المساعد الشخصي الرقمي

اعرض النسخة الكاملة : الخنفشار



مايا
26-02-2008, 06:20 PM
الخنفشار


قدم إلى القاهرة من بلاد فارس رجل طويل القامة، عريض المنكبين، أبيض اللحية، فصيح اللسان. وأقام في أحد أحيائها الشعبية القديمة. وكان يجلس منذ الصباح حتى المساء أمام منزله والقلم والكتاب لا يفارقانه أبدا.
زاره أحد شبان الحي مرحّبا بقدومه على الطريقة الشرقية في حسن الضيافة، محاولاً أن يعرف من هو وما الذي حمله على المجيء إلى حيث هو. قال له الرّجل الغريب: إني علامة أتنسك للعمل ولا أقوم بأي عمل آخر بل أعيش على هدايا طلاب المعرفة. لقد أنعم الله عليّ بموهبة فريدة فصرت أختزن كلّ علوم الأرض وآدابها وفنونها بحيث لا يسألني أحد سؤالا، أيًّا كان نوعه وشأنه، إلا ويلقى مني على الفور جوابًا أكيدا.
دهش الشاب بما سمع فراح ينشر الخبر في الحي. وإذا بالسكان يؤلفون وفدا كبيرًا منهم ويبادرون إليه عند المساء. هذا يحمل علبة من الحلوى، وذاك سلة مملؤة بالثمار وذلك كمية من البن والسكر. ورحبوا بقدومه وجعلوا يوجهون إليه أسئلتهم:
قال له الأول بينهم: ما عدد نجوم السماء، أيها العلامة الجليل؟
أجابه العلامة: اكتب على ورقة رقم 7 وزد عليه ثلاثة وتسعين صفرا تنل الجواب الصحيح.
قال الثاني: متى وجد البشر على الأرض وأين؟
أجابه العلامة: وجدوا منذ ثلاثة ملايين واربعة الاف وثلاثمائة وخمس وسبعين سنة وثلاثة اشهر وخمسة أيام. وكان يدعى المكان الذي وجدوا فيه هلياس.
قال الثالث: من هو صاحب المثل السائر: الابن سر أبيه، فكان الجواب: انه العباس بن المعلس.
أذهلت براعة هذا العلامة بالكلام وسرعة خاطره وسعة معرفته الحاضرين فرجعوا من عنده في آخر السهرة وهم يمجدون الخالق لانه أرسل إليهم هذا لعبقري لكي يزيدهم معرفة في كل شأن من شؤون الحياة.
بعد حين انتشر الخبر بسرعة البرق في الأحياء المجاورة فتهافت الناس أفواجا الى العلامة وهم يحملون أليه الهدايا فيطرحون عليه أسئلتهم في كل حقل وموضوع وهو لا يتلعثم بالجواب السريع.
كان بين سكان الحي شاب نبيه اسمه مصطفى لطفي المنفلوطي تخصص بالأدب والفقه فعلم بأمر هذا العلامة وعرف من الأجوبة التي أعطاها انه مشعوذ محتال يستثمر سذاجة الناس لكي يعيش على حسابهم. فمضى أليه مع أهل الحي في إحدى السهرات وجعل يصغي الى ما يسألونه وما يرد هو عليهم، ولا يتلفظ بكلمة لكنه تأكد تماما من خداع الرجل.
في الغد دعا هذا الشاب سكان الحي وقال لهم: لا يغرّنكم هذا الدّاهية بأجوبته فليس منها أي جواب صحيح. وإذ رآهم قد استغربوا كلامه وحسبوه محسودًا منه، قال لهم: عند الامتحان يكرم المرء أو يهان. تعالوا الان نركب كلمة لا معنى لها من الحرف الأول من كل كلمة اسم من أسمائكم ثم نسأله ما معناها. وهكذا كان فإذا الكلمة المركبة هي خنفشار
وعندما دجى الليل قصدوا إليه وسألوه: ما معنى الخنفشار. فمسح شفتيه ثمّ أجاب: إنه نبات في أطراف الهند الشرقية، ثمره احمر وشكله شبيه بالبرتقال، وهو يشفي من داء السكري.
ما أن أتم العلامة المزعوم كلامه هذا حتى قهقه الحاضرون وهتفوا بصوت واحد: فليحيا الخنفشار وانصرفوا من عنده بدون وداع. أما هو، وقد ادرك افتضاح أمره، فرافقهم الى الباب وهو يفرك رأسه ويقول: أنى أشكو الليلة من صداع شديد.
لما انصرف الناس من عنده حزم أمتعته وترك البيت، على غير رجعة، تحت جنح الظلام. ولم يعد يسمع أحد عنه شيئا. ولعله راح يجرب حظه من جديد في غير مدينة.

