المساعد الشخصي الرقمي

اعرض النسخة الكاملة : الأمية الجديدة في جامعات الوطن العربي



د.سليمان خاطر
17-02-2008, 06:48 AM
الأمية الجديدة بجامعات الوطن العربي




اهتمام اليونسكو بالتنوع اللغوي

أ. د. محمود الذوادي*
يزداد اهتمام منظمة اليونسكو في العقود الأخيرة بمسألة المحافظة على التنوع اللغوي في العالم. فنشرت منذ سنوات أطلس اللغات المهددة بالزوال في العديد من المناطق على الكرة الأرضية. إذ تشير بعض التوقعات أن نهاية القرن الحادي والعشرين سوف تشهد اندثار 3000 لغة. واختارت اليونسكو أخيرا يوم 21 فبراير اليوم العالمي للغة الأم أي اللغة القومية لتحسيس الناس على مستوى عالمي بمدى أهمية القضية اللغوية ورفع مستوى وعيهم بأولوية المحافظة على لغاتهم القومية
والوطنية والمحلية.
إن اللافت للنظر بهذا الصدد أن المؤتمر الأول الذي عقده العرب لمعالجة الضعف والتردي في اللغة العربية كان في عام 1947. أي قبل60 سنة من انعقاد المؤتمر الثاني بالقاهرة هذه السنة 2007. وإذا استمر اهتمام العرب بلغتهم على هذا المنوال فإنه يؤمل أن يعقد المؤتمر الثالث القادم في 2067. وليست ظاهرة " الأمية الجديدة " إلا أبرز النتائج الخطيرة لإهمال العرب للغة العربية الفصحى: لغتهم الوطنية والقومية. فدعونا نتعرف على بعض معالم " الأمية الجديدة " عند النخب المتعلمة والمثقفة في الجامعات العربية التي يفترض أن تكون الحصن المنيع للغة الضاد في المجتمعات العربية.

ظاهرة الأمية الجديدة في الغرب

إن مصطلح "الأمية الجديدة" مصطلح حديث الاستعمال. فقد بدأ تداوله في المجتمعات الغربية المتقدمة وخاصة بجامعاتها. فبعض جامعات هذه الدول مثل الولايات المتحدة الأميركية وكندا قررت عدم قبول الطلاب والطالبات في برامجها وأقسامها إلا بعد نجاحهم في امتحانات لغوية (بالإنكليزية) تعدها المؤسسة الجامعية المعنية. بينما قامت جامعات أخرى بتقديم دروس لغوية إنكليزية إضافية للطلاب والطالبات المقبولين من أجل تحسين مستوى لغتهم الذي يؤهلهم في نهاية الأمر للدراسة الجامعية. إن منطق مسؤولي هذه الجامعات في التركيز على أهمية المقدرة اللغوية قراءة وكتابة لدى الطالبات والطلاب الجامعيين لا يمكن أن يخفى على كل من يعرف العلاقة الوثيقة بين المقدرة اللغوية واكتساب المعرفة بكل أنواعها وفروعها. وقد أثبتت الدراسات اللغوية الحديثة مدى أهمية علاقة المهارات اللغوية ليس في فهم المرء واستيعابه للمعرفة الإنسانية فحسب وإنما أيضا في تحديد نوعية عملية التفكير عند الإنسان. ويبدو أن الوعي بهذا الأمر شبه غائب عند كبار المسؤولين بالجامعات العربية. فمعظم الجامعات العربية تدرس العلوم باللغات الأجنبية رغم ضعف مستوى الطلبة في اللغات الأجنبية مقارنة بمستواهم في اللغة العربية. وتتمثل النتيجة المباشرة لذلك في عدم سهولة الفهم الكامل لدى الطلبة للمادة العلمية التي يدرسونها. ويتوقع أن يكون لهذا الواقع اللغوي انعكاسات سلبية على مسيرة التقدم العلمي عند خريجي تلك الجامعات العربية الذين لا تمكنهم اللغة الأجنبية من سهولة الفهم للعلوم، من ناحية، وسهولة التعبير عنها والابتكار فيها، من ناحية أخرى.

