصومون ، وفطركم يوم تفطرون ، وأضحاكم يوم تضحون » وهذا الكلام مفهومة مفردات ألفاظه ، لأن الصّوم والأضحى مفهوم كله وإذا سمع الخبر من غير فكرة قيل : علمنا أن صومنا يوم نصوم ، وفطرنا يوم نفطر ، وأضحانا يوم نضحي ، فما الذي أعلمنا به مما لم نعلم ؟

____________
(1)المصدر نفسه : 4-5 .
(2) ظ : المؤلف ، الصورة الفنية في المثل القرآني ، الدلالة الصوتية : 238-242 .
(3) ظ : عبد القاهر ، أسرار البلاغة : 5-8 .
________________________________________
( 38 )

وإذا أمعن الناظر فيه علم أن معناه يحتاج إلى استنباط ، والمراد به أنه إذا اجتمع الناس على أن أول شهر رمضان كذا يوم ، ولم يكن ذلك اليوم أوله فإن الصوم صحيح ، وأوله هوذلك اليوم الذي اجتمع الناس عليه ، وكذا يقال في يوم الفطر ويوم الأضحى ، ولهذا الخبر المشار إليه أشباه كثيرة ، تفهم معاني ألفاظها مفردة ، وأذا تركبت تحتاج في فهمها ألى استنباط » (1) .
ورأي ابن الأثير في التقرير والتنظير سليم ، وفي الشرح والأرادة مناقش مفهوماً وشرعاً ، إذ يرجع بذلك عادة إلى الفقهاء عندما يراد تقرير حكم من الأحكام ، إذ ما قيمة صيام يوم وهو ليس من رمضان عند الله وهو رمضان عند الناس ، وما أهمية عيد الناس وهو رمضان عند الله وأنى يحصل هذا الاجتماع المشار إليه . وهذا من عيوب ابن الأثير الذي تؤخذ عليه أن معتد بنفسه اعتداداً لا يحسد بل لا يحمد عليه ، وإن أحكامه قطعية غير قابلة للأخذ والرد ، وأنه لا يقلب الوجوه المحتملة للنص ، والأولى بالنسبة لهذا الخبر أن يفسر دلالة الألفاظ التي يستنبطها ابن الأثير بأحد وجهين أو بهما معاً لا من باب القطع بأن هذا هو مراد رسول الله ( صل الله عليه وآله وسلم ) ولكن من قبيل الانطباق ولا مانع أن يدل على معنى لم نهتد إليه ، والوجهان هما : ـ
أ ـ إنّ يوم صومكم وفطركم وأضحاكم ، إنما يتحدد بثبوت الهلال ولثبوته طرق شرعية معروفة لدى الفقهاء ، وهذا اليوم ثابت لكم أيها المسلمون إذا حصل فيه الشياع العام ، بحيث لا تحتاج رؤية الهلال إلى شهود إثبات ، فهو شائع وظاهر في السماء لا يختلف به اثنان وبذلك يكون واقعياً لتواتر القول من قبل الصغير والكبير والقريب والبعيد بوجود الهلال في السماء دون ريب . هذا إذا كان المراد هو الحديث عن هذه النقطة دون غيرها ، أما إذا كان الحديث إرشادياً عبادياً تربوياً فقد يراد به المعنى العرفاني الذي يغلب على الظن إرادته من قبل المنقذ الأعظم لأنه واقعي الدلالة وإنساني الإرادة وهو الوجه التالي : ـ
____________
(1) ابن الأثير ، المثل السائر : 1/116 وما بعدها .
________________________________________
( 39 )



ب ـ إنّ صومكم أيها المسلمون ، عبارة عن أيام معدودات ، وفيه المتقبل غير المتقبل ، وفيه الخالص وفيه المشوّب ، وفيه الامتناع عما يسخط الله ، والله عزّ وجلّ يريد لهذه الأيام أن تكون متتابعة في القبول ، ومتاوقة بالرضا ، فيوم صومكم يوم تصومون واقعاً بشرط الصيام وشروطه ، صيام الجوارح والأعضاء والأجهزة كافة ، عن النظر المحرم والغيبة والنميمة والكذب والسعي في غير طاعة الله مضافاً إليه الأكل والشرب من الفجر إلى الغسق ، فيكون حينئذٍ خالصاً لله دون رياء أو دجل أو جهل أو إغماض ، وإن فطركم يوم تفطرون ، مغفوراً ذنوبكم ، ومتجاوزاً عن سيئاتكم ، ومقبولاً ما مضى من صيامكم ، ومباركاً عليكم في الأجر والثواب والإنابة وإن لم يتحقق ذلك فليس لكم يوم فطر بالمعنى الدقيق وإن فطرتم ، لأن يوم تفطرون هو ذلك اليوم الذي يكون للمسلمين عيداً ولمحمدٍ وآله ذخراً وشرفاً ومزيداً ولا يكون ذلك إلا مع الصوم المتقبل ، والعيد الذي يأمن به المسلمون الوعيد .
وإن أضحاكم يوم تضحون ، وقد تكاملت مناسك الحج على سنتها وتعاقبت على فروضها ، فعاد حجكم مبروراً ، وسعيكم مشكوراً ، و ذنبكم مغفوراً ، لأداء هذا الفرض بموازينه ودقائقه فذلك هو اليوم الواقعي لأضحاكم ، لانسلاخكم فيه عن الخطايا كما سلخت الأضاحي وكل هذا مما تنهض به دلالة الألفاظ ونحن نتدارس هذا النص في ضوء معطياتها البلاغية والنقدية واللغوية .
وفي دلالة الألفاظ على معانيها مسبوكة ، يشير ابن الأثير إلى موقع اللفظ من النظم وإلى أهمية النظم في تقويم دلالة اللفظ فيقول : « بل أريد أن تكون الألفاظ مسبوكة سبكاً غريباً ، يظن السامع أنها غير ما في أيدي ألناس وهي مما في ايدي الناس » (1).
ويريد بالسبك الغريب هنا كما هو واضح من دلالة اللفظ ، السبك الطريف ، لا الإيغال الوحشي .
____________
(1) ابن الأثير ، المثل السائر : 1/122 .
________________________________________
( 40 )




ومع ذلك فهو لا يهمل المعاني حينما يؤكد على الألفاظ بل يريد دلالتها متوازنة متسقة فيقول : « ومع هذا فلا تظن أني أردت إهمال جانب المعاني بحيث يؤتى باللفظ الموصوف بصفات الحسن والملاحة ، كان كصورة حسنة بديعة في حسنها إلا أن صاحبها بليد أحمق ، والمراد أن تكون هذه الألفاظ المشار إليها حسماً لمعنى شريف » (1) .
ويؤكد ابن الأثير على المعنى الدلالي بمنظور يقابل المنظور السابق فيقول عند حديثه عن الإيجاز : « والنظر فيه إنما هو إلى المعاني لا إلى الألفاظ ، بحيث تعرى عن أوصافها الحسنة ، بل أعني أن مدار النظر في هذا النوع ، إنما يختص بالمعاني فربّ لفظ قليل يدل على معنى كثير ورب لفظ كثير يدل على معنى قليل » (2).
والدقيق المضني عند ابن الأثير أن يعقد المقالة الأولى من كتابه « المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر » للصناعة اللفظية فيبحثها من جميع وجوهها : الشكلية والسمعية والبيانية ويقسم كل ذلك بدقة وشمولية واستيعاب إلى قسمين : ـ
القسم الأول في اللفظة المفردة والقسم الثاني في الألفاظ المركبة ويستغرق ذلك أكثر من مئتي صحيفة » (3).
وفي جميع هذه البحوث الطائلة نجده يبحث تفصيلات واسعة المداليل ، ولكنه لا ينسى نظريته في دلالة الألفاظ أو المعنى الدلالي عند التراكيب يقول : ـ
« واعلم أن تفاوت التفاضل يقع في تركيب الألفاظ أكثر مما يقع في مفرداتها لأن التركيب أعسر وأشق ألا ترى ألفاظ القرآن الكريم ـ من حيث انفرادها ـ يفوق جميع كلامهم ، ويعلو عليه ، وليس ذلك إلا لفضيلة التركيب » (4) .
____________
(1) المصدر نفسه : 1/123.
(2) المصدر نفسه : 2/265.
(3) المصدر نفسه : 1/210-416.
(4) المصدر نفسه : 1/213.
( 41 )






