المساعد الشخصي الرقمي

اعرض النسخة الكاملة : مصطلح



سليمان الأسطى
07-02-2008, 10:58 PM
ما الفرق بين المصطلحات النحوية : التضمين ، التقارض ، النيابة ؟

مهاجر
09-02-2008, 02:44 AM
هذه محاولة تحتاج إلى إتمام :
التضمين : تضمين فعل معنى فعل آخر ، كما في قوله تعالى : (فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) ، فضمن الفعل : "يخالفون" معنى الفعل : "يخرجون" ، بدليل أن : "يخالفون" متعد للمفعول بنفسه ، فيقال في غير القرآن الكريم : يخالفون أمره ، بينما "يخرجون" لازم لا يتعدى إلا بحرف الجر .

والنيابة كنيابة حرف عن حرف في المعنى ، وهو باب واسع جدا ، كنيابة "إلى" عن "في" في قول الشاعر :
فلا تترُكنّي بالوعيدِ كأنّني ******* إلى الناسِ مطليٌّ بهِ القارُ أجربُ
أي : في الناس مطلي به القار أجرب .

والله أعلى وأعلم .

محمد سعد
09-02-2008, 10:24 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
هذا بحث في التقارض النحوي ، أرجو أن يفيد منه الإخوة في الفصيح

محمد سعد
09-02-2008, 10:37 AM
ظاهِرةُ التَّقَارُضِ في النّحوِ العَرَبِّي
للدكتور أحمد محمد عبد الله
أستاذ مساعد بكلية اللغة العربية
تكلمنا في العدد السابق عن أهمية (التقارض) كظاهرة التوسع اللغوي، وحددناه لغة واصطلاحَّا، ثم فَصَّلنا الحديث في نوعين:-
الأول:- التقارض بين اللفظين في الأحكام الإِعرابية، كالتقارض ببن إلاَّ (وغير) وكالتقارض بين أنْ (وما)... الخ
:- التقارض بين اللفظين في الهيئة ، والشكل، كالتقارض بين الحال والتمييز في الإشتقاق والجمود... الخ
والحديث الآن في النوع الثالث:
النوع الثالث: التقارض بين اللفظين في المعاني:
يذكر النحاة أن كل حرف من حروف المعاني يفيد- بطريق الأصالة- معنى أو عدة معان، تعد من لوازم هذا الحرف غالباً، غير أنه في بعض الأحيان قد يفيد الحرف معنى من المعاني ليس أصلاً في إفادته، وإفادة الحرف معنى يختص به حرف آخر يعد عند بعض العلماء من باب التقارض بينهما، فكأنَّ الحرف الآخر أقرضه هذا المعنى، وربما عدَّه بعضهُم من باب نيابـة الحرف مكان الحرف الآخر، وهذه مسألة خلافية بين البصريين والكوفيين فالبصريون يرون (أن أحـرف الجر لا ينـوب بعضها عن بعض بقياس، كـما أن أحـرف الجـزم وأحرف النصب كذلك، وما أوهم ذلك فهو عندهم محمول على ما يلي:
1- إما مؤول تأويلاً يقبله اللفظ، كما قيل في قوله تعالى {وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ} (طه: 20) إنَّ (في) ليست بمعنى على، ولكن شبِّه المصلوب لتمكنه من الجذع بالحالِّ في الشيء.
2- وإمَّا على تضمين الفعل معنى فعل يتعدى بذلك الحرف، كما ضمَّن بعضهم (شربن) في قول أبي ذؤيب الهذلي:
شربـن بماء البـحـر ثم ترفـعـت مـتى لحج خضـر لهنَّ نئـيـج
3- وإمّا على شذوذ إنابة كلمة عن أخرى:
وقـد ذهب الكـوفيـون إلى جواز نيابـة الحرف عن الحرف أي أن يقترض الحرف من الحرف الآخر معناه.
أما المالقى فقد وقف بين الفريقين موقفاً وسطاً حيث قال:
"إن نيابـة الحرف مكان الحـرف الآخر موقـوفة على السماع ، لأن الحروف لا يوضع بعضها موضع بعض قياساً إلا إذا كان معناهما واحداً ومعنى الكلام الذي لا يدخلان عليه واحداً " .
وغـير خاف أن مذهب الكـوفيين بعيد عن التكلف والتعسف ومن ثم فهو جدير بالإتباع لذا سوف نسوق أمثلة متنوعة لبعض الحروف التي تفيد معاني أصيلة ومعاني أخرى غير أصيلة اقترضتها من الحروف الأخرى.
إلى- اللام:
أ- (إلى) تدل من خلال الأسلوب على انتهاء الغاية المكانية أو الزمانية، ذلك أوضح معـانيها نحـو قولـه تعالى{سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى} (الإسراء: ا) وقوله تعالى{ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ} (البقرة: 187).