ملامح الأمية الجديدة عند أساتذة الجامعات العربية
ولقياس درجة مدى انتشار الأمية الجديدة بين الأساتذة الجامعيين العرب لا بد من التذكير هنا بمعنى الأمية التقليدية (القديمة): وهي عدم القدرة على القراءة والكتابة. أما دلالة مفهوم الأمية الجديدة في هذا المقال، فتعني عندنا أن المسمى "بالأمي العربي الجديد" هو ذلك المتعلم ذو المستوى العالي (كالطالب والأستاذ الجامعي) من التعليم والثقافة ومع ذلك فهو غير قادر لا على القراءة ولا على الكتابة ولا على الحديث بطريقة سليمة باللغة العربية الفصحى التي كان له معها احتكاك منذ المرحلة الابتدائية التعليمية حتى المستوى العالي الجامعي.
بالنسبة لأعضاء هيئات التدريس بالجامعات العربية، فقد سجلنا الملاحظات التالية كمؤشرات ميدانية ذات دلالة واضحة على وجود ظاهرة الأمية الجديدة بين أساتذة ومدرسي الجامعات العربية.
أ- لا يكاد يوجد بين أعضاء هيئة التدريس بالجامعات العربية (بما في ذلك من يدرس اللغة العربية نفسها) من يقوم بالتدريس بالفصحى. فوسيلة التدريس الشائعة في قاعات التدريس بالجامعات العربية هي العاميات العربية المتنوعة من المشرق والمغرب العربيين. فجامعات الجزائر ومجتمعات الخليج كانت ولا تزال هي أكثر الجامعات العربية عرضة لموجة اللهجات العربية الكاسحة لقاعات التدريس وذلك بسبب حاجة هذه الجامعات لاستجلاب هيئات التدريس من مجتمعات عربية مختلفة كمصر والسودان والأردن والعراق وسوريا وتونس والمغرب.
فاستعمال العاميات في التدريس أصبح سمة لغوية من سمات هذه الجامعات. وفي جو تعدد وطغيان اللهجات العامية العربية هذه في قلب المؤسسة الجامعية العربية هل يبقى من معنى للقائلين بأن للجامعة دورا مهما في تعريب و"تفصيح" لغة المجتمع العربي المعاصر؟ أليس أكثر دقة وواقعية القول أن الجامعات العربية تساهم هي الأخرى في تعزيز مركز العاميات على حساب الفصحى بهذه المجتمعات العربية؟
ب ـ إن الأمية الجديدة عند أعضاء هيئات التدريس العربية بالجامعات العربية تنتشر ملامحها أيضا خارج قاعات التدريس. فمن النادر مثلا أن يتحدث عضو هيئة التدريس سواء كان في ندوة علمية، أو في اجتماع قسم أو في مجلس مناقشة رسالة أو أطروحة طلابية ويتقيد في حديثه باللسان العربي الفصيح. وهو إذا لجأ إلى قراءة كلمته أو محاضرته بالفصحى المكتوبة غير المشكولة فيندر أن لا يلحن حتى إذا لاذ إلى حيلة الوقوف على السكون تكرارا ومرارا ليسلم لسانه ظاهريا. فالأمر هنا بيّن أن ظاهرة الأمية الجديدة بالتعريف الوارد هنا شائعة فعلا بين أعضاء هيئات التدريس بالجامعات العربية. لكن قد يعتقد البعض أن اللجوء إلى اللهجات العامية من طرف هؤلاء في قاعات التدريس لا يمكن أن يكون في حد ذاته دليلا قاطعا على جهل المدرسين والأساتذة بالفصحى. فقد يحجم عضو هيئة التدريس على استعمال الفصحى رغم إلمامه بها نظرا لأن المعايير اللغوية الاجتماعية لا تسمح له بذلك. فهو قد يوصم بالانحراف إن استعمل الفصحى وذلك حتى داخل قاعات التدريس الجامعية. ومع ذلك يبقى في أيدينا وسائل أخرى يمكن بواسطتها اختبار مقدرة الشخص في معرفته للفصحى. فمقدرة الكتابة والقراءة للنصوص غير المشكولة هي أدوات تساعد فعلا على التحقق من مدى قدرة عضو هيئة التدريس على استعمال الفصحى كلغة تدريس. إن السلوك اللغوي القرائي والكتابي ذو علاقة ارتباط قوية مع السلوك اللغوي الكلامي، وهذه خاصية مميزة للغة العربية الفصحى. فمن يقرأ مثلا النص العربي غير المشكول بطريقة سليمة يكون قادرا أساسا على التحدث بالعربية الفصحى بصورة صحيحة نحوا وصرفا، فكثرة اللحن في القراءة عند أعضاء هيئة التدريس هو مؤشر كاف على ضعفهم (الأمية الجديدة) في الفصحى ومنه فتحاشي التدريس بها لا يقتصر على مجرد الخوف من وصمهم بالانحراف اللغوي الاجتماعي فحسب وإنما يرجع ذلك أيضا إلى عدم الإلمام السليم بقواعد النحو والصرف للغة العربية الفصحى.

