المساعد الشخصي الرقمي

اعرض النسخة الكاملة : أثرالقرآن الكريم والسنة النبوية البلاغي في عصرصدرالإسلام والعصرالأموي



أبوخالدالمدني
28-03-2008, 10:50 AM
أثرالقرآن الكريم والسنة النبوية البلاغي في عصرصدرالإسلام والعصرالأموي
(1)
بسم الله الرَّحمَن الرَّحِيم
المقدمـــــــــــــة

الحمد لله ربّ العالمين الذي أتقن كلّ شيءٍ صنعاً، هو الذي أنزل كتابَهُ القرآن معجزاً، وآيةً عظيمةً تدلُّ علَيْه، ومن إعجازه ما فيه من جمالٍ بيانيّ وبلاغةٍ رائعة لا ترقى إلى مِثْلها بلاغَةُ جميع البلغاء، ولا فصاحة جميعِ الفصحاء.
والصلاة والسلام على رسُولِنا محمّدٍ خاتم النبيّين والمرسلين، وإمامهم، مَنْ خَصَّه الله بالدّينِ الخاتم، والكتاب المعجز، فأنزلَهُ عليه مُتكَفِّلاً بحفظهِ مِنَ التغيير والتبديل والزيادة والنقصان، بقَصْدٍ أو نسيان، فهيّأ له من وسائلِ الحفظِ ما جَعَلهُ باقياً كما أنْزَلَهُ في السُّطُور والصُّدور وأدواتِ التسجيل الصوتي. وبعدُ:
فهذا بحث موجز عن : أثرالقرآن الكريم والسنة النبوية البلاغي في عصرصدرالإسلام والعصرالأموي حاولت فيه جاهدآ أن ألملم أطرافه وأجمع مادته من الكتب التي تختص بمثل هذه المواضيع وقد لقيت في ذلك بعض المشقة لطول الانقطاع عن إجراء البحوث, وبعد جمع مادته قمت بتقسيمه إلى تمهيد وثلاثة مباحث وخاتمة تحدثت في التمهيد عن الأثر العام لنزول القرآن الكريم والسنة المطهرة وما أحدثه ذلك من تحول كبير في حياة العرب وبعد ذلك تحدثت في المباحث الثلاثة على النحو التالي : -
المبحث الأول :-أثر القرآن الكريم والسنه النبوية في الألفاظ
المبحث الثاني :- أثر القرآن الكريم والسنة النبوية في المعاني
المبحث الثالث : - أثر القرآن الكريم والسنة النبوية في الصياغة والإسلوب
ثم بعد ذلك الخاتمة ودونت فيها ماتوصلت إليه من نتائج
وكل ما أرجوه أن أكون قد وفقت في إعداده بالصورة المناسبة وهو جهد المقل فإن أصبت فمن الله وإن أخطأت فمني والله أسأل أن يوفقنا جميعآ إلى طريق الخير في ديننا ودنيانا إنه سميع مجيب .

========================================
(2)
تمهيد:-

أنزل الله سبحانه وتعالى كتابه العظيم على نبيه صلى الله عليه وسلم وهو يحوي تعاليم الاسلام السمحة بلسان عربي مبين ولأن العرب في الجاهلية كانوا قد أشتهروا بالفصاحة والبلاغة والبيان فقد جاءهم متحدياً لمـا يتميز به من جمال اللفظ وجـودة الإسلوب فكان وقعـه عليهم قوياً وتأثيره عليهم كبيراً ولعل خير شاهد على ذلك قصص إسلام عدد من الصحابة الذين كانوا من رؤوس الشرك وألد أعداء النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن سمعوا آي الذكر الحكيم يتلى فتسلل الي أعماقهم وأثر في نفوسهم وعرفوا أنه الحق وقول الحق جل وعلا وأن هذا الكتاب الذي لايأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه إنما هو كلام الله سبحانه وله من الفضل والتقدم الشيئ الكثير يقول أحمد الهاشمي(1) في وصف القرآن الكريم :- ( فضل القرآن على سائر الكلام معروف غير مجهول وظاهر غير خفي يشهد بذلك عجز المتعاطين ورهن المتكلين وهو المبلغ الذي لايمل والجديد الذي لا يخلق والحق الصادع والنور الساطع والماحي لظلم الضلال ولسان الصدق النافي للكذب ومفتاح الخير ودليل الجنة إن أوجز كان كافيا وان أكثر كان مذكرا وان أمر فناصحا وان حكم فعادلا وان أخبر فصادقا سراج تستضيء به القلوب وبحر العلوم وديوان الحكم وجوهر الكلم) .
ولا شك أن القرآن الكريم كان له كبير الأثر في إحداث ذلك التغير الجوهري على حياة العرب فبعد أن كانوا في جاهلية جاءهم بالعلم وبعد أن كانوا في فوضى جاءهم بالانضباط وبعد أن كانوا لايحكمهم الا أعراف قبلية لاتعتمد على أساس أصبحوا يسيرون على منهج منظم يحكم سائر شئون حياتهم ومالم يتضمنه القرآن الكريم من أحكام تضمنه كلام النبي الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم والذي لاينطق عن الهوى ان هو إلا وحي يوحى لقدكان كلامه صلى الله عليه وسلم مضرب المثل ومحل الإعجاب من كل من اطلع عليه(2)

