المساعد الشخصي الرقمي

اعرض النسخة الكاملة : السر في عطف المفردات بالواو وفصلها



تأبط شعرا
15-03-2008, 01:17 AM
عطف المفردات بالواو أو فصلها وأسراره البلاغية

إن بعض البلاغيين ذكروا أن الصفاتِ المتعددة لا يُعطف بعضها على بعض إلا إذا كانت متضادة، أي: كانت بينها علاقة الضدية، وضربوا أمثلة لذلك بقول الحق -سبحانه وتعالى- في سورة "الحديد" الآية الثالثة: {هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} فقد عطف الآخر على الأول، والباطن على الظاهر كما يقولون؛ لأن هذه الصفات متضادة، فالآخر ضد الأول، والباطن ضد الظاهر، ولذلك عطف الآخر على الأول بالواو، وعطف الباطن على الظاهر بالواو.

وقد قال هؤلاء الذين قالوا ذلك: إنه إذا كانت الصفات غير متضادة فإنها تذكر بلا عطف، واستشهدوا لذلك بقول الحق -سبحانه وتعالى- في سورة "الحشر" الآية الثالثة والعشرون والرابعة والعشرون: {هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ* هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى} فقد قال بعض البلاغيين: إن هذه الصفات وهي: الملك، القدوس، السلام، المؤمن، المهيمن، العزيز، الجبار، المتكبر، صفات غير متضادة؛ ولذلك لم يعطف بعضها على بعض، وكذلك في قوله: {اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ}؛ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ أيضًا صفات غير متضادة؛ وبالتالي فلم يعطف بعضها على بعض.

والخلاصة أن بعض البلاغيين يرون: أن الصفات إذا تعددت في الكلام، فإنها إذا كانت متضادة يعطف بعضها على بعض بالواو، وإذا كانت غير متضادة ترك العطف بينها.

وكذلك قالوا في قوله -سبحانه وتعالى- في سورة "التحريم" من الآية الخامسة: {عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا} فالصفات: مسلمات، مؤمنات، قانتات، تائبات، عابدات، سائحات، هذه صفات غير متضادة؛ لذلك ترك العطف بينها بالواو، أما في: {ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا} فلما كانت "أبكار" ضد "ثيبات" فقد عطفت بالواو.

هذا ومن معنى السائحات: الذهاب في الأرض للعبادة، ومن معانيها: الصوم مع ملازمة المساجد.

ومن الشواهد التي اعتمدوا عليها أيضًا: قول الحق -سبحانه وتعالى- في سورة "التوبة" من الآية الثانية عشرة بعد المائة: {التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ} فقد توالت الصفات: التائبون، العابدون، الحامدون، السائحون، الراكعون، الساجدون الآمرون بالمعروف، توالت بدون وجود حرف العطف الواو؛ لأنها صفات غير متضادة، أما في قوله: {وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ} فلما كان الأمر بالمعروف ضد النهي عن المنكر جاءت الواو.

لكن البلاغيين الذين استشهدوا بهذه الآيات لم يقوموا باستقراء تام، وإنما لفت نظرهم في بعض الآيات أن الصفات إذا كانت متضادة عطفت بالواو، وأنها إذا لم تكن متضادة لم تعطف بالواو، فإذا ما رأوا أن الواو قد جاءت بين صفتين ليس بينهما تضاد في مكان آخر يحاولون أن يتكلفوا وجهًا من التضاد بينهما، وكأننا نحكم القواعد في القرآن، ولا نحكم القرآن في القواعد، وهذا خطأ في البحث، ينبغي عندما توضع قاعدة أن يكون هناك استقراء تام أو شبه تام، أما إذا رأينا بعض الشواهد، ووضعنا قاعدة فإذا ما وجدنا شواهد أخرى لا تنطبق عليها القاعدة نحاول أن نتكلف فهذا هو الخطأ في البحث.

فمثلًا عندما رأى هؤلاء الذين قالوا أن الصفات المتضادة يأتي بينها الواو، وغير المتضادة لا يأتي بينها الواو، عندما وجدوا قول الحق -سبحانه وتعالى- في سورة "غافر" في قوله في أول السورة بسم الله الرحمن الرحيم: {تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ} تكلفوا وجود تضاد بين بعض آيات السورة،حيث عطفت في الآية {قَابِلِ التَّوْبِ} على {غَافِرِ الذَّنْبِ} بالواو على الرغم من أنهما غير متضادتين.

