المساعد الشخصي الرقمي

اعرض النسخة الكاملة : الــلــغــة وهــجــوم الــحداثــة



الجواد
27-04-2004, 03:45 PM
اللغة وهجوم الحداثة
كتبت هذه الكُـليمات بعد طول تردد وعمق تفكير؛فما بين آونة وحين,تراودني نفسي بالكتابة,ويقفز القلم بين أناملي,وتستلقي الأوراق على طاولتي,وما إن يقبل اليراع خد الأوراق إلا ويقشعر جلدي ,ويؤنبني ضميري ؛فلست ملمًا بتفاصيل هذا الموضوع ـ اللغة وهجوم الحداثة ـ ولا مستوعبًا لكل ما قرأت عنه. فهو موضوع ضخم كبير .لا يستهان به في الأهمية والعمق والاتساع ......
على كلٍ فقد تجرأت ودونت ما توصلت إليه ....وقسمت الموضوع إلى ثلاثة أقسام:
1- اللغة:وتناولت فيه أهمية اللغة ومكانتها وفضل القرآن عليها,وتعداد لبعض المحاولات الاستعمارية أهمها وأتباعهم من العرب....
2- الحداثة:وتناولت فيه مفهوم الحداثة وغربية مولدها وفكرها,والهدف منها , ونبذها لكل ماهو قديم بما في ذلك اللغة والدين.....
3- اللغة وهجوم الحداثة:وهو جزء يتضمن بعض المقولات والاعترافات لأصحاب الحداثة ومن أفواه أبنائها,وتصريحهم الصارخ, وحربهم للغة وتطرفهم في ذلك .حتى غضب عليهم بعض الغربيين وأنكروا عليهم !! وطالبوهم بالاستقلال في الفكر,وخلق شخصية منتجة للفكر لا مستهلكة لكل فضلات الفكر الغربي.

اللغة
للغة العربية مكانة سامية ومنزلة رفيعة في نفوس أبنائها,وفي نفوس المسلمين في شتى أنحاء المعمورة ,فهي بالإضافة إلى كونها اللغة الأم لما يربو على مئة وستين مليونًا من المسلمين العرب ؛فإنها لغة القرآن الكريم الذي تشرفت به,وكان سببًا في نمائها وانتشارها وحمايتها(إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون) وقد اختار الله عز وجل هذه اللغة العربية لتحتوي كتابه الكريم لما تتميز به من مرونة واتساع واشتقاق ونحت وتصريف وترادف..... بالإضافة إلى الغنى في المفردات والصيغ والأوزان. يقول العقاد " فإذا قيس اللسان العربي بمقاييس الألسن فليس في اللغات لغة أوفى منه بشروط اللغة في ألفاظها وقواعدها...."
لقد لفتت هذه العلاقة المتينة بين اللغة العربية والإسلام أنظار الأعداء ففكروا الهجوم على اللغة وبالتالي إبعاد الناس عن القرآن الكريم والدين الإسلامي حيث يستغلق عليهم فهم الآيات وينعدم تأثيرها عليهم , فلا يطبقون مالا يفهمون وتضعف شوكتهم ويسهل غزوهم الفكري والعسكري ..... بدؤا بالمصريين فدعوهم إلى العامية وحاولوا إقناعهم فكان لهم أتباع مثل:سلامة موسى. أحمد لطفي السيد...ودعوا إلى إلغاء الحرف العربي في الكتابة وإبداله باللاتيني فكان لهم أتباع مثل: فريد أبو حديد,أمين الخولي....ودعوا إلى تطوير اللغة وجعلوه شعارًا لهم فكان لهم أتباع مثل : طه حسين وغيره....(1)
ولعل أخطر الدعوات وآخرها هي الدعوة إلى الحداثة والإيهام بجمالها وأنها خاصة بأهل اللغة والعلم ,والذين يستطيعون فهمها لوحدهم,إنها دعوة لصفوة الأدباء والمثقفين واستقطاب لأهل العقل والعلم ......

