المساعد الشخصي الرقمي

اعرض النسخة الكاملة : أبو تمام والوداع..(( من روائع المقتطفات))..



رؤبة بن العجاج
02-09-2007, 03:05 PM
:::

الحمد لله وكفى وسلامٌ على عباده الذين اصطفى , أما بعد:
فهذه أبياتٌ مقتطفة من قصيدة فخمة ضخمة لأستاذ الشعراء:
أبي تمام
أوس بن حبيب الطائي..
انتقيتها لكم لما فيها من عذوبة وجمال وسبك وحكمة وروعة...

القصيدة في مدح أحد قادة المعتصم ..
بيد أني اقتطفت بدايتها
-لأنها مما استُدلَّ به على تفوّق هذا الشاعر العريق-...

وقد بدأها بالفراق و تسطير معانات الوداع وذكر الحبيبة ثم انتقل ببراعة وفنّ إلى تبرير ذلك الفراق وتلك المقاطعة وختم هذه المقطوعة البديعة بحكمةٍ خالدة لا يزال الدهر يترنّم بها ويشدو في كل عصرٍ ينزل عليه , وزمانٍ يحلُّ به...

أترككم مع الأبيات القليلة العدد البالغة الأثر المصيبة المقتل:


سرتْ تستجيرُ الدمعَ خوفَ نوى غدِ =وعَادَ قَتاداً عِنْدَها كُلُّ مَرْقدِ
وَأَنْقَذَها مِنْ غَمْرَة ِ الْمَوْتِ، أَنَّهُ= صدودُ فراقِ لا صدودُ تعمُّدِ
فأَجْرَى لَها الإشْفَاقُ دَمْعاً مُوَرَّداً =منَ الدمِ يجري فوقَ خدٍ موردِ
هيَ البدرُ يغنيها تودُّدُ وجهها= إلى كُل مَنْ لاقَتْ وإنْ لَمْ تَوَدَّدِ
ولكنني لمْ أحو وَفراً مجمَّعاً= فَفُزْتُ بهِ إلاَّ بشَمْلٍ مُبَدَّدِ
ولمْ تعطني الأيامُ نوماً مسكّناً= أَلَذُّ بهِ إلاَّ بنَوْمٍ مُشَرَّدِ
وطولُ مقامِ المرءِ في الحي مخلقٌ= لديباجتيهِ فاغتربَ تتجددِ
فإني رأيْتُ الشَّمسَ زيدتْ مَحَبَّة ً= إلى النَّاس أَن ليْسَتْ عليهمْ بِسرْمَدِ

-------------------( الوقفات )------------------

سرتْ تستجيرُ الدمعَ خوفَ نوى غدِ =وعَادَ قَتاداً عِنْدَها كُلُّ مَرْقدِ
بدايةٌ حارةٌ ناريةٌ افتتح بها شاعرنا القصيدة...
ومن يقرأ في شعر أبي تمام ومعاناته مع الفراق يجد الشكوى الدائمة والتحسّر المتلاحق والتأوّه المستمر يرادفه في كلّ أسفاره ومراحلِهِ
أليس هو القائل:

ما اليومُ أوّلُ توديعٍ ولا الثاني = البينُ أكبرُ من شوقي وأحزاني
دع الفراقَ فإنّ الدَّهْرَ ساعدَهُ = فصار أملكَ من روحي بجثماني!!
بالشام أهلي وبغداد الهوى وأنا = بالرقتين وبالفسطاط إخواني
وما أظنُّ النوى ترضى بما صنعت = حتى تطوِّحَ بي أقصى خراسانِ
وليس يعرفُ كُنهَ الوصلِ صاحبُهُ = حتى يغادى بنأْيٍ أو بهجرانِ

إذن فشاعرنا أليف الفراق لزيم الوداع
شرق بمراراته مراراً و جُلدَ بحراراته تكراراً
فهو يعلم بحجم المعاناة ومقدارها...

