المساعد الشخصي الرقمي

اعرض النسخة الكاملة : الإنشاء المراد به الخبر وعكسه



مهاجر
26-02-2008, 01:04 AM
من الأساليب المعروفة في لغة العرب :
ورود الخبر وإرادة الإنشاء به ، وعكسه ، لنكت بلاغية تزيد المعنى قوة :

فمن الإنشاء المراد به الخبر :

قوله تعالى : (قل من كان في الضلالة فليمدد له الرحمن مدا) : فالفعل : (فليمدد) : أمر ، وإن شئت الدقة فقل : دعاء تأدبا مع الله عز وجل ، وقد أريد به الخبر في هذا السياق ، فآل المعنى إلى : قل من كان في الضلالة فإن الرحمن سيمد له ، يقينا ، في ضلالته مدا ، ولعل مجيء المفعول المطلق : "مدا" ، مما يؤكد هذا المعنى ، فنزل الأمر منزلة الخبر الواقع المحقق ، توكيدا على ذلك ، والله أعلم .

يقول الزمخشري ، غفر الله له ، في "كشافه" :
"أي مدّ له الرحمن ، يعني : أمهله وأملى له في العمر ، فأخرج على لفظ الأمر إيذاناً بوجوب ذلك ، وأنه مفعول لا محالة ، كالمأمور به الممتثل ، لتقطع معاذير الضالّ ، ويقال له يوم القيامة { أَوَ لَمْ نُعَمّرْكُمْ مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ } [ فاطر : 37 ] أو كقوله تعالى : { إِنَّمَا نُمْلِى لَهُمْ لِيَزْدَادُواْ إِثْمَاً } [ آل عمران : 178 ] أو : { مَن كَانَ فِى الضلالة فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرحمن مَدّاً } في معنى الدعاء بأن يمهله الله وينفس في مدّة حياته" . اهـــ
فخرجه الزمخشري على أنه : دعاء أريد به الخبر أو على أنه على أصله : دعاء بالإمهال ، والله أعلم .

وقوله عفا الله عنه : "إيذاناً بوجوب ذلك ، وأنه مفعول لا محالة" ، قد يرد عليه أصل : الإيجاب على الله ، عز وجل ، وهو أصل فاسد اعتمده المعتزلة في مسألة : الوعد والوعيد ، فأوجبوا على الله ، عز وجل ، وقوع وعيده ، ليتحقق معنى العدل ، بزعمهم ، فقاسوا أفعال الله ، عز وجل ، على أفعال العباد ، فهم ، كما قال أهل السنة : "مشبهة الأفعال" ، الذين شبهوا فعل الرب ، تبارك وتعالى ، بفعل عباده ، والصحيح : أنه ليس لأحد أن يوجب على الله ، عز وجل ، شيئا ، وإنما هو الذي يوجب على نفسه ما شاء ، كما في قوله تعالى : (كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ) ، فكتبها ، عز وجل ، على نفسه ، رأفة بعباده ، مع كمال استغنائه عنهم ، والكريم إذا وعد أوفى ، فوعد الله ، عز وجل ، لا يتخلف ، لأن في إخلاف الوعد : نقصا مطلقا يتنزه عنه آحاد البشر ، فرب البشر ، عز وجل ، أولى بتنزيهه عنه ، فالمسألة من باب : "قياس الأولى" ، فضلا عن ورود النص الصريح في ذلك ، وهو الأصل في هذا الباب ، وهو قوله تعالى : (إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ) ، و : (وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ) ، و : (وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعَادَ) .

وإذا أوعد ، أي الكريم : فيجوز أن يمضي وعيده ، ويجوز أن يخلفه ، لفوات شرط ، أو وجود مانع ، كموانع نفاذ الوعيد من : استغفار وحسنات ماحيات ومصيبات مكفرات ........ إلخ ، ويجوز أن يخلفه ابتداء ، تفضلا منه .

ومن أقوال العرب التي يستأنس بها في هذه المسألة ، قول الشاعر :
وإني وإن أوعدته أو وعدته ******* لمخلف إيعادي ومنجز موعدي
فالبيت في سياق المدح ، فهو : يعفو عمن أوعده بإخلاف وعيده ، وينجز وَعْده لمن وَعَده .
والله أعلم .


