المساعد الشخصي الرقمي

اعرض النسخة الكاملة : ما معنى كلمة "جَـعَـلَ"؟



أسامة بن منقذ
03-11-2003, 03:15 AM
السلام عليكم

ليس من كدي...

http://quran.al-islam.com/Tafseer/DispTafsser.asp?l=arb&taf=KORTOBY&nType=1&nSora=43&nAya=3



إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا

ومعنى : " جعلناه " أي سميناه ووصفناه ; ولذلك تعدى إلى مفعولين ; كقوله تعالى : " ما جعل الله من بحيرة " [ المائدة : 103 ] . وقال السدي : أي أنزلناه قرآنا . مجاهد : قلناه الزجاج وسفيان الثوري : بيناه .

" عربيا " أي أنزلناه بلسان العرب ; لأن كل نبي أنزل كتابه بلسان قومه ; قال سفيان الثوري وغيره . وقال مقاتل : لأن لسان أهل السماء عربي . وقيل : المراد بالكتاب جميع الكتب المنزلة على الأنبياء ; لأن الكتاب اسم جنس فكأنه أقسم بجميع ما أنزل من الكتب أنه جعل القرآن عربيا .

والكناية في قوله : " جعلناه " ترجع إلى القرآن وإن لم يجر له ذكر في هذه السورة ; كقوله تعالى : " إنا أنزلناه في ليلة القدر " . [ القدر : 1 ] .


وفسرها الجلالين (بأوجدنا الكتاب) ,, فهل في هذا القول شي؟

أبو سارة
15-11-2003, 06:10 AM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
شكر الله لك أخي الكريم
ربما يخشى بعض الأخوة من الإنزلاق بهذا السؤال خشية القول بخلق القرآن ، ولهم العذر في ذلك0
وللإجابة على هذا السؤال ، لم أر أجمل من تفصيل ذكره عبدالعزيز الكناني في كتاب (الحيدة والإعتذار) ، فقد رسم تفصيلا قل أن يوجد في مكان آخر0
وحبذا لو نقله أحد الأخوة هنا لتعم الفائدة0
ولعلني أنقله قريبا إن شاء الله

أبو سارة
19-11-2003, 11:32 PM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
هذا جزء خاص بالإجابة على السؤال ، وقد نقلته من كتاب الحيدة والإعتذار لعبد العزيز الكناني والذي جرت بينه وبين بشر المريسي مناظرة في مجلس المأمون حول مسألة خلق القرآن ، انتصر فيها الكناني وأفحم بشر وأبطل حجته ،وهذا هو الجزء المقتطع أرجو للجميع الإستمتاع بقرائته:
000قال عبد العزيز: أخبرني بإجماع الخلق بزعمك على أن جعل وحلق واحد لا فرق بينهما في هذا الحرف وحده أو في سائر القرآن من الجعل، قال: بل في سائر القرآن من ذلك وفي سائر الكلام والأخبار والأشعار.

قال عبد العزيز: فقلت: حفظ عليك أمير المؤمنين أطال الله بقاءه ما قلت وشهد به عليك.

فقال بشر: أنا أعيد هذا القول عليك متى سألتني عنه ولا أخالفه ولا أرجع عنه.

قال عبد العزيز: فقلت لبشر: زعمت أن معنى جعلناه خلقناه قرآنا عربيا، قال: نعم هكذا قلت وهكذا أقول أبدا فقلت: الله عز وجل تفرد بخلقه ولم يشاركه فيه أحد، أو شاركه في خلقه أحد، قال: بل الله خلقه وتفرد بخلقه ولم يشاركه في خلقه أحد.

قال عبد العزيز: أخبرني عمن قال: إن بعض ولد آدم خلقوا القرآن من دون الله أمؤمن هو أم كافر؟ فقال: بل كافر حلال الدم. فقلت: وأنا أقول أيضا هكذا كافر حلال الدم.