ــــــــــــــــــــــــــــــ
(1)- جواهر الأدب لأحمد الهاشمي ص288 – دار الكتب العلمية – بيروت
(2) – الاقتباس من القرآن أنواعه وأحكامه د/ عبدالمحسن العسكرص44 –مكتبة دار المنهاج


=====================================================
(3)
قال يونس بن حبيب (ماجاءناعن أحدمن روائع الكلام ماجاءنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم)(1) وللجاحظ عرض بديع لخصائص حديث الرسول صلى الله عليه وسلم وسماته قال في آخره ( لم يسمع الناس بكلام قط أعم نفعآولاأقصد لفظآ ولاأحسن موقعآ ولاأسهل مخرجآ ولاأفصح معنى ولاأبين في فحوى من كلامه صلى الله عليه وسلم )(2) مما أحدث تحولاً جذرياً في حياة العرب وسائر شئونهم ولأن الحديث محصور على الجانب البلاغي فانني سأحاول أن أتحدث ماأمكنني عن هذا الجانب مركزاً على ماأحدثه القرآن الكريم والأحاديث النبوية على كلامهم شعره ونثره من أثرسواء أكان في الألفاظ أو في المعاني أوفي الصياغة والإساليب ولا شك أن ذلك يظهر واضحاً جلياً وخاصةً في الشعر الذي كان موجوداً في الجاهلية ويلقى رواجاً كبيراً عند العرب لما له من أهمية في حياتهم ونقل أخبارهم وتسجيل أحداثهم لذلك كان منهم من الأهمية بمكان حتى قال ابن عباس رضي الله عنه إذا قرأتم شيئآ من كتاب الله فلم تعرفوه فاطلبوه في أشعارالعرب فإن الشعر ديوان العرب)(3)
وكانت كل قبيلة تنظر الي شعرائها بمزيد من الفخر والاعتزاز لأنه بشعره يخلد ذكرها ويسجل أخبار حروبها مع بقية القبائل وعندما جاء النبي صلى الله عليه وسلم وكان عربياً من بيئة عربية صافية نقية استمع الي الشعر وأعجب بجيده وأقر كثير منه , وأثنى على بعضه عندما سمعه من الصحابة فعن أبي بن كعب قال: قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم ( إن من الشعر حكمة )(4)

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1)- البيان والتبيين للجاحظ 2/18
(2)- المرجع السابق 2/18
(3) – العمدةلابن رشيق القيرواني1/20 تحقيق عبدالحميد هنداوي- المكتبة العصرية
(4)- فتح الباري بشرح صحيح البخاري 10/537 تحقيق الشيخ عبدالعزيز بن باز وجماعه – دار المعرفة – بيروت

