المساعد الشخصي الرقمي

اعرض النسخة الكاملة : لك كــــل حيــاتـي



حــروف
29-08-2002, 01:25 PM
غلالات دخان متراكبة تتعلق في جو الحجرة ، وأشعة الشمس تخترق شقوق الستائر بحياء لتقع على طرف الطاولة حيث تتراكم الكثير من الصحف والمجلات وسائر أنواع الورق دون أدنى نظام، وأعقاب السجائر سقطت من جوانب المنفضة المترعة على الأرض حاملة معها الرماد الأبيض إلى السجاد ، فيما تيبّست القهوة المتبقية في الفناجين على القعر والحواف.

رفع رأسه عن يديه المستندتين طوال الليل إلى الطاولة ، نزع نظارته الطبيّة السميكة أغمض عينيه وفتحهما مرات عديدة ، تمطّى في مقعده الذي أخذ يصدر أصواتاً تفطّر القلب ، ونظر إلى سقف الغرفة. مد يده دون وعي ليلتقط علبة السجائر لكن أصابعه تاهت دوى جدوى بين أعقاب السجائر وفناجين القهوة والشاي ، أنزل رأسه ونظر إلى الطاولة عسى أن تنجح عيناه فيما فشلت به يداه ، لم يبصر ما يريد ألقى نظرة متراخية على سلة المهملات تحت الطاولة فرأى العلبة مفتوحة دون محتوى تتوج جبل القمامة المتراكم في السلة.

عدّل جلسته وركّز نظره في شاشة الحاسوب أمامه ، لم يستطع التركيز ، أدرك أنه بحاجة إلى فنجان قهوة ساخنة. نظر إلى الساعة في يده فلم يجدها ، تحسس الأوراق أمامه فوقعت يده على شيء صلب. استخرج الساعة وقلّبها في الاتجاهين ، إنها الثانية عشرة.
المنزل هادئ كقبر ، رفع جسده المترهل عن الكرسي بصعوبة بالغة فاستغاث الكرسي من جديد. وقف شبه منتصب يحاول أن يخطو إلى الأمام إلاّ أنه تأرجح في مشيته فاستند إلى الجدار ريثما يعاود اتزانه ، توجه إلى الباب ، فتحه ونادى فلم يجبه أحد. لم يكترث واصل سيره إلى المطبخ ، كل شيء نظيف ولامع ، فتح الثلاجة ليتناول الماء ، مد يده إلى الزجاجة رفعها إلى فيه وسكبها لم ينزل الماء ، أنزلها وأنعم النظر ، إنها فارغة. وضع الزجاجة مكانها فأثار خلو الثلاجة من الطعام استغرابه ، أغلقها وفتح إحدى خزائن المطبخ عله يعثر على القهوة ، وعاء القهوة فارغ ، ووعاء الشاي كذلك ، لا يوجد سكر أيضاً. الخزائن كلها خاوية من أي شي يؤكل أو يشرب. نادى مراراً فلم يجبه أحد ، نادى بغضب دون جدوى مشى بخطى سريعة نحو غرف النوم فتح باب غرفته فلم يجد أحداً ، الغرفة مرتبة والستائر مغلقة ، توجه نحو غرفة الأطفال كان كل شيء في موضعه دون أطفاله ، زمّ شفتيه وأمال رأسه محاولاً تفسير الأمر ، كل ما يذكر أنهم كانوا هنا ليلة البارحة قبل أن يدخل غرفة الحاسوب ، نعم يذكر أن زوجته تشاجرت معه وأنّبته على . . على . . نعم ، على عدم شراء متطلبات البيت وعدم الاهتمام بها وكل هذا الهراء ، لكنها طالما كانت تقول ذلك ، تحسس رأسه محاولاً معرفة الجزء الذي يسبب له كل هذا الصداع المتواصل.