ملامح الأمية الجديدة عند الطلبة العرب

ولاختيار مدى إلمام الطلبة والطالبات باللغة العربية الفصحى لجأنا ـ في مناسبات عديدة خاصة أثناء نقاش أفكار المطالعات الأسبوعية مع الطلبة ـ إلى دعوتهم بطريقة عشوائية قراءة فقرة أو صفحة غير مشكولة من كتب أو مقتطفات المادة التي ندرسها لهم، علما أن عملية القراءة هي أسهل من عملية التحدث باللغة نفسها، لأن عملية التحدث تتطلب مجهودا أكبر يشبه الفرق من حيث الصعوبة بين عملية فهم اللغة بالاستماع إليها وعملية التحدث بها. وكانت تجربتنا هذه رغم بساطتها قد أكدت لنا بطريقة متكررة أن الطلبة لا يستطيعون فعلا قراءة نص عربي فصيح (غير مشكول) بدون الأخطاء المتكررة نحوا وصرفا وحتى في نطق أواسط الكلمات. وعندما نقترح على الطلبة التحدث بالفصحى أثناء المناقشة والتدريس للمواد المدرسية يقابل اقتراحنا غالبا بالتهكم والامتعاض من الجميع. وبدا لنا أن سلوكهم كان يمكن أن يكون أفضل (أي أقل سخرية) لو أننا طلبنا منهم التحدث بالإنكليزية أو الفرنسية في صورة معرفتهم لكلتي أو إحدى هاتين اللغتين.ويغلب على الطلاب والطالبات قراءة النصوص العربية الفصيحة بنطق يشبه كثيرا نطق نفس الكلمات والجمل بالعاميات العربية. وهذا أمر منتظر من وجهة نظر تحليل علم الاجتماع للظاهرة اللغوية. فاستعمال العاميات العربية كواقع لغوي سائد في الجامعات العربية لا بد أن يؤثر في إضعاف قدرة الطالب على القراءة السليمة نطقا ونحوا للنص العربي الفصيح.
وفيما يخص ضعف الطلبة العرب في الإلمام بالفصحى كتابة وقراءة وحديثا، فالأمر يبدو أنه متفق عليه من لدن كل من كان له احتكاك بهم وكان له معرفة بالفصحى تسمح له بقياس مقدرة الطالب والطالبة في لغة الضاد. نتوقف عند وضع اللغة العربية عند الطلبة السعوديين كمثال لمستوى الطالب الجامعي العربي. فقد كان طرح مجلة اليمامة السعودية لقضية تدهور مستوى الفصحى وما برهانا دامغا لكل من لازالت عالقة في قلبه ذرة واحدة من الشك بخصوص هذا الموضوع.
فالدكتور محمود كامل الناقة الذي قام بأبحاث لغوية في جامعة أم القرى بمكة المكرمة قد أدلى لمجلة اليمامة بملاحظات كاشفة حول جهل الطلبة بلغة الضاد. يرى أن علاقات ضعف الطالب في الفصحى تتمثل في الآتي: "الضعف الواضح في مهارة الكلام والحديث أو ما نسميه مصطلحا التعبير الشفوي ... بل يصل الأمر في كثير من الأحيان إلى إحجامه عن الحديث لعدم قدرته على ذلك. والضعف في مهارة القراءة. فالشكوى صارخة في عدم قدرة طلابنا حتى في التعليم الجامعي على قراءة فقرة قراءة صحيحة وفهمها فهما واعيا ... أضف إلى ذلك الضعف في القراءة الجهرية حيث نجد اللعثمة والتردد والحشرجة والنبرة النائمة والصراخ المزعج ... وبعد أن كان الكتاب خير رفيق وجليس وأنيس أصبح في حياة طلبتنا شيئا مكروها غير مرغوب، هل هناك ضعف أكثر من ذلك في اللغة العربية ؟ "