ومن ذلك أيضا : قوله تعالى : (وقال الذين كفروا اتبعوا سبيلنا ولنحمل خطاياكم) ، فقوله : (ولنحمل) جاء بصورة الأمر ، والمراد بها الخبر : أي : ونحن نحمل خطاياكم ، وفائدة ذلك : تنزيل الشيء المخبر عنه منزلة المفروض الملزم به .

بتصرف من "مذكرة الأصول من علم الأصول" ، للشيخ محمد بن صالح العثيمين ، رحمه الله ، ص19 .

وإلى هاتين الآيتين أشار ابن هشام ، رحمه الله ، بقوله :
"وكذا لو أخرجت ، أي لام الطلب ، عن الطلب إلى غيره ، كالتي يراد بها وبمصحوبها الخبر ، نحو : (من كان في الضلالة فليمدد له الرحمن مدا) ، وقوله تعالى : (اتبعوا سبيلنا ولنحمل خطاياكم) ، أي : فيمد ونحمل" .
بتصرف يسير من مغني اللبيب ، (1/240) .


ومنه قوله تعالى : (قلْ أَنْفِقُوا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْمًا فَاسِقِينَ) :

يقول أبو حيان ، رحمه الله ، في "بحره المحيط" :
"قيل : وهو أمر ومعناه التهديد والتوبيخ . وقال الزمخشري : هو أمر في معنى الخبر كقوله تعالى : { قل من كان في الضلالة فليمدد له الرحمن مداً } ومعناه لن يتقبل منكم أنفقتم طوعاً أو كرهاً . ونحوه قوله تعالى : { استغفر لهم أو لا تستغفر لهم } وقوله : أسىء بنا أو أحسنى لا ملومة . أي لن يغفر الله لهم استغفرت لهم أو لا تستغفر لهم ، ولا نلومك أسأت إلينا أم أحسنت . انتهى" . اهـــ

ومنه قوله تعالى : (اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ)
يقول أبو حيان رحمه الله :
"وقيل : لفظه أمر ومعناه الشرط ، بمعنى إنْ استغفرت أو لم تستغفر لن يغفر الله ، فيكون مثل قوله : { قل أنفقوا طوعاً أو كرهاً لن يتقبل منكم } وبمنزلة قول الشاعر :
أسيء بنا أو أحسني لا ملومة ******* لدينا ولا مقلية إن تقلت
ومر الكلام في هذا في قوله : { قل أنفقوا طوعاً أو كرهاً } وإلى هذا المعنى ذهب الطبري وغيره ، وهو اختيار الزمخشري قال : وقد ذكرنا أن هذا الأمر في معنى الخبر كأنه قيل : لن يغفر الله لهم استغفرت أم لم تستغفر ، وإن فيه معنى الشرط ، وذكرنا النكتة في المجيء به على لفظ الأمر . انتهى" . اهــ

ونص كلام الزمخشري غفر الله له :
{ أَنفَقُواْ } يعني في سبيل الله ووجوه البر { طَوْعاً أَوْ كَرْهاً } نصب على الحال ، أي طائعين أو مكرهين . فإن قلت : كيف أمرهم بالإنفاق ثم قال : { لَّن يُتَقَبَّلَ مِنكُمْ } ؟ قلت : هو أمر في معنى الخبر ، كقوله تبارك وتعالى : { قُلْ مَن كَانَ فِي الضلالة فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرحمن مَدّاً } [ مريم : 75 ] ومعناه : لن يتقبل منكم أنفقتم طوعاً أو كرهاً . ونحوه قوله تعالى : { استغفر لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ } [ التوبة : 80 ] وقوله :
أَسِيئِي بِنَا أَوْ أَحْسِنِي لاَ مَلُومَةً ..................
أي لن يغفر الله لهم ، استغفرت لهم أم لم تستغفر لهم ، ولا نلومك - أسأت إلينا أم أحسنت . فإن قلت : متى يجوز نحو هذا ؟ قلت : إذا دلّ الكلام عليه كما جاز عكسه في قولك : رحم الله زيداً وغفر له ، فإن قلت : لم فعل ذلك ؟ قلت : لنكتة فيه ، وهي أنّ كثيراً كأنه يقول لعزة : امتحني لطف محلك عندي وقوّة محبتي لك ، وعامليني بالإساءة . والإحسان ، وانظري هل يتفاوت حالي معك مسيئة كنت أو محسنة ؟ .................... وكذلك المعنى : أنفقوا وانظروا هل يتقبل منكم ؟ واستغفر لهم أو لا تستغفر لهم ، وانظر هل ترى اختلافاً بين حال الاستغفار وتركه ؟" . اهــ