قلت: فأخبرني عمن قال من أن التوراة خلقها اليهود من دون الله تعالى أمؤمن هو أم كافر؟ قال: بل كافر حلال الدم، فقلت: وأنا أقول أيضا هكذا كافر حلال الدم. قلت: فأخبرني عمن قال : إن بني آدم خلقوا الله، وأن الله أخبر بذلك. أمؤمن هو أم كافر؟ قال: بل كافر حلال الدم. قلت: وأنا أقول أيضا مثل ذلك.

فأخبرني يا بشر أليس الله خلق الخلق كلهم أجمعين؟ قال: بلى. قلت: فهل شاركه في خلقهم أحد؟ قال: لا. قلت: فمن قال إن بعض بني آدم خلقوا الله أمؤمن هو أم كافر؟ قال: بل كافر حلال الدم. قلت: وأنا هكذا أقول.

قال بشر: قد قعدت تمتحنني وتشغلني حتى يؤذن الظهر وينقطع المجلس رجاء أن تنصرف سالما وهو مالا يكون عندك جواب لمسألتي وإلا فقد انقطع الكلام وأي شي هذه الخرافات.

قال عبد العزيز: فقلت يا أمير المؤمنين ليس ينصفني فأمره أن يجيبني عما أسأله عنه، فإن الذي بقي أيسر، ثم أجيبه عن مسألته وعن كلامه، فقال له المأمون أجبه عن كلامه وما يسألك، قال الساعة يؤذن بالصلاة وينقطع المجلس، فقال المأمون: يؤخر الآذان بالصلاة إلى آخر الوقت وإن احتجتما إلى المجلس بعد الصلاة لتمام الكلام جلست لكما حتى تفرغا.

قال عبد العزيز: ثم أقبل علي المأمون فقال: سله يا عبد العزيز عما تريد ولا تدع شيئا مما تحتاج إليه فإني متحفظ عليكما جميع ما يجري بينكما وشاهد عليكما، فقلت له: جزاك الله عني يا أمير المؤمنين خاصة وعن رعيتك عامة أفضل الجزاء فقد جلست منا اليوم مجلس الإمام العادل أحسنت إلي حين رأيتني جزعا فسكنت روعتي وآنست وحشتي وبسطت لساني بحجتي وتابعت الحق حين ظهر لك ودافعت وانتصرت له وشهدت لي بثبات الحجة، ودفعت أهل الباطل حين زهق واضمحل، وبانت فضيحته، وشهدت على بطلانه، وأنصفت في مجلسك، وكان ذلك كله منك بتوفيق الله تعالى وتأييده إياك فله الحمد والشكر على ما أولاك وأولى رعيتك فيك يجزيك الله أفضل ما جازى أحداً من الأئمة عن رعيته.

فقال لي المأمون: قد أبلغت يا عبد العزيز في القول والشكر ولك الزيادة مما ابتدأناك به، فارجع إلى مسألة بشر ( وأسأله) عما تريد.

قال عبد العزيز: فأقبلت على بشر فقلت: أخبرني عمن زعم إن بعض بني آدم خلقوا الملائكة من دون الله تعالى أمؤمن هو أم كافر؟ قال: بل كافر حلال الدم. فقلت: وأنا أقول هكذا أيضا. قلت: أخبرني عمن زعم إن بعض بني آدم خلقوا لله شركاء أمؤمن أم كافر؟ قال: بل كافر حلال الدم. قلت: وهكذا أقول أنا أيضا.

قال عبد العزيز: فأقبلت على المأمون فقلت: يا أمير المؤمنين قد أقر بشر أنه كافر حلال الدم، وكل من قال بقوله ووافقه على مذهبه، وعلمت إني قد أخطأت، وأطرق المأمون إطراق مغضب، نظر إليه بشر فقال: يا أمير المؤمنين أطال الله بقاءك لم يكفرنا ويحل دماءنا بحضرتك وفي مجلسك بلا حجة ظهرت، وإنما سبب ذلك ليقول هذا.

قال عبد العزيز: فقلت له: قد شهد عليك أمير المؤمنين بما قلت. فقال لي المأمون: لقد افحشت القول وأعظمته واستشهدني على ما لم أسمعه ولم أشهد على بشر به ولا على أحد يقول بقوله.