=================================================
(4)
وتأتي سورة الشعراء في القرأن الكريم لتدلل على أهمية الشعر في حياة العرب
وتتضمن أياتها الكريمة رأياً واضحاً ومحدداً في الشعر وأهله صورة واضحة لايعتريها اللبس في قوله تعالى ( والشعراء يتبعهم الغاوون ألم تر أنهم في كل واد يهيمون وأنهم يقولون مالايفعلون الا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وذكروا الله كثيراً وانتصروا من بعد ماظلموا وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون )(1)
حيث جاء التعميم بوصفهم في بداية الأمر بالغوايه وذكر السبب ثم أتى الأستثناء في آية تاليه يدلل على أن ماوافق الحق ونطق بالصدق محمود ومقبول.
وأماالنبي صلى الله عليه وسلم والذي قال عنه المولى عزوجل في محكم التنزيل منزهاً له عن قول الشعر( وماعلمناه الشعر وماينبغي له إن هو إلا ذكروقرآن مبين)(2)فقد كان موقفه واضحاً من الشعر وأهله كيف لاوهو العربي الذي يعرف أهمية الشعرعند بني قومه لذا كان صلى الله عليه وسلم يستمع له ويعجب بجيده ويقره ويكره رديئه وينفرمنه وقد أستخدمه سلاحاً في الذود عن حياض الإسلام لذا كان يقول لحسان بن ثابت رضي الله عنه (أهجهم أوقال هاجهم وجبريل معك)(3)
وفي حديث أبي بن كعب قوله صلى الله عليه وسلم ( إن من الشعر حكمة ) (4)
ولقد أثنى صلى الله عليه وسلم على عبدالله بن رواحه عندما قال(5):-
وفينا رسول الله يتلو كتابه **** إذا إنشق معروف من الفجرساطع
أرانا الهدى بعد العمى وقلوبنا **** به موقنـات أن ما قال واقع
يبيت يجافي جنبه عن فراشه **** إذا اشتغلت بالكافريـن المهاجـع

لما في أبياته من سمو ونبذ للسوء.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1 ) - الشعراء الآية 224-227
(2)- يس الآية 69
(3)- فتح الباري لابن حجر 10/546
(4) – المرجع السابق 10/548
(5) – ديوان عبدالله بن رواحة

==================================================
(5)
وعندما سمع صلى الله عليه وسلم النابغة الجعدي يقول(1):-
أتيت رسول الله إذ جاء بالهدى **** ويتلو كتاباً كالمجرة نيرا
بلغنا السماء مجدنا وجدودنا ***** وإنا لنرجوا فوق ذلك مظهرا
إعترضه وقال ( إلى أين ياأبا ليلى؟) فقال: إلى الجنة فقال: رسول الله صلى الله عليه وسلم ( إن شاءالله )(2) لأن النبي صلى الله عليه وسلم إشتم من فخره روح الجاهلية فأراد أن يوجهه الوجهة الصحيحة فكان جواب النابغة موافقاً للحق.
وقال صلى الله عليه وسلم لكعب بن مالك ( لقد شكرك الله ياكعب على قولك هذا)(3) ويقصد بذلك قول كعب بن مالك(4):-
جاءت سخينة كي تغالب ربها ***** فليغلبــن مغالـب الغـلاب
والمتأمل في ماأحدثه الإسلام بمصدريه التشريعيين العظيمين والمتمثلين في كتابه العظيم وسنة نبيه الكريم يجد أثر ذلك واضحاً جلياً في جوانب شتى سأذكر منها ماأستطيع إليه سبيلاً.


ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1)- ديوان النابغة الجعدي ص36
(2)- الشعر والشعراء لابن قتيبة 1/289
(3)- خزانة الادب عبدالقادر البغدادي 1/417 – دار الكتب
وأنظر دلائل الإعجاز وأسرار البلاغة لعبدالقاهر الجرجاني – تحقيق محمود شاكر ص 17 – مكتبة الخانجي
(4)– ديوان كعب بن مالك دراسة وتحقيق د.سامي العاني ص 149– عالم الكتب


==============================================
(6)
المبحث الأول :-أثر القرآن الكريم والسنة النبوية في الألفاظ