ومنه : قوله تعالى : (هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا) ، فالاستفهام في الآية ، وهو أحد أساليب الإنشاء ، استفهام تقريري لما بعده ، فهو بمنزلة الخبر الجازم بوقوعه ، فالمعنى : قد أتى على الإنسان ........... إلخ ، وإلى ذلك أشار أبو السعود ، رحمه الله ، بقوله :
"{ هَلْ أتى } استفهامُ تقريرٍ وتقريبٍ فإنَّ هَلْ بمَعْنى قَدْ" . اهـــ

ونظيره :
قوله تعالى : (هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ) ، و : (هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى) ، و : (هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ) ، و : (هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ) .

ومنه أيضا :
قوله تعالى : (قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ) ، فـــ : "اشهدوا" : إنشاء أريد به الخبر ، فتقدير الكلام : وأشهدكم أني .............
يقول صاحب "الجواهر" رحمه الله :
"ولم يقل : "وأشهدكم" تحاشيا وفرارا من مساواة شهادتهم بشهادة الله تعالى" . اهــ

وقوله تعالى : (قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ) ، فتقدير الكلام : قل أمر ربي بالقسط وإقامة وجوهكم عند كل مسجد ودعوته مخلصين له الدين ، فالأمر في : "أقيموا" و : "ادعوه" : طلبي مبنى خبري معنى .
يقول صاحب "الجواهر" رحمه الله :
"ولم يقل : وإقامة وجوهكم ، إشعارا بالعناية بأمر الصلاة لعظم خطرها ، وجليل قدرها في الدين" .

بتصرف يسير من "جواهر البلاغة" ، ص81 .



ومن الخبر المراد به الأمر :

قوله تعالى : (والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء)
فالمعنى : وليتربص المطلقات بأنفسهن ثلاثة قروء .
يقول الشيخ العثيمين رحمه الله :
فقوله : (يتربصن) : بصورة الخبر ، والمراد بها الأمر ، وفائدة ذلك تأكيد فعل المأمور به حتى كأنه أمر واقع يتحدث عنه كصفة لازمة من صفات المأمور .
بتصرف من مذكرة "الأصول من علم الأصول" ، ص19 .

وكذا في قوله تعالى : (والوالدات يرضعن) ، فهو أمر لهن بالإرضاع .

وإليهما أشار ابن هشام ، رحمه الله ، بقوله : "وهذا الفعلان ، أي : "يتربصن" و "يرضعن" ، خبريان لفظا طلبيان معنى ، ومثلهما : "يرحمك الله" ، وفائدة العدول بهما عن صيغة الأمر التوكيد والإشعار بأنهما جديران بأن يتلقيا بالمسارعة ، فكأنهن امتثلن ، فهما مخبر عنهما بموجودين" . اهـــ
"شرح شذور الذهب" ، ص102 .

وهذا كقولك لطفلك : الكتاب في مكانه ، فهو بمنزلة قولك : ضع الكتاب في مكانه ، بل إنه أبلغ في الأمر ، لأنه بمنزلة صيرورة المأمور أو المطلوب أمرا واقعا لا محالة ، والله أعلم .

ومنه قولك : زيد رحمه الله ، فهذا خبر أريد به الدعاء فالمعنى : اللهم اغفر لزيد ، كما أشار إلى ذلك ابن هشام ، رحمه الله ، في كلامه السابق .



ومنه قوله تعالى : (وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ) :

فهي أوامر في صيغة أخبار ، فليس المقصود ذات الخبر ، وإنما المقصود الأمر بمضمونه ، فيكون المعنى : ولتعتد اللاتي يئسن من المحيض من نسائكم ثلاثة أشهر إن ارتبتم ......................... الخ ، والله أعلم .

