المساعد الشخصي الرقمي

اعرض النسخة الكاملة : لمحة عن منظومة القيم في العصر الجاهلي



د.منذر عمران الزاوي
19-09-2007, 03:27 PM
لمحة عن منظومة القيم في العصر الجاهلي
************************
لاريب في ان كل امة من الامم على وجه الارض تختزن في وجدانها مفاهيم اجتماعية تتوافق مع درجة تطور هذه الامة ومع العصر الذي تعيش فيه , والامة العربية واحدة من الامم التي أفرز عصرها الجاهلي بطبيعته البدوية مجموعة من القيم التي تمسك بها العربي ودافع عنها بل وكانت الناظم لحياته ولعلاقته مع الآخرين , ولكي تكون القيم مفهومة يجب ان ينظر اليها من زاوية العصر الذي عاشت فيه وليس من زاوية عصر آخر أكثر تطوراً , وليس ضروريا ان تمثل القيمة التي يتمسك بها مجتمع ما ويعتبرها ايجابية قيمة محمودة في مجتمع آخر , ولكن يمكن الحكم على القيم والمثل من منظور القيم الانسانية الثابتة والمطلقة فليس ثمة أحد لايقدر الكرم و النجدة و الشجاعة و المجاهرة بالحق , أو لايرفض الظلم والغدر .
لكن طالما ان القيمة تختلف بين عصر وآخر وبين أمة وأخرى فاننا نستطيع القول ان القيم التي سادت في المجتمع العربي البدوي الجاهلي تنقسم الى مجموعتين هما مجموعة القيم الايجابية ومجموعة القيم السلبية , ولم يكن العربي الجاهلي يستطيع أن يميز بوضوح بين ايجابية أو سلبية المفاهيم والقيم التي يدافع عنها بل كان يأخذها كما هي جملة واحدة ويعتبرها قواعد ناظمة لشخصيته , ولكن رغم ذلك فقد نبغ من بينهم حكماء ورؤساء كانوا قادرين على تلمس الحد بين السئ والجيد في منظومة المثل المتبعة .
من القيم الايجابية التي كان المجتمع العربي الجاهلي يقدرها ويبجلها المروءة والكرم والوفاء والحرية واكرام الضيف والشجاعة والنجدة ..الخ وكان كل من يتمسك بهذه القيم يشتهر امره ويطير صيته وتنتشر أخباره في الآفاق .
الكرم من الخصال الحميدة عند العرب فهي قيمة أصيلة من قيم الجاهلية وكانت درسا من الدروس التي لقنتها الطبيعة للانسان وعلمته ممارستها في بيئة شحيحة بالماء والزاد والبدو في حل وترحال دائمين وكلهم معرّض لأن ينفذ زاده وعليه ان يقري ضيفه لانه سيضطر الى ان يضاف يوما ما , كما ان الكرم كان وسيلة من وسائل السيادة والجاه , وكانوا اذا اقبل الضيف استبشروا به وبالغوا في اكرامه وتذللوا له . قال حاتم الطائي :
اني لعبد الضيف مادام ثاوياً ......وما فيّ الا تلك من شيمة العبد
وافتخروا بتقديمهم للضيف اشهى مايملكون كسنم البعير مثلاً وهو انفس مافيه ومن صنوف الحفاوة بالضيف ان يلقاه المضيف بالبشر والايناس . قال عروة :
فراشي فراش الضيف والبيت بيته .....ولم يلهـــــني عنه غزال مقنع
احدثه ان الحديــــــث مـــــن القرى...... وتعلم نفسي انه سوف يهجع
وكلنا يذكر قصص حاتم الطائي وكعب بن مامة التي اصبحت تروى على كل لسان ولازلنا الى ايامنا هذه نصف الكرم الشديد بانه كرم حاتمي .
ومن مظاهر الجود عند العرب ايقاد النار في الليل ليراها الغريب والجائع من بعيد واطلقوا على هذه النار اسم "نار القرى".قال احدهم :
اذا أخمدت النيران من حذر القرى...... رأيت سنا ناري يشب اضطرامها
وكان فصل الشتاء محكاً للاجواد فهو فصل البرد وعدو الفقير وفيه يندر الزرع والضرع وهذا عرف احدهم بقاتل الشتاء . قالت الخنساء :
وان صخرا لكافينا وسيدنا...... وان صخرا اذا نشتو لنحار