فبعض البلاغيين -حتى تسلم لهم القاعدة- يتعسفون فيحاولون إثبات وجه من التضاد بين {غَافِرِ الذَّنْبِ} و{قَابِلِ التَّوْبِ} في الآية الكريمة، فذكروا في ذلك: أن المغفرة ترجع إلى السلب؛ لأن معنى {غَافِرُ}: الذي لا يفعل العقوبة مع الاستحقاق ففيها معنى السلب، وأما {قَابِلِ التَّوْبِ}: فقبول التوبة يرجع إلى الإثبات؛ لأن معناه قبول الندم والعذر، وبين السلب والإثبات تضاد، فيرون أن {غَافِرِ الذَّنْبِ} يعني: لا يفعل العقوبة، وأما قبول التوبة يعني: يفعل شيئًا وهو قبول الندم، وبين الفعل وعدم الفعل سلب وإثبات، وبذلك يثبت التضاد حتى تستقيم القاعدة عندما يقال لهم: إن غافر الذنب ليست ضدًّا لقابل التوب، فكيف عطفت حتى تستقيم لكم القاعدة، بالرغم من أنهما ليس بينهما تضاد؟

يقول: إن هناك تضاد لو تعمقنا؛ لأن مغفرة الذنب يعني ترك العقوبة، وقبول التوبة معناه قبول الندم، والترك والقبول كل منهما ضد للآخر، وبذلك تثبت لهم القاعدة، وهو أنه قد عطفت قابل التوب على غافر الذنب لما بينهما من التضاد وإن كان تضادًّا خفيًّا.

وقالوا أيضًا في سبيل التخريج: إن الجمع بين {قَابِلِ التَّوْبِ} و{غَافِرِ الذَّنْبِ} بالواو لسر لطيف، وهو: إفادة الجمع للمذنب التائب بين رحمتين، بين أن تقبل توبته فتكتب له طاعة، وبين أن تمحى ذنوبه كأنه لم يذنب، يبقى طاعة وعدم ذنب، فكأنهما ضدان، وبالتالي أيضًا يحاولون تصحيح القاعدة بلَيِّ النص وادعاء أن بينهما تضادًّا خفيًّا.

وقالوا أيضًا: إن المغفرة مختصة بالعبد، أي: تعود إليه، فائدتها بعد التوبة أو بدون التوبة، وقبول التوبة مختص بالله تعالى، فالله -عز وجل- يغفر حينًا من تلقاء نفسه بالفضل، وحينًا يعفو عن المذنب بسبب ندمه واعتذاره وتوبته، فالمغفرة مختصة بالعبد، وقبول التوبة مختص بالله، وبينهما -بين العبد والله سبحانه وتعالى- الرفعة والدنو، كأنهما متضادان.

وهذا -فيما نرى- تعسف ظاهر، وتكلف نحن في غنى عنه، خاصة وأن ما قالوه عن أن الصفات المتضادة يجب فيها العطف بالواو قولٌ غير مسلم لهم، فقد ترد الصفات المتضادة بدون عطف، وفي القرآن أيضًا، وهذا مما ينقض قاعدة العطف في الصفات المتضادة.

انظر قوله -سبحانه وتعالى- في سورة "الواقعة" في أولها: {إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ} (الواقعة1: 3).

انظر إلى: {خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ} تجد أنه ليس بينها عطف بالواو على الرغم من أن رافعة ضد خافضة، وبالتالي انهدمت القاعدة التي وضعوها: من أن الصفات المتضادة يجب أن يوصل بينها بالواو، أو يجب أن يعطف بعضها على بعض بالواو، وغير المتضادة لا تعطف بالواو، هنا: {خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ} اجتمعت صفتان متضادتان للقيامة، ومع ذلك لم تأت الواو.