ولا يكتفي ابن الأثير بهذا العرض دون التنظير الدلالي ويختار لذلك قوله تعالى : ـ
( وقيل يآ أرض ابلعي مآءك ويا سمآء أقلعي وغيض المآء وقضي الأمر واستوت على الجوديّ وقيل بعدا لّلقوم الظّالمين * ) (1) .
ويعقب بقوله : « إنك لم تجد ما وجدته لهذه الألفاظ من المزية الظاهرة لا لأمر يرجع إلى تركيبها ، وإنه لم يعرض لها هذا الحسن إلا من حيث لاقت الأولى بالثانية ، والثالثة بالرابعة وكذلك إلى آخرها » (2).
ويتعرض لدلالة اللفظ الواحد في تركيبين مختلفين ، فتجد اللفظ مستكرهاً في تركيب ، وهو نفسه مستحسناً في تركيب آخر ويضرب لذلك مثالاً فيقول : ـ
« وسأضرب لك مثالاً يشهد بصحة ما ذكرته ، وهو أنه قد جاءت لفظة واحدة في آية من القرآن ، وبيت من الشعر ، فجاءت جزلة متينة في القرآن ، وفي الشعر ركيكة ضعيفة ، فأثّر التركيب فيها هذين الوصفين الضدين ، أما الآية فهي قوله تعالى : ـ
( فإذا طعمتم فانتشروا ولا مستئنسين لحديثٍ إنّ ذالكم كان يؤذي النبيّ فيستحي منكم والله لا يستحي من الحقّ ...) (3)
وأما بيت الشعر فهو قول أبي الطيب المتنبي (4) :
تلذ له المروءة وهي تؤذي * ومـن يعشق يلذ له الغرام

وهذا البيت من أبيات المعاني الشريفة إلا أن لفظة : « تؤذي » قد جاءت فيه وفي الآية من القرآن فحطت من قدر البيت لضعف تركيبها ، وحسن موقعها في تركيب الآية » (5).
____________
(1) سورة هود : 44 .
(2) ابن الأثير ، المثل السائر : 1/214 .
(3) سورة الأحزاب : 53 .
(4) المتنبي ، ديوان المتنبي : 4/75 .
(5) ابن الأثير ، المثل السائر : 1/214 .
________________________________________
( 42 )


والذي يؤخذ على ابن الأثير في هذا المقام وغيره من مواطن إفاضاته البلاغية والنقدية والدلالية هو نسبته جميع المفاهيم وإن سبق إليها من هو قبله وادعاؤه التنبيه عليها وإن نبه غيره ، ولا يعلل منه هذا إلا بعدم قراءة جهود السابقين ، وهو بعيد على شخصيته العلمية المتمرسة ، وأما ببخس الناس أشياءهم ، وهذا ما لا يحمد عليه عالم جليل مثله ، وإلا فقد رأيت قبل وريقات أن عبد القاهر قد خطط بل وجدد لما أبداه هنا ابن الأثير .
9ـ وهذا حازم القرطاجني ( ت : 684 هـ ) بكثرة إضاءته وتنويره في منهاج البلغاء ، نجده يؤكد الحقائق الدلالية السابقة لعصره ، وعنده أنها من المسلمات حتى أنه ليقارن بين دلالة المعاني والألفاظ ويعبر عنهما بصورة ذهنية ، وهو إنما يحقق في ذلك من أجل أن يتفرغ لإتمام اللفظ بالمعنى وإتمام المعنى باللفظ ، في تصور جملي متتابع ، فيقول : ـ
« إن المعاني هي الصور الحاصلة في الأذهان عن الأشياء الموجودة في الأعيان . فكل شيء له وجود خارج الذهن وأنه إذا أدرك حصلت له صورة في الذهن تطابق لما أدرك منه ، فإذا عبر عن تلك الصورة الذهنية الحاصلة عن الإدراك ، أقام اللفظ المعبر به هيئة تلك الصورة في أفهام السامعين وأذهانهم » (1) .
فهو يرى تشخيص اللفظ للصورة الذهنية عند إدراكها بما يحقق الدلالة المركزية التي يتعارف عليها الاجتماع اللغوي ، أو العرف التبادري العام بما يسمى الآن الدلالة الاجتماعية ، اللغوية ، المركزية ، وهي تسميات لمسمى واحد .
10 ـ ونجد السيوطي ( ت : 911 هـ ) وهو كثير النقل عمن سبقه ، وكتاباته لا تعبر عن جهده الشخصي في الاستنتاج بل قد تعبر عن جهده الشخصي في الاختيار ، وله في هذا الاختيار مذاهب ومذاهب ، قد ينسب بعضها إلى أهلها وقد يحشر بعضها في جملة آرائه ، وقد ينقلها نقلاً حرفياً ،
____________
(1) حازم القرطاجني ، منهاج البلغاء : 18 .
________________________________________
( 43 )




ولكنك تظنها له ، وهو في هذا المجال كذلك ، نجده يتنقل هنا وهناك لاستقراء المناسبة القائمة بين اللفظ ومدلوله ، في مجالات شتى فيقول : ـ
« نقل أهل اصول الفقه عن عباد بن سليمان الصيمري من المعتزلة أنه ذهب إلى أن بين اللفظ ومدلوله مناسبة طبيعية حاملة للواضع أن يضع وإلا لكان تخصيص الاسم المعين ترجيحاً من غير مرجح » (1).
وهذا رأي جملة من الأصوليين ، ولما كان ما يعنيه هو رأي اللغويين فإنه يدع الأصوليين إليهم ، فيبين وجهة نظرهم في هذه الحالة ومن ثم يعقد مقارنة بين الرأيين لاستجلاء الفروق بين الأمرين :
« وأما أهل اللغة والعربية فقد كانوا يطبقون على ثبوت المناسبة بين الألفاظ والمعاني ، ولكن الفرق بين مذهبهم ومذهب عباد ، أن عباداً يراها ذاتية موجبة بخلافهم » (2) .
وهو ينقل عمن يرى « أنه يعرف مناسبة الألفاظ لمعانيها ، ويربط بين دلالة الصوت والمعنى ، فسئل ما مسمى ( أدغاغ ) وهو بالفارسية الحجر ، فقال : أجد فيه يبساً شديداً أو أراه الحجر » (3) .
وقد يكون النقل لهذا التنظير مبالغاً فيه ، ولكن المهم في الموضوع أدراك المناسبة على المستوى النظري ، وأنها مفهومة ومفروغ عن إثباتها حتى أصبحت من الهضم لديهم أن يتلمسوا ذلك في لغات أخرى ... وما أثبتناه هنا عن السيوطي مستخرج من صحيفة واحدة فما ظنك باستقراء آرائه .
ومن الطريف أن ينتصر جاسبرسن ( 1860-1943م ) إلى آراء العلماء العرب القدامى في كشف الصلة بين الألفاظ ودلالتها واستنباط المناسبة بينهما إلا أنه حذر من المغالاة والاطراد في هذا الرأي إلا أنه يؤكد على جانب مهم من آرائهم فيما يتعلق بمصادر الأصوات فقد تسمى حركات
____________
(1) السيوطي ، المزهر في اللغة : 47 .
(2) المصدر نفسه : 47 .
(3) المصدر نفسه : 47 .
________________________________________
( 44 )