فهل يمكن تعميم تدهور مستوى الفصحى هذا على بقية الجامعات العربية ؟ الإجابة على مثل هذا التساؤل لا يمكن حسمها بسهولة. لكن رغم عدم وجود دراسات رسمية معروفة حول وضعية الفصحى بكل الجامعات العربية عند الطلبة والأساتذة فإن ملاحظاتنا الشخصية وملاحظات الآخرين للتكوين اللغوي الفصيح للطالب العربي بصفة عامة تسمح بالقول بأن مستوى الطالب العربي في الفصحى مستوى لا يتجاوز المقبول في أحسن الأحوال. وهاتان الصورتان للأمية الجديدة على المستوى الجامعي عند كل من الأستاذ والطالب في الجامعات العربية اليوم تطرحان تساؤلات أوسع وأشمل على الأنشطة التربوية التعليمية في الوطن العربي : كيف هو حال تعليم الفصحى واستعمالها في المراحل الابتدائية والإعدادية والثانوية في هذه الأنظمة ؟ : (1) هل أن الفصحى تدرس بالعامية كقواعد يتم حفظها دون استعمالها نحوا وصرفا وتعبيرا وحديثا من طرف التلاميذ ومعلميهم وأساتذتهم حتى في قاعات المدارس ؟ (2) أم هل أنها تدرس فعلا بكل جدية وبكل التزام من طرف هيئات تدريس يتقنون هم أنفسهم هذه اللغة ويحبون استعمالها على الأقل في قاعات التدريس ودروب المدارس؟.
إن حالة الفصحى المتردية على المستوى الجامعي، كما رأينا، لا يمكن تفسيرها بما جاء في السؤال الثاني. إذ لو كان الأمر كذلك لاستطاع تلامذة وطلبة الإعدادي والثانوي والعالي أن يقرؤوا قراءة صحيحة وأن يكتبوا كتابة سليمة وأن يتحدثوا بالفصحى حديثا مقبول المستوى تعبيرا وقواعد. ومن هنا فأزمة الفصحى كما وصفت هنا لابد أن تكون لها علاقة قوية مع ما جاء في التساؤل الأول أعلاه (1). ومهما اختلفت أسباب تدهور مستوى الفصحى بالجامعات العربية فإن هذا الواقع اللغوي مؤشر ذو دلالة بالغة على أن الأمن اللغوي للمجتمعات العربية مهدد فعلا، فإذا كانت حالة الفصحى قد بلغت تلك الدرجة من التدني في المؤسسات الجامعية فما بال حالها بين سواد المتعلمين الأقل تعليما وثقافة ؟.
إن مصير اللغات المكتوبة والمقروءة فقط مصير معروف جدا. فمصير اللغة اللاتينية لا بد أن يعتبر به أولو الألباب. فاللغة كائن حي لا يمكن أن تكون له حياة طبيعية فاعلة ومتفاعلة دون أن يستعملها مجتمعها بعفوية في صلب كل القطاعات الاجتماعية : حديثا وكتابة وقراءة. فإذا كانت ممارسة الحديث والكلام بأي لغة هي عصب حياتها، فإنه يتضح مدى ما تخسره اللغة العربية الفصحى من نبض الحياة الاجتماعية عندما تزيد العاميات العربية في سلبها لها هذا الدور الحيوي الذي أصبح يسمح لهم بالكتابة فعلا باللسان العربي الفصيح.

