ابن الشمس
2004/02/03, 02:42 AM
.. و مازال عبدالرحمن العشماوي (الشاعر لا الإنسان) موطن جدل و نقاش و اختلاف و اختلاق بين متعصب له مفرط و ناقم عليه مفرّط !
و مع أن هذا الموضوع استهلك كثيرا، و كثر فيه الأخذ و الرد؛ إلا أنني أجدني مشدودا إلى الخوض فيه؛ وفاء بوعد قطعته لصديقين عزيزين هنا و كان لابد أن أفي، كما أن انتماءنا جميعا إلى أدب واحد؛ جميل مؤثر، و نظيف هادف يجعلنا مطالبين أن نبحث عنه و نناقشه فيما بيننا، دون أن نترك المجال للآخرين أن يحاكمونا و يشنقونا ظلما و عدوانا..!
ابتداء يجب أن أؤكد أن هذا الطرح يمثل وجهة نظر شخصية جدا ترحب بالاختلاف و التقاطع وربما التصادم أحيانا مادام محكوما بما يعرف بأدب الحوار، و مادام الهدف منه الوصول إلى كلمة سواء فيما بيننا.
لا ينفي الشاعرية ( المجردة ) عن العشماوي إلا جاهل بالشعر أو حاقد على الرجل نفسه، و لا يثبت للعشماوي الشاعرية ( الفذة المطلقة ) إلا جاهل بالشعر أيضا يعاني من سذاجة في التعاطي..!
و مع أن التعميمات داء منهجي قاتل إلا أنني وجدتـُـني مضطرا إليها هنا؛ لتكون مفتتحا و منطلقا لمناقشة علمية جادة يتسع صدرها للرأي و الرأي الآخر بغية الوصول إلى رأي ليس بالضرورة أن يرضي جميع الأطراف .. المهم أن يعطي القضية حقها..!
إن تتبعا تأريخيا لمسيرة هذا الشاعر التي ابتدأت منذ التسعينات الهجرية ، و مازالت تلد الديوان تلو الديوان تعطي الباحث صورة شبه واضحة عن شعرية الرجل، و فنيته، و رؤيته، و مدى توفيقه من عدمه ، على أنه من الإنصاف أن نحاول جاهدين تتبع الظروف الأخرى (التي لا علاقة لها بالعشماوي و شعره) و نفض غبارها من جديد ؛ ذلك أن لها أثرا عظيما جدا في مسيرة الشاعر و إعطائه أكثر/أقل مما يستحق كما سيحاول هذا الطرح أن يكشف ..!
كانت بداية العشماوي مثيرة و جميلة بما يكفي لأن ينال أسهما مرتفعة الثمن جدا في قلوب الناس الذين أحبوا توجهه و توظيفه شعره في خدمة قضايا يرونها جديرة بذلك ، كما أن الرجل كان موهوبا بما يكفي ليقدم شعرا مرتفع الفنية كما نلمح ذلك في كثير من دواوينه الأولى، منذ ذلك الوقت و شاعرنا ينتشر بسرعة و ينال شهرة ( كان ) يستحقها نسبيا بفضل منجزاته الإبداعية الجيدة التي تنطق بها دواوينه الأولى كما أسلفت، و ما أروع قوله مثلا لا حصرا :
صهيله نغم يصغي الزمان له// و نقعه لحجاب الشمس يخترق
تشدو حـوافره لحنا يـهش له// قلب التراب وتسترخي له الطرق
و إذا كنت زعمتُ أن استحقاق العشماوي للشهرة و الانتشار كان نسبيا؛ فمن الإنصاف أن أعلل لهذه النسبية ؛ إذ لم تكن موهبة العشماوي وحدها هي السبب ، ثمة ظروف أخرى ساعدته على الوصول ، ربما تجاهلها الكثيرون ذلك الوقت لكنها ظهرت جلية مع الزمن.. ذلك أن الزمن وحده هو الكفيل بكشف كل شيء ..!
لقد أسهم الإعلام ( الإسلامي ) في ضخّ مزيد من شهرة و صيت و تلميع لاسم العشماوي أكثر بكثير مما ناله الرجل بشعره أو بالأحرى مما يستحق أن يناله ، و تعاضدت جميع فروع ذلك الإعلام؛ صحفا و مجلات و أشرطة مرئية و مسموعة- بحسن نية طبعا - من أجل دفع الرجل إلى الواجهات دائما، و أغرقته بالثقة متناسية ( و ربما غير متوقعة) أن السحر ربما انقلب على الساحر ..!