تحدث بعض الدارسين للشعر العربي عما أحدثه الإسلام من تغيير في الشعر العربي بعامة وفي ألفاظه بخاصة وبالغ البعض منهم حتى أضفى على الشعر صفة الضعف بعد ظهور الإسلام والحق أن الإسلام هذب الشعر العربي وأحدث فيه تغييراً واضحاً في جوانبه المختلفه سواءاً كان ذلك في ألفاظه أو معانيه أو أغراضه ووضع قيوداً يجب على الشاعر المسلم أن يلتزم بها وأن يكون شعره موافقاً لما جاء في القرآن الكريم أو السنة النبوية من أحكام وما تدعوا إليه من تسامح ونبذ للفرقة وجمع للصف والمتتبع لما طرأ على الشعر العربي في صدر الإسلام وما بعده من تغيير في ألفاظه يلحظ أثر القرآن الكريم والسنة المطهرة في ذلك فقد جاءت ألفاظ الشعر في الغالب موافقة لما جاء في القرآن الكريم والسنة النبوية من وضوح في الدلالة وبعد عن الغرابة وهذا في الأعم الأغلب ومن المتعذر تتبع ماأحدثه القرن الكريم والسنة النبوية على ألفاظ الشعر العربي في عجاله كهذه لذا فأني سأورد بعض الامثلة المتعلقة بذلك ولعلها تفي بالغرض إن شاء الله ويمكن الحديث عن ذلك في النقاط التالية :-
1- قضى الإسلام على سجع الكهان الذي كان سائداً في الجاهلية والذي أرتبط بها وبما كان لدى العرب من معتقدات وثنية .سواء كان ذلك في الشعر أو النثر لذا نجد أن النبي صلى الله عليه وسلم قرع أحد الصحابة عندما إلتزم به في كلامه وقال له ( أسجع كسجع الكهان؟)(1) ونهى الخطباء عن محاكاة ذلك السجع في خطبهم .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)- فتح الباري بشرح صحيح البخاري 12/246 وما بعدها

=========================================================

(7)
وجاءت خطبته صلى الله عليه وسلم مثالاً يحتذى في الدقة في أختيار الألفاظ ووضوح المعاني والبعد عن التكلف والزهد في السجع وحذا حذوه في ذلك معظم الخطباء في عصرصدر الأسلام والعصر الأموي.
2- على الرغم من أن كثير من الشعراء عاشوا جزء من حياتهم في الجاهلية والجزء الآخر في الإسلام وهم من يعرفون بالمخضرمين إلا أن ماأحدثه الاسلام بمصادره من أثر في ألفاظهم كان واضحاً وكانت استجابة بعضهم لهذا الأمر متأخره بعض الشيئ بينما نجد أن حساناً رضي الله عنه شاعر النبي صلى الله عليه وسلم أصبح شعره في شكله وفي مضمونه متوافقاً مع الإسلام وكذلك عبدالله بن رواحه وكعب بن مالك وكعب بن زهير الى حد بعيد. نجد بعض الشعراء كانت أستجابتهم متأخرة بعض الشيئ كالحطيئة والنابغة الجعدي وغيرهم من الشعراء.
3- ظهر تأثير القرآن الكريم والسنة النبوية واضحاً على الشعر العربي والنثر وخاصة الخطابة .فكثير من الخطب في عصر صدر الإسلام والعصر الأموي كانت متأثرة بالقرآن الكريم وكانت ألفاظها تتضمن بعضاً من ألفاظه بدون زيادة ولا نقصان هذا عدا عن الاستشهاد بآي الذكر الحكيم والآحاديث النبوية في خطبهم سواءاً على سبيل الإقتباس أو التضمين مما لايتسع المجال الي حصره أو التدليل عليه.
أما في الشعر فهذه طائفة من الأبيات لبعض الشعراء الذين بدا تأثرهم واضحاً بألفاظ القرآن الكريم وعلى سبيل المثال لا الحصر:-
أ- الصياغة اللفظية للقرآن الكريم كقول النابغة الجعدي(1):-
الحمد لله لا شريك له ***** من لم يقلها فنفسـه ظلما
المولج الليل في النهار***** وفي الليل نهار يفرج الظلما

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1)- ديوان النابغة الجعدي ص132

===========================================================
(8)

ب- ومن ذلك قول الفرزدق(1) :-
ضربت عليك العنكبوت بنسجها
وقضى عليك من الكتاب المنزل
قال المبرد(2) ( فتاويل هذا أن بيت جرير في العرب كالبيت الواهن الضعيف فقال وقضى عليك به الكتاب المنزل يريد به قول الله تبارك وتعالى ( وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت ))(3).
ج- وكذلك منه قول الأحوص (4):-

إذا رمت عنها سلوة قال شامع
من الحب ميعاد السلو المقابر
ستبقى لها في مضمر القلب والحشا
سريرة حب يوم تبلى السرائرمتأثر في ذلك بالآية الكريمة في سورة الطارق ( يوم تبلى السرائر)(5)
وهذا يعد من التأثر اللفظي الواضح للشعر العربي ونثره بالقرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


