المساعد الشخصي الرقمي

اعرض النسخة الكاملة : زيادة المبني يدل على زيادة المعنى



هيثم محمد
19-08-2007, 02:01 PM
صرح علماء البيان أن زيادة مبني الكلمة أي حروفها يدل على زيادة مقابلة في المعنى.. فلو قلت (غَلَقَ زيد الباب) كان المعنى دون: (غَلَّق زيد الباب) فإن التشديد في اللام جعل الإغلاق أشد وأحكم من الأولى, ولا يكون زيادة المبني دالاً على زيادة المعنى إلا في نقل صيغة إلى صيغة أكثر منها كنقل الثلاثي إلى الرباعي مثل (قَتَلَ) إلى (قَتَّلَ) فإن (قَتَلَ) يدل على القتل المجرد أما (قَتَّلَ) يدل على أن القتل وجد منه كثيراً وهذه الصيغة الرباعية بعينها لو وردت من غير نقل لم تكن دالة على التكثير كقوله تعالى: (وَكَلَّمَ اللّهُ مُوسَى تَكْلِيماً), فإن (كَلَّم) على وزن (قَتَّلَ) ولم يرد به التكثير بل أريد به أنه خاطبه سواء كان خطابه إياه طويلاً أو قصيراً وهذه اللفظة (كَلَّم) رباعية وليس لها ثلاثي نقلت عنه إلى الرباعي.

لكن لو كانت (كَلَّم) بمعنى (جَرَّح) لكانت للمبالغة لأن لها ثلاثي هو كَلَمَ مخففاً أي جَرَحَ, كذلك قوله تعالى: (ورتل القرآن ترتيلا), فإن لفظ (رَتِّل) على وزن (قَتِّل) ومع هذا ليست دالة على كثرة القراءة إنما المراد بها أن تكون القراءة على هيئة التأني والتدبر وسبب ذلك أن هذه اللفظة لا ثلاثي لها حتى تنقل عنه إلى الرباعي إنما هى رباعية موضوعة لهذه الهيئة المخصوصة من القراءة.

وعلى هذا لا تدل زيادة المبني على زيادة المعنى إلا بالنقل من وزن إلى وزن أعلى منه والزيادة في المبني لا تدل على زيادة في المعنى إلا في الفعل أو ما فيه معنى الفعل كاسم الفاعل أو اسم المفعول.. ولذا يخرج من هذا الباب الزيادة في التصغير لأنها تدل على النقص في المعنى لا الزيادة فيه كقولك: (قنديل) فإذا صغرته قلت (قٌنَيْدِيل) فالزيادة وردت ها هنا فنقصت من المعنى وهذا ليس من الباب الذي نحن بصدده لأنه عارٍ عن معنى الفعلية لأن الأسماء التي لا معنى للفعل فيها إذا زيدت تغير معناها.

· يقال: أَعْشَبَ المكان, فإذا أرادوا كثرة العشب فيه, قالوا: إعْشَوْشَبَ المكان ومنه خشن واخشوشن.

1. قال تعالى: (وراودته الَّتِي هو فِي بَيْتِهَا عَن نَّفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ), فالفعل (غَلَّقَت) معناه أحكمت غلق الأبواب وبالغت في إحكام غلقه لأن (غَلَّقَ) محول عن غَلَقَ فلما زيد في مبنى الكلمة زيد في معناها لأن الألفاظ أدلة على المعانى وأمثلة للإبانة عنها فإذا زيد في اللفظ أو جبت القسمة زيادة المعنى وهذا لا نزاع فيه, لبيانه, وهذا النوع لا يستعمل إلا في مقام المبالغة.

2. قال تعالى: (وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُّقَرَّنِينَ فِي الأَصْفَادِ), يدل التضعيف في (مقَرَّنين) على متانة هذه الأصفاد وإحكام التقييد والتنكيل..وذلك لأن الفعل انتقل في المبني فزاد بالتالي في المعنى لأن (قَرَّن) أبلغ وأشد في الإحكام من (قَرَنَ).

3. قال تعالى: (فَأَخَذْنَاهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُّقْتَدِرٍ), فمقتدر أبلغ من قادر, إنما عدل إليه للدلالة على تفخيم الأمر وشدة الأخذ الذي لا يصدر إلا عن قوة الغضب, أو للدلالة على بسط القدرة فإن (المقتدر) أبلغ في البسط من (القادر) وذلك أن (مقتدر) اسم فاعل من (اقتدر) و(قادر) اسم فاعل من (قدر) ولا شك أن افتعل ابلغ من فعل.