وقـد تخرج عن معناها الأصلي المتقدم فتأتى في بعض أحوالها بمعنى اللام نحو قوله تعالى{ وَالأَمْرُ إِلَيْكِ فَانْظُرِي مَاذَا تَأْمُرِين} (النمل: 33) أي الأمر لك ونحو قوله تعالى: {فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ} (النساء: 5) أي ادفعوا لهم فقد اقترضت (إلى) من اللام معنى شبه الملك في الآية الأولى والاستحقاق في الآية الثانية .
ب- أما (اللام) فتفيد غالباً المعاني التالية:
الإستحقاق نحـو قولـه تعالى: {وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ} (المطففين: ا) والإختصاص نحو قوله تعالى: {فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَة} (النساء: 6) والملك نحو قوله تعالى:{ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ} (البقرة: 255) والتمليك نحو(وهبت لزيد ديناراً) وشبه الملك نحو قوله تعالى:{جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجا} (النحل: 72) والتعليل نحو قوله تعالى:{ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} (النحل: 44) وقد تخرج اللام عن كل هذه المعاني فتأتى بمعنى (إلى) ويتمثل ذلك في نحو قوله تعالى: { يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا} (الـزلزلـة: 4، 5) أي أوحى إليها ونحو{كُلٌّ يَجْرِي إِلَى أَجَلٍ مُسَمّى} (الرعد: 2) أي إلى أجل مسمى ونحو{وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْه}(الأنعام: 28) أي إلى ما نهوا عنه، فدلالة اللام في الآيات المتقدمة هي انتهاء الغاية وذلك المعنى مقترض من (إلى).
قال الزجاجي في باب اللام التي بمعنى إلى:
وذلـك نحـو قولـه تعالى:{رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِياً يُنَادِي لِلإِيمَانِ} (آل عمران: 193) قال بعضهم معناه ينادي إلى الإيمان فأما قولـه تعالى:{الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا}(الأعراف: 43) فلا خلاف في أن تقديره: هدانا إلى هذا، فهذه لام إلى.
وفي قوله تعالى: {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ} (الإسراء: 9) أي إلى التي هي أقوم، فأما قوله تعالى:{وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَاباً ثِقَالاً سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّت} (الأعراف: 57) فجائز أن تكون اللام لبيان المفعول من أجله فيكون المعنى: سقناه من أجل بلد ميت، وجائز أن تكون بمعنى (إلى) فيكون التقدير: سقناه إلى بلد ميت. .
وهكذا اقترضت (إلى) معنى اللام كما اقترضت (اللام ) معنى )إلى).
إلى- في:
أ- (إلى) التي تفيد بطريق الأصالة معنى انتهاء الغاية المكانية أو الزمانية، قد تخرج عن هذا فتأتي بمعنى (في) في الأسلوب على سبيل المقارضة، ذكر ذلك جماعة من النحاة، وعليه فقد ذهبوا إلى أن (إلى) بمعنى (في) في قول النابغة الذبياني:
فـلا تـتـركـني بالـوعيـد كأنـنـي إلـى النـاس مطليٌ به القـار أجـرب
أي كأنني في الناس مطليٌ به القار.
وفي قول طرفة:
وإن تلـتـق الحـيّ الجمـيـع تلاقـنـي إلـى ذروة البـيت الكـريم المصَمَّـد
أي في ذروة البيت الذي يصمد ويعضد.
ويقال: جلست إلى القوم أي فيهم، قال ابن مالك:
"ويمكن أن يكون إلى بمعنى (في) في قوله تعالى:{لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ} "(النساء: 87).
وخالف في مجيء (إلى) بمعنى (في) ابن عصفور حيث قال:
"ولو صح مجيء (إلى) بمعنى (في) لجاز: زيد إلى الكوفة " .
ب- (في) معلوم أن أوضح معانيها هو الظرفية المكانية أوالزمانية، وقد اجتمعنا في قوله تعالى:{الم غُلِبَتِ الرُّوم فِي أَدْنَى الأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ فِي بِضْعِ سِنِينَ} (الروم: 1، 2)
قال المالقى:
"اعلم أن (في ) حرف جار لما بعده ومعناها الوعاء حقيقة أو مجازاً، فالحقيقة نحو: جعلت المتاع في الوعاء، ومنه قوله تعالى:{أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} (البقرة: 395). والمجـاز نحـو: دخلت في الأمر وتكلمت في شأن حاجتك ومنه قوله تعالى:{ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّة} (البقرة: 208). ونحـو{وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْر} (الأنفال: 5). غير أنها في بعض الأحيان قد ترادف (إلى) فتقترض معنى انتهاء الغاية منها نحو قوله تعالى:{فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ} (إبراهيم: 6). أي إلى أفواههم .