ومنه قوله تعالى : (وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تعبدون إلا الله وبالوالدين إحسانا) ، فالمعنى : أخذنا ميثاقهم فأمرناهم ألا يعبدوا إلا الله ، وأن يحسنوا إلى الوالدين ، فكأن الأمر من لزومه صار في منزلة الواقع الموجود ، كما تقدم .

ونظيره قوله تعالى : (وإذ أخذنا ميثاقكم لا تسفكون دماءكم ولا تخرجون أنفسكم من دياركم) ، فالمعنى : أخذنا ميثاقكم وأمرناكم ألا تسفكوا دماءكم ، وألا تخرجوا أنفسكم من دياركم .

والآية ، وإن كانت نزلت في حق بني إسرائيل ، ابتداء ، إلا أن العبرة ، كما تقرر في علم الأصول ، بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ، فنحن مخاطبون بها ، فقد خاطبنا الله ، عز وجل ، خطاب المترفق بمخاطَبِه ، فنزل أمره منزلة الموجود حسا ، فالظن بكم أنكم لا تسفكون دماءكم ولا تخرجون أنفسكم من دياركم ، كما يقول الشيخ لطلابه : أنتم لا تقصرون في دراستكم ، وهو يضمن كلامه معنى الأمر ، أي : لا تقصروا في دراستكم ، ولكنه لما أراد التلطف معهم في الخطاب أورد الأمر في صيغة الخبر ، فكأنه يقول : مثلكم لا يتصور منه التقصير في دراسته فالظن بكم الجد والاجتهاد ، خلاف ما لو أمرهم مباشرة ، فهذا مظنة سوء ظنه بهم وأنهم لا يقومون بما عليهم خير قيام ، والله أعلم .

ومنه أيضا :
قوله تعالى : (ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ) ، فإما أن يكون خبرا ، على أصله ، بنفي جنس الريب عن الكتاب المنزل ، وإما أن يكون خبرا أريد به الإنشاء ، فيؤول المعنى إلى : لا ترتابوا فيه .

وإلى ذلك أشار الشيخ الشنقيطي ، رحمه الله ، في "دفع إيهام الاضطراب" بقوله :
"قوله تعالى : {لا رَيْبَ فِيهِ} هذه نكرة في سياق النفي ركبت مع لا فبنيت على الفتح . والنكرة إذا كانت كذلك فهي نص في العموم كما تقرر في علم الأصول , و {لا} هذه التي هي نص في العموم هي المعروفة عند النحويين بـ (لا) التي لنفى الجنس , أما (لا) العاملة عمل ليس فهي ظاهرة في العموم لا نص فيه , وعليه فالآية نص في نفي كل فرد من أفراد الريب عن هذا القرآن العظيم , وقد جاء في آيات أخر ما يدل على وجود الريب فيه لبعض من الناس كالكفار الشاكين كقوله تعالى : {وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا} , وكقوله : {وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ} , وكقوله : {بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ} .

ووجه الجمع في ذلك أن القرآن بالغ من وضوح الأدلة وظهور المعجزة ما ينفي تطرق أي ريب إليه , وريب الكفار فيه إنما هو لعمى بصائرهم , كما بينه بقوله تعالى : {أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى} فصرح بأن من لا يعلم أنه الحق أن ذلك إنما جاءه من قِبل عَماه ومعلوم أن عدم رؤية الأعمى للشمس لا ينافي كونها لا ريب فيها لظهورها :
إذا لم يكن للمرء عين صحيحة ******** فلا غرو أن يرتاب والصبح مسفر
وأجاب بعض العلماء بأن قوله : (لا ريب فيه) : خبر أريد به الإنشاء أي : لا ترتابوا فيه وعليه فلا إشكال" . اهــ

ومثله :
قوله تعالى : (لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ) : فهو على أحد الأوجه : خبر أريد به الأمر بعدم تغيير خلق الله ، عز وجل ، وهو معنى تشهد له نصوص كثيرة كـــ :

قوله تعالى : (وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآَمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آَذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآَمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا) ، والآية قد وردت في سياق الذم فاستفيد منه : النهي عن تغيير خلق الله .