الحداثة
"الحداثة في اللغة:مصدر حدث.وهي تعني نقيض القديم .وتعني أول الأمر وابتداؤه,وتعني كذلك الشباب وأول العمر"(2)
ومن هذا الضلال أخذت جاذبيتها وجمال لفظها,فهو لفظٌ يوحي بطلاوة الجديد والرغبة الملحة في التطوير والتجديد,ولكن رفع الشعار وترديده لا يعني صحته,فالحكم على صحته وجودته يتضح من مسلك كتاباتهم وتوجهاتهم العامة,وا لحداثيون يحاولون الهرب من المصارحة بأفكارهم فيتجهون إلى الغموض واستخدام الرموز واستلهام الألفاظ الضبابية لكن سقطات اللسان أو العناد وربما الملل من الانتظار يجعلهم يصرحون......
من الملاحظ مؤخرًا أنهم أصبحوا يعلنون عن أفكارهم ويكشفون عن نواياهم من منطلق أن الهروب كان في البداية ,وأما الآن فلا مانع من الإعلان المعمم داخل القوالب الأدبية وخاصة الشعرية.....
بيد أن المتأمل لكتابات أهل الحداثة يستطيع أن يشخص الحداثة ويعرفها ,ومن تعريفات الحداثة أنها تعني:
"الانسلاخ من التقليدي في حياة الفرد والمجتمع فكرًا ونظمًا وعلاقات وأنماط حياة متنوعة ,والتحلي بدلاً منها بجديد مغاير"(3). وغالبًا ما يكون هذا الجديد ـ عندهم ـ هو ما عند الغرب ,وهذا ما اعترفوا به ودعوا إليه وتفاخروا به.
إذن فالحداثة ثورة ضد القديم وضد التراث وضد الأخلاق وضد اللغة,وسوف يتضح ذلك للقارئ العادي عندما يتتبع مقولاتهم وتصريحاتهم ,فأشعارهم وأقوالهم مليئة بسب التراث ككل والنيل من اللغة والدين بالذات,وأما الأخلاق فقصائدهم تضج بالعهر والعري والخطيئة والخمر وغيرها ,وأما اللغة فقد حرصوا على إهانتها وإفساد روعتها والتلاعب بقواعدها ومعانيها وإليك توضيح ذلك:

اللغة وهجوم الحداثة

كثيرًا ما يردد الحداثيون شعاراتهم المعروفة والمعلنة, وأنهم جاؤوا في الأدب واللغة والشعر,وأنهم يريدون الوصول بالعرب إلى ساحة الأدب العالمي,وقالو كذلك أنه لا بد من سماع الرأي الآخر والأخذ منه ولابد من المثاقفة والأخذ من عباقرة الغرب ,ولعله من نافلة القول دعوتهم إلى نبذ التراث ونبذ الجمود وأنهم ضد الأشكال والأساليب المحنطة, والتعابير المبسطة الممجوجة, والتشبيهات المفهومة حتى لدى الأطفال .ولعل أبرز سمات هذا الأدب الجديد الدعوة إلى الغموض وإلغاء المعاني والربط اللفظي للنص دون المعنى واستخدام الرموز والإيحاءات (4) ,ولعلي أورد بعض مقولاتهم في ذلك .
يقول أدونيس:"فإن القصيدة الجديدة...تركيب جدلي لانهائي بين هدم الأشكال وبنائها " ويقول:"الشاعر يطمح أن يكون وأن يبقى ضد التقليد الثابت"
"تجاوز الماضي ...الأشكال والمقاييس والمفاهيم التي نشأت عن أوضاع وحالات مرتبطة بزمانها ومكانها وبات من الضروري أن يزول فعلها"
"لقد انتهى عهد الكلمة الغاية...فتفرغ الكلمات من معانيها الموضوعة والموجودة مسبقًا في المعاجم أو على الألسن.."
ويقول د. عبد الله الغذامي " وهذه النظرة المتكاملة في تصور الوحدة تخدم في تقديم العمل الأدبي لا على أنه ناقل للمعنى ولكن على أنه قيمة جوهرية التولد ذاتية التحول"
"إن الشاعر يحرر الكلمة من معانيها ومما علق ها من غبار السنين فيطهرها ويغسلها " ويقول كمال أبوذيب "هي تثوير جذري للفكر " ويقول أحمد كمال زكي " الشعر الذي يفهم ليس بشعر" ويقول سعيد السريحي"إن هذه الأبواب الإبداعية ذات طبيعة تجعل من الغموض ضربة لازب"(5)
وعلى كلٍ فإن هذه المقولات والدعوات ما تزال موجودة وتنتشر في الصحف والجرائد والملاحق الأدبية.....
إنهم بغموضهم البغيض وإقصاء المعاني عن الألفاظ يخالفون مقاصد اللغة العربية,بل إن جميع اللغات نشأت من أجل الإبلاغ والإيضاح ليسهل التفاعل والتعامل والتحدث بين الناس ,فالإبلاغ وظيفة اللغة الأساسية بإجماع علماء اللغات وبلا استثناء.
والناظر إلى آيات الله والقارئ لكتابه يعرف قوله تعالى "نزل به الروح الأمين على قلبك لتكون من المنذرين بلسان عربي مبين" وقوله تعالى " وأخي هارون هو أفصح مني لسانا فأرسله معي ردءًا يصدقني إني أخاف أن يكذبون"
فالحداثة إذن تخالف القرآن الكريم مخالفة صريحة ودعوتها إلى إغفال المعاني دعوة ضالة قائمة على أفكار البشر الضعفاء الذين قال الله سبحانه وتعالى فيهم "ألم يرى الإنسان أنا خلقناه من نطفة فإذا هو خصيم مبين" الآية.فدعوتهم إلى إغفال المعاني وعزلها عن الألفاظ وإفراغ الكلمات من مضامينها فيه تناقض صارخ مع ما ورد في الكتاب والسنة من الحرص على صون اللسان وأن الإنسان محاسب على كل ما ينطق به ويقوله,فلابد من حفظه من الزلل , وما الحداثة إلا وكر عظيم من أوكار الزلل ومنبع للضلال والزيغ(6).
لقد تطرف الحداثيون تطرفًا جارفًا عندما دعوا إلى تفكيك اللغة وعدم الالتزام بالإعراب والتثنية والجمع والدعوة إلى الثورة على اللغة لفظًا ومعنى فهي دعوة فوضوية بحجة التجديد في اللغة!!
يقول سعيد السريحي:" حيث أصبح من خصائص القصيدة الجديدة ذلك التركيب غير العادي للعبارة من حيث التقديم والتأخير ,والفصل والوصل,وأصبحنا نجد الألفاظ تتناثر تناثرا عجيبًا ,لا تربطها رابطة,إذ اختفت كثيراً من لأدوات النحوية التي اعتدنا وصل الجمل بها ,وكذلك استعمالها حروف كثيرة في غير معانيها التي وضعت لها , وتوالت الضمائر من غير أن يكون هناك ذكر لمن تعود له ,ومن شأن ذلك أن يزيد من غموض القصيدة الجديدة فصالها عن القارئ وقد حرص الشاعر المحدث على كسر الإطار العام للتركيب اللغوي خلال ثورته على الاتجاه العقلي الذي هيمن على القصيدة "
ويقول" ولنجرؤ قليلاً ونقول أنه ضد النحو" ويقول د.عبد الله الغذامي"ولذا فإن الكلمة في البنية لا تكتسب قيمتها إلا من بروزها كمعارض لكل ما هو سابق لها أو لاحق لها ...وهذا يلغي الوجود الجوهري للكلمة ويؤسس العلاقة كقيمة أولى لنشؤ وظيفة" ويقول....ويقول....ويقول...
لقد تطرف الحداثيون العرب لحداثتهم تطرفًا قمعيًا فظهروا بعباراتٍ همجيةٍ كقول د.عبد الله الغذامي"إما أن يكون المثقف حداثيًا أو لا يكون مثقفًا" ولعبد الله نور "الشعر الذي يفهم ليس بشعر" وأنس الحاج "إن الشاعر الحقيقي لا يكون محافظًا"(7)
وانظر إلى حزن هذا الحداثي حينما يعلن خجله الشديد من استمرارية الشعر العربي عبر القرون الماضية وهو محافظ على شكله حيث يقول " ترى ! ماذا يقول أليوت لو سمع أن في ركن من أركان المعمورة شكلاً شعريًا استمر عليه أهله ألفًا وأربع مئة من السنين .ولا يزال الكثيرون يتشبثون به"(8)
الغريب أن هذا التطرف الحداثي لم يثر حفيظة شعراء الأصالة فقط بل أثار حتى بعض الأدباء الغربيين الذين أبدوا اعتراضات عليهم مثل الناقد البريطاني ستيفن سندر الذي أنكر على أدونيس دعوته إلى هدم القديم ,بل ووصفه بالتطرف ,وأخبره أن كبار شعراء الحداثة الغربيين مثل: أليوت. مانيوا اونولد وغيرهما استفادا من القديم. وسئل المستشرق الفرنسي شاربيلا :ماذا تقرأ الأدب العربي القديم أم الحديث؟ فأجاب : بل أقرأ الأدب العربي القديم وحده!! فسأله المحاور: لماذا لا تقرأ الأدب العربي الحديث؟ فأجاب لأنه أدب أوروبي مكتوب بحروف عربية.ولقد اعترف جبران خليل جبرا في لحظة صدق فقال : الشرق اليوم إنما يقلد الغرب ,فيتناول ما يطبخه الغرب ويبتلعه دون أن يحوله إلى كيانه بل إنه على العكس يحول كيانه إلى كيان غربي .
ولعله من المناسب الآن ,إيراد النصيحة الغربية التي وجهها الأديب الإيطالي إيجنازيو سيلوني الأدباء العرب والتي قال فيها " إن الطبيعة تأبى أن تعترف بأدب عام,لأقوام اختلفت أمزجتهم وعقلياتهم ,وتفاوت ميراثهم النفسي والحضاري,ولهذه نود أن نقرأ أدبكم أدبًا عربيًا متميزًا؛لأنه إنما يأخذ مكانته أدبًا عالميًا بتفرده وأصالته ..." (9)
وحتى لا يُفهم مقصدي من هذه الأسطر خطأ؛أوضح الموقف المناسب تجاه تيارات التجديد بلسان ناصر الدين الأسد حيث يقول " لابد أن نفتح النوافذ كلها؛لنستقبل النور والهواء على أن نرى النور بأعيننا لا بأعين غيرنا,وأن نتنفس الهواء برئاتنا لا بالرئات التي تصنع لنا ,وأن نفتح النوافذ حين نريد لاحين يراد لنا ,وعلى الصورة التي نختارها ,لا على الصورة التي تفرض علينا "(10)