الباء- في:
أ- (الباء) الأصل فيها أن تفيد معنى القسم بل هي أصل أحرفه، ولذا خصت بجواز ذكر الفعل معها نحو: أقسم بالله لتفعلن ودخولها على الضمير نحو: بك لأفعلن غير أن (الباء) قد تقترض من (في) معنى الظرفية يدل على ذلك الشواهد الكثيرة منها قوله تعالى:{وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ وَبِاللَّيْلِ} (الصافات: 37، 38). أي وفى الليل ونحو{وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ} (آل عمران: 123). أي في بدر ونحو{إِلاَّ آلَ لُوطٍ نَجَّيْنَاهُمْ بِسَحَرٍ} (القمـر: 36). أي في سحر ونحو{وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيّ}(القصص: 44). أي في جانب الغـربي، ونحـو:{وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّءا لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتاً} (يونس: 87). أي في مصر، ونحو قول زهير:
بـها الـعِـينُ والآرام يَمْـشِـين خِلْفَـة وأطْـلاؤهـا ينهـضـن من كل مجثـم
وقال ذي الرُّمَّه:
أذو زوجـة بالـمصـر أو ذو خصـومـة أراك لها بالـبـصـرة الـعـام ثاويـا
أي فيها العين والآرام وأذو زوجة في المصر .
ب- وقد تقترض (في) معنى )الباء) وذلك نحو قول زيد الخير بن مهلهل:
ويـركـب يـوم الـروع منَّـا فـوارسٌ بصـيرون في طعن الأبـاهـر والكـلى
أي بصيرون بطعن الأبـاهر، وقال بعضهم إن (في) بمعنى (الباء) في قوله تعالى:{جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً وَمِنَ الأَنْعَامِ أَزْوَاجاً يَذْرَأُكُمْ فِيهِ} (الشورى:11). وقد جعلها ابن هشام للتعليل موافقاً الزمخشري في ذلك .
الباء- عن:
أ- (الباء) تفيد القسم في أظهر معانيها كما تقدم ولكنها في بعض أحوالها قد تأتي في الأسلوب مفيدة معنى (المجـاوزة) مقـترضة هذا المعنى من (عن) نحـو قولـه تعالى:{سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ} (المعـارج:ا) أي عن عذاب واقـع، ونحـو:{فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيراً} (الفرقـان: 56) أي فاسأل عنه خبيراً، ونحو: {يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ} (الحديد: 12) أي بين أيديهم وعن أيمانهم، ونحو: {وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ} (الفرقان: 25) أي يوم تشقق السماء عن الغمام. غير أن الزمخشري جعل (الباء) في هذه الآية بمنزلتها في شققت السنام بالشفرة. على أن الغمام جعل كالآلة التي يشق بها، قال: ونظيره قوله تعالى:{السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ} (المزمل: 18).
ومن مجيء (الباء) بمعنى _(عن) نظماً قول علقمة بن عبده:
فإن تسـألـونـي بالـنـسـاء فإنـنـي بصـيـر بأدواء الـنـسـاء طبـيـب
أي فإن تسألوني عن النساء.
وقول عنتره:
هلا سألـت الخـيـل يا ابـنـة مـالـك إن كنـت جـاهـلة بمـا لم تعـلمـي
أراد: عما لم تعلمي.
وقول النابغة الجعدي:
سـألـتـنـي بأنــاس هـلـكــوا شـرب الـدهـر عـليـهـم وأكـل
أي سألتني عن أناس.
وقول النابغة الذبياني:
كـأن رحلـي وقـد زال الـنَّهـار بنـا بذي الجـليـل علـى مسـتأنس وحَـد
أي وقد زال النهار عنا.
فالباء في كل ما تقدم تفيد معنى المجاوزة على سبيل الاقتراض من (عن) .
ب- أما (عن) فهي حرف يفيد معنى المجاوزة ولم يذكـر البصـريون سواه. نحو: سافـرت عن البلد، ورغبت عن كذا، ورميت السهم عن القـوس ، وغـير البصريين يذهبون إلى أنها تفيد معاني أخر منها قد تجئ بمعنى الباء أي تقترض معناه يدل على ذلك الأمثلة الآتية:
قال تعالى: {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى} (النجم: 3). أي وما ينطق بالهوى. غير أن بعضهم ذهب إلى أن الباء في هذه الآية على حقيقتها أي ما يصدر قوله عن الهوى .
وتقول العرب: رميت عن القوس أي رميت بالقوس، وقال امرؤ القيس:
تَصـدُّ وتبـدى عن أسـيـل وتـتقى بنـاظـرة من وحـشـي وحـرة مطفـل
أي تصد وتبدى بأسيل، فعن في البيت بمعنى الباء .