غربة الفصحى لا تكاد تطرح

ليس من الواقعية أن ينتظر المرء وعيا شعبيا عاما بقضية تدهور وضعية اللغة العربية الفصحى بالوطن العربي. وكيف يمكن ذلك والحال أن نسبة الأمية التقليدية نفسها (ناهيك عن الأمية الجديدة) لازالت سائدة في كثير من المجتمعات العربية ؟. أما بالنسبة للمتعلمين، فمسألة تردي الفصحى لا تطرح بحماس وجدية من طرف أغلبيتهم اليوم. ولعل هذا الصمت يرجع إلى بعض أو كل الأسباب التالية :
1- الخلط في التصور (نتيجة لعامل تأثير التشابه) بين استعمال العامية والفصحى. وهو يشبه الخلط بين مفهوم التعريب ومفهوم استعمال الفصحى السليمة.
2- إن استعمال العامية، من جهة، في الحياة الاجتماعية كلسان تخاطب جماعي والجهل الشائع، من جهة أخرى، بأسس اللسان العربي الفصيح حتى بين نخبة المثقفين (من أساتذة وطلاب جامعات) لا يشجع بأي حال من الأحوال على إثارة مسؤولة لقضية تدهور الفصحى نحو وصرفا وتعبيرا وكتابة وقراءة وحديثا في العالم العربي الحديث على العموم.
3- إن معرفة الفصحى لا يضمن العيش الكريم كما هو الحال في العديد من ميادين العمل بمجتمعات المغرب العربي وغيرها من المجتمعات العربية. وهذا لا يعني أن ليس هناك من أبناء وبنات هذه الأمة من لا يعتبر حالة الفصحى المتردية في المجتمعات العربية وحتى مؤسساتها الثقافية قضية لا يمكن الصمت عنها. لكن نداءات هذه الأقلية الواعية بأزمة الفصحى في المشرق والمغرب العربيين لا ينبغي أن ينتظر منها أن تحدث تغييرا ملموسا ما لم تترجم هذه الاحتجاجات إلى تطبيقات فعلية على مستويات شعبية ومؤسساتية. فالمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، مثلا، لا يبدو أنها واعية بمفهوم تدهور اللغة العربية الفصحى كما طرحت هنا. فالمنظمة تعددت أنشطتها ومشاغلها، لكن تجذير الفصحى السليمة في الوطن العربي بين المتعلمين ابتداء من مراحل تعليمهم الأولى لا يبدو أنه همّ من هموم المنظمة فهذه الأخيرة قادرة على أن تؤثر عبر حملات التوعية بأزمة الفصحى في كل أنظمة التعليم بالعالم العربي. ولكن صمت المختصين والمهتمين بميادين الثقافة والتربية والعلوم عن قضية غربة الفصحى السليمة بالعالم العربي حتى في الجامعات العربية هو ظاهرة في حد ذاتها حرية بالدراسة (3). وبالتالي فإن مفهوم المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم لـ "الأمن اللغوي" للوطن العربي يحتاج إلى أكثر من تساؤل. وعند اتصالنا باتحاد الجامعات العربية بالرياض لمعرفة إذا كانت هناك دراسات أو إحصائيات عن مدى استعمال الفصحى بالجامعات العربية عبر الوطن العربي اعترف المسؤولون الذين التقينا بهم بأنهم يجهلون وجود مثل هذه الدراسة. وأن كل ما يعرفونه هو عقد ندوات ومؤتمرات تمس من قريب أو من بعيد قضية التعريب. وتوصي جميعها على العموم بإعطاء كل الإمكانيات لدفع حركة التعريب في كل الميادين (ورغم العلاقة الظاهرة بين عمليتي تعريـب المصطلـحات