قال عبد العزيز: يا أمير المؤمنين اسمع قول فإن (كنت) قلت حقاً وإن بشرا قد كفر نفسه ومن قال بمقالته وأحل دمه ودماءهم وانتزعت على كل حرف من كلامي بآية من كتاب الله عز وجل، وإلا فدمي حلال وليأمر أمير المؤمنين بضرب عنقي الساعة على رؤوس الأشهاد وإن أتيت على ما قلت ولفظت به بنص الكتاب والتنزيل في كل لفظة وأقمت الشهادة على بشر من كتاب الله وسعني عدل أمير المؤمنين. قال: فقال لي: هات ما عندك ولا تطل الكلام بغير حجة.

قال عبد العزيز: فقلت: قال الله عز وجل: {وَأَوْفُواْ بِعَهْدِ اللّهِ إِذَا عَاهَدتُّمْ وَلاَ تَنقُضُواْ الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً} وقد خلقتم الله عليكم كفيلا، لا معنى لذلك عنده غيره، وإنه ومن قال بقوله ومن خالفه وسائر العرب والعجم يقولون هذا.

ثم قال: من قال هذا فهو كافر حلال الدم، وقد كذب في القول الأول، وصدق في قوله إن من قال هذا حلال الدم بإجماع الأمة.

وقال عز وجل: {وَلاَ تَجْعَلُواْ اللّهَ عُرْضَةً لِّأَيْمَانِكُمْ} ولا تخلقوا الله عرضة لأيمانكم، لا معنى له عنده ولا عند من قال بقوله، ومن خالفه وسائر الخلق جميعاً غير هذا أن الله قال لبني آدم، ولا تخلقوا الله، ثم قال: من قال هذا فهو كافر حلال الدم، وأمير المؤمنين يشهد عليه بهذا اللفظ، وقد كذب في قوله، إن معنى ولا تجعلوا ولا تخلقوا، وصدق في قوله، إن من قال هذا فهو كافر حلال الدم بقوله وقولي وقول الناس جميعاً.

فقال المأمون: ما أقبح هذا وأشنعه وأعظم القول به. فقلت: قال الله سبحانه: {وَيَجْعَلُونَ لِلّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُم مَّا يَشْتَهُونَ} فزعم بشر يا أمير المؤمنين إن بني آدم يخلقون الله البنات، ويخبر بذلك عن الله عز وجل وإنه هو قاله وشهد به على نفسه، ثم قال: من قال هذا فهو كافر حلال الدم بإجماع الأمة.

قلت: وقال عز وجل: {وَجَعَلُواْ لِلّهِ أَندَاداً لِّيُضِلُّواْ عَن سَبِيلِهِ} فزعم بشر يا أمير المؤمنين إن معنى وجعلوا وخلقوا، ولا معنى له عنده ولا عند من قال بقوله غير هذا فزعم عن الله عز وجل إنه قال وخلقوا لله أنداداً ثم قال: من قال هذا فهو كافر حلال الدم بإجماع الأمة.

وقال الله عز وجل: {وَجَعَلُواْ لِلّهِ شُرَكَاء الْجِنَّ} وخلقوا له شركاء الجن، لا معنى له عنده ولا عند من يقول بقوله ومن خالفه ولا عند سائر الناس إلا هذا، فزعم بشر أن الله عز وجل أخبر إنهم يخلقون له شركاء الجن، ثم قال: من قال هذا فهو كافر حلال الدم، وقد كذب في قوله إن معنى وجعلوا وخلقوا، وصدق في قوله إن من قال هذا فهو كافر حلال الدم بقوله وقول الناس جميعا. وقوله عز وجل: {وَجَعَلُواْ لِلّهِ شُرَكَاء قُلْ سَمُّوهُمْ أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِي الأَرْضِ أَم بِظَاهِرٍ مِّنَ الْقَوْلِ} فزعم بشر يا أمير المؤمنين إن معنى، وجعلوا، وخلقوا لله شركاء، لا معنى له عنده ولا عند من قال بقوله ولا من خالفه ولا عند العرب والعجم وإلا هذا المعنى فزعم أن الله عز وجل أخبرهم، إنهم خلقوا له شركاء وكذب بشر يا أمير المؤمنين وقال الباطل والزور، ولقد نفى الله تعالى ذلك وأبطله، وأخبر أنه لا يعلم من هذا شيئا وأخبر إن من قال ذلك كافر ضال بقول: (وجعلوا لله شركاء قل سموهم أم تنبؤونه بما لا يعلم في الأرض أم بظاهر من القول..).