الإنسان بما ينبعث عنها من أصوات ، فيطلق صوت الشيء على الشيء نفسه (1).
ولما كان القرآن الكريم يمثل الذروة البيانية في الموروث البلاغي عند العرب ، يبتعد عن النمط الجاهلي في ألفاظه ويستقل استقلالاً تاماً في مداليله فلا أثر فيه لبيئة أو إقليمية أو زمنية ، فهو المحور الرئيس لدى البحث الدلالي باعتباره نصاً عربياً ذا طابع إعجازي وكتاباً إلاهياً ذا منطق عربي ، فقد توافرت فيه الدلائل والأمارات والبينات لتجلية هذا البحث والتنظير له تطبيقاً في لمح أبعاد الدلالة الفنية .
وليس في هذا التنظير إحصاء أو استقصاء ، فلذلك عمل مستقل به قيد البحث بعنوان : « دلالة الألفاظ في القرآن الكريم » ولكنه هنا على سبيل الأنموذج المتأصل لمبحث الدلالة ، كمقدمة للمبحث الأم ، وهو جزء ضئيل مما أفاده علماؤنا العرب ، فلا تطلبن مني التفصيل في موضوع مقتضب أو الأطناب في بحث موجز .
جاء هذا التنظير كشفاً لنظرية البحث الدلالي لا غير ، تدور حول محوره ، وتتفيّأ ظلاله ، وليست استقطاباً لما أورده القرآن العظيم في هذا المجال فهو متطاول ينهض بموضوع ضخم وحده .
____________
(1) إبراهيم أنيس ، دلالة الألفاظ : 68 وما بعدها .
________________________________________
( 45 )

















الفصل الثالث
تطبيقات البحث الدلالي في القرآن الكريم

________________________________________
( 46 )

________________________________________
( 47 )

وفي ضوء ما تقدم من كشف وممارسة ، فقد لمسنا في مجموعة التركيبة اللفظية للقرآن الكريم لغة اجتماعية ذات طابع دلالي خاص ، تستمد نشاطها البنائي من بنيات بلاغية متجانسة حتى عادت لغة مسيطرة في عمقها الدلالي لدى عامة الناس في الفهم الأولي ، وعند خاصة العلماء في المعاني الثانوية ، وتوافر حضورها في الذهن العربي المجرد حضوراً تكاملياً ، بعيداً عن الإبهام ، والغموض والمعميات ولا مجال للألغاز في تصرفاتها ولا أرضية للمخلّفات الجاهلية في ثروتها ، تبتعد عن الوحشي الغريب ، وتقترب من السهل الممتنع ذلك من خلال التعامل اللغوي الموجه للفرد والأمة مما فرز حالة حضارية متميزة تعنى بالجهد الفني تلبية للحاجة الإنسانية الضرورية في التقاء الفكر بالواقع واللغة بالعاطفة والشكل بالمحتوى دون تعقيد ثقافي يجر إلى تكوينات متنافرة .
وعلى الرغم من توقف جملة من علمائنا الأوائل عن الخوض في حديث المداليل في القرآن الكريم ، فإن القرآن يبقى ذا دلالة أصلية ، وما معاملتهم له إلا دليل تورع وتحرج عن الفتوى بغير مراد الدلالة حتى وإن أدركوها إجمالاً .
كان الأصمعي ـ وهو إمام أهل اللغة ـ لا يفسر شيئاً من غريب القرآن وحكي عنه أنه سئل عن قوله سبحانه : ( قد شغفها حبّاً ... )(1) فسكت و قال : هذا في القرآن ثم ذكر قولاً لبعض العرب في جاريةٍ لقوم أرادوا بيعها :
____________
(1) سورة يوسف : 30 .
________________________________________
( 48 )

أتبعونها ، وهي لكم شغاف ولم يزد على ذلك ، أو نحو من هذا الكلام » (1).
ولو تجاوزنا حدود العلماء والنقاد العرب ، إلى القادة والسلف الصالح لوجدنا الأمر متميزاً في احترام النص القرآني ، ومحاطاً بهالة متألقة من التقديس ، فلقد قال الإمام علي عليه السلام مجاهراً : « وكتاب الله بين أظهركم ناطق لا يعيا لسانه وبيت لا تهدم أركانه ، وعز لا تهزم أعوانه » (2).
وهو تعبير حي عن حماية القرآن وصيانته ، وتبيان لحجج القرآن ودلالته .
وقد كان عمر بن الخطاب ( رضي الله عنه ) ـ وهو من الفصاحة في ذروة السنام والغارب ـ يقرأ قوله عزّ وجلّ : ( وفاكهةً وأبّا (31) ) (3) فلا يعرفه فيراجع نفسه ويقول : ما الأب ؟ ثم يقول : إن هذا تكلف منك يا ابن الخطاب » (4).
وكان ابن عباس رحمه الله وهو ترجمان القرآن و وارث علمه يقول : لا أعرف حناناً ولا غسلين ولا الرقيم (5).
ولا يعني التحرج في كشف الدلالة القرأنية عدم وضوح الرؤية ، أو انعدام المراد بل على العكس أحياناً ، فقد أجمع النقاد على سلامة النظم القرآني ، وتواضعوا على إعجازه ، بل اعتبروا استعمال القرآن لأفصح الألفاظ بأحسن المواقع متضمنة أسلم المعاني وأعلى الوجوه دلالة ، من مخائل الإعجاز القرآن ، حتى أوضح الخطابي ( ت : 388 هـ ) هذا العلم بقوله : « واعلم أن القرآن إنما صار معجزاً لأنه جاء بأفصح الألفاظ في أحسن نظوم التأليف متضمناً أصح المعاني » (6).
____________
(1) الخطابي ، بيان إعجاز القرآن : 34.
(2) ظ : ابن أبي الحديد ، شرح نهج البلاغة : 8/273.
(3) سورة عبس : 31.
(4) الخطابي ، بيان إعجاز القرآن : 36.
(5) المصدر نفسه : 36.
(6) المصدر نفسه : 27.
________________________________________
( 49 )


وقد اعتبر الخطابي نفسه اختيار اللفظ المناسب للموقع المناسب عمود البلاغة القرآنية فقال : الصفات هو وضع كل نوع من الألفاظ التي تشتمل عليها فصول الكلام موضعه الأخص الأشكل به الذي إذا أبدل مكانه غيره جاء منه : أما تبدل المعنى الذي يكون منه فساد الكلام ، وأما ذهاب الرونق الذي يكون معه سقوط البلاغة وذلك أن في الكلام ألفاظاً متقاربة في المعاني ، يحسب أكثر الناس أنها متساوية في إفادة بيان مراد الخطاب كالعلم والمعرفة ، والحمد والشكر ، وبلى ونعم ، وذلك وذاك ، ومن وعن ، ونحوهما من الأسماء والأفعال والحروف والصفات مما سنذكر تفصيله فيما بعد ، والأمر فيها وفي ترتيبها عند علماء أهل اللغة بخلاف ذلك ، لأن كل لفظة منها خاصية تتميز بها عن صاحبتها في بعض معانيها ، وإن كانا قد يشركان في بعضهما » (1).
واستناداً إلى هذا المفهوم الدقيق في المتميز بين دلالة لفظ ولفظ ، وفروق قول عن قول ، فإننا نشير هنا على سبيل الأنموذج التمييز في القرآن إلى ثلاث خصائص مهمة في الدلالة تتجلى في ثلاث ظواهر بيّنة :
الظاهرة الأولى :
إن اختيار القرآن للألفاظ في دلالتها إنما جاء متناسقاً مع مقتضيات الحال وطبيعة المناسبة وقد يكون ذلك التناسق صادراً لجهات متعددة تؤخذ بعين الاعتبار لدى تجديد القرآن لمراد الاستعمال في الحالات الوصفية والتشبيهية والتمثيلية والتقديرية مما نستطيع التنظير له بما يلي :
أ ـ ما أراد به القرآن صيغة معينة لحالة معينة تستوعب غيرها ولا يستوعبها غيرها ، فإنه يعمد إلى اختيار اللفظ الدقيق لهذه الغاية فيتبناه دون سواه من الألفاظ المقاربة أو الموافقة أو الدارجة كما في قوله تعالى : ( والّذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظّمئان مآءً حتّى إذا جآءه لم يجده شيئاً ووجد الله عنده فوفّاه حسابه والله سريع الحساب * ) (2).
____________
(1) الخطابي ، بيان إعجاز القرآن : 29 .
(2) سورة النور : 39 .
________________________________________
( 50 )


