المساعد الشخصي الرقمي

اعرض النسخة الكاملة : الأدب المقارن ...... دراسة موضوعية



علي العمر
13-12-2003, 10:57 PM
بيان الكتب:الدكتور نجم عبدالله كاظم أستاذ الادب المقارن في جامعة الحسين بن طلال في الأردن باحث جاد له بحوثه المتعددة في هذا اللون من الأدب بدءا بالرواية العراقية وتأثيرات الرواية الامريكية عليها عام 1985م, وانتهاء بكتابه التطبيقي الجديد الذي أصدره نهاية عام 2001 م بعنوان (في الأدب المقارن ـ مقدمات للتطبيق).
وإذا كان نقاد كتاب الأدب المقارن يختلفون حتى الآن حول مفهومه وطبيعته وميادينه وحدوده رغم نشأته كفرع من الآداب النقدية في العقود الثلاثة الأولى من القرن التاسع عشر فإن الدارس ينبغي له أن يلم بهذه الاختلافات التي نشأت عنها مدارس الأدب المقارن المستندة إلى تعريفاته الأساسية ففان تيغم يقول بدراسة التأثيرات والتأثرات وهو يتناول النتائج التي ينتهي إليها تاريخ الأدب القومي ويضمها إلى النتائج التي انتهى إليها مؤرخو الآداب الأخرى ليضمها إلى بعضها ضمن تاريخ أدبي أشمل. أما غويار فيعرف الأدب المقارن بأنه تاريخ العلائق الأدبية الدولية بما يعني أن العلاقة يمكن أن تكون بين أكثر من أدبين قوميين وهذا ما يراه شيلبي الذي يعرفه بأنه دراسة العلاقات المتبادلة بين آداب شعوب وأخرى وهو أمر دفع الناقد عبدالجبار داود البصري إلى اعتبار الأدب المقارن عملية بحث في العلاقات الدولية أدبيا وبذلك فهو ليس أدبا بل بحثا في تاريخ الأدب وقد جاء ذلك في كتابه (خرافات ادبية) 2001، لكن الناقد الكبير د. محمد غنيمي هلال يعرفه بأنه يدرس مواطن التلاقي والصلات ومالها من تأثير وتأثر.
وفي رأي مؤلف (في الأدب المقارن) إننا ينبغي أن نحتوي كل هذه الرؤى ونحن نكتب في الأدب المقارن لكن هذه العناية لم تقده إلى تقديم دراسات تطبيقية شاملة إلا في بعض فصول الكتاب بل هي مقدمات للتطبيق تسعى لفتح أبواب الدراسة التطبيقية للآخرين.
لقد سعى المؤلف في موضوعه الأول مقدمة في التأثير العربي في الأدب الأسباني الحديث ـ خوان غويتسلو نموذجا، إلى دفع الدارسين إلى الالتفات أكثر إلى العلاقات والصلات ما بين العربية وآدابها من جهة والأدب الأسباني الحديث في وقت انصبت فيه دراسات النقاد العرب والأسبان في دراسة التأثيرات الأولى القديمة مما صار مكرورا وكلاسيكيا ومعروفا تماما.
أما دراسته التالية التي يسميها مقدمة فقد جاءتْ تحت عنوان (كافكا في الرواية العربية مقدمة في تأثيراته) ورغم أن المؤلف لايقف عند المؤلفات العربية التي تناولت هوية كافكا وتأثيراتها على اتجاهات أدبه مثل دراسة بديعة أمين المهمة التي صدرت تحت عنوان (هل ينبغي إحراق كافكا؟) ذلك أن أعمال كافكا «متعددة الرؤى والمضامين والمعاني والايحاءات» كما يقول د. كاظم ولكن يبقى ممكنا أن نجد في أدبه موضوعات تعد انعكاسات لشخصية صاحبها ونفسيته وتداخلاتها وقد درس الكاتب أعمال كافكا الأساسية مثل «القصر» و«القضية» و«أمريكا» و«المسخ» وبعض قصصه القصيرة ليجد فيها ما قاله روجيه جارودي أن كافكا نجح في خلق عالم أسطوري لا ينفصل عن عالمنا وأنه «خلق هذا العالم بمواد عالمنا هذا مع إعادة ترتيبها وفقا لقوانين أخرى تماما كما فعل الرسامون التكعيبيون في الفترة نفسها» وبذلك فهو العالم منظورا إليه بشكل منحرف قليلا كأنما ينظر المرء إليه من بين ساقيه أو يقف على رأسه أو ينظر إليه في مرآة مشوهة.