كان خطأ تاريخيا عندما تعامل هذا الإعلام مع العشماوي على أنه ( داعية ) لا على أنه ( شاعر) و لأن جميع طرحه يخدم الدعوة - كما يرون - فقد احتفلوا به و بجلوه .. يومها أصبح العشماوي شاعرا منزها عن النقد ، و أصبح أي متعرض لشعره - بغير كيل المدائح طبعا - مدسوسا على الدين، و محاربا للدعوة، وربما تجاوزوا ذلك إلى ماهو أدهى .. و التارخ يحتفظ ببعض الشواهد ..!
و لم يكن هذا الإعلام و أهله الطيبون هم السبب الوحيد في إسقاط شعرية العشماوي ، بل كان هو نفسه سببا رئيسا في ذلك؛ ذلك أنه لم يحترم فنه و قراءه، و لم يقدر ثقتهم به، و لم يحاول تطوير أدواته الفنية و مواكبة اجتياحات الشعرية الحديثة، بل ظل مراهنا على المضامين المكررة التي ضمنت له الشهرة قديما، فاستمرأ الأضواء و اعتاد عليها دون أن يعبأ بشيء آخر ، وواصل مسيرته الشعرية كما أرادت الشهرة لا كما أراد الفن، و أصبحت المطابع تقذف بالديوان تلو الديوان دون أن يقدم واحد منها جديدا يذكر ؛ فالطرح هو الطرح، و اللغة هي اللغة، و الرؤية هي الرؤية، والمأساة أن الاحتفالية هي الاحتفالية..!!
إن كون العشماوي يكتب في مضامين غالبها خير لا يعني هذا أنه يحق له أن يسمي ما يطرحه أدبا و ما هو بالأدب لمجرد أنه هادف و خيّر، فالأدب الإسلامي يتكون من كلمتين أولاهما ( و أؤكد على أنها الأولى) هي كلمة (أدب) .. تجاهل العشماوي هذا القيد و راح يستغل عواطف الناس بالوعظ المباشر زاعما أنه شعر..!
إن الحديث عن أزمة الشكل و المضمون مستهلك منذ زمن بعيد؛ منذ الجاحظ و معانيه المطروحة في الطريق، و مرورا بحشد كبير من النقاد القدامى و المحدثين، و انتهاء بالنقلة المعرفية التي طرأت على النقد أخيرا مع بزوغ شمس كثير من المناهج الحديثة التي تناولت الرؤية/المضمون و الجسد/ الشكل، ومن نافلة القول إن ارتباط الرؤية الشعرية بجسد النص ثراء و عمقا هو وحده الذي يكفل للقصيدة الخلود و يسبغ عليها الجمال، و هذا مالم يعه العشماوي - بقصد أو دون قصد- فلم يطور رؤيته و لا جسد نصه، و ظل واقفا في مكانه الأول و الدنيا تتقدم بسرعة مذهلة؛ ولذا كان من الموضوعي أن أقول: إن العشماوي كان شاعرا في أواخر التسعينات و بدايات القرن الجديد، لكنه انتهى بعد ذلك..!
إن إصرار العشماوي على طرق موضوعات محددة ليس عيبا للوهلة الأولى، بل إن تبني الشاعر لقضية ما أو مبدأ ما لهو دليل على وعيه و إيمانه برسالته، و لكن المصيبة أن شاعرنا - مع إصراره على مضامين محددة لم يرتق برؤيته و طريقة معالجه، و لا حتى بلغته و أدواته الفنية، فجاء شعره التالي صورة ممسوخة باردة عن شعره السابق، و من هنا كان نصه التالي ابنا غير شرعي لنصه السابق..!
إن إفادة الشاعر من تجاربه و نصوصه الأولى أمر محمود و حسن مالم يكرر نفسه فيها، و يبقى على مستوى الرؤية و اللغة نفسها كما فعل العشماوي، و لنأخذ القضية الفلسطينية مثلا، و لنقارن بين ظهورها في شعره وظهورها في شعر درويش - بوصفه متبنيا لها كالعشماوي - سنجد فرقا مذهلا و مخجلا و محزنا أيضا..!