الـــجــــواد ـــــــــــــ الــجـــواد ــــــــــــــــ الـــجواد

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ(1) د. أبوعباة إبراهيم بن محمد:لغة القرآن(الأولى.1413هـ.الرياض.دار الوطن)
(2) د.الزنيدي عبد الرحمن:العصرانية في حياتنا الاجتماعية(الأولى.1415هـ.دار المسلم.الرياض)
(3)المصدر السابق
(4) د.الهويمل حسن بن فهد:الحداثة بين التعمير والتدمير(الأولى.1413هـ.دار المسلم. الرياض)
(5) د.النحوي عدنان:الحداثة من منظور إيماني(الثالثة.1410هـ.دار النحوي.الرياض)
(6) د. عريف محمد خضر:الحداثة(الأولى.1412هـ.دار القبلة.جدة)
(7)القرني محمد عوض:الحداثة في ميزان الإسلام(الأولى.1408.مصر.هجر)
(8) جمال سلطان:أدب الردة(الأولى.1412.مركز الدراسات الإسلامية.بريطانيا)
(9)(10)المصدر السابق

سامح
14-06-2004, 04:18 PM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته


موضوع قيم ومفيد لاأدري لماذا غفلنا عن قراءته كل هذه المدة
جزاك الله خيراً على مابذلت من جهد , وإن كنت أظن أن الموضوع
متشعب ممتد ويحتاج إلى بحوث وبحوث لنصل إلى كلمة سواء .