لكنه هنا يصوّر معاناة أخرى...
معاناة التي فارقها كما صوره له خياله الفذّ النافذ البصيرة...
سرت تستجير الدمع خوف نوى غدِ
انظروا إلى لفظ سرت والسرى لا يكون إلا بالليل..
وكذلك الهم والغم لا يأتي إلا بالليل..
فالمحبوبة سرت - في ظلمات ليل الهموم -
واستجارت بالبكاء لأنها لا تملك إلا البكاء ...
وذلك خوفاً و حذاراً من نوى غدٍ وما يدريك ما نوى غد..؟!!

وعاد قتاداً عندها كلّ مرقَدِ!!
وكيف لا يعود المهاد قتاداً والفراق يلوح مع الصباح..؟؟!!


وَأَنْقَذَها مِنْ غَمْرَة ِ الْمَوْتِ، =أَنَّهُ صدودُ فراقِ لا صدودُ تعمُّدِ
الله لله...

لله أنت يا أبا تمام...

أُنظروا إلى الدقة في التفصيل..بين صدود الفراق وبين صدود الهجران (التعمّدي)

لقد كادت تموت ... من فرط الوجد..والحزن..
لكن أنقذها أنّ هذا الصدود إنما هو صدود فراق وحيال..
لا صدود هجرٍ وفصال..

أي أنه ليس بملك اليد إنما هو عارضٌ وسيزول...

فكأنما أمل العودة لا يزال يسقي شجرة حياتها كلما همّت بالذبول ولهاً وحزناً..


فأَجْرَى لَها الإشْفَاقُ دَمْعاً مُوَرَّداً =منَ الدمِ يجري فوقَ خدٍ موردِ
مرة أخرى أقول : لله أنت يا أبا تمام...

ما أجمل هذا المنظر الشاعري الخلاّب

الدمع الوردي على الخد الوردي..

ولا أزيد إلا أن أقول:

تأملوه بأنظار مشاعركم وحسب..


هيَ البدرُ يغنيها تودُّدُ وجهها= إلى كُل مَنْ لاقَتْ وإنْ لَمْ تَوَدَّدِ
والله لكأني أنظر إلى هذه الصورة الفاتنة ..

هي البدر.........................سطوع!
يغنيها تودد وجهها ................بهاء!
إلى كل من لاقت..وإن لم تودّدِ.....فتنة!

أي جمال وبهاءٍ هذا...؟!


ولكنني لمْ أحو وَفراً مجمَّعاً= فَفُزْتُ بهِ إلاَّ بشَمْلٍ مُبَدَّدِ
وهنا الانتقالة البديعة والتبرير لكلّ ذلك العذاب والعناء..

الوفر: المال..

ومن يتأمل البيت يجد الفن الصناعي التمامي..

وفراً مجمعاً = بشملٍ مبدّدِ

لا تجمع الرفاهية إلا بشتات النفس ...هذا باختصار معنى البيت..

وانظروا لقوله (ففزتُ به) والفوز لا ينال إلا بالتعب وشق الأنفس..


ولمْ تعطني الأيامُ نوماً مسكّناً= أَلَذُّ بهِ إلاَّ بنَوْمٍ مُشَرَّدِ
الله الله...

قال عمارة بن عقيل بن جرير عندما سمع هذان البيتان:

لله دره!! لقد تقدّم في هذا المعنى من سبق إليه , على كثرة القول فيه ..
حتى لقد حبّبَ إليّ الاغتراب!!!!!!!

ولا نزيد على قول حفيد جرير حرفاً..


وطولُ مقامِ المرءِ في الحي مخلقٌ= لديباجتيهِ فاغتربَ تتجددِ
فإني رأيْتُ الشَّمسَ زيدتْ مَحَبَّة ً= إلى النَّاس أَن ليْسَتْ عليهمْ بِسرْمَدِ

هذه خاتمة المقدمة ..و نهاية البداية..وختام الاستهلال

حكمة لا يزال الدهر يرددها...

اغترب تجدّدِ!!