وقد يسد غيرها في معنى دلالي متميز ، فالله تعالى أراد الظمآن بكل ما تحمله الكلمة في تضاعيفها الأولية والثانوية من دلالات خاصة بها فلا تسد مسدها ـ مثلاً ـ كلمة الرائي ، لأنّ الرائي قد يرى السراب من بعيد وهو ليس بحاجة إليه ، فلا يتكلف إلا الخداع البصري أما الظمآن فإنه يكد ويكدح ويناضل من أجل الوصول إلى الماء حتى إذا وصل إليه وإذا بما حسبه ماءً قد وجده سراباً ، فكانت الحسرة أعظم والحاجة أشد ولم يبرد غليلاً ، ولم يدرك أملاً .
قال أبو هلال العسكري ( ت : 395 تقريباً ) : « فلو قال يحسبه الرائي ماءً لم يقع قوله ( الظمآن ) لأن الظمآن أشد فاقة إليه وأعظم حرصاً عليه (1) .
ب ـ وما أراد به القرآن الاتساع المترامي ، فإنه يختار له الألفاظ الدالة على هذا الاتساع بكل شمولية واستيعاب فحينما نتدارس بإجلال قوله تعالى :
( وما من دابّة في الأرض إلاّ على الله رزقها ويعلم مستقرّها ومستودعها كل في كتاب مبين * ) (2).
فسنجد عمومية الألفاظ وشموليتها مما يتناسب مع عمومية المعاني وتطاولها ، ويتواكب مع استقرار كل الجزئيات وعدم تناهيها ، وذلك من أعاجيب القرآن وطرائفه ، وهذه الألفاظ في هذه الآية هي : دابة ، الأرض ، الله ، رزقها ، مستقرها ، مستودعها ، كل ، كتاب .
هذه الألفاظ في تراصفها وتقاطرها تفيد عموماً لا خصوص معه وتتجه نحو الإطلاق فلا تقييد ، كما سنرى في هذا العرض : ـ
الدابة تستوعب مجموعة عامة مركبة من خلق الله مما دبّ وهب ودرج من الانس والجن والطير والأنعام والوحوش والهوام وكائنات لا نعرفها ، ومخلوقات لا نتصورها ، أرأيت عمومية وشمولية كهذا في دلالة لفظ واحد عليه مع عدم إمكان حصر ملايين النسمات في ضوئه .
والأرض هذه الكرة الفسيحة بجبالها ووهادها ومفاوزها وأشجارها
____________
(1) العسكري ، كتاب الصناعتين : 246.
(2) سورة هود : 6 .
________________________________________
( 51 )


وأنهارها وآبارها ، داخلها وخارجها ، ظاهرها وباطنها كلها عوالم مترامية الأطراف واسمها الأرض ، هذا اللفظ البسيط الساذج المتداول ، ولكنها بقاع العالم وأصقاع الدنيا ومحيطات الكون .
ولفظ الجلالة في إشارته لذاته القدسية التي لا تحد بزمان ولا مكان ، ولا تنظر بأين أو كم أو كيف ، ولا تمثل بجسم أو كائن أو تشخيص يتناهى لله كل متناه ، ولا يدركه نظر أو بعد ولا يسمو إليه فكر أو عقل ، دال على ذاته بذاته ، ومتعالٍ عن سائر مخلوقاته .
والرزق بمختلف اصنافه ، وعلى كثرة سبله وطرقه عام لا خاص ، ومطلق لا مقيد في الملبوس والمأكول والمشروب والمدّخر والمقتنى ، بل في الأولاد إن كانت من الرزق ، والصحة أعظم هبة ومنحة يهبها الله تعالى لعباده فهي من الرزق الحسن العظيم ولا نريد تحديد اللفظ وتصنيفه ، أو توسيعه وتحميله ما لا يتسع إليه ، ولكن جميع هذا الرزق على فضفاضيته في حرز متكامل ، ونظام دقيق يشمل هذه الكائنات المتعددة بحسب احتياجاتها المتكاثرة ، وشؤونها المتنوعة غير المحصورة إلى كل هذه الخلائق يصل هذا الرزق وهو مكفول لكل نسمة حسب حاجتها على ما توجبه الحكمة العليا وتقتضيه مصلحة العباد في تفاوت أو تقدير ، وسعة إملاء من أجل تنظيم مسيرة العالم في استدرار المعايش وتحقيق معنى الاستخلاف على الأرض .
والمستقر بالنسبة لهذا الكائنات قد يراد به موضع القرار أو حيث تأوي إليه من الأرض أو مايستقر عليه عملها واللفظ عام ولا مانع من إرادة هذه المعاني كافة ، بل ومفاهيمها عامة .
والمستودع بالنسبة للكائنات ذاتها ، قد يراد به الموضع الذي أودعها الله فيه وهو أصلاب الآباء وأرحام الأمهات أو هو مستودعها الأخير حين تموت ، فتموت لتبعث أو ما يؤول أليه مصيرها نتيجة عملها ، واللفظ عام ، ولا مانع من استيعابه هذه المعاني(1).
____________
(1)ظ : في كلمتي : مستقر ومستودع ، الطبرسي ، مجمع البيان : 3/144 .
________________________________________
( 52 )


وكل لفظ يدل على العموم بل هو من أدوات العموم ليتساوى المعنى العام مع اللفظ العام .
والكاتب جامع مانع في إحصائية استقصائية لأعمال الخلائق وتصريف شؤونها ، وهو اللوح المحفوظ الذي لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها .
إن آية واحدة من كتاب الله ترتفع بنا إلى المستوى الدلالي المتطور في جملة ألفاظها ، فكيف بسورة منه يا ترى وأين موقعنا من آياته وسوره كافة .
حـ ـ وما أراد به الإيحاء الخاص الكامن وراء دلالة اللفظ فإنه يختار بذاته لتلك الدلالة بذلك الإيحاء ولو دققت النظر في استعمال لفظ « زرتم » في سورة التكاثر ( حتّى زرتم المقابر * ) (1) لتبين لنا أن القرآن لم يستعمل الزيارة إلا في هذه الأية وإنه استعمل مادتها في آيات أخر ، وهذا الاستعمال يوحي بدلالة حسبة قد لا ينبئ عنها ظاهر اللفظ ، ومركزي المعنى بقدر ما يصوره إيحائي التعبير الدقيق ، ويبدو أن أعرابياً مرهف الحس قد التفت إلى هذا الملحظ الشاخص فقال حينما سمع الآية على فطرته الصحراوية ، وبوحي من بداوته الصافية قال : ـ
« بعث القوم للقيامة ورب الكعبة فإن الزائر منصرف لا مقيم »(2)، لقد وضع هذا الإعرابي يده على حسّ بلاغي عميق ، أدرك فلسفة تخير هذا اللفظ دون سواه ، بعيداً عن الفهم التقليدي والوعي القاصر في ترددات الناس بصورة الزيارة وكيفيتها ومؤداها لأنه في استعمال الزيارة عدة احتمالات فقد يأتي بمعنى الموت وقد يعبر عن الموت بالزيارة ، وقد يراد غير هذا وذاك ، في إيحاء باهر جديد يضع القرآن له أصلاً مبتكراً في عالمي النقد الأدبي والبيان العربي .
تقول الدكتورة عائشة عبد الرحمن في هذا المقام : ـ
____________
(1) سورة التكاثر : 2 .
(2) أبو حيان ، البحر المحيط : 8/507 .
________________________________________
( 53 )