وجاء في الشعر العربي الذي يستشهد به قول امرئ القيس في وصف فرسه وسرعته:



مكر مفر مقبل مدبر معًا
كجلمود صخر حطه السيل من عل



يعني: هذا الفرس شديد السرعة على غير المعتاد في الخيول، فهو عندما تراه مهاجمًا، في اللحظة نفسها تجده مدبرًا، يعني: تراه متقدمًا مقبلًا في لحظة واحدة؛ ولذلك قال: يكر، والكر: هو الهجوم، مفر ومفر بمعنى: يفر عند الطعان فهو كثير الفر، وهذا معنى مكر، وجيد الكر وجيد الفر أيضًا، يعني: جيد الهجوم وجيد الفرار، وهو سريع جدًّا عندما تراه هاجمًا تراه في اللحظة نفسها فارًّا من طعنه، وعندما تراه مقبلًا للأمام فترى صدره أو رأسه في اللحظة نفسها تجد دبره أمامك، فهو مكر مفر مقبل مدبر معًا، ولذلك قال: معًا يعني: أن ترى الكر والفر في لحظة واحدة، وترى الإقبال والإدبار في لحظة واحدة.

ثم شبهه في ذلك: بجلمود صخر يعني: بالصخرة الضخمة التي تنزل من أعلى الجبل بسبب أن السيول الشديدة تدفعه، فأنت ترى جانبًا من جوانب الصخرة، ثم لسرعتها ترى الجانب الآخر، فكأنك رأيت وجهها ورأيت مؤخرها في لحظة واحدة، كجلمود صخر حطه السيل من عل، فصخرة كبيرة تنحدر من أعلى الجبل إلى الأسفل بسرعة شديدة، يدفعها السيل دفعًا شديدًا، فأنت في اللحظة التي ترى فيها جانبًا منها ترى الجانب الآخر، فكأنك ترى مقدمها ومؤخرها في اللحظة نفسها.

هنا مكر ضد مفر، ومقبل ضد مدبر، وهذا كلام يستشهد به، ولم تأت الواو على القاعدة التي وضعها بعض البلاغيين: من أن الصفات المتضادة ينبغي أن يأتي بينها الواو.

وأما الصفات غير المتضادة التي قالوا: إنها لا تأتي فيها الواو؛ قد نجد صفات غير متضادة، ومع ذلك جاءت فيها الواو، مثل الآية المذكورة: {غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ} فليس بينهما تضاد ومع ذلك تكلفوا بينهما تضادًّا خفيًا حتى تستقيم القاعدة، وكما قلت: كأنهم يحكمون القاعدة في النص القرآني.

انظر قوله -سبحانه وتعالى- في سورة "آل عمران" الآية السادسة عشرة والسابعة عشرة: {الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ}.

انظر: الصابرين، والصادقين، والقانتين، والمنفقين، والمستغفرين هذه صفات لا تضاد بينها، ومع ذلك جاءت فيها الواو، إذن انهدمت قاعدة بعض البلاغيين الذين أوجبوا أن توضع الواو بين الصفات المتضادة، وأن تترك الواو بين الصفات غير المتضادة.

{خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ} لم تأت فيها الواو، مكر مفر مقبل مدبر معًا لم تأت فيها الواو، صفات غير متضادة وجاءت فيها الواو: الصابرين، والصادقين، والقانتين، والمنفقين، والمستغفرين جاءت فيها الواو، انهدمت القاعدة.

كذلك في سورة "الأحزاب": {إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ}إلى آخره... جاءت فيها الواو على الرغم من أن الصفات غير متضادة.

إذن الأولى أن نضرب صفحًا على قول بعض البلاغيين من الصفات المتضادة لا بد من مجيء الواو بينها، وغير المتضادة تترك الواو،
إن قاعدة بعض البلاغيين من وجوب وجود الواو بين الصفات المتضادة، وترك الواو بين الصفات غير المتضادة قاعدة لم تثبت، والنصوص هدمت هذه القاعدة، فالأولى أن ننظر إلى الموضوع من جهة أخرى، والأولى في الدراسة البلاغية أن تبحث عن الأسرار الكامنة وراء الواو إن وجدت، وأن تكشف وتجلي سر مجيئها حينما تأتي، وأن تكشف وتجلي سر ترك الواو حين تترك، فلا ينبغي النظر إلى التضاد في الصفات أو عدم التضاد، وإنما ينبغي البحث عندما تأتي الواو، سواء كان بين الصفات المتضادة أو غير المتضادة، أو ترك الواو بين الصفات المتضادة أو غير المتضادة ينبغي أن نبحث في مجيء الواو، ولماذا جاءت؟ ولا ننظر إلى التضاد وعدم التضاد، وننظر في ترك الواو ولماذا لم تجئ؟ سواء كانت الصفات متضادة أو غير متضادة. هذا هو الذي ينبغي أن يبحث فيه، لماذا جاءت الواو؟ ولماذا تركت الواو؟