وحديث عبد الله بن مسعود ، رضي الله عنه ، مرفوعا : (نَهَى عَنْ النَّامِصَةِ وَالْوَاشِرَةِ وَالْوَاصِلَةِ وَالْوَاشِمَةِ إِلَّا مِنْ دَاءٍ) ، والحديث عند أحمد ، رحمه الله ، في مسنده .
فالنهي عن هذه الخصال إنما ورد لما فيها من معنى تغيير خلق الله عز وجل .


ومنه أيضا :
قوله تعالى : (لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ) ، فإن الكلمات إما أن تكون :
كونية : لا يملك أحدا تبديلها ، فهي قضاء الله ، عز وجل ، الكوني الذي لا راد له ، فيكون الخبر على أصله .

وإما أن تكون شرعية : فيكون خبرا أريد به الأمر ، فالمعنى : لا تبدلوا كلمات الله ، عز وجل ، الشرعية ، من خبر وإنشاء ، فهي الصدق في الأخبار والعدل في الأحكام ، وتحريفها : كذب وظلم .

ومنه أيضا :
قوله تعالى : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (10) تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (11) يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) .

فالخبر : "تؤمنون" أريد به الأمر : "آمنوا" ، بدليل جزم المضارع : "يغفر" ، في جوابه ، فيؤول الكلام إلى : آمنوا بالله يغفر لكم ذنوبكم ، على نصب الفعل : "يغفر" في جواب الأمر بشرط مقدر بـــ : آمنوا بالله ، إن تؤمنوا بالله يغفر لكم ذنوبكم ، والشرط يدل بمنطوقه ومفهومه ، كما قرر الأصوليون ، فيكون المعنى : إن تؤمنوا بالله يغفر لكم ، وإن لا تؤمنوا لا يغفر لكم .

وإلى ذلك أشار ابن هشام ، رحمه الله ، بقوله : "وكذلك قوله تعالى : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (10) تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (11) يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ) ، فجزم : "يغفر" لأنه جواب قوله تعالى : (تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ) ، لكونه في معنى : آمنوا وجاهدوا ، وليس جوابا للاستفهام ، لأن غفران الذنوب لا يتسبب عن نفس الدلالة ، بل عن الإيمان والجهاد" . اهــ
"شرح قطر الندى" ، ص93 .

ولو كانت مجرد الدلالة المستفادة من الاستفهام كافية لحصول المغفرة ، لحصلت النجاة لكل من قرأ الآيات وعلم معانيها وإن لم يعمل بها ، ولا قائل بذلك .



ومنه أيضا :
حديث أبي هريرة ، رضي الله عنه ، مرفوعا : (لَا يَبِيعُ الرَّجُلُ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ وَلَا يَخْطُبُ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ) ، فهو خبر فيه "لا" في : "لا يبيعُ" ، و : "لا يخطبُ" : نافية ، أريد به النهي عن البيع على بيع المسلم والخطبة على خطبته ، فآل الكلام إلى صورة الإنشاء : لا يبعْ أحدكم على بيع أخيه ولا يخطبْ على خطبة أخيه .

وقد جاء التصريح به في رواية مسلم ، رحمه الله ، عن ابن عمر ، رضي الله عنهما ، مرفوعا : (لَا يَبِعْ الرَّجُلُ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ وَلَا يَخْطُبْ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ إِلَّا أَنْ يَأْذَنَ لَهُ) .
وفائدة إيراد الأمر في صورة الخبر في باب الأحكام : التوكيد على امتثالها ، كما تقدم ، فيكون النهي هنا ، نهيا مؤكدا ، لما في المنهي عنه من إيغار الصدور ووقوع البغضاء والشحناء بين المسلمين .

وقد ذهب بعض أهل العلم ، كالنووي رحمه الله في شرح الأربعين ، إلى أن قيد : "أخيه" لا مفهوم له ، فيحرم البيع وتحرم الخطبة على بيع وخطبة غير المسلم من : أهل الذمة والمعاهدين ، لأنه من باب الوفاء بالذمة والعهد .

ومنه أيضا :
حديث مكحول ، رحمه الله ، عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم مرسلا : (لا ربا بين المسلمين وأهل الحرب في دار الحرب) ، فهو حجة الأحناف ، رحمهم الله ، في تحليل الربا بين المسلم وغير المسلم في دار الحرب ، لأن : "لا" نافية للجنس ، فهي نص في نفي عموم جنس ما دخلت عليه ، فيكون الحديث : نصا في نفي كل صور الربا بين المسلم وغير المسلم في دار الحرب .