ولكنّ ختامك كان مطرباً موجزاً مكملا :

"وحتى لا يُفهم مقصدي من هذه الأسطر خطأ؛أوضح الموقف المناسب تجاه تيارات التجديد بلسان ناصر الدين الأسد حيث يقول " لابد أن نفتح النوافذ كلها؛لنستقبل النور والهواء على أن نرى النور بأعيننا لا بأعين غيرنا,وأن نتنفس الهواء برئاتنا لا بالرئات التي تصنع لنا ,وأن نفتح النوافذ حين نريد لاحين يراد لنا ,وعلى الصورة التي نختارها ,لا على الصورة التي تفرض علينا "


الحداثيون وإن ذموا اللغة فهم مرغمين عليها إذ حديثهم وخطابهم
وإبداعهم ( الحداثي ) إنما صيغ بمفردات وحروف عربية فحجتهم
واهية وحربهم المعلنة خاسرة ..

ولكن تبقى الحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها فهو أحق بها .. فلنجدد
ولنبدع أساليب جديدة في الدعوة إلى أفكارنا النبيلة كي لايستوهي
الأجيال القادمة لذة الحديث القائم على مضمون فاسد فينسون ماخلقوا له
وينشأوا بلا دين ولامذهب ..


دمت بخير ..

وأتمنى أن تنتبه لما ورد في مقالك من أخطاء تحول بين القارئ
وبين ماورد فيه من كلام ثمين :)

تحياتي لك

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

السمو
14-07-2004, 07:48 PM
أهلاً بك أخي الجواد ..
الكلام حول الحداثة كمصطلح فكري , أو مذهب أدبي أمر ليس باليسير .. فالأسس التي تقوم عليها الحداثة متباينة ,, و قد يناقض حداثي حداثياً آخر , بل يصل الأمر إلى أبعد من ذلك فيناقض الحداثي نفسه .. ليس في أهداف الحداثة فحسب ,, بل في تعريفها .. و هنا المحور الأهم الذي كان عليك التعريج عليه , و التركيز فيه ..
ثم إني أعتب عليك حينما اقتصرت في مصادر هذا المقال على ردود و كتب ( المناوئين ) ,, و لم تتعب نفسك في قراءة كتب الحداثيين قراءة ممعنة لا انحياز فيها لتكون من المقسطين ..
فبات مقالك كله نقولا و اقتباسات تعتمد فيها على غيرك في تحليل النصوص و قراءة الأفكار و مناهضة هذه الفكرة من أسمى أهداف الحداثة ..
الحداثة عند عبدالله الغذامي تنحصر في كلمتين جامعتين مانعتين ( التجديد الواعي ) .. و أعتقد أن من الوعي عدم تقليد الغرب تقليداً أعمى , و أن التجديد ليس بدعاً من العمل أو زوراً من القول .. إذن فهذا التعريف هو منطلق الحداثة في العربية السعودية بخصوصيتها الثقافية ..
أمر الحداثة صار مريباً و خطيراً كونه جاء من الغرب , و كون الفكرة الغربية تقوم على أسس علمانية متحررة من كل شيء .. و مفكرونا و أدباؤنا انطلقوا من هذا الأساس في محاربة الحداثة , و لم ينظروا إلى النسخة العربية الإسلامية التي تعد ( كما يرى الغذامي ) أن كل نقلة حضارية هي حركة حداثية ,, و قد سرد في كتابه ( حكاية الحداثة في المملكة العربية السعودية ) مراحل الحداثة التي قامت في العربية السعودية فعدَّ توطين البدو ( حداثة ) , و تعليم البنات ( حداثة ) و افتتاح الجامعات ( حداثة ) ..
إذن فالحداثة ليست نطاقاً فكرياً أو ثقافياً محدداً و إنما هي ( حالة فكرية كلية , تشمل الأفكار و الوعي مثلما تشمل أنماط المعاش و الإدارة و لكل بيئة اجتماعية أو فكرية تعريفها الخاص بها ..) 35 - حكاية الحداثة - .

و لك أن تفهم الحداثة بمفهومها ( اللغوي ) فهي ذاتها التي يطالب بها كل أحد .. و إن شئت , فلدي أن الحداثة لفظ رديف للحضارة , للتمدن , للمظاهر الثقافية و الاجتماعية الراقية التي تقوم على احترام الأنظمة و القوانين العرفية و السياسية و الدينية ..