إن الشاعر الجدير بالبقاء هو الذي يتقدم، و يتطور، و يفيد من تجاربه، و ينمي موهبته، ويثريها بكل جديد؛ ذلك أن المتلقي أيضا يتطور ذوقيا، فليس بالضرورة أن ما كان يهزه بالأمس ظل كذلك اليوم، بل ربما لم يحرك فيه شيئا، و لنتأمل هذه الشواهد التي كانت تعجبنا قبل زمن:
هذي الحجارة يا أبي لغة لنا **** لما رأينا أننا لا ننصف
لما رأينا أن حاخاماتهم **** يتلاعبون بنا فيرضى الأسقف
لما رأينا أن أمتنا على **** أرض الخلاف قطارها متوقف
ماذا نؤمل يا أبي من فاسق **** يلهو ومن متدين يتطرف ؟
جيش الحجارة يا أبي متقدم **** والمعتدي بسلاحه متخلف
و قوله:
إن التطرف أن يسافر مسلم **** في لهوه سفرا طويلا مرهقا
إن التطرف أن نرى من قومنا **** من صانع الكفر اللئيم وأبرقا
إن التطرف أن نبادل كافرا **** حبا ونمنحه الولاء محققا
إن التطرف أن نذم محمدا **** والمقتدين به ونمدح عفلقا
إن التطرف أن نؤمن بطرسا **** وهو الذي من كأس والده استقى
إن التطرف وصمة في وجه من **** جعلوا صليبهم الرصاص المحرقا
و قوله:
يا قُدسُ صبراً فانتصاركِ قادمٌ **** واللِّصُّ يا بَلَدَ الفداءِ جَبَانُ
حَجَرُ الصغير رسالةٌ نُقِلَتْ على **** ثغر الشُّموخ فأصغت الأكوانُ
ياقدسُ، وانبثق الضياء وغرَّدتْ **** أَطيارُها وتأنَّقَ البستان
يا قدس، والتفتتْ إِليَّ وأقسمتْ **** وبربنا لا تحنَثُ الأَيمانُ
واللّهِ لن يجتازَ بي بحرَ الأسى **** إلاَّ قلوبٌ زادُها القرآنُ
لكننا اليوم لا نراها سوى نظم هزيل لا يمت للشعر بقربى و لا بغير قربى..!
و ماذا بعد..؟
لكي يكون كلامنا ذا ثمرة يجب التأكيد على أن العشماوي إنما يمثل لبنة من لبنات الأدب الإسلامي، و يهمنا أن يظل أدبنا بخير بغض النظر عن الأشخاص الذين لا قدسية لهم .
إن الأدب الإسلامي قوي تاريخا و حضورا و إبداعا، لكن بعضا من المتحمسين له يظنونه من الضعف إلى حد أن تضره أي نسمة هواء، و لو كانت مرسلة لدفع الأشرعة..!
لقد ولد الأدب الإسلامي رشيدا، و لكنهم مازالوا يعدونه طفلا غريرا لا يستطيع أن يمشي وحده في طريق دون أن يزيلوا عنه ما يظنونه أحجارا و أشواكا.
إن بعض أنصاره يظنون كل صيحة عليهم، و يؤمنون بنظرية المؤامرةإلى حد مَرَضَيّ؛ فكل من تكلم أو أبدى نقدا فهو غاز لنا في عقر دارنا..! و هؤلاء يحسبون أنهم ينفعون الأدب الإسلامي و هم في الحقيقة يضرونه، و كل ما يحتاجه أدبنا تنقيته من نصوص تنسب إليه و هو منها براء، و لو أسكتنا أصوات الغيورين عليه عن طريق القدح في انتماءاتهم أو عقائدهم فلن نستطيع حتما إسكات التاريخ .
لقد تغير الزمان، و انحسر مد الحداثة، و هي أبرز خصوم الأدب الإسلامي، فهل نتخذ هذا زمانا مناسبا لمراجعة أنفسنا و عواطفنا، و تحديد ماالذي يحتاجه منا أدبنا و ما الذي هو في غنى عنه، و لا سبيل لنا من أجل هذا إلا بإمعان البصر و البصيرة في مثل هذه الأمور، و ألا نسقط في حمأة تقديس الأشخاص؛ فإننا عرفنا العشماوي بالأدب و لم نعرف الأدب به، أتمنى أن نفعل و ألا تأخذنا بنيات الطريق؛ فنفيق و قد ضيعنا في الصيف القضية..!