إن الضغوط والمؤثرات المختلفة التي أحاطت ببطل كافكا جعلت منه الفرد الخائف والمغترب المستلب الذي ينتابه الشعور دوما بأنه يعيش عالما معاديا له ومطاردا من قبل قوى أخرى نراها وتخطر أمامنا كل يوم ولكننا لا نرى أفعالها كما هي في أعمال كافكا، وإذ يشير الدارس إلى تأثيرات ما بعد الحرب الأولى على التيارات الفكرية والأدبية وبروز الوجودية كفلسفة اختيار للإنسان يجد في كافكا ـ ربما ـ أعظم الكتاب الوجوديين، وإذا كانت الوجودية ترتكز على الحرية والمسئولية والالتزام كأعمدة فكرية فإن من الطبيعي أن يشعر الفرد المحاصر عبر حياته القلقة بالقلق ذاته والهجران واليأس وهي مفاهيم تمظهرت دراميا في أعمال كافكا التي وصلت إلى العالم العربي ثمرة جهود فردية لمترجم مثل منير بعلبكي ونقاد مثل سهيل إدريس ونهاد التكرلي، وقد ظهر تأثير أعمال كافكا في أدب القصة العربية المعاصرة ـ كما يقول الدارس ـ في أعمال غادة السمان وزكريا تامر وجورج سالم ووليد اخلاصي وياسين رفاعية وجليل القيسي وجمعة اللامي وعبدالرحمن الربيعي وسواهم وهو يشير إلى تأثيرات أدب الوجوديين الآخرين مثل البير كامو وسارتر وبيكيت وتأثيراتها على الأعمال الروائية لجبرا ابراهيم جبرا وسهيل إدريس وليلى بعلبكي وجورج سالم وصدقي إسماعيل ويوسف الصائغ ومحيي الدين زنكنة وهاني الراهب، لكن الذي يبدو غريبا ألا يشير د. كاظم إلى تأثيرات الوجودية عامة على أدب فؤاد التكرلي القصصي وهو أمر درسناه في كتابنا «رحلة مع القصة الواقعية» الصادر عام 1980 في فصل خاص تحت عنوان «تأثير الوجودية على القصة الواقعية القصيرة».
إن الدارس الشامل لأدب كافكا وتأثيره على الأدب القصصي العربي يجد في رواية (خاتم الرمل) للتكرلي فؤاد بنية شديدة التأثر بالأدب الوجودي عموما والكافكوي منه بوجه خاص كما أن رواية خسرو الجاف (الكلب) تحمل مضامينها الوجودية المعاصرة وكذلك (مجنون الأمل) لعبد اللطيف اللعبي و(الاغتيال والغضب) لموفق خضر وقل ذلك عن روايات عربية كثيرة لكن الدارس اختار نماذج محددة ليطبق عليها برهافة حس وعلمية ونحسب أنه لو أدار بحثا متكاملا عن تأثيرات الوجودية على الأدب الروائي العربي لنتج عنه عمل مثمر وكبير نتمنى أن يتصدى له الدارس ذاته أو غيره.
مقدمة الدارس الثالثة كانت تحت عنوان «القصة القصيرة جدا من ساروت إلى الأدب العربي والبحث عن نوع أدبي جديد» يتناول في بدايته مصطلح القصة القصيرة جدا short short story و(اختلافه) عن مصطلح القصة القصيرة short story حيث يعرف جوزيف شيلبي القصة story بمعنى «عرض لصراع يشتمل على قوتين متعارضتين في حالة نزاع وغاية».