(1)- ديوان الفرزدق2/155
(2)- الكامل لابي العباس المبرد تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم 1/28- دار الفكر العربي
(3)- العنكبوت الآية 41
(4)-شرح ديوان الأحوص لمجيد طراد ص 70 دار الكتاب العربي
(5)- سورة الطارق الآية 9

================================================

(9)
المبحث الثاني :- أثر القرآن الكريم والسنة النبوية في المعاني

لقد كان أثر القرآن الكريم والسنة النبوية واضحاً في المعاني فقد أحدث الإسلام بتعاليمه الجديدة أثراً بالغاً في حياة العرب في صدر الإسلام وماتلاه والمستقصي لهذا الأثر سيجد الكثير من جوانبه المختلفة مبثوث في بطون الكتب التي تهتم بهذا الأمر ولعلي أورد هنا بعضاً من الأمثلة التي تدل بجلاء على حدوث الأثر الواضح ومن ذلك :-
1-ماروي عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث النابغة الجعدي قال أنشدت النبي صلى الله عليه وسلم قولي:-
بلغنا السماء مجدنا وجدودنا
وإنا لنرجو فوق ذلك مظهرافقال النبي صلى الله عليه وسلم :أين المظهر ياأباليلى؟ فقلت :الجنة يارسول الله قال:أجل إن شاء الله, ثم قال أنشدني فأنشدته من قولي:-
ولا خير في حلم اذا لم تكن له
بوادر تحمي صفوه أن يكدرا
ولا خير في جهل اذا لم يكن له
حليم اذا مأورد الأمر أصدرا
فأعجب النبي صلى الله عليه وسلم بهذا القول لأنه متوافق مع قوله تعالى :- ( خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين )(1)
ولذا دعى له صلى الله عليه وسلم بقوله : ( لايفضض الله فاك )
قال : فبقي عمره لم تنقص له سن(2) .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1)- الأعراف الآية 199
(2)- دلائل الإعجاز وأسرار البلاغة لعبد القاهر الجرجاني ص 21و 22 وأنظر الشعر والشعراء لأبن قتيبة 1/289

===============================================


(10)
ومن ذلك قول حسان من قصيدته الشهيرة في رثاء النبي صلى الله عليه وسلم التي يقول في مطلعها
(1) :-
بطيبة رسم للرسول ومعهد
منير وقد تعوا الرسوم وتهمد
في قوله :-
عزيز عليه أن يحيدوا عن الهوى
حريص على أن يستقيموا ويهتدوا

متأثراً في ذلك بقوله تعالى :-
( لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم )(2)

--------------------------------------

(1)- ديوان حسان بن ثابت شرح /عبدأ. مهنا ص60 و 62
(2)- التوبة الآية 128

=================================================

(11)
المبحث الثالث : - أثر القرآن الكريم والسنة النبوية في الصياغة والإسلوب

وسيشمل الحديث في هذا المبحث جانبين : -
الأول : - في النثر وتبدو ملامحه أكثر وضوحآ في الخطابة لأن بقية أنواع النثر لم يكن لها وجود مؤثر في عصر صدر الإسلام وكانت في بواكيرها في العصر الأموي
أما الخطابة فقد كان العرب في الجاهلية عبارة عن تجمعات تحكمها قوانين وأعراف قبلية توجههم ولاءآتهم القبلية ونزعاتهم العصبية إلى إذكاء الصراعات والثارات والحروب مع القبائل الأخرى وكانت خطابتهم في الأعم الأغلب
مسخرة لهذا الغرض لذا جاءت خطبهم في معظمها مليئة بدواعي الثأر مشحونة بروح العصبية فيما توارت بقية أنواع الخطب أمام هذا المد الجارف . وعندما أشرقت شمس الإسلام كان للقرآن والسنة النبوية أثر كبير في التحول الذي طرا على الخطابة واستخدمها النبي صلى الله عليه وسلم في نشر تعاليم الدين الحنيف فكلما نزلعليه وحي أو أراد أن يوجه الصحابة إلى أمر من الأمور إعتلى المنبر وخطب فيهم خطبة وكانت خطبه صلى الله عليه وسلم في مجملها تركز على الدعوة إلى التمسك بتعاليم الين الإسلامي وقيمه النبيلة ومثله العليا و كانت
خطبآ جامعة تحوي من الألفاظ أدقها ومن المعاني أسماها وأوضحها ومن الأغراض أجلها وأشرفها .
وكذلك الحال بالنسبة للخطابة في عصر صدر الإسلام حيث أنها تتميز من الناحية الفنية بالدقة في إختيار الألفاظ وجودة المعاني والزهد في السجع .
إلا أن التحول الكبير الذي طرأ على الخطب في العصر الأموي كان ملفتآ وذلك نيجة لظهور الأحزاب السياسية والدينية والذي لم يزد الخطابة إلا قوة على قوتها من ناحية الإسلوب إلا أنها حادت عن المسار الذي اختطته لنفسها منذ ظهور الإسلام وأصبحت مضامينها في خدمة تلك الإنتماءات السياسية والمذهبية