و مع أن هذا الموضوع استهلك كثيرا، و كثر فيه الأخذ و الرد؛ إلا أنني أجدني مشدودا إلى الخوض فيه؛ وفاء بوعد قطعته لصديقين عزيزين هنا و كان لابد أن أفي، كما أن انتماءنا جميعا إلى أدب واحد؛ جميل مؤثر، و نظيف هادف يجعلنا مطالبين أن نبحث عنه و نناقشه فيما بيننا، دون أن نترك المجال للآخرين أن يحاكمونا و يشنقونا ظلما و عدوانا..!
ابتداء يجب أن أؤكد أن هذا الطرح يمثل وجهة نظر شخصية جدا ترحب بالاختلاف و التقاطع وربما التصادم أحيانا مادام محكوما بما يعرف بأدب الحوار، و مادام الهدف منه الوصول إلى كلمة سواء فيما بيننا.
لا ينفي الشاعرية ( المجردة ) عن العشماوي إلا جاهل بالشعر أو حاقد على الرجل نفسه، و لا يثبت للعشماوي الشاعرية ( الفذة المطلقة ) إلا جاهل بالشعر أيضا يعاني من سذاجة في التعاطي..!
و مع أن التعميمات داء منهجي قاتل إلا أنني وجدتـُـني مضطرا إليها هنا؛ لتكون مفتتحا و منطلقا لمناقشة علمية جادة يتسع صدرها للرأي و الرأي الآخر بغية الوصول إلى رأي ليس بالضرورة أن يرضي جميع الأطراف .. المهم أن يعطي القضية حقها..!
إن تتبعا تأريخيا لمسيرة هذا الشاعر التي ابتدأت منذ التسعينات الهجرية ، و مازالت تلد الديوان تلو الديوان تعطي الباحث صورة شبه واضحة عن شعرية الرجل، و فنيته، و رؤيته، و مدى توفيقه من عدمه ، على أنه من الإنصاف أن نحاول جاهدين تتبع الظروف الأخرى (التي لا علاقة لها بالعشماوي و شعره) و نفض غبارها من جديد ؛ ذلك أن لها أثرا عظيما جدا في مسيرة الشاعر و إعطائه أكثر/أقل مما يستحق كما سيحاول هذا الطرح أن يكشف ..!
كانت بداية العشماوي مثيرة و جميلة بما يكفي لأن ينال أسهما مرتفعة الثمن جدا في قلوب الناس الذين أحبوا توجهه و توظيفه شعره في خدمة قضايا يرونها جديرة بذلك ، كما أن الرجل كان موهوبا بما يكفي ليقدم شعرا مرتفع الفنية كما نلمح ذلك في كثير من دواوينه الأولى، منذ ذلك الوقت و شاعرنا ينتشر بسرعة و ينال شهرة ( كان ) يستحقها نسبيا بفضل منجزاته الإبداعية الجيدة التي تنطق بها دواوينه الأولى كما أسلفت، و ما أروع قوله مثلا لا حصرا :
صهيله نغم يصغي الزمان له// و نقعه لحجاب الشمس يخترق
تشدو حـوافره لحنا يـهش له// قلب التراب وتسترخي له الطرق
و إذا كنت زعمتُ أن استحقاق العشماوي للشهرة و الانتشار كان نسبيا؛ فمن الإنصاف أن أعلل لهذه النسبية ؛ إذ لم تكن موهبة العشماوي وحدها هي السبب ، ثمة ظروف أخرى ساعدته على الوصول ، ربما تجاهلها الكثيرون ذلك الوقت لكنها ظهرت جلية مع الزمن.. ذلك أن الزمن وحده هو الكفيل بكشف كل شيء ..!
لقد أسهم الإعلام ( الإسلامي ) في ضخّ مزيد من شهرة و صيت و تلميع لاسم العشماوي أكثر بكثير مما ناله الرجل بشعره أو بالأحرى مما يستحق أن يناله ، و تعاضدت جميع فروع ذلك الإعلام؛ صحفا و مجلات و أشرطة مرئية و مسموعة- بحسن نية طبعا - من أجل دفع الرجل إلى الواجهات دائما، و أغرقته بالثقة متناسية ( و ربما غير متوقعة) أن السحر ربما انقلب على الساحر ..!