4. قال تعالى: (فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً), فإن (غفارا) أبلغ في المغفرة من (غافر) لأن (فعَّال) يدل على كثرة صدور الفعل و(فاعل) لا يدل على الكثرة.

5. قال تعالى: (إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ), فالتواب هو الذي تتكرر فيه التوبة مرة بعد مرة وهو (فعَّال) وذلك أبلغ من (التائب) الذي هو (فاعل), فالتائب اسم فاعل من تابَ يتوبُ فهو تائب أي صدرت منه التوبة مرة واحدة فإذا قيل (تواب) كان صدور التوبة منه مراراً كثيرة.

6. قال تعالى: (فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوونَ), فإن معنى (كُبكِبوا) من الكب وهو القلب إلا أنه مكرر المعنى وإنما استعمل في الآية دلالة على شدة العقاب وأنهم لا يكبون مرة واحدة بل على دفعات.. قال تعالى: (كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَّعَنَتْ أُخْتَهَا), وقال: (كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ), وفي اللفظ (كُبكِبوا) تحضير لهم كأنهم شيء كريه كُبَّ من إناء.

7. قال تعالى: (فَمَا اسْطَاعُوا أَن يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْباً), صعود السد أسهل من نقبه لأنه مصنوع من الحديد والنحاس لذا استخدم في الصعود (اسطاعوا) قليلة المبني لتدل على قلة المعنى لتقابل الأسهل من العملين.. ونقب السد كان في غاية الصعود به لذا استخدم له (وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْباً), لتناسب الصعود به في نقب هذا السد ولتبين المحاولات العديدة والشاقة لنقبه, فإن كلمة (استطاعوا) تزيد على (اسطاعوا) بالتاء.

8. قال تعالى: (سَأُنَبِّئُكَ بِتَأو يلِ مَا لَمْ تَسْتَطِع عَّلَيْهِ صَبْراً), ثم قال: (وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأويلُ مَا لَمْ تَسْطِع عَّلَيْهِ صَبْراً), لما لم يكن قد أخبر الخضر موسى عليه السلام بتفسير هذه الحوادث التي حدثت لهما كان الفعل (تستطع) زائد المبني ليدل على شدة المعاناة التي كابدها موسى عليه السلام في عدم الصبر والاستطاعة.. فلما أخبر الخضر موسى عليه السلام بالعلل وبّين له سبب أفعاله السابقة سهل الأمر على موسى فجاء الفعل (تسطع) قليل المبني ليدل على قلة المعنى وقلة المعاناة التي كابدها موسى لأنه إذا عرف السبب بطل العجب.

9. قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ آمِنُواْ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِيَ أَنزَلَ مِن قَبْلُ), إن القرآن نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم منجماً أي في ثلاثة وعشرين عاماً نزل على الحوادث أما الكتب السابقة فقد نزلت مرة واحدة ولذلك ناسب نزول القرآن لفظة (نَزَّلَ) والكتب السابقة (أَنْزَلَ) فالتشديد في كلمة (نَزَّلَ) زيادة في المبني على زيادة في المعنى.

10. قال تعالى: (مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِّن مَّاء غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِن لَّبَنٍ لَّمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِّنْ عَسَلٍ مُّصَفًّى وَلَهُمْ فِيهَا مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ كَمَنْ هو خَالِدٌ فِي النَّارِ وَسُقُوا مَاء حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعَاءهُمْ), في قوله تعالى: (فَقَطَّعَ) التضعيف في هذا الفعل يدل على شدة التقطيع والتمزيق وهو ما لا يؤديه الفعل بدون تضعيف.

قصي علي الدليمي
19-08-2007, 04:33 PM
بارك الله بك اخي وعليك بكتاب معاني الأبنية للدكتور الفاضل جبل العراق بالعلم الاستاذ الدكتور فاضل السامرائي ( اطال الله عمره بالبر والتقوى )

هيثم محمد
20-08-2007, 01:26 AM
أخي الفاضل قصي أشكرك ، والدكتور فاضل السامرائي رجل له فضل كبير بما يقدمه من لمسات بيانية ممتعة بارك الله فيه وفى وقته وعمله وجعلنا من العاملين على فهم القرآن

سرب القطا
31-08-2007, 12:57 AM
جزاكم الله كل خير