====================================================
(12)
ولعل ابرز السمات تتجلى في الاستهلال دائمآ بالحمدلله والصلاة على رسوله ولذا سميت خطبة زياد عندما ولي البصرة في عهد معاوية بن أبي سفيان بالبتراء قال الجاحظ بعد أن ذكر خبر توليه (قالا : فخطب خطبة بتراء لم يحمدالله فيها ولم يصل على النبي )(1) واشتهرت بذلك .

ـــــــــــــــــــــــــــــــ
(1)- البيان والتبيين للجاحظ تحقيق عبدالسلام هارون2/62 الطبعة الثانية – مكتبة الخانجي

==========================================================
(13)
الثاني :- في الشعر

أحدث الإسلام تحولآ كبيرآ في مسيرة الشعر العربي كما أشرنا إلى ذلك في التمهيد ولم يأت ذلك التحول فجأة بل جاء بعد إرهاصات بدت في تلك الإشارات الواضحة في الآيات القرانية وأقوال النبي صلى الله عليه وسلم التي أوردنا بعضآ منها والتي تدعو إلى الإنتقاء في هذا الشعر وعدم السير على نهج السابقين الذين وصفتهم الآية بأنهم في كل واد يهيمون وأنهم يقولون مالايفعلون ويظهر أثر ذلك بجلاء على الشعراء الذين عاشوا في الجاهلية والإسلام وعرفوا بالمخضرمين وعلى رأسهم شاعر الرسول صلى الله عليه وسلم حسان بن ثابت – رضي الله عنه – فبعد أن من الله عليه بالإسلام سخر شعره لخدمة الدعوة الإسلامية والذب عن عرض الرسول صلى الله عليه وسلم حيث بدا واضحآ تأثر شعره بتعاليم الدين الحنيف في مضمونه ومال شعره إلى السهولة والبعد عن التكلف الذي كان عليه سابقآ ويمكن الحديث عن أثر القرآن والسنة على صياغة الشعر وإسلوبه من خلال الجوانب الآتية : -
1-استخدم الشعراء شعرهم وسيلة فعالة في الدعوة إلى الإسلام والتمسك بتعاليمه السمحة والإلتزام بالقيم والمثل العليا ومن ذلك قول صرفة بن أنس(1):-

فأوصيكم بالله والبر والتقى
وأعراضكم والبر بالله أول
وإن قومكم سادوا فلاتحسدونهم
وإن كنتم أهل الرياسة فاعدلوا

ــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) – السيرة النبوية لابن هشام تحقيق إبراهيم الإبياري1/510 الطبعة الثانية 1375هـ - مطبعة الحلبي

========================================================
(14)
2- توارت الكثير من الأغراض التي كانت لها الصدارة في الجاهلية كوصف الخمر والغزل الفاحش والهجاء المقذع إلا مااقتضته الحاجة مماقيل في هجاء المشركين والدفاع عن النبي صلى الله عليه وسلم ودين الإسلام والذي أقره النبي صلى الله عليه وسلم لذا نجده يقول لحسان رضي الله عنه (ياحسان أجب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم اللهم أيده بروح القدس ) (1)
وفي مقابل ذلك نجده صلى الله عليه وسلم يقول ( لإن يمتلىء جوف أحدكم قيحآ فيريه خير من أن يمتلىء شعرآ )(2)
ويأتي قوله المروي والذي تنجلي به صورة موقفه صلى الله عليه وسلم فيماروي عنه أنه قال (إنما الشعركلام مؤلف فما وافق الحق منه فهو حسن) وقوله ( إنما الشعر كلام فمن الكلام خبيث وطيب )(3)
وبعد ذلك نجد عمر بن الخطاب يشدد العقوبة على الحطيئة لهجائه للزبرقان بن بدر بقوله(4) : -

دع المكارم لاترحل لبغيتها **** وأقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي

ولايعفوعنه إلابعد أن أخذا عليه عهدآ بأن لاينال من أحد من المسلمين في أعراضهم .