هام في المنزل دون هدف قادته رجلاه إلى غرفة الأطفال ، على الحائط ورقة مكتوب عليها بابا تحت رسم ملون ، دائرة ضخمة تمثل البطن ودائرة تمثل الرأس حيث كرتين حمراوين هما العينان يحبسهما مربعان كبيران أسودان كنظارة ، وأمام الجميع شاشة الحاسوب قاتمة السواد. دخل غرفة النوم ونظر في المرآة ، منظره مثير للشفقة ، حاول تسوية شعره بيده ، ولكنه كان يرتد راجعاً إلى وضعه السابق ، نزع نظارته وحدّق في المرآة ، عيناه منتفختان وشديدتا الاحمرار وذقنه تكسوه طبقة من الشعر القصير. حكّ لحيته وأدرك أنه بحاجة إلى حلاقة سريعة . تأمل خدوده المنتفخة وبطنه المترهلة ضرب على بطنه بكلتي يديه وعاود النظر في المرآة . لم يدر ماذا يمكن أن يفعل فرجع إلى مكانه السابق أمام الشاشة ، عبث بالأزرار طويلاً ثم فتح بريده الإلكتروني ، رسالة جديدة ، فتحها ، وقرأ:

" زوجي
خاطبتك كثيراً مباشرة كما يفعل كل الناس إلا أنك لم تكن تستمع لكلامي ، لذا سأخاطبك بالطريقة التي تحب ، عن طريق الإنترنت .الحياة بهذه الطريقة أصبحت مستحيلة ، لقد أصبحت حياتك كلها للحاسوب والإنترنت ، تجلس الليل كله وتنام أمام الحاسوب ، وتهملني والأطفال حتى الطعام والشراب نفذ من البيت وأنت لا تريد التحرك من أمام تلك الشاشة ، وعندما أسألك ما الذي يأخذك منّا تقول "عمل" ، أي عمل هذا الذي يأخذ كل إجازاتك وليلك ونهارك ، لا أستطيع فهم هذا العمل الذي ليس فيه إجازات ولا حتى راحة ، وتحسبني جاهلة لا أعرف الذي الذي تفعله ، ولكن أقول لنفسي اصبري ، غداً سيمل وتتغير الحال حتى أصبح الوضع لا يحتمل بل لا يطاق. لقد نصحتك وحذرتك مراراً من الإهمال وطول السهر ، لكنك لم تكن لتستمع إلي ، والنتيجة هي أنك فقدت أصدقائك بل وفقدت وظيفتك نتيجة غيابك وتأخرك المستمر عن الدوام الرسمي. ولم تكف بل واصلت حياتك بلا تغيير ودون شعور بنا نحن عائلتك ، والآن وبعد كل هذه النصائح والتحذيرات والشجارات وبعد ما آل إليه وضعنا أقول لك ولآخر مرة ، يا زوجي إن كنت حريصاً على حياتك وعائلتك فعليك بالتخلص من هذا الإدمان القاتل ، وعندها ستعرف أين تجدني.
زوجتك. "

فكّر قليلاً ثم همّ بالرد عندها انقطع الاتصال ، حاول وصله مراراً إلا أنه فشل ، اتجه إلى الهاتف ، رفع السمّاعة ووضعها على أذنه ، جاء صوت إلكتروني عبر الأسلاك قائلاً :" عزيزي المشترك ، لقد تم فصل الخدمة مؤقتاً لعدم تسديدك الفواتير ، لمزيد من المعلومات اتصل بالرقم . . . "

محمد مكرم
الدمّام

الجهني
01-09-2002, 05:02 PM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد

أختي الكريمة حروف حفظها الله ورعاها وجعل الجنة مثوانا ومثواها

أرى أن تكون القصة في منتدى الأدب !!!!

أليست القصة نوعا من النثر والنثر نوع من الفنون الأدبية ؟

أرجو تقبل الرأي بصدر رحب فهذا ما تعودناه من مشرفي المنتدى

وأعضائه

والله من وراء القصد

ديوان
01-09-2002, 10:17 PM
شكراً لك حروف . .

قصة جميلة . .

وأتمنى أن نفعل دور القصة في منتدانا . .

سواءً لقصاص عالميين

أو حتى من إبداعات الأعضاء . .