الباء- على:
أ- وأيضاً فالباء المتقدمة قد تأتي في بعض الأحيان مفيدة معنى الإستعلاء مقترضة هذا المعنى من (على) نحو قوله تعالى:{وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ} (آل عمران: 75) أي تأمنه على قنطار، بدليل قوله تعالى:{هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلاَّ كَمَا أَمِنْتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ مِنْ قَبْل} (يوسف: 64) ونحو قوله تعالى:{وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ} (المطففين: 30) أي إذا مروا عليهم يتغامزون بدليل قوله تعالى:{وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ} (الصافات: 137).
ومن مجيء الباء بمعنى الإستعلاء أيضاً قول الشاعر:
أربُّ يـبـول الـثـعلـبـان بـرأسـه لقـد هان من بالـت عليـه الثـعـالـب
أي يبول الثعلبان على رأسه، ويؤكد ذلك الشطر الثاني من البيت .
ب- ومعلوم أن (على) تفيد معنى الإستعلاء كما سيأتي الكلام على ذلك لكنها قد تأتي مفيـدة معنى الباء نحو قوله تعال:{حَقِيقٌ عَلَى أَنْ لا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلا الْحَقّ} (الأعراف: 105) أي حقيق بأن لا أقول، وقد قرأ أبي بن كعب المتوفى سنة 21 هـ الآية المتقدمة بالباء، وقد سمع: اركب على اسم الله أي اركب باسم الله .
وقال امرؤ القيس:
بـأي عـلاقـتـنـا تـرغـبـون عـن دم عـمـرو عـلـى مـرتـد
أراد: ترغبون عن دم عمرو بدم مرتد وليس بدونه.
وقال أبو ذؤيب الهذلي:
فـكـأنـهـنَّ ربـابـة وكـأنـه يَسَـرٌ يفـيض علـى القـداح ويَصْـدَع
أي يفيض بالقداح أي يضرب بها.
فيلاحظ أن (على) قد تأتى بمعنى (الباء) كما يشهد لذلك الأمثلة المتقدمة .
الباء- مـن:
قد ترد (الباء) المتقدمة في الأسـاليب مفيدة معنى التبعيض مقترضة هذا المعنى من (مـن) قال بهذا الأصمعي والفارسي والقتبي وابن مالك والكوفيون ، وجعلوا من ذلك قوله تعالى: {عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ} (الإنسان: 6) أي يشرب منها عباد الله، ومن ذلك قول أبي ذؤيب الهذلي:
شربـن بمـا البـحـر ثـم تـرفـعـت مـتـى لحـج خـضـر لهـن نئـيـج
أي شربن من ماء البحر.
وقول جميل :
فـلـثـمت فـاهـا آخـذاً بقـرونهـا شـرب النـزيـف ببرد ماء الحـشـرج
أي شرب النزيف من برد ماء الحشرج، فقد جاءت (الباء) بمعنى (من) فيما تقدم.
ب- ومن المعلوم أن (مـن) تفيد ابتداء الغاية حتى ادعى جماعة أن سائر معانيها راجعة إليه لكن الأرجح أن ابتداء الغاية مطلقاً هو أشهر معانيها قال السيوطي في المطالع السعيدة .
(مـن) لابتداء الغاية مطلقاً مكاناً أو زماناً أو غيرهما نحو قوله تعالى: {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى} (الإسراء: ا) ونحو الحديث الشريف:"فمطرنا من الجمعة إلى الجمعة" وقوله تعالى: {إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ}(النمل: 35).
وقـد تأتى (مـن) مفيدة معنى الإستعانة مقترضة هذا المعنى من (الباء) قال بهذا يونس بن حبيب ومثل لذلك بقوله تعالى:{مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ} (الشورى: 45) أي ينظرون بطرف خفي، وعلى هذا النحو أورد الهروي عدة آيات قرآنية ظهر فيها أن (من) بمعنى الباء نحو قوله تعالى:{يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ} (الرعد: 11) أي بأمر الله ونحو{يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِه} (غافر: ه) أي بأمره ونحو{تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ} (القدر: 4، 5) أي بكل أمر سلام، (فمن) في كل ما تقدم بمعنى الباء.
عـلى- عـن:
أ- سبق القـول أن (معنى الإستعلاء) في (عـلى) هو أظهر معـانيها، سواء كان الإستعلاء حقيقياً نحـو قوله تعالى:{وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ} (المؤمنون: 22) أم مجازياً نحو قوله تعالى:{وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ} (الشعراء:14) ونحو{تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ} (البقرة: 252) ونحو{وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَة} (البقرة: 228) غير أنها في بعض الأحيان قد تقترض (معنى المجاوزة) من (عن) نحو قول القحيف بن سليم العقيلي:
إذا رضـيـت علـيَّ بـنـو قـشيـر لـعـمـرو الله أعـجـبـنـي رضـاهـا
أي إذا رضيت عنىِّ بنو قشير، ويحتمل أن يكون (رضي) ضمن معنى (عطف) من باب إعطاء الشيء حكم ما أشبهه في معناه، ولهذا تعدت رضي بعلى في البيت المتقدم لما كان (رضي عنه) بمعنى أقبل عليه بوجه وده، وقال الكسائي:" إنما جاز هذا حملاً على نقيضه وهو سخط " .