وإذا كان هذا التعريف ـ في مفهومنا ـ مبهماً تماماً ، فإن القصة القصيرة ـ تكون ابرامز في كتابه M. H. Abrams: Aglossaryof liteary terms - pi 76 والذي اعتمد عليه د. كاظم هو «قصة تتسم بالقصر بما يعني اختلافها عن الرواية ـ Novel في البعد الذي أسماه أرسطو الحجم، وان كان القصر ليس عاملاً أساسياً في تحديد هذا المصطلح إذ أن مجدي وهبة في معجمه يقول إن «القصة القصيرة ليست مجرد قصة تقع في صفحات قلائل بل هي لون من ألوان الأدب الجديد له خصائص ومميزات شكلية معينة منها القصر وتناولها حدثاً أو جزءا من حدث والتركيز والتكثيف» وهذا التعريف أقرب إلى الرضا والوضوح ولكنه لا يستجيب لمصطلح القصة القصيرة جداً الذي أطلقه أرنست همنجواي أول مرة على إحدى قصصه عام 1925 ولم يكن القاص العربي يوسف الشاروني قد فهم مدى أهمية ما يفعل عندما أطلق على بعض قصصه تعبير «قصص في دقائق» بمعنى أن قصصه هذه أكثر قصراً من القصص القصيرة الاعتيادية وبالتالي فهي لا تحتاج إلا لذلك الوقت القصير لقراءتها وهو ذات ما ذهبنا إليه في بحثنا المنشور في مجلة الافلام ـ والذي اعتمد عليه د. كاظم ـ بعنوان (القصة الواقعية القصيرة جداً.. عن المصطلح والصورة التاريخية) في مجلة الأقلام ـ بغداد ـ العدد 10/11/1988 حيث ذهبنا إلى إن أول قاص عربي أطلق مصطلح القصة القصيرة جداً على بعض قصصه هو المحامي العراقي نوئيل رسام عام 1928 ـ 1932 دون أن يقرأ ساروت التي اشتهرت بهذا اللون ولم نجد باحثاً واحداً حتى الآن يثبت عكس الذي ذهبنا إليه وإن كان الكثير منهم لا يشير إلى هذه الحقيقة.
المهم ان الباحث يقف عند كتابات ساروت التي ظهرت عام 1938 في كتاب ترجم الى العربية سنة 1971 تحت عنوان (انفعالات) Tropisms لفتحي العشري الذي أضاف إليها عنواناً ثانوياً هو (قصص قصيرة جداً) و(انفعالات) كلمة لا توجد لها ترجمة في غير اللغات اللاتينية ولا يوجد لها تفسير في أي من هذه اللغات وبالتالي فإن الناقد إزاء هذه المجموعة التي كتبتها ساروت يكتشف صوراً قد تبدو مقتطعة من مجرى حياة ما وحياة مجموعة بشرية غالباً، ليس لها بدايات بل إنك تحس وأنت تقرأ أول كلمة أو جملة فيها أنك قد بدأتها قبل ذلك، وإذ لا تمتلك الواحدة منها بداية فإنها لاتنتهي أيضاً مع آخر كلمة منها.. بمعنى أنها تفتقد أي صراع أو حبكة أو تطور درامي وبذلك فهي تنفصل عموماً عن (القصة) كما نعرفها اصطلاحاً ونماذج.
أن أوضح مميزات القصة القصيرة جداً هي القصر الشديد إذ أن عموم الجيد منها يتراوح بين 002 ـ 500 كلمة ثم التكثيف حيث تعوض الكلمة عن جملة والجملة عن عبارة دون إخلال ثم محدودية الصراع وبهذا المعنى تشتمل القصة القصيرة على شخصية أو اثنتين وتكون النهاية متفجرة ذات ضربة فعلية ـ في رأينا.
وإذ يطرح الكاتب في نهاية هذا الفصل سؤاله المهم «هل هناك نوع أدبي اسمه القصة القصيرة جداً ؟ يقول ما يطابق رأينا الذي ذكره بموضوعية وهو «أن القصة القصيرة جداً ليست جسداً مفصولاً عن فن القصة القصيرة ولكنها تراعي التكثيف والجو الخاص وضربة النهاية وتراعي التركيز والاقتصاد بالكلمات» فيما رأى أن ميزات التكثيف والقصر والصراع المحدود تتخذ سمات خاصة بها لكنها لا تفرقها عن فن القصة القصيرة بعامة.
عبد الخالق الركابي وماركيز وآخرون.. وقفة عند العلاقات الأدبية والتأثير والتأثر، حيث يبرر الكاتب حديثه عن الركابي باعتباره قد أحتل مكانة متميزة في الأدب الروائي العربي وأن تجربته الروائية قد استخفت أن تدخل مختبرات النقاد « وذلك بما اشتملت عليه من تدرج فني متصاعد بثبات» وقناعة د. كاظم بالمقدرة المتنامية التي يمتلكها الركابي في الخلق والإبداع، أما المبرر المباشر لدراسة تأثيرات ماركيز وآخرين على الركابي فهو الضجة النقدية التي أثارها القاص جهاد مجيد والناقد عباس ثابت حمدو حول اقتباس الركابي من أجواء وشخصيات ماركيز وهو أمر رد عليه ياسين النصير وباسم حمودي في الصحافة المحلية وبينا (في شهر اكتوبر 1988) الفرق بين التأثير والتأثر والاقتباس رغم أن مصطلح التناص مصطلح مفتوح الأبواب يبرر للكاتب هضم التجارب السابقة وإعادة تمثيلها بلغة الكاتب الجديد الخاصة.