« وفي التعبير عن الموت بالزيارة ملحظ بياني بالغ القوة فاستعمال الزيارة بهذا المعنى صريح الإيحاء بأن الإقامة في القبر ليست إقامة دائمة ، وإنما نحن فيها زائرون ، وسوف تنتهي الزيارة حتماً إلى بعث وحساب وجزاء ، وهذا الإيحاء ينفرد به لفظ « زرتم » دون غيره ، فلا يمكن أن يؤديه لفظ آخر كأن قال : « قبرتم أو سكنتم المقابر ، أو انتهيتم إليها ، أو أقمتم بها ألى غير ذلك من ألفاظ تشترك كلها في الدلالة على ضجعة القبر ، ولكن يعوزها سر التعبير الدال على أنها زيارة ، أي إقامة موقتة ، يعقبها بعث ونشور » (1).
الظاهرة الثانية :
إن هذا الاختيار للألفاظ ذاتها ، بل الألفاظ منضمة إلى المعاني ، بحيث لا يتحقق المعنى المراد إلا بهذا اللفظ دون سواه ، بغض النظر عن الاعتبارات البديعة الأخرى فلا الألفاظ ذات أولوية على حساب المعاني ولا المعاني ذات أولوية على حساب الألفاظ .
القرآن الكريم فضلاً عن كونه نصاً إعجازياً لا طاقة لنا على إدراك خصائصه الفنية على الوجه الأكمل ، فإنه نص أدبي باهر تتوافر فيه سمات أرقى نص عربي وصل إلينا دون ريب . ومن هنا فإننا نختلف مع جملة من العلماء الذين يرون عناية القرآن بالألفاظ ناجمة عن العناية بأصناف البديع ، وفنون المحسنات اللفظية المتوافرة في القرآن ، ومع توافر هذه الفنون في القرآن فإنها غير مقصودة لذاتها ، وإنما جاءت بتناسقها ضرورة بيانية يقتضيها جمال القول ، وهذه الضرورة نفسها لم تكن متكلفة ولا ذات نزعة مفروضة كما هي الحال في الأسجاع المتناثره هنا وهناك في النثر العربي القديم ، فإنها أريدت في النصوص الأدبية هكذا ، سواء أحققت الغرض المعنوي أم لم تحققه إطلاقاً ، لأن المهمة في مثل هذه اللوحات مهمة لفظية فحسب حتى أنها لتثقل النص بمحسنات يزداد معها النص انصرافاً عن الديباجة والذائقة الفنية وتزداد معه النفس تبعاً لهذا الانصراف عزوفاً أو نفوراً .
____________
(1) بنت الشاطئ التفسير البياني للقرآن : 1/206 .
________________________________________
( 54 )

أما بالنسبة للقرآن العظيم فإن هذه الظاهرة مدفوعة أصلاً إذا ليس في القرآن مهمة لفظية على وجه ، ومهمة معنوية على وجه آخر بل هما مقترنان معاً في أداء المراد من كلامه تعالى دون النظر إلى جزء على حساب جزء غيره ، فالتصور فيه دفعي جملي مرة واحدة دون تردد أو إمهال ، وحسبك ما تشاهده في جميع أصناف المحسنات البديعية الواردة في القرآن ، وفي طليعتها السجع وانتظام الفواصل وتوافقها دليلاً على صحة هذا الرأي ، وطبيعي أن نهاية الفقرات والسجع في النثر العربي ، تقابله الفواصل في القرآن الكريم وهي تسمية اختيارها جهابذة الفن ، وعلماء الصناعة تكريماً للقرآن عن مقايسته بسواه .
إذن هذه الفواصل على تقاطرها وتواردها في النصوص القرآنية وقد يرتفع بعضها إلى سور متكاملة لا سيّما القصار كالإخلاص ، والقدر ، والناس ، والعصر ، والكوثر ... الخ .
وهناك سور متوسطة الطول والقصر وقد تناوبها السجع من أولها إلى آخرها كما هي الحال ـ على سبيل الأنموذج في سورة الأعلى .
إن هذه السورة ولنتبرك بذكرها كاملةً : ـ
« بسم الله الرحمن الرحيم »

( سبّح اسم ربّك الأعلى * الذي خلق فسوّى * والّذي قدّر فهدى * والذي أخرج المرعى * فجعله غثاءً أحوى * سنقرئك فلا تنسى * إلاّ ما شآء الله إنه يعلم الجهر وما يخفى * ونيسرك لليسرى * فذكر إن نفعت الذكرى * سيذكر من يخشى * ويتجنبها الأشقى * الذي يصلى النار الكبرى * ثم لا يموت فيها ولا يحيى * قد أفلح من تزكى * وذكر اسم ربه فصلى * بل تؤثرون الحياة الدنيا * والأخرة خير و أبقى * إنّ هذا لفي الصحف الأولى * صحف إبراهيم وموسى * ) » .
مما وقف عنده العرب موقف المتحير المتعجب بوقت واحد فهي على وتيرة واحدة في فاصلة متساوية تختتم بالألف ، ومن أولها إلى نهايتها ، ولو شئت أن تغير أية كلمة من هذه الفواصل ، وتضع ما يلائمها بدلها في سبيل تغيير صيغة الفاصلة لما استطعت أن تحقق الدلالة اللفظية
________________________________________
( 55 )

التي حققها القرآن الكريم ، وما يقال في جميع السور والآيات الأخرى ، وبالنسبة للصنوف البديعة كافة .
وهنا ـ ونحن في هذا السياق ـ أود أن أشير إلى صيغة تنسجم مع هذا العرف الذي نتحدث عنه بإيجاز ، هذه الصّيغة هي كلمة » المقابر « في قوله تعالى : ( الهاكم التكاثر * حتّى زرتم المقابر * ) (1) كلا سوف تعلمون * ثم كلا سوف تعلمون * ) (2)، فإذا جاز له الانتقال بها جاز له الانتقال فيما قبلها مباشرة كما هو ظاهر ، بل إن هذا اللفظ « المقابر » يفرض نفسه فرضاً قاطعاً ، وذلك أن هذا الأنسان المتناسي الطاغي المتكاثر بأمواله ولذاته ، وشهواته ، ومدخراته ، ونسائه ، وأولاده ، ودوره ، وقصوره وخدمه وحشمه ، وإداراته وشؤونه ، وهذا كله تكاثر قد يصحبه التفاخر ، والتنابز ، والتنافر ، إن هذا مما يناسبه « المقابر » وهي جمع مقبرة ، والمقبرة الواحدة لا سيّما المترامية الأطراف مرعبة هائلة . فإذا ضممنا مقبرة أخرى ومقبرة مثلها ازددنا إيحاشاً ورعباً وفزعاً ، فإذا أصبحت مقابر عديدة ، تضاعف الرعب والرهب ، إذن هذا التكاثر الشهواني في كل شيء ، يناسبه ويوافقه الجمع المليوني للقبور ، لتصبح مقابر لا قبوراً ولو قيل في غير القرآن بمساواة القبور للمقابر في الدلالة لما سد هذا الشاغر الدلالي شيء آخر من الألفاظ .
وتعقب الدكتورة بنت الشاطئ على هذا الإدراك فتقول : « وقد تجد الصيغة البلاغية في استعمال المقابر هنا مجرد ملائمة صوتية للتكاثر ، وقد يحس أهل هذه الصنعة ونحن معهم فيها ، نسق الأيقاع ، وانسجام النغم لكن أهذا كل ما في استعمال للفظ « المقابر » في آية التكاثر ؟ .
الذي أراه أن وراء هذا الملحظ البلاغي اللفظي ملحظاً بيانياً يتصل
____________
(1) سورة التكاثر : 1 ـ 2 .
(2) سورة التكاثر : 3 ـ 4 .
________________________________________
( 56 )