وأجاب الجمهور على هذا الاستدلال بــ :
تضعيف الحديث ، فهو مرسل من مراسيل مكحول ، ومكحول ، رحمه الله ، كثير الإرسال ، كما ذكر الحافظ ، رحمه الله ، في "التقريب" ، فلا حجة فيه لأن المرسل من أقسام الضعيف ، ولا يرد ذلك على أصول الأحناف والمالكية ، رحمهم الله ، الذين يحتجون بالمرسل ، وإن كان الراجح خلاف قولهم .

وأجابوا أيضا :
بأن النفي هنا : خبر أريد به النهي عن الربا بين المسلمين وأهل الحرب في دار الحرب ، فكأن المقصود : النهي عن كل صور الربا في دار الحرب ، حتى صح أن تكون في حكم العدم الذي لا وجود له ، فالحديث بهذا التأويل : حجة على الأحناف ، رحمهم الله ، لأن فيه توكيدا على تحريم ما قالوا بإباحته .


وإلى ذلك أشار ابن قدامة ، رحمه الله ، بقوله :
"فَصْلٌ : وَيَحْرُمُ الرِّبَا فِي دَارِ الْحَرْبِ ، كَتَحْرِيمِهِ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ .
وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَأَبُو يُوسُفَ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا يَجْرِي الرِّبَا بَيْنَ مُسْلِمٍ وَحَرْبِيٍّ فِي دَارِ الْحَرْبِ .
وَعَنْهُ فِي مُسْلِمَيْنِ أَسْلَمَا فِي دَارِ الْحَرْبِ ، لَا رِبَا بَيْنَهُمَا .
لِمَا رَوَى مَكْحُولٌ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { لَا رِبَا بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَأَهْلِ الْحَرْبِ فِي دَارِ الْحَرْبِ } .
وَلِأَنَّ أَمْوَالَهُمْ مُبَاحَةُ ، وَإِنَّمَا حَظَرَهَا الْأَمَانُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ ، فَمَا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ كَانَ مُبَاحًا .
وَلَنَا ، أي الجمهور :
قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : { وَحَرَّمَ الرِّبَا } .
وَقَوْلُهُ : { الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنْ الْمَسِّ } .
وَقَالَ تَعَالَى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنْ الرِّبَا } .
وَعُمُومُ الْأَخْبَارِ يَقْتَضِي تَحْرِيمَ التَّفَاضُلِ .
وَقَوْلُهُ { : مَنْ زَادَ أَوْ ازْدَادَ فَقَدْ أَرْبَى } .
عَامٌّ ، وَكَذَلِكَ سَائِرُ الْأَحَادِيثِ .
وَلِأَنَّ مَا كَانَ مُحَرَّمًا فِي دَارِ الْإِسْلَامِ كَانَ مُحَرَّمًا فِي دَارِ الْحَرْبِ ، كَالرِّبَا بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ ، وَخَبَرُهُمْ مُرْسَلٌ لَا نَعْرِفُ صِحَّتَهُ ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَرَادَ النَّهْيَ عَنْ ذَلِكَ ، وَلَا يَجُوزُ تَرْكُ مَا وَرَدَ بِتَحْرِيمِهِ الْقُرْآنُ ، وَتَظَاهَرَتْ بِهِ السُّنَّةُ ، وَانْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ عَلَى تَحْرِيمِهِ ، بِخَبَرِ مَجْهُولٍ ، لَمْ يَرِدْ فِي صَحِيحٍ ، وَلَا مُسْنَدٍ ، وَلَا كِتَابٍ مَوْثُوقٍ بِهِ ، وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ مُرْسَلٌ مُحْتَمِلٌ .
وَيَحْتَمِلُ أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ : { لَا رِبَا } .
النَّهْيُ عَنْ الرِّبَا ، كَقَوْلِهِ : { فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ }" . اهــ

فالنفي في قوله تعالى : (فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ) معناه : النهي عن الرفث والفسوق والجدال ، فمآل الكلام : لا ترفثوا ولا تفسقوا ولا تجادلوا .

