المساعد الشخصي الرقمي

اعرض النسخة الكاملة : من بلاغة التَّهكم



محمد سعد
31-10-2007, 08:56 PM
بلاغة التَّهكُم
التهكم نوع عزيز في أنواع البديع لعلو مناره، وصعوبة مسلك، وكثرة التباسه بالهجاء في معرض المدح وبالهزل الذي يراد به الجد، ويأتي الفرق بينهما بعد إيضاح حد.
والتهكم في الأصل التهدم يقال تهكمت البئر إذا تهدمت وتهكم عليه إذا اشتد غضبه والمتهكم المحتقر قال أبو زيد: تهكمت غضبت وتهكمت تحقرت وعلى هذا يكون المتهكم لشدة الغضب قد أوعد بالبشارة أو لشدة الكبر أو لتهاونه بالمخاطب قد فعل ذلك فهذا أصله في الاستعمال.
والتهكم في الاصطلاح : هو عبارة عن الإتيان بلفظ البشارة في موضع الإنذار، والوعد في مكان الوعيد، والمدح في معرض الاستهزاء، فشاهد البشارة في موضع الإنذار قوله تعالى: " بشر المنافقين بأن لهم عذابا أليما" وشاهد المدح في معرض الاستهزاء بلفظ المدح قوله تعالى: " ذق إنك أنت العزيز الكريم" قال الزمخشري: إن في تأويل قوله تعالى: " له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله" تهكما فإن المعقبات هم الحرس من حول السلطان يحفظونه على زعمه من أمر الله على سبيل التهكم فإنهم لا يحفظونه من أمره في الحقيقة إذا جاء. والله أعلم ومنه قوله تعالى: " قل بئسما يأمركم به إيمانكم إن كنتم مؤمنين" فقوله: (إيمانكم تهكم)
ومن التهكم في السنة الشريفة قوله: " بشر مال البخيل بحادث أو وارث" ومن الشعر شاهد المدح في موضع الاستهزاء من النظم قول ابن الذروي في ابن أبي حصينة من أبيات:

لا تظنن حدبة الظهر عيبا =فهي في الحسن من صفات الهلال
وكذاك القسي محدودبات= وهي أنكى من الظبا والعوالي
وإذا ما علا السنام ففيه= لقروم الجمال
أي جمال وارى الانحناء في مخلب البازي ولم يعد مخلب الريبال كون الله حدبة فيك إن شئت من الفضل أو من الأفضال فأتت ربوة على طود علم، وأتت موجة ببحر نوال ما رأتها النساء إلا تمنت أن غدت حلية لكل الرجال وما أحلى ما ضمنها بقوله

وإذا لم يكن من الهجر بد= فعسى أن تزورني في الخيال