----------------------------------------------
(1)- فتح الباري 10/546
(2)- المرجع السابق 10/548
(3)- العمدة لابن رشيق 1/18
(4) – ديوان الحطيئة

==================================================
(15)
3 – تطورت الأغراض القديمة كالمدح والرثاء والتي تأثرت بروح الإسلام وفي ذلك اكبر دليل على ما أحدثه الإسلام من أثر بالغ في نفوس المسلمين وعندما نرغب التوسع في الحديث عن هذه الأغراض وعن الرثاء تحديدآ يأتي بنا الحديث عن الخنساء والتي عندما قتل أخواها في الجاهلية قالت في ذلك شعرآ يتضمن اللوعة والحزن والغضب والسخط لفقدهما وخاصة صخر ومن ذلك .
قولها (1):-

مابال عينك منها الدمع مهراق **** سحآ فلاعازب عنها ولاراق
أبكي على هالك أودى فأورثني **** عند التـفـرق حـزنآحره باقي

وقولها (2):-
ألاليــت أمي لم تلدنـي سوية **** وكنت ترابآ بين أيدي القوابل
وخرت على الأرض السماء فطبقت****ومات جميعآ كل حاف وناعل
بينما نجدها بعد إسلامها وعندما جاءها خبر استشهاد أربعة من أبنائها لم تزد على أن قالت :-( الحمد لله الذي شرفني بقتلهم، وأرجو من ربي أن يجمعني بهم في مُستقَرّ رحمته)(3)


ــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) – ديوان الخنساء شرح عبدالسلام الحوفي ص 74-دار الكتب العلمية
(2) – المرجع السابق ص 79
(3) – أعلام النساء في عالمي العرب والإسلام عمر كحالة 1/370 – المطبعة الهاشمية
دمشق – الطبعة الثانية

=======================================================
(16)
أما المدح فقد بدا تأثره بالروح الإسلامية واضحآ والذي إبتعد فيه الشعراء عن شطحات الجاهليين ومبالغاتهم في إضفاء صفات الكمال على ممدوحيهم ولعلنا نستلهم من قول عمربن الخطاب رضي الله عنه في وصفه لزهير عندما قال: (ولايمدح الرجل إلابمافيه ) قاعدة مهمة تعتبر منطلقآ لشعر المدح في العصر الإسلامي ونبذا لماسوى ذلك لذلك وصفت العرب قول المهلهل (1):-

فلولا الريح أسمع من بحجر
صليل البيض تقرع بالذكور

بأكذب بيت قالته العرب .
قال ابن سلام (واسمه عديآوإنما سمي مهلهلآ لهلهلة شعره كهلهلة الثوب وهواضطرابه واختلافه من ذلك قول النابغة :
أتاك بقول هلهل النسج كاذب
وزعمت العرب أنه كان يتكثرويدعي في قوله بأكثر من فعله )(2)
4- وكذلك تبين للكثير من الدارسين للشعر العربي بعد ظهور الإسلام بعض الملحوظات الهامة وذلك عند مقارنتهم له بالشعر الجاهلي منها على سبيل المثال لا الحصر اختفاء الضرائر اللغوية بل ان هناك إلتزامآ شبه تام بقواعد اللغة العربية والنحو وسلامة الأوزان والقوافي من العيوب العروضية .

-----------------------------------------------------------

(1) – العمدة لابن رشيق القيرواني 2/78
(2) – طبقات الشعراء لمحمد بن سلام الجمحي دراسة طه إبراهيم ص38 – دار الكتب العلمية

===========================================================

(17)
الخاتمــــــــة
بسم الله الرَّحمَن الرَّحِيم

الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ، ولم يجعل له عوجا، أحمده عدد كل شيء وملء كل شيء ، بكل حمدٍ حمده به أولياؤه المقربون، و عباده الصالحون حمدا لا ينقضي أبدا ، ولا ينتهي سرمدا والصلاة والسلام على محمد وآله وصحبه ومن تبعهم بإحسان أبدا .

