المساعد الشخصي الرقمي

اعرض النسخة الكاملة : كلا وكلتا



محمد سعد
22-09-2007, 04:03 AM
اختلف الكوفيون والبصريون في كلا وكلتا فذهب البصريون إلى أنها اسم مفرد دال على الاثنين . فيجوز عود الضمير إليه باعتبار لفظه وهو الأكثر ، ويجوز عوده باعتبار معناه وهو الأقل وألفها لام الفعل ليست ألف تثنية عندهم ، ولهم حجج . منها أنها في الأحوال الثلاثة مع الظاهر على صورة واحدة ، والمثنى ليس كذلك ، وأما انقلابها ياء مع الضمير فلا يدل على أنها ألف تثنية ، كألف على وإلى ولدي هذا قول الخليل و سيبويه ، واحتجوا أيضاً بقولهم كلاهما ذاهب دون ذاهبان . و سيبويه لم يحتج بهذه الجملة لما تقدم من إنك إذا أضفت لفظ كل أفردت خبره مع كونه دالاً على الجمع حملاً على المعنى ، لأن قولك : كلكم راع بمنزلة كل واحد منكم راع . فكذا قولك : كلا كما قائم أي كل واحد منكما قائم . فإن قيل : بل أفرد الخبر عن كل وكلا ، لأنهما اسمان مفردان ، قيل : هذا يبطل بتوكيد الجمع والتثنية بهما ، وكما لا ينعت الجمع والمثنى بالواحد ، فكذلك لا يؤكد به بطريق الأولى ، لأن التوكيد تكرار للمؤكد بعينه بخلاف النعت فإنه عينه بوجه والمعول عليه لمن نصر مذهب سيبويه على الحجة الأولى على ما فيها وعلى معارضتها بتوكيد الاثنين . وكلا والمثنى لا يؤكد بالمفرد كما قررناه فإن قيل : الجواب عن هذا أن كلا اسم للمثنى فحسن التوكيد به . وحصلت المطابقة باعتبار مدلوله وهو المقصود من الكلام . فلا يضر إفراد اللفظ . قيل : هذا يمكن في الجمع أن يكون لفظه واحداً ومعناه جمعاً نحو كل وأسماء الجموع كرهط وقوم ، لأن الجموع قد اختلفت صورها أشد اختلاف فمذكر ومؤنث مسلم ومكسر على اختلاف ضروبه ، وما لفظه على لفظ واحده كما تقدم بيانه ، فليس ببدع أن يكون صورة اللفظ مفرداً ومعناه جمعاً . وأما التثنية فلم تختلف قط . بل لزمت طريقة واحدة أي وقعت فبعيد جداً . بل ممتنع أن يكون منها اسم مفرد معناه مثنى ، وليس معكم إلا القياس على الجمع . وقد وضح الفرق بينهما فتعين أن تكون كلا لفظاً مثنى ينقلب ألفه ياء مع المضمر دون المظهر ، لأنك إذا أضفته إلى ظاهر استغنيت عن قلب ألفه ياء بانقلابها في المضاف إليه لتنزله منزلة الجزئية لدلالة اللفظ على مدلول واحد ، لأن كلاً هو نفس ما يضاف إليه ، بخلاف قولك : ثوبا الرجلين وفرسا الزيدين . فلو قلت : مررت بكلى الرجلين ، جمعت بين علامتي تثنية فيما هو كالكلمة الواحدة ، لأنهما لا ينفصلان أبداً ، ولا تنفك كلا هذه عن الإضافة بحال . ألا ترى كيف رفضوا ضربت رأسي الزيدين . وقالوا : رؤوسهما لما رأوا المضاف والمضاف إليه كاسم واحد هذا مع أن الرؤوس تنفصل عن الإضافة كثيراً . وكذلك القلوب من قوله : صغت قلوبكما [ التحريم : 4 ] فإذا كانوا قد رفضوا علامة التثنية هناك مع أن الإضافة عارضة فما ظنك بهذا الموضع الذي لا تفارقه الإضافة ، ولا تنفك عنه . فهذا الذي حملهم على أن ألزموها الألف على كل حال وكان هذا أحسن من إلزام طيء وخثعم وبني الحرث وغيرهم المثنى للألف في كل حال نحو الزيدان والعمران . فإذا أضافوه إلى الضمير قلبوا ألفه في النصب والجر ، لأن المضاف إليه ليس فيه علامة إعراب ، ولا يثنى بالباء ، ولكنه أبداً بالألف . فقد زالت العلة التي رفضوها في الظاهر وهذا القول هو الصحيح إن شاء الله كما ترى . وإن كان سيبويه المعظم المقدم في الصناعة . فمأخوذ من قوله ومتروك . ومما يدل على صحة هذا القول أن كلاً يفهم من لفظه ما يفهم من لفظ كل .
وهو موافق له في فاء الفعل وعينه . وأما اللام فمحذوفة كما حذفت في كثير من الأسماء . فمن ادعى أن لام الفعل واو وإنه من غير لفظ كل ، فليس دلبل يعضده ، ولا اشتقاق يشهد له . فإن قيل : فلم رجع الضمير إليها بلفظ الافراد إذا كانت مثناة قيل : لما تقدم من رجوع الضمير على كل ، لذلك إيذاناً بأن الخبر عن كل واحد واحد . فكأنك قلت : كل واحد من الرجلين قام وفيه نكتة بديعة . وهي أن عود الضمير بلفظ الافراد أحسن ، لأنه يتضمن صدور الفعل عن كل واحد منفرداً به ومشاركاً للآخر فإن قيل : فلم كسرت الكاف من كلا وهي من كل مضمومة . قيل : هذا لا يلزمهم ، لأنهم لم يقولوا إنها لفظة كل بعينها ولهم أن يقولوا : كسرت تنبيهاً على معنى الاثنين كما يبتدأ لفظ الاثنين بالكسر ، ولهذا كسروا العين من عشرين إشعاراً بتثنية عشر . ومما يدل على صحة هذا القول أيضاً أن كلتا بمنزلة قولك ثنتا ، ولا خلاف أن ألف ثنتا ألف تثنية ، فكذلك ألف كلتا . ومن ادعى أن الأصل فيها كلواهما فقد ادعى ما تستبعده العقول ولا يقوم عليه برهان . ومما يدل أيضاً على صحته . إنك تقول في التوكيد مررت بإخوتك ثلاثتهم وأربعتهم فتؤكد بالعدد فاقتضى القياس أن تقول أيضاً في التثنية كذلك مررت بأخويك اثنيهما . فاستغنوا عنه بكليهما لأنه في معناه . وإذا كان كذلك فهو مثنى مثله فإن قيل فإنك تقول كلا أخويك جاء ، ولا تقول : اثنا أخويك جاء فدل على أنه ليس في معناه . قيل العدد الذي يؤكد به ، إنما يكون تأكيداً مؤخراً تابعاً لما قبله ، فأما إذا قدم لم يجز ذلك لأنه في معنى الوصف . والوصف لا يقدم على الموصوف ، فلا تقول ثلاثة أخوتك جاؤوني وهذا بخلاف كل وكلا وكلتا ، لأن فيهما معنى الإحاطة فصارت كالحرف الداخل لمعنى فيما بعذه فحسن تقديمهما في حال الإخبار عنها ، وتأخيرهما في حال التوكيد فهذا في هذا المذهب كما ترى .
فائدة