فهذه الواو تفيد التغاير، الواو لا بد أن تفيد التغاير، ولذلك لا يعطف الشيء على نفسه، لا تعطف الذات على الذات، بمعنى: أن تكون الذات الثانية هي الأولى، فالواو تفيد التغاير بين المعطوف المعطوف عليه، هذا معني أساسي في حروف العطف، لا بد أن يكون المعطوف غير المعطوف عليه بوجه من الوجوه، وعندما تأتي الواو بين الصفات؛ فإنها تفيد كمال اتصاف الموصوف بكل صفة منها على حدة، فكأن كل صفة عندما تأتي الواو كما في قوله -سبحانه وتعالى-: {الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ} وقوله تعالى: {الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ} هذه الواو تفيد أن الموصوف بصفة منها قد بلغ الكمال في كل صفة على انفراد.
انظر إلى قوله تعالى: {الصَّابِرِينَ وَالَّصادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ} تجد أن الواو دلت على كمال الموصوفين في كل واحدة منها على انفراد، يعني: الموصوفون بهذه الصفات بلغوا الكمال في الصبر، وبلغوا الكمال في الصدق، وبلغوا الكمال في القنوت أي: الطاعة، هكذا بقية الصفات، هذا عندما تأتي الواو، فلأنها تفيد التغاير، فهذا يعني: أن الموصوفين بالصفات التي جاءت بينها الواو قد بلغوا درجة الكمال في كل صفة منها على انفرادها.

أما عندما تترك الواو، وتأتي الصفات متوالية بدون الواو، فإن ذلك يفيد كمال اجتماع هذه الصفات في الموصوف، يعني: الواو التي تفيد التغاير تعني أن الصفة بلغت الكمال، عندما تأتي الصفات بدون واو فإن ذلك يفيد تمام اجتماع كل هذه الصفات في موصوف واحد.

خذ مثلًا قول الحق -سبحانه وتعالى-: {التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ} وكذلك {مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ} وتأمل تجد أن ترك الواو أفاد أن هذه الصفات مجتمعة في الموصوفين، وكأن هذه الصفات بدون الواو كأنها صفة واحدة، وفرق جوهري بين أن تكون الصفات مجتمعة في حكم الصفة الواحدة، وبين أن تكون كل صفة منها قد بلغت الكمال على انفرادها، هذا معنى وهذا معنى آخر.

مرة ثانية:الصفات سواء كانت متضادة أو غير متضادة عندما تأتي بالواو، فإن ذلك يدل على أن الموصوف بكل صفة من هذه الصفات قد بلغ الكمال في هذه الصفة وحدها بصرف النظر عن غيرها، وأما عندما تجتمع الصفات متضادة أو غير متضادة بغير الواو فهذا يعني: أن هذه الصفات مجتمعة في موصوف كأنها صفة واحدة، فذكر الواو بين الصفات يفيد أنهم كاملون في كل صفة على انفراد، وترك الواو بين الصفات يفيد أن هذه الصفات مجتمعة فيهم، وكأنها امتزجت وصارت صفة واحدة، وعلى هذا جاء قول امرئ القيس:


مكر مفر مقبل مدبر معًا
كجلمود صخر حطه السيل من عل


يفيد أن هذه الصفات وهي: الكر، والفر، والإقبال، والإدبار قد اجتمعت في الجواد أو في الفرس في وقت واحد من غير أن تكون مستقلة متغايرة، وإنما أصبحت كأنها صفة واحدة ولو أن امرأ القيس قال: مكر ومفر ومقبل ومدبر، لما صح أن يقول: معًا، فكلمة معًا أفادت أن هذه الصفات على الرغم من أنها متغايرة كأنها صفة واحدة، فكأن الكر والفر والإقبال والإدبار صفة واحدة نراها في هذا الفرس، ولذلك قال: معًا، ولو جاءت الواو ما صح له أن يقول: معًا؛ لأنه لو جاءت الواو لكان معنى ذلك: أن الفرس وصل في الكر إلى درجة الكمال على الانفراد، وأنه في الفر وصل إلى درجة الكمال على الانفراد، وأنه في الإقبال وصل إلى درجة الكمال في الإقبال على الانفراد، وأنه في الإدبار وصل فيه إلى درجة الكمال على الانفراد، وهو لا يريد هذا المعنى؛ لأنه لو جاءت الواو ما أفادت سرعة الفرس، وما أفادت هذه السرعة غير المعتادة في الخيل، لو جاءت الواو لأدت معنى أن امرأ القيس يريد أن يعدد كل وصف على حده غير ممتزج بغيره، والشاعر هنا أراد: أن هذه الأوصاف امتزجت فصارت كأنها صفة واحدة، وهذا هو الذي يسر له أن يقول: معًا بعد أن ذكر هذه الصفات بغير الواو، فانظر إلى هذه الدقائق.

وكذلك القول في الآية الكريمة: {لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ} (الواقعة: 2، 3) أي: أن الزلزلة الشديدة، أو الهول الشديد يوم القيامة يحدث فيه الخفض والرفع في زمن واحد، وكأنهما صفة واحدة، ويقع من الواقعة الفعلان معًا وفي اللحظة نفسها، ولو قيل في غير القرآن: خافضة ورافعة لم يفد هذا المعنى؛ لأن الخفض قد يكون في زمان، والرفع في زمان آخر، أما: {خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ} تصور أنك تمسك في يدك شيئًا ترفعه وتخفضه في لحظة واحدة، وانظر إلى الرجة الشديدة التي تحدث هناك فرق بين هذه الصورة من أن ترفع الشيء وتخفضه في اللحظة نفسها، وبين أن ترفعه في وقت، وأن تخفضه في وقت آخر، فهذا يكون فيه راحة، لكن ما في يوم القيامة ليس فيه راحة، فهي تخفض ترفع في لحظة واحدة، وهذا هو الهول الكبير الذي تخوف منه السورة: {إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ} (الواقعة: 1 : 3).
ثم انظر بقية الآيات: {إِذَا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا} (الواقعة: 4 : 6)، انظر إلى هذه السورة الرهيبة الخفض والرفع في لحظة واحدة، فبينما ترى المخلوق في حالة رفع تراه في اللحظة نفسها في حالة خفض، للزلزلة الشديدة وهذا ينبئ عن الهول العظيم، أما: خافضة ورافعة فهذا لا ينبئ عن الهول، صحيح فيها هول ولكنه ليس بالدرجة نفسها في: {خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ}.

وكذلك قولك: فلان كاتب شاعر، مخالف؛ لأن تقول: فلان شاعر وكاتب؛ لأن فلان شاعر وكاتب هذا تقصد فيه أن تقول إنه وصل في الشاعرية إلى درجة الكمال على الانفراد، وفي الكتابة إلى درجة الكمال على الانفراد.

أما فلان كاتب شاعر فالصفتان قد امتزجتا، فكأنهما صفة واحدة، فكاتب شاعر أفاد اجتماع الكتابة والشعر في فلان، لكنه لم يفد الكمال في كل صفة على الانفراد، وأما الثاني: فلان شاعر وكاتب فيفيد كمال الاتصاف في الشاعرية على حده، وكمال الكتابة على حده.

منقول من محاضرة في البلاغة

رسالة الغفران
15-03-2008, 02:07 AM
شكرا جزيلا لك أخي المتأبط
الموضوع جميل جداً
من هؤلاء الذين يقولون بأن الواو اذا كانت في الصفات الغير متضادة لا تذكر ؟
لأسلط عليهم لساني :)
دمت موفقا أخي الكريم

الصياد2
15-03-2008, 03:42 AM
جزاك الله خيرابل خير الجزاء

منذر أبو هواش
15-03-2008, 11:50 AM
:::
الصفات تفصل بالواو ... وتمزج برفعها ...

الأساتذة الأعزاء،

باختصار شديد وبعيدا عن التكلف:
إذا أريد الفصل بين الصفات وضعت الواو،
وإذا أريد المزج بينها رفعت الواو.

والله أعلم،

منذر أبو هواش

:)