وكما قال : {زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ مَكْرُهُمْ وَصُدُّواْ عَنِ السَّبِيلِ وَمَن يُضْلِلِ اللّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ} وقال عز وجل: {فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحاً جَعَلاَ لَهُ شُرَكَاء فِيمَا آتَاهُمَا} لا معنى له عنده ولا عند من قال بقوله وعند الناس جميعا غير هذا، ثم قال: من قال هذا فهو كافر حلال الدم، وكذب في الأول ، وصدق في الآخر إنه كافر حلال الدم بإجماع الأمة، وقال عز وجل: {أَمْ جَعَلُواْ لِلّهِ شُرَكَاء خَلَقُواْ كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ} فزعم بشر إن معنى أم جعلوا، أم خلقوا، لا معنى له عنده وعند من قال بقوله وعند الناس جميعا غير هذا، وزعم أن من قال هذا كافر حلال الدم، وكذب في قوله الأول وصدق في الآخر إنه حلال الدم كافر بإجماع الأمة، وقال عز وجل: { وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثاً أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ...} فزعم بشر إن معنى قوله، وجعلوا، وخلقوا الملائكة، ثم قال: من قال هذا كافر حلال الدم، وكذب في الأول وصدق في الآخر إن من قال هذا فهو كافر حلال الدم بإجماع الأمة، وقال عز وجل: { وَمَا قَدَرُواْ اللّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُواْ مَا أَنزَلَ اللّهُ عَلَى بَشَرٍ مِّن شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاء بِهِ مُوسَى نُوراً وَهُدًى لِّلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا...} فزعم بشر يا أمير المؤمنين إن معنى تجعلونه وتخلقونه، يعني أن اليهود خلقوا التوراة، ومعنى خلق التوراة خلق كلام الله عز وجل، فزعم أن اليهود خلقت كلام الله تعالى وأنه لا معنى لذلك عنده ولا عند غيره ومن قال بقوله وعند سائر العرب والعجم غير ذلك، ثم قال: من قال هذا فهو كافر خلال الدم، فكذب في الاول، وصدق في الآخر إنه كافر حلال الدم. ثم قال الله عز وجل: {كَمَا أَنزَلْنَا عَلَى المُقْتَسِمِينَ الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ} فزعم بشر إن معنى قوله الذين جعلوا القرآن عضين، الذين خلقوا القرآن عضين، ثم قال: من قال هذا فهو كافر حلال الدم، وقد كذب في قوله، إن المقتسمين خلقوا القرآن، وصدق في قوله، إن من قال هذا فهو كافر حلال الدم بإجماع الأمة.

قال عبد العزيز: فأقبل علي المأمون فقال: حسبك يا عبد العزيز قد أقر بشر على نفسه بالكفر وإحلال الدم وأشهد على نفسه بذلك وقد صدقت في كل ما قلت، ولكنه قال ما قال وهو لا يعقل ولا يعلم ما عليه في ذلك وهذا شيء يلزمه في نفسه خاصة ولا يلزم غيره ممن لا يقر بمثل ما أقر به ولا يحكم به على غيره بمثل ما حكم به بشر على نفسه.

قال عبد العزيز: فقلت: يا أمير المؤمنين أطال الله بقاءك إنما قد خاطبت أمير المؤمنين بما قد حصل في يدي، واقر بشر به وأشهد أمير المؤمنين على نفسه، وعلمت أن أمير المؤمنين قد حفظ عليه كلامه، ولولا ذلك ما اجترأت على ذلك، فقال لي المأمون، كنت تقصد بشرا وحده بالكلام والمخاطبة دون سائر الناس، قلت: لم يدعني، جعلت أسأله في خاصة نفسه فيقول: هذا قولي وقول سائر الناس وقول العرب والعجم، فأجبته على حسب كلامه، وصدق أمير المؤمنين هذا يلزم من أقر به دون غيره إلا من قال مثل قوله وأقر بمثل ما أقر به وهذا الذي عنيت بقولي الأول حين قلت: ومن قال بقوله فقال: قد أحسنت يا عبد العزيز الانتزاع.