نعم , هناك مشكلة كبرى ,, و هي التبعية الواضحة للغرب عند كثير من الحداثيين , و دعوة إلى إقصاء الدين عند عدد منهم ,,
إلا أن الأمر ليس عاماً و الظاهرة غير مستشرية حتى يصح وصف الحداثة بهذا الوصف المبتذل ..
و ارجع إلى قول ( رسول الحداثة -كما يراه أحد المناوئين - ) الغذامي في تحديده للحداثة ( و لكل بيئة اجتماعية أو فكرية تعريفها الخاص ) .. فنحن كمثال في العربية السعودية نعيش بيئة اجتماعية محافظة شديدة المحافظة , و فكرية إسلامية شديدة السلفية .. و إن كان من تعريف للحداثة في هذه البيئة فهي تلك المناسبة لها , الموائمة للأهداف العامة للحداثة التي تتفق فيها كل رسالة حضارية نهضوية ..
فعند أدونيس أن أهداف الحداثة السامية لن تتحقق إلا بنبذ التراث الثقافي و الإسلامي العربي القديم كله ..
أما في العربية السعودية فالحداثة هي الانطلاق المتوازي مع الثقافة الاجتماعية و النسق الديني العام .. حيث يكون الازدواج و الإنتاج ..
فالحداثة تمثل الجانب ( التقني , و الفكري المنفتح , و العين على الثقافات الأخرى ) .. و الدين يمثل ( الركن الأهم الذي يهذب المجتمع و يعين الحداثة على تحقيق أهدافها السامية ,, و يقف فلتراً صلباً في وجه استقبال الثقافات الأخرى .. حتى يصل إلى المجتمع أحسنه , و أنقاه ) ..

أما حداثة ( الوسائل ) و الأدوات التي نراها متمثلة في الأدب و فنه فهذا أمر بسيط لا يحتاج إلى حجة قوية , أو مظاهرة حاشدة .. و إنما يدخل في باب التنويع في الأساليب و الدعوة إلى تعدد أغراض و فنون الأدب .. و أن لا نقتصر على الشعر العمودي المقفى الموزون , بل إن عبدالله الغذامي و هو رأس من رؤوس الحداثة يأنف أن تذكر الحداثة كرمز للأدب ,, و صرح مراراً و تكرارا خاصة في كتابه الأخير الحكاية ..

علينا أن نرتقي قليلاً بتفكيرنا ,, فلا نحسب كل صيحة علينا , و أن أية دعوة إلى تجديد هي من قبيل المؤامرات التي يسعى دعاتها إلى قلب مجتمعنا إباحياً ملحداً لاهيا , ,
لا ليس الامر كذلك يا صديقي ,, و أنت من ذيل مقالته بكلام لطيف و قاعدة ملهمة ,, إلا أنك كمن يذبح الحمامة بيده و عينه تدمع حزناً عليها ..

يجب أن لا نتوجس خيفة من كل شيء , و أن لا نجابهه بالرفض ,,فإننا إن انتهجنا ذلك ,, فلن يوصلنا الأمر إلا إلى ( الانعزال و الانطوائية ) ..
فتكون مجتمعاتنا متكورة متحجرة تعد من سقط المتاع , و هذا يخالف النهج النبوي الذي يدعو إلى البحث عن الحكمة , و يعدها ضالة أينما وجدها فهي له.. !!

أبو سارة
15-07-2004, 03:48 PM
السلام عليكم
كل الشكر لصاحب الموضوع على هذه الفوائد الجميلة ،والشكر موصول لأستاذنا سامح المشهور بـ (سياسته الأدبية :) ) كما لايفوتني أن أقدم الشكر الأجزل للأستاذ السمو على درره الغالية وحججه الواقعية0
لا أخفيكم ،استمتعت بقراءة الموضوع جدا ، فشكرا لكم جميعا

الجواد
17-07-2004, 01:41 AM
أخي سامح :

عندما كتبت هذا الموضوع كنت في شوق لسماع ملحوظاتك الدقيقة ونقدك الوافي لا مجرد ثناء عام وإشارة إلى رأي مخالف مبهم........

سامحك الله يا سامح : إذ بخلت علي بتوجيهاتك الثاقبة وإرشاداتك الموفقة.....