قافلة النور
26-02-2008, 06:52 PM
:) قصة جميلة وكما يقول المثل: الكذاب رجله قصيرة

مايا
27-02-2008, 06:20 AM
أشكرك قافلة النور...
أنت الأجمل لمرورك ...وهذه القصّة تذكّري أنا أيضًا بالمثل القائل:
حبال الكذب قصيرة...

منصور اللغوي
27-02-2008, 07:20 AM
.. أختي الغالية على قلوبنا .. أتمنى أن لا تحرمينا من هذه القصص المعبرة كل يوم أو يومين .. فنحن بحاجة إلى هذه القصص .. ويا حبذا لو كانت القصص في النحو .. فأنا من عشاق النحو وأريد طرائف وقصص النحويين .. فأتمنى أن تكون مرحلتك التالية في النحو .. وواصلي أختي الكريمة :)

رائد عبد اللطيف
27-02-2008, 08:42 AM
سعدت بقراءتها .. فهل هي حقيقة ، أم أنها خنفشار ..
وهل جرت مع المنفلوطي ..
بوركت

أنس بن عبد الله
27-02-2008, 05:37 PM
قصة جميلة و طرح مفيد كعادتك أخت مايا - لا فض فوك - , و كما قيل " الكلام يجر بعضه " , فقد تذكرت قصة لسليمان بن الحكم إن لم تخنّي الذاكرة , مفادها :
أن سليمان هذا كان بحراً من العلم , فقد وهبه الله أنواع المعارف و شتى العلوم , و ذات يوم أخذته العزة بالعلم و ظن أنه أعلم أهل الأرض و لا يوجد أحد ينافسه في علمه , فوقف على المنبر خطيباً و قال للناس : سلوني ما شئتم من أسئلة , فعندكم من الألف إلى الياء .
فقام أحد العوام و سأله : منذ زمن و أنا أتسائل عن كلب أصحاب الكهف , ما لونه ؟:)
فصعق سليمان و قال في نفسه : أنت جلبت لنفسك هذا يا ابن الحكم , و نزل من المنبر مطأطأ الرأس .(ops(ops

أنس بن عبد الله
27-02-2008, 05:43 PM
و مما يؤسف ادعاء بعض الناس العلم حتى ينصّب نفسه مفتياً للأمه و ما أوتي مثقال ذرة من العلم .
يقول الشيخ د.عائض القرني في سياق هذا الحديث :
أن بعض المفسرين بالغوا كثيرا في قصة يوسف - عليه السلام - حتى قال بعضهم أن الذئب الذي أكله لونه أحمر , و قال بعضهم إن أنيابه كانت طويلة جداً , و أخذوا يبالغون في وصف ذلك الذئب و يأتون له بأوصاف عديدة .
سبحان ربي كيف يكون ذلك و هو لم يأكله ذئبُ أصلا

مايا
27-02-2008, 06:14 PM
أشكرك بداية على متابعتك لموضوعاتي...ولا فضّ فوك أنت أيضًا...
فكلّ كلامك درر.........