قال عبد العزيز: ثم أقبل علي المأمون فقال: يا عبد العزيز تكلم في بيان هذا واذكر الجعل والخلق وفرق بينهما واشرح ذلك ليقف عليه من بحضرتنا ويعرفه، فقلت: نعم يا أمير المؤمنين أطال الله بقاءك، ولكن إن رأيت أن تأذن لي فأقول قبل البيان والشرح أشياء في هذا المعنى مما أكسر به قول بشر وأدحض به حجته وأفضح به مذهبه وأبطل به اعتقاده فقال: لا يطول بنا المجلس فقلت: يا أمير المؤمنين إنما أدرسه درساً يا أمير المؤمنين، قال: قل ما تريد، ولا تخاطب بشرا أقبل علي ودعه. قلت: قال الله عز وجل لنبيه r: {لاَّ تَجْعَل مَعَ اللّهِ إِلَـهاً آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُوماً مَّخْذُولاً} وقال في موضع آخر لنبيه r: { وَلاَ تَجْعَلْ مَعَ اللّهِ إِلَهاً آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُوماً مَّدْحُوراً} فزعم بشر يا أمير المؤمنين إن الله قال لنبيه r لا تخلق مع الله إلها آخر، فمن أقبح قولا من هذا أو أفحش منه. وقال الله عز وجل لنبيه عليه السلام: { وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ} فزعم بشر إن الله قال لنبيه عليه السلام ولا تخلق يدك مغلولة إلى عنقك، فزعم أن الله خلقه وبعثه رسولا، وليس له يد، ثم خاطبه بعد الرسالة فقال: ولا تخلق يدك، والله سبحانه خلقه خلقا سويا، وما أقبح هذا القول وأشنعه وأبين كسره وقال الله عز وجل: { لَا تَجْعَلُوا دُعَاء الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاء بَعْضِكُم بَعْضاً} فزعم بشر يا أمير المؤمنين أن الله عز وجل قال لخلقه: لا تخلقوا دعاء الرسول بينكم، ما أقبح هذا من قول وأدحضه، وقال عز وجل: {وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ} فالله يأمرها بعد ولاته والرضاع له أن تلقيه في اليم ويعدها أن يرده إليها ويجعله من المرسلين. وبشر يزعم إنه وعدها أن يرده إليها ويخلقه، وهذا مالا يعقله الناس، كيف يخلقه وهو مخلوق، وقال عز وجل : {وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ} وزعم بشر إنه يريد أن يمن على الذين استضعفوا في الأرض ويخلقهم وهم مخلوقون مستضعفون في الأرض هذا مالا تعقله العرب ولا العجم. وقال عز وجل: {يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ} فخاطبه بعد خلقه وبعد فهمه ومعرفته، وزعم بشر أن الله تعالى قال لداود: إنا جعلناك خليفة في الأرض، وهذا مما لو خوطب به داود عليه السلام ما عقله، وقال الله عز وجل مخبراً عن دعاء إبراهيم عليه السلام وإسماعيل عليه السلام حين قالا: {رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ} فأخبر أنهما دعيا ربهما وهما مخلوقان، وزعم بشر أنهما دعيا ربهما إن يخلقهما مسلمين كان قد خلقهما، وقال الله عز وجل مخبرا عن دعاء إبراهيم عليه السلام: {رَبِّ اجْعَلْ هَـذَا الْبَلَدَ آمِناً} وقد كانت مكة مخلوقة قبل آدم عليه السلام وقبل إبراهيم، فكيف يدعو إبراهيم بخلقها وهذا مما لا يعقله الناس، وقال عز وجل: {مَا جَعَلَ اللّهُ مِن بَحِيرَةٍ وَلاَ سَآئِبَةٍ وَلاَ وَصِيلَةٍ وَلاَ حَامٍ} فأخبر الله أنه ما جعل ذلك كله، وزعم بشر أن الله ما خلق البحيرة ولا السائبة ولا الوصيلة ولا الحام، وإنما خلقهما الكفار من دون الله تعالى ومن قال هذا فقد كفر بالله عز وجل.