بالمعنى : فالمقابر جمع مقبرة ، وهي مجتمع القبور ... واستعمالها هنا ملائم معنوياً لهذا التكاثر ، دال على مصير ما يتكالب عليه المتكاثرون من متاع دنيوي فإن ...هناك حيث مجتمع القبور ومحتشد الرمم ومساكن الموتى على اختلاف أعمارهم ، وطبقاتهم ، ودرجاتهم ، وأزمنتهم ، وهذه الدلالة من السعة والعموم والشمول لا يمكن أن يقوم لفظ « القبور » بما هي جمع لقبر ، فبقدر ما بين قبر ومقبرة من تفاوت يتجلى إيثار البيان القرآني « المقابر » على « القبور » حين يتحدث عن غاية ما يتكاثر به المتكاثرون ، وحين بلغت إلى مصيره هذه الحشود من ناس يلهيهم تكاثرهم عن الاعتبار بتلكم المقابر التي هي مجتمع الموتى ومساكن الراحلين الفانين » (1) .
هذا العرض يكشف أن دلالة اللفظ لا تتحكم بها الفاصلة كما تحكمت بها المعاني الإضافية ، واقتضاها البعد البياني في استيعاب المراد من وجوهه المختلفة ، وجوانبه كافة ، وذلك من دلائل إعجاز القرآن ، في جمعه بين الصيغة الجمالية للشكل ، والدلالة الإيحائية في المعنى .
الظاهرة الثالثة :
إن اختيار هذه الألفاظ إنما اتّجه بالخطاب إلى سكان الأرض الذين يهمهم أمرها ليتعرفوا على ما فيها عقلياً ، ويتطلعوا إلى كشف أسرارها علمياً ، بحسب الذائقة الفطرية الخالصة التي تبدو بأدنى تأمل وتلبث وترصد ، وهنا نضع أيدينا على جملة من التعابير القرآنية بألفاظ لها دلالتها الهامشية إن لم نقل المركزية في كثير من الأبعاد النقدية والبلاغية زائداً العلمية :
أ ـ ففي قوله تعالى : ـ ( أفلا يرون أنًا نأتي الأرض ننقصها من أطرافهآ ... ) (2) .
يتجلى موقع « أطراف » « ننقصها » في التعبير ، ... فالأطراف توحي بنظرة شمولية لشكل الأرض ، و « ننقصها » توحي بفكرة آلية عن طبيعة
____________
(1) بنت الشاطئ ، التفسير البياني : 1/207 وما بعدها .
(2) سورة الأنبياء : 44 .

( 57 )


انتقاص الأطراف وهاتان حقيقتان علميتان بنظرية دحو القطبين وحركتهما يوضحهما قوله تعالى : ـ
( لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهآر وكل في فلك يسبحون * ) (1) .
ب ـ وفي قوله تعالى : ( والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمئان مآء حتّى إذا جآءه لم يجده شيئاً ووجد الله عنده فوفّاه حسابه والله سريع الحساب * ) (2) .
« ففي هذه الصورة الأخاذة يتجلى سطح الصحراء العربية المنبسطة ، والخداع الوهمي للسراب ، فنحن هنا أمام عناصر مجاز عربي النوع ، فأرض الصحراء وسماؤها قد طبعا عليه انعكاسهما ... حين نستخدم خداع السراب المغم ، لنؤكد بما تلقيه من خلال تبدد الوهم الهائل ، لدى إنسان مخدوع ، ينكشف في نهاية حياته غضب الله الشديد في موضوع السراب الكاذب ... سراب الحياة » (3)، فلفظ « سراب » استقطب مركزياً دلالته من خلال البيئة العربية المشاهدة المحسوسة ، وكما يتلاشى هذا السراب فجأة ، وينطفي تلألؤه بغتة ، فكذلك ما أمله هؤلاء الكافرون بأعمالهم الخادعة ، متماثلة معه في خداع البصر وانطماس الأثر ، فلو عطفنا دلالة « الظمآن » الإيحائية ، لوجدنا الظمآن في تطلبه للماء ، ووصوله إلى السراب يقضي حسرة أشد ، وفاقة أعظم ، وحاجة متواصلة ، ولكنه يصطدم بالحقيقة الكبرى وهي الله تعالى ، فيوفّيه حسابه ، دون معادلات معروفة ، فلا المراد حقق ، ولا الحياة استبقى ولا الثواب استقصى ، وإنما هي حسرات في حسرات .
حـ ـ ولو تتبعنا مآل هؤلاء الكافرين في خيبة أمالهم وخسران أعمالهم ، لو جدنا الصورة المتقابلة مع تلك الصورة بقوله تعالى : ـ
( أو كظلمات في بحر لجيّ يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب ظلمات
____________
(1) سورة يس : 14 .
(2) سورة النور : 39 .
(3) مالك بن نبي ، الظاهرة القرآنية : 355 .
________________________________________
( 58 )

بعضها فوق بعض إذا أخرج يده لم يكد يراها ومن لم يجعل الله له نوراً فما له من نور * ) (1)، ليتضح في التصوير القرآني عظم الدلالة من خلال هيأتين متقابلتين ونموذجين مختلفين ، فبعد أن أوضحت الصورة الفنية الأولى الشعاع الكاذب في السراب والالتماع الخلب في البيداء ، عقبت ذلك بنقيض الشعاع والالتماع وبعد تصوير الخيبة من الظفر بالسناء ، عقبته بالظلمات المتراكمة بعظها فوق بعض والفوقيات المتراكبة طبقاً عن طبق فهي ظلمات في بحر لا قعر له ، عميق غزير المياه ، تحوطه الأمواج المتدافعة ، والسحب الثقال ، والظلمات المتعاقبة في ثلاثة مظاهر من ظلام الليل ، وظلام الغمام ، وظلام البحر حتى ليخطؤه تمييز يده ، فلا يرى ذلك إلا بعد عسر وحرج ، أو لا يرى ذلك أصلاً ، وأنى له الرؤية ، وقد انغمس في ظلمات الكفر وارتطم بمتاهات الضلال ، فانعدمت الرؤية وانطمست البصيرة ، فهو في شبهات لا نجاة معها ، ومن لم يقدر له الخلاص من الله فلا خلاص له » (2).
يقول الأستاذ مالك بن نبي عن هذه الآية : ـ
« فهذا المجاز يترجم على عكس سابقه عن صورة لا علاقة لها بالوسط الجغرافي للقرآن ، بل لا علاقة لها بالمستوى العقلي أو المعارف البحرية في العصر الجاهلي وإنما هي في مجموعها منتزعة من بعض البلدان الشمالية التي يلفها الضباب ، ولا يمكن للمرء أن يتصورها إلا في النواحي كثيفة الضباب في الدنيا الجديدة ، فلو افترضنا أن النبي رأى في شبابه منظر البحر فلن يعدو الأمر شواطئ البحر الأحمر أو الأبيض ومع تسليمنا بهذا الفرض فلسنا ندري كيف كان يمكن أن يرى الصورة المظلمة التي صورتها الآية المذكورة ؟ وفي الآية فضلاً عن الوصف الخارجي الذي يعرض المجاز المذكور سطر خاص بل سطران : أولهما : الإشارة الشفافة ألى تراكب الأمواج ، والثاني : هو الإشارة إلى الظلمات المتكاتفة في أعماق البحار ، وهاتان العبارتان تستلزمان معرفة علمية بالظواهر الخاصة بقاع
____________
(1) سورة النور : 40 .
(2) ظ : المؤلف ، الصورة الفنية في المثل القرآني : 281 -282 .
________________________________________
( 59 )

البحر ، وهي معرفة لم تعرف للبشرية إلا بعد معرفة جغرافية المحيطات ، ودراسة البصريات الطبيعية ، وغني عن البيان أن نقول : إن العصر القرآني كان يجهل كلية تراكب الأمواج ، وظاهرة امتصاص الضوء واختفائه في عمق معين في الماء ، وعلى ذلك فما كان لنا أن ننسب هذا المجاز إلى عبقرية صنعتها الصحراء ولا إلى ذات إنسانية صغتها بيئة قاريّة » (1) .
هذه الظواهر الثلاث في دلالة الألفاظ ، توصلنا إلى المنهج الدلالي الأم في استكناه أصول الدلالة وهذا المنهج الأصل هو القرآن الكريم بحق .
ومن هذا المنطلق فقد وجدنا الخطابي ( ت : 388هـ ) بالذات عالماً ودلالياً فيما أورده من افتراضات ، وما أثبته من تطبيقات بالنسبة لجملة من ألفاظ القرآن الكريم بتقرير أنها لم تقع ـ ما زعموا توهماً ـ في أحسن وجوه البيان وأفصحها ، لمخالفتها لوضعي الجودة والموقع المناسب عند أصحاب اللغة ، وذلك كدعوى افتراضية ، يتعقبها بالرد والكشف والدفاع .
والألفاظ هي كما يلي نذكرها ونعقبها في آياتها في موارد اختيارها من قبل الخطابي نفسه ليرد عليها فيما بعد : ـ
1ـ فأكله ، من قوله تعالى : ( فأكله الذئب ) يوسف / 17 .
2ـ كيل ، من قوله تعالى : ( ذلك كيل يسير ) يوسف / 65 .
3- امشوا ، من قوله تعالى : ( وانطلق الملأ منهم أن امشوا واصبروا * ) ، ص / 6 .
4ـ هلك ، من قوله تعالى : ( هلك عني سلطانيه * ) ، الحاقة / 29 .
5ـ لحب ، من قوله تعالى : ( وإنه لحب الخير لشديد * ) ، العاديات / 8 .
6ـ فاعلون ، من قوله تعالى : ( والذين هم للزكاة فاعلون * ) ، المؤمنون / 4 .
7ـ سيجعل ، من قوله تعالى : ( إن الذين ءامنوا وعملوا الصالحات سيجعل
____________
(1) مالك بن نبي ، الظاهرة القرآنية : 356 .
________________________________________
( 60 )