والعبــارات و "تفصيحها" نحوا وصرفا وتعبيرا وحديثا... فإنه بوجود العاميات العربية ذات الاستعمال الواسع أصبحت العلاقة بين التعريب والتفصيح علاقة غير طردية بالضرورة كما بينّا : أي أنه ليس صحيحا أنه كلما عربنا كلما تحسنت استعمالاتنا للفصحى السليمة. ونظرا لاستعمال العاميات العربية بنسبة عالية حتى في تدريس الفصحى نفسها فإن التعريب أصبح يعني أساسا تحسين وإثراء العاميات وليس تمكين الإنسان العربي المعرب بالضرورة من إلمام بالفصحى يجعله قادرا على استعمالها كتابة وقراءة وكلاما بطريقة سهلة وسليمة.
الانعكاسات الخطيرة لتدهور الفصحى
لقد حددنا في هذا المقال بعض المؤشرات لقياس تدهور مستوى الفصحى بين المتعلمين في الوطن العربي اليوم، وبالتالي الأخطار المحدقة بالأمن اللغوي للأمة العربية. فما هي ما ترى انعكاسات هذا الواقع اللغوي المتدني على موقف، مثلا، الطلبة الجامعيين إزاء اللغة العربية الفصحى كلغة ؟ ثم ما هي آثار هذا الموقف على المجتمعات العربية ؟ .
إن الموقف العام الذي يصادفه الملاحظ لموقف الطالب والطالبة العربيين ذوي التكوين المتردي في اللسان العربي الفصيح هو موقف الحب والكراهية معا حيال الفصحى.فمن ناحية يشعرك الطالب العربي بعفوية بأن للعربية الفصحى في نفسه مكانة محترمة تستمد تجذرها من كونها الوعاء الرمزي للمسات القدسية والتراثية للانتماء العربي الإسلامي. لكن، من ناحية ثانية، يلحظ المرء ملامح الموقف العدائي المتخنس أو الصارخ عند كثير من الطلبة إزاء الفصحى خاصة تلك التي تنحرف عن أسلوب الجرائد والمجلات الشعبية. ومثل هذا الموقف ليس بغريب فعلا. فجذور الكراهية المستترة أو الناطقة ترجع بكل بساطة إلى مبدأ قانون : "جاهل الشيء كارهه". وأما الشعور بالاحترام والحب للسان العربي الفصيح فهو يعود باختصار إلى مدى اقتران وعلاقة هذا الأخير خاصة بأسس ذاتية الإنسان العربي المسلم. ومن هنا فتدني الفصحى في حد ذاتها ليس قضية لغوية بحتة كما يتبادر إلى الأذهان وإنما تمس انعكاساتها ذاتية الإنسان العربي نفسها طالما ظل هذا الأخير يعتبر اللغة العربية الفصيحة مذكرة تاريخه الماضي وبطاقة تعريفه في الحاضر وأداة تعبير على أماله المستقبلية. وبانتشار مثل هذا الموقف (الحب والكراهية) بين المتعلمين العرب يصبح للظواهر الآتية منطق ذو ثقل وأخطار على مستقبل هذه الأمة :
أ/تفشي العزوف العام عن القراءة بالفصحى بين المتعلمين بالعالم العربي اليوم.
ب/ندرة الابتكارات بالوطن العربي. ويرجع هذا حسب آخر البحوث اللغوية إلى العلاقة الوثيقة بين معرفة اللغة الوطنية (القومية) والمقدرة الذهنية المعرفية).
ج/إن تردي الفصحى وسطوة العاميات المتعددة على مجرى الحياة في مجتمعات الوطن العربي بما فيها الجامعات العربية قد يؤديان إلى ضعف رابطـة الانتماء العربي الكبير. فالفصحى - لا تـزال كما كانـت في أولى الفتوحات الإسلامية - أكبر عامل موحد بعد الإسلام لأمة العرب.