وكانت الشجاعة في الجاهلية مفخرة للعربي وحليته التي يتجمل بها غ\فهي ولدت مع البدوي وتمشت في دمه فقد سمع قعقعة السلاح طفلا وشهد المعارك يافعا وسمع قصص البطولة وايام العرب ورأى ان الشجاعة والاقدام وسيلة الى بلوغ المراتب العالية والصيت الحسن , والشجاعة في المجتمع العربي البدوي انواع ارفعها واسماها الموت بين طعن القنا وخفق البنود حتى لو كانت الشجاعة تدني من الاجل بل من واجب الانسان ان يحبها حتى لو كان فيها حتفه :
وانا لقوم لانـرى القتل سبة .........اذا مارأته عامر وسلول
يقرب حب الموت آجالنا لنا...........وتكرهه آجالهم فتطول
فالاقدام مطلوب والحياة الذليلة مرفوضة , وفرار المحارب من واجبه أو من لقاء أعدائه هو موت له وعار عليه بل سبب لابتعاد الناس عنه واحتقاره , ومن الذي لايستعيد بطولات عنترة وشجاعة "حامي الظعينة" وفتوة عمرو بن معدي بل لعل هذه الشجاعة العظيمة جرت مجرى الاساطير التي يتداولها الناس في سهراتهم ومجالسهم الى يومنا هذا . قال احدهم :
ان تبتدر غاية يوما لمكرمة ...... تلق السوابق فينا والمصلينا
انا لمن معشر افنى اوائلـــنا....... قيل الكماة الا اين المحامونــا
وقال الآخر :
قوم اذا الشر أبدى ناجذيه لهم ..... طاروا اليه زرافات ووحدانا
الى جانب تلك القيم الايجابية التي ذكرنا بعضا منها اعلاه نجد ان هناك ايضا قيما سلبية في حالة تنازع دائم مع القيم الايجابية من الناحية الانسانية فالبدوي حتى لو قبل مبدأ الثأر الا انه كان في وعيه الباطن يرفض الظلم وحتى لو قبل شرب الخمر الا انه كان يذم السكر والعربدة .
الثأر قيمة من القيم السلبية التي سادت في المجتمع الجاهلي وهو نظام بدوي متعارف عليه فلم تكن ثمة سلطة او حكومة تحول بين الموتور والواتر أي ليس ثمة قانون يقتص من الجاني اذا ارتكب جريمة فلا يجد صاحب الثأر امامه من أن يقتص بنفسه من المجرم وهذه المهمة صعبة فاذا احجم عن المطالبة بثأره عده الناس جبانا رعديدا واذا اقدم على ذلك وجد امامه قبيلة الجاني بكاملها تدافع عنه ولذلك شكلت المطالبة بالثأر لونا من ألوان الشجاعة الخاصة رغم المآخذ عليها فالضحايا التي ستسقط قد لاتكون لها علاقة بالامر كله , واذا تطور الموقف وتعقد قد يتحول الى حرب بين القبائل وتسفح لاجل ذلك الدماء , وفي حرب البسوس نجد كيف ترك المهلهل النساء والخمر والطيب لكي يتفرغ لطلب ثأر اخيه كليب وصمم ان لايخلع درعه وسيفه لايستحم الى ان يدرك ثأره ويبيد قبيلة بكر:
ولست بخالع درعي وسيفي ..... الى ان يخلع الليل النهار
والا ان تبيد ســـــــراة بكر...... فلايبقـــــى لهــــا ابداً اثار
وكانت نتيجة ذلك الحرب الشهيرة التي استمرت اربعين عاما ومات فيها خلق كثير .
واقترنت فكرة الثأر بوهم سيطر عليهم مفاده ان طائراً يخرج من رأس القتيل يسمى الهامة يصيح دائماً اسقوني ...اسقوني ولايكف عن الصياح الى ان يقتل القاتل ويثأر منه , وبلغ من ايمانهم بالثأر ان عدوه شرفا ومنعوا نساءهم من البكاء على القتيل الى ان يؤخذ بثأره .
ومن قيمهم السلبية ايضاً الاندفاع وراء الملذات من خمر وربيع ونساء لانهم كانوا يعيشون في بيئة اجتماعية الفراغ فيها اكثر من العمل وطرق التسلية ومرافق اللهو قليلة ولذلك اقبلوا على قتل الفراغ بكل مايبعث في نفوسهم النشوة والطرب حتى كان احدهم اذا سكر ظن انه ملك او سلطان الخورنق والسدير :
فاذا سكرت فانني.... رب الخورنق والسدير
واذا صحوت فانني .... رب الشويهة والبعير