كان خطأ تاريخيا عندما تعامل هذا الإعلام مع العشماوي على أنه ( داعية ) لا على أنه ( شاعر) و لأن جميع طرحه يخدم الدعوة - كما يرون - فقد احتفلوا به و بجلوه .. يومها أصبح العشماوي شاعرا منزها عن النقد ، و أصبح أي متعرض لشعره - بغير كيل المدائح طبعا - مدسوسا على الدين، و محاربا للدعوة، وربما تجاوزوا ذلك إلى ماهو أدهى .. و التارخ يحتفظ ببعض الشواهد ..!
و لم يكن هذا الإعلام و أهله الطيبون هم السبب الوحيد في إسقاط شعرية العشماوي ، بل كان هو نفسه سببا رئيسا في ذلك؛ ذلك أنه لم يحترم فنه و قراءه، و لم يقدر ثقتهم به، و لم يحاول تطوير أدواته الفنية و مواكبة اجتياحات الشعرية الحديثة، بل ظل مراهنا على المضامين المكررة التي ضمنت له الشهرة قديما، فاستمرأ الأضواء و اعتاد عليها دون أن يعبأ بشيء آخر ، وواصل مسيرته الشعرية كما أرادت الشهرة لا كما أراد الفن، و أصبحت المطابع تقذف بالديوان تلو الديوان دون أن يقدم واحد منها جديدا يذكر ؛ فالطرح هو الطرح، و اللغة هي اللغة، و الرؤية هي الرؤية، والمأساة أن الاحتفالية هي الاحتفالية..!!
إن كون العشماوي يكتب في مضامين غالبها خير لا يعني هذا أنه يحق له أن يسمي ما يطرحه أدبا و ما هو بالأدب لمجرد أنه هادف و خيّر، فالأدب الإسلامي يتكون من كلمتين أولاهما ( و أؤكد على أنها الأولى) هي كلمة (أدب) .. تجاهل العشماوي هذا القيد و راح يستغل عواطف الناس بالوعظ المباشر زاعما أنه شعر..!
إن الحديث عن أزمة الشكل و المضمون مستهلك منذ زمن بعيد؛ منذ الجاحظ و معانيه المطروحة في الطريق، و مرورا بحشد كبير من النقاد القدامى و المحدثين، و انتهاء بالنقلة المعرفية التي طرأت على النقد أخيرا مع بزوغ شمس كثير من المناهج الحديثة التي تناولت الرؤية/المضمون و الجسد/ الشكل، ومن نافلة القول إن ارتباط الرؤية الشعرية بجسد النص ثراء و عمقا هو وحده الذي يكفل للقصيدة الخلود و يسبغ عليها الجمال، و هذا مالم يعه العشماوي - بقصد أو دون قصد- فلم يطور رؤيته و لا جسد نصه، و ظل واقفا في مكانه الأول و الدنيا تتقدم بسرعة مذهلة؛ ولذا كان من الموضوعي أن أقول: إن العشماوي كان شاعرا في أواخر التسعينات و بدايات القرن الجديد، لكنه انتهى بعد ذلك..!
إن إصرار العشماوي على طرق موضوعات محددة ليس عيبا للوهلة الأولى، بل إن تبني الشاعر لقضية ما أو مبدأ ما لهو دليل على وعيه و إيمانه برسالته، و لكن المصيبة أن شاعرنا - مع إصراره على مضامين محددة لم يرتق برؤيته و طريقة معالجه، و لا حتى بلغته و أدواته الفنية، فجاء شعره التالي صورة ممسوخة باردة عن شعره السابق، و من هنا كان نصه التالي ابنا غير شرعي لنصه السابق..!
إن إفادة الشاعر من تجاربه و نصوصه الأولى أمر محمود و حسن مالم يكرر نفسه فيها، و يبقى على مستوى الرؤية و اللغة نفسها كما فعل العشماوي، و لنأخذ القضية الفلسطينية مثلا، و لنقارن بين ظهورها في شعره وظهورها في شعر درويش - بوصفه متبنيا لها كالعشماوي - سنجد فرقا مذهلا و مخجلا و محزنا أيضا..!