لهم الرحمن ودّا * ) مريم / 96 .
8ـ ردف ، من قوله تعالى : ( قل عسى أن يكون ردف لكم بعض الذي تستعجلون * ) النمل / 72 .
أ ـ ( ومن يرد فيه بإلحاد بظلم ) الحج /25 .
ب ـ ( أولم يروا أن الله الذي خلق السماوات والأرض ولم يعي بخلقهن بقادر ...) الأحقاف / 33 .
هذه النماذج التي أبانها الخطابي تعقب عادة بالحجج المدعاة أولاً فيوردها ، ولكنه يفندها واحدة كما سنرى (1) .
فقد ذهبوا في فعل السباع خصوصاً إلى الافتراس ، وأما الأكل فهو عام لا يختص به نوع من الحيوان .
وقالوا ما اليسير والعسير من الكيل والاكتيال وما وجه اختصاصه به ؟
وقد زعموا بأن المشي في هذا ليس بأبلغ الكلام ، ولو قيل بدل ذلك أن امضوا وانطلقوا لما كان أبلغ وأحسن وأدعوا إنما يستعمل لفظ الهلاك ، في الأعيان والأشخاص كقوله :
هلك زيد ، فأما الأمور التي هي معان وليست بأعيان ولا أشخاص فلا يكادون يستعملونه فيها ...
وأنت لا تسمع فصيحاً يقول : أنا لحب زيد شديد وإنما وجه الكلام وصحته أن يقال : أنا شديد الحب لزيد وللمال .
ولا يقول أحد من الناس فعل زيد الزكاة ، وإنما يقال زكّى الرجل ماله
ومن الذي يقول : جعلت لفلان وداً بمعنى أحببته ؟ وإنما يقول : وددته وأحببته .
____________
(1) الخطابي ، بيان إعجاز القرأن : 38 وما بعدها .
________________________________________
( 61 )





وفي ردف إنما هو يردفه من غير إدغام اللام ، والباء لا موضع لها في الحاد أو بظلم ، ولو قيل : قادر على أن يحيي الموتى كان كلاماً صحيحاً لا يشكل معناه ولا يشتبه (1) .
وقد حررت للخطابي مقارنة سليمة في الإجابة عن هذه الافتراضات رداً ومناقشة وبيان حال ، وسأحاول أن ألخصها بشكل لا تفقد فيه جوهرها ، وأوردها بصورة تحكي عن هدف صاحبها ولعل في ذكرها تخليداً لذكراه ، ولكن فيها أيضاً وأولاً ، بياناً لطاقات بيانية مهمة واستعمالات بلاغية رائدة ، انفرد بها القرآن دون سائر النصوص الإلهية والبشرية ، مما يجعل الخطابي ـ رحمه الله ـ من أوائل أولئك الأفذاذ الذين يسروا الطريق أمام فهم القرآن بلاغياً ونقدياً على الوجه التالي : ـ
1ـ فأما قوله تعالى : ( فأكله الذئب ) يوسف / 17 ، فإن الافتراس معناه في فعل السبع القتل فحسب ، واصل الفرس دق العنق ، والقوم إنما أدعوا على الذئب أنه أكله أكلاً ، وأتى على جميع أجزائه وأعضائه فلم يترك مفصلاً ولا عظماً ، وذلك أنهم خافوا مطالبة أبيهم بأثر باق منه يشهد بصحة ما ذكروه ، فادعوا فيه الأكل ليزيلوا عن أنفسهم المطالبة ، والفرس لا يعطي تمام هذا المعنى ، فلم يصلح على هذا أن يعبر عنه إلا بالأكل على أن لفظ الأكل شائع الاستعمال في الذئب وغيره من السباع .
وحكى ابن السكيت في ألفاظ العرب قولهم : ـ
أكل الذئب الشاة فما ترك منها تامورا .
2ـ وأما قوله تعالى : ( ونزداد كيل بعير ذلك كيل يسير ) يوسف / 65 .
فإن معنى الكيل المقرون بذكر البعير والمكيل ، والمصادر توضع موضع الأسماء كقولهم : هذا درهم ضرب الأمير ، هذا ثوب نسيج اليمن ، أي مضروب الأمير ، ونسيج اليمن والمعنى في الأية : أنا نزداد من الميرة المكيلة إذا صحبنا أخونا حمل بعير ، فإنه كان لكل رأس منهم حمل واحد لا يزيد على ذلك لعزة الطعام ، فكان ذلك في السنين السبع المقحطة ،
____________
(1) الخطابي ، بيان إعجاز القرآن : 38 ، وما بعدها بتصرف واختصار .
________________________________________
( 62 )

وكانوا لا يجدون الطعام إلا عنده ولا يشير لهم صراحة إلا من قبله ، فقيل على هذا المعنى ( ذلك كيل يسير ) يوسف / 65 .
أي متيسر لنا إذا تسببنا إلى ذلك باستصحاب أخينا ، واليسير شائع الاستعمال فيما يسهل من الأمور كالعسير مما يتعذر منها ولذلك قيل : يسر الرجل .
وقد قيل : إن معنى الكيل هنا السعر ، أخبرني أبو عمرو عن ابن العباس قال : الكيل بمعنى السعر ، فكيف الكيل عندكم ؟ بمعنى كيف السعر ؟
3ـ وأما قوله سبحانه : ( أن امشوا واصبروا على ءالهتكم ) ص / 6 .
وقول من زعم أنه لو قيل بدله : امضوا وانطلقوا كان أبلغ فليس الأمر على ما زعمه ، بل امشوا في هذا المحل أولى وأشبه بالمعنى وذلك لأنه إنما قصد به الاستمرار على العادة الجارية ولزوم السجية المعهودة في غير انزعاج منهم ، ولا انتقال عن الأمر الأول ، وذلك أشبه بالثبات والصبر المأمور به في قوله : ( واصبروا على ءالهتكم ) ص / 6 .
والمعنى كأنهم قالوا : ( امشوا على هينتكم وإلى مهوى أموركم ، ولا تعرجوا على قوله ولا تبالوا به ... وقيل بل المشي ها هنا معناه التوفر في العدد والاجتماع للنصرة دون المشي الذي هو نقل الأقدام .
4ـ وأما قوله سبحانه : ( هلك عني سلطانيه * ) الحاقة /29 ، وزعمهم أن الهلاك لا يستعمل إلا في تلف الأعيان فإنهم ما زادوا أن عابوا أفصح الكلام وأبلغه ، وقد تكون الاستعارة في بعض المواضع أبلغ من الحقيقة كقوله عزّ وجلّ : ( و ءاية لهم الليل نسلخ منه النهار ) يس /37 .
والسلخ ها هنا مستعار هو ابلغ منه لو قال نخرج منه النهار وإن كان هو الحقيقة ، وكذلك قوله : ( فاصدع بما تؤمر ) الحجر /94 ، وهو أبلغ قوله فأعمل بما تؤمر وإن كان هو الحقيقة ، والصدع مستعار ، وكذلك قوله : ( هلك عنّي سلطانيه * ) الحاقة / 29 ، وذلك أن الذهاب قد يكون على مراصده العودة ، وليس مع الهلاك بقيا ولا رجعى ، وقد قيل إن معنى
________________________________________
( 63 )