ويقيم د. كاظم دراساته ومقارناته على أساس رواية «الراووق» المعتمدة على مخطوطة لعشيرة البواشق ويدرس المرحلة التاريخية التي يحاكيها. ويدرس الباحث في فصل تال الرواية العراقية دراسة مقارنة فيشير إلى اهتمام القاص والروائي بما يقرأ في الآداب الاخرى وسبق اللبنانيين والمصريين العرب الآخرين بالتعرف على فن القصة الحديثة والاهتمام به طارحا صورة تاريخية لتأثر الروائي العراقي بفن الرواية الأوروبية وهذه مسألة طرحتها دراسات متعددة لكن جديد الدارس أنه يوثق لآراء الروائيين في تأثيرات الكتابة الروائية الغربية عليهم حيث يعتبر غائب فرمان مكسيم جوركي معلمه الأول بعد نجيب محفوظ، ويعلن تأثره بكولدويل وشتاينبك دون أن يستطيع هضم تجربة فيرجينيا وولف وبروست فيما يؤكد فؤاد التكرلي أنه قرأ الرواية الغربية بالعربية والفرنسية مثل فوكنر وهمنجواي ومارك توين وكولدويل ودستوفيسكي وسيمون دي بوفوار في وقت كان فيه جبرا قارئا في سنوات مبكرة من حياته للرواية الأوروبية الحديثة وإذا كان عبدالرحمن الربيعي وعبدالرزاق المطلبي ومحيي الدين زنكنة قد قرأوا الرواية الغربية باللغة العربية، فإن هؤلاء الكتاب جميعا ومعهم موفق خضر وموسى كريدي قد مظهروا ذلك التأثير في أعمالهم الروائية المتعددة وهو أمر يخصص له المؤلف دراسة تطبيقية واضحة المعالم في فصل تال تحت عنوان «الركابي حلماً روائياً» حيث يجد الباحث نوعا من التأثير من قبل أوران ملكيادس لدى ماركيز على مخطوطة الراووق ثم «يمتد الالتقاء بين روايات الركابي ورواية ماركيز ليصل الى السعي لربط الوطن بالعالم» وهو أمر تشارك به معهما قيم روائية أخرى لدى دوس باسوس ونجيب محفوظ وغائب فرمان وهوثورون وغيرهم.
ويقدم الكاتب في الفصل الأخير دراسة تطبيقية في الأدب المقارن (بين الصخب والعنف والرجع البعيد) مقرا بداية أن بناء (الرجع البعيد) وتقنيتها يختلفان عن (الصخب والعنف) لكن التكرلي اختار عائلة بغدادية وقسم روايته إلى فصول يرويها أفراد العائلة بصيغة المتكلم أو الغائب في وقت قسم فيه فوكنر روايته الى اربعة اقسام وزع ثلاثة منها على عائلة كومون معتمدا صيغة ضمير المتكلم بينما تولى هو الفصل الاخير، ويجد الدارس أن الإحساس بالزمن كان واضحا في العملين واستخدام التداعي الحر والحوار الداخلي وإحساس (مدحت) أحد أبطال (الرجع) بالعزلة عن المجتمع بشكل متشابه وشخصية (كوينتس) رغم أن فؤاد التكرلي ينوع في (مدحت) على بطله السابق في روايته المبكرة (الوجه الآخر) كإنسان صاحب موقف وجودي من الحياة، كما أنه يشير إلى تكرار رحلة كوينتس في رحلة مدحت وهو أمر لا يستدعي التأكيد على الاقتباس أو التأثير ففؤاد التكرلي قد بنى تجربته الضخمة على أحداث وشخوص مختلفة ولكن دراسة الناقد د. كاظم ترى في تجربته بعض ظلال الصخب والعنف وهو أمر لا نقره تماما لاختلاف التجربتين.

علي العمر
19-12-2005, 12:17 AM
الأدب المقارن ليس معروفا في عالمنا العربي إلا من فترة ليست بالطويلة