* قسم علم الاجتماع والعمل الاجتماعي
جامعة السلطان قابوس- مسقط / عمان

د.سليمان خاطر
17-02-2008, 06:52 AM
أيها الفصحاء الكرام،بعد التحية،هذا مقال نقلته إليكم من جريدة الوطن العمانية،أرجو أن تصبروا على قراءته مع أنه لا يخلو من طول،كما أرجو أن يجد منكم ما يستحقه موضوعه من اهتمامكم.والله المستعان.

قلب رجل
17-02-2008, 07:08 AM
د:سليمان خاطر شكرا لهذا النقل الرائع
وأنت تحدثت عن نقطة ذات أهميه قصوى
فاللغة العربية الفصحى تواجه خطرا بسبب تعدد اللهجات العامية وغيرها
وإن اللغة العربية الفصحى لم تجد من يدافع عنها كالسابق فشعوبنا العربية
لا تبالي بها فالإنسان لا يشعر بقيمة الشيء حتى يفقده
وأنا أرجو أن يشعروا بقيمتها قبل فقدانها
فنحن نجري خلف الغرب وعلومه متجاهلين أننا نحن أهل الحضارة والعلم
فمن هذا المنطلق نوجه صرختنا لابنائنا كي يحافظوا على هويتهم
فالفصحى هي ما تميزهم عن غيرهم
وهي أصعب اللغات في العالم
فليحمدوا الرب على هذه النعمة وليحافظوا عليها ولو أنهم أصلا سيعجزون عن قرضها
أان الله تعهد بحفظها وذلك حين تعهد بحفظ القرآن (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ )
فالعربية الفصحى هي لغة القرآن
تقبل مروري

نائل سيد أحمد
17-02-2008, 08:22 AM
جزاكم الله خيراً ... وليس خروجاً عن الموضوع ـ استفسار ـ يدور عندنا حديث بين مهتمين عند نقطة من نقاط .. هل من حرج في استعمال كلمة لغة على إعتبار أن كلمة لسان أصح ، لا أدري إن كان في هذا الإختصار كفاية ووضوح أم يلزم زيادة في الشرح .

رائد عبد اللطيف
17-02-2008, 08:13 PM
مقال قيم أخي د. سليمان ، قرأته على عجل ولي عودة إليه إن شاء الله تعالى

لولوة عمر
17-02-2008, 10:29 PM
أستاذي هذا ما هو متفشي بالفعل...في الكويت هناك توجه لفرض اللغة العربية البسيطة في عملية التدريس للمحافظة قدر الامكان على شي من الفصحى...ويدخل استخدام الفصحي البسيطة في درجة تقييم كفاءة المعلم...شكرا على هالفائدة

د.عمرو
18-02-2008, 09:17 AM
شكر الله لكم أستاذي على هذا النقل الجميل وشكر الله لكاتبه غيرته على لغتنا الجميلة.

والحقيقة التي لا مفر منها أنه لا سبيل إلى إصلاح هذا الوضع إلا بإعادة هيكلة شاملة لنظام التعليم من أوله، قبل الجامعي مرورا بالجامعي وحتى الأستاذية.

لنضع الأمر في نصابه كالتالي:
طالبٌ سقيم الفهم بارد الذهن لا يفقه شيئًا من أمر لغته وشريعته يتفوق على باقي الزملاء لوجود والده في منصب التدريس أو لواسطة هنا أو هناك دفعتْ به إلى مصاف الأوائل مع ما يحتوي عليه من فشل ذريع وجهل ضارب بأعماقه.
وما يلبث هذا الفاشل أن يصبح معيدًا بالجامعة ثم دكتورا ثم أستاذًا في يوم ما
بل قد يسعده الحظ فيتقلد بعض المناصب المهمة.
لكنه في كل هذه المراحل لم يتخلّ عن صفة الفشل والجهل الضارب بأعماقه.
ولك أن تتخيل جاهلا أراد أن يستر عورته وجهله فماذا يفعل؟
ولك أن تتخيل فاشلا أراد أن يثبت نجاحه فبمَ؟
ولك ولك

والنتيجة بعد ذلك كله معلومةٌ

ولهذا لابد من إعادة هيكلة لنظام التعليم بحيث يرجع كما كان قديما يعتمد على المقدرة والتفوق لا على المحسوبية والوساطة

وليتهم يعيدوا نظام (الكتاتيب) والطفل الموهوب وأمثال هذه الطرق التي تبعث على التفوق وشحذ الهمم.

أكرر شكري للكاتب والناقل
ودمتم بخير وعافية

د.سليمان خاطر
18-02-2008, 10:37 PM
إخوتي وأخواتي:قلب رجل،ونائل سيد أحمد،ورائد عبد اللطيف،ولولوة عمر،ود.عمرو،شكر الله لكم مروركم وتعليقاتكم وبارك فيكم.
لي تعليق على المقال المهم في موضوعه بعد قرءته قراءة متأنية فاحصة ناقدة،وأنتظر المزيد من مشاركات الفصحاء والفصيحات،وعودتك المنتظرة،أخي الأستاذ رائد.