أمــــا بعــد ..
فها أنا أصل بتوفيق الله إلى نهاية هذا البحث الموجز والذي تحدثت فيه عن أثر القرآن الكريم والسنة النبوية البلاغي في عصر صدر الإسلام والعصر الأموي وبعد دراسة هذا الموضوع خلصت إلى مايلي :-
1-القرآن الكريم كلام الله الذي لايأتيه الباطل من بين يديه ولامن خلفه والسنة النبوية كلام النبي صلى الله عليه وسلم الذي لاينطق عن الهوى ومن دلائل نبوة النبي صلى الله عليه وسلم إعجاز القرآن الكريم والأحاديث النبوية الذي بهر جهابذة الفصاحة والبلاغة من بني يعرب من قريش وغيرها
2-أن القرآن الكريم والسنة النبوية أحدثت أثرآ بالغآ في حياة العرب بعامة وفي لغتهم خاصة وظهر ذلك جليآ واضحى فيما وصلنا من كلامهم شعره ونثره
3-أن أثر القرآن الكريم والسنة النبوية على كلام العرب شعره ونثره بدت دلائله واضحة في الألفاظ والمعاني والأغراض والأساليب
وكلما أرجوه أن أتيت على جوانبه المختلفة وأنا على يقين بأن التوسع فيه ربما يؤدي إلى تأليف مجلدات .
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين والحمد لله الذي تتم بنعمته الطيبات .

==============================================================
(18)
المصادر والمراجع

(1) – الاقتباس من القرآن أنواعه وأحكامه د/ عبدالمحسن العسكر – مكتبة دار المنهاج
(2) – أعلام النساء في عالمي العرب والإسلام عمر كحالة 1/370 – المطبعة الهاشمية
دمشق – الطبعة الثانية
(3)- البيان والتبيين للجاحظ تحقيق عبدالسلام هارون الطبعة الثانية – مكتبة الخانجي
(4) – السيرة النبوية لابن هشام تحقيق إبراهيم الإبياري الطبعة الثانية 1375هـ - مطبعة الحلبي
(5) - الشعر والشعراء لابن قتيبة
(6) - العمدةلابن رشيق القيرواني - تحقيق عبدالحميد هنداوي- المكتبة العصرية
(7)- الكامل لإبي العباس المبرد تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم دار الفكر العربي
(8)- جواهر الأدب أدبيات وإنشاء لغة العرب لأحمد الهاشمي دار الكتب العلمية بيروت
(9 ) - خزانة الادب عبدالقادر البغدادي – دار الكتب
(10)- ديوان الفرزدق
(11)- ديوان النابغه الجعدي
(12)- ديوان حسان بن ثابت شرح /عبدأ. مهنا
(13) – ديوان الحطيئة
(14)- ديوان عبدالله بن رواحه
(15 )– ديوان الخنساء شرح عبدالسلام الحوفي - دار الكتب العلمية
(16) - شرح ديوان الأحوص لمجيد طراد - دار الكتاب العربي
(17) - طبقات الشعراء لمحمد بن سلام الجمحي دراسة طه إبراهيم – دار الكتب العلمية
(18)- فتح الباري بشرح صحيح البخاري - تحقيق الشيخ عبدالعزيز بن باز وجماعه – دار المعرفة – بيروت

شموع الأمل
29-03-2008, 07:35 PM
جزاك الله خيراً

أحلام
04-04-2008, 01:38 PM
جزاكم الله خيرا
وبوركت أياديكم على هذا النقل المبارك

أبوخالدالمدني
08-04-2008, 07:25 PM
بوركتن أيتها الأخوات الكريمات على المرور والقراءة وإن شاء الله لن تعدمن الفائدة
للمعلومية أخت أحلام / هذا البحث المتواضع من إنتاجي وليس منقول 0

حميدي2005
15-10-2010, 05:32 PM
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته

جزيتم خيراً على البحث المميز


اخي الحبيب لدي بحث عن " اثر القرآن الكريم والحديث الشريف في النثر العربي "
ولك جزيل الشكر