ها أنا أستجديك أن توضح ما ألمحت إليه بين السطور في تعقيبك.........فهل تفعل؟؟؟ أتمنى ذلك.....


صاحبي اللدود : الـسمـو

لقد أثلجت صدري بتعقيبك الوافي وأعجبتني صراحتك ووضوحك

أيها الصاحب اللدود : تقول أن الحداثيين متباينون في حداثاتهم وتعريفاتهم لها ..............

وتحدثت عن النسخة العربية الإسلامية !!!!! لمفهوم الحداثة ( التجديد الواعي ) ...............

تحدثت عن المصطلح اللغوي للحداثة.....والحداثة الشاملة .... حداثة توطين البادية..... حداثة تعليم البنات ....

ثم وجهت إلي كلامًا خطابيًا جميلاً أكدت فيه على ضرورة الارتقاء بالفكر .....وأن دعوات التجديد لاتعني المؤامرة ضد أدبنا وتراثنا.....وخشيت علينا من التحجر المكرور حتى لا تعد من سقط المتاع.......

وشبهتني بمن يذبح الحمامة بيد وعينه تدمع حزنًا عليها .....

صديقي اللدود : السمو

أعجبني ردك كثيراً ـ أي والله ـ رغم أنك ذبحتني بيدك وعينك تدمع حزنًا علي....

هل تسمح لي بطرح شيئ مما لدي؟

أما حديثك عن المفهوم الشامل للحداثة وأنه يتضمن حداثة توطين البادية ...وحداثة تعليم البنات....

فهذا أمر أتفق معك فيه , إلا أنه عموم خارج عن طرحي ( الـلـغــة وهـجوم الحـداثـة )....فلا خلاف بيننا هنا

وأما ذكرك للمدلول اللفظي اللغوي فهذا أمر أتفق معك فيه , إلا أنني ذكرت أن دعاة الحداثة استغلوا هذا اللفظ

ومدلوله اللغوي لإقناع الآخرين بحداثتهم......فلا خلاف أيضًا......

تحدثت ـ يا صاحبي ـ عن نسخة سعودية إسلامية !!!! لمفهوم الحداثة ....واستشهدت بمقولات للغذامي ....

أخي الأكبر السمو :

لو كانت هذه النسخة موجودة ــ كما يزعم الغذامي ــ حقيقة فصدقني بأنه لن يعارضها أحد.......

الحقيقة أنها ليست موجودة أصلاً لدى الحداثيين السعوديين بدليل قولك أنهم متباينون في الأسس وأنهم قد يتناقضون بل قد يناقض الحداثي نفسه....وجاء في تعقيبك أن منهم المتأثر بالغرب ويدعو إلى إقصاء الدين.....الخ

معلمي الفاضل : السمو
إن الغذامي نفسه ليس لديه منهج محدد , ففي كل يوم له راية.....كان شاعرًا عموديًا ....ثم تحول إلى شاعر تفعيلي.......ثم أديب حداثي ........... فناقد ومنظر للحداثة.......بعدها تحول إلى النقد الثقافي.........

دعني أسألك سؤالا في أي هذه المراحل وجدت النسخة العربية الإسلامية للحداثة ( التجديد الواعي ) ..........


أعتقد أنها لم توجد إلا مؤخرًا فقط......ومصطلحًا فقط ......ولدى الغذامي فقط......بعد أن هجر الحداثة !!!!!

فهل سمعت بهذه النسخة عند غير الغذامي؟؟؟؟

أبي المربي : السمو

نبهتني مشكورًا إلى أن الحكم العام على أهل الحداثة فيه جور وظلم ........أشكرك على تنبيهك المقنع


أتمنى أن توجه هذه النصيحة الثمينة إلى الغذامي الذي مارس الإقصاء لكل من خالف الحداثة

فهاهو الغذامي يلخص موقف المناوئين للحداثة في كتابه الموقف من الحداثة ـــ لاحظ الكتاب للغذامي ـــ

يقول : " وأخيرًا يتضح لنا أن مناوأة الحداثة نابعة من قصور معرفي لدى المناوئين......." ص 56

أبي الفاضل : السمو

أعتذر إن كنت قد أطلت عليك ....وأرجو أن تنير لي الدرب بما لديك من علم غزير........

