المساعد الشخصي الرقمي

اعرض النسخة الكاملة : حَذْف المسنَد في الكلام البليغ.



هيثم محمد
04-08-2007, 12:14 PM
بسم الله الرحمن الرحيم.

مقدِّمة مهمّة.

كنّا قد انتهينا في الفصل الدراسيّ الأول من دراسة تاريخ البلاغة، ومقدِّمات البلاغة في الحديث عن: الفصاحة، والبلاغة، والفروق بينهما. ثم انتقلنا بعد ذلك إلى الحديث عن أحوال الإسناد الخبريّ، ثم بعد ذلك الحديث عن أحوال المسنَد إليه. ونحن الآن نتابع بقيّة مَباحث عِلم المعاني، فسوف نتعرّض في هذا الفصل الدراسي إلى أحوال المسنَد، وأحوال متعلّقات الفعل.

إذاً، ما سَبق لنا من دراسة كان في تتبّع الأحوال التي تَعرض للمسنَد إليه، وكشف الأسرار المعنويّة التي تكمُن وراء هذه الأحوال. والمسنَد أيضاً كالمسنَد إليه، تَعرض له أحوال تستَتِر وراءها معانٍ هي محلّ البحث البلاغي، للكشف عنها، وبيان كيفيّة اكتسابها، والطُّرق التي تَهدي إليها.

والأحوال التي تَعرض للمسنَد كثيرة: كالحذف، والذِّكْر، وكونه اسماً، أو كونه فعلاً، وكونه مفرَداً، أو كونه جُملة، وتعريفه وتنكيره، وتقديمه وتأخيره، وتقييده بمفعول أو نحوه، أو ترْك تقييده، وغير ذلك من الأحوال التي تَتتابع عليه في الكلام البليغ.

وقبل أن نبدأ في دراسة هذه الأحوال، يجدر بنا أولاً أن نتعرّف على مواضع المسنَد في الكلام العربي، لأنّنا في الفصل الدراسي الماضي كنا قد تعرّفنا على مواضع المسنَد إليه في الكلام العربي، وقلنا وقتَها: إنّ البلاغة لا علاقة لها بالمفردات، وإنّ أقلّ صورة من الكلام يمكن أن تتعامل معها البلاغة هي: الجملة المفيدة، وأقلّ صورة للجملة المفيدة هي: المسنَد والمسنَد إليه. وكنّا قد عرفنا مواضع المسند إليه في الكلام العربي، ونحن بحاجة الآن ما دمنا في دراسة أحوال المسنَد، أن نتعرّف على مواضع المسنَد في الكلام العربي. فنقول -وبالله التوفيق-:

مواضع المسنَد في الكلام العربي تَشمل:

أولاً: كلّ فِعل تامّ.

ثانياً: اسم الفعل، وتَشمل كذلك المَصدر النائب عن فعل الأمر. يعني: "صام محمد في رمضان". المسند هنا: الفعل التام: "صام". اسم الفعل كأن تقول: "نَزال!"، بمعنى: انزِلْ!

فدَعَوا نَزالِ فكنتُ أوّل نازل
وعَلام أركبُه إذا لم أنزلِ


هذه "نَزال": اسم فعْل أمْر بمعنى: انزِلْ! فهذا من مواضع المسنَد.

أيضاً المصدر النائب عن فعْل الأمر، كأن تقول في الدعاء: "سَقياً لهذه القبور!"، أي: اللهم اسقِها. فـ"سقياً" هنا: مصدر نائب عن فعْل الأمر، هنا يكون مسنَداً. كذلك كلّ خبر لمبتدأ: "محمد صائمٌ"، أو "عليّ قائم"، فـ"صائم" و"قائم" كلّ منهما يُعرب: خبراً للمبتدأ، وفي البلاغة نسمّيه: مُسنداً؛ فكلّ خبر لمبتدأ يكون مسنداً.

كذلك المبتدأ الذي له فاعل يسدُّ مسدَّ الخبر، كأن تقول: "أقائم محمد؟"، فهنا نحن نُعرب "قائم": مبتدأً، و"محمد": فاعل سدّ مسدّ الخبر. فـ"قائم" هنا هو: المسند، و"محمد" هو: المسند إليه، على حسب ما قلناه في مواضع المسنَد إليه في الكلام العربي. "أقائم محمد؟"، برغم أننا نعرب "قائم": مبتدأً، إلاّ أنه هنا هو: المسند، لأنه رَفع فاعلاً سدّ مسدّ الخبر.