وهي من قول العرب: زر غِبّاً تزدد حُبّاً...

وصدق والله ...يوم ضرب مثلاً - كعادته في الاستنتاج العقلي - :


فإني رأيْتُ الشَّمسَ زيدتْ مَحَبَّة ً= إلى النَّاس أَن ليْسَتْ عليهمْ بِسرْمَدِ

قال عمارة بن عقيل عندما وقف عند هذا البيت - بعدما أنشد عليه ما سبقه -:

((كمل والله , لئن كان الشعر بجودة اللفظ , وحسن المعاني , واطّرادِ المراد ,
واتّساقِ الكلام , فإنّ صاحبكم هذا أشعر الناس))


وفي انتظار ما تجود به قرائح قراءاتكم....


والســــــــــــــــــــــــــــــــلام,,,

أحاول أن
02-09-2007, 04:06 PM
نحن هنا بين خيارين حائرين :
الصفحة تُمسك بتلابيبنا , تأبى أن نمر بدهشة ٍ وتأثر ٍ وحسب .. لا بد أن نقول شيئا ..
وذاتــُها الصفحة تأمرنا بالهدوء الشديد ؛ فالصمت ُ في حرم ِ الجمال ِ جمال ُ ..


لكن َّ الأكيد :أننا سنقرأ مرارا وتكرارا ..

غير مسجل
02-09-2007, 04:13 PM
الله ما أجملها

لله در الشاعر

ولله در القارئ
قراءتك النقدية للقصيدة تضاهيها جمالا ، فصرنا بين جمالين

وَأَنْقَذَها مِنْ غَمْرَة ِ الْمَـوْتِ***أَنَّهُ صدودُ فراقِ لا صدودُ تعمُّدِ

هذا الفرق بين الهجر والفراق

كل الأبيات جميلة كما وصفت أنت

بارك الله في ذوقك الفاخر دائمـًا

ودمت بخير

رؤبة بن العجاج
02-09-2007, 06:29 PM
الاستاذة الفاضلة أحاول أن,,

أسعد الله مرورك الكريم المنتظر..وتشريفك بالحضور..

وفي انتظار غيثكم الحاتمي,,

دام حضوركم عامرا زاهراً..

والســـــــــــــــــــــــــلام,,,

رؤبة بن العجاج
02-09-2007, 06:32 PM
الاخت الأديبة والشاعرة المُقلّة:) جهاد..

حياك الله على مرورك وحضورك الخاطف اللطيف...

وشكر الله لك إطراءك الجميل..وثناءَك العطر..

دمت فاخرة التذوق والمرور..

والســـــــــــــــــــــــلام,,

سالم عدود
02-09-2007, 11:55 PM
بارك الله فيك أبيات جميلة و ان كانت توقظ الاحساس الدفين

محمد سعد
03-09-2007, 01:31 AM
أخي رؤبة : النص يحلو إذا مررت عليه، هذا الاختيار أكثر من موفق وقد زانه ما قلتوه، والقصيدة تمتليء بالمحسنات كما هو معروف عند أبي تمام . شكراً لك

رؤبة بن العجاج
03-09-2007, 04:20 AM
الأخ السميّ :) ,, سالم عدود..
شكرا لك مرورك الكريم ,,

أستاذي أبو فادي,,

شكر الله لك مرورك وحضورك وإن كان طمعنا منكم فوق هذا..:),,

دمتم في حفظ الله وعافيته..

والســــــــــــــــــــــلام,,,

قطرة ندى
03-09-2007, 06:04 AM
لله در هذه الذائقة يابن العجاج::

سلمت يمينك على هذا النقل، وزادك الله علما على ما أتحفتنا به من قراءة::

تحياتي::

رؤبة بن العجاج
03-09-2007, 06:15 AM
حياك الله أختنا قطرةَ ندى..على مرورك وحضورك..

ولك بمثل ما دعوت وقرّة عين,,

والســـــــــــــــــــــــــــلام,,,