ومن ذلك أيضا :
قول ذي الرمة :
ألا يا اسلمي ، يا دار مي ، على البلى ******* ولا زال منهلا بجرعائك القطر

فالشطر الثاني : خبر أريد به إنشاء الدعاء لدار مي بدوام الغيث ، لأن دلالة : "ما زال" : دلالة إثبات لدخول : "ما" النافية على الفعل : "زال" الذي يفيد بمادته النفي ، و : نفي النفي إثبات كما هو معلوم .

ومنه أيضا :
قول الشاعر :
لنْ تزالوا كذلِكم ثمَّ لا زل ******* تُ لكم خالداً خلودَ الجبالِ
فالنفي بــ : "لن" في أول الشطر الأول : خبر أريد به إنشاء الدعاء لهم ، بدليل عطفه على دعاء آخر : "ثم لا زلت لكم ............" ، والأصل : توافق المعطوفين ، فيكون العطف هنا : عطف دعاء على دعاء ، وقد رد الشيخ محمد محيي الدين عبد الحميد ، رحمه الله ، هذا الوجه بقوله : "ولكنه ليس بلازم ، أي : "التوافق" ، فلا يكون البيت دليلا لاحتماله وجها آخر" . اهــ
و : "الدليل إذا دخله الاحتمال بطل به الاستدلال" ، كما قرر الأصوليون ، بشرط أن يكون الاحتمال معتبرا لا متوهما ، وإلا بطل الاستدلال بكل دليل لتطرق الاحتمالات العقلية ولو كانت وهما إلى كل النصوص ، واحتمال إرادة النفي المحض في هذا الموضع : احتمال معتبر لا يجوز إغفاله .

واختار ابن هشام هذا الوجه في : "مغني اللبيب" ، فقال :
"وتأتي ، أي : "لن" ، للدعاء كما أتت لا لذلك وفاقاً لجماعة منهم ابن عصفور ، والحجة في قوله :
لنْ تزالوا كذلِكم ثمَّ لا زل ******* تُ لكم خالداً خلودَ الجبالِ
وأما قوله تعالى (قالَ ربِّ بما أنعمتَ عليّ فلن أكونَ ظهيراً للمجرمين) فقيل : ليس منه لأن فعل الدعاء لا يسند الى المتكلم ، (والفعل "أكون" : مسند للمتكلم) ، بل الى المخاطب أو الغائب ، نحو يا ربِّ لا عذَّبت فُلاناً ونحو لا عذّبَ اللهُ عمراً ، ويرده قوله :
لنْ تزالوا كذلِكم ثمّ لا زل ******* تُ لكمْ خالداً خلودَ الجبالِ ، (فالدعاء الثاني : "لا زلتُ" مسند للمخاطب)" . اهــــ بتصرف يسير

ولكنه رده في : "شرح القطر" ، فقال : "ولا تقع "لن" للدعاء خلافا لابن السراج ، ولا حجة له فيما استدل به من قوله تعالى : (فلن أكونَ ظهيراً للمجرمين) ، مدعيا أن معناه : فاجعلني لا أكون ، لإمكان حملها على النفي المحض ، ويكون ذلك معاهدة منه لله سبحانه وتعالى ألا يظاهر مجرما جزاء لتلك النعمة التي أنعم بها عليه" . اهــ
"شرح القطر" ، ص73 .

ومنه قولك : حسبك فيستريح الناس ، أي : حسبك السكوت عن الكلام ، على سبيل المثال ، والخبر مع : "حسب" محذوف لا يظهر في الكلام الفصيح ، فهو خبر أريد به الأمر ، فتقدير الكلام : اسكت فيستريح الناس ، ولذا أجاز الكسائي ، رحمه الله ، نصب الفعل المضارع بعده ، إذا اتصلت به فاء السببية حملا له على الأمر الصريح في نحو : اسكت فيستريحَ الناس ، إذ لا خلاف في نصب المضارع في هذه الصورة ، فحمل الأمر غير الصريح بالخبر على الأمر الصريح بالإنشاء .

وصور هذا الأسلوب كثيرة جدا ، ولها من المعاني الثانوية التي لا تظهر إلا بالتأمل ما لها ، وهي تدل على بلاغة لغة الوحي وعلو كعبها في الدلالة على المعاني بأساليب متنوعة .

والله أعلى وأعلم .