كذلك من مواضع المسند في الكلام العربي: ما كان أصله خبراً، وهذا يشمل خبر "كان" وأخواتها، كأن تقول: "كان محمدٌ مجتهداً"، فـ"مجتهداً" هنا هي: المسنَد. وكذلك خبر "إنّ" وأخواتها: "إنَّ علياً مسافر"؛ فـ"مسافرٌ" هنا هي: المسند. المفعول الثاني في باب "ظنّ" وأخواتها من مواضع المسنَد في الكلام العربي، تقول: "ظننتُ النهار طالعاً"، فـ"طالعاً" هنا هي: المسند.

كذلك من مَواضع المسنَد في الكلام العربي: المفعول الثالث مع الأفعال التي تنصب ثلاثة مفاعيل، كأن تقول: "أَرَيْتُ محمداً علياً مستقيماً"، فـ"مستقيماً" هنا هي: المسند في هذا الكلام.



فإذا تبيّن لنا مواضع المسنَد في الكلام العربي، وأدركناها وعرفناها، فإنّنا بعد ذلك ننتقل إلى المبحث الأوّل من المباحث التي تدور حَول المسنَد في الكلام البليغ. وأوّل هذه المباحث تتعلّق بحذف المسنَد. وقبل أن ندخل إلى الحديث عن حذف المسند، نقول: إنّ المسنَد هو المحكوم به، وله كما للمسنَد إليه أحوال متعدِّّدة تَعرض له، من حذْف، أو ذِكْر، أو تقديم، أو تأخير، أو تعريف، أو تنكير، إلى غير ذلك من الأحوال... ونبدأ الحديث عن هذه الأحوال بالحديث عن: حذف المسند في الكلام البليغ.

وقبل أن نتحدث عن هذه الأحوال، نريد أن ننبِّه إلى شيء جاء في كلام البلاغيِّين، حيث إنهم عندما تحدّثوا عن حذْف المسنَد إليه، عبّروا بكلمة "حذْف"، فقالوا: حَذْف المسند إليه، أو الأغراض البلاغية لحذْف المسنَد إليه، فعبّروا بكلمة "حذف". وعندما جاء الخطيب القزويني إلى الحديث عن حذْف المسنَد، عبّر بقوله: "ترْكُه"، ترْك المُسنَد، دون أن يقول: حذْف المسند. وقد علّل لذلك سَعد الدِّين التفتازاني صاحب كتاب: "المطوّل على التلخيص" بقوله: "إنما قال -أي: الخطيب القزويني- في المسنَد إليه: "حذفُه"، وفي المسنَد: "ترْكُه"، رعاية للطيفة -يعني: لأمر لطيف-، وهو: أنّ المسنَد إليه أقوَم ركنٍ في الكلام، وأعظمه، والاحتياج إليه فوق الاحتياج إلى المسنَد؛ فحيث لم يُذكَر لفظاً فكأنّه أُتي به لِفَرْط الاحتياج إليه، ثم أُسقِط لغرَض، بخلاف المسنَد؛ فإنّه ليس بهذه المثابة في الاحتياج، فيجوز أن يُترك ولا يؤتى به لِغرض.

وليس معنى ذلك أننا لا نحتاج إلى المسنَد؛ إنّنا نحتاج في إنشاء الكلام المفيد إلى كلٍّ من المسنَد إليه، والمسنَد، فكلّ منهما ركن ضروري في الكلام، لكن المسنَد إليه لمّا كان هو الذي يُبنى عليه الكلام ويُعتمد عليه، كان الاحتياج إليه أشدّ من الاحتياج إلى المسنَد، وإن كنّا في حاجةٍ إلى كلٍّ منهما. هذا هو السّر في التعبير عن حذْف المسند بكلمة "حذْف"، وعن حذْف المسند إليه بكلمة "ترْك". قال بعضهم: إنّه للمغايرة في التعبير، لكنّ سعد الدين التفتزاني يحدِّثنا عن أهمّية المسنَد إليه، لأنّه يُبنى عليه الكلام، فكان التعبير عنه بالحذْف أوْلى، إشارة إلى أنه كأنه موجود، والتعبير عن حذف المسند إليه بالتّرْك، للإشارة إلى أنه ليس في المنزلة الكبرى للمسنَد إليه.

منقول للفائدة