ومن مجيء (عـلى) بمعنى (عـن) قول عدي بن زيد:
فـي ليـلـة لا نـرى بـهـا أحـداً يحـكـي عـليـنـا إلا كـواكـبـهـا
أي يحكى عنا إلا كواكبها، وقـال بعضهم أن (يحكي) ضمن معنى ينم ولذلك عداه بعلي فهو من باب إعطاء الشيء حكم ما أشبهه في المعنى.
ب- (عـن) تفيد (معنى المجاوزة) ولا تفيد سواه عند البصريين قد تخرج عن هذا المعنى فتفيد (معنى الإستعلاء) مقترضة إياه من (عـلى) وذلك على رأي غير البصريين. يشهد لذلك قوله تعالى:{وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِه} (محمد: 38) أي يبخل على نفسه. وقول ذي الأصبع العدواني:
لاه ابـن عمك لا أفـضلت في حسـب عنـي ولا أنـت ديـانـى فتـخـزوني
وقد فسر البيت ابن هشام بقوله: أي لله در ابن عمك لا أفضلت في حسب عَلَىَّ ولا أنت مالكي فتسوسني، وذلك لأن المعروف أن يقال: أفضلت عليه ، ونحو قوله تعالى:{إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي} (ص: 32) أي قدمت الخير على ذكر ربي.
عـلى- اللام:
أ- وإذا كان الإستعلاء في (عـلى) هو أظهر معانيها فإنها أحياناً قد تأتي مفيدة معنى التعليل مقترضة هذا المعنى من (اللام) نحـو قوله تعالى:{وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ} (البقرة: 185) أي لهدايته إياكم، ومن ذلك قول عمرو بن معديكرب:
علام تقـول الـرمـح يثـقـل عاتقـي إذا أنـا لم أطـعـن إذا الخـيـل كـرت
أي لم تقول الرمح يثقل عاتقي، (فعلى) في البيت بمعنى (اللام) .
ب- وقد تأتي (اللام) مفيدة معنى الإستعـلاء الحقيقي والمجازي، مقترضة هذا المعنى من (على) فالإستعـلاء الحقيقي نحو قوله تعالى{يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّداً} (الإسراء: 109) أي ويخرون على الأذقان، ونحو قوله تعالى{وَإِذَا مَسَّ الإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ} (يونس: 12) أي دعانا على جنبه، وقوله تعالى{فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ}(الصافات: 153) أي وتله على الجبن، ونحو قول الأشعث الكندي:
تنـاولـت بالـرمـح الطـويـل ثيـابـه فخـر صريـعـاً لليـديـن والـفـم
أي فخر صريعاً على اليدين والفم.
والإستعـلاء المجـازي نحو قوله تعالى:{إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا} (الإسراء: 7) أي وإن أسأتم فعليها ونحو قوله عليه الصلاة والسلام لعائشة رضي الله عنها:"اشترطي لهم الولاء" أي اشترطي عليهم الـولاء. وقد أنكر النحاس أن يكون لهم في الحديث بمعنى عليهم، وذهب إلى أن المعنى من أجلهم، فاللام قد جاءت على أصلها في رأيه .
عـلى- في:
أ- وقد تأتى (على) مفيدة (معنى الظرفية) مقترضة هذا المعنى من (في) نحو قوله تعالى:{وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا} (القصص: 15) أي في حين غفلة من أهلها. وقـوله تعالى:{وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ} (البقرة: 152) أي ما تتلوا الشيـاطين في زمن ملكـه، ويحتمل أن تكون (على) في الآية حقيقتها إذا ضمن {تَتْلُوا} معنى تقول، فيكون بمنزلة {وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأَقَاوِيلِ} (الحاقة: 44) من مجيء على بمعنى (في) أي مفيدة معنى الظرفية قول الأعشى:
فضل على حـين الـعشيـات والضحى ولا تعـبـد الـشـيطـان والله فاعبـدا
أي: فصل في حين العشيات.
ويقال: أتيته على عهد فلان. أي أتيته في عهد فلان .
ب- وقـد تأتي (في) مفيدة معنى الإستعلاء مقـترضة هذا المعنى من (على) قال بذلـك الكـوفيون وجعلوا من ذلك قوله تعالى :{وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ}(طه: 17) أي على جذوع النخل غير أن البصريين قالوا إن (في) في الآية الكريمة على بابها أي مفيدة معنى الظرفية والمعنى: أن النخلة مشتملة على المصلوب، لأنـه إنـما يصلب في عراضها لا عليها، فكأنها صارت له وعاء أو اشتملت عليه .
ومن مجيء يكفى (في) بمعنى (على) قول سويد بن كاهل أو غيره:
هم صلبـوا الـعـبـدى في جذع نخـلة فلا عطـسـت شيـبـان إلا بأجـدعـا
أي هم صلبوا العبدى على جذع نخلة.