السلطان ها هنا الحجة والبرهان .
5ـ وأما قوله سبحانه : ( وإنه لحب الخير لشديد * ) العاديات / 8 ، وأن الشديد معناه ها هنا البخيل ، واللام في قوله ( لحب الخير ) بمعنى لأجل حب الخير وهو المال لبخيل .
6ـ وأما قوله عزّ و جلّ : ( والذين هم للزكاة فاعلون * ) المؤمنون / 4 ، وقولهم إن المستعمل في الزكاة المعروف من الألفاظ ، كالأداء ، والإيتاء ، والإعطاء ... فالجواب إن هذه العبارات لا تستوي في مراد هذه الآية ، وإنما تفيد حصول الاسم فقط ، ولا تزيد على أكثر من الأخبار على أدائها فحسب ، ومعنى الكلام ومراده المبالغة في أدائها والمواظبة عليه حتى يكون ذلك صفة لازمة لهم فيصير في أداء الزكاة فعلاً لهم مضافاً إليهم يعرفون به ، فهم له فاعلون ، وهذا المعنى لا يستفاد على الكمال إلا بهذه العبارة ، فهي إذن أولى العبارات وأبلغها في هذا المعنى .
7ـ وأما قوله عزّ وجلّ : ( سيجعل لهم الرحمان ودا ) مريم /96 ، وإنكارهم قول من يقول : جعلت لفلان وداً ، بمعنى وددته فإنهم قد غلطوا في تأويل هذا الكلام ، وذهبوا عن المراد منه ، وإنما المعنى أن الله سيجعل لهم في قلوب المؤمنين ، أي يخلق لهم في صدور المؤمنين ، ويغرس لهم فيها محبة كقوله عزّ وجلّ : ( والله جعل لكم من أنفسكم أزواجاً ...) النحل / 72 ، أي خلق .
8 ـ وأما قوله سبحانه : ( ردف لكم ) النمل / 72 ، فإنهما لغتان فصيحتان : ردفته وردفت له كما نقول نصحته ، ونصحت له .
9ـ وأما قوله : ( ومن يرد فيه بإلحاد بظلم ) الحج /25 ، ودخول الباء فيه فإن هذا الحرف كثيراً ما يوجد في كلام العرب الأول الذي نزل القرأن به ، وإن كان يعز ووده في كلام المتأخرين ، قال أبو عمرو بن العلاء : اللسان الذي نزل به القرآن ، وتكلمت به العرب على عهد النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) عربية أخرى عن كلامنا هذا .
نقول : قد قيل إن الباء زائدة ، والمعنى : ومن يرد فيه إلحاداً والباء قد
________________________________________
( 64 )



تزاد في مواضع من الكلام ، ولا يتغير به المعنى ، وعليه شواهد من كلام العرب (1).
لقد كان الخطابي دقيقاً فيما أورده من إفاضات في هذا المجال استند فيها إلى المتبادر في العرف العربي العام واستشهد على صحة ذلك بالموروث الأدبي عند العرب شعراً ومثلاً وكلمة وقولاً مصداقاً على ما يريد ، وقلّب كل لفظ في وجوهه المحتملة فضلاً عن استنارته بآراء علماء العربية وأهل اللغة وأئمة البيان مستوفياً بذلك موقع اللفظ في دلالته على المعنى ، وصحته اختياره في استيفاء المؤشر الدلالي ، مؤكداً على العرف العربي والاستعمال البياني ، والأصالة اللغوية ، في كشف الدلالات التي ينطوي عليها اللفظ المختار في الآيات المشار إليها اللفظ ذاته دون سواه ، ومعللاً بفطرة نافذة دقة التركيب من خلال وضع الألفاظ بإمكانها المحددة لها ، بحيث لو استبدلت بالمرادف أو المساوي لفقدت مميزات لا تتوافر باللفظ البديل ، ولو جرت على سنن ما يفترض المدعون لافتقرت إلى عبارات إضافية من أجل أن يخلص إلى المعنى الذي يريده القرآن في ألفاظه المنتقاة إزاء الدلالات المقصودة بالذات .
أما أنواع الدلالات وأقسامها في كل من البحث الدلالي والقرآن فهو معلم مستفيض ينهض بعمل فني مستقل يشمل مدارك الدلالات كافة ، وقد أرجأنا الحديث عنها إلى مبحث خاص بإذن الله تعالى .
____________
(1) الخطابي ، بيان إعجاز القرآن : 41-48 .

د.عليّ الحارثي
02-08-2007, 10:59 AM
:::

حياك الله أخي فصيحويه , واعذرني على التأخير ؛فقد شغلتني أمور أخرى في الفصيح وفي غيره.
أخي الكريم : أقدّر لك غيرتك على الفصحى وحرصك على تجديد درس البلاغة في مؤسساتنا, وهي دعوة مشروعة, لاسيما ونحن نشهد تأخرًا واضحًا في مستوى طلابنا في العربية وعلومها. ولكنّ الأمر ليس مما يقوم به فرد , بل يحتاج إلى تآزر جهود المختصين لوضع اليد على مكامن الداء , والبحث عن السبل الموصلة إلى تنمية إحساس الجيل الحاضر بجمال لغتهم !وهذا الأمر يشغلني منذ مدة , وقد تمخضت عن انشغالي به فكرة كتاب جمعتُ فيه ما يسرك في هذا الباب , وأرجو أن يعينني الله على إتمامه!وفي مشروعي العلمي الذي قد تطول مدة إنجازه تجديدات لهذا العلم , وتناول أحسبه جديدا, يعرض علوم البلاغة كما فهمها الجيل الأول حين كان التعويل فيه على الأدب ,الذي تستوي في إنتاجه وتلقيه قرائح العرب ,وليس هذا قدحًا في بلاغة المتاخرين ؛فبها كان تبويب العلم وتفرع تقسيماته واتساع شروحه التي لاغنى عنها للعالم والمتعلم , ولكننا في حاجة إلى رد تلك التقسيمات إلى أصولها المبنية على الذوق والحس الأدبي مع الحفاظ عليها في الوقت نفسه , ففي كلٍ خير ! وقد فعلتُ شيئًا من ذلك في كتابٍ لي سيصدر بعد مدة يسيرةٍ إن شاء الله .
والكلام في هذا لا ينتهي ,ولكن هذا ما يسعف به وقتي,وجزاك الله خيرًا على اهتمامك بالدعوة إلى تجديد طرق تدريس البلاغة وبث الروح الأدبية في مناهجها, وثق أن في أساتذة البلاغة من يشغله هذا الهمّ , ويعمل على أن يضرب فيه بسهم.
اسأل الله أن يعين المخلصين ويوفق العاملين للنهوض بهذه اللغة الشريفة, والله يرعاكم.

فصيحويه
04-08-2007, 03:33 PM
:::

ولكنّ الأمر ليس مما يقوم به فرد , بل يحتاج إلى تآزر جهود المختصين لوضع اليد على مكامن الداء , والبحث عن السبل الموصلة إلى تنمية إحساس الجيل الحاضر بجمال لغتهم !

بالتأكيد أخي شوارد. ما أردته هو التنبيه لهذا الجانب المهم، وخاصة أنه يتعلق بالتعليم الذي نسعى جميعا لتطويره.
أكرر دائما أن هذه رسالة، ومن يؤمن بها لا بد أن يكررها ويرددها في كل مجلس وفي كل محفل. يجب علينا أن ننهض ونتطور في جميع جوانب تعليمنا. نحن من يجب علينا أن نضع ما يناسب مستويات الطلاب، وليس الطلاب أنفسهم هم المطلوب منهم أن يعيشوا في بيئة أخرى ليفهموا ما قاله الأعراب منذ مئات السنين.
أرجو أن يحمل كلامي على المحمل الحسن، ومن أراد أن يبلور الفكرة أو يضيف عليها أو يعدلها فليفعل. المهم أننا ينبغي أن نسهل لغتنا رحمة بجيل يعيش أمام الملهيات والتقنية المتسارعة لنعيده بلطف إلى لغته الأصيلة وإلى حضارته العريقة وقبل ذلك إلى كتاب ربه سبحانه وسنة نبيه _صلى الله عليه وسلم_ فيفهم ما يقرأ ويستنير بصره وبصيرته.

والله من وراء القصد.