وكان اقبالهم على الخمر والملذات الاخرى من نساء وركوب الخيل نوعا من الهروب الاجتماعي من فراغهم القاتل حتى شغفوا بها واستهانوا بالموت امامها :
ولولا ثلاث هن من عيشة الفـــــتى... وحقك لم احفل متى قام عودي
فمنهن سبقي العاذلات بشــــــــــربة.... كميت متى ما تعــــــــــل بالماء تزبد
وكري اذا نادى المضـــــــــــــاف محنباً... كسيد الغضى ذي السورة المتورد
وتقصير يوم الدجن والدجن معجب ..... ببهكنــــــــــة تحت الطراف المعمد
وكان منهم حكماء عرفوا مساوئ الانغماس في الملذات ومايتركه ذلك على شخصية الرجل وكرامته فقال احدهم :
وقالت لي هلم الى التصابي..... فقلت عففت عما تعلمينا
وحرمت الخمور علي حتى .... اكون بقعر ملحود دفينا
ومن المظاهر السيئة التي جرت مجرى القيم الاندفاع الاعمى لنصرة القبيلة سواء أكانت على خطأ أم على صواب لأن القبيلة تشكل الملاذ الحامي للبدوي يلجأ اليها اذا هرب من خطر داهم ويحتمي فيها اذا جارت عليه ظروف العيش وكان الارتباط القبلي يفرض عليهم التكاتف في وجه عدو القبيلة حتى لو كانوا ظالمين له متجنين عليه . قال دريد :
امرتهم امري بمنعــــــــرج اللوى..... فلم يستبينوا الرشد الا ضحى الغد
وهل انا الا من غزية ان غوت .... غويت وان ترشـــــــــــد غزية ارشد
أما البخل فهو عند المجتمع القبلي نقيصة مابعدها نقيصة فالبخيل يكره الضيف ويمسك عن مساعدة الناس ويهرب من مواقف المروءة حفاظا على ماله او متاعه واسمع كيف تبرأ احدهم من البخل :
ألم تعلمي ياعمرك الله انني ..... كريم على حين الكرام قليل
واني لاأخزى اذا قيل مقتر..... جواد واخزى ان يقال بخيل
فهو اذا وصف بالتقتير وهو كريم خير له ان يوصف بالبخل الذي يخزيه ويشوه سمعته .
ان القيم تتغير بتغير العصور وتتقلب بتقلبات الازمنة ولكن القيم الجميلة البدوية التي خلفها لنا اجدادنا منذ آلاف السنين تحدت الزمان وبقيت حية عظيمة أما القيم الاخرى السلبية فقد استمر الناس في ذمها والابتعاد عن صاحبها الى يومنا هذا .

معالي
27-09-2007, 09:52 AM
كلام رائع، أرفعه لقراءة أخرى تستصحب فضل النظر والإمعان.
شكر الله لكم، د.منذر.

أحمد الغنام
27-09-2007, 11:28 AM
دراسة قصيرة بليغة فجزاك الله خيراً د.الزاوي وبارك الله في علمك نفع الله بك.

رسالة الغفران
02-04-2008, 01:46 PM
شكرا لك دكتور منذر على هذه الدراسة ...

ياسر البهيجان
02-04-2008, 06:03 PM
لمحة مميزة من دكتور متألق ...

دُمت لنا يا د.منذر ودام لنا إبداعك .