قال عبد العزيز: فأقبل علي المأمون فقال: حسبك يا عبد العزيز فقد ثبتت حجتك في هذه المسألة كثباتها في المسألة الأولى وانكسر قول بشر فيها، وبطل دعواه، فارجع إلى بيان ما قد انتزعت به واشرحه (واذكر) معانيه وما أراد الله به وما هو من الجعل مخلوق؟ وما هو غير مخلوق؟ وبيان الأعلام والشواهد، وما هو مخلوق، وما هو غير مخلوق، وما تتعامل به العرب في لغاتها وما تفرق به بين الجعلين في كلامها، ليسمع من في المجلس ذلك، ويقفوا على مذهب العرب في ذلك وما أراده الله عز وجل بقوله في ذلك.

قال عبد العزيز: فقلت: يا أمير المؤمنين، إن جعل في كتاب الله عز وجل يحتمل معنيين عند العرب، معنى خلق، ومعنى صير غير خلق، فلما كان خلق حرفا محكما لا يحتمل معنى غير الخلق، ولم يكن من صناعة العباد لم يتعبد الله به العباد فيقول لهم: اخلقوا أو لا تخلقوا، إذ كان الخلق ليس من صناعة المخلوقين وكان من فعل الخالق سبحانه وتعالى.

ولما كان جعل على معنى صير لا على – معنى الخلق خاطب الله به العباد بالأمر والنهي فقال: اجعلوا ولا تجعلوا، ولما كان جعل كلمة تحتمل معنيين معنى خلق ومعنى صير لم يدع الله في ذلك استباها على خلقه ولبسا على عباده فيلحد الملحدون في ذلك ويشبهون على خلقه كما فعل بشر وأصحابه حتى جعل على كل كلمة علما ودليلا فرق به بين الجعل الذي يكون على معنى الخلق، وبين الجعل الذي يكون على معنى التصيير، فأما الجعل الذي هو على معنى الخلق فإن الله عز وجل جعله من القول المفصل ,انزل القرآن به مفصلا وهو بيان لقوم يفقهون. والقول المفصل يستغني به السامع إذا أخبر (به قبل) أن تـوصل الكلمة بغيرها من الكلام إذ كانت قائمة بذاتها تدل على معناها، فمن ذلك قول الله عز وجل: {الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ} .

فسواء عند العرب قال، وجعل، أو قال وخلق، لأنها قد علمت أنه أراد بهذا الجعل الخلق، لأنه أنزل من القول المفصل، وقال عز وجل: {وَجَعَلَ لَكُم مِّنْ أَزْوَاجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةً} فعقلت العرب عنه أن معنى هذا وخلق لكم إذ كـان قولا مفصلا. وقال تعالى: { وَجَعَلَ لَكُمُ الْسَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ} ، فعقلت العرب عنه أنه عنى بهذا الجعل الخلق، إذ كان من القول المفصل، وسواء عندها قال جعل أو قال خلق، لأنها قد علمت ما أراده وما عنى. ومثل هذا في القرآن كثيرا جدا، يا أمير المؤمنين، فهذا وما كان على مثاله من القول المفصل الذي يستغني المخاطب به والسامع له بكل كلمة عما بعدها.

وأما جعل الذي هو بمعنى التصيير الذي هو غير خلق فإن الله عز وجل أنزله من القول الموصل الذي لا يدري المخاطب (به) حتى تصل الكلمة بالكلمة التي بعدها فيعلم ما أراد بها، وإن تركها مفصلة لم يصلها بغيرها من الكلام لم يعقل السامع لها ما أراد بها ولم يفهمها ولم يقف على معنى ما عنى بها حتى يصلها (بغيرها).