أبا سارة:

أما آن لك بالمشاركة العلمية فبمشاركتك تتضح الرؤى وتتلاقح الآراء........

أبو سارة
18-07-2004, 01:13 AM
السلام عليكم
الأستاذ الجواد سلّمه الله
كلامك أكثر من رائع ،أشعر أنه مشاعر صادقة مكتوبة بماء العلم والإطلاع ، ومؤطرة بسياج التمكن ، وجزى الله الأستاذ السمو عنا خيرا ، فقد استطاع أن يستخرج ماتكنه من خفايا هذه المعرفة0
أخي الكريم000
لا استطيع الخوض في غمار هذا المفهوم (الحداثة) لقلة بضاعتي فيه ، ورحم الله امرئ عرف قدر نفسه ، ولكني أعلم أن ثلة من مدعي (الحداثة ) يبهروننا بآراء لانعلم سيرة قائليها مثل أدموند وولسن ومن شاكلهم ،بينما نجد هؤلاء المدعين قاصرون عن الوعي بأبسط المفهومات لابن رشيق وابن الأثير مثلا !
ونتيجة لهذا المفهوم ، أصبح من عقائد هؤلاء أن عدم (التبعية) للغربيين تعني عدم (التأهيل) للوعي و (فهم الحداثة) فصحب هذا المفهوم تنكر لكل مايمت لغير الغرببين ،أي أنه لا فهم ، إلا عن طريق الغربيين!
وإن صح ما قلتَه عن الغذامي هذا ، رغم أني لا أعرفه ولم يسبق أن قرأت له شيئا من قبل ، فليس بغريب ،لأنها شهرة كرجع الصدى ولا حقيقة لها على أرض الواقع، وحسب أحد من هؤلاء أن يقف في مصاف ابن رشد تاريخيا! ولكن بينهم وبين ذلك خرط القتاد! وقد يكون في مقدورهم أن يبلغوا مقاما كمقام (فريد شوقي)! من جهة الشهرة الزمنية!
أخي الكريم
يجب أن يكون الميزان لكل فن من الفنون هو الميزان الشرعي الإسلامي ، فالمنطق على عقلانية أكثر قواعده ، فهو لايتوافق مع الشرع ، وإن كانت قوانين المنطق صيغت بأبعد صورة لعقل الإنسان ،فإن عقل الإنسان مهما أبدع فهو محدود التصور ،ولايصح مع هذا أن نخلق قواعد ومن ثم نطبقها على الخالق!
لدينا ذخائر وكنوز (خام) لو أُستعملت من (صناع) المفاهيم ، لخرجنا بشيء يميزنا ويحفظ لنا هويتنا بين الأمم ، وربما يكون ذلك خير من تقليدنا ( الممسوخ) للغرب ،وبما أن تركيب الكلام عمل عقلي لا نقلي ،فالخلل إذن في العقول لا في النقول ، وما أجمل النقول التي نملكها ، ولكن، نعود فنقول: أين صناع المفاهيم؟
هذا رأي مقتضب لا أجزم بموافقة الغير له ،وربما أكون مخطئا ببعض ماجاء به ، فمن لم يعجبه هذا الرأي ،فلا ضير أن يلقيه في (سلة المهملات) غير مأسوف عليه!0
أرجو أن تقبلوني كقارئ لكتاباتكم ، فأنا معجب بما تكتبه أناملكم ، ومنكم نستفيد0
والسلام عليكم

السمو
19-07-2004, 11:13 PM
أيها الجواد ..

إن أعجب فعجب من عدِّك التصاعدي .. ( صاحبي اللدود ---)) أبي الفاضل ) ..

ملحوظة :
حتى لا يظن الغرُّ بي الظنونا .. فأنا لست حداثياً و لا أسعى إلى ذلك ,

فالحداثة أتركها لأصحابها من زمرة محمد بن رويشد السحيمي و معلمه الأكبر ..

إلا أني رجل أفتح بابي لكل والج ,, فأنظر في أمره , فإذا رأيت فيه ما ينفعني أدخلته و أكرمته , و إن بدا لي سوؤه جررته برأسه ثم ألقيت به خارجا ..
لا أن آخذ الناس على جهالة ,,