إن الشاعر الجدير بالبقاء هو الذي يتقدم، و يتطور، و يفيد من تجاربه، و ينمي موهبته، ويثريها بكل جديد؛ ذلك أن المتلقي أيضا يتطور ذوقيا، فليس بالضرورة أن ما كان يهزه بالأمس ظل كذلك اليوم، بل ربما لم يحرك فيه شيئا، و لنتأمل هذه الشواهد التي كانت تعجبنا قبل زمن:
هذي الحجارة يا أبي لغة لنا **** لما رأينا أننا لا ننصف
لما رأينا أن حاخاماتهم **** يتلاعبون بنا فيرضى الأسقف
لما رأينا أن أمتنا على **** أرض الخلاف قطارها متوقف
ماذا نؤمل يا أبي من فاسق **** يلهو ومن متدين يتطرف ؟
جيش الحجارة يا أبي متقدم **** والمعتدي بسلاحه متخلف
و قوله:
إن التطرف أن يسافر مسلم **** في لهوه سفرا طويلا مرهقا
إن التطرف أن نرى من قومنا **** من صانع الكفر اللئيم وأبرقا
إن التطرف أن نبادل كافرا **** حبا ونمنحه الولاء محققا
إن التطرف أن نذم محمدا **** والمقتدين به ونمدح عفلقا
إن التطرف أن نؤمن بطرسا **** وهو الذي من كأس والده استقى
إن التطرف وصمة في وجه من **** جعلوا صليبهم الرصاص المحرقا
و قوله:
يا قُدسُ صبراً فانتصاركِ قادمٌ **** واللِّصُّ يا بَلَدَ الفداءِ جَبَانُ
حَجَرُ الصغير رسالةٌ نُقِلَتْ على **** ثغر الشُّموخ فأصغت الأكوانُ
ياقدسُ، وانبثق الضياء وغرَّدتْ **** أَطيارُها وتأنَّقَ البستان
يا قدس، والتفتتْ إِليَّ وأقسمتْ **** وبربنا لا تحنَثُ الأَيمانُ
واللّهِ لن يجتازَ بي بحرَ الأسى **** إلاَّ قلوبٌ زادُها القرآنُ
لكننا اليوم لا نراها سوى نظم هزيل لا يمت للشعر بقربى و لا بغير قربى..!
و ماذا بعد..؟
لكي يكون كلامنا ذا ثمرة يجب التأكيد على أن العشماوي إنما يمثل لبنة من لبنات الأدب الإسلامي، و يهمنا أن يظل أدبنا بخير بغض النظر عن الأشخاص الذين لا قدسية لهم .
إن الأدب الإسلامي قوي تاريخا و حضورا و إبداعا، لكن بعضا من المتحمسين له يظنونه من الضعف إلى حد أن تضره أي نسمة هواء، و لو كانت مرسلة لدفع الأشرعة..!
لقد ولد الأدب الإسلامي رشيدا، و لكنهم مازالوا يعدونه طفلا غريرا لا يستطيع أن يمشي وحده في طريق دون أن يزيلوا عنه ما يظنونه أحجارا و أشواكا.
إن بعض أنصاره يظنون كل صيحة عليهم، و يؤمنون بنظرية المؤامرةإلى حد مَرَضَيّ؛ فكل من تكلم أو أبدى نقدا فهو غاز لنا في عقر دارنا..! و هؤلاء يحسبون أنهم ينفعون الأدب الإسلامي و هم في الحقيقة يضرونه، و كل ما يحتاجه أدبنا تنقيته من نصوص تنسب إليه و هو منها براء، و لو أسكتنا أصوات الغيورين عليه عن طريق القدح في انتماءاتهم أو عقائدهم فلن نستطيع حتما إسكات التاريخ .
لقد تغير الزمان، و انحسر مد الحداثة، و هي أبرز خصوم الأدب الإسلامي، فهل نتخذ هذا زمانا مناسبا لمراجعة أنفسنا و عواطفنا، و تحديد ماالذي يحتاجه منا أدبنا و ما الذي هو في غنى عنه، و لا سبيل لنا من أجل هذا إلا بإمعان البصر و البصيرة في مثل هذه الأمور، و ألا نسقط في حمأة تقديس الأشخاص؛ فإننا عرفنا العشماوي بالأدب و لم نعرف الأدب به، أتمنى أن نفعل و ألا تأخذنا بنيات الطريق؛ فنفيق و قد ضيعنا في الصيف القضية..!