وقول عنترة بن شداد:
بَـطَـلُ كـأن ثـيـابـه في سـرحـة يحـذى نعـال السـبـت ليـس بتـوءم
والسرحة: الشجـرة العظيمة أي ثيابه على شجرة. ونحو قوله تعالى{أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ} (الطور: 38) أي يستمعون عليه .
عـلى- مـن:
وقد تأتى (على) لما مفيدة معنى ابتداء الغـاية مقترضة هذا من (من) نحو قوله تعالى:{وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ} (المطففين: 1، 2) أي إذا اكتالوا من الناس. وقوله تعالى:{ وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِم} (المؤمنون: 5، 6) أي إلا من أزواجهم بدليل: "احفظ عورتك إلا من زوجتك وما ملكت يمينك ". وقوله تعالى:{مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الأَوْلَيَانِ} (المائدة: 157) أي استحق منهم الأوليان. وقول أبى المثلم الهذلى يصف كتيبة: .
متـى ما تنـكـروهـا تعـرفـوهـا علـى أقطـارهـا عـلـق نفـيـث
أي من أقطارها، والعلق: الدم الجامد. ونفيث: منفوخ.
ب- وقـد تأتى (من) بمعنى (على) أي مفيدة معنى الاستعلاء نحـو قولـه تعالى:{وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنَا} أي ونصرناه على القوم الذين كذبوا، وقيل: ضمن (نصرناه) معنى منعناه أي منعناهم بالنصر.
وهكـذا جاءت (على) في الأساليب بمعنى (من) أي مفيدة معنى ابتداء الغـاية، وجاءت (من) بمعنى (على) أي مفيدة معنى الاستعـلاء وكـل ذلـك على سبيل التقارض بينهما في المعاني .
عن- اللام:
وقد تترك (عن) معنى المجاوزة إلى إفادة ( التعليل) على سبيل الاقتراض من( اللام) نحو قوله تعالى {وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لأبِيهِ إِلاَّ عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاه}( التوبة: 114) أي إلا الموعدة وعدها إياه، وقوله تعالى :{وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ} (هود: 5) أي ما نحن بتاركي آلهتنا لقولك، وقد ذهب الزمخشري إلى غير هذا فجوز أن يكون (عن قولك) حالاً من ضمير تاركي أي ما نتركها صادرين عن قولك، فليست عن بمنزلة اللام على رأيه .
ب- وقـد تأتى (اللام) بمعنى (عن) أي مفيدة (معنى المجـاوزة) نحو قوله تعالى {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كَانَ خَيْراً مَا سَبَقُونَا إِلَيْه} (الأحقاف: 11) أي قال الذين كفروا عن الذين آمنوا قال بهذا ابن الحاجب، وذهب ابن مالك وغيره إلى أن اللام في الآية لام التعليل، وقيل هي لام التبليـغ والتفت عن الخطاب إلى الغيبة، أو يكون اسم المفعول لهم محذوفـاً أي قالوا لطائفة من المؤمنيـن لما سمعوا إسلام طائفة أخرى، وحيث دخلت اللام على غير المقول له فالتأويل على بعض ما ذكر .
عن- مـن:
أ- وقد تأتى (عـن) بمعنى (مـن) أي مفيدة معنى ابتداء الغاية. نحو قوله تعالى :{وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوبَةَ عَنْ عِبَادِهِ} (الشورى: 25) أي يقبل التوبة من عباده، وقوله تعـالى{أولئك الذين نتقبل عنهم أحسن ما عملوا} (الأحقاف: 16) أي يتقبل منهم أحسن ما عملوا بدليل قوله تعالى{فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَر} المائدة: 27) وبدليل قوله تعالى:{رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} (البقرة: 127).
ب- وقـد تأتي (مـن) مرادفـة (لعـن) فتفيد معنى المجاوزة على رأي بعضهم نحو قوله تعالى:{فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ} (الزمر: 22) أي عن ذكر الله، وقوله تعالى :{قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا} (الأنبياء: 97) أي في غفلة عن هذا، وذكر الهروى:" أنه قيل: حدثني فلان من فلان" أي حدثني فلان عن فلان.
قال ابن هشام:
وزعم ابن مالـك أن (من في نحو: زيـد أفضل من عمرو للمجاوزة، وكأنه قيل: جاوز زيـد عمراً في الفضل قال: وهو أولى من قول سيبويه وغيره أنها لابتداء الارتفاع في نحو: أفضل منه، وابتداء الانحطاط في نحو: شرمنه إذ لا يقع بعدها إلى، وقد رُدَّ على ابن مالك أنها لو كانت للمجاوزة في المثال المتقدم لصح في موضعها عن .