فمن ذلك قول الله عز وجل: {يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ} فلو قال: إنا جعلناك، ولم يصلها بما بعدها لم يعقل داود عليه السلام ولا أحد ممن سمع هذا الخطاب ما أراد الله به. ولا ما عنى بقوله لأنه خاطبه بهذا القول وهو مخلوق، فلما وصلها بخليفة في الأرض، عقل داود وكل من سمع هذا الخطاب ما أراد الله بقوله وما عنى به، وكذلك حين قال الله عز وجل لأم موسى: {أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ} فلو لم يصل جاعلوه بالمرسلين لم تعقل أم موسى ما خاطبها به ولا ما عنى بقوله، إذ كان خلق موسى عليه السلام قد تقدم لرده إليها، فلما وصل الكلمة بالمرسلين عقلت أم موسى ما أراد بخطابها، وكذلك قوله عز وجل: { فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكّاً} وقد كان الجبل قبل أن يتجلى له مخلوقا، فوصل الجعل بدكا، ولو لم يصله لم يعقل السامع له ما أراد الله بقوله، وكذلك قوله عز وجل: { رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ} فلو لم يصل الكلمة وفصلها لم يعقل أحد كل من سمع ذلك ما أراد بدعوتهما، وكذلك قول إبراهيم: {رَبِّ اجْعَلْ هَـَذَا بَلَداً آمِناً} فوصله بآمنا، ولم لم يصله ما عقل أحد ممن سمع ذلك ما عنا بدعوته إذ كان بلد مكة مخلوقا قبل ذلك، فلما وصل بآمنا عقل السامع لذلك ما أراد إبراهيم عليه السلام بدعوته، ومثل هذا كثير في القرآن جدا يا أمير المؤمنين.

والذي تتعارفه العرب وتتعامل به في لغاتها وخطابها ومعنى كلامها ومخارج ألفاظها هو الذي جرت به سنة الله عز وجل في كتابه إذ كان إنما أنزل بلسانها واكتتب على تبيانها فخاطبهم الله عز وجل بما عقلوه وعرفوه ولم ينكروه ولم يكونوا يعرفون سواه وهو القول الموصل والمفصل.

فأرجع أنا وبشر يا أمير المؤمنين لما اختلفنا فيه من قول الله عز وجل: {إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً} إلى سنة الله في كتابه في الجعلين جميعا، وإلى سنة العرب أيضا وما تتعارفه وتتعامل به، فإن كان من القول الموصل فهو كما قلت أنا إن الله جعله قرآنا عربيا، بأن صيره عربيا_ أي_ أنزله بلغه العرب ولسانها، ولم يصيره أعجميا فينزله بلغة العجم، وإن كان من القول المفصل فهو كما قال ولن يجد ذلك أبدا، وإنما دخل الجهل على بشر ومن قال بقوله يا أمير المؤمنين لأنهم ليسوا من العرب ولا علم لهم بلغة العرب ومعاني كلامها، فتناولوا القرآن على لغة العجم التي لا تفقه ما تقول، وإنما تتكلم بالشيء كما يجري على ألسنتها، فكل كلامهم ينقض بعضه بعضا لا ينتقدون ذلك من أنفسهم، ولا ينتقده عليهم غيرهم لكثرته.

قال عبد العزيز: وسمعت الأصمعي عبد الملك بن قريب، وقد سأله رجل أتدغم الفاء في الياء؟ فتبسم الأصمعي وقبض على يدي وكان لي صديقاً، فقال لي أما تسمع، ثم أقبل على السائل وهو يتعجب من مسألته وقوله فقال له: تدغم الفاء في الياء في لغة إخواننا بني الأنباء- بني ساسان- يقولون: كيصبحت، فيدغمون الفاء في الياء، أما العرب فلا تعرف هذا.

قال عبد العزيز: فاشتد تبسم المأمون من قول الأصمعي ووضع يده على فيه. قلت: وهذا الذي يأتينا به بشر يا أمير المؤمنين من لغة أصحابنا بني الأنباء_ بني ساسان.اهـ
وهذا كتاب الحيدة لمن أراد تحميله كاملا على ملف وورد (http://www.alabadyah.com/ktb/al7ydah.zip)
والسلام عليكم ورحمة الله