في - اللام:
أ- (في) تفيد معنى الظرفية. قال أبو على الفارسي:"وفى معناها الوعاء وذلك نحو: المال في الكيس واللص في الحبس ويتسـع فيها فيقال: زيد ينظر في العلم وأنا في حاجتك " وقد تخرج عن هذا المعنى إلى مرادفة (اللام) فتفيد معنى التعليل أو السببية نحو قوله تعالى {فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيه} (يوسف: 32) أي لمتنني لأجله. وقوله تعالى{وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ} (النور: 14) أي لأجل إفاضتكم فيه، ومن ذلك حديث الرسول عظيم:" دخلت امرأة النار في هرة حبستها " أي لأجل هرة فالهرة هي العلة والسبب في دخول المرأة النار.
ب- (واللام) التي تفيد معنى (التعليل) قد تخرج عنه إلى إفادة معنى الظرفية على سبيل الاقتراض من (في) نحو قوله تعالى:{وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ} (الأنبياء: 11) أي ونضع الموازين في يوم القيامة. وقوله تعالى:{يَسْأَلونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُو} (الأعراف: 187) أي لا يجليها في وقتها إلا هو، قيل: ومنه قوله تعالى:{يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي} (الفجر: 24) أي في حياتي. وقولهم: مضى لسبيله أي مضى في سبيله .
في- من:
أ- وقد تأتى (في) بمعنى (من) أي تأتي مقترضة معنى ابتداء الغاية أو التبعيض من (من) نحو قول امرىء القيس:
ألا عم صبـاحـاً أيهـا الطلل البـالـي وهـل يعمن من كان في العصـر الخـالي
وهـل يعـمن من كان أحـدث عهـده ثـلاثيـن شـهـراً في ثـلاثـة أحـوال
أي من كان من العصر الخالي وثلاثين شهراً من ثلاثة أحوال.
ب- وقد تأتى (من) بمعنى (في) أي تفيد معنى الظرفية على وأي بعضهم نحو قوله تعالى:{أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الأَرْضِ} (فـاطر: 40) أي ماذا خلقوا في الأرض، وقـوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسَعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ} (الجمعة: 9) أي نودي للصلاة في يوم الجمعة.
وقد ذهب ابن هشام إلى أن: "من في الآية الكريمة لبيان الجنس وليست بمعنى في" .
اللام- مـن:
أ- وقـد تخرج (اللام) عن معنى التعليل فتأتى بمعنى (من) أي تفيد معنى ابتداء الغاية نحو قولهم: "سمعت له صراخاً " أي سمعت منه صراخاً. ونحو قول جرير:
لنـا الفضـل في الـدنيـا وأنفـك راغم ونـحـن لكـم يوم القيـامـة أفضـل
أي ونحن أفضل منكم يوم القيامة .
ب- وقـد تخرج (من) عن إفـادة ابتداء الغاية فتأتي بمعنى (اللام) أي تفيد معنى التعليل نحـو قوله تعالى: {مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا}(نوح: 25) أي لأجل خطيئاتهم أغرقوا. ونحو قول امرىء القيس:
وذلــك مــن نبــأ جـاءنـي وخـبـرتـه عــن أبـي الأسـود
أي وذلك لأجل نبأ جاءني.
ونحو قول الفرزدق:
يُغْضِي حيـاءً وُيـغضِي مـن مـهابـتـه فـمـا يكـلـم إلا حـيـن يبـسـم
أي ويغضي لأجل مهابته .
أو- الواو:
أ- (أو) حرف عطف يفيد معنى الشك أو الإبهام أو التخيير أو الإباحة، وفي بعض الأحيان قد يأتي هذا الحرف مفيداً معنى (الواو) أي يفيد معنى الجمع المطلق قال بذلك الكوفيون والأخفش والجرمى واحتجوا بقول توبه بن الحُميرِّ:
وقـد زعـمـت ليـلى بأنـي فاجـر لنفسي تقـاهـا أو عليهـا فجـورهـا
أي لنفسي تقاها وعليها فجورها (فأو) بمعنى (الواو). قال المالقى: وهو قليل لا يقاس عليه . وقيل (أو) في البيت للإبهام أي جاءت على بابها.
واحتجوا أيضاً بقول جرير في مدح عمر بن عبد العزيز:
جـاء الخـلافـة أو كـانـت له قـدراً كـما أتـى موسـى ربـه على قـدر
(فأو) في الشطر الأول لمطلق الجمع كالواو.
ويقول النابغة الذبياني:
قالـت: ألا ليـتـما هـذا الحـمام لنـا إلـى حمامـتـنـا أو نصـفـه فقـد
(فأو) في البيت لمطلق الجمع كالواو.
ويقول حميد بن ثور:
قوم إذا سمـعـوا الـصـريـخ رأيتهـم مـا بـين مـلجـم مهـره أو سافـع
فأو في الشطر الثاني لمطلق الجمع كالواو. والسافع: هو الآخذ بناصية الفرس من غير لجام.
وقال الرماني: "ذهب قوم من الكوفيين إلى أن (أو) بمعنى(الواو)وجعلوا من ذلك قوله تعالى: {لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى}(المرسلات: 6) ومثله: {عُذْراً أَوْ نُذْراً} (طه: 44). وفى قوله تعالى: {أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ أَوَآبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ} (الواقعة: 47، 48) ذهب المالقي إلى أن (أو) في الآية بمعنى (الواو) على قراءة من سكن الواو في قوله تعالى: {وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ} (الصافات: 147) (أو) بمعنى الواو أي مائة ألف ويزيدون. في قوله تعالى: {وَلا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ} (النور: 61) ذكر ابن مالك:" أن (أو) في الآية بمعنى (ولا) ". قال ابن هشام:" إن (أو) في الآية بمعنى (الواو) وإنما جاءت (لا) في الآية توكيداً للنفي السابق ومانعة من توهم تعليق النفي بالمجموع لا بكل واحد، وذلك مستفاد من دليل خارج عن اللفظ وهو الإجماع" .
ب- وقد تخرج (الواو) عن إفادة (مطلق الجمع) فتأتي بمعنى (أو) أي تفيد الإباحة أو التخيير وقالوا إن مجيء (الواو) بمعنى (أو) على ثلاثة أقسام:
أحدها: أن تكون بمعنى (أو) في التقسيم نحو قولك: الكلمة اسم وفعل وحرف أي الكلمة اسم أو فعل أو حرف، ونحو قول عمرو بن براقة:
ونـنـصـر مولانـا ونـعـلم أنـه كـما الـنـاس مجروم عليـه وجـارم
(فالواو) في الشطر الثاني بمعنى (أو) وذهب ابن هشام: إلى أن الواو جاءت على أصلها لمطلق الجمع.
الثاني: أن تكون (الواو) بمعنى (أو) في إفادة الإباحة وعلى ذلك الزمخشري، وزعم أنه يقال: جالس الحسن وابن سيرين أي جالس أحدهما، وأنه لهذا قيل: {تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ} (البقرة: 192) بعد ذكر ثلاثة وسبعة لئلا يتوهم إرادة الإباحة وقد رد ابن هشام ما ذهب إليه الزمخشري .
الثالث: أن تكون (الواو) بمعنى (أو) في إفادة التخيير، واستدلوا بقول كثير عزه:
وقـالـوا نأت فاختر لها الصـبر والبكـا فقـلت: الـبكـا أشفى إذن لغليلـي
أي فاختر لها الصبر أو البكاء أي أحدهما، إذ لا يجتمع البكاء مع الصبر.
مـع- بعـد:
أ- (مع) اسم يدل على الظرفية ويستعمل مضافاً ومفرداً فيستعمل مفرداً نحو قول جندل بن عمرو:
أفـيقـوا بني حرب وأهـواؤنـا معـاً وأرماحنـا موصـولـة لم تقـضـب
وحين يستعمل مضافاً فإنه يفيد ثلاثة معان:
أحدها: موضع الإجتماع ولهذا يخبر به عن الذوات نحو: الكتاب معك.
والثاني: زمان الإجتماع نحو: جئتك مع الظهر.
والثالث: بمعنى (عند) كقراءة بعضهم: {هَذَا ذِكْرُ مَنْ مَعِي} (الأنبياء: 24) وكما تأتي في الأسلوب موافقة لعند فقد ذكر الهروي أنها قد تأتي بمعنى (بعد) واستدل بقول الله عز وجل: {فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً} (الانشراح: 5) معناه: فإن بعد العسر يسر. ولما ذكر العسر بالألف واللام ثم أعاد ذكره، يوجب أن العسر الثاني هو الأول وصار المعنى: إن مع العسر يسرين، ومنه الحديث:"لا يغلب عسر واحد يسرين " .
ب- (بعد) هو أحد الظروف الذي لا يلازم البناء، فهو يبنى في بعض الأحوال ويعرب في بعضها الآخر كقيل ودون وأول والجهات الست، ويأتي هذا الظرف أي (بعد) في مقابل (قبل) نحو قوله تعالى: {لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ} (الروم: 4) وقد يخرج عن معنى مقابلة قبل فيأتي بمعنى (مع) نحو قول الله سبحانه وتعالى: {عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ} (القلم: 13) أي عتل مع ذلك زنيم.
وهكذا يلاحظ أن مع وبعد تقارضاً المعاني فيما بينهما .
وبعـد فلعلي أكون قد ألممت بما يجب أن يقال في (ظاهرة التقارض في النحو العربي)، وربما فاتني منها القليل أو الكثير أرجو الله أن يهديني إليها في قابل الزمان، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

سليمان الأسطى
10-02-2008, 07:56 PM
بارك